وكان غاية في الورع، توفّي بجدة بعد منصرفه من الحج سنة ٤٩٣، رحمه الله تعالى.
٢٩٣ - ومنهم الإمام الفاضل الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الساحلي الغرناطي (١) . قال العز بن جماعة: قدم علينا من المغرب سنة ٧٢٤، ثمّ رجع إلى المغرب في هذه السنة، وبلغنا أنّه توفّي بمراكش سنة نيّف وأربعين وسبعمائة (٢) ، وأنشد والدي قصيدةً من نظمه امتدحه بها، وأنا أسمع، ومن خطه نقلت، وهي:
قفا مورداً عيناً جرت بعدكم دما أناضي أسفارٍ طوين على ظما
غدون أهلاّتٍ تناقل أنجماً ورحن حنيّات تفوّق أسهما
يجشّمها الحادي الأمرّين حسّراً ويوطئها الحادي الأحرّين هيّما
على منسميها للشقائق منبتٌ وفي فمويها للشقاشق مرتمى
إلى أن قال:
وتعساً لآمالٍ جهامٍ سحابها تزجّى ركاماً ما استهلّ ولا همى
تجاذبها نفسٌ تجيش نفيسةً ومن لم يجد إلا صعيداً تيمّما
فهل ذممٌ يرعاه ليلٌ طويته طواني سرّاً بين جنبيه منهما
أقبّل منه للبروق مباسما وأرشف من بهماء ظلمائه لمى
إلى أن تجلّى من كنانة بدرها فعرّس ركبي في حماه وخيّما
стр. 1367
ثمال اليتامى حيث ليس مظللٌ وكهف الأيامى أيّما عزٌّ مرتمى
ومنها:
فيا كفّه هل أنت أم غيث ديمةٍ أسالت عباباً في ثرى الجود عيلما
ويا سعيه يهنيك أجرٌ ثنى به على معطفي علياه برداً مسهّما
قضى بمنىً أوطار نفسٍ كريمةٍ وروّى صداها حين حلّ بزمزما
وناداه داعي الحق حيّ على الهدى فأسرج طوعاً في رضاه وألجما
فلله ما أهدى وأرشد واهتدى ولله ما أعطى وأوفى وأنعما
ومنها:
أمتّ بآدابٍ وعلمٍ كليهما أقاما لديك الدّعي فرضاً وألزما
وهي طويلة.
٢٩٤ - ومن الراحلين من الأندلس الوليد بن هشام، من ولد المغيرة بن عبد الرحمن الداخل فيما حكى بعض المؤرخين (١) ، خرج من الأندلس على طريقة الفقر والتجرّد، ووصل برقة بركوة لا يملك سواها فعرف بأبي ركوة، وأظهر الزهد والعبادة، واشتغل بتعليم الصبيان وتلقينهم القرآن، وتغيير المنكر، حتى خدع البربر بقوله وفعله، وزعم أن مسلمة بن عبد الملك بشّر بخلافته بما كان عنده من علم الحدثان، وكان يقال عن مسلمة: إنّه أخذ علم الحدثان عن خالد بن يزيد بن معاوية، وأخرج لهم أرجوزة أسنده إلى مسلمة، ومنها في وصفه:
وابن هشامٍ قائمٌ في برقه به ينال عبد شمسٍ حقّه
стр. 1368
يكون في بربرها قيامه وقرّة العرب لها إكرامه
واتفق أن قرة انحرفوا عن الحاكم فمالوا إليه، وحصروا معه مدينة برقة حتى فتحوها، وخطبوا له فيها بالخلافة، وكان قيامه في رجب سنة ٣٩٧، فهزم عسكر باديس الصّنهاجي صاحب إفريقية وعسكر الحاكم بمصر، وأحيا أمره، وخاطبه بطانة الحاكم لكثرة خوفهم من سفك الحاكم الدماء، ورغبوه في الوصول إلى أوسيم، وهو مكان بالجيزة قبالة القاهرة، فلمّا وصل إليها قام بمحاربته الفضل بن صالح القيام المشهور إلى أن هزم أبا ركوة، ثم جاء به إلى القاهرة، فأمر الحاكم أن يطاف به على جمل، ثم قتل صبراً في ١٣ رجب سنة ٣٩٩، ولما حصل في يد الحاكم كتب إليه:
فررت ولم يغن الفرار، ومن يكن مع الله لم يعجزه في الأرض هارب
ووالله ما كان الفرار لحاجةٍ سوى فزعي الموت الذي أنا شارب
وقد قادني جرمي إليك برمّتي كما اجترّ ميتاً في رحى الحرب سالب
وأجمع كلّ الناس أنّك قاتلي فيا ربّ ظنٍّ ربّه فيه كاذب
وما هو إلاّ الانتقام وينتهي وأخذك منه واجباً وهو واجب
ولأبي ركوة المذكور أشعار كثيرة، منها قوله:
بالسّيف يقرب كلّ أمرٍ ينزح فاطلب به إن كنت ممّن يفلح
وله:
على المرء أن يسعى لما فيه نفعه وليس عليه أن يساعده الدهر
وقوله:
إن لم أجلها في ديا ر العدا تملأ وعر الأرض والسّهلا
فلا سمعت الحمد من قاصدٍ يوماً ولا قلت له أهلا
стр. 1369
وله غير ذلك ممّا يطول، وخبره مشهور.
٢٩٥ - ومنهم أبو زكريا الطليطلي، يحيى بن سليمان (١) ، قدم إلى الإسكندرية، ثم رحل إلى الشام واستوطن حلب، وله ديوان شعر أكثر فيه من المديح والهجاء، قال بعض من طالعه: ما رأيته مدح أحداً إلا وهجاه، وله مصنفات في الأدب، ومن نظمه قوله:
أرضٌ سقت غيطانها أعطانها وزهت على كثبانها قضبانها
ومنها:
فتكت بألباب الكماة فسيفها من طرفها وسنانها وسنانها
لم يبق شخصٌ بالبسيطة سالماً إلاّ سبى إنسانه إنسانها
ومنها:
وتصاحبت وتجاوبت أطيارها وتداولت وتناولت ألحانها
وتنسّمت وتبسّمت أيامها وتهلّلت وتكلّلت أزمانها
بمديرها ومنيرها ونميرها ومعيرها حسناً جلاه عيانها
٢٩٦ - ومنهم أبو بكر يحيى بن عبد الله بن محمد، القرطبي، المعروف بالمغيلي (٢) ، سمع من محمد بن عبد الملك بن أيمن وقاسم بن أصبغ وغيرهما، ورحل فسمع من أبي سعيد ابن الأعرابي، وكان بصيراً بالعربية والشعر، ومؤلفاً جيد النظر حسن الاستنباط، حدّث، وتوفّي فجأة في شهر ربيع الأول سنة ٣٦٢، قاله ابن الفرضي.
стр. 1370
٢٩٧ - ومنهم الإمام المحدث أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن يحيى ابن سلمة، الأنصاري، الغرناطي، قدم المشرق وتوفّي بمصر سنة ٧٠٣ عن نحو خمسين سنة، بالبيمارستان المنصوري، قال قاضي القضاة عبد العزيز ابن جماعة الكناني في كتابه نزهة الألباب (١) ": أنشدنا المذكور لنفسه بالقاهرة، بعد قدومه من مكّة والمدينة، وقد رام أن يعود إليهما فلم يتيسّر له:
لئن بعدت عنّي ديار الذي أهوى فقلبي على طول التباعد لا يقوى
فحدّث رعاك الله عن عرب رامةٍ فإنّي لهم عبدٌ على السرّ والنجوى
فإن متّ شوقاً في الهوى وصبابةً فيا شرفي إن متّ في حبّ من أهوى
فيا أيّها العذّال كفّوا ملامكم فما عندكم بعض الذي بي من الشكوى
ويا جيرة الحيّ الذي ولهي بهم أما ترحموا صبّاً يحنّ إلى حزوى
ويا أهل ذيّاك الحمى وحياتكم يمين وفيّ صادق القول والدّعوى
ملكتم قيادي فارحموا وترفّقوا فأنتم مرادي لا سعاد ولا علوى
فمالي سواكم سادتي لاعدمتكم فجودوا بوصلٍ أنتم الغاية القصوى
انتهى.
٢٩٨ - ومنهم الفاضل الأديب أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى بن علي (٢) ، الغرناطي، قال ابن جماعة في الكتاب المسمى قريباً أنشدني المذكور لنفسه، على قبر سيّدنا حمزة رضي الله تعالى عنه:
يا سيّد الشّهداء بعد محمدٍ ورضيع ذي المجد المرفّع أحمد
يا ابن الأعزّة من خلاصة هاشمٍ سرج المعالي والكرام المجدّ
يا أيّها البطل الشّجاع المحتمي دين الإله ببأسه المستأسد
يا نبعة الشرف الأصيل المعتلي يا ذروة الحسب الأثيل الأتلد
стр. 1371
يا نجدة الملهوف في قحم الوغى عند التهاب جحيمها المتوقّد
يا غيث ذي الأمل البعيد مرامه يا غوث موتور الزمان الأنكد
يا من لعظم مصابه خصّ الأسى قلب الرسول وعمّ كلّ موحد
يا حمزة الخير المؤمّل نفعه يوم الهياج وعند فقد المنجد
وافاك يا أسد الإله وسيفه وفدٌ ألمّوا من حماك بمعهد
جئناك يا عمّ الرّسول وصنوه قصد الزيارة فاحتفل بالقصّد
واسأل إلهك في اغتفار ذنوبنا شيم المزور قيامه بالعوّد
لذنا بجانبك الكريم توسّلاً وكذا العبيد ملاذهم بالسّيّد
فاشفع لضيفك فالكريم مشفّعٌ عند الكريم ومن يشفّع يقصد
يا ابن الكرام المكرمين نزيلهم أهل المكارم والعلا والسؤدد
نزل الضيوف جناب ساحتك التي منها يؤمّل كلّ عطفٍ مسعد
فاجعل أبا يعلى قرانا عطفةٌ وارغب لربّك في هدانا واقصد
فعسى يمنّ على الجميع بتوبةٍ يهدى بها نهج الطريق الأرشد
فقد اعتمدنا منك خير وسيلةٍ نرجو بها حسن التجاوز في غد
لم لا تؤمّ وأنت عمّ محمدٍ ولدينه قد صلت صولة أيّد
وصحبته ونصرته وعضدته وذببت عنه باللسان وباليد
وبذلت نفسك في رضاه بجنّة فقبلت في ذات الإله الأوحد
فجزاك عنّا الله خير جزائه وسقى ثراك حيا الغمام المرعد
وعلى رسول الله منه سلامه وعليك متّصل الرضى المتجدّد
ولد ببعض أعمال غرناطة قبل التسعين وستمائة، وتوفّي بالمدينة الشريفة طابة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام سنة ٧١٥، ودفن بالبقيع، رحمه الله تعالى، انتهى.
٢٩٩ - ومنهم الشيخ نور الدين أبو الحسن المايرقي، من أقارب بعض
стр. 1372
ملوك المغرب، وكان من الفضلاء العلماء الأدباء، وله مشاركة جيدة في العلوم ونظم حسن، ومنه قوله:
القضب راقصةٌ، والطير صادحةٌ والنشر مرتفعٌ، والماء منحدر
وقد تجلّت من اللذات أوجهها لكنّها بظلال الدوح تستتر
فكلّ وادٍ به موسى يفجّره وكلّ روضٍ على حافاته الخضر
وقوله:
وذي هيفٍ راق العيون انثناؤه بقدٍّ كريّانٍ من البان مورق
كتبت إليه: هل تجود بزورةٍ فوقّع لا خوف الرقيب المصدق
فأيقنت من لا بالعناق تفاؤلاً كما اعتنقت لا ثم لم تتفرق
وهذا أحسن من قول ذي القرنين ابن حمدان (١) :
إنّي لأحسد لا في أحرف المصحف إذا رأيت اعتناق اللام وللألف
وما أظنّهما طالاجتماعهما إلاّ لما لقيا من لوعة الأسف
وأحسن من هذا قول القيسراني:
أستشعر اليأس في لا ثم تطعمني إشارة في اعتناق اللام للألف
وكانت وفاة أبي الحسن المذكور في ربيع الأول سنة ٦٥٥، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى، والأبيات التي أولها القضب راقصة ... الخ نسبها له اليونيني وغير واحد، والصواب أنها ليست له، وإنّما هي لنور الدين ابن سعيد صاحب المغرب، وقد تقدم ذكره، ولعل السهو سرى من تشارك الاسم واللقب والقطر، ومثل هذا كثيراً ما يقع، والله تعالى أعلم.
٣٠٠ - ومن الراحلين من أهل الأندلس إلى المشرق ابن عتبة الإشبيلي،
стр. 1373
وكان فارق إشبيلية حين تولاها ابن هود، واضطرمت بفتنته الأندلس ناراً، ولما قدم مصر هارباً من تلك الأهوال تغيرت عليه البلاد، وتعدّلت به الأحوال، فلمّا سئل عن حاله، بعد بعده عن أرضه وترحاله، بادر وأنشد (١) :
أصبحت في مصر مستضاماً أرقص في دولة القرود
واضيعة العمر في أخيرٍ مع النصارى أو اليهود
بالجدّ رزق الأنام فيهم لا بذواتٍ ولا جدود
لا تبصر الدهر من يراعي معنى قصيدٍ ولا قصود
أودّ من لؤمهم رجوعاً للغرب في دولة ابن هود
وتذكرت بقوله أرقص في دولة القرود ما وقع لأبي القاسم ابن القطان، وهو ممّا يستطرف ويستظرف، وذلك انّه لما ولي الوزارة الزينبيّ دخل عليه أبو القاسم المذكور والمجلس حافل بالرؤساء والأعيان، فوقف بين يديه ودعا له، وأظهر الفرح والسرور، ورقص، فقال الوزير لبعض من يفضي إليه بسره: قبح الله هذا الشيخ، فإنّه يشير برقصه إلى قول الشاعر:
وأرقص للقرد في دولته
٣٠١ - ومن المرتحلين أبو عبد الله ابن جابر محمد بن جابر الضرير (٢) ، من أهل المرية، ويعرف بشمس الدين بن جابر الضرير، وله ترجمة في الإحاطة ذكرناها مع زيادة عليها عند تعرضنا لأولاد لسان الدين ابن الخطيب، رحمه الله تعالى، ورحل إلى المشرق ودخل مصر والشام واستوطن حلب، وهو صاحب البديعية المعروفة ببديعية العميان، وله أمداح نبوية كثيرة وتواليف: منها شرح ألفية ابن مالك وغير ذلك، وله ديوان شعر وأمداح نبوية في غاية الإجادة، ومن نظمه رحمه الله تعالى مورّياً بأسماء الكتب:
стр. 1374
عرائس مدحي كم أتين لغيره فلمّا رأته قلن هذا من الأكفا
نوادر آدابي ذخيرة ماجدٍ شمائل كم فيهن من نكت تلفى
مطالعها هنّ المشارق للعلا قلائد قد راقت جواهرها رصفا
رسالة مدحي فيك واضحةٌ، ولي مسالك تهذيبٍ لتنبيه من أغفى
فيا منتهى سؤلي ومحصول غايتي لأنت امرؤٌ من حاصل المجد مستصفى
وقد اشتملت هذه الأبيات الخمسة على التورية بعشرين كتاباً، وهي: العرائس للثعالبي، والنوادر للقالي وغيره والمطالع لابن قرقول وغيره والمشارق للقاضي عياض وغيره، والذخيرة لابن بسام وغيره، والشمائل للترمذي، والنكت لعبد الحق الصقلي وغيره، والقلائد لابن خاقان وغيره، ورصف المباني في حروف المعاني للأستاذ ابن عبد النور، وهو كتاب لم يصنف في فنّه مثله، والرسالة لابن أبي زيد وغيره، والواضحة لابن حبيب، والمسالك للبكري وغيره، والجواهر لابن شاس وغيره، والتهذيب في اختصار المدونة وغيره، والتنبيه لأبي إسحاق وغيره، ومنتهى السؤل لابن الحاجب، والمحصول للإمام الرازي، والغاية للنووي (١) وغيره، والحاصل مختصر المحصول، والمستصفى للغزالي، وما أحسن قول الحكيم موفّق الدين:
لله أيامنا والشّمل منتظمٌ نظماً به خاطر التفريق ما شعرا
والهف نفسي على عيشٍ ظفرت به قطعت مجموعه المختار مختصرا
وهذه ثلاثة كتب مشهورة: المختارو المجموع والمختصر وأحسن منه قول الآخر:
عن حالتي يا نور عين لا تسل ترك الجواب جواب تلك المسأله
стр. 1375
حالي إذا حدّثت لا لمعاً ولا جملاً لإيضاحي بها من تكمله
عندي جوىً يذر الفصيح مبلداً فاترك مفصّله ودونك مجمله
القلب ليس من الصحاح فيرتجى إصلاحه، والعين سحبٌ مثقله
وقد أوردنا في ترجمة أبي عبد الله ابن جزي الكاتب (١) الأندلسي جملة مستكثرة في التورية بأسماء الكتب فلتراجع ثمة.
رجع إلى الشمس بن جابر
فنقول: ومن نظمه رحمه الله تعالى تثمينه للأبيات المشهورة:
لم يبق فيّ اصطبار
مذ خلّفوني وساروا
وللحبيب أشاروا
جار الكرام فجاروا
لله ذاك الأوار
بانوا فما الدار دار
يا بدر أهلك جاروا وعلّموك التّجرّي
كانوا من الودّ أهلي
ما عاملوني بعدل
أصموا فؤادي بنبل
يا بين بيّنت ثكلي
يا روح قلبي قل لي
أهم دعوك لقتلي
وحرّموا لك وصلبي وحلّلوا لك هجري
стр. 1376
حسبي وماذا عناد
هم المنى والمراد
وإن عن الحقّ حادوا
أو جاملوني وجادوا
يا من به الكلّ سادوا
والكلّ عندي سداد
فليفعلوا ما أرادوا فإنّهم أهل بدر
وتذكرت بهذا قول أبي البركات أيمن (١) بن محمد السعدي رحمه الله تعالى:
للعاشقين انكسار وذلّةٌ وافتقار
وللملاح افتخار وعزّةٌ واقتدار
وأهل بدري أشاروا وودعوني وساروا
يا بدر إلخ.
كتبت والوصل يملي جدّ الهوى بعد هزل
وحار ذهني وعقلي ما بين بدري وأهلي
يا بدر فاحكم بعد إذا أتوك بعذل
وحرّموا إلخ.
لولا هواك المراد ما كنت ممن يصاد
ولا شجاني البعاد يا بدر أهلك جادوا
غلطت جاروا وزادوا لكنّهم بك سادوا
فليفعلوا إلخ.
стр. 1377
رجع إلى ابن جابر، فنقول:
توفّي رحمه الله تعالى في إلبيرة في جمادى الآخرة سنة ٧٨٠، ومن نظمه قوله:
يا أهل طيبة في مغناكم قمر يهدي إلى كل محمود من الطّرق
كالغيث في كرم، والليث في حرم والبدر في أفق، والزهر في خلق
وله:
ولمّا وقفنا كي نودّع من نأى ولم يبق إلا أن تحثّ الركائب
بكينا وحقٌّ للمحبّ إذا بكى عشيّة سارت عن حماه الحبائب
وقال:
أمّا معاني المعاني فهي قد جمعت في ذاته فبدت ناراً على علم
كالبدر في شيمٍ، والبحر في ديمٍ والزهر في نعمٍ، والدهر في نقم
وقال:
ضحكت فقلت كأنّ جيدك قد غدا يهدي لثغرك من جواهر عقده
وكأنّ ورد الخدّ منك بمائه قد شاب عذب لماك حالة ورده
وقال (١) :
منعتنا قرى الجمال وقالت: ليس في غر زادنا من مجال
فأقمنا على الرحال وقلنا ما لنا حاجةٌ بحطّ الرّحال
стр. 1378
وقال:
عذّب قلبي رشأٌ ناعمٌ أسهر جفني طرفه الناعس
يحرس باللحظ جنى خدّه يا ليته لو غفل الحارس
وله:
وافيت ربعهم وقد بعد المدى ونأى الفريق من الديار وسارا
ما كدت أعرف بعد طول تأمّلٍ داراً بها طاف السرور ودارا
وله:
ولست أرى الرجال سوى أناسٍ همومهم موافاة الرجال
أطالوا في النّدى إهلاك مال فعاشوا في الأنام ذوي كمال
وقال:
أيّها المتهمون نفسي فداكم أنجدوني على الوصول لنجد
وقفوا بي على منازل ليلى فوجودي هناك يذهب وجدي
وما كتبه على كتاب نسيم الصّبا لابن حبيب، وصورته: لما وقفت على الفصول الموسومة بنسيم الصّبا، المرسومة في صفحات الحسن فإذا أبصرها اللبيب صبا، انتعش بها الخاطر انتعاش النبت بالغمام، وهمت سحائب بيانها فأثمرت حدائق الكلام، وأخرجت أرض القرائح ما فيها من النبات، وسمعت الآذان صخبة الأذهان بهذه الأبيات:
هذي فصول الربيع في الزمن كم حسنٍ أسندت إلى حسن
стр. 1379
رقّت وراقت فمن شمائلها بمثل صرف الشّمول تتحفني
كم ملحٍ قد حوت وكم لمحٍ يعجبني لفظها ويعجزني
كم فيه من نفثٍ ومن نكتٍ أشهدني حسنها فأدهشني
جمعٌ عدمنا له النظير فلا يصرف عن خاطرٍ ولا أذن
يا خير أهل العلا وبحرهم أيّ بديع الكلام لم ترني
بدرك في مطلع الفضائل لا يكون مثلٌ له ولم يكن
هذي الفصول التي أتيت بها قد أفحمت كلّ ناطقٍ لسن
كم فنّ معنىً بها يذكّرني شجوي لشدو الحمام في فنن
فمن نسيبٍ مع النسيم جرى لطفاً فأزرى بالجوهر الثمن
وحسن سجعٍ كالزّهر في أفقٍ والزّهر في ناعمٍ من الغصن
له معانٍ أعيت مداركها كلّ معانٍ بنيلهن عني
لا زال راقٍ للمجد راقمها ذا سننٍ حاز أحسن السنن
فصول، هي للحسن أصول، وشمول، لها على كل القلوب شمول، ليس لقدامة على التقدم إليها حصول، ولا لسحبان لأن يسحب ذيلها وصول، ولا انتهى قسّ الإياديّ لهذه الأيادي، ولا ظفر بديع الزمان بهذه البدائع الحسان، لقد قصّر فيها حبيب عن ابنه، وحار بين لطافة فضله وفضل ذهنه، نزهت في طرف خمائلها، ونبهت بلطف شمائلها، تالله إنّها لسحر حلال، وخلال ما مثلها خلال، كلام كلّه كمال، ومجال لا يرى فيه إلا جمال، راقم بردها، وناظم عقدها، في كل فصل، جاء بكمال فضل، وفي كل معنى، عمر بالبراعة مغنى، أعرب فأغرب، وأوجز فأعجز، وأطل فأطاب، وأجاد حين أجاب، فما أنفس فرائده، وأنفع فوائده، وأفصح مقاله، وأفسح مجاله، وأطوع للنظم طباعه، وأطول في النثر باعه، وأزاهر نبتت في كتاب، وجواهر تكوّنت من ألفاظ عذاب، ومواهب لا تدرك
стр. 1380
بيد اكتساب، فسبحان من يرزق منيشاء بغير حساب، فصول أحلى في الأفواه من الشّهد، وأشهى إلى النواظر من النوم بعد السّهد، سكب أدبها في قالب النكت الحسان، وذهب بمحامد عبد الحميد ومحاسن حسّان، فما أحقّها أن تسمى فصول الربيع، وأصول البديع، لا زال حسنها يملأ الأوراق بما راق، ويزين الآفاق بما فاق، ولا برحت حدائق براعته نزهة للأحداق، وحقائق بلاغته في جيد الإجازة بمنزلة الأطواق، بمنّ الله تعالى وكرمه، انتهى.
وحيث جرى ذكر كتاب نسيم الصّبا فلا بأس بأن نذكر تقاريظ العلماء له، فمن ذلك قول القاضي شرف الدين بن ريان: وقفت على هذا الكتاب الذي أبد ع فيه مؤلفه، ونظم فيه الجواهر النفيسة مصنفه، وأينعت حدائق أدبه فدنا ثمرها لمن يقطفه، وعرفت مقدار ما فيه من الإنشاء وأين من يعرفه، فوجدته ألطف من اسمه، وأحسن من الدرر في نظمه، وأطيب من الورد عند شمّه، هبّت على رياض فصوله نسيم صباها، ففاقت الأزهار في رباها، وتشوقت قلوب الأدباء إلى انتشاق شذاها وطيب ريّاها، وفاضت عليه أنوار البدر فأغنى سناها، عن الشمس وضحاها، وتحلّت نحور البلغاء من كلامه بالدر اليتيم، ومن معانيه بالعقد النظيم، وترنّحت أفنان فنون الفصاحة لما هبّ عليها ذلك النسيم، كل فصل له في الفضل أسلوب على بابه، وطريق انفرد به منشئه محاسن لا توجد إلاّ في كتابه، صدر هذا الكتاب عن علم سابق وفكر ثاقب وذهن رائق ونفس صادق، وروية ملأت تصانيفها المغارب والمشارق، وقريحة إذا ذقت جناها، وشمت سناها، تذكرت ما بين العذيب وبارق، فالله تعالى يبقي مصنفه قبلة لأهل الأدب ويديمه، ويبلغه من سعادة الدنيا والآخرة ما يرومه، بمنّه وكرمه، انتهى.
وقرظ عليه بعضهم بقوله: وقف المملوك سليمان بن داود المصري على فصول الحكم من هذه الفصول، ووجد من نسيم الصّبا أمارات القبول، ونزّه طرفه في رياض هذا الكتاب، وخاطب فكره العقيم في وصفه فعجز عن
стр. 1381
رد الجواب:
ماذا أقول وكلّ وصفٍ دونه أين الحضيض من السّماك الأعزل
يا لها كلمات نقصت قدر الأفاضل، وفضحت فصحاء الأوائل، وسحبت ذيل الفصاحة على سحبان وائل، وزادت في البلاغة على فريد، وغيرت حال القدماء فما عبد الرحيم الفاضل وما عبد الحميد (١) ، وذلت لها تشبيهات ابن المعتز طوعاً، وملكت زمام البيان فما تركت للبديع منه نوعاً:
قطف الرجال القول حين نباته وقطفت أنت القول لما نوّرا
وخطاب أعجز الخطباء وصفه، وجواب ألغى البلغاء رصفه، وغرائب تعرّفت بمبديها، وشوارد تألفت بمهديها، وجنان بلاغة لم يطمث أبكارها إنسّ قبلك ولا جانٌ، ولم يقطف أزهارها عين ناظر ولا يد جانٍ، معانٍ تطرب السمع لها حكم وأحكام، وألفاظ هي الأرواح للأرواح أجسام، فلمّا ألقى فهمه عروة المتماسك، وضاقت عليه في وصفه المسالك، وعجز عن وصف بلوغ بلاغته عطف على حسن كتابته فرأى قطاً يسبي الطرف ويستغرق الظرف، نسج (٢) قلمه الكريم من وشي البلاغة ديباجاً، واتخذ من محاسن الحسان طريقاً ومنهاجاً، فألفى ألفاتٍ كاعتدال القدود، ونوناتٍ كأهلّة السعود، وسينات كالطرر، ونقطاً كالدرر، جعل للأقلام حجّة قاطعة على السيوف، وحلّى الأسماع بحلية زائدة على الشنوف، فعطف ساعة يطنب (٣) في دعائه وشكره، وآونة يميل من طربه بألفاظه وسكره، فلله درّ ألفاظك ودرر فضلك، وأحسن بوابلك الهاطل بالبيان وطلّك:
стр. 1382
لسانك غوّاصٌ، ولفظك جوهرٌ وصدرك بحرٌ بالفضائل زاخر
والله المسؤول أن يرفع قدر مقالك ومقام قدرك، ويوضح منهاج الأدب بنور بدرك بمنّه وكرمه، إنّه على كل شيء قدير.
وكتب قاضي القضاة تاج الدين السبكي، رحمه الله تعالى، في تقريظ الكتاب المذكور ما نصّه: الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وحدّقت نحو الحدائق، وفوّقت سهمي تلقاء الغرض الشائق، وطرقت إلى ما يضيء أخا الحجى أسهل الطرائق، فما علّل صداي كنسيم الصّبا، ولا كمثله سهماً صائباً صابه من لا صبا، ولا نظرت نظيره حديقة تنبت فضة وذهباً:
وتجيء من ملح الكلا م بطارفٍ أو تالده
كلمٌ نوابغ نحو آفاق المطالع صاعده
لو رامها قسٌّ لما ألفى أباه ساعده
أبدى نتائج عيّه في ذي المعاني الشارده
فعين الله تعالى عليها كلمات عليها منه رقيب، ومحاسن تسلى عندها بالحسن حبيب، وفوائد حسان يذكرنا بها حسان البعيد حسن القريب (١) ، كتبه عبد الوهاب السبكي، انتهى.
وكتب ناصر الدين صاحب دواوين الإنشاء ما صورته: وقفت على هذا الكتاب الذي أشبه الدرّ في انتظامه، والثغر في ابتسامه، وقطر الندى في انسجامه، وزهر الروض في البكر إذا غنّت على غصونه مطربات حمامه، فوجدت بين اسمه ومسماه مناسبة اقتضاها طبع مؤلفه السليم، واتصالاً قريباً كاتصال الصديق الحميم، فتحققت أن مؤلفه - أبقاه الله تعالى وحرسه - أبدع في
стр. 1383
تأليفه، وأصاب في تمييزه بهذا الاسم وتعريفه، فهو في اللطافة كالماء في إروائه، وكالهواء المعتدل في ملاءمة الأرواح بجوهر صفائه، وكالسلك إذا انتقي جوهره وأجيد في انتقائه، قد أينعت ثمرات فضائله فأصبحت دانية القطوف، وتجلت عرائس بلاغته فظهر بدرها بلا كسوف وانجابت ظلمات الهموم بسماع موصول مقاطعه التي هي في الحقيقة لأذن الجوزاء شنوف، فأكرم به من كتاب ما الروض بأبهى من وسيمه، ولا الرّيحان بأعطر من شميمه، ولا المدامة بأرق من هبوب نسيمه، ولا الدرّ بأسنى زهراً بل زهواً من رسومه، إذا تدبره الأديب أغنته تلك الأفانين، عن نغمات القوانين، وإذا تأمّله الأريب نزه طرفه في رياض البساتين، قد سوّر على كل نوع من البديع باب، لا يدخله إلا من خص من البلاغة باللّباب، والله تعالى يؤتيه الحكمة وفصل الخطاب، ويمتع بفضائله التي شهدها أهل العلم وذوو الألباب، بمنّه وكرمه، وكتبه محمد بان يعقوب الشافعي.
وكتب الصفدي شارح لامية العجم بما نصّه: وقفت على هذا المصنّف الموسوم بنسيم الصّبا، والتأليف الذي لو مرّ بالمجنون لم ألف ليلاه ولا مال إليها ولا صبا، والإنشاء الذي إن شاء قائله جعل الكلام غيره في هبّات الهواء هبا، والنثر الذي أغار قائله على سبائك الذهب الإبريز وسبى، والكلام الذي نبا عنه الجاحظ جاحداً وما له ذكر ولا نبا، فسبّحت جواهره حروفه لمن أوجده في هذا العصر، وعلمت أن ألفاظه ترمي قلوب حساده بشررٍ كالقصر، وتحققت أن قعقعة طروسه أصوات أعلامه التي تخفق له بالنصر، وتيقنت أن سطوره غصون لا تصل إليها كف جناية بجنىً ولا هصر:
وقلت لأهل النظم والنثر قابلوا ترائبها مصقولة كالسجنجل
وميلوا بأعطاف التعجب إنّها نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل
ولما ملت بعدما ثملت، وغزلت بعدما هزلت، جردت من نفسي شخصاً
стр. 1384
أخاطبه وأجاريه، في أوصاف محاسنها التي أناهبه منها وأناهيه، فقال لي: هذا الفن الفذ، والنثر الذي قهر أقران هذه الصناعة وبذ، والأدب الذي سد الطرق على أوابده فما فته شيء ولا شذ، هذا الإنشاء الذي ما له عديل في هذا العديد ولا ضريب، وهذا الكلام الذي فاق في الآفاق فما لحبيب بن أوس حسن حسن بن حبيب، فعين الله تعالى على هذه الكلم الساحرة، والفوائد التي أيقظت جفن الأدب بعدما كان بالساهرة، ومتع الله تعالى الزمان وأهله بهذا النوع الغض، والنقد النض، والبز البض، والبديع الذي رمّ ما تشعّث من ربع هذا الفن ورضّ، واقتضّ المعاني أبكاره وأفتضّ، وأرسل جارح بلاغته على الجوارح فصادها وانقص وانقض، وأنبط ماء الفصاحة لما تحدر وارفضّ، واستمال القلب الفظ لما فك ختم ذهوله وفض، وإنّه على كل شيء قدير، بالإجابة جدير، بمنّه وكرمه، وكتبه خليل الصفدي، انتهى.
٣٠٢ - ومنهم الأديب أبو جعفرالألبيري (١) ، رفيق ابن جابر السابق الذكر، وهو البصير وابن جابر الأعمى، وله نظم بديع منه قوله:
أبدت لي الصّدغ على خدّها فأطلع الليل لنا صبحه
فخدّها مع قدّها قائلٌ هذا شقيقٌ عارضٌ رمحه
وقوله وقد دخل حمص:
حمصٌ لمن أضحى بها جنّةٌ يدنو لديها الأمل القاصي
حلّ بها العاصي ألا فاعجبوا من جنّةٍ حلّ بها العاصي
وقوله:
إنّ بين الحبيب عندي موتٌ وبه قد حييت منذ زمان
стр. 1385
ليت شعري متى تشاهده العي ن وتقضي من اللقاء الأماني
قال: وفيه استخدام، لأن البين يطلق على البعد والقرب، انتهى.
ومن نظمه أيضاً رحمه الله تعالى:
ومورّد الوجنات دبّ عذاره فكأنّه خطٌّ على قرطاس
لمّا رأيت عذراه مستعجلاً قد رام يخفي الورد منه بآس
ناديته قف كي أودّع ورده ما في وقوفك ساعةً من باس
وهذا المعنى قد تبارى فيه الشعراء وتسابقوا في مضماره، فمنهم من جلّى وبرز، وحز خصل السبق وأحرز، ومنهم من كان مصلّياً، ومنهم من غدا لجيد الإحسان محلّياً، ومنهم من عاد قبل الغاية مولّياً.
رجع - ومن تأليفه رحمه الله تعالى شرحه لبديعية رفيقه ابن جابر المذكور.
وقال في خطبته: ولما كانت القصيدة المنظومة في علم البديع المسمّاة بالحلة السيرا في مدح خير الورى التي أنشأها صاحبنا الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله ابن جابر الأندلسي، نادرةً في فنها، فريدة في حسنها، ويجنى ثمر البلاغة من غصنها، وتنهل سواكب الإجادة من مزنها، لم ينسج على منوالها، ولا سمحت قريحة بمثالها، رأيت أن أضع لها شرحاً يجلو عرائس معانيها لمعانيها، ويبدي غرائب ما فيها لموافيها، لا أملّ الناظر فيه بالتطويل، ولا أعوقه بكثرة الاختصار عن مدارك التحصيل، فخير الأمور أوسطها، والغرض ما يقرّب المقاصد ويضبطها، فأعرب من ألفاظها كل خفي، وأسكت من لغاتها عن كل جلي، والله أسأل أن يبلغنا ما قصدناه، ويوردنا أحسن الموارد فيما أردناه، انتهى. وسمى الشرح الذكور طراز الحلة وشفاء الغلة، وممّا أورده رحمه الله تعالى في ذلك الشرح من نظم نفسه قوله:
стр. 1386
طيبة ما أطيبها منزلاً سقى ثراها المطر الصيّب
طابت بمن حلّ بأرجائها فالتربمنها عنبرٌ طيّب
يا طيب عيشي عند ذكري لها والعيش في ذاك الحمى أطيب
وقال رحمه الله تعالى في هذا الشرح بعد كلام ما نصّه: وإذا أردت أن تنظر إلى تفاوت درجات الكلام في هذا المقام فانظر إلى إسحاق الموصلي كيف جاء إلى قصر مشيد، ومحلّ سرور جديد، فخاطبه بما يخاطب به الطلول البالية، والمنازل الدارسة الخالية، فقال:
يا دار غيّرك البلى ومحاك
فأحزن في موضع السرور، وأجرى كلامه على عكس الأمور، وانظر إلى قول القطامي:
إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطلل وإن بليت وإن طالت بك الطّيل
فانظر كيف جاء إلى طلل بالٍ، ورسم خالٍ، فأحسن حين حيّاه، ودعا له بالسلامة كالمبتهج برؤية محيّاه، فلم يذكر دروس الطلل وبلاه، حتى آنس المسامع بأوفى التحية وأزكى السلامة، والذي فتح هذا الباب، وأطنب فيه غاية الإطناب، صاحب اللواء، ومقدم الشعراء، حيث قال:
ألا عم صباحاً أيّها الطّلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعمن إلا سعيدٌ مخلّدٌ قليل الهموم ما يبيت بأوجال
قيل وهذا البيت الأخير يحسن أن يكون من أوصاف الجنة لأن السعادة والخلود وقلة الهموم والأوجال لاتوجد إلا في الجنة وقال رحمه الله تعالى عند رحيله من غرناطة وأعلام نجد تلوح، وحمائمه تشدو على الأيك وتنوح:
стр. 1387
ولمّا وقفنا للوداع وقد بدت قبابٌ بنجدٍ قد علت ذلك الوادي
نظرت فألفيت السبيكة فضةً لحسن بياض الزهر في ذلك النادي
فلمّا كستها الشمس عاد لجينها لها ذهباً فاعجب لإكسيرها البادي
والسبيكة: موضع خارج غرناطة.
وقال رحمه الله تعالى:
هذه عشرةٌ تقضّت وعندي من أليم البعاد شوقٌ شديد
وإذا ما رأيت إطفاء شوقي بالتلاقي فذاك رأيٌ سديد
وقال رحمه الله تعالى وقد أهدى طاقية:
خذها إليك هديةً ممّن يعزّك على أناسك
اخترتها لك عندما أضحت هدية كلّ ناسك
أرسلتها طاقيّةً لتنوب عن تقبيل راسك
وله من رسالة: وافى كتابك فوجدناه أزهى من الأزهار، وأبهى من حسن الحباب على الأنهار، يشرق إشراق نجوم السماء، ويسمو إلى الأسماع سموّ حباب الماء.
وقال رحمه الله تعالى في العروض على مذهب الخليل:
خلّ الأنام ولا تخالط منهم أحداً ولو أصفى إليك ضمائره
إنّ الموفّق من يكون كأنّه متقاربٌ فهو الوحيد بدائره
وقال على مذهب الأخفش:
إنّ الخلاص من الأنام لراحةٌ لكنّه ما نال ذلك سالك
أضحى بدائرةٍ له متقارب يرجو الخلاص فعاقه متدارك
стр. 1388
وله:
دائرة الحبّ قد تناهت فما لها في الهوى مزيد
فبحر شوقي بها طويلٌ وبحر دمعي بها مديد
وإنّ وجدي بها بسيطٌ فليفعل الحسن ما يريد
وهذا المعنى استعمله الشعراء كثيراً، ومنهم الشيخ شهاب الدين بن صارو البعلي. قال أبو جعفر المترجم به: أنشدنا شهاب الدين المذكور لنفسه بحماة:
وبي عروضيٌّ سريع الجفا يغار غصن البان من عطفه
الورد من وجنته وافرٌ لكنّه يمنع من قطفه
قال: وأنشدني أيضاً لنفسه:
وبي عروضيٌّ سريع الجفا وجدي به مثل جفاه طويل
قلت له قطّعت قلبي أسىً فقال لي التقطيع دأب الخليل
انتهى.
وأنشد رحمه الله تعالى لرفيقه ابن جابر الضرير السابق الترجمة في ذلك:
عالمٌ بالعروض يخبن قلبي في مديد الهوى بلحظٍ سريع
عنده وافرٌ من الرّدف يبدو وخفيفٌ من خصره المقطوع
стр. 1389
وله:
صدوده لي مديدٌ وأمر حبّي طويل
وفيه أسباب حسنٍ وتلك عندي الأصول
فخصره لي خفيفٌ وردفه لي ثقيل
وله:
سببٌ خفيفٌ خصرها، ووراءه من ردفها سببٌ ثقيلٌ ظاهر
لم يجمع النوعان في تركيبها إلاّ لأن الحسن فيها وافر
وقد ذكر أبو جعفر - رحمه الله تعالى - لرفيقه ابن جابر السابق الذكر مقطوعات كثيرة، منها قوله:
يا أيها الحادي اسقني كأس السّرى نحو الحبيب ومهجتي للساقي
حيّ العراق على النوى واحمل إلى أهل الحجاز رسائل العشّاق
يا حسن ألحان الحداة إذا جرت نغماتها بمسامع المشتاق
وأورد له أيضا (١) ً:
يا حسن ليلتنا الي قد زارني فيها فأنجز ما مضى من وعده
قوّمت شمسجماله فوجدتها في عقرب الصّدع الذي في خدّه
رجع إلى أبي جعفر - رحمه الله تعالى - ومن فوائده أنّه لمّا ذكر فذلكة الحساب قال: هي التي يصنعها أهل الحساب آخر جملتهم المتقدمة فيقولون: فذلك وكذا وكذا، انتهى.
стр. 1390
ولما أنشد رحمه الله تعالى قول بعضهم:
غزالٌ قد غزا قلبي بألحاظٍ وأحداق
له الثلثان من قلبي وثلثا ثلثه الباقي
وثلثا ثلث ما يبقى وباقي الثلث للساقي
وتبقى أسهمٌ ستٌّ تقسّم بين عشاق
قال ما نصّه: هذا الشاعر قسم قلبه إلى ٨١ سهماً، فجعل لمحبوبه منها الثلثين ٥٤، وبقي الثلث ٢٧، فزاده ثلثيه ١٨، فصار له ٧٢، يبقى ثلث الثلث وهو ٩، زاده منها ثلثي الثلث، وهو اثنان، وبقي من الثلث واحد أعطاه للساقي، فبقي من التسعة ستة، قسمها بين العشاق، فاجتمع لمحبوبه ٧٤، وللساقي سهم واحد، وللعشاق ستة، والجملة ٨١، انتهى.
وأنشد رحمه الله تعالى في علم الحساب لرفيقه ابن جابر السابق الذكر:
قسم القلب في الغرام بلحظٍ يضرب القلب حين يرسل سهمه
هذه في هواه يا قوم حالي ضاع قلبي ما بين ضربٍ وقسمه
وأنشد له في الهندسة:
محيطٌ بأشكال الملاحة وجهه كأنّ به إقليدساً يتحدّث
فاعرضه خطّ استواء، وخاله به نقطةٌ، والشكل شكل مثلّث
وأنشد له في خط الرمل:
فوق خدّيه للعذار طريقٌ قد بدا تحته بياضٌ وحمره
قيل ماذا فقلت أشكال حسنٍ تقتضي أن أبيع قلبي بنظره
وأنشد له في علم الخط:
قد حقّق الحسن نون حاجبه وخطّ في الصّدغ واو ريحان
стр. 1391
ومدّ من حسن قدّه ألفاً أوقف عيني وقوف حيران
وأنشد له أيضاً:
ألف ابن مقلة في الكتاب كقدّه والنون مثل الصّدغ في التحسين
والعين مثل العين لكن هذه شكلت بحسنٍ وقاحةٍ ومجون
وعلى الجبين لشعره سينٌ بدت حار ابن مقلة عند تلك السين
قل للذي قد خطّ تحت الصّدغ من خيلانه نقطاً لجلب فنون
يا للرجال ويا لها فتنةٍ في وضع ذاك النّقط تحت النون
وأورد له في ذكر الأقلام السبعة وغيرها:
تعليق ردفك بالخصر الخفيف له ثلثالجمال وقد وفّته أجفان
خدٌّ عليه رقاع الروض قد جعلت وفي حواشيه للصدعين ريحان
خطّ الشباب بطومار العذار به سطراً ففضاحه للناس فتّان
محقق نسخصبري عن هواه ومن توقيع مدمعي المنثور برهان
يا حسن ما قلم الأشعار خطّ على ذاك الجبين فلا يسلوه إنسان
أقسمت بالمصحف الشامي وأحرفه ما مرّ بالبال يوماً عنك سلوان
ولا غبار على حبي فعندك لي حساب شوق له في القلب ديوان
وأنشد له:
يا صاحب المال ألو تستمع لقوله " ما عندكم ينفد "
فاعمل به خيراً فوالله ما يبقى ولا أنت يه مخلد
стр. 1392
وله:
إن شئت أن تجد العدوّ وقد غدا لك صاحباً يولي الجميل ويحسن
فاعمل كما قال الخبير بخلقه في قوله " ادفع بالتي هي أحسن "
وله:
إذا شئت رزقاً بلا حسبةٍ فلذ بالتقى واتّبع سبله
وتصديق ذل في قوله " ومن يتّق الله يجعل له "
وأورد له أيضاً (١) :
عملٌ إن لم يوافق نيّةً فهو غرسٌ لا يرى منه ثمر
" إنّما الأعمال بالنّيات " قد نصّه عن سيد الخلق عمر
وقوله:
حياء المرء يزجره فيخشى فخف من لا يكون له حياء
فقد قال الرسول بأنّ ممّا به نطق الكرام الأنبياء
" إذا ما أنت لم تستحي فاصنع كما تختار وافعل ما تشاء "
وقوله:
قال الرسول " الحياء خير " فاصحب من الناس ذا حياء
وعن قليل الحياء فابعد فخيره ليس ذا رجاء
وقوله:
" من سلم المسلمون كلهم وآمنوا من لسانه ويده
стр. 1393
فذلك المسلم الحقيق " بذا جاء حديثٌ لا شك في سنده
ولابن جابر ممّا كتب به إلى الصلاح الصّفدي (١) :
إن البراعة لفظ أنت معناه وكلّ شيء بديع أنت مغناه
إنشاد نظمك أشهى عند سامعه من نظم غيرك لو إسحاق غنّاه
وهي طويلة، فأجابه الصفدي بقوله:
يا فاضلاً كرمت فينا سجاياه وخصّنا باللآلي في هداياه
خصصتني بقريض شفّ جوهره لمّا تألّق منه نور معناه
من كل بيتٍ مبانيه مشيدة كم من خبايا معانٍ في زواياه
وهي طويلة.
رجع إلى نظم أبي جعفر
فمن ذلك قوله:
تريك قدّاً على ردفٍ تجاذبه كخوطةٍ في كثيب الرمل قد نبتت
ريّا القرنفل في ريح (٢) الصّبا سحراً ... يضوع منها إذا نحوي قد التفتت عقد بهما ألفاظ قول امرئ القيس:
إذا التفتت نحوي تضوع ريحها نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل
وأورد له قوله:
ولولا نجاء العيس حول ديارها غداة منىً لم يبق في الركب محرم
ففوق ذرا المتنين بردٌ مهلل وتحت رداء الخز وجهٌ معلّم
стр. 1394
عقد في الأول قول قيس بن الخطيم (١) :
ديار التي كنّا ونحن على منىً تحوط بنا لولا نجاء الركائب
وعقد في الثاني قول ابن أخي ربيعة:
أماطت رداء الخزّ عن حرّ وجهها وأرخت على المتنين برداً مهلّلاً
وأورد له قوله:
إن ادّعى لك مروان الجلال فقل لا يجهل المرء بين الناس رتبته
إن الجلالة حقّاً للمقول له " هذا الذي تعرف البطحاء وطأته "
وقوله:
من منصفي يا قوم من ظبيةٍ تسرف في هجري وتأبى الوصال
وكلّما أسأل عن عذرها تقول لي: ما كلّ عذر يقال
وقوله:
هم حسدوا الرسول فلم يجيبوا وكم حسدوا فصار لهم فرار
وهاجر عندما هجروا فأضحى لخيمة أمّ معبدٍ الفخار
وقوله:
بحسبك أن تبيت على رجاء ولو حطّتك لليأس الخطوب
ومهما أكربتك صروف دهرٍ فقل ما قاله الرجل الأريب:
" عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرجٌ قريب "
стр. 1395
وقوله:
خليليّ هذا قبر أشرف مرسل " قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل "
رويدكما نبكي الذنوب التي خلت بسقط اللوى بين الدخول فحومل
منازل كانت للتصابي فأقفرت " لما نسجتها من جنوب وشمأل "
قال: ثم جرى على هذا النمط، واستخرج الدرر النفيسة من ذلك السّفط، وقال قبله: إنّه أخذ أعجاز هذه القصيدة من أولها إلى آخرها على التوالي، وصنع لها صدوراً، وصرفها إلى مدح النبي ﷺ ، فجاء في ذلك بما لم يسبق إليه، ولم يقف أحد في تلك المعاني على ما وقف عليه، انتهى.
وقوله:
كم ليالٍ خلت بكم كاللآلي نظمتها لنا يد الزمان
أيّها النازحون عن رأي عيني وهم في جوانحي وجناني
ما ألذّ الوصال بعد التنائي وأمرّ الفراق بعد التداني
قد وكلناكم لربٍّ كريمٍ غير وانٍ عند عبده في أوان
ما رحلنا عن اختيارٍ ولكن رحّلتنا تلوّنات الزمان
وقوله:
تشتكي الصّفر من يديه وترضى ال سمر عن راحتيه عند الحروب
أحمر السيف أخضر السيب حيث أرض غبراء من سواد الخطوب
وقوله ممّا التزم في أوله الدال:
دفاعٌ لمكروهٍ، أمانٌ لخائفٍ سحابٌ لمستجدٍ، هلاكٌ لمستعدي
دروبٌ على الحسنى، عفوٌّ لمن جنى مثيبٌ لمن أثنى، مجيبٌ لذي قصد
стр. 1396
دع الغيث إن أعطى، دع الليث إن سطا دع الروض إذ يهدي، دع البدر إذ يهدي
وقوله:
غزالٌ ما توسّد ظلّ بانٍ بهاجرةٍ ولا عرف الظلالا
تبسّم لؤلؤاً، واهتز غصناً وأعرض شادناً، وبدا هلالا
وقوله:
رفع الخصر فوق منصور ردفٍ ولجزم القلوب فرعيه جرّا
مال غصناً، رنا رشاً، فاح مسكاً تاه درّاً، أرخى دجىً، لاح بدرا
وقوله حين زار قبر قسّ بن ساعدة بجبل سمعان:
هذي منازل ذي العلا قسّ بن ساعدة الإيادي
كم عاش في الدّنيا وكم أسدى إلينا من أيادي
قد زانها بحلى البلا غة مفصحاً في كل نادي
قد قرّ في بطن الثرى متفرّداً بين العباد
قال أبو جعفر: زرنا قبره فرأينا موضعاً ترتاح إليه النفس، ويلوح عليه الأنس، وعند قبره عين ماء يقال: إنّه ليس بجبل سمعان عين تجري غيرها هنالك، وأورد قوله:
كرامٌ فخامٌ من ذؤابة هاشمٍ يقولون للأضياف أهلاً ومرحبا
فيفع في فقر المقلّين جودهم كفعل عليٍّ يوم حارب مرحبا
رجع إلى أبي جعفر، رحمه الله تعالى
فنقول: إنّه كان بمدينة النبي ﷺ سنة ٧٥٥، ولما ذكر الروضى قال: قيل: ولا تكون الروضة إلاّ بماء يسقيها أو إلى جنبها، ولا يقال في موضع الشجر روضة، انتهى، وقال:
стр. 1397
لقوامه الألف التي جاءت بحسنٍ ما ألف
عانقته فكأنّني لامٌ معانقة الألف
وقال رحمه الله تعالى معتذراً عمّن لم يسلّم:
لا تعتبنّ على ترك السلام فقد جاءتك أحرفه كتباً بلا قلم
قالسين من طرّتي واللام من ألفٍ من عارضيّ وهذا الميم ميم فمي
وقال رحمه الله تعالى:
لا يقنطنّك ذنبٌ قد كان منك، عظيم
فالله قد قال قولاً وهو الجواد الكريم
" نبّئ عبادي أنّي أنا الغفور الرحيم "
وقال:
إذا ظلم المرء فاصبر له فبالقرب يقطع منه الوتين
فقد قال ربّك وهو القويّ " وأملي لهم إنّ كيدي متين "
ومن نثره لما ذكر قصيدة كعب بن زهير رضي الله تعالى عنه ما نصّه: وهذه القصيدة لها الشرف الراسخ، والحكم الذي لم يوجد له ناسخ، أنشدها كعبٌ (١) في مسجد المصطفى بحضرته وحضرة أصحابه، وتوسّل بها فوصل إلى العفو عن عقابه، فسدّ ﷺ خلّته، وخلع عليه حلّته، وكفّ عنه كفّ من أراده، وأبلغه في نفسه وأهله مراده، وذلك بعد إهدار دمه، وما سبق من هذر كلمه، فمحت حسناتها تلك الذنوب، وسترت محاسنها وجه تلك العيوب، ولولاها لمنع المدح والغزل، وقطع من أخذ الجوائز على الشعر
стр. 1398
الأمل، فهي حجّة الشعراء فيما سلكوه، وملاك أمرهم فيما ملكوه، حدثني بعض شيوخنا بالإسكندرية بإسناديه أبن بعض العلماء كان لا يستفتح مجلسه إلا بقصيدة كعب، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، قصيدة كعب أنشدها بين يديك فقال: " نعم، وأنا أحبها وأحب من يحبها "، قال: فعاهدت الله أنّي لا أخلو من قراءتها كل يوم.
قلت: ولم تزل الشعراء من ذلك الوقت إلى الآن ينسجون على منوالها، ويقتدون بأقوالها، تبرّكاً بمن أنشدت بين يديه، ونسب مدحها إليه، ولمّا صنع القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر قصيدة في مدح النبي ﷺ على وزن بانت سعاد قال:
لقد قال كعبٌ في النبيّ قصيدةً وقلنا عسى في مدحه نتشارك
فإن شملتنا بالجوائز رحمةٌ كرحمة كعبٍ فهو كعبٌ مبارك
انتهى.
وقال رحمه الله تعالى:
لقد كرّ العذار بوجنتيه كما كرّ الظلام على النهار
فغابت شمس وجنته وجاءت على مهلٍ عشيّات العذار
فقلت لناظري لمّا رآها وقد خلط السواد بالاحمرار
تمتّع من شميم عرار نجد فما بعد العشيّة من عرار
وقال:
قالوا عشقت وقد أضرّ بك الهوى فأجبتهم يا ليتني لم أعشق
قالوا سبقت إلى محبة حسنه فأجبتهم ما فاز من لم يسبق
ولما أنشد رحمه الله تعالى قول ابن الخشاب في المستضيء بالله:
стр. 1399
ورد الورى سلسال جودك فارتووا ووقفت دون الورد وقفة حائم
ظمآن أطلب خفّةً من زحمةٍ والورد لا يزداد غير تزاحم
قال ما نصّه: فانظر حسن هذين البيتين كيف جريا كالماء في سلاسته، ووقعا من القلوب كالشهد في حلاوته، مع أن ناظمهما ما خرج عن وصف الماء كلامه، ولا تعدى ذلك المعنى نظامه، حتى قيل: إن فيهما عشرة مواضع من مراعاة النظير، فهما في الحسن ما لهما من نظير، لكنّه ما سلم مليحٌ من عيب، ولا خلا من وقوع ريب، فمع هذه المحاسن الوافية، ما سلما من عيب القافية، انتهى.
ولنختم ترجمته بقوله عند شرح بيت رفيقه:
خير الليالي ليالي الخير في إضمٍ والقوم قد بلغوا أقصى مرادهم
ما نصّه: يقول: إن خير الليالي التي تنشرح لها الصدور، ويحمد فيها الورود والصدور، ليالي الخير في إضم، حيث النزيل لم يضم، والقوم قد وردوا موارد الكرم، وبلغوا أقصى مرادهم في ذلك الحرم.
٣٠٣ - ومن الراحلين الوليّ الصالح أبو مروان عبد الملك بن إبراهيم ابن بشر، القيسي. وهو ابن أخت ابن صاحب الصلاة البجانسي، نسبة إلى بجانس قرية من قرى وادي آش، وكان - رحمه الله تعالى - في أواسط المائة السابعة، وقد ذكره الفقيه أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن يحيى الأزد يالفشتالي في تأليفه الذي سمّاه تحفة المغرب ببلاد المغرب، وقال فيه: رضوا نفوسهم لتنقاد للمولى سرّاً وعلناً، وزهدوا في الدنيا فلم يقولوا معنا ولا لنا، وانتدبوا لقول الله تعالى: " والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا ".
وقال صاحب التأليف المذكور: سألت الشيخ أبا مروان يوماً في مسيري معه من وادي آش إلى بلده بجانس سنة تسع وأربعين وستمائة، فقلت له: أنت
стр. 1400
يا سيدي لم تكن قرأت ولا لازمت المشايخ قبل سفرك للمشرق، ولا سافرت مع عالم تقتدي ببركته في هذا الطريق، فقال لي: أقام الله تعالى لي من باطني شيخاً، قلت له: كيف قال: كنت إذا عرض لي أمر نظرت في خاطري فيخطر لي خاطران في ذلك، أحدهما محمود والآخر مذموم، فكنت أجتنب المذموم وأرتكب المحمود، فإذا وصلت إلى أقرب بلد سألت عمّن فيه من المشايخ والعلماء، فأسأله عن ذلك، فكان يذكر لي المحمود محموداً والمذموم مذموماً، فأحمد الله تعالى أن وقفني، ومع تتابع ذلك واتصاله دون مخالفة لم أعتمد على ما يقع بخاطري من الأمور الشرعية إلى الآن حتى أسأل عنه من حضر من العلماء، انتهى.
ومن كلام صاحب التأليف المذكور قوله في حق الصوفية، نفعنا الله تعالى بهم: حموا طريق الحق فحاماهم، ونوّر بصائرهم فأصمهم عن الباطل وأعماهم، وأهانوا في رضاه نفوسهم، ورفضوا نعماهم، فأعلى قدرهم عنده وعند الناس وأسماهم، انتهى.
وما أحسن قوله في التأليف المذكور: يا هذا، من حافظ حوفظ عليه، ومن طلب الخير بصدق وصل إليه، ومن أخلص العبودية لربه قام الأحرار خدمة بين يديه، انتهى.
٣٠٤ - ومنهم الطبيب الماهر الشهير ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد ابن البيطار (١) ، المالقي، نزيل القاهرة، وهو الذي عناه ابن سعيد في كتابه المغرب بقوله: وقد جمع أبو محمد المالقي الساكن الآن بقاهرة مصر كتاباً في هذا الشأن حشر فيه ما سمع به فقدر عليه من تصانيف الأدوية المفردة ككتاب الغافقي وكتاب الزهراوي وكتاب الشريف الإدريسي الصقلي وغيرها، وضبطه على جروف المعجم، وهو النهاية في مقصده.
стр. 1401
وقد ذكرت كلام ابن سعيد هذا بجملته في غير هذا الموضع، فليراجع.
وكان ابن البيطار أوحد زمانه في معرفة النبات، سافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم والمغرب، واجتمع بجماعة كثيرة من الذي يعانون هذا الفن، وعاين منابته وتحققها، وعاد بعد أسفاره، وخدم الكامل بن العادل، وكان يعتمد عليه في الأدوية والحشائش، وجعله في الديار المصرية رئيساً على سائر العشّابي وأصحاب البسطات، ومن بعده خدم ولده الصالح، وكان حظيّاً عنده، إلى أن توفي بشعبان سنة ٦٤٦ التي توفّي بها ابن الحاجب، وله من المصنفات كتاب الجامع في الأدوية المفردة وكتاب المغني أيضاً في الأدوية، وكتاب الإبانة والإعلام بما في المنهاج من الخل والأوهام، وكتاب الأفعال العجيبة والخواص الغريبة، وشرح كتاب ديسقوريدوس، قال الذهبي: انتهت إليه معرفة تحقيق النبات وصفاته، وأماكنه ومنافعه، وتوفّي بدمشق، انتهى.
٣٠٥ - ومنهم الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن علي، القرشي، البسطي، الشهير بالقلصادي - بفتحات - كما قال السخاوي (١) ، الصالح الرحلة، المؤلف، المفرضي، آخر من له التآليف الكثيرة من أئمة الأندلس، وأكثر تصانيفه في الحساب والفرائض، كشرحيه العجيبين على تلخيص ابن البناء والحوفي، وكفاه فخراً أن الإمام السنوسي صاحب العقائد أخذ عنه جملة من الفرائض والحساب، وأجازه جميع مروياته، وأصله من بسطة، ثم انتقل إلى غرناطة، لاستوطنها، وأخذ بها عن جماعة كابن فتوح والسرقسطي وغيرهما، ثم ارتحل إلى المشرق ومر بتلمسان فأخذ بها عن الإمام عالم الدنيا ابن مرزوق والقاضي أبي الفضل قاسم العقباني وأبي العباس ابن زاغ وغيرهم،
стр. 1402
ثم ارتحل فلقي بتونس تلامذة ابن عرفة كابن عقاب والقلشاني وحلولو وغيرهم، ثم حج ولقي أعلاماً، وعاد فاستوطن غرناطة إلى أن حل بوطنه ما حل، فتحيل في خلاصه من الشرك وارتحل، ومر بتلمسان فنزل بها على الكفيف ابن مرزوق ابن شيخه، ثم وجدت به الرحلة إلى أن وافته منيته بباجة إفريقية منتصف ذي الحجّة سنة ٨٩١ (١) ، وكان كثير المواظبة على الدرس والكتابة والتأليف، ومن تآليفه أشرف المسالك إلى مذهب مالك وشرح مختصر خليل، وشرح الرسالة، وشرح التلقين، وهداية الأنام في شرح مختصر قواعد الإسلام وهو شرح مفيد، وشرح رجز القرطبي، وتنبيه الإنسان إلى علم الميزان، والمدخل الضروري، وشرح إيساغوجي في المنطق، وله شرح الأنوار السنية لابن جزي، وشرح رجز الشراز في الفرائض الذي أوله:
بحمد خير الوارثين أبتدي وبالسّراج النبويّ أهتدي
وشرح حكم ابن عطاء الله، ورجز أبي عمرو بن منظور في أسماء النبي ﷺ ، وشرح البردة، ورجز ابن بري، ورجز شيخه أبي إسحاق بن فتوح في النجوم الذي أوله:
سبحان رافع السماء سقفا ناصبها دلالةً لا تخفى
وشرح رجز أبي مقرعة، وله النصيحة في السياسة العامة والخاصة، وهداية النظّار في تحفة الأحكام والأسرار، وكشف الجلباب عن علم الحساب، وكشف الأسرار عن علم الغبار، والتبصرة، وقانون الحساب في قدر التلخيص، وشرحه، وشرحان على التلخيص كبير وصغير، وشرح ابن الياسمين في الجبر والمقابلة، ومختصره، وكليات الفرائض، وشرحها،
стр. 1403
وشرحان للتلمسانية كبير وصغير، وشرح فرائض صالح بن شريف وابن الشاط وفرائض مختصر خليل والتلقين وابن الحاجب، وله كتاب الغنية في الفرائض، وغنية النحاة وشرحاها الكبير والصغير، وتقريب المواريث، ومنتهى العقول البواحث، وشرح مختصر العقباني، ولم يتم، ومدح اللطالبين، ومختصر مفيد في النحو، وشرح رجز ابن مالك، والجرومية، وجمل الزجاجي، وملحة الحريري، والخزرجية، ومختصر في العروض، وغير ذلك وأخذ عن الحافظ ابن حجر والزين طاهر النويري وأبي القاسم النويري والعلامة الجلال المحلّي والتقي الشمني وأبي الفتح المراغي وغيرهم، وحسبما ذكر ذلك في رحلته الشهيرة، وهي حاوية لشيوخه بالمغرب والمشرق وجملة من أحوالهم، رحم الله تعالى الجميع.
٣٠٦ - ومنهم أبو عبد الله الراعي، وهو شمس الدين محمد بن إسماعيل الأندلسي الغرناطي (١) ، ولد بها سنة ٧٨٢ تقريباً، ونشأ بها، وأخذ الفقه والأصول والعربية عن جماعة، منهم أبو جعفر أحمد بن إدريس بن سعيد الأندلسي، وسمع على أبي بكر عبد الله بن محمد بن محمد المعافري ابن الدب، ويعرف بابن أبي عامر، والخطيب أبي عبد الله محمد بن علي بن الحفار، ومحمد بن عبد الملك بن علي القيسي المنتوري صاحب الفهرسة الكبيرة الشهيرة، وممّا أخذ عنه الجرومية بأخذه لها عن الخطيب أبي جعفر أحمد بن محمد بن سالم الجذامي عن القاضي أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الحضرمي عن مؤلفها أبي عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي عرف بابن آجروم، وجميع خلاصة الباحثين في حصر حال الوارثين للقاضي أبي بكر عبد الله بن يحيى بن زكريا الأنصاري بأخذه لها عن مؤلفها، وأجاز له أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن الجذامي، والقاضي
стр. 1404
أبو الفضل قاسم بن سعيد العقباني، والعلامة أبو الفضل محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن الإمام، وعالم الدنيا أبو عبد الله محمد بن مرزوق التلمساني، وغيرهم من المغاربة، ومن أشياخه من أهل المشرق الكمال لن خير السكندري، والزين أبو بكر المراغي، والزين محمد الطبري، وأبو إسحاق إبراهيم بن العفيف النابلسي، في آخرين، ودخل القاهرة سنة ٨٢٥ فحج واسوطنها، وسمع بها من الشهاب المتبولي وابن الجزري والحافظ ابن حجر وطائفة، وأمّ بالمؤيدية وقتاً، وتصدى للاشتغال، فانتفع به الناس طبقة بعد أخرى، لا سيّما في العربية، بل هي كانت فنه الذي اشتهر به وبجودة الإرشاد لها، وشرح كلاًّ من الجروميّة والألفيّة والقواعد وغيرها ممّا حمله عنه الفضلاء، وله نظم وسط، قال السخاوي: كتبت عنه منه الكثير، وممّا لم أسمعه منه ما أودعه في مقدمة كتاب صنفه في نصرة مذهبه وأثبته دفعاً لشيء نسب إليه، فقال:
عليك بتقوى الله ما شئت واتّبع ... أئمّة دين الحقّ تهد وتسعد
فمالكهم والشافعيّ وأحمد ... ونعمانهم كلٌّ إلى الخير يرشد
فتابع لمن أحببت منهم ولا تمل ... لذي الجهل والتعصيب إن شئت تحمد
فكلٌّ سواءٌ في وجيبة الاقتدا ... متابعهم جنّات عدن يخلد
وحبّهم دينٌ يزين وبغضهم ... خروجٌ عن الإسلام والحقّ يبعد
فلعنة ربّ العرش والخلق كلهم ... على من قلاهم والتعصب يقصد وكان حاد اللسان والخلق، شديد النفرة من الشيخ يحيى العجيسي، أضر بآخرة، ومات بسكنه بالصالحيّة يوم الثلاثاء ٢٧ ذي الحجّة سنة ٨٥٣، بعد أن أنشد قبيل موته بشهر في حال صحته الشيخ جمال الدين ابن الأمانة من نظمه قوله:
أفكّر في موتي وبعد فضيحتي ... فيحزن قلبي من عظيم خطيئتي
وتبكي دماً عيني وحقّ لها البكا ... على سوء أفعالي وقلة حيلتي
стр. 1405
وقد ذابت أكبادي عناءً وحسرةً ... على بعد أوطاني وفقد أحبتي
فما لي إلاّ الله أرجوه دائماً ... ولا سيما عند اقتراب منيّتي
فنسأل ربي في وفاتي مؤمناً ... بجاه رسول الله خير البريّة قال السخاوي: وممّا كتبته عنه:
ألفيته حول المعلّم باكياً ... ودموعه قد صاغها من كوثر
نثر الدموع على الخدود فخلتها ... درّاً تناثر في عقيق أحمر وقوله:
عليك بنعم ربّ العلا ... وراع الملوك لرعي الذّمم
وذو العلم فارع له حقّه ... وإلاّ تفارق وتلق الندم
فهذا مقالي فلتسمعوا ... نصيحة حبرٍ من أهل الحكم
إذا كنت في نعمةٍ فارعها ... فإنّ المعاصي تزيل النعم وقال (١) :
للغرب فضلٌ شائعٌ لا يجهل ... ولأهله شرفٌ ودينٌ يكمل
ظهرت به أعلام حقّ حقّقت ... ما قاله خير الأنام المرسل
من أنهم حتى القيامة لن يزا ... لوا ظاهرين على الهدى لن يخذلوا وممّن حدث عن الراعي الحافظ ابن فهد والرهان البقاعي، ومن تأليفه شرح القواعد وكتاب انتصار الفقير السالك لمذهب الإمام الكبير مالك في كراريس أربعة حسن في موضوعه، وله النوازل النحوية في عشرة كراريس أو أكثر وفيها فوائد حسنة وأبحاث رائقة، تكلم معه في بعضها أبو