← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وقد ذكرت كلام ابن سعيد هذا بجملته في غير هذا الموضع، فليراجع. وكان ابن البيطار أوحد زمانه في معرفة النبات، سافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم والمغرب، واجتمع بجماعة كثيرة من الذي يعانون هذا الفن، وعاين منابته وتحققها، وعاد بعد أسفاره، وخدم الكامل بن العادل، وكان يعتمد عليه في الأدوية والحشائش، وجعله في الديار المصرية رئيساً على سائر العشّابي وأصحاب البسطات، ومن بعده خدم ولده الصالح، وكان حظيّاً عنده، إلى أن توفي بشعبان سنة ٦٤٦ التي توفّي بها ابن الحاجب، وله من المصنفات كتاب الجامع في الأدوية المفردة وكتاب المغني أيضاً في الأدوية، وكتاب الإبانة والإعلام بما في المنهاج من الخل والأوهام، وكتاب الأفعال العجيبة والخواص الغريبة، وشرح كتاب ديسقوريدوس، قال الذهبي: انتهت إليه معرفة تحقيق النبات وصفاته، وأماكنه ومنافعه، وتوفّي بدمشق، انتهى. ٣٠٥ - ومنهم الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن علي، القرشي، البسطي، الشهير بالقلصادي - بفتحات - كما قال السخاوي (١) ، الصالح الرحلة، المؤلف، المفرضي، آخر من له التآليف الكثيرة من أئمة الأندلس، وأكثر تصانيفه في الحساب والفرائض، كشرحيه العجيبين على تلخيص ابن البناء والحوفي، وكفاه فخراً أن الإمام السنوسي صاحب العقائد أخذ عنه جملة من الفرائض والحساب، وأجازه جميع مروياته، وأصله من بسطة، ثم انتقل إلى غرناطة، لاستوطنها، وأخذ بها عن جماعة كابن فتوح والسرقسطي وغيرهما، ثم ارتحل إلى المشرق ومر بتلمسان فأخذ بها عن الإمام عالم الدنيا ابن مرزوق والقاضي أبي الفضل قاسم العقباني وأبي العباس ابن زاغ وغيرهم،

стр. 1402

ثم ارتحل فلقي بتونس تلامذة ابن عرفة كابن عقاب والقلشاني وحلولو وغيرهم، ثم حج ولقي أعلاماً، وعاد فاستوطن غرناطة إلى أن حل بوطنه ما حل، فتحيل في خلاصه من الشرك وارتحل، ومر بتلمسان فنزل بها على الكفيف ابن مرزوق ابن شيخه، ثم وجدت به الرحلة إلى أن وافته منيته بباجة إفريقية منتصف ذي الحجّة سنة ٨٩١ (١) ، وكان كثير المواظبة على الدرس والكتابة والتأليف، ومن تآليفه أشرف المسالك إلى مذهب مالك وشرح مختصر خليل، وشرح الرسالة، وشرح التلقين، وهداية الأنام في شرح مختصر قواعد الإسلام وهو شرح مفيد، وشرح رجز القرطبي، وتنبيه الإنسان إلى علم الميزان، والمدخل الضروري، وشرح إيساغوجي في المنطق، وله شرح الأنوار السنية لابن جزي، وشرح رجز الشراز في الفرائض الذي أوله: بحمد خير الوارثين أبتدي وبالسّراج النبويّ أهتدي وشرح حكم ابن عطاء الله، ورجز أبي عمرو بن منظور في أسماء النبي ﷺ ، وشرح البردة، ورجز ابن بري، ورجز شيخه أبي إسحاق بن فتوح في النجوم الذي أوله: سبحان رافع السماء سقفا ناصبها دلالةً لا تخفى وشرح رجز أبي مقرعة، وله النصيحة في السياسة العامة والخاصة، وهداية النظّار في تحفة الأحكام والأسرار، وكشف الجلباب عن علم الحساب، وكشف الأسرار عن علم الغبار، والتبصرة، وقانون الحساب في قدر التلخيص، وشرحه، وشرحان على التلخيص كبير وصغير، وشرح ابن الياسمين في الجبر والمقابلة، ومختصره، وكليات الفرائض، وشرحها،

стр. 1403

وشرحان للتلمسانية كبير وصغير، وشرح فرائض صالح بن شريف وابن الشاط وفرائض مختصر خليل والتلقين وابن الحاجب، وله كتاب الغنية في الفرائض، وغنية النحاة وشرحاها الكبير والصغير، وتقريب المواريث، ومنتهى العقول البواحث، وشرح مختصر العقباني، ولم يتم، ومدح اللطالبين، ومختصر مفيد في النحو، وشرح رجز ابن مالك، والجرومية، وجمل الزجاجي، وملحة الحريري، والخزرجية، ومختصر في العروض، وغير ذلك وأخذ عن الحافظ ابن حجر والزين طاهر النويري وأبي القاسم النويري والعلامة الجلال المحلّي والتقي الشمني وأبي الفتح المراغي وغيرهم، وحسبما ذكر ذلك في رحلته الشهيرة، وهي حاوية لشيوخه بالمغرب والمشرق وجملة من أحوالهم، رحم الله تعالى الجميع. ٣٠٦ - ومنهم أبو عبد الله الراعي، وهو شمس الدين محمد بن إسماعيل الأندلسي الغرناطي (١) ، ولد بها سنة ٧٨٢ تقريباً، ونشأ بها، وأخذ الفقه والأصول والعربية عن جماعة، منهم أبو جعفر أحمد بن إدريس بن سعيد الأندلسي، وسمع على أبي بكر عبد الله بن محمد بن محمد المعافري ابن الدب، ويعرف بابن أبي عامر، والخطيب أبي عبد الله محمد بن علي بن الحفار، ومحمد بن عبد الملك بن علي القيسي المنتوري صاحب الفهرسة الكبيرة الشهيرة، وممّا أخذ عنه الجرومية بأخذه لها عن الخطيب أبي جعفر أحمد بن محمد بن سالم الجذامي عن القاضي أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الحضرمي عن مؤلفها أبي عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي عرف بابن آجروم، وجميع خلاصة الباحثين في حصر حال الوارثين للقاضي أبي بكر عبد الله بن يحيى بن زكريا الأنصاري بأخذه لها عن مؤلفها، وأجاز له أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن الجذامي، والقاضي

стр. 1404

أبو الفضل قاسم بن سعيد العقباني، والعلامة أبو الفضل محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن الإمام، وعالم الدنيا أبو عبد الله محمد بن مرزوق التلمساني، وغيرهم من المغاربة، ومن أشياخه من أهل المشرق الكمال لن خير السكندري، والزين أبو بكر المراغي، والزين محمد الطبري، وأبو إسحاق إبراهيم بن العفيف النابلسي، في آخرين، ودخل القاهرة سنة ٨٢٥ فحج واسوطنها، وسمع بها من الشهاب المتبولي وابن الجزري والحافظ ابن حجر وطائفة، وأمّ بالمؤيدية وقتاً، وتصدى للاشتغال، فانتفع به الناس طبقة بعد أخرى، لا سيّما في العربية، بل هي كانت فنه الذي اشتهر به وبجودة الإرشاد لها، وشرح كلاًّ من الجروميّة والألفيّة والقواعد وغيرها ممّا حمله عنه الفضلاء، وله نظم وسط، قال السخاوي: كتبت عنه منه الكثير، وممّا لم أسمعه منه ما أودعه في مقدمة كتاب صنفه في نصرة مذهبه وأثبته دفعاً لشيء نسب إليه، فقال: عليك بتقوى الله ما شئت واتّبع ... أئمّة دين الحقّ تهد وتسعد فمالكهم والشافعيّ وأحمد ... ونعمانهم كلٌّ إلى الخير يرشد فتابع لمن أحببت منهم ولا تمل ... لذي الجهل والتعصيب إن شئت تحمد فكلٌّ سواءٌ في وجيبة الاقتدا ... متابعهم جنّات عدن يخلد وحبّهم دينٌ يزين وبغضهم ... خروجٌ عن الإسلام والحقّ يبعد فلعنة ربّ العرش والخلق كلهم ... على من قلاهم والتعصب يقصد وكان حاد اللسان والخلق، شديد النفرة من الشيخ يحيى العجيسي، أضر بآخرة، ومات بسكنه بالصالحيّة يوم الثلاثاء ٢٧ ذي الحجّة سنة ٨٥٣، بعد أن أنشد قبيل موته بشهر في حال صحته الشيخ جمال الدين ابن الأمانة من نظمه قوله: أفكّر في موتي وبعد فضيحتي ... فيحزن قلبي من عظيم خطيئتي وتبكي دماً عيني وحقّ لها البكا ... على سوء أفعالي وقلة حيلتي

стр. 1405

وقد ذابت أكبادي عناءً وحسرةً ... على بعد أوطاني وفقد أحبتي فما لي إلاّ الله أرجوه دائماً ... ولا سيما عند اقتراب منيّتي فنسأل ربي في وفاتي مؤمناً ... بجاه رسول الله خير البريّة قال السخاوي: وممّا كتبته عنه: ألفيته حول المعلّم باكياً ... ودموعه قد صاغها من كوثر نثر الدموع على الخدود فخلتها ... درّاً تناثر في عقيق أحمر وقوله: عليك بنعم ربّ العلا ... وراع الملوك لرعي الذّمم وذو العلم فارع له حقّه ... وإلاّ تفارق وتلق الندم فهذا مقالي فلتسمعوا ... نصيحة حبرٍ من أهل الحكم إذا كنت في نعمةٍ فارعها ... فإنّ المعاصي تزيل النعم وقال (١) : للغرب فضلٌ شائعٌ لا يجهل ... ولأهله شرفٌ ودينٌ يكمل ظهرت به أعلام حقّ حقّقت ... ما قاله خير الأنام المرسل من أنهم حتى القيامة لن يزا ... لوا ظاهرين على الهدى لن يخذلوا وممّن حدث عن الراعي الحافظ ابن فهد والرهان البقاعي، ومن تأليفه شرح القواعد وكتاب انتصار الفقير السالك لمذهب الإمام الكبير مالك في كراريس أربعة حسن في موضوعه، وله النوازل النحوية في عشرة كراريس أو أكثر وفيها فوائد حسنة وأبحاث رائقة، تكلم معه في بعضها أبو

стр. 1406

عبد الله ابن العباس التلمساني. وذكر بعضهم أنّه اختصر شرح شيخه ابن مرزوق على مختصر الشيخ خليل من باب القضاء إلى آخر الكتاب، انتهى. وجرت له في صغره حكاية دلت على نبله، وهي أنّه دخل على الطلبة رجل وهم بجامع غرناطة، فسألهم عمّن كان رواء إمام، فحدث فلإمام عذر ذهب لأجله، مثل الرعاف مثلاً، فصلوا بعض الصلاة لأنفسهم، ثم اقتدوا بإمام منهم قدموه فيما بقي، فهل تصح صلاتهم أم لا فلم يكن عند أحد من الحاضرين فيها علم، فقال هو: إن الصلاة باطلة، لأن النحاة يقولون: الإتباع بعد القطع لا يجوز. وقد حكى ذلك في شرحه للجروميّة الذي سمّاه بعنوان الإفادة في باب النعت إذ قال ما نصّه: كنت جالساً بمسجد قيسارية غرناطة أنتظر سيدنا وشيخنا أبا الحسن علي بن سمعة رحمه الله تعالى مع جماعة من كبار طلبته، وكنت إذ ذاك أصغرهم سنّاً وأقلهم علماً، فدخل سائل سأل عن مسألة فقهية نصها: إن إماماً صلى بجماعة جزءاً من صلاة، ثم غلب عليه الحدث، فخرج ولم يستخلف عليهم، فقام كل واحد من الجماعة وصلى وحده جزءاً من الصلاة، ثم بعد ذلك استخلفوا من أتمّ بهم الصلاة، فهل تصحّ تلك الصلاة أم لا فلم يكن فيها عند الحاضرين جواب، فقلت: هذا إتباع بعد القطع، وهو ممتنع عند النحويين، فصلاة هؤلاء باطلة، فاستظرفها مني من حضر لصغر سني، ثم طلبنا النصّ فيها فلم نلقه في ذلك التاريخ، ولو لقيناه لكان الجواب حسناً، انتهى. ومن ألغازه قوله: حاجيتكم نحاتنا المصريّه ... أولي الذكا والعلم والطعميه ما كلماتٌ أربعٌ نحويّه ... جمعن في حرفين للأحجيه

стр. 1407

يعني فعل الأمر للواحد من وأى يئي إذا أضمر، فإنّك تقول فيه: إ يا زيد على حرف واحد، وهو الهمزة المقطوعة، فإذا قلت قل إ ونقلت حركته على لغة النقل إلى الساكن صار هكذا قل فذهب فعل الأمر وفاعله، فهي كلمات أربع فعلا أمر وفاعلاهما جمعن في حرفين القاف واللام، فافهم، وأحسن من هذا قوله ملغزاً في ذلك أيضاً: في أيّ لفظٍ يا نحاة الملّه ... حركةٌ قامت مقام الجمله وبالجملة فمحاسنه كثيرة، رحمه الله تعالى ورضي عنه. ومن فوائده قوله: حكى لي بعض علماء المالكية قال: كنّا نقرأ المدوّنة على الشيخ سراج الدين البلقيني الشافعي، فوقعت مسألة خلافية بين مالك والشافعي، فقال الشيخ في مسألة مذهبنا كذا في مسألة لم يقل الشافعي بما قال، وإنّما نسبها البلقيني لنفسه، ثم فطن وخاف أن ينتقد عليه المالكية ويقولوا له: أنت شافعي وهذا ليس مذهب الشافعي، فقال: فإن قلتم يا مالكية لسنا بمالكية، وإنّما أنتم شافعية، قلنا: كذلك أنت قاسمية، وقد اجتمعنا الكل في مالك، قال: وهذا الكلام حلو حسن في غاية الإنصاف من الشيخ. قال: ولما قرئ عليه كتاب الشفاء مدحه وأثنى عليه إلى الغاية، وكان يحضره جماعة من المالكية فقال القاضي جمال الدين ابنه: ما لكم يا مالكيّة لا تكونون مثل القاضي عياض فقال له أبوه الشيخ سراج الدين المذكور: وما لك لا تقول للشافعية ما لكم يا شافعية لا تكونون مثل القاضي عياض ومن فوائد الراعي في باب العلم من شرحه على الألفية: في الكلب عشر خصال محمودة ينبغي أن تكون في كل فقير، لا يزال جائعاً، وهو من دأب الصالحين، ولا يكون له موضع يعرف به، وذلك من علامة المتوكلين، ولا ينام من الليل إلا القليل، وذلك من صفات المحبين، وإذا مات لا يكون له ميراث، وذلك من أخلاق الزاهدين، ولا يهجر صاحبه وإن جفاه وطرده

стр. 1408

وذلك من شيم المريدين، ويرضى من الدنيا بأدنى يسير، وذلك من إشارة القانعين، وإذا غلب عن مكانه تركه وانصرف إلى غيره، وذلك من علامة المتواضعين، وإذا ضرب وطرد ثم دعي أجاب، وذلك من أخلاق الخاشعين، وإذا حضر شيء من الأكل وقف ينظر من بعيد، وذلك من أخلاق المساكين، وإذا رحل لا يرحل معه بشيء، وذلك من علامة المتجردين، انتهى بمعناه. وقد نسبه للحسن البصري رحمه الله تعالى ورضي عنه بمنّه. ومن تصانيفه رحمه الله تعالى كتاب الفتح المنير في بعض ما يحتاج إليه الفقير في غاية الإفادة، ملكته بالمغرب ولم أره بهذه البلاد المشرقية، وحفظت منه فوائد ممتعة. ٣٠٧ - ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق بعد أخذ جميع بلاد الأندلس - أعادها الله تعالى - قاضي الجماعة بغرناطة أبو عبد الله محمد بن علي ابن محمد بن الأزرق (١) ، قال السخاوي: إنّه لازم الأستاذ إبراهيم بن أحمد ابن فتوح مفتي غرناطة في النحو والأصلين والمنطق، بحيث كان جلّ انتفاعه به، وحضر مجالس أبي عبد الله محمد السّرقسطي العالم الزاهد مفتيها أيضاً في الفقه، ومجالس الخطيب أبي الفرج عبد الله بن أحمد البقني، والشهاب قاضي الجماعة بغرناطة أبي العباس أحمد بن أبي يحيى بن شرف التلمساني، انتهى. وله رحمه الله تعالى تآليف: منها " بدائع السلك في طبائع الملك " (٢) كتاب حسن مفيد في موضوعه، لخص في كلام ابن خلدون في مقدمة تاريخه وغيره مع زوائد كثيرة، ومنها روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام

стр. 1409

مجلد ضخم فيه فوائد وحكايات لم يؤلف في فنّه مثله، وقفت عليه بتلمسان وحفظت منه ما أنشده لبعض أهل عصره ممّا يكتب في سيف: إن عمّت الأفق من نقع الوغى سحبٌ ... فشم بها بارقاً من لمع إيماضي وإن نوّت حركات النصر أرض عدىً ... فليس للفتح إلا فعلي الماضي ومن إنشائه في التأليف المذكور ما صورته: قلت: ولقد كان شيخنا العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن فتوح قدّي الله تعالى روحه يفسح لصاحب البحث مجالاً رحباً، ويوسع المراجع له قبولاً ورحباً، بل يطالب بذلك ويقتضيه، ويختار طريق لتعليم به ويرتضيه، توفيقاً على ما خلص له تحقيقه، ووضح له معيار الاختيار تدقيقه، وإلاً فقد كان ما يلقيه غاية ما يتحصل، ويتهمد به مختار ما يحفظ ويتأصّل، انتهى. وهو يدل على ملكته في الإنشاء، ويحقّق ما يحصله، إلا أن ذلك إذا طال حتى وقع الملل والضجر أو كاد فينبغي الإمساك عن البحث، لئلاّ يفضي الحال إلى ما ينهى عنه. قال: ومخالفة التلميذ الشيخ في بعض المسائل إذا كان لها وجه وعليها دليل قائم يقبله غير الشيخ من العلماء ليس من سوء أدب التلميذ مع الشيخ، ولكن مع ملازمة التوقير الدائم، والإجلال الملائم، فقد خالف ابن عباس عمر وعليّاً وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم، وكان قد أخذ عنهم، وخالف كثير من التابعين بعض الصحابة، وإنّما أخذوا العلم عنهم، وخالف مالك كثيراً من أشياخه، وخالف الشافعي وأشهب مالكاُ في كثير من المسائل، كل من أخذ العلم أن يخالفه بعض تلامذته في عدة مسائل، ولم يزل ذلك دأب التلاميذ مع الأساتيذ إلى زماننا هذا، وقال: وشاهدنا ذلك في أشياخنا مع أشياخهم رحمهم الله تعالى، قال: ولا ينبغي للشيخ أن يتبرّم من هذه المخالفة

стр. 1410

إذا كانت على الوجه الذي وصفناه، والله تعالى أعلم، انتهى. ولمّا أنشد ابن الأزرق المذكور في كتابه روضة الأعلام قول القائل في مدح ابن عصفور: نقل النحو إلينا الدّؤلي ... عن أمير المؤمنين البطل بدأ النحو عليٌّ وكذا ... ختم النحو ابن عفصورٍ علي قال بعده ما نصّه: على أن صاحبنا الكاتب الأديب الأبرع أبا عبد الله محمد ابن الأزرق الوادي آشي رحمه الله تعالى قد قال فيما يدافع ابن عصفور عمّا اقتضاه هذا المدح له بتفضيل الأستاذ المحقّق أبي الحسن بن الضائع عليه، ولقد أبدع في ذلك ما شاء لما تضمه من التورية: بضائعك ابن الضائع النّدب قد أتت ... بخظٍّ من التحقيق والعلم موفور فطرت عقاباً كاسراً أوما ترى ... مطارك قد أعيا جناح ابن عصفور انتهى. وقد نقل عن ابن الأزرق صاحب المعيار في جامعه، وأثنى عليه غير واحد ومن أعظم تآليفه شرحه الحافل على مختصر خليل المسمى بشفاء الغليل في شرح مختصر خليل وقد توارد معه الشيخ ابن غازي على هذه التسمية، وكان مولانا العم الإمام شيخ الإسلام سيدي سعيد بن أحمد المقّري رضي الله تعالى عنه قال لي حين سألته عن هذا التوارد: لعل تسمية ابن الأزرق شفاء العليل بالعين، قلت: يبعد ذلك أن جماعة من تلامذته الأكابر كالوادي آشي وغيره كتبوه بخطوطهم بالغين المعجمة، فبان أنّه من توارد الخواطر، وأن كلاًّ منهما لم يقف على تسمية الآخر، والله تعالى أعلم، وقد رأيت جملة من هذا الشرح بتلمسان وذلك نحو ثلاثة مجلدات، ولا أدري هل أكمله أم لا، لأن تقديره بحسب ما رأيت يكون عشرين مجلداً، إذ المجلد الأول ما أتم مسائل الصلاة

стр. 1411

ورأيت الخطبة وحدها في أكثر من كراسة أبان فيها عن علوم، ولم أر في شروح خليل مع كثرتها مثله، ودخل تلمسان لما استولى العدو على بلاد الأندلس، ثم ارتحل إلى المشرق، فدخل مصر، واستنهض عزائم السلطان قايتباي لاسترجاع الأندلس، فكان كمن يطلب بيض الأنواق، أو الأبيض العقوق. ثم حج ورجع إلى مصر فجدّد الكلام في غرضه، فدافعوه عن مصر بقضاء القضاة في بيت المقدس، فتولاه بنزاهة وصيانة وطهارة، ولم تطل مدته هنالك حتى توفّي به بعد سنة خمس وتسعين وثمانمائة، حسبما ذكره صاحب الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل فليراجع فإنّه طال عهدي به. ومن بارع نظمه رحمه الله تعالى قوله في المجبّنات: وربّ محبوبةٍ تبدّت ... كأنّها الشمس في حلاها فاعجب لحال الأنام من قد ... أحبّها منهم قلاها ومنه قوله رحمه الله تعالى: عذري في هذا الدخان الذي ... جاور داري واضحٌ في البيان قد قلتم إنّ بها زخرفاً ... ولا يلي الزخرف إلا الدخان وقوله: تأمّلت من حسن الربيع نضارةً ... وقد غرّدت فوق الغصون البلابل حكت في غصون الدّوح قسّاً فصاحة ... لتعلم أن النبت في الروض باقل وقوله: وقائلةٍ صف الربيع محاسناً ... فقلت وعندي للكلام بدار همى ببطاح الأرض صوبٌ من الحيا ... فللنّبت في وجه الزمان عذار

стр. 1412

وقوله: تعجّبت من يانع الورد في ... سنا وجنةٍ نبتها بارض ولم لا يرى وردها يانعاً ... وقد سال من فوقها العارض وقوله رحمه الله تعالى عند وفاة والدته: تقول لي ودموع العين واكفةٌ ... ما أفظع البين والتّرحال يا ولدي فقلت أين السّرى قالت لرحمة من ... قد عزّ الملك لم يولد ولم يلد قال تلميذه الحافظ ابن داود: ممّا ألفيته بخط قاضي الجماعة أبي عبد الله ابن الأزرق عن علي رضي الله تعالى عنه: من أراد أن يطّول الله عمره، ويظفر بعدوّه، ويصان من فتن الدنيا، ويوسّع عليه باب رزقه، فليقل هذا التسبيح إذا أصبح ثلاثاً، وإذا أمسى ثلاثاً: سبحان الله ملء رزقه، ومنتهى العلم، ومبلغ الرضى، وعدد النعم، وزنة العرش، والحمد لله ملء الميزان، ومنتهى العلم، ومبلغ الرضى، وعدد النعم، وزنة العرش، ولا إله إلاّ الله ملء الميزان، ومنتهى العلم، ومبلغ الرضى، وعدد النعم، وزنة العرش، والله أكبر ملء الميزان، ومنتهى العلم، ومبلغ الرضى، وعدد النعم، وزنة العرش، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم مثل ذلك، وصلى الله على سيدنا محمد وآله مثل ذلك. قال: وبخطّه أيضاً لنيل الرزق وما يراد: يا باسط، يا جواد، يا علي في عرشك، بحق حقّك على جميع خلقك، ابسط [لي] رزقك، وسخر لي خلقك. وبخطّه أيضاً: بسم الله الرحمن الرحيم الدافع المانع الحافظ الحي القيوم القوي القادر الولي الناصر الغالب الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. وبخطّه أيضاً: يا فتّاح، يا عليم، يا نور، يا هادي، يا حق، يا مبين

стр. 1413

افتح لي فتحاً تنوّر به قلبي، وتشرح به صدري، واهدني إلى طريق ترضاه، وبيّن لي أمري، وصلى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً. انتهى. وقال رحمه الله تعالى مورّياً: من تكن صنعته الإنشاء لا ... ينكر الرزق لأقصى العمر ولو استعلى على السبع الدرا ... ريّ بما في فمه من درر فأنا الكاتب لكن لو يبا ... ع لي العتق لكنت المشتري هكذا رأيت نسبتها إليه. ولنختم ترجمته، بل والباب جميعاً، بقوله، رحمه الله تعالى، عند نزول طاغية النصارى بمرج غرناطة أعادها الله تعالى للإسلام بجاه النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: مشوقٌ بخيمات الأحبّة مولع ... تذكّره نجدٌ وتغريه لعلع مواضعكم يل لائمين على الهوى ... فلم يبق للسّلوان في القلب موضع ومن لي بقلبٍ تلتظي فيه زفرة ... ومن لي بجفنٍ تنهمي منه أدمع رويدك فارقب للّطائف موضعاً ... وخلّ الذي من شرّه يتوقّع وصبراً فإنّ الصبر خير غنيمةٍ ... ويا فوز من قد كان للصبر يرجع وبت واثقاً باللطف من خير راحمٍ ... فألطافه من لمحة العين أسرع وإن جاء خطبٌ فانتظر فرجاً له ... فسوف تراه في غدٍ عنك يرفع وكن راجعاً لله في كلّ حالة ... فليس لنا، إلا إلى الله، مرجع

стр. 1414

بسم الله الرحمن الرحيم الباب السادس في ذكر بعض الوافدين على الأندلس من أهل المشرق، المهتدين في قصدهم إليها بنور الهداية المضيء المشرق، والأكابر الذين حلوا بحلولهم فيها الجيد منها والمفرق، والمفتخرين برؤية قطرها المونق، على المشئم والمعرق اعلم أن الداخلين للأندلس من المشرق قوم كثيرون لا تحصر الأعيان منهم، فضلاً عن غيرهم، ومنهم من اتخذها وطناً، وصيرها سكناً، إلى أن وافته منيته ومنهم من عاد إلى المشرق بعد أن قضيت بالأندلس أمنيته. ١ - فمن الداخلين إلى الأندلس المنيذر الذي يقال إنه صحابي رأى رسول الله (١) ﷺ . قال ابن الأبار في التكملة (٢) : المنيذر الإفريقي، له صحبة، وسكن (٣) إفريقية، ودخل الأندلس فيما ذكره عبد الملك بن حبيب، قاله أبو محمد الرشاطي، ولم يذكره أحد غيره، روى عنه أبو عبد الرحمن الحبلي (٤) ، انتهى.

стр. 1415

وأنكر غير واحد دخول أحد من الصحابة الأندلس. وذكر بعض الحفاظ المنيذر المذكور، وقال: إنه المنيذر اليماني، وذكر الحجاري أنه من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وأنه دخل الأندلس مع موسى بن نصير غازياً، وقال ابن بشكوال: يقال فيه المنيذر لكونه من أحداث الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقد حكى ذلك الرازي، وذكره ابن عبد البر في كتاب " الاستيعاب في الصحابة " (١) وسماه بالمنيذر الإفريقي، وقال ابن بشكوال: إن ابن عبد البر روى عنه حديثاً سمعه من رسول الله ﷺ ، وذكره أبو علي ابن السكن في كتاب الصحابة وقال: روي عنه حديث واحد، وأرجو أن يكون صحيحاً، وذكره ابن قانع في معجم الصحابة له. وذكره البخاري في تاريخه الكبير إذ قال: أبو المنيذر صاحب رسول الله ﷺ ، وكان قد حدث بإفريقية عن رسول الله ﷺ ، قال: " من قال رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، فأنا الزعيم لآخذن بيده فأدخله الجنة " كذا ذكره البخاري بالكنية، وهذا الحديث هو الذي رووه عنه لا يعرف له غيره، وذكره أبو جعفر أحمد ابن رشدين في كتاب " مسند الصحابة " له، فقال، المنيذر اليماني إما من مذحج أو غيرها، وذكر الحديث سواء، وقد أشرنا فيما سبق إلى المنيذر هذا (٢) . ٢ - ومن التابعين الداخلين الأندلس أميرها موسى بن نصير، وقد سبق من الكلام عليه مافيه كفاية (٣) .

стр. 1416

٣ - ومن التابعين الداخلين الأندلس حنش الصنعاني (١) . وفي كتاب ابن بشكوال قال ابن وضاح: حنش لقب له، واسمه حسين بن عبد الله، وكنيته أبو علي، ويقال: أبو رشدين، قال ابن بشكوال: وهو من صنعاء الشام. وذكره أبو سعيد ابن يونس في تاريخ أهل مصر وإفريقية والأندلس، فقال: إنه كان مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وغزا المغرب مع رفيقه رويفع بن ثابت، وغزا الأندلس مع موسى بن نصير، وكان فيمن ثار مع ابن الزبير على عبد الملك بن مروان، فأتى به عبد الملك في وثاق فعفا عنه، وكان أول من ولي عشور إفريقية في الإسلام، وتوفي بإفريقية سنة مائة. وذكر ابن يونس عن حنش أنه كان إذا فرغ من عشائه وحوائجه وأراد الصلاة من الليل أوقد المصباح، وقرب المصحف وإناء فيه ماء فإذا وجد النعاس استنشق الماء، وإذا تعايا في آية نظر في المصحف، وإذا جاء سائل يستطعم لم يزل يصيح بأهله: أطعموا السائل، حتى يطعم. قال ابن حبيب: دخل الأندلس من التابعين حنش بن عبد الله الصنعاني، وهو الذي أشرف على قرطبة من الفج المسمى بفج المائدة، وأذن، وذلك في غير وقت الأذان، فقال له أحد أصحابه في ذلك، فقال إن هذه الدعوة لا تنقطع من هذه البقعة إلى أن تقوم الساعة، هكذا ذكره غير واحد، وقد كشف الغيب خلاف ذلك، فلعل الرواية موضوعة أو مؤولة، والله تعالى أعلم. وذكره ابن عساكر في تاريخه، وطول ترجمته، وقال: إن صنعاء المنسوب إليها قرية من قرى الشام، وليست صنعاء اليمن، وقد قيل: إنه لم يرو عن حنش الشاميون، وإنما روى عنه المصريون، وحدث حنش عن عبد الله بن عباس أنه قال له: إن استطعت أن تلقى الله تعالى وسيفك حليته حديد فافعل.

стр. 1417

وكان عبد الملك بن مروان حين غزا المغرب مع معاوية بن حديج نزل عليه بإفريقية سنة خمسين، فحفظ له ذلك، فعفا عنه حين أتي به في وثاق حين ثار مع ابن الزبير. وسئل أبو زرعة عن حنش فقال: ثقة ولم يذكر ابن عساكر أن حنشاً لقب له، وأن اسمه حسين، بل اقتصر على اسمه حنش، ولعله الصواب، لاما قاله ابن وضاح، والله تعالى أعلم (١) . وفي تاريخ ابن الفرضي أبي الوليد أن حنشاً كان بسرقسطة، وأنه الذي أسس جامعها، وبها مات، وقبره بها معروف عند باب اليهود بغربي المدينة، وفي تاريخ ابن بشكوال أنه أخذ أيضاً قبلة جامع إلبيرة، وعدل وزن قبلة قرطبة الذي هو فخر الأندلس. ٤ - ومن الداخلين من التابعين للأندلس أبو عبد الله علي بن رباح اللخمي (٢) . ذكر ابن يونس في تاريخ مصر أنه ولد سنة خمس عشرة عام اليرموك، وكان أعور ذهبت عينه يوم ذات السواري في البحر مع عبد الله بن سعد سنة أربع وثلاثين، وكان يفد لليمانية من أهل مصر على عبد الملك بن مروان، وكانت له من عبد العزيز بن مروان منزلة، وهو الذي زفّ أم البنين بنت عبد العزيز إلى الوليد بن عبد الملك، ثم عنت عليه عبد العزيز فأغزاه إفريقية، فلم يزل بإفريقية إلى أن توفي بها، ويقال: كانت وفاته سنة أربع عشرة ومائة. قال ابن بشكوال: أهل مصر يقولون: علي بن رباح، بفتح العين، وأما أهل العراق فعلي، بضم العين، وقد سبق هذا الكلام عن ابن معين في الباب الثاني. وقال: وقال ابنه موسى بن علي: من قال لي موسى بن علي بالتصغير لم أجعله في حل.

стр. 1418

٥ - ومن التابعين الداخلين أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المعافري الحبلي (١) . قال ابن بشكوال: إنه يروي عن أبي أيوب الأنصاري وعبد الله ابن عمرو رضي الله تعالى عنهم وغيرهم، وروى عنه جماعة. وذكر البخاري في تاريخه الكبير أنه يعد في المصريين، وذكر ابن يونس في تاريخ المغرب أنه توفي بإفريقية سنة مائة، وكان رجلاً صالحاً فاضلاً، رحمه الله تعالى، ويذكر أهل قرطبة أنه توفي بقرطبة، وأنه دفن بقبليها، وقبره مشهور يتبرك به، والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر في ذلك. ٦ - ومن الداخلين من التابعين حبان بن أبي جبلة (٢) . ذكر ابن بشكوال أنه مولى قريش، ويكنى أبا النضر، وذكره أبو العرب محمد بن تميم في تاريخ إفريقية، وقال: حدثني فرات بن محمد أن عمر بن عبد العزيز أرسل عشرة من التابعين يفقهون أهل إفريقية منهم حبان بن أبي جبلة، روى عن عمرو ابن العاص وعبد الله بن عباس وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم. ويقال: توفي بإفريقية سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقيل: سنة خمس وعشرين ومائة، وذكر ابن الفرضي أنه غزى مع موسى بن نصير حين افتتح الأندلس حتى انتهى إلى حصن من حصونها يقال له قرقشونة فتوفي به. قال (٣) : وقال لنا أبو محمد الثغري: بين قرقشونة وبرشلونة مسافة خمسة وعشرين ميلاً، وفيها الكنيسة المعظمة عندهم المسماة شنت مرية، ذكر أن فيها سبع سوار من فضة خالصة لم ير الراؤون مثلها لا يحزم الإنسان بذراعيه واحدة منها مع طول مفرط، هكذا نقله ابن سعيد عمن ذكر، والله تعالى أعلم.

стр. 1419

٧ - ومن الداخلين من التابعين فيما ذكر: المغيرة ابن أبي بردة نشيط ابن كنانة العذري (١) . روى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ويروي عنه مالك في موطئه، وذكره البخاري في تاريخه الكبير، وفي كتاب الحافظ ابن بشكوال أنه دخل الأندلس مع موسى بن نصير فكان موسى بن نصير يخرجه على العساكر. ٨ - ومن التابعين حيوة بن رجاء التميمي (٢) ، ذكر ابن حبيب أنه دخل الأندلس مع موسى بن نصير وأصحابه، وأنه من جملة التابعين، رضي الله تعالى عنهم، قاله ابن بشكوال في مجموعة المترجم ب " التنبيه والتعيين لمن دخل الأندلس من التابعين ". قال ابن الأبار: وقد سمعته (٣) من أبي الخطاب ابن واجب، وسمعه هو منه، انتهى. وقال ابن الأبار في موضع آخر ما صورته: رجاء بن حيوة مذكور في الذين دخلوا الأندلس من التابعين، وفي ذلك عندي نظر، وما أراه يصح، والله تعالى أعلم، انتهى. فانظر هذا فانه سماه رجاء بن حيوة، وذلك السابق حيوة بن رجاء، فالله سبحانه أعلم بحقيقة الأمر في ذلك. ٩ - ومنهم عياض بن عقبة الفهري، من خيار التابعين، ذكره ابن حبيب في الأربعة الذين حضروا غنائم الأندلس، ولم يغلوا. ١٠ - ومنهم عبد الله بن شماسة الفهري، ذكر ابن بشكوال أنه مصري، وأن البخاري ذكره في تاريخه.

стр. 1420

١١ - ومنهم عبد الجبار بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، جده عبد الرحمن أحد العشرة رضي الله تعالى عنهم، وهو ممن ذكره ابن بشكوال في الأربعة من التابعين الذين لم يغلوا. ١٢ - ومنهم منصور بن حزامة، فيما يذكر، قال ابن بشكوال: قرأت في كتاب روايات الشيخ أبي عبد الله ابن عابد الراوية رحمه الله تعالى قال: وممن دخل الأندلس من المعمرين ما وجدت بخط المستنصر بالله الحكم بن عبد الرحمن الناصر رضي الله تعالى عنه في بعض كتبه المختزنة أنه قال: طرأ علينا رجل أسود من ناحية السودان في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فذكر أنه منصور بن حزامة مولى رسول الله ﷺ ، وكان يزعم أنه أدرك أيام عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وأنه كان مراهقاً، وكان مع عائشة رضي الله تعالى عنها يوم الجمل، وأنه شهد صفين، وأن حزامة أعتقه رسول الله ﷺ ، وخرج عن الأندلس في سنة ثلاثين وثلاثمائة إلى المغرب، انتهى. قلت: هذا كله لا أصل له، ويرحم الله تعالى حافظ الإسلام ابن حجر حيث كتب على هذا الكلام ما صورته: هذا هذيان لا أصل له، ولا يغتر به، وكذلك ترجمة أشج الغرب اتفق الحفاظ على كذبه، انتهى. قلت: وما هو إلا من نمط عكراش، والله تعالى يحفظنا من سماع الأباطيل بمنه. ومن هذه الأكاذيب ما يذكرون عن أبي الحسن علي بن عثمان بن خطاب، وأنه يعرف بأبي الدنيا، وأنه كان معمراً مشهوراً بصحبة علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وأنه رأى جماعة من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ووصفهم بصفاتهم، وأنه رأى عائشة ﵂ فيما زعم، وقدم قرطبة على المستنصر الحكم بن الناصر وهو ولي عهد، وسأله أبو بكر بن القوطية عن مغازي علي وكتبها عنه، وقد ذكره ابن بشكوال وغيره في كتبهم وتواريخهم، فقد ذكر الثقات العارفون بالفن أنه كذاب دجال مائن

стр. 1421

جاهل، فإياك والاغترار بمثل ذلك مما يوجد في كتب كثير من المؤرخين بالمشرق والأندلس، ولا يلتفت إلى قول تميم بن محمد التميمي: إنه كان إذا لقيه ابن ثلاثمائة سنة وخمس سنين، قال تميم واتصلت بنا وفاته ببلده في نحو سنة عشرين وثلاثمائة، وبالجملة فلا أصل له، وإنما ذكرناه للتنبيه عليه. وقد عرفت بما ذكرناه التابعين الداخلين الأندلس، على أن التحقيق أنهم لم يبلغوا ذلك العدد، وإنما هم نحو خمسة أو أربعة كما ألمعنا به في غير هذا الموضع (١) ، والله تعالى أعلم. ١٣ - ومن الداخلين إلى الأندلس مغيث فاتح قرطبة، وقد تقدم بعض الكلام عليه، وذكر ابن حيان والحجاري أنه رومي، زاد الحجاري: وليس برومي على الحقيقة، وتصحيح نسبه أنه مغيث بن الحارث بن الحويرث ابن جبلة بن الأيهم الغساني، سبي من الروم بالمشرق وهو صغير، فأدبه عبد الملك بن مروان مع ولده الوليد، وأنجب في الولادة، وصار منه بنو مغيث الذين نجبوا في قرطبة، وسادوا وعظم بيتهم، وتفرعت دوحتهم، وكان منهم عبد الرحمن بن مغيث حاجب عبد الرحمن بن معاوية صاحب الأندلس وغيره. ونشأ مغيث بدمشق، ودخل الأندلس مع طارق فاتحها، وجاز على ما في طريقها من البلاد إلى الشام، وقدمه طارق لفتح قرطبة ففتحها ووقع بينه وبين طارق ثم وقع بينه وبين موسى بن نصير سيد طارق، فرحل معهما إلى دمشق ثم عاد إلى ظافراً عليهما الأندلس، وأنسل بقرطبة البيت المذكور، وفي " المسهب " أنه فتح قرطبة في شوال سنة اثنين وتسعين، ثم فتح الكنيسة التي تحصن بها ملك قرطبة بعد حصار ثلاثة أشهر في محرم سنة ثلاث وتسعين، ولم يذكر له مولداً ولا وفاة. وذكر الحجاري أنه تأدب بدمشق مع بني عبد الملك فأفصح بالعربية، وصار يقول من الشعر والنثر مايجوز كتبه، وتدرب على الركوب، وأخذ نفسه بالإقدام

стр. 1422

في مضايق الحروب، حتى تخرج في ذلك تخرجاً أهله في التقدم على الجيش الذي فتح قرطبة، وكان مشهوراً بحسن الرأي والكيد، وقد قدمنا كيفية فتحه قرطبة وأسره ملكها الذي لم يؤسر من ملوك الأندلس غيره، لأن منهم من عقد على نفسه أماناً، ومنهم من فر إلى جليقية. وذكر الحجاري أنه لما حصل بيده ملك قرطبة وحريمه رأى فيهن جارية كأنها بينهن بدر بين نجوم، وهي تكثر التعرض له بجمالها، فوكل بها من عرض عليها العذاب إن لم تقر بما عزمت عليه في شأن مغيث، وأنه قد فطن من كثرة تعرضها له بحسنها لما أضمرته من المكر في شأنه، فأقرت أنها أكثرت التعرض لتقع بقلبه، إذ حسنها فتان، وقد أعدت له خرقةً مسمومةً لتمسح بها ذكره عند وقاعها، فحمد الله تعالى على ما ألهمه إليه من مكرها، وقال: لو كانت نفس هذه الجارية في صدر أبيها ما أخذت قرطبة من ليلة. وذكر أن سليمان بن عبد الملك لما أصغى إلى طارق في شأن سيده موسى بن نصير فعذبه واستصفى أمواله أراد أن يصرف سلطان الأندلس إلى طارق، وكان مغيث قد تغير عليه، فاستشار سليمان مغيثاً في تولية طارق، وقال له: كيف أمره بالأندلس فقال: لو أمر أهلها بالصلاة إلى أي قبلة شاءها لتبعوه ولم يروا أنهم كفروا، فعملت هذه المكيدة في نفس سليمان، وبدا له في ولايته، فلقيه بعد ذلك طارق، فقال له: ليتك وصفت أهل الأندلس بعصياني، ولم تضمر في الطاعة ما أضمرت، فقال مغيث: ليتك تركت لي العلج فتركت لك الأندلس، وكان طارق قد أراد أن يأخذ منه ملك قرطبة الذي حصل في يده، فلم يمكنه منه، فأغرى به سيده موسى بن نصير، وقال له: يرجع إلى دمشق وفي يده عظيم من عظماء الأندلس، وليس في أيدينا مثله، فأي فضل يكون لنا عليه فطلبه منه، فامتنع من تسليمه، قال ابن حيان: فهجم موسى على العلج وانتزعه من مغيث، فقيل له: إن سرت به معك حياً ادعاه مغيث والعلج لا ينكر، ولكن اضرب عنقه، ففعل، فاضطغنها عليه مغيث، وبالغ

стр. 1423

في أذيته عند سليمان. وذكر الحجاري في " المسهب " أن لمغيث من الشعر ما يجوز كتبه، فمن ذلك شعر خاطب به موسى بن نصير ومولاه طارقاً ويكفي منه هنا قوله: أعنتكم ولكن ما وفيتم فسوف أعيث في غربٍ وشرق وعنوان طبقته في النثر أن موسى بن نصير قال له وقد عارضه بكلام في محفل من الناس: كفّ لسانك، فقال: لساني كالمفصل، ما أكفه إلا حيث يقتل (١) . وأضافه ابن حيان والحجاري إلى ولاء الوليد بن عبد الملك، وهو الذي وجهه إلى الأندلس غازياً ففتح قرطبة، ثم عاد إلى المشرق، فأعاده الوليد رسولاً عنه إلى موسى بن نصير يستحثه على القدوم عليه، فوفد معه، فوجدوا الوليد قد مات، فخدم بعده سليمان بن عبد الملك. ١٤ - ١٥ - ومن الداخلين أيوب (٢) بن حبيب اللخمي. وذكر ابن حيان أنه ابن أخت موسى بن نصير، وأن أهل إشبيلية قدموه على سلطان الأندلس بعد قتل عبد العزيز بن موسى، واتفقوا في أيامه على تحويل السلطان من إشبيلية إلى قرطبة، فدخل إليها بهم، وكان قيامه بأمرهم ستة أشهر، وقيل: إن الذي نقل السلطنة من إشبيلية إلى قرطبة الحر بن عبد الرحمن الثقفي. قال الرازي: قدم الحر والياً على الأندلس في ذي الحجة سنة سبع وتسعين ومعه أربعمائة رجل من وجوه إفريقية، فمنهم أول طوالع الأندلس المعدودين، وقال ابن بشكوال: كانت مدة الحر سنتين وثمانية أشهر، وكانت ولايته بعد قيام أيوب بن حبيب اللخمي. ١٦ - ٢٦ - ومن الداخلين السمح بن مالك الخولاني، ولي الأندلس

стр. 1424

بعد الحر بن عبد الرحمن السابق، قال ابن حيان: ولاه عمر بن عبد العزيز، وأوصاه أن يخمس من أرض الأندلس ما كان عنوة، ويكتب إليه بصفتها وأنهارها وبحارها، قال: وكان من رأيه أن ينقل المسلمين عنها لانقطاعهم وبعدهم عن أهل كلمتهم، قال: وليت الله تعالى أبقاه حتى يفعل، فإن مصيرهم مع الكفار إلى بوار إلى أن يستنقذهم الله تعالى برحمته (١) . وذكر ابن حيان أن قدوم السمح كان في رمضان سنة مائة، وأنه الذي بنى قنطرة قرطبة بعدما استأذن عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى، وكانت دار سلطانه قرطبة. قال ابن بشكوال: استشهد بأرض الفرنجة يوم التروية سنة اثنتين ومائة. قال ابن حيان: كانت ولايته سنتين وثمانية أشهر، وذكر أن قتل في الوقعة المشهورة عند أهل الأندلس بوقعة البلاط (٢) ، وكانت جنود الإفرنجة قد تكاثرت عليه فأحاطت بالمسلمين، فلم ينج من المسلمين أحد، قال ابن حيان: فيقال: إن الأذان يسمع بذلك الموضع إلى الآن. وقدم أهل الأندلس على أنفسهم بعده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي. وذكر ابن بشكوال أنه من التابعين الذين دخلوا الأندلس، وأنه يروي عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: وكانت ولايته للأندلس في حدود العشر ومائة من قبل عبيدة بن عبد الرحمن القيسي صاحب إفريقية، واستشهد في قتال العدو بالأندلس سنة خمس عشرة، انتهى. وفيه مخالفة لما سبق أنه ولي بعد السمح، وأن السمح قتل سنة١٠٢، وهذا يقول تولى سنة ١١٠، فأين ذا من ذاك والله تعالى أعلم.

стр. 1425

ووصفه الحميدي بحسن السيرة والعدل في قسمة الغنائم (١) ، وذكر الحجاري أنه ولي الأندلس مرتين، وربما يجاب بهذا عن الإشكال الذي قدمناه قريباً (٢) ، ويضعفه أن ابن حيان قال: دخل الأندلس حين وليها الولاية الثانية من قبل ابن الحبحاب في صفر سنة ثلاث عشرة ومائة، وغزا الإفرنج فكانت له فيهم وقائع جمة إلى أن استشهد، وأصيب عسكره في شهر رمضان سنة ١١٤، في موضع يعرف ببلاط الشهداء. قال ابن بشكوال: وتعرف غزوته هذه بغزوة البلاط، وقد تقدم مثل هذا في غزوة السمح، فكانت ولايته سنة وثمانية أشهر، وفي رواية سنتين وثمانية أشهر، وقيل غير ذلك، وكان سرير سلطانه حضرة قرطبة. وولي الأندلس بعده عنبسة بن سحيم الكلبي (٣) ، وذكر ابن حيان أنه قدم على الأندلس والياًمن قبل يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج حين كان صاحب إفريقية، وكان قدومه الأندلس في صفر سنة١٠٣، فتأخر بقدومه عبد الرحمن المتقدم الذكر، قال ابن بشكوال: فاستقامت به الأندلس، وضبط أمرها، وغزا بنفسه إلى أرض الإفرنجة وتوفي في شعبان سنة ١٠٧ (٤) ، فكانت ولايته أربعة أعوام وأربعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر.

стр. 1426

وذكر ابن حيان أنه في أيامه قام بجليقية علجٌ خبيثٌ يدعى بلاي (١) ، فعاب على العلوج طول الفرار، وأذكى قرائحهم حتى سما بهم إلى طلب الثار، ودافع عن أرضه، ومن وقته أخذ نصارى الأندلس في مدافعة المسلمين عما بقي بأيديهم من أرضهم والحماية عن حريمهم، وقد كانوا لا يطمعون في ذلك، وقيل: إنه لم يبق بأرض جليقية قرية فما فوقها لم تفتح إلا الصخرة التي لاذ بها هذا العلج ومات أصحابه جوعاً إلى أن بقي في مقدار ثلاثين رجلاً ونحو عشر نسوة، وما لهم عيش إلا من عسل النحل في جباح (٢) معهم في خروق الصخرة، وما زالوا ممتنعين بوعرها إلى أن أعيا المسلمين أمرهم، واحتقروهم، وقالوا: ثلاثون علجاً ما عسى أن يجيء منهم فبلغ أمرهم بعد ذلك في القوة والكثرة والاستيلاء ما لا خفاء به. وملك بعده أذفونش جد عظماء الملوك المشهورين بهذه السمة. قال ابن سعيد: فآل احتقار تلك الصخرة ومن احتوت عليه إلى أن ملك عقب من كان فيها المدن العظيمة، حتى إن حضرة قرطبة في يدهم الآن، جبرها الله تعالى، وهي كانت سرير السلطنة لعنبسة. قال ابن حيان والحجاري: إنه لما استشهد عنبسة قدم أهل الأندلس عليهم عذرة (٣) بن عبد الله الفهري، ولم يعده ابن بشكوال في سلاطين الأندلس، بل قال: ثم تتابعت ولاة الأندلس مرسلين من قبل صاحب إفريقية: أولهم يحيى بن سلمة، وذكر الحجاري أن عذرة كان من صلحائهم وفرسانهم، وصار لعقبه نباهة،

стр. 1427

وولده هشام بن عذرة هو الذي استولى على طليطلة قصبة الأندلس، وفي عقبه بوادي آش من مملكة غرناطة نباهة وأدب، قال ابن سعيد: وهم إلى الآن ذوو بيت مؤصل، ومجد مؤثل، وكان سرير سلطنة عذرة قرطبة. وولي بعده يحيى بن سلمة الكلبي، قال ابن بشكوال: أنفذه إلى الأندلس بشر بن صفوان الكلبي والي إفريقية إذ استدعى منه أهلها والياً بعد مقتل أميرهم عنبسة، فقدمها في شوال سنة سبع ومائة، وأقام عليها سنة وستة أشهر لم يغز فيها بنفسه غزوةً - ونحوه لابن حيان - وكان سريره قرطبة. وتولى بعده عثمان بن أبي نسعة الخثعمي، وذكر ابن بشكوال: أنه قدم عليها والياً من قبل عبيدة بن عبد الرحمن السلمي صاحب إفريقية في شعبان سنة عشر ومائة، ثم عزل سريعاً بعد خمسة أشهر، وكان سرير سلطانه بقرطبة. وولي بعده حذيفة بن الأحوص القيسي، قال ابن بشكوال: وأتى إليها والياً من قبل عبيدة المذكور، على اختلاف فيه وفي ابن أبي نسعة أيهما تولى قبل صاحبه، وكان قدوم حذيفة في ربيع الأول سنة عشر ومائة، وعزل عنها سريعاً أيضاً، وقيل: إن ولايته استتمت سنة، وكان بقرطبة. وولي بعده الأندلس الهيثم بن عدي الكلابي، قال ابن بشكوال: ولاه عبيدة المذكور فوافى الأندلس في المحرم سنة إحدى عشرة ومائة، وقيل: إنه ولي سنتين وأياماً، وقد قيل: أربعة أشهر، وكان بقرطبة. وولي بعده محمد بن عبد الله الأشجعي، قال ابن بشكوال: قدمه الناس عليهم، وكان فاضلاً فصلى بهم شهرين. قال: ثم قدم عليهم والياً عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي الذي تقدمت ترجمته، وذكرت ولايته الأولى للأندلس، وليها من قبل عبيد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية إلى أن استشهد كما تقدم. وولي الأندلس بعده عبد الملك بن قطن الفهري، وذكر الحجاري أن من نسله بني القاسم أصحاب البونت وبني الجد أعيان إشبيلية، قال ابن بشكوال: قدم الأندلس في شهر رمضان سنة أربعة عشرة ومائة فكانت مدة ولايته عامين

стр. 1428

وقيل أربع سنين، ثم عزل عنها ذميماً في شهر رمضان سنة ست عشرة ومائة، قال: وكان ظلوماً في سيرته، جائراً في حكومته، وغزا أرض البشكنس فأوقع بهم. وذكر ابن بشكوال أنه لما عزل وولي عقبة بن الحجاج وثب ابن قطن عليه فخلعه، لا أدري أقتله أم أخرجه، وملك الأندلس بقية إحدى وعشرين ومائة إلى أن رحل بلج بن بشر بأهل الشام إلى الأندلس، فغلبه عليها، وقتل عبد الملك بن قطن، وصلب في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين ومائة بعد ولاية بلج بعشرة أشهر، وصلب بصحراء ربض قرطبة بعدوة النهر حيال رأس القنطرة، وصلبوا عن يمينه خنزيراً وعن يساره كلباً، وأقام شلوه على جذعه إلى أن سرقه مواليه في الليل وغيبوه، فكان المكان بعد ذلك يعرف بمصلب ابن قطن. فلما ولي ابن عمه يوسف بن عبد الرحمن الفهري استأذنه ابنه أمية بن عبد الملك، وبنى فيه مسجداً نسب إليه، فقيل: مسجد أمية، وانقطع عنه اسم المصلب، وكان سن عبد الملك عند مقتله نحو التسعين. وذكر ابن بشكوال أن عقبة بن الحجاج السلولي ولاه عبيد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية الأندلس ودخلها سنة سبع وعشرة ومائة، وقيل: في السنة التي قبلها، فأقام بها سنين محمود السيرة، مثابراً على الجهاد، مفتتحاً البلاد، حتى بلغ سكنى المسلمين أربونة وصار رباطهم على نهر رودنة (١) ، فأقام عقبة بالأندلس سنة إحدى وعشرين ومائة، وكان قد اتخذ بأقصى ثغر الأندلس الأعلى مدينة يقال لها أربونة كان ينزلها للجهاد، وكان إذا أسر الأسير لم يقتله حتى يعرض عليه الإسلام ويبين له عيوب دينه، فأسلم على يده ألفا رجل، وكانت ولايته خمس سنين وشهرين، قال الرازي: فثار أهل الأندلس بعقبة، فخلعوه في صفر سنة ثلاث وعشرين في خلافة هشام ابن عبد الملك، وولوا على أنفسهم عبد الملك بن قطن، وهي ولايته الثانية،

стр. 1429

فكانت ولاية عقبة الأندلس ستة أعوام وأربعة أشهر، وتوفي في صفر سنة ١٢٣، وسريره قرطبة. ٢٧ - ٣١ - ومن الداخلين إلى الأندلس بلج بن بشر بن عياض القشيري. قال ابن حيان: لما انتهى إلى الخليفة هشام بن عبد الملك ماكان من أمر خوارج البربر بالمغرب الأقصى والأندلس وخلعهم لطاعته وعيثهم في الأرض شق عليه فعزل عبيد الله بن الحبحاب عن إفريقية، وولى عليها كلثوم ابن عياض القشيري، ووجه معه جيشاً كثيفاً لقتالهم، كان فيه مع ما انضاف إليه من جيوش البلاد التي صار عليها سبعون ألفاً ومع ذلك فإنه لما تلاقى مع ميسرة البربري المدعي للخلافة هزمه ميسرة وجرح كلثوم ولاذ بسبتة، وكان بلج ابن أخيه معه، فقامت قيامه هشام لما سمع بما جرى عليه، فوجه لهم حنظلة بن صفوان فأوقع بالبربر ففتح الله تعالى على يديه. ولما اشتد حصار بلج وعمه كلثوم ومن معهما من فلّ أهل الشام بسبتة وانقطعت عنهم الأقوات وبلغوا من الجهد الغاية استغاثوا بإخوانهم من عرب الأندلس، فتثاقل عنهم صاحب الأندلس عبد الملك بن قطن لخوفه على سلطانه منهم، فلما شاع خبر ضرهم عند رجال العرب أشفقوا عليهم، فأغاثهم زياد بن عمرو اللخمي بمركبين مشحونين ميرةً أمسكا من أرماقهم، فلما بلغ ذلك عبد الملك ابن قطن ضربه سبعمائة سوط، ثم اتهمه بعد ذلك بتضريب الجند عليه، فسمل عينيه، ثم ضرب عنقه، وصلبه وصلب عن يساره كلباً، واتفق في هذا الوقت أن برابر الأندلس لما بلغهم ما كان من ظهور برابر العدوة على العرب انتفضوا على عرب الأندلس، واقتدوا بما فعله إخوانهم، ونصبوا عليهم إماماً، فكثر إيقاعهم بجيوش ابن قطن، واستفحل أمرهم، فخاف ابن قطن أن يلقى منهم ما لقي العرب ببر العدوة من إخوانهم، وبلغه أنهم قد عزموا على قصده، فلم ير أجدى من الاستعداد بصعاليك عرب الشام أصحاب بلج الموتورين، فكتب

стр. 1430

لبلج وقد مات عمه كلثوم في ذلك الوقت، فأسرعوا إلى إجابته، وكانت أمنيتهم، فأحسن إليهم، وأسبغ النعم عليهم، وشرط عليهم أن يأخذ منهم رهائن، فإذا فرغوا له من البربر جهزهم (١) إلى إفريقية، وخرجوا له عن أندلسه، فرضوا بذلك، وعاهدوه عليه، فقدم عليهم وعلى جنده ابنيه قطناً وامية، والبربر في جموع لايحصيها غير رازقها، فاقتتلوا قتالاً صعب فيه المقام، إلى أن كانت الدائرة على البربر، فقتلتهم العرب بأقطار الأندلس حتى ألحقوا فلهم بالثغور، وخفوا عن العيون، فكر الشاميون وقد امتلأت أيديهم من الغنائم، فاشتدت شوكتهم، وثابت همتهم، وبطروا، ونسوا العهود، وطالبهم ابن قطن بالخروج عن الأندلس إلى الأندلس إلى إفريقية، فتعالوا عليه، وذكروا صنيعه بهم أيام انحصارهم في سبتة، وقتله الرجل الذي أغاثهم بالميرة، فخلعوه، وقدموا على أنفسهم أميرهم بلج بن بشر، وتبعه جند ابن قطن، وحملوا عليه في قتل ابن قطن، فأبى فثارت اليمانية وقالوا: قد حميت لمضرك، والله لا نطيعك، فلما خاف تفرق الكلمة أمر بابن قطن فأخرج إليهم وهو شيخ كبير كفرخ نعامةٍ قد حضر وقعة الحرّة مع أهل اليمامة، فجعلوا يسبونه، ويقولون له: أفلتّ من سيوفنا يوم الحرّة، ثم طالبتنا بتلك الترة فعرضتنا لأكل الكلاب والجلود وحبستنا بسبتة محبس الضنك حتى أمتّنا جوعاً، فقتلوه وصلبوه كما تقدم، وكان أمية وقطن ابناه عندما خلع قد هربا، وحشدا لطلب الثأر، واجتمع عليهما العرب الأقدمون والبربر، وصار معهم عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة ابن عقبة بن نافع الفهري كبير الجند، وكان في أصحاب بلج، فلما صنع بابن عمه عبد الملك ماصنع فارقه، فانحاز فيمن يطلب ثأره، وانضم إليهم عبد الرحمن بن علقمة اللخمي صاحب أربونة، وكان فارس الأندلس في وقته، فأقبلوا نحو بلج في مائة ألف أو يزيدون، وبلج قد استعد

стр. 1431

لهم في مقدار اثني عشر ألفاً سوى عبيد له كثيرة وأتباع من البلديين، فاقتتلوا، وصبر أهل الشام صبراً لم يصبر مثله أحدٌ قط، وقال عبد الرحمن بن علقمة اللخمي: أروني بلجاً، فو الله لأقتلنه أو لأموتنّ دونه، فأشاروا إليه نحوه، فحمل بأهل الثغر حملةً انفرج لها الشاميون، والراية في يده، فضربه عبد الرحمن ضربتين مات منهما بعد ذلك في أيامٍ قلائل، ثم إن البلديين انهزموا بعد ذلك هزيمةً قبيحة، واتبعهم الشاميون يقتلون ويأسرون، فكان عسكراً منصوراً مقتولاً أميره، وكان هلاك بلج في شوال سنة أربع وعشرين ومائة، وكانت مدته أحد عشر شهراً، وسريره قرطبة، والعرب الشاميون الداخلون معه إلى الأندلس يعرفون عند أهل الأندلس بالشاميين، والذين كانوا في الأندلس قبل دخوله يشهرون بالبلديين. ولما هلك بلج قدم الشاميون عليهم بالأندلس ثعلبة بن سلامة العاملي، وقد كان عندهم عهد الخليفة هشام بذلك، فسار فيهم بأحسن سيرة، ثم إن أهل الأندلس الأقدمين من العرب والبربر سموا بعد الوقعة لطلب الثأر، فآل أمره معهم إلى أن حصروه بمدينة ماردة، وهم لا يشكّون في الظفر، إلى أن حضر عيدٌ تشاغلوا به، فأبصر ثعلبة منهم غرةً وانتشاراً وأشراً بكثرة العدد والاستيلاء، فخرج عليهم في صبيحة عيدهم وهم ذاهلون، فهزمهم هزيمة قبيحة، وأفشى فيهم القتل، وأسر منهم ألف رجل، وسبى ذريتهم وعيالهم، وأقبل إلى قرطبة من سبيهم بعشرة آلاف أو يزيدون، حتى نزل بظاهر قرطبة يوم خميس وهو يريد أن يحمل الأسارى على السيف بعد صلاة الجمعة. وأصبح الناس منتظرين لقتل الأسارى، فإذا بهم قد طلع عليهم لواءٌ فيه موكب، فنظروا فإذا أبو الخطار قد أقبل والياً على الأندلس، وهو أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي. وذكر ابن حيان أنه قدم والياً من قبل حنظلة بن صفوان صاحب إفريقية، والخليفة حينئذٍ الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في رجب سنة خمس وعشرين ومائة، بعد عشرة أشهر وليها ثعلبة بن سلامة، قال: وكان

стр. 1432

مع فروسيته شاعراً محسناً، وكان في أول ولايته قد أظهر العدل فدانت له الأندلس، إلى أن مالت به العصبية اليمانية على المضرية، فهاج الفتنة العمياء، وكان سبب هذه الفتنة أن أبا الخطار قد بلغ به التعصب لليمانية أن اختصم عنده رجل من قومه مع خصم له من كنانة كان أبلج حجةً من ابن عم أبي الخطار، فمال أبو الخطار مع ابن عمه، فأقبل الكناني إلى الصميل ابن حاتم الكلابي أحد سادات مضر، فشكا له حيف أبي الخطار، وكان أبياً للضيم حامياً للعشيرة، فدخل على أبي الخطار وأمض عتابه، فنجهه أبو الخطار وأغلظ له، فرد الصميل عليه، فأمر به أبو الخطار، فأقيم ودعّ قفاه حتى مالت عمامته، فلما خرج قال له بعض من على الباب: أبا جوشن، ما بال عمامتك مائلة فقال: إن كان لي قوم فسيقيمونها. وأقبل إلى داره، فاجتمع إليه قومه حين بلغهم ذلك ممتعضين، فباتوا عنده، فلما أظلم الليل قال: ما رأيكم فيما حدث علي فإنه منوط بكم فقالوا: أخبرنا بما تريد، فإن رأينا تبع رأيك، فقال: والله أريد إخراج هذا الأعرابي من هذا السلطان على ماخيلت، وأنا خارج لذلك عن قرطبة، فإنه ما يمكنني ما أريد إلا بالخروج، فإلى أين ترون أقصد فقالوا: اذهب حيث شئت، ولاتأت أبا عطاء القيسي، فإنه لا يواليك على أمر ينفعك، وكان أبو عطاء هذا سيداً مطاعاً يسكن بإستجة، وكان مشاحناً للصميل مسامياً له في القدر، فسكت عند ذكره أبو بكر ابن الطفيل العبدي، وكان من أشرافهم، إلا أنه كان حديث السن، فقال له الصميل: ألا تتكلم فقال: أتكلم بواحدة ماعندي غيرها، قال: وما هي قال: إن عدوت إتيان أبي عطاء وشتت أمرك به لم يتم أمرنا وهلكنا، وإن أنت قصدته لم ينظر في شيء مما سلف بينكما، وحركته الحمية لك، فأجابك إلى ما تريد، فقال له الصميل: اصبت الرأي، وخرج من ليلته، وقام أبو عطاء في نصرته على ما قدره العبدي، وعمد إلى ثوابة ابن يزيد الجذامي أحد أشراف اليمن وساداتهم، وكان ساكناً بمورور وقد استفسد إليه أبو الخطار، فأجابهما في

стр. 1433

القيام والتقدم على المضرية، فاجتمعوا في شذونة، وآل الأمر إلى أن هزموا أبا الخطار على وادي لكة، وحصل أسيراً في أيديهم، فأرادوا قتله، ثم أرجأوه، وأوثقوه وأقبلوا به إلى قرطبة، وذلك في رجب سنة ١٢٧ بعد ولاية أبي الخطار بسنتين. ولما سجن أبو الخطار في قرطبة امتعض له عبد الرحمن بن حسان الكلبي، فأقبل إلى قرطبة ليلاً في ثلاثين فارساً مهعم طائفة من الرجالة، فهجموا على الحبس وأخرجوه منه، ومضوا به إلى غرب الأندلس، فعاد في طلب سلطانه، ودبَّ في يمانيته حتى اجتمع له عسكر أقبل بهم إلى قرطبة، فخرج إليه ثوابة ومعه الصميل، فقام رجل من المضرية ليلاً فصاح بأعلى صوته: يا معشر اليمن، مالكم تتعرضون إلى الحرب وتردون المنايا عن أبي الخطار أليس قد قدرنا عليه لو أردنا قتله لفعلنا، لكننا مننا وعفونا وجعلنا الأمير منكم، أفلا تفكرون في أمركم، فلو ان الأمير من غيركم عذرتم، ولا والله لا نقول هذا رهبةً منكم ولا خوفاً لحربكم، ولكن تحرجاً من الدماء ورغبةً في عافية العامة، فتسامع الناس به، وقالوا: صدق، فتداعوا للرحيل ليلاً، فما أصبحوا إلا على أميال. قال الرازي: ركب أبو الخطار البحر من ناحية تونس في المحرم سنة ١٢٥، وفي كتاب أبي الوليد ابن الفرضي: كان أبو الخطار أعرابياً عصبياً، أفرط في التعصب لليمانيين، وتحامل على مضر، واسخط قيساً، فثار به زعيمهم الصميل، فخلعه، ونصب مكانه ثوابة، وهاج بين الفريقين الحروب المشهورة، وخلع أبو الخطار بعد أربع سنين وتسعة أشهر، وذلك سنة ١٢٨، وآل أمره إلى أن قتله الصميل. وولي الأندلس ثوابة بن سلامة الجذامي، قال ابن بشكوال: لما اتفقوا عليه خاطبوا بذلك عبد الرحمن بن حبيب صاحب القيروان، فكتب إليه بعهد الأندلس، وذلك سلخ رجب سنة ١٢٧، فضبط البلد، وقام بأمره كله

стр. 1434

الصميل واجتمع عليه أهل الأندلس، واقام والياً سنةً أو نحوها، ثم هلك، وفي كتاب ابن الفرضي أنه ولي سنتين. ثم ولي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة ابن نافع الفهري، وجده عقبة بن نافع صاحب إفريقية وباني القيروان المجاب الدعوة صاحب الغزوات والآثار الحميدة، ولهذا البيت في السلطنة بإفريقية والأندلس نباهة. وذكر الرازي أن مولده بالقيروان، ودخل أبوه الأندلس من إفريقية مع حبيب بن أبي عبيدة الفهري عند افتتاحهم، ثم عاد إلى إفريقية، وهرب عنه ابنه يوسف هذا من إفريقية إلى الأندلس مغاضباً له، فهوي الأندلس، واستوطنها فساد بها، قال الرازي: كان يوسف يوم ولي الأندلس ابن سبع وخمسين سنة، وأقامه أهل الأندلس بعد أميرهم ثوابة، وقد مكثوا بغير والٍ أربعة أشهر، فاجتمعوا عليه بإشارة الصميل من أجل أنه قرشي رضي به الحيان، فرفعوا الحرب، ومالوا إلى الطاعة، فدانت له الأندلس تسع سنين وتسعة أشهر، وقال ابن حيان: قدمه أهل الأندلس في ربيع الآخر سنة ١٢٩، واستبد بالأندلس دون ولاية أحد له غير من بالأندلس، وحكى ابن حيان أنه أنشد قول حرقة بنت النعمان بن المنذر يوم خلعه بالأمان من سلطانه ودخوله عسكر عبد الرحمن الداخل المرواني: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقةٌ نتنصَّف قال ابن حيان: لما سمع أبو الخطار بتقديمه حرك يمانيته، فأجابوا دعوته، فأدى ذلك إلى وقعة شقندة بين اليمانية والمضرية فيقال: إنه لم يك بالمشرق ولا بالمغرب حربٌ أصدق منها جلاداً ولا أصبر رجالاً، طال صبر بعضهم على بعض، إلى أن فني السلاح، وتجاذبوا بالشعور، وتلاطموا بالأيدي وكل بعضهم عن بعض، وثابت للصميل غرة في اليمانية في بعض الأيام، فأمر بتحريك أهل الصناعات بأسواق قرطبة، فخرجوا في نحو أربعمائة رجل من

стр. 1435

أنجادهم بما حضرهم من السكاكين والعصي ليس فيهم حامل رمح ولا سيف إلا قليلاً، فرماهم على اليمانية وهم على غفلة، وما فيهم من يبسط يداً لقتال، ولا ينهض لدفاع، فانهزمت اليمانية ووضعت المضرية السيف فيهم، فأبادوا منهم خلقاً، واختفى أبو الخطار تحت سرير رحى، فقبض عليه وجيء به إلى الصميل، فضرب عنقه، وقد ذكرنا خبر انخلاع يوسف عن سلطانه في ترجمة عبد الرحمن الداخل، وهو آخر سلاطين الأندلس الذين ولوها من غير موارثة، حتى جاءت الدولة المروانية. وذكر ابن حيان أن القائم بدولة يوسف والمستولي عليها الصميل ابن حاتم ابن شمر ابن ذي الجوشن الكلابي، وجده شمر هو قاتل الحسين، رضي الله تعالى عنه، وكان شمر قد فر من المختار بولده من الكوفة إلى الشام، فلما خرج كلثوم بن عياض للمغرب كان الصميل فيمن خرج معه، ودخل الأندلس في طالعة بلج، وكان شجاعاً جواداً جسوراً على قلب الدول، فبلغ مابلغ، وآل أمره إلى أن قتله عبد الرحمن الداخل المرواني في سجن قرطبة مخنوقاً. وذكر ابن حيان أنه كان ممن ثار على يوسف الفهري عبد الرحمن بن علقمة اللخمي فارس الأندلس، ووالي ثغر أربونة، وكان ذا بأسٍ شديدٍ ووجاهةٍ عظيمة، فبينما هو في تدبير غزو يوسف إذ اغتاله أصحابه واقبلوا برأسه إليه. ثم ثار عليه بعد ذلك بمدينة باجة عروة بن الوليد في أهل الذمة وغيرهم، فملك إشبيلية، وكثر جمعه إلى أن خرج له يوسف فقتله، وثار علية بالجزيرة الخضراء عامر العبدري، فخرج له، وأنزله على أمان في سكنى قرطبة، ثم ضرب عنقه بعد ذلك. وقيل: إن أول من خرج على يوسف عمرو بن يزيد الأزرق في إشبيلية فظفر به فقتله، وثار عليه في كورة سرقسطة الحباب الزهري إلى أن ظفر به يوسف فقتله، ثم جاءته الداهية العظمى بدخول عبد الرحمن بن معاوية المرواني إلى الأندلس وسعيه في إفساد سلطانه، فتم له ماأراده، والله تعالى أعلم.

стр. 1436

٣٢ - ومن الداخلين من المشرق إلى الأندلس ملكها عبد الرحمن بن معاوية ابن أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بن مروان، المعروف بالداخل (١) . وذلك أنه لما أصاب دولتهم ماأصاب، واستولى بنو العباس على ماكان بأيديهم، واستقر قدمهم في الخلافة، فرّ عبد الرحمن إلى الأندلس فنال بها ملكاً أورثه عقبه حقبةً من الدهر. قال ابن حيان في " المقتبس ": إنه لما وقع الاختلال في دولة بني أمية والطلب عليهم، فرّ عبد الرحمن، رلم يزل في فراره منتقلاً بأهله وولده إلى أن حلّ بقرية على الفرات ذات شجرٍ وغياضٍ، يريد المغرب، لما حصل في خاطره من بشرى مسلمة (٢) ، فمما حكي عنه أنه قال: إني لجالس يوماً في تلك القرية في ظلمة بيت تواريت فيه لرمدٍ كان بي، وابني سليمان بكر ولدي يلعب قدّامي، وهو يومئذٍ ابن أربع سنينٍ أو نحوها، إذ دخل الصبي من باب البيت فازعاً باكياً فأهوى إلى حجري، فجعلت أدفعه إلى ما كان بي ويأبى إلا التعلق، وهو دهشٌ يقول ما يقوله الصبيان عند الفزع، فخرجت لأنظر، فإذا بالروع قد نزل بالقرية، ونظرت فإذا بالرايات السود عليها منحطة، وأخٍ لي حديث السن كان معي يشتد هارباً ويقول لي: النجاء يا أخي، فهذه رايات المسودة (٣) ، فضربت بيدي على دنانير تناولتها، ونجوت بنفسي والصبي أخي معي، وأعلمت أخواتي بمتوجهي ومكان مقصدي، وأمرتهن أن يلحقنني ومولاي بدر معهن، وخرجت فكمنت في موضع ناء عن القرية، فما كان إلا ساعةً حتى أقبلت

стр. 1437

الخيل فأحاطت بالدار، فلم تجد أثراً ومضيت ولحقني بدر، فأتيت رجلاً من معارفي بشط الفرات، فأمرته أن يبتاع لي دواب وما يصلح لسفري، فدلّ علي عبد سوء له العامل، فما راعنا إلا جلبة الخيل تحفزنا فاشتددنا (١) في الهرب، فسبقناها إلى الفرات (٢) ، فرمينا فيه بأنفسنا، والخيل تنادينا من الشط: ارجعا لا بأس عليكما، فسبحت حاثاً لنفسي وكنت أحسن السبح، وسبح الغلام أخي، فلما قطعنا نصف الفرات قصر أخي ودهش، فالتفت إليه لأقوي من قلبه، وإذا هو قد أصغى إليهم وهم يخدعونه عن نفسه، فناديته: تقتل ياأخي، إلي إلي، فلم يسمعني، وإذا هو قد اغتر بأمانهم، وخشي الغرق، فاستعجل الإنقلاب نحوهم، وقطعت أنا الفرات، وبعضهم قد هم بالتجرد للسباحة في أثري، فاستكفه أصحابه عن ذلك، فتركوني، ثم قدموا الصبي أخي الذي صار إليهم بالأمان فضربوا عنقه، ومضوا برأسه وأنا أنظر إليه وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فاحتملت فيه ثكلاً ملأني مخافةً، ومضيت إلى وجهي أحسب أني طائر وأنا ساعٍ على قدمي، فلجأت إلى غيضةٍ أشبة، فتورايت فيها حتى انقطع الطلب، ثم خرجت (٣) أؤم المغرب حتى وصلت إلى إفريقية. قال ابن حيان: وسار حتى أتى إفريقية وقد ألحقت به أخته شقيقته أم الأصبغ مولاه بدراً، ومولاه سالماً، ومعهما دنانير للنفقة، وقطعة من جوهر، فنزل بإفريقية وقد سبقه إليها جماعة من فل بني أمية، وكان عند واليها عبد الرحمن ابن حبيب الفهري يهودي حدثاني صحب مسلمة ابن عبد الملك، وكان يتكهن له ويخبره بتغلب القرشي المرواني الذي هو من أبناء ملوك القوم، واسمه عبد

стр. 1438

الرحمن، وهو ذو ضفيرتين يملك الأندلس ويورثها عقبه، فاتخذ الفهري عند ذلك ضفيرتين أرسلهما رجاء أن تناله الرواية، فلما جيء بعبد الرحمن ونظر إلى ضفيرتيه قال لليهودي: ويحك، هذا هو، وأنا قاتله، فقال له اليهودي: إنك إن قتلته فما هو به، وإن غلبت عن تركه إنه لهو. وثقل فل بني أمية على ابن حبيب صاحب إفريقية، فطرد كثيراً منهم مخافةً، وتجنى على ابنين للوليد بن يزيد كانا قد استجارا به فقتلهما، وأخذ مالاً كان مع اسماعيل ابن أبان بن عبد العزيز ابن مروان، وغلبه على أخته فتزوجها بكرهه، وطلب عبد الرحمن فاستخفى، انتهى. وذكر ابن عبد الحكم أن عبد الرحمن الداخل أقام ببرقة مستخفياً خمس سنين، وآل أمره في سفره إلى أن استجار ببني رستم ملوك تيهرت من المغرب الأوسط، وتقلب في قبائل البربر إلى أن استقر على البحر عند قومٍ من زنانة، وأخذ في تجهيز بدر مولاه إلى العبور للأندلس لموالي بني أمية وشيعتهم بها، وكانت الموالي المروانية المدونة بالأندلس في ذلك الأوان ما بين الأربعمائة والخمسمائة، ولهم جمرة، وكانت رياستهم إلى شخصين: أبي عثمان عبيد الله بن عثمان، وعبد الله بن خالد، وهما من موالي عثمان، رضي الله تعالى عنه، وكانا يتوليان لواء بني أمية يعتقبان حمله ورياسة جند الشام النازلين بكورة إلبيرة، فعبر بدر مولى عبد الرحمن إلى أبي عثمان بكتاب عبد الرحمن يذكره فيه أيادي سلفه من بني أمية وسببه بهم ويعرفه مكانه من السلطان وسعيه لنيله، إذ كان الأمر لجده هشام فهو حقيقٌ بوارثته، ويسأله القيام بشأنه وملاقاة من يثق به من الموالي الأموية وغيرهم، ويتلطف في إدخاله إلى الأندلس ليبليي عذراً في الظهور عليها، ويعده بإعلاء الدرجة، ولطف المنزلة، ويأمره أن يستعين في ذلك بمن يأمنه، ويرجو قيامه معه، ويأخذ فيه مع اليمانية ذوي الحنق على المضرية لما بين الحيين من التراث، فمشى أبو عثمان لما دعاه إليه، وبانت له فيه طماعية، وكان عند ورود بدر قد تجهزإلى ثغر سرقسطة لنصرة

стр. 1439

صاحبها الصميل بن حاتم وجه دولة يوسف بن عبد الرحمن صاحب الأندلس، فقال لصهره عبد الله بن خالد المذكور: لو كنا ذاكرنا الصميل خبر بدرٍ وما جاء به لنختبر ما عنده في موافقتنا، وكانا على ثقةٍ في أنه لايظهر على سرهما أحداً لمروءته وأنفته، فقال له: إن نحن فعلنا لم نأمن من أن تدركه الغيرة على سلطان يوسف لما هو عليه من شرف القدر وجلالة المنزلة فيتوقع سقوط رياسته فلا يساعدنا، قال أبو عثمان: فنمسح (١) إذاً على أمره، ونذكر له أنه قصد لإرادة الإيواء والأمان وطلب أخماس جده هشام لدينا ليتعيش بها، لا يريد غير ذلك، فاتفقا على هذا. فلما ودعا الصميل خلوا به في ذلك، وقد ظهر لهما منه حقدٌ على صاحبه يوسف في إبطائه عن إمداده لما حاربه الحباب الزهري بكورة سرقسطة، فقال لهما: أنا معكما فيما تحبان، فاكتبا إليه أن يعبر، فإذا حضر سألنا يوسف أن ينزله في جواره وأن يحسن له، ويزوجه بابنته، فإن فعل وإلا ضربنا صلعته بأسيفنا، وصرفنا الأمر عنه إليه، فشكراه وقبلا يده ثم ودعاه، وأقام بطليطلة وقد ولاه يوسف عليها وعزله عن الثغر، وانصرفا إلى وطنهما بإلبيرة، وقد كانا لقيا من كان معهما في العسكر من وجوه الناس وثقاتهم، فطارحاهم أمر ابن معاوية، ثم دسّا في الكور إلى ثقاتهما بمثل ذلك، فدب أمره فيهم دبيب النار في الجمر، وكانت سنة خلف بالأندلس بعد خروج من المجاعة التي دامت بالناس. وفي رواية أن الصميل لان لهما في أن يطلب الأمر عبد الرحمن الداخل لنفسه ثم دبر ذلك لما انصرفا، فتراجع فيه، فردهما، وقال: إني روّيت في الأمر الذي أدرته معكما فوجدت الفتى الذي دعوتماني إليه من قومٍ لو بال أحدهم بهذه الجزيرة غرقنا نحن وأنتم في بوله، وهذا رجلٌ نتحكم عليه، ونميل على جوانبه، ولا يسعنا بدل منه، ووالله لو بلغتما بيوتكما ثم بدا لي فيما

стр. 1440

فارقتكما عليه لرأيت أن لا أقصر حتى ألقاكما لئلاّ أغركما من نفسي، فإني أعلمكما أن أول سيف يسلّ عليه سيفي، فبارك الله لكما في رأيكما، فقالا له: ما لنا رأي إلا رأيك، ولا مذهب لنا عنك. ثم انصرفا عنه على أن يعينهما في أمره إن طلب غير السلطان، وانصرفا عنه إلى إلبيرة عازمين على التصميم في أمره، ويئسا من مضر وربيعة، ورجعا إلى اليمانية، وأخذا في تهييج أحقاد أهل اليمن على مضر، فوجداهم قوماً قد وغرت صدورهم عليهم، يتمنون شيئاً يجدون به السبيل إلى إدراك ثأرهم، واغتنما بعد يوسف صاحب الأندلس في الثغر، وغيبة الصميل، فابتاعا مركباً ووجها فيه أحد عشر رجلاً منهم مع بدر الرسول، وفيهم تمام بن علقمة وغيره، وكان عبد الرحمن قد وجه خاتمه إلى مواليه، فكتبوا تحت ختمه إلى من يرجونه في طلب الأمر، فبثوا من ذلك في الجهات مادبّ به أمرهم، ولما وجه أبو عثمان المركب المذكور مع شيعته ألفوه بشطّ مغيلة من بلاد البربر، وهو يصلي، وكان قد اشتد قلقه وانتظاره لبدر رسوله، فبشره بدر بتمكن الأمر، وخرج إليه تمام مكثراً لتبشيره، فقال له عبد الرحمن: ما اسمك قال: تمام، قال: وما كنيتك قال: أبو غالب، فقال: الله أكبر! الآن تمّ أمرنا وغلبنا بحول الله تعالى وقوته، وأدنى منزلة أبي غالب لما ملك، ولم يزل حاجبه حتى مات عبد الرحمن. وبادر عبد الرحمن بالدخول إلى المركب، فلما هم بذلك أقبل البربر فتعرضوا دونه، ففرقت فيهم من مال كان مع تمام صِلاتٌ على أقدارهم، حتى لم يبق أحد حتى أرضاه، فلما صار عبد الرحمن بداخل المركب أقبل عاتٍ منهم لم يكن أخذ شيئاً فتعلق بحبل الهودج يعقل المركب، فحول رجل اسمه شاكر يده بالسيف، فقطع يد البربري، وأعانتهم الريح على التوجه بمركبهم، حتى حلوا بساحل إلبيرة في جهة المنكب، وذلك في ربيع الآخر سنة ١٣٨، فأقبل إليه نقيباه أبو عثمان وصهره أبو خالد، فنقلاه إلى
следующие страницы →