← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

كثير ما يأتي به، واستهجانهم حسناته، وتتبعهم سقطاته وعثراته، وأكثر ذلك مدة حياته، بأضعافما في سائر البلاد، إن أجاد قالوا: سارق مغير ومنتحل مدع، وإن توسط قالوا: غث بارد وضعيف ساقط، وإن باكر الحيازة لقصب السبق قالوا: متى كان هذا ومتى تعلم وفي أي زمان قرأ ولأمه الهبل! وبعد ذلك إن ولجت به الأقدار أحد طريقين إما شفوفاً بائناً يعليه على نظرائه أو سلوكاً في غير السبيل التي عهدوها فهنالك حمي الوطيس على البائس، وصار غرضاً للأقوال وهدفاً للمطالب ونصباً للتسبب إليه ونهباً للألسنة وعرضة للتطرق إلى عرضه، وربما نحل ما لم نقل وطوق ما لم يتقلد وألحق به ما لم يفه به ولا اعتقده قلبه، وبالحرى وهو السابق المبرز إن لم يتعلق من السلطان بحظ أن يسلم من المتالف وينجو من المخالف، فإن تعرض لتأليف غمز ولمز وتعرض وهمز واشتط عليه، وعظم يسير خطبه واستشنع هين سقطه وذهبت محاسنه وسترت فضائله وهتف ونودي بما أغفل، فتنكس لذلك همته وتكل نفسه وتبرد حميته، وهكذا عندنا نصيب من ابتدأ يحوك شعراً أو يعمل رسالة، فإنه لا يفلت من هذه الحبائل، ولا يتخلص من هذا النصب إلا الناهض الفائت والمطفف المستولي على الأمد. وعلى ذلك فقد جمع ما ظنه الظان غير مجموع، وألفت عندنا تآليف في غاية الحسن، لنا خطر السبق في بعضها: فمنها كتاب " الهداية " لعيسى بن دينار (١) ، وهي أرفع كتب جمعت في معناها على مذهب مالك وابن القاسم، وأجمعها للمعاني الفقهية على المذهب، فمنها كتاب الصلاة وكتاب البيوع وكتاب الجدار (٢) في الأقضية وكتاب النكاح والطلاق، ومن الكتب المالكية التي

стр. 1577

ألفت بالأندلس كتاب القطني مالك بن علي (١) ، وهو رجل قرشي من بني فهر لقي أصحاب مالك وأصحاب أصحابه، وهو كتاب حسن فيه غرائب ومستحسنات من الرسائل المولدات، ومنها كتاب أبي إسحاق [يحيى بن] (٢) إبراهيم بن مزين في تفسير الموطأ والكتب (٣) المستقصية لمعاني الموطأ وتوصيل مقطوعاته من تآليف ابن مزين أيضاً، وكتابه في رجال الموطأ وما لمالك عن كل واحد منهم من الآثار في موطإه. وفي تفسير القرآن كتاب أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد فهو الكتاب الذي أقطع قطعاً لا أستثني فيه أنه لم يؤلف في الإسلام تفسير مثله، ولا تفسير محمد بن جرير الطبري ولا غيره (٤) . ومنها في الحديث مصنفه الكبير الذي رتبه (٥) على أسماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فروى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف، ثم رتب حديث كل صاحب على أسماء الفقه وأبواب الأحكام، فهو مصنف ومسند، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث وجودة شيوخه، فإنه روى عن مائتي رجل وأربعة وثمانين رجلاً ليس فيهم عشرة ضعفاء، وسائرهم أعلام مشاهير. ومنها مصنفه في فضل (٦) الصحابة والتابعين ومن دونهم

стр. 1578

الذي أربى فيه على مصنف أبي بكر ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق بن همام ومصنف سعيد بن منصور وغيرها وانتظم علماً عظيماً لم يقع في شيء من هذه، فصارت تآليف هذا الإمام العلي قواعد للإسلام، لا نظير لها، وكان متخيراً لا يقلد أحداً، وكان ذا خاصة من أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه. ومنها في أحكام القرآن كتاب ابن أمية (١) الحجاري، وكان شافعي المذهب بصيراً بالكلام على اختياره، وكتاب القاضي أبي الحكم منذر بن سعيد، وكان داودي المذهب قوياً على الانتصار له، وكلاهما في أحكام القرآن غاية، ولمنذر مصنفات منها كتاب " الإبانة عن حقائق أصول الديانة ". ومنها في الحديث مصنف أبي محمد قاسم بن أصبغ بن يوسف بن ناصح، ومصنف محمد بن عبد الملك بن أيمن (٢) ، وهما مصنفان رفيعان احتويا من صحيح الحديث وغريبه على ما ليس في كثير من المصنفات، ولقاسم بن أصبغ هذا تآليف حسان جداً، منها أحكام القرآن على أبواب كتاب إسماعيل (٣) وكلامه، ومنها كتاب " المجتبى على أبواب كتاب ابن الجارود المنتقى " وهو خير منه وأنقى حديثاً وأعلى سنداً وأكثر فائدةً، ومنها كتاب في فضائل قريش وكنانة (٤) ، وكتابه في الناسخ والمنسوخ، وكتاب غرائب حديث مالك بن أنس مما ليس في الموطأ. ومنها كتاب " التمهيد " لصاحبنا أبي عمر يوسف بن عبد البر، وهو الآن بعد في الحياة (٥) لم يبلغ سن الشيخوخة، وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً فكيف أحسن منه، ومنها كتاب " الاستذكار " وهو اختصار التمهيد (٦) المذكور، ولصاحبنا أبي عمر بن عبد البر

стр. 1579

المذكور كتبٌ لا مثيل لها: منها كتابه المسمى بالكافي في الفقه على مذهب مالك وأصحابه خمسة عشر كتاباً (١) اقتصر فيه على ما بالمفتي الحاجة إليه وبوبه وقربه فصار مغنياً عن التصنيفات الطوال في معناه، ومنها كتابه في الصحابة ليس لأحد من المتقدمين مثله على كثرة ما صنفوا في ذلك (٢) ، ومنها كتاب " الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو ابن العلاء، والحجة لكل واحد منهما "، ومنها كتاب " بهجة المجالس وأنس المجالس، مما يجري في المذاكرات من غرر الأبيات ونوادر الحكايات "، ومنها كتاب " جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته " (٣) . ومنها كتاب شيخنا القاضي أبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن الفرضي في المختلف والمؤتلف في أسماء الرجال، ولم يبلغ عبد الغني الحافظ البصري في ذلك إلا كتابين، وبلغ أبو الوليد رحمه الله تعالى نحو الثلاثين لا أعلم مثله في فنه البتة، ومنها تاريخ أحمد بن سعيد (٤) ، ما وضع في الرجال أحد مثله إلا ما بلغنا من تاريخ محمد بن موسى العقيلي البغدادي، ولم أره، وأحمد بن سعيد هو المتقدم إلى التأليف القائم في ذلك، ومنها كتب محمد بن [أحمد بن] (٥) يحيى بن مفرج القاضي، وهي كثيرة منها أسفار سبعة جمع فيها فقه الحسن البصري، وكتب كثيرة جمع فيها فقه الزهري. ومما يتعلق بذلك شرح الحديث لقاسم بن ثابت (٦) السرقسطي، فما شآه

стр. 1580

أبو عبيد إلا بتقدم العصر فقط. ومنها في الفقه " الواضحة " والمالكيون لا تمانع بينهم في فضلها واستحسانهم إياها، ومنها " المستخرجة من الأسمعة " وهي المعروفة ب " العتبية "، ولها عند أهل إفريقية القدر العالي والطيران الحثيث (١) ، والكتاب الذي جمعه أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام الإشبيلي المعروف بابن المكوي (٢) ، والقرشي أبو مروان المعيطي (٣) في جمع أقاويل مالك كلها على نحو الكتاب " الباهر " الذي جمع فيه القاضي أبو بكر محمد بن أحمد بن الحداد البصري أقاويل الشافعي كلها، ومنها كتاب " المنتخب " (٤) الذي ألفه القاضي محمد بن يحيى بن عمرو بن لبابة، وما رأيت لمالك قط كتاباً أنبل منه في جمع روايات المذهب وشرح مستغلقها وتفريع وجوهها، وتآليف قاسم بن محمد المعروف بصاحب الوثائق وكلها حسن في معناه، وكان شافعي المذهب نظاراً جارياً في ميدان البغدادين (٥) . ومنها في اللغة الكتاب " البارع " (٦) الذي ألفه إسماعيل بن القاسم يحتوي على لغة العرب، وكتابه في " المقصور والممدود والمهموز " لم يؤلف مثله في بابه، وكتاب " الأفعال " لمحمد بن عمر بن عبد العزيز (٧) المعروف بابن القوطية بزيادات ابن طريف مولى العبديين (٨) فلم يوضع في فنه مثله، وكتاب جمعه أبو

стр. 1581

غالب تمام بن غالب المعروف بابن التياني (١) في اللغة لم يؤلف مثله اختصاراً وإكثاراً وثقة نقل، وهو أظن (٢) في الحياة بعد. وههنا قصة لا ينبغي أن تخلو رسالتنا منها، وهي أن أبا الوليد عبد الله بن محمد بن عبد الله المعروف بابن الفرضي، حدثني أن أبا الجيش مجاهداً صاحب الجزائر ودانية وجه إلى أبي غالب أيام غلبته على مرسية وأبو غالب ساكن بها ألف دينار أندلسية على أن يزيد في ترجمة الكتاب المذكور " مما ألفه تمام بن غالب لأبي الجيش مجاهد " فرد الدنانير وأبى من ذلك، ولم يفتح في هذا باباً البتة، وقال: والله لو بذل لي الدنيا على ذلك ما فعلت ولا استجزت الكذب، لأني لم أجمعه له خاصة بل لكل طالب، فاعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها، واعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها. ومنها كتاب أحمد بن أبان بن سيد (٣) في اللغة المعروف بكتاب " العالم " نحو مائة سفر على الأجناس في غاية الإيعاب، بدأ بالفلك وختم بالذرة، وكتاب " النوادر " (٤) لأبي علي إسماعيل بن القاسم، وهو مبارٍ لكتاب " الكامل " لأبي العباس المبرد، ولعمري لئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحواً وخبراً فإن كتاب أبي علي أكثر لغة وشعراً، وكتاب " الفصوص " (٥) لصاعد بن الحسن الربعي، وهو جارٍ في مضمار الكتابين المذكورين. ومن الأنحاء تفسير الجرفي (٦) لكتاب الكسائي، حسن في معناه، وكتاب

стр. 1582

ابن سيده في ذلك المنبوز ب " العالم والمتعلم " وشرح له لكتاب الأخفش (١) . ومما ألف في الشعر كتاب عبادة بن ماء السماء في " أخبار شعراء الأندلس " كتاب حسن (٢) ، وكتاب " الحدائق " لأبي عمر أحمد بن فرج عارض به كتاب الزهرة لأبي محمد بن داوود رحمه الله تعالى، إلا أن أبا بكر إنما أدخل مائة باب في كل باب مائة بيت، وأبو عمر أورد مائتي باب في كل باب مائة بيت ليس منها باب تكرر اسمه لأبي بكر، ولم يورد فيه لغير أندلسي شيئاً، وأحسن الاختيار ما شاء وأجاد، فبلغ الغاية، وأتى الكتاب فرداً في معناه (٣) ، منها كتاب " التشبيهات من أشعار أهل الأندلس " جمعه أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الحسن الكاتب وهو حي بعد (٤) ، ومما يتعلق بذلك شرح أبي القاسم إبراهيم بن محمد الإفليلي لشعر المتنبي، وهو حسن جداً (٥) . ومن الأخبار تواريخ (٦) أحمد بن محمد بن موسى الرازي في أخبار ملوك الأندلس وخدمتهم وغزواتهم ونكباتهم، وذلك كثير جداً، وكتاب له في صفة قرطبة وخططها ومنازل الأعياد بها، على نحو ما بدأ به ابن أبي طاهر في أخبار بغداد وذكر منازل صحابة أبي جعفر المنصور بها، وتواريخ متفرقة رأيت منها: أخبار عمر بن حفصون القائم برية ووقائعه وسيره وحروبه، وتاريخ آخر في أخبار عبد الرحمن بن مروان الجليقي القائم بالجوف، وفي أخبار بني

стр. 1583

قسي والتجيبيين وبني الطويل بالثغر (١) ، فقد رأيت من ذلك كتباً مصنفة في غاية الحسن، وكتاب مجزأ في أجزاء كثيرة في أخبار رية وحصونها وحروبها وفقهائها وشعرائها تأليف إسحاق بن سلمة بن إسحاق القيني (٢) ، وكتاب محمد بن الحارث الخشني في " أخبار القضاة بقرطبة (٣) وسائر الأندلس "، وكتاب " في أخبار الفقهاء " بها، وكتاب لأحمد بن محمد بن موسى في " أنساب مشاهير أهل الأندلس " في خمسة أسفار ضخمة من أحسن كتاب في الأنساب وأوسعها، وكتاب قاسم بن أصبغ في " الأنساب " في غاية الحسن والإيجاز، وكتابه في " فضائل بني أمية "، وكان من الثقة والجلالة بحيث اشتهر أمره وانتشر ذكره، ومنها كتب مؤلفة في أصحاب المعاقل والأجناد الستة بالأندلس، ومنها كتب كثيرة جمعت فيها أخبار شعراء الأندلس للمستنصر رحمه الله تعالى، رأيت منها " أخبار شعراء إلبيرة " في نحو عشرة أجزاء، ومنها كتاب " الطوالع " في أنساب أهل الأندلس، ومنها كتاب " التاريخ الكبير في أخبار أهل الأندلس " تأليف أبي مروان ابن حيان نحو عشرة أسفار من أجل كتاب ألف في هذا المعنى (٤) ، وهو في الحياة بعد لم يتجاوز الاكتهال، وكتاب " المآثر العامرية " لحسين بن عاصم في سير ابن أبي عامر وأخباره (٥) ، وكتاب الأقشتين (٦) محمد بن عاصم النحوي في

стр. 1584

" طبقات الكتاب بالأندلس "، وكتاب سكن بن سعيد في ذلك (١) ، وكتاب أحمد بن فرج في " المنتزين والقائمين بالأندلس وأخبارهم "، وكتاب " أخبار أطباء الأندلس " لسليمان بن جلجل (٢) . وأما الطب فكتب الوزير يحيى بن إسحاق (٣) وهي كتب رفيعة حسان، وكتب محمد بن الحسن المذحجي أستاذنا رحمه الله تعالى، وهو المعروف بابن الكتاني (٤) ، وهي كتب رفيعة حسان، وكتب التصريف لأبي القاسم خلف بن عياش (٥) الزهراوي، وقد أدركناه وشاهدناه، ولئن قلنا إنه لم يؤلف في الطب أجمع منه ولا أحسن للقول والعمل في الطبائع لنصدقن، وكتب ابن الهيثم (٦) في الخواص والسموم والعقاقير من أجل الكتب وأنفعها. وأما الفلسفة فإني رأيت فيها رسائل مجموعة وعيوناً مؤلفة لسعيد بن فتحون السرقسطي المعروف بالحمار دالة على تمكنه من هذه الصناعة (٧) ، وأما رسائل أستاذنا أبي عبد الله محمد بن الحسن المذحجي في ذلك فمشهورة متداولة وتامة الحسن فائقة الجودة عظيمة المنفعة.

стр. 1585

وأما العدد والهندسة فلم يقسم لنا في هذا العلم نفاذ، ولا تحققنا به، فلسنا نثق بأنفسنا في تمييز المحسن من المقصر في المؤلفين فيه من أهل بلدنا إلا أني سمعت من أثق بعقله ودينه من أهل العلم ممن اتفق على رسوخه فيه يقول: إنه لم يؤلف في الأزياج مثل زيج مسلمة (١) وزيج ابن السمح (٢) ، وهما من أهل بلدنا، وكذلك كتاب المساحة المجهولة لأحمد بن نصر فما تقدم إلى مثله في معناه. وإنما ذكرنا التآليف المستحقة للذكر، والتي تدخل تحت الأقسام السبعة (٣) التي لا يؤلف عاقل عالم إلا في أحدها، وهي إما شيء لم يسبق إليه يخترعه، أو شيء ناقص يتمه، أو شيء مستغلق يشرحه، أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مؤلفه يصلحه. وأما التواليف المقصرة عن مراتب غيرها فلم نلتفت إلى ذكرها، وهي عندنا من تأليف أهل بلدنا أكثر من أن نحيط بعلمها. وأما علم الكلام فإن بلادنا وإن كانت لم تتجاذب فيها الخصوم، ولا اختلفت فيها النحل، فقل لذلك تصرفهم في هذا الباب، فهي على كل حال غير عرية عنه، وقد كان فيهم قوم يذهبون إلى الاعتزال، نظار على أصوله، ولهم فيه تواليف: منهم خليل بن إسحاق (٤) ، ويحيى بن السمينة (٥) ، والحاجب موسى بن حدير وأخوه الوزير صاحب المظالم أحمد (٦) ، وكان داعية إلى الاعتزال

стр. 1586

لا يستتر بذلك. ولنا على مذهبنا الذي تخيرناه من مذاهب أصحاب الحديث كتاب في هذا المعنى (١) ، وهو وإن كان صغير الجرم قليل عدد الورق يزيد على المائتين زيادة يسيرة فعظيم الفائدة لأنا أسقطنا فيه المشاغب كلها، وأضربنا عن التطويل جملة، واقتصرنا على البراهين المنتخبة من المقدمات الصحاح الراجعة إلى شهادة الحس وبديهة العقل لها بالصحة. ولنا فيما تحققنا به تآليف جمة، منها ما قد تم، ومنها ما شارف التمام، ومنها ما قد مضى منه صدر ويعين الله تعالى على باقيه، لم نقصد به قصد مباهاة فنذكرها، ولا أردنا السمعة فنسميها، والمراد بها ربنا جل وجهه، وهو ولي العون فيها، والمللي بالمجازاة عليها، وما كان لله تعالى فسيبدو، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وبلدنا هذا - على بعده من ينبوع العلم، ونأيه من محلة العلماء - فقد ذكرنا من تآليف أهله ما إن طلب مثلها بفارس والأهواز وديار مضر وديار ربيعة واليمن والشام أعوز وجود ذلك، على قرب المسافة في هذه البلاد من العراق التي هي دار هجرة الفهم وذويه ومراد المعارف وأربابها. ونحن إذا ذكرنا أبا الأجرب جعونة بن الصمة الكلابي (٢) في الشعر لم نباه به إلا جريراً والفرزدق، لكونه في عصرهما، ولو أنصف لاستشهد بشعره، فهو جارٍ على مذهب الأوائل، لا على طريقة المحدثين، وإذا سمينا بقي بن مخلد لم نسابق به إلا محمد بن اسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري وسليمان بن الأشعث وأحمد بن شعيب النسائي، وإذا ذكرنا قاسم بن محمد (٣) لم نباه به إلا القفال ومحمد بن عقيل الفريابي، وهو شريكهما في صحبة المزني أبي (٤) إبراهيم والتلمذة له، وإذا نعتنا عبد الله بن قاسم بن هلال ومنذر بن سعيد لم نجار

стр. 1587

بهما إلا أبا الحسن ابن المفلس والخلال والديباجي ورويم بن أحمد. وقد شاركهم عبد الله في أبي سليمان وصحبته، وإذا أشرنا إلى محمد بن عمر بن لبابة وعمه محمد بن عيسى وفضل بن سلمة لم نناطح بهم إلا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومحمد بن سحنون ومحمد بن عبدوس (١) ، وإذا صرحنا بذكر محمد بن يحيى الرباحي (٢) وأبي عبد الله محمد بن عاصم لم يقصرا عن أكابر أصحاب محمد بن يزيد المبرد. ولو يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن دراج القسطلي لما تأخر عن شأو بشار بن برد (٣) وحبيب والمتنبي، فكيف ولنا معه جعفر بن عثمان الحاجب، وأحمد بن عبد الملك بن مروان، وأغلب بن شعيب، ومحمد بن شخيص، وأحمد بن فرج، وعبد الملك بن سعيد المرادي (٤) ، وكل هؤلاء فحل يهاب جانبه، وحصان ممسوح الغرة. ولنا من البلغاء أحمد بن عبد الملك بن شهيد صديقنا وصاحبنا، وهو حي بعد لم يبلغ سن الاكتهال، وله من التصرف في وجوه البلاغة وشعابها مقدار يكاد ينطق فيه بلسان عمرو وسهل (٥) ومحمد بن عبد الله بن مسرة (٦) في طريقه التي سلك فيها، وإن كنا لا نرضى مذهبه، في جماعة يكثر تعدادهم.

стр. 1588

وقد انتهى ما اقتضاه خطاب الكاتب رحمه الله تعالى من البيان، ولم نتزيد فيما رغب فيه إلا ما دعت الضرورة إلى ذكره لتعلقه بجوابه، والحمد لله الموفق لعلمه، والهادي إلى الشريعة المزلفة منه والموصلة، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه وسلم، وشرف وكرم. انتهت الرسالة. وكتب الحافظ بن حجر على هامش قوله فيها " وإنما سكن على الكوفة خمسة أعوام وأشهراً " ما نصه: صوابه أربعة أعوام، انتهى. [٧ - تذييل ابن سعيد على رسالة ابن حزم] وقال ابن سعيد، بعد ذكره هذه الرسالة ما صورته: رأيت أن أذيل ما ذكره الوزير الحافظ أبو محمد ابن حزم من مفاخر أهل الأندلس بما حضرني والله تعالى ولي الإعانة. أما القرآن فمن أجل ما صنف في تفسيره كتاب " الهداية إلى بلوغ النهاية " في نحو عشرة أسفار، صنفه الإمام العالم الزاهد أبو محمد مكي بن أبي طالب القرطبي (١) ، وله كتاب " تفسير إعراب القرآن "، وعد ابن غالب في كتاب " فرحة الأنفس " تآليف مكي المذكور، فبلغ بها ٧٧ تأليفاً، وكانت وفاته سنة ٤٣٧، ولأبي محمد بن عطية الغرناطي في تفسير القرآن الكتاب الكبير الذي اشتهر وطار في الغرب والشرق، وصاحبه من فضلاء المائة السادسة (٢) . وأما القراءات فلمكي المذكور فيها كتاب " التبصرة "؛ وكتاب " التيسير "

стр. 1589

لأبي عمرو الداني (١) مشهورٌ في أيدي الناس. وأما الحديث فكان بعصرنا في المائة السابعة الإمام أبو الحسن علي بن القطان القرطبي الساكن بحضرة مراكش (٢) ، وله في تفسير غرائبه وفي رجاله مصنفات، وإليه كانت النهاية والإشارة في عصرنا، وسمعت أنه كان اشتغل بجمع أمهات كتب الحديث المشهورة، وحذف المكرر، وكتاب رزين بن عمار الأندلسي (٣) في جمع ما يتضمنه كتاب مسلم والبخاري والموطأ والسنن والنسائي والترمذي كتاب جليل مشهور في أيدي الناس بالمشرق والمغرب، وكتاب " الأحكام " لأبي محمد عبد الحق الإشبيلي مشهور متداول القراءة، وهي أحكام كبرى، وأحكام صغرى، قيل: ووسطى، وكتاب " الجمع بين الصحيحين " للحميدي مشهور. وأما الفقه فالكتاب المعتمد عليه الآن الذي ينطلق عليه اسم الكتاب عند المالكية حتى بالإسكندرية فكتاب " التهذيب " للبراذعي السرقسطي (٤) ، وكتاب " النهاية " (٥) لأبي الوليد ابن رشد كتاب جليل معظم معتمد عليه عند المالكية، وكذلك كتاب " المنتقى " للباجي. وأما أصول الدين وأصول الفقه فللإمام أبي بكر ابن العربي الإشبيلي من

стр. 1590

ذلك ما منه كتاب " العواصم والقواصم " المشهور بأيدي الناس، وله تآليف في غير هذا، ولأبي الوليد ابن رشد في أصول الفقه ما منه " مختصر المستصفى ". وأما التواريخ فكتاب ابن حيان الكبير المعروف " بالمتين " في نحو ستين مجلدة وإنما ذكر ابن حزم كتاب " المقتبس " وهو في عشر مجلدات، والمتين يذكر فيه أخبار عصره ويمعن فيها مما شاهده، ومنه ينقل صاحب الذخيرة، وقد ذيل عليه أبو الحجاج البياسي أحد معاصرينا، وهو الآن بإفريقية في حضرتها تونس عند سلطانها تحت إحسانه الغمر، وكتاب المظفر ابن الأفطس لمك بطليوس المعروف " بالمظفري " نحو كتاب " المتين " في الكبر، وفيه تاريخ على السنين، وفنون آداب كثيرة، وتاريخ ابن صاحب الصلاة في الدولة اللمتونية (١) ، وذكر ابن غالب أن ابن الصيرفي الغرناطي له كتاب في " أخبار دولة لمتونة " (٢) ، وأن أبا الحسن السالمي له كتاب " في أخبار الفتنة الثانية بالأندلس " (٣) بدأ من سنة ٥٣٩، ورتبه على السنين وبلغ به سنة ٥٤٧، وأبو القاسم خلف بن بشكوال له كتاب في " تاريخ أصحاب الأندلس " من فتحها إلى زمانه، وأضاف إلى ذلك من أخبار قرطبة وغيرها ما جاء في خاطره، وله كتاب " الصلة " في تاريخ العلماء، وللحميدي قبله " جذوة المقتبس " وقد ذيل كتاب الصلة ف عصرنا هذا أبو عبد الله ابن الأبار البلنسي كاتب سلطان إفريقية. وذكر ابن غالب أن الفقيه أبا جعفر ابن عبد الحق الخزرجي القرطبي له كتاب كبير بدأ فيه من بدء

стр. 1591

الخليقة إلى أن انتهى في أخبار الأندلس إلى دولة عبد المؤمن، قال: وفارقته سنة ٥٦٥. وأبو محمد ابن حزم صاحب الرسالة المتقدمة الذكر له كتب جمة في التواريخ، مثل كتاب " نقط العروس في تواريخ (١) الخلفاء " وقد صنف أبو الوليد ابن زيدون كتاب " التبيين في خلفاء بني أمية بالأندلس " على منزع كتاب " التعيين في خلفاء المشرق " للمسعودي. وللقاضي أبي القاسم صاعد بن أحمد الطليطلي كتاب " التعريف بأخبار علماء الأمم من العرب والعجم " وكتاب " جامع أخبار الأمم ". وأبو عمر بن عبد البر له كتاب " القصد والأمم في معرفة أخبار العرب والعجم ". وعريب بن سعد القرطبي له كتاب " اختصار تاريخ الطبري " قد سعد باغتباط الناس به، وأضاف إليه تاريخ إفريقية والأندلس، ولأحمد بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن [أبي] الفياض كتاب " العبر " (٢) ، وكتاب أبي بكر الحسن بن محمد الزبيدي في " أخبار النحويين واللغويين بالمشرق والأندلس " (٣) ، وكتاب القاضي أبي الوليد ابن الفرضي في " أخبار العلماء والشعراء " وما يتعلق بذلك وليحيى بن حكم الغزال تاريخ ألفه كله منظوماً (٤) ، كما صنع أيضاً بعده أبو طالب المتنبي من جزيرة شقر في التاريخ الذي أورد منه صاحب الذخيرة ما أورد (٥) ، وكتاب " الذخيرة " لابن بسام في جزيرة الأندلس ليس هذا مكان الإطناب في تفصيلها وهي كالذيل على حدائق ابن فرج، وفي عصرها (٦) صنف الفتح كتاب " القلائد " وهو مملوء بلاغة،

стр. 1592

والمحاكمة بين الكتابين ذكرت بمكان (١) آخر، ولصاحب القلائد كتاب " المطمح " وهو ثلاث نسخ: كبرى، ووسطى، وصغرى، يذكر فيها من الذين ذكرهم في القلائد ومن غيرهم الذين كانوا قبل عصرهم، وكتاب " سمط الجمان وسقط (٢) المرجان " لأبي عمرو ابن الإمام بعد الكتابين المذكورين، ذكر من أخلا بتوفيته حقه من الفضلاء، واستدرك من أدركه بعصره في بقية المائة السادسة، وذيل عليه - وإن كان ذيلاً قصيراً - أبو بحر (٣) صفوان بن إدريس المرسي بكتاب " زاد المسافر " ذكر فيه جماعة ممن أدرك المائة السابعة، وكتاب أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الحجاري المسمى ب " المسهب في فضائل المغرب " صنفه بعد " الذخيرة " و " القلائد " من أول ما عمرت الأندلس إلى عصره، وخرج فيه عن مقصد الكتابين إلى ذكر البلاد وخواصها مما يختص بعلم الجغرافية، وخلطه بالتاريخ وتفنن الأدب على ما هو مذكور في غير هذا المكان، ولم يصنف في الأندلس مثل كتابه، ولذلك فضله المصنف له عبد الملك بن سعيد، وذيل عليه، ثم ذيل على ذلك ابناه أحمد ومحمد ثم موسى بن محمد ثم علي بن موسى كاتب هذه النسخة ومكمل كتاب " فلك الأدب المحيط بحلى لسان العرب " المحتوي على كتابي " المشرق في حلى المشرق " و " المغرب في حلى المغرب "، فيكفي الأندلس في هذا الشأن تصنيف هذا الكتاب بين ستة أشخاص في ١١٥ سنة آخرها سنة ٦٤٥، وقد احتوى على جميع ما يذاكر به ويحاضر بحلاه من فنون الأدب المختارة على جهد الطاقة في شرق وغرب على النوع الذي هو مذكور في غير هذا الموضع، ومن أغفلت التنبيه على عصرهن وغير ذلك من المصنفين المتقدمي الذكر، فيطلب الملتمس منه في مكانه المنسوب إليه كابن

стр. 1593

بسام في شنترين، والفتح في إشبيلية، وابن الإمام في إستجة، والحجاري في وادي الحجارة. وأما ما جاء منثوراً من فنون الأدب فكتاب " سراج الدب " لأبي عبد الله ابن أبي الخصال الشقوري رئيس كتاب الأندلس (١) ، صنفه على منزع كتاب " النوادر " لأبي علي، و " زهر الآداب " للحصري؛ وكتاب " واجب الأدب " لوالدي موسى بن محمد بن سعيد، واسمه يغني عن المراد به؛ وكتاب " اللآلئ " لأبي عبيد البكري على كتاب " الأمالي " لأبي علي البغدادي مفيد في الأدب، وكذلك كتاب " الاقتضاب في شرح أدب الكتاب " لأبي محمد ابن السيد البطليوسي، وأما شرح " سقط الزند " له فهو الغاية، ويكفي ذكره عند أرباب هذا الشأن وثناؤهم عليه، وشروح أبي الحجاج الأعلم بشعر المتنبي والحماسة وغير ذلك مشهورة. وأما النحو فلأهل الأندلس من الشروح على " الجمل " (٢) ما يطول ذكره، فمنها شرح ابن خروف، ومنها شرح الرندي، ومنها شرح شيخنا أبي الحسن ابن عصفور الإشبيلي، وإليه انتهت علوم النحو، وعليه الإحالة الآن من المشرق والمغرب، وقد أتيت له من إفريقية بكتاب " المقرب " في النحو فتلقي باليمين من كل جهة، وطار بجناح الاغتباط، ولشيخنا أبي علي الشلوبين كتاب " التوطئة " على الجزولية وهو مشهور، ولابن السيد وابن الطراوة والسهيلي من التقييدات في النحو ما هو مشهور عند أصحاب هذا الشأن المعتمد عليه، ولأبي الحسن ابن خروف شرح مشهور على كتاب سيبويه. وأما علم الجغرافيا فيكفي في ذلك كتاب المسالك والممالك لأبي عبيد البكري

стр. 1594

الأونبي وكتاب " معجم مستعجم من البقاع والأماكن "، وفي كتاب " المسهب " للحجاري في هذا الشأن وتذييلنا عليه في هذا الكتاب الجامع زبد (١) الأولين والآخرين في ذلك. واما الموسيقى فكتاب أبي بكر ابن باجة الغرناطي في ذلك فيه كفاية وهو في المغرب بمنزلة أبي نصر الفارابي بالمشرق، وإليه تنسب الألحان المطربة بالأندلس التي عليها الاعتماد، وليحيى الخذوج (٢) المرسي كتاب " الأغاني الأندلسية " على منزع الأغاني لأبي الفرج، وهو ممن أدرك المائة السابعة. واما الطب فالمشهور بأيدي الناس الآن في المغرب، وقد سار أيضاً في المشرق لنبله، كتاب " التيسير " (٣) لعبد الملك بن أبي العلاء بن زهر وله كتاب " الأغذية " (٤) أيضاً مشهور مغتبط به في المغرب والمشرق، ولأبي العباس ابن الرومية الإشبيلي (٥) من علماء عصرنا بهذا الشأن كتاب في الأدوية المفردة، وقد جمع أبو محمد المالقي (٦) الساكن الآن بقاهرة مصر كتاباً في هذا الشأن حشر عليه ما سمع به فقدر عليه من تصانيف الأدوية المفردة ككتاب الغافقي وكتاب الزهراوي وكتاب الشريف الإدريسي الصقلي وغيرها وضبطه على حروف المعجم، وهو النهاية في مقصده. وأما الفلسفة فإمامها في عصرنا أبو الوليد ابن رشد القرطبي، وله فيها تصانيف جحدها لما رأى انحراف منصور بني عبد المؤمن عن هذا العلم،

стр. 1595

وسجنه بسببها، وكذلك ابن حبيب (١) الذي قتله المأمون بن المنصور المذكور على هذا العلم بإشبيلية، وهو علم ممقوت بالأندلس لا يستطيع صاحبه إظهاره، فلذلك تخفى تصانيفه. وأما التنجيم فلابن زيد الأسقف القرطبي فيه تصانيف، وكان مختصاً بالمستنصر بن الناصر المرواني، وله ألف كتاب " تفصيل الأزمان ومصالح الأبدان " وفيه من ذكر منازل القمر وما يتعلق بذلك ما يستحسن مقصده وتقريبه، وكان مطرف الإشبيلي في عصرنا قد اشتغل بالتصنيف في هذا الشأن، إلا أن أهل بلده كانوا ينسبونه للزندقة بسبب اعتكافه على هذا الشأن فكان لا يظهر شيئاً مما يصنف. [٨ - رسالة الشقندي في الدفاع عن الأندلس] ثم قال ابن سعيد: أخبرني والدي قال: كنت يوماً في مجلس صاحب سبتة أبي يحيى ابن أبي زكريا صهر ناصر بني عبد المؤمن، فجرى بين أبي الوليد الشقندي وبين أبي يحيى ابن المعلم الطنجي نزاع في التفضيل بين البرين، فقال الشقندي لولا الأندلس لم يذكر بر العدوة، ولا سارت عنه فضيلة، ولولا التوقير للمجلس لقلت ما تعلم، فقال الأمير أبو يحيى: أتريد أن تقول كون أهل برنا عرباً وأهل بركم (٢) بربر فقال: حاش لله! فقال الأمير: والله ما أردت غير هذا، فظهر في وجهه أنه أراد ذلك، فقال ابن المعلم: أتقول هذا وما الملك والفضل إلا من بر العدوة فقال الأمير: الرأي عندي أن يعمل كل واحد منكما رسالة في تفضيل بره، فالكلام هنا يطول ويمر ضياعاً، وأرجو إذا أخليتما له فكركما يصدر عنكما ما يحسن تخليده، ففعلا ذلك:

стр. 1596

فكانت رسالة الشقندي: الحمد لله الذي جعل لمن يفخر بجزيرة الأندلس (١) أن يتكلم ملء فيه، ويطنب ما شاء فلا يجد من يعترض عليه ولا من يثنيه، إذ لا يقال للنهار: يا مظلم، ولا لوجه النعيم: يا قبيح. وقد وجدت مكان القول ذا سعةٍ ... فإن وجدت لساناً قائلاً فقل أحمده على أن جعلني ممن أنشأته، وحباني بأن كنت ممن أظهرته، فامتد في الفخر باعي، وأعانني على الفضائل كرم طباعي، وأصلي على سيدنا محمد نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه الأكرمين، وأسلم تسليماً. أما بعد؛ فإنه حرك مني ساكناً، وملأ مني فارغاً، فخرجت عن سجيتي في الإغضاء، مكرهاً إلى الحمية والإباء، منازعٌ في فضل الأندلس أراد أن يخرق الإجماع، ويأتي (٢) بما لا تقبله النواظر والأسماع، إذ من رأى ومن سمع لا يجوزعنده (٣) ذلك، ولا يضله من تاه في تلك المسالك، رام أن يفضل بر العدوة على بر الأندلس فرام (٤) أن يفضل على اليمين اليسار، ويقول: الليل أضوأ من النهار، فيا عجبا كيف قابل العوالي بالزجاج، وصادم الصفاة (٥) بالزجاج، فيا من نفخ في غير ضرم، ورام صيد البزاة بالرخم، كيف تتكثر بما جعله الله قليلاً، وتتعزز بما حكم الله أن يكون ذليلاً وكيف تبدي أمام الفتاة العجوز سل العيون إلى وجه من تميل واستخبر الأسماع إلى حديث من تصغي (٦)

стр. 1597

لشتّان ما بين اليزيدين في النّدى ... يزيد سليم والأغرّ ابن حاتم اقن حياءك أيها المغرد (١) بالنحيب، المتزين بالخلق المتحبب إلى الغواني بالمشيب الخضيب، أين عزب عقلك وكيف نكص على عقبه (٢) فهمك ولبك أبلغت العصبية من قلبك، أن تطمس على نوري (٣) بصرك ولبك أما قولك " الملوك منا " فقد كان الملوك منا أيضاًن وما نحن إلا كما قال الشاعر: فيومٌ علينا ويومٌ لنا ... ويومٌ نساء ويومٌ نسرّ إن كان الآن كرسي جميع بلاد المغرب عندكم بخلافة بني عبد المؤمن، أدامها الله تعالى، فقد كان عندنا بخلافة القرشيين الذين يقول مشرقيهم: وإنّي من قوم كرام أعزّة ... لأقدامهم صيغت رؤوس المنابر خلائف في الإسلام في الشرك قادة ... بهم وإليهم فخر كلّ مفاخر ويقول مغربيهم (٤) : ألسنا بني مروان كيف تبدلت ... بنا الحال أو دارت علينا الدوائر إذا ولد المولود منّا تهلّلت ... له الأرض واهتزّت إليه المنابر وقد نشا في مدتهم من الفضلاء والشعراء ما اشتهر في الآفاق، وصار أثبت في صحائف (٥) الأيام، من الأطواق في أعناق الحمام:

стр. 1598

وسار مسير الشمس في كلّ بلدةٍ ... وهبّ هبوب الريح في البرّ والبحر ولم تزل ملوكهم في الاتساق كما قيل: إنّ الخلافة فيكم لم تزل نسقاً ... كالعقد منظومة فيه فرائده إلى أن حكم الله بنثر سلكهم، وذهاب ملكهم، فذهبوا وذهبت أخبارهم، ودرسوا ودرست آثارهم (١) : جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم ... بعد الممات جمال الكتب والسّير فكم مكرمة أنالوها، وكم (٢) عثرة أقالوها: وإنّما المرء حديثٌ بعده ... فكن حديثاً حسناً لمن وعى وكان من حسنات ملكهم المنصور الن أبي عامر، وما أدراك، الذي بلغ في بلاد النصارى غازياً إلى البحر الأخضر، ولم يترك أسيراً في بلادهم من المسلمين، ولم يبرح (٣) في جيش الهرقل وعزمة الاسكندر، ولما قضى نحبه كتب على قبره (٤) : آثاره تنبيك عن أوصافه ... حتّى كأنّك بالعيان تراه تالله لا يأتي الزّمان بمثله ... أبداً ولا يحمي الثغور سواه وقد قيل فيه من الأمداح، وألف له من الكتب، ما سمعت وعلمت، حتى قصد من بغداد، وعم خيره وشره أقاصي (٥) البلاد، ولما ثار بعد انتثار

стр. 1599

هذا النظام ملوك الطوائف وتفرقوا في البلاد، كان في تفرقهم اجتماعٌ على النعملفضلاء العباد، إذ نفقوا سوق العلوم، وتباروا في المثوبة على المنثور والمنظوم، فما كان أعظم مباهاتهم إلا قول: العالم الفلاني عند الملك الفلاني، والشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني، وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم، ونبهت الأمداح من مآثره ما ليس طول الدهر بنائم، وقد سمعت ما كان من الفتيان العامرية مجاهد ومنذر وخيران، وسمعت عن الملوك العربية: بنو عباد وبنو صمادح وبنو الأفطس وبنو ذي النون وبنو هود، كل منهم قد خلد فيه من الأمداح، ما لو مدح به الليل لصار أضوأ من الصباح (١) ، ولم تزل الشعراء تتهادى بينهم تهادي النواسم بين الرياض، وتفتك في أموالهم فتكة البراض، حتى إن أحد شعرائهم بلغ به ما رآه من منافستهم في أمداحه أن حلف أن لا يمدح أحداً منهم بقصيدة إلا بمائة دينار وأن المعتضد بن عباد على ما اشتهر من سطوته وإفراط هيبته كلفه أن يمدحه بقصيدة فأبى حتى يعطيه ما شرطه (٢) في قسمه، ومن أعظم ما يحكى من المكارم التي لم نسمع لها أختاً أن أبا غالب اللغوي ألف كتاباً، فبذل له مجاهد العامري ملك دانية ألف دينار ومركوباً وكسىً على أن يجعل الكتاب باسمه، فلم يقبل ذلك أبو غالب، وقال: كتاب ألفته لينتفع به الناس، وأخلد فيه همتي، أجعل في صدره اسم غيري، وأصرف الفخر له، لا أفعل ذلك، فلما بلغ هذا مجاهداً استحسن أنفته وهمته، وأضعف له العطاء، وقال: هو في حلٍ من أن يذكرني فيه، لا نصده عن غرضه (٣) . وإن كان كل ملوك الأندلس المعروفين بملوك الطوائف قد تنازعوا (٤) في ملاءة الحضر، فإني أخص منهم بني عباد، كما قال الله

стр. 1600

تعالى " فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورمان " فإن الأيام لم تزل بهم كأعياد، وكان لهم من الحنو على الأدب، ما لم يقم به بنو حمدان في حلب، وكانوا هم وبنوهم ووزراؤهم صدوراً في بلاغتي النظم والنثر، مشاركين في فنون العلم، وآثارهم مذكورة، وأخبارهم مشهورة، وقد خلدوا من المكارم التامة، ما هو متردد في ألسن الخاصة والعامة، وبالله إلا سميت لي بمن تفخرون قبل هذه الدعوة المهدية، أبسقوت (١) الحاجب أم بصالح البرغواطي (٢) أم بيوسف بن تاشفين الذي لولا توسط ابن عباد لشعراء الأندلس في مدحه ما أجروا له ذكراً، ولا رفعوا لملكه قدرا وبعدما ذكروه بوساطة المعتمد بن عباد فإن المعتمد قال له، وقد أنشدوه أيعلم أمير المسلمين ما قالوه قال: لا أعلم ولكنهم يطلبون الخبز، ولما انصرف عن المعتمد إلى حضرة ملكه كتب له المعتمد (٣) رسالة فيها: بنتم وبنّا فما ابتلت جوانحنا ... شوقاً إليكم ولا جفّت مآقينا حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا فلما قرئ عليه هذان البيتان قال للقارئ: يطلب منا (٤) جواري سوداً وبيضاً، قال: لا يا مولانا، ما أراد إلا أن ليله كان بقرب أمير المسلمين نهاراً لأن الليالي السرور بيض، فعاد نهاره ببعده (٥) ليلاً لأن أيام الحزن ليالٍ سود، فقال: والله جيد، اكتب له في جوابه: إن دموعنا

стр. 1601

تجري عليه، ورؤوسنا توجعنا من بعده، فليت العباس بن الأحنف قد عاش حتى يتعلم من هذا الفاضل رقة الشوق: ولا تنكرن مهما رأيت مقدماً ... على حمرٍ بغلاً فثمّ تناسب فاسكتوا (١) فلولا هذه الدولة، لما كان لكم على الناس صولة: وإن الورد يقطف من قتاد ... وإنّ النار تقبس من رماد وإنك إن تعرضت للمفاضلة بالعلماء (٢) فأخبرني: هل لكم في الفقه مثل عبد الملك بن حبيب الذي يعمل بأقواله إلى الآن، ومثل أبي الوليد الباجي، ومثل أبي بكر ابن العربي، ومثل أبي الوليد ابن رشد الأكبر، ومثل أبي الوليد ابن رشد الأصغر، وهو ابن ابن الأكبر، نجوم الإسلام، ومصابيح شريعة محمد ﵇، وهل لكم في الحفظ مثل أبي محمد ابن حزم الذي زهد في الوزارة والمال ومال إلى رتبة العلم، ورآها فوق كل رتبة، وقال وقد أحرقت كتبه (٣) : دعوني من إحراق رقّ وكاغدٍ ... وقولوا بعلمٍ كي يرى الناس من يدري فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس، إذ هو في صدري ومثل أبي عمر ابن عبد البر صاحب " الاستذكار " و " التمهيد " ومثل أبي بكر ابن الجد حافظ الأندلس في هذه الدولة، وهل لكم في حفاظ اللغة كابن سيده صاحب كتاب " المحكم " وكتاب " السماء والعالم " الذي إن أعمى الله بصره فما أعمى بصيرته، وهل لكم في النحو مثل أبي محمد ابن السيد وتصانيفه ومثل ابن الطراوة، ومثل أبي علي الشلوبين الذي بين أظهرنا الآن، وقد سار في المغارب والمشارق ذكره، وهل لكم في علوم اللحون والفلسفة كابن باجة،

стр. 1602

وهل لكم في علم النجوم والفلسفة والهندسة ملك كالمقتدر بن هود صاحب سرقسطة، فإنه كان في ذلك آية وهل لكم في الطب مثل ابن طفيل صاحب رسالة " حي بن يقظان " المقدم في علم (١) الفلسفة، ومثل بني زهر أبي العلاء ثم ابنه عبد الملك ثم ابنه أبي بكر ثلاثة على نسق وهل لكم في علم التاريخ كابن حيان صاحب " المتين " و " المقتبس " وهل عندكم في رئساء علم الأدب مثل أبي عمر بن عبد ربه صاحب " العقد " وهل لكم في الاعتناء بتخليد مآثر فضلاء إقليمه والاجتهاد في حشد محاسنهم مثل ابن بسام صاحب " الذخيرة " وهب أنه كان يكون لكم مثله فما تصنع الكيسة في البيت الفارغ وهل لكم في بلاغة النثر كالفتح بن عبيد الله الذي إن مدح رفع، وإن ذم وضع، وقد ظهر له من ذلك في كتاب " القلائد " ما هو أعدل شاهد، ومثل ابن أبي الخصال في ترسيله، ومثل أبي الحسن سهل بن مالك الذي بين أظهرنا الآن في خطبه، وهل لكم في الشعر ملك مثل المعتمد ابن عباد في قوله (٢) : وليل بسدّ النهر أنساً قطعته ... بذات سوارٍ مثل منعطف النهر نضت بردها عن غصن بانٍ منعم ... فيا حسن ما انشقّ الكمام عن الزهر وقوله في أبيه (٣) : سميدعٌ يهب الآلاف مبتدءاً ... وبعد ذلك يلفى وهو يعتذر (٤) له يدٌ كلّ جبّار يقبّلها ... لولا نداها لقلنا إنها الحجر ومثل ابنه الراضي (٥) في قوله:

стр. 1603

مرّوا بنا أصلاً من غير ميعاد ... فأوقدوا نار قلبي أيّ إيقاد لا غرو إن زاد في وجدي مرورهم ... فرؤية الماء تذكي غلّة الصادي وهل لكم ملك ألف في فنون الآداب كتاباً في نحو مائة مجلدة مثل المظفر ابن الأفطس ملك بطليوس ولم تشغله الحروب ولا المملكة عن همة الأدب وهل لكم من الوزراء مثل ابن عمار في قصيدته التي سارت أشرد من مثل، وأحب إلى الأسماع من لقاء حبيب وصل التي منها (١) : أثمرت رمحك من رؤوس ملوكهم ... لمّا رأيت الغصن يعشق مثمرا وصبغت درعك من دماء كماتهم ... لمّا رأيت الحسن يلبس أحمرا ومثل ابن زيدون في قصيدته التي لم يقل مع طولها في النسيب أرق منها، وهي التي يقول فيها: كأنّنا لم نبت والوصل ثالثنا ... والسّعد قد غضّ من أجفان واشينا سرّان في خاطر الظّلماء يكتمنا ... حتّى يكاد لسان الصبح يفشينا وهل لكم من الشعراء مثل ابن وهبون في بديهته بين يدي المعتمد بن عباد وإصابته الغرض حين استحسن المعتمد قول المتنبي: إذا ظفرت منك المطيّ بنظرة ... أثاب بها معيي المطيّ ورازمه فارتجل: لئن جاد شعر ابن الحسين فإنّما ... تجيد العطايا واللها تفتح اللها تنبأ عجباً بالقريض ولو درى ... بأنّك تروي شعره لتؤلّها

стр. 1604

وهل لكم مثل شاعر الأندلس ابن دراج الذي قال فيه الثعالبي (١) " هو بالصقع الأندلسي كالمتنبي بصقع الشام " الذي إن مدح الملوك قال مثل قوله (٢) : ألم تعلمي أنّ الثّواء هو التّوى ... وأنّ بيوت العجزين قبور وأنّ خطيرات المهالك ضمّنٌ ... براكبها أنّ الجزاء خطير تخوّفني طول السّفار وإنّه ... بتقبيل كفّ العامريّ جدير (٣) مجير الهدى والدين من كلّ ملحدٍ ... وليس عليه للضّلال مجير تلاقت عليه من تميمٍ ويعربٍ ... شموسٌ تلاقت في العلا وبدور هم يستقلّون الحياة لراغبٍ ... ويستصغرون الخطب وهو كبير ولمّا توافوا للسّلام ورفّعت ... عن الشمس في أفق الشروق ستور وقد قام من زرق الأسنّة دونها ... صفوفٌ ومن بيض السيوف سطور رأوا ساعة الرحمن كيف اعتزازها ... وآيات صنع الله كيف تنير وكيف استوى بالبرّ والبحر مجلسٌ ... وقام بعبء الراسيات سرير فجاؤوا عجالاً والقلوب خوافقٌ ... وولّوا بطاء والنواظر صور يقولون والإجلال يخرس ألسناً ... وحازت عيون ملأها وصدور لقد حاط أعلام الهدى بك حائطٌ ... وقدّر فيك المكرمات قدير وأنا أقسم بما حازته هذه الأبيات، من غرائب الآيات، لو سمع هذا المدح سيد بني حمدان لسلى به عن مدح شاعره الذي ساد كل شاعر، ورأى أن هذه الطريقة أولى بمدح الملوك من كل ما تفنن فيه كل ناظم وناثر. وإن ذكر الغرب عن الأوطان، ومكابدة نوائب الزمان، قال (٤) :

стр. 1605

قالت وقد مزج الفراق مدامعاً ... بمدامع وترائباً بترائب أتفّرقٌ حتى بمنزل غربة ... كم نحن للأيّام نهبة ناهب ولئن جنيت عليها ترحة راحلٍ ... فأنا الزعيم لها بفرحة آيب هل أبصرت عيناك بدراً طالعاً ... في الأفق إلاّ من هلالٍ غارب وإن شبه قال (١) : كمعاقلٍ من سوسنٍ قد شيّدت ... أيدي الربيع بناءها فوق القضب شرفاتها من فضّة وحماتها ... حول الأمير لهم سيوف من ذهب وهل من شعرائكم من تعرض لذكر العفة فاستنبط ما يسحر به السحر، ويطيب به الزهر، وهو أبو عمر ابن فرج في قوله (٢) : وطائعة الوصال عففت عنها ... وما الشّيطان فيها بالمطاع بدت في الليل سافرةً فباتت ... دياجي اللّيل سافرة القناع وما من لحظةٍ إلاّ وفيها ... إلى فتن القلوب لها دواعي فملّكت النّهى جمحات شوقي ... لأجري في العفاف على طباعي وبتّ بها مبيت السّقب (٣) يظما ... فيمنعه الكعام من الرضاع كذاك الروض ما فيه لمثلي ... سوى نظر وشمٍّ من متاع ولست من السوائم مهملات ... فأتّخذ الرياض من المراعي وهل بلغ أحد من مشبهي شعرائكم أن يقول مثل قول أبي جعفر اللمائي (٤) :

стр. 1606

عارضٌ أقبل في جنح الدّجى ... يتهادى كتهادي ذي الوجى بدّدت (١) ريح الصّبا لؤلؤه ... فانبرى يوقد عنها سرجا ومثل قول أبي حفص ابن برد (٢) : وكأنّ الليل حين لوى ... ذاهباً (٣) والصبح قد لاحا كلّةٌ سوداء أحرقها ... عامدٌ أسرج مصباحا وهل منكم من وصف ما تحدثه الخمرة من الحمرة على الوجنة بمثل قول الشريف الطليق (٤) : أصبحت شمساً وفوه مغربا ... ويد الساقي المحيّي مشرقا وإذا ما غربت في فمه ... تركت في الخدّ منه شفقا بمثل هذا الشعر (٥) فليطلق اللسان ويفخر (٦) كل إنسان. وهل منكم من عمد إلى قول امرؤ (٧) القيس: سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالاً على حال فاختلسه اختلاس النسيم لنفحة الأزهار، واستلبه (٨) بلطفٍ استلاب ثغر الشمس لرضاب طل الأسحار، فلطفه تلطيفاً يمتزج بالأرواح، ويغني في

стр. 1607

الارتياح عن شراب الراح وهو ابن شهيد في قوله (١) : ولمّا تملأّ من سكره ... ونام ونامت عيون الحرس دنوت إليه على رقبةٍ (٢) ... دنوّ رفيقٍ درى ما التمس أدبّ إليه دبيب الكرى ... وأسموا إليه سموّ النفس أقبل منه بياض الطّلى ... وأرشف منه سواد اللّعس فبتّ به ليلتي ناعماً ... إلى أن تبسم ثغر الغلس وقد تناول هذا المعنى ابن أبي ربيعة على عظم قدره وتقدمه فعارض الصهيل بانهاق، وقابل العذب بالزعاق، فقال وليته سكت: ونفضتّ عنّي العين أقبلت مشية ال ... حباب وركني خيفة القوم أزور وأنا أقسم (٣) لو زار جملٌ محبوبة له لكان ألطف في الزيارة من هذا الأزور الركن المنفض للعيون، لكنه إن أساء هنا فقد أحسن في قوله (٤) : قالت لقد أعييتنا حجّة ... فأت إذا ما هجع الساهر واسقط علينا كسقوط الندى ... ليلة لا ناهٍ ولا زاجر ولله در محمد ابن سفر (٥) أحد شعرائنا المتأخرين عصراً المتقدمين قدراً، حيث نقل السعي إلى محبوبته فقال وليته لم يزل يقول مثل هذا، فبمثله ينبغي أن يتكلم، ومثله يليق أن يدون:

стр. 1608

وواعدتها والشمس تجنح للنّوى ... بزورتها شمساً وبدر الدّجى يسري فجاءت كما يمشي سنا الصبح في الدّجى ... وطوراً كما مرّ النسيم على النّهر فعطّرت الآفاق حولي فأشعرت ... بمقدمها والعرف يشعر بالزهر فتابعت بالتقبيل آثار سعيها ... كما يتقصّى قارئٌ أحرف السطر فبتّ بها والليل قد نام والهوى ... تنبّه بين الغصن والحقف والبدر أعانقها طوراً وألثم تارةً ... إلى أن دعتنا للنوى راية الفجر ففضّت عقوداً للتعانق بيننا ... فيا ليلة القدر اتركي ساعة النفر وهل منكم من قيد بالإحسان فأطلق لسانه الشكر، فقا وهو ابن اللبانة (١) : بنفسي وأهلي جيرةٌ ما استعنتهم ... على الدّهر إلا وانثنيت معانا أراشوا جناحي ثمّ بلّوه بالنّدى ... فلم أستطع من أرضهم طيرانا ومن يقول لقد قطع عنه ممدوحه ما كان يعتاده منه من الإحسان، فقابل ذلك بقطع مدحه له، فبلغه أنه عتبه على ذلك، وهو ابن وضاح (٢) : هل كنت إلاّ طائراً بثنائكم ... في دوح مجدكم أقوم وأقعد إن تسلبوني ريشكم وتقلّصوا ... عنّي ظلالكم فكيف أغرّد وهل منكم شاعر رأى الناس قد ضجّوا من سماع تشبيه الثغر بالأقاح، وتشبيه الزهر بالنجوم، وتشبيه الخدود بالشقائق، فتلطف لذلك في أن يأتي به في منزع يصير خلقه في الأسماع جديداً، وكليله في الأفكار حديداً، فأغرب أحسن إغراب، وأعرب عن فهمه بحسن تخيله أنبل إعراب، وهو ابن الزقاق (٣) :

стр. 1609

وأغيدٍ طاف بالكؤوس ضحىً ... وحثّها والصّباح قد وضحا والروض أهدى لنا شقائقه ... وآسه العنبريّ قد نفحا قلنا: وأين الأقاح قال لنا ... أودعته ثغر من سقى القدحا فظلّ ساقي المدام يجحد ما ... قال فلما تبسّم افتضحا وقال: أديراها على الروض المندّى ... وحكم الصبح في الظّلماء ماضي وكأس الرّاح تنظر عن حبابٍ ... ينوب لنا عن الحدق المراض وما غلبت نجوم الأفق لكن ... نقلن من السماء إلى الرّياض وقال: ورياضٍ من الشقائق أضحت ... يتهادى بها نسيم الرياح زرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تروق لون الراح قلت: ما ذنبها فقال مجيباً: ... سرقت حمرة الخدود الملاح فانظر كيف زاحم بهذا الاختيال المخترعين وكيف سابق بهذا اللفظ المبتدعين وهل منكم من برع في أوصاف الرياض والمياه وما يتعلق بذلك فانتهى إلى راية السباق، وفضح كل من طمع بعده في اللحاق، وهو أبو إسحاق ابن خفاجة القائل (١) : وعشيّ أنسٍ أضجعتنا نشوةٌ ... فيها يمهّد مضجعي ويدمّث خلعت عليّ بها الأراكة ظلّها ... والغصن يصغي والحمام يحدّث

стр. 1610

والشمس تجنح للغروب مريضةً ... والرًعد يرقي والغمامة تنفث والقائل: لله نهرٌ سال في بطحاء ... أشهى وروداً من لمى الحسناء متعطّفٌ مثل السّوار كأنّه ... والزهر يكنفه مجرّ سماء قد رقّ حتى ظنّ قرصاً مفرغاً ... من فضةٍ في بردة خضراء وغدت تحفّ به الغصون كأنّها ... هدبٌ تحفً بمقلةٍ زرقاء ولطالما أعطيت فيه مدامةً ... صفراء تخضب أيدي الندماء والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء والقائل: حثّ المدامة والنّسيم عليل ... والظلّ خفاق الرواق ظليل والرّوض مهتزّ المعاطف نعمةً ... نشوان تعطفه الصّبا فيميل ريّان فضّضه الندى ثمّ انجلى ... عنه فذهّب صفحتيه أصيل والقائل: أذن الغمام بديمةٍ وعقار ... فامزج لجيناً منهما بنضار واربع على حكم الربيع بأجرعٍ ... هزج الندامى مفصح الأطيار متقسّم الألحاظ بين محاسنٍ ... من ردف رابيةٍ وخصر قرار نثرت بحجر الروض فيه يد الصّبا ... درر الندى ودراهم الأنوار وهفت بتغريدٍ هنالك أيكةٌ ... خفّاقةٌ بمهبّ ريح عرار هزّت له أعطافه ولربّما ... خلعت عليه ملاءة النوّار (١)

стр. 1611

والقائل: سقياً لها من بطاح خزٍّ ... ودوح نهرٍ بها مطلّ إذ لا ترى غير وجه شمسٍ ... أطلّ فيه عذار ظلّ القائل: نهرٌ كما سال اللّمى سلسال ... وصباً بليلٌ ذيلها مكسال وهبّ نفحة ليلةٍ مطلولةٍ ... في جانبيها للنّسيم مجال غازلتها والأقحوانة مبسمٌ ... والآس صدغٌ والبنفسج خال والقائل: وساقٍ كحيل اللّحظ في شأو حسنه ... جماحٌ وبالصبر الجميل حران ترى للصبا ناراً بخدّيه لم يثر ... لها من سوادي عارضيه دخان سقاها وقد لاح الهلال عشيةً ... كما اعوجّ في درع الكميّ سنان عقاراً نماها الكرم فهي كريمةٌ ... ولم تزن بابن المزن فهي حصان وقد جال من (١) جون الغمامة أدهمٌ ... له البرق سوطٌ والشّمال عنان وضمّخ ردع (٢) الشمس نحر حديقةٍ ... عليه من الطّلّ السقيط جمان ونمّت بأسرار الرّياض خميلةٌ ... لها النّور ثغرٌ والنسيم لسان والقائل في وصف فرس ولم يخرج عن طريقته: وأشقرٍ تضرم منه الوغى ... بشعلةٍ من شعل الباس من جلّنارٍ ناضرٍ لونه ... وأذنه من ورق الآس يطلع للغرّة في شقرةٍ ... حبابةً تضحك في كاس

стр. 1612

وهل منكم من يقول منادماً لنديمه وقد باكر روضاً بمحبوب وكأس، فألفاه قد غطى محاسنه ضباب، فخاف أن يكسل نديمه عن الوصول إذا رأى ذلك، وهو أبو الحسن ابن بسام (١) : ألا بادر فما ثانٍ سوى ما ... عهدت الكأس والبدر التمام ولا تكسل برؤيته ضباباً ... تغصّ (٢) به الحديقة والمدام فإن الرّوض ملثمٌ إلى أن ... توافيه فينحطّ اللثام وهل منكم من تغزل في غلام حائك بمثل قول الرصافي (٣) : قالوا وقد أكثروا في حبّه عذلي ... لو لم تهم بمذال القدر مبتذل قفلت: لو كان أمري في الصبابة لي ... لاخترت ذاك، ولكن ليس ذالك لي علّقته حببيّ الثّغر عاطره ... حلو اللمى ساحر الأجفان والمقل غزيّلٌ لم تزل في الغزل جائلةً ... بنانه جولان الفكر في الغزل جذلان تلعب بالمحواك أنمله ... على السّدى لعب الأيّام بالأمل ضمّاً بكفّيه أو فحصاً بأخمصه ... تخبّط الظبي في أشراك محتبل ومثل قوله في تغلب مسكة الظلام على خلوق الأصيل (٤) : وعشيٍّ رائقٍ منظره ... قد قطعناه علىصرف الشّمول وكأنّ الشّمس في أثنائه ... ألصقت بالأرض خدّاً للنزول والصّبا ترفع أذيال الرّبى ... ومحيّا الجوّ كالنهر الصقيل حبّذا منزلنا مغتبقاً ... حيث لا يطرقنا غير الهديل

стр. 1613

طائرٌ شادٍ وغصنٌ منثنٍ ... والدجى تشرب صهباء الأصيل وهل منكم من يقول في موشح فيما يجره هذا المعنى: ورداء الأصيل ... تطويه كفّ الظلام وهو أبو قاسم ابن الفرس (١) . وهل منكم من وصف غلاماً جميل الصورة راقصاً بمثل قول ابن خروف (٢) : ومنزع (٣) الحركات يلعب بالنّهى ... لبس المحاسن عند خلع لباسه متأوّداً كالغصن وسط رياضه ... متلاعباً كالظبي عند كناسه بالعقل يلعب مقبلاً أو مدبراً ... كالدهر يلعب كيف شاء بناسه ويضمّ للقدمين منه رأسه ... كالسيف ضمّ ذبابه لرئاسه وهل منكم من وصف خالاً بأحسن من قول النشار (٤) : ألوّامي على كلفي بيحيى ... متى من حبّه أرجو سراحا وبين الخدّ والشفتين خالٌ ... كزنجيّ أتى روضاً صباحا تحيّر في جناه فليس يدري ... أيجني الورد أم يجني الأقاحا وهل منكم من اهتدى إلى معنى في لثم وردة الخد ورشف رضاب الثغر لم يهتد إليه أحد غيره، وهو أبو الحسن سلام بن سلام المالقي (٥) في قوله:

стр. 1614

لمّا ظفرت بليلةٍ من وصله ... والصبّ غير الوصل لا يشفيه أنضجت وردة خدّه بتنفسي ... وطفقت أرشف ماءها من فيه وهل منكم من هجا من غير النطق بإقذاع فبلغ ما لم يبلغه المقذع، وهو المخزومي في قوله (١) : يودّ عيسى نزول عيسى ... عساه من دائه يريح وموضع الداء منه عضوٌ ... لا يرتضي مسّه المسيح ولمّا أقذع أتى أيضاً بأبدع، فقال: يا فارس الخيل ولا فارسٌ ... إلا على متن الجواد الخصى زدت على موسى وآياته ... تفجّر الماء وتخفي العصا وهل منكم من مدح بمعنى فبلغ به النهاية من المدح، ثم نقله إلى الهجاء فبلغ به النهاية من الذم، وهو اليكي (٢) في قوله مادحاً: قومٌ لهم شرف العلا في حميرٍ ... وإذا انتموا لمتونةً فهم هم لمّا حووا أحراز كلّ فضيلةٍ ... غلب الحياء عليهم فتلثّموا وفي قوله هاجياً: إن المرابط باخلٌ بنواله ... لكنّه بعياله يتكرم

стр. 1615

الوجه من مخلّقٌ بقبيح ما ... يأتيه فهم من آجله يتلثم وهل منكم من هجا أشتر العين بمثل قول أبي العباس ابن حنون (١) الإشبيلي: يا طلعةً أبدت قبائح جمّةً ... فالكلّ منها إن نظرت قبيح أبعينك الشتراء عينٌ ثرّةٌ ... منها ترقرق دمعها المسفوح شترت فقلنا: زورق في لجّة ... مالت بإحدى دفّتيه الريح وكأنمّا إنسنها ملاّحها ... قد خاف منغرقٍ فظلّ يميح وهل منكم من حضر مع عدوٍ له جاحدٍ لما فعله معه من الخير، وأمامهما زجاجة سوداء فيها خمر، فقال له الحسود المذكور: إن كنت شاعراً فقل في هذه، فقال ارتجالاً، وهو ابن مجبر (٢) : سأشكو إلى الندمان أمر زجاجةٍ ... تردّت بثوبٍ حالك اللون أسحم نصبّ بها شمس المدامة بيننا ... فتغرب في جنحً من الليل مظلم وتجحد أنوار الحميّا بلونها ... كقلب حسودٍ جاحدٍ يد منعم وهل منكم من قال لفاضل جمع بينه وبين فاضل، وهو أبو جعفر الذهبي (٣) :
следующие страницы →