← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الهواء، وحسن المباني، ونهرها الأعظم الذي يصعد المدّ فيه اثنين وسبعين ميلاً ثم يحسر، وفيه يقول ابن سفرٍ (١) : شقّ النسيم عليه جيب قميصه ... فانساب من شطيّه يطلب ثاره فتضاحكت ورق الحمام بدوحها ... هزءاً فضمّ من الحياء إزاره وقيل لأحد من رأى مصر والشام: أيهما رأيت أحسن؟ أهذان أم إشبيلية؟ فقال بعد تفضيل إشبيلية: شرفها غابةٌ بلا أسد، ونهرها نيلٌ بلا تمساح، انتهى. ويقال: إن الذي بنى إشبيلية اسمه يوليش (٢) ، وإنّه أول من سمّي قيصر، وإنّه لما دخل الأندلس أعجب بساحاتها وطيب أرضها وجبلها المعروف بالشّرف (٣) فردم على النهر الأعظم مكاناً، وأقام فيه المدينة، وأحدق عليها بأسوارٍ من صخرٍ صلدٍ، وبنى في وسط المدينة قصبتين بديعتي الشأن تعرفان بالأخوين، وجعلها أمّ قواعد الأندلس، واشتق لها اسماً من رومية، ومن اسمه، فسمّاها رومية يوليش، انتهى. وقد تقدّم شيءٌ من هذا. وكان الأوّلون من ملوك الأعاجم يتداولون بسكناهم أربعة (٤) من بلاد الأندلس: إشبيلية، وقرطبة، وقرمونة (٥) ، وطليطلة، ويقسمون أزمانهم على الكينونة بها.

стр. 177

وأما شرف إشبيلية فهو شريف البقعة، كريم التربة، دائم الخضرة، فرسخ في فرسخ طولاً وعرضاً، لا تكاد تشمس فيه بقعةٌ لالتفاف زيتونه. واعلم أن إشبيلية لها كورٌ جليلةٌ، ومدنٌ كثيرةٌ، وحصونٌ شريفةٌ، وهي من الكور المجندة، نزلها جند حمص ولواؤهم في الميمنة بعد لواء جند دمشق. وانتهت جباية إشبيلية أيام الحكم بن هشام إلى (١) خمسة وثلاثين ألف دينارٍ ومائة دينار. وفي إقليم طالقة من أقاليم إشبيلية وجدت صورةً جاريةً من مرمرٍ معها صبي، وكأن حيّةً تريده، لم يسمع في الأخبار ولا رثي في الآثار صورةٌ أبدع منها، جعلت في بعض الحمامات وتعشّقها جماعةٌ من العوام (٢) . وقي كورة ماردة (٣) حصن شنت أفرج في غاية الارتفاع، لا يعلوه طائرٌ البتة لا نسرٌ ولا غيره. ومن عجائب الأندلس البلاط الأوسط من مسجد جامع أقليش (٤) ، فإن طول كل جائزة (٥) منه مائة شبر وأحد عشر شبراً، وهي مربعة منحوتة مستوية الأطراف. وقال بعض من وصف إشبيلية (٦) : إنها مدينة عامرة على ضفة النهر الكبير المعروف بنهر قرطبة، وعليه جسر مربوط بالسفن، وبها أسواق قائمة، وتجارات رابحة، وأهلها ذوو أموال عظيمة، وأكثر متاجرهم الزيت، وهو

стр. 178

يشتمل على كثير من إقليم الشّرف، وإقليم الشرف على تل عال من تراب أحمر مسافته أربعون ميلاً في مثلها، يمشي بها (١) السائر في ظل الزيتون والتين، ولها - فيما ذكر بعض الناس - قرىً كثيرة، وكل قرية عامرة بالأسواق والديار الحسنة والحمامات وغيرها من المرافق. وقال صاحب مناهج الفكر (٢) ، عند ذكر إشبيلية: وهذه المدينة من أحسن مدن الدّنيا، وبأهلها يضرب المثل في الخلاعة، وانتهاز فرصة الزمان الساعة بعد الساعة، ويعينهم على ذلك واديها الفرج، وناديها البهج، وهذا الوادي يأتيها من قرطبة، ويجزر في كل يوم، ولها جبل الشرف، وهو تراب أحمر طوله من الشمال إلى الجنوب أربعون ميلاً، وعرضه من المشرق إلى المغرب اثنا عشر ميلاً، نشتمل على مائتين وعشرين قرية، قد التحفت بأشجار الزيتون واشتملت، انتهى. [شهرة باجة وجبل طارق] ولكورة باجة (٣) من الكور الغربية التي كانت من أعمال إشبيلية أيام بني عبّاد خاصّيّةٌ في دباغة الأديم وصناعة الكتان، وفيها معدن فضة، وبها ولد المعتمد بن عبّاد، وهي متصلة بكورة ماردة. ولجبل طارق حوز قصب السبق بنسبته إلى طارق مولى موسى بن نصير،

стр. 179

إذ كان أوّل ما حل به مع المسلمين من بلاد الأندلس عند الفتح، ولذا شهر بجبل الفتح، وهو مقابل الجزيرة الخضراء، وقد تجوّن (١) البحر هنالك مستديراً حتى صار مكان هذا الجبل كالناظر للجزيرة الخضراء، وفيه يقول مطرّف شاعر غرناطة (١) : وأقود قد ألقى على البحر متنه ... فأصبح عن قود الجبال بمعزل (٣) يعرّض نحو الأفق وجهاً كأنّما ... تراقب عيناه كواكب منزل وإذا أقبل عليه المسافرون من جهة سبتة في البحر بان كأنّه سرج، قال أبو الحسن علي (٤) بن موسى بن سعيد: أقبلت عليه مرة مع والدي فنظرنا إليه على تلك الصفة، فقال والدي (٥) : أجز: انظر إلى جبل الفت ... ح راكباً متن لجّ فقلت: وقد تفتّح مثل ال ... أفنان في شكل سرج وأما جزيرة طريف فليست بجزيرة، وإنّما سميت بذلك الجزيرة التي أمامها في البحر مثل الجزيرة الخضراء، وطريف المنسوبة إليه بربريٌّ من موالي موسى بن نصير، ويقال: إن موسى بعثه قبل طارق في أربعمائة رجل، فنزل بهذه الجزيرة في رمضان سنة إحدى وتسعين، وبعده دخل طارق، والله أعلم.

стр. 180

[كورة طليطلة وما تشتهر به] ومن أعظم كور الأندلس كورة طليطلة (١) ، وهي من متوسط الأندلس، وكانت دار مملكة بني ذي النّون من ملوك الطوائف، وكان ابتداء ملكهم صدر المائة الخامسة، وسمّاها قيصر بلسانه بزليطة (٢) ، وتأويل ذلك: أنت فارح، فعرّبتها العرب وقالت: طليطلة، وكانوا يسمّونها وجهاتها في دولة بني أميّة بالثغر الأدنى، ويسمون سرقسطة وجهاتها بالثغر الأعلى، وتسمى طليطلة مدينة الأملاك لأنها فيما يقال ملكها اثنان وسبعون إنساناً، ودخلها سليمان بن داود، ﵉، وعيسى بن مريم، وذو القرنين، وفيها وجد طارق مائدة سليمان، وكانت من ذخائر إشبان ملك الروم الذي بنى إشبيلية، أخذها من بيت المقدس كما مر، وقوّمت هذه المائدة عند الوليد بن عبد الملك بمائة ألف دينار، وقيل: إنها كانت من زمرد أخضر، ويقال: إنها الآن برومة، والله أعلم بذلك. ووجد طارق بطليطلة ذخائر عظيمة (٣) ، منها مائة وسبعون تاجاً من الدر والياقوت والأحجار النفيسة، وإيوان ممتلئ من أواني الذهب والفضة، وهو كبير، حتى قيل: إن الخيل تلعب فيه فرسانها برماحهم لوسعه، وقد قيل: إن أواني المائدة من الذهب وصحافها من اليشم والجزع، وذكروا فيها غير هذا ممّا لا يكاد يصدّقه الناظر فيه. وبطليطلة بساتين محدقة، وأنهار مخترقة، ورياض وجنان، وفواكه حسان، مختلفة الطعوم والألوان، ولها من جميع جهاتها أقاليم رفيعة، ورساتيق مريعة،

стр. 181

وضياع بديعة، وقلاع منيعة، وبالجملة فمحاسنها كثيرة، ولعلّنا نلمّ ببعض متنزهاتها فيما يأتي من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وطليطلة قاعدة ملك القوطيين، وهي مطلّة على نهر تاجه، وعليه كانت القنطرة التي يعجز الواصفون عن وصفها، وكانت على قوس واحد تكنفه فرختان (١) من كل جانب، وطول القنطرة ثلاثمائة باع، وعرضها ثمانون باعاً، وخربت أيام الأمير محمد لما عصى عليه أهلها فغزاهم، واحتال في هدمها، وفي ذلك يقول الحكيم عباس بن فرناس (٢) : أضحت طليطلةٌ معطّلةً ... من أهلها في قبضة الصقر تركت بلا أهلٍ تؤهّلها ... مهجورة الأكناف كالقبر ما كان يبقي الله قنطرةً ... نصبت لحمل كتائب الكفر وسيأتي بعض أخبار طليطلة. [مدينة المرية وما تشتهر به] ومن مشهور مدن الأندلس المرية، وهي على ساحل البحر، ولها القلعة المنيعة المعروفة بقلعة خيران، بناها عبد الرحمن الناصر، وعظمت في دولة المنصور بن أبي عامر، وولى عليها مولاه خيران، فنسبت القلعة إليه، وبها من صنعة الديباج ما تفوق به على سائر البلاد، وفيها دار الصناعة، وتشتمل كورتها على معدن الحديد والرخام، ومن أبوابها باب العقاب عليه صورة

стр. 182

عقاب من حجر قديم عجيب المنظر. وقال بعضهم (١) : كان بالمريّة لنسج طرز الحرير ثمانمائة نول، وللحلل النفيسة والديباج الفاخر ألف نول، وللأسقلاطون كذلك، وللثياب الجرجانية كذلك، وللأصفهانية مثل ذلك، وللعنابي والمعاجر المدهشة والستور المكللة. ويصنع بها من صنوف آلات الحديد والنحاس والزجاج ما لا يوصف. وفاكهة المرية يقصر عنها الوصف حسناً، وساحلها أفضل السواحل، وبها قصور الملوك القديمة الغربية العجيبة، وقد ألف فيها أبو جعفر ابن خاتمة تاريخاً حافلاً سمّاه " بمزية المرية "، على غيرها من البلاد الأندلسية " (٢) في مجلد ضخم تركته من جملة كتبي بالمغرب، والله سبحانه المسؤول في جمع الشمل، فله الأمر من بعد ومن قبل. ووادي المرية طوله أربعون ميلاً في مثلها كلها بساتين بهجة، وجنات نضرة، وأنهار مطردة، وطيور مغردة. قال بعضهم: ولم يكن في بلاد الأندلس أكثر مالاً من أهل المرية، ولا أعظم متاجر وذخائر، وكان بها من الحمامات والفنادق نحو الألف، وهي بين الجبلين بينهما خندق معمور، وعلى الجبل الواحد قصبتها المشهورة بالحصانة، وعلى الآخر ربضها، والسور محيط بالمدينة والربض، وغريبها ربض لها آخر يسمى ربض الحوض ذو فنادق وحمامات وخنادق وصناعات، وقد استدار بها من كل جهة حصون مرتفعة، وأحجار أولية، وكأنما غربلت أرضها من التراب، ولها مدن وضياع عامرة متصلة الأنهار، انتهى.

стр. 183

[شنترة وخواصها] وقال ابن اليسع، عند ذكره مدينة شنترة (١) : إن من خواصّها أن القمح والشعير يزرعان فيها ويحصدان عند مضي أربعين يوماً من زراعته، وإن التفاح فيها دور كل واحدة ثلاثة أشبار وأكثر، قال لي أبو عبد الله الباكوري، وكان ثقة: أبصرت عند المعتمد بن عبّاد رجلاً من أهل شنترة أهدى إليه أربعاً من التفاح ما يقلّ الحامل على رأسه غيرها، دور كل واحدة خمسة أشبار، وذكر الرجل (٢) أن المعتاد عندهم أقل من هذا، فإذا أرادوا أن يجيء بهذا العظم (٣) قطعوا أصلها وأبقوا منه عشراً أو أقل وجعلوا تحتها دعامات من الخشب، انتهى. [شنش وسهيل وتدمير] وبحصن شنش (٤) على مرحلة من المرية التوت الكثير، وفيها الحرير والقرمز، ويعرف واديها بوادي طبرنش. وبغربي مالقة عمل سهيلٍ، وهو عمل عظيم كثير الضياع، وفيه جبل سهيل لا يرى نجم سهيل بالأندلس إلى منه. ومن كور الأندلس الشرقية تدمير، وتسمى مصر أيضاً (٥) لكثرة شبهها بها، لأن لها أرضاً يسيح عليها نهر في وقت مخصوص من السنة، ثم ينضب عنها، فتزرع كما تزرع أرض مصر، وصارت القصبة بعد تدمير مرسية، وتسمى البستان، لكثرة جناتها المحيطة بها، ولها نهرٌ يصب في قبليها.

стр. 184

[أقاليم الأندلس وكور كل إقليم] واعلم أن جزيرة الأندلس - أعادها الله للإسلام - مشتملة على موسطة وشرق، وغرب: فالموسطة فيها من القواعد الممصرة التي كل مدينة منها مملكة مستقلة لها أعمال ضخام وأقطار متسعة: قرطبة، وطليطلة، وجيّان، وغرناطة، والمريّة، ومالقة؛ فمن أعمال قرطبة إستجة وبلكونة وقبرة ورندة وغافق والمدور وأسطبة وبيّانة واليسّانة والقصير (١) وغيرها، ومن أعمال طليطلة وادي الحجارة وقلعة رباح وطلمنكة وغيرها (٢) ، ومن أعمال جيّان أبّذة وبيّاسة وقسطلّة وغيرها (٣) ، ومن أعمال غرناطة وادي آش والمنكّب (٤) ولوشة وغيرها،

стр. 185

ومن أعمال المرية أندرش (١) وغيرها، ومن أعمال مالقة بلّش والحامة (٢) وغيرهما، وببلّش من الفواكه ما بمالقة، وبالحامة العين الحارة على ضفة واديها. وأمّا شرق الأندلس ففيه من القواعد: مرسية، وبلنسية، ودانية والسهلة، والثغر الأعلى؛ فمن أعمال مرسية أوريولة والقنت ولورقة وغير ذلك (٣) ، ومن أعمال بلنسية شاطبة ويضرب بحسنها المثل ويعمل بها الورق الذي لا نظير له وجزيرة شقر وغير ذلك (٤) ، وأما دانية فهي شهيرة ولها أعمال، وأمّا السهلة (٥) فإنّها متوسطة بين بلنسية وسرقسطة ولذا عدّها بعضهم من كور الثغر الأعلى ولها مدن وحصون، ومن أعمال الثغر الأعلى: سرقسطة وهي أم ذلك الثغر، وكورة لاردة، وقلعة رباح (٦) ، وتسمى بالبيضاء، وكورة تطيلة، ومدينتها طرسونة، وكورة وشقة (٧) ، ومدينتها تمريط، وكورة مدينة سالم، وكورة قلعة أيوب، ومدينتها مليانة (٨) ، وكورة بربطانية (٩) ، وكورة باروشة.

стр. 186

وأما غرب الأندلس ففيه: إشبيلية، وماردة، وأشبونة، وشلب؛ فمن أعمال إشبيلية شريش والخضراء ولبلة وغيرها، ومن أعمال ماردة بطليوس ويابرة وغيرهما، ومن أعمال أشبونة شنترين وغيرها، ومن أعمال شلب شنت مرية (١) وغيرها. [الجزر البحرية] وأما الجزر البحرية بالأندلس فمنها جزيرة قادس، وهي من أعمال إشبيلية، وقال ابن سعيد: إنها من كورة شريش، ولا منافاة لأن شريشاً من أعمال إشبيلية كما مر، قال: وبيد صنم قادس مفتاح، ولمّا ثار بقادس ابن أخت القائد أبي عبد الله بن ميمون - وهو عليّ بن عيسى قائد البحر بها - ظن أن تحت الصنم مالاً فهدمه فلم يجد شيئاً (٢) ، انتهى. وهي - أعني جزيرة قادس - في البحر المحيط؛ وفي المحيط الجزائر الخالدات السبع، وهي غربي مدينة سلا تلوح للناظر في اليوم الصاحي الخالي الجوّ من الأبخرة الغليظة، وفيها سبعة أصنام على أمثال الآدميين، تشير أن لا عبور ولا مسلك وراءها. وفيه بجهة الشمال جزائر السعادات، وفيها من المدن والقرى ما لا يحصى، ومنها يخرج قوم يقال لهم المجوس على دين النصارى: أولها جزيرة برطانية، وهي بوسط البحر المحيط بأقصى شمال الأندلس، ولا جبال فيها، ولا عيون، وإنّما يشربون من ماء المطر، ويزرعون عليه. قال ابن سعيد: وفيه جزيرة شلطيش (٣) ، وهي آهلة وفيها مدينة، وبحرها

стр. 187

كثير السمك، ومنها يحمل مملّحاً إلى إشبيلية، وهي من كورة لبلة (١) مضافة إلى عمل أونبة، انتهى. [قرطاجنة وخواصها] وقال بعضهم، لما أجرى ذكر قرطاجنة من بلاد الأندلس: إن الزرع في بعض أقطارها يكتفي بمطرة واحدة، وبها أقواس من الحجارة المقربصة (٢) ، وفيها من التصاوير والتماثيل وأشكال الناس وصور الحيوانات ما يحير البصر والبصيرة، ومن أجب بنائها الدواميس (٣) ، وهي أربعة وعشرون على صف واحد من حجارة مقربصة، طول كل داموس مائة وثلاثون خطوة في عرض ستين خطوة، وارتفاع كل واحد أكثر (٤) من مائتي ذراع، بين كل داموسين أنقاب محكمة تتصل فيها المياه من بعضها إلى بعض في العلوّ الشاهق بهندسة عجيبة وإحكام بديع، انتهى. قلت: أظن هذا غلطاً؛ فإن قرطاجنة التي بهذه الصفة قرطاجنة إفريقية (٥) ، لا قرطاجنة الأندلس، والله أعلم. وقال صاحب مناهج الفكر، عندما ذكر قرطاجنة: وهي على البحر الرومي مدينة قديمة بقي منها آثار، لها فحص طوله ستة أيام وعرضه يومان

стр. 188

معمور بالقرى، انتهى. وذكر قبل ذلك في لورقة أن بناحيتها يوجد حجر اللازورد. وفي البحر الشامي الخارج من المحيط جزيرتا ميورقة ومنورقة، وبينهما خمسون ميلاً، وجزيرة ميورقة مسافة يوم، بها مدينة حسنة، وتدخلها ساقية جارية على الدوام، وفيها يقول ابن اللّبّانة (١) : بلدٌ أعارته الحمامة طوقها ... وكساه حلّة ريشه الطاووس (٢) فكأنّما الأنهار فيه مدامةٌ ... وكأنّ ساحات الديار كؤوس وقال يخاطب ملكها (٣) ذلك الوقت: وغمرت (٤) بالإحسان أرض ميورقةٍ ... وبنيت ما لم يبنه الاسكندر وجزيرة يابسة. واستقصاء ما يتعلق بهذا الفصل يطول، ولو تتبّع لكان تأليفاً مستقلاً، وما أحسن قول ابن خفاجة (٥) :

стр. 189

إنّ للجنّة بالأندلس ... مجتلى حسنٍ وريّا نفس فسنا صبحتها من شنبٍ ... ودجى ليلتها من لعس وإذا ما هبت الريح صباً ... صحت واشوقي إلى الأندلس وقال بعضهم في طليطلة: زادت طليطلةٌ على ما حدّثوا ... بلدٌ عليه نضرةٌ ونعيم الله زيّنه فوشّح خصره ... نهر المجرّة والغصون نجوم [رسالة أبي البحر في تغاير مدن الأندلس] ولا حرج إن أوردنا هنا ما خاطب به أديب الأندلس أبو بحر صفوان بن إدريس الأمير عبد الرحمن ابن السلطان يوسف بن عبد المؤمن بن علي، فإنّه مناسب، ونصّه (١) : مولاي، أمتع الله ببقائك الزمان وأبناءه، كما ضمّ على حبّك أحناءهم وأحناءه، ووصل لك ما شئت من اليمن والأمان، كما نظم قلائد فخرك على لبّة الدهر نظم الجمان، فإنّك الملك الهمام، والقمر التمام، أيّامك غرر وحجول، وفرند بهائها في صفحات الدهر يجول، ألبست الرعية برود التأمين، فتنافست فيك من نفيسٍ ثمين، وتلقّت دعوات خلدك لها باليمين، فكم للناس، من أمنٍ بك وإيناس، وللأيام، من لوعة فيك وهيام، وللأقطار، من لبانات لديك وأوطار، وللبلاد، من قراع لها على تملكك لها وجلاد، يتمنّون شخصك الكريم على الله ويقترحون، ويغتبقون في رياض ذكرك العاطر بمدام حبّك ويصطبحون، " كلّ حزبٍ بما لديهم فرحون " محبةً من الله ألقاها لك حتى على الجماد، ونصراً

стр. 190

مؤزّراً تنطق (١) به ألسنة السيوف على أفواه الأغماد، ومن أسرّ سريرة ألبسه الله رداءها، ومن طوى حسن نية ختم الله له بالجميل إعادتها وإبداءها، ومن قدّم صالحاً فلا بدّ أن يوازيه، ومن يفعل الخير لا يعدم جوازيه (٢) . ولما تخاصمت فيك من الأندلس الأمصار، وطال بها الوقوف على حبّك والاقتصار، كلّها يفصح قولاً، ويقول: أنا أحقّ وأولى، ويصيخ إلى إجابة دعوته ويصغي، ويتلو إذا بشّر بك " ذلك ما كنّا نبغ "، تنمّرت حمص غيظاً، وكادت تفيظ فيظاً، وقالت: ما لهم يزيدون وينقصون، ويطمعون ويحرصون " إن يتّبعون إلاّ الظنّ وإن هم إلاّ يخرصون ". لي (٣) السّهم الأسدّ، والساعد الأشدّ، والنهر الذي يتعاقب عليه الجزر والمدّ، أنا مصر الأندلس والنيل نهري، وسماء (٤) التأنّس والنجوم زهري، إن تجاريتم في ذلك (٥) الشرف، فحسبي أن أفيض في ذكر الشرف (٦) ، وإن تبجحتم (٧) بأشرف اللبوس، فأي إزار اشتملتموه كشنتبوس (٨) ، لي ما شئت من أبينة رحاب، وروضٍ يستغني بنضرته عن السّحاب، قد ملأت زهراتي وهاداً ونجاداً، وتوشّح سيف نهري بحدائقي نجاداً، فأنا أولاكم بسيّدنا الهمام وأحقّ، " الآن حصحص الحق ". فنظرتها قرطبة شزراً، وقالت: لقد كثّرت نزرا، وبذرت في الصخر

стр. 191

الأصمّ بزرا، كلام العدى ضربٌ من الهذيان (١) ، وأنّى للإيضاح والبيان، متى استحال المستقبح مستحسناً، ومن أودع أجفان المهجور وسناً " أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسناً ". يا عجباً للمراكز تقدّم على الأسنة، وللأثفار تفضّل على الأعنّة، إن ادّعيتم سبقا، فما عند الله خيرٌ وأبقى: لي البيت المطهّر الشريف، والاسم الذي ضرب عليه رواقه التعريف، في بقيعي محل الرجال الأفاضل، فليرغم أنف المناضل، وفي جامعي مشاهد ليلة القدر، فحسبي من نباهة القدر، فما لأحدٍ أن يستأثر عليّ بهذا السيّد الأعلى، ولا أرتضي (٢) له أن يوطئ غير ترابي نعلاً، فأقرّوا لي بالأبوة، وانقادوا على حكم البنوّة، " ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّةٍ " وكفوا عن تباريكم " ذلكم خيرٌ لكم عند باريكم ". فقالت غرناطة: لي المعقل الذي يمتنع ساكنه (٣) من النجوم، ولا تجري إلا تحته جياد الغيم (٤) السّجوم، فلا يلحقني من معاند ضررٌ ولا حيف، ولا يهتدي إليّ خيالٌ طارق ولا طيف، فاستسلموا قولاً وفعلاً، فقد أفلح اليوم من استعلى، لي بطاح تقلدت من جداولها أسلاكاً، وأطلعت كواكب زهرها فعادت أفلاكاً، ومياه تسيل على أعطافي كأدمع العشاق، وبرد نسيم يردّ ذماء (٥) المستجير بالانتشاق، فحسني لا يطمع فيه ولا يحتال، فدعوني فكل ذات ذيل تختال، فأنا أولى بهذا السيّد الأعدل، وما لي به من عوض ولا بدل، ولم لا يعطف عليّ عنان مجده ويثني، وإن أنشد يوماً فإياي يعني (٦) :

стр. 192

بلاد بها عقّ الشباب تمائمي ... وأول أرضٍ مسّ جلدي ترابها فما لكم تعتزون لفخري وتنتمون، وتتأخرون في ميداني وتتقدمون، تبرأوا إليّ مما تزعمون " ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون ". فقالت مالقة: أتتركوني بينكم هملاً، ولم تعطوني في سيّدنا أملاً، ولم ولي البحر العجاج، والسّبل الفجاج (١) ، والجنّات الأثيرة، والفاكهة الكثيرة؛ لديّ من البهجة ما تستغني به الحمام عن الهديل، ولا تجنح الأنفس الرقاق الحواشي إلى تعويض عنه ولا تبديل، فما لي لا أعطى في ناديكم كلاماً، ولا أنشر في جيش فخاركم أعلاماً؟ فكأن الأمصار نظرتها ازدراءً، فلم تر لحديثها في ميدان الذكر إجراءً، لأنها موطن لا يحلى منه بطائلٍ، ونظن البلاد تأوّلت فيها قول القائل: إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخيرٌ من إجابته السّكوت فقالت مرسية: أمامي تتعاطون الفخر، وبحضرة الدّرّ تنفّقون الصخر؟ إن عدّت المفاخر، فلي منها الأول والآخر، أين أوشالكم من بحري، وخرزكم من لؤلؤ نحري، وجعجعتكم من نفثات سحري؟ فلي الروض النّضير، والمرأى الذي ما له من نظير، وزنقاتي (٢) التي سار مثلها في الآفاق، وتبرقع وجه جمالها بغرّة الإصفاق، فمن دوحات، كم لها من بكور وروحات، ومن أرجاء، إليها تمدّ أيدي الرجاء، فأبنائي فيها (٣) في الجنة الدنيوية مودعون، يتنعمون فيما يأخذون ويدعون، ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم فيها ما يدّعون. فانقادوا لأمري، وحاذروا اصطلاء جمري، وخلّوا

стр. 193

بيني وبين سيّدنا أبي زيد، وإلا ضربتكم ضرب زيد (١) ، فأنا أولاكم بهذا الملك المستأثر بالتعظيم " وما يلقّاها إلاّ ذو حظٍّ عظيم ". فقالت بلنسية: فيم الجدال والقراع؟ وعلام الاستهام والاقتراع؟ وإلام التعريض والتصريح؟ وتحت الرّغوة اللبن الصريح (٢) ، أنا أحوزه من دونكم، فأخمدوا ناري تحرّككم وهدونكم، فلي المحاسن الشامخة الأعلام، والجنات التي تلقي إليها الآفاق يد الاستسلام، وبرصافتي وجسري أعارض مدينة السلام (٣) ، فأجمعوا على الانقياد لي والسلام، وإلاّ فعضّوا بناناً، واقرعوا أسناناً، فأنا حيث لا تدركون وأنّى، ومولانا لا يهلكنا بما فعل السفهاء منّا. فعند ذلك ارتمت جمرة تدمير بالشّرار، واستدّت (٤) أسهمها لنحور الشّرار، وقالت: عش رجباً، تر عجباً، أبعد العصيان والعقوق، تتهيئين لرتب ذوي الحقوق؟ هذه سماء الفخر فمن ضمك أن تعرجي، ليس بعشّك فادرجي (٥) ، لك الوصب والخبل " آلآن وقد عصيت قبل "، أيّتها الصانعة الفاعلة، من أدّاك أن تطرّي وما أنت ناعلة (٦) ؟ ما الذي يجديك الروض والزّهر؟ أم ما يفيدك الجدول والنهر؟ وهل يصلح العطّار وما أفسد الدّهر (٧) ؟ هل أنت إلاّ محطّ رحل النفاق، ومنزلٌ ما

стр. 194

لسوق الخصب فيه من نفاق؟ ذراك لا يكتحل الطرف فيه بهجوع، وقراك لا يسمن ولا يغني من جوع، فإلام تبرز الإماء في منصّة العقائل؟ ولكن اذكري قول القائل (١) : بلنسيةٌ بيني عن القلب سلوةً ... فإنّك روضٌ لا أحنّ لزهرك وكيف يحبّ المرء داراً تقسّمت ... على صارمي جوعٍ وفتنة مشرك بيد أنّي أسأل الله تعالى أن يوقد من توفيقك ما خمد، يسيل من تسديدك ما خمد، ولا يطيل عليك في الجهالة الأمد، وإيّاه سبحانه نسأل أي يردّ سيّدنا ومولانا إلى أفضل عوائده، ويجعل مصائب أعدائه من فوائده، ويمكّن حسامه من رقاب المشغّبين، ويبقيه وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين، ويصل له تأييداً وتأبيداً، ويمهّد له الأيام حتى تكون الحرار لعبيد عبيده (٢) عبيداً، ويمد على الدنيا بساط سعده، ويهبه ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده: آمين آمين لا أرضى بواحدةٍ ... حتّى أضيف إليها ألف آمينا ثم السلام الذي يتأنّق عبقاً ونشراً، ويتألّق رونقاً وبشراً، على حضرتهم العليّة، ومطالع أنوارهم الجليّة (٣) ، ورحمة الله تعالى وبركاته، انتهى. [عودٌ إلى ذكر غرناطة] ولما ألمّ الرحّلة ابن بطوطة في رحلته بدخوله لبلاد (٤) الأندلس - أعادها

стр. 195

الله تعالى للإسلام - قال (١) : فوصلت إلى بلاد الأندلس - حرسها الله تعالى - حيث الأجر موفور للساكن، والثواب مذخور للمقيم والظاعن، إلى أن قال عند ذكره (٢) غرناطة ما نصّه: قاعدة بلاد الأندلس، وعروس مدنها، وخارجها لا نظير له في الدنيا، وهو مسيرة أربعين ميلاً، يخترقه نهر شنيل المشهور، وسواه من الأنهار الكثيرة، والبساتين (٣) والجنّات والرياضات والقصور، والكروم محدقة بها من كل جهة، ومن عجيب مواضعها عين الدمع، وهو جبل فيه الرياضات والبساتين، لا مثل له بسواها، انتهى. وقال الشقندي: غرناطة دمشق بلاد الأندلس، ومسرح الأبصار، ومطمح الأنفس، ولم تخل من أشرافٍ أماثل، وعلماء أكابر، وشعراء أفاضل، ولو لم يكن بها إلا ما خصّها الله تعالى به من كونها قد نبغ فيها النساء الشواعر كنزهون القلعية والرّكونية (٤) وغيرهما، وناهيك بهما في الظّرف والأدب، انتهى. ولبعضهم يتشوّق إلى غرناطة فيما ذكر بعض المؤرخين، والصواب أن الأبيات قيلت في قرطبة كما مرّ (٥) ، والله أعلم: أغرناطة الغرّاء هل لي أوبةٌ ... إليك؟ وهل يدنو لنا ذلك العهد؟ سقى الجانب الغربيّ منك غمائمٌ (٦) ... وقعقع في ساحت روضتك الرّعد لياليك أسحارٌ، وأرضك جنّةٌ، ... وتربك في استنشاقها عنبرٌ ورد وقال ابن مالك الرّعيني:

стр. 196

رعى الله بالحمراء عيشاً قطعته ... ذهبت به للأنس، والليل قد ذهب ترى الأرض منها فضّةً فإذا اكتست ... بشمس الضّحى عادت سبيكتها ذهب وهو القائل: لا تظنّوا أنّ شوقي خمدا ... بعدكم أو أنّ دمعي جمدا كيف أسلو عن أناسٍ مثلهم ... قلّ أن تبصر عيني أحدا وغرناطة من أحسن بلاد الأندلس، وتسمى بدمشق الأندلس، لأنّها أشبه شيء بها، ويشقّها نهر حدره، ويطلّ عليها الجبل المسمى بشلير الذي لا يزول الثلج عنه شتاءً وصيفاً، ويجمد عليه حتى يصير كالحجر الصّلد، وفي أعلاه الأزاهر الكثيرة، وأجناس الأفاويه الرفيعة، ونزل بها أهل دمشق لمّا جاءوا إلى الأندلس لأجل الشبه المذكور، وقرى غرناطة - فيما ذكر بعض المتأخرين - مائتان وسبعون قرية. وقال ابن جزيّ (١) مرتّب رحلة ابن بطوطة، بعد ذكره كلامه، ما نصّه: قال ابن جزيّ: لولا خشية أن أنسب إلى العصبية لأطلت القول في وصف غرناطة، فقد وجدت مكانه، ولكنّ ما اشتهر كاشتهارها لا معنى إطالة القول فيه، ولله درّ شيخنا أبي بكر ابن محمد بن شبرين السبتي (٢) نزيل غرناطة حيث يقول: رعى الله من غرناطة متبوّأ ... يسرّ حزيناً أو يجير طريداً تبرّم منها صاحبي عندما رأى ... مسارحها بالثلج عدن جليداً

стр. 197

هي الثّغر صان الله من أهلت به ... وما خير ثغرٍ لا يكون بروداً؟! وقال ابن سعيد عندما أجرى ذكر قرية نارجة - وهي قريةٌ كبيرةٌ تضاهي المدن، قد أحدقت بها البساتين، ولها نهرٌ يفتن الناظرين، وهي من أعمال مالقة -: إنّه اجتاز مرة عليها مع والده أبي عمران موسى، وكان ذلك زمان صباغة (١) الحرير عندهم، وقد ضربوا في بطن الوادي بين مقطعاته خيماً، وبعضهم يشرب وبعضهم يغني ويطرب، وسألوا: بم يعرف ذلك الموضع؟ فقالوا: الطراز، فقال والدي: اسم طابق مسمّاه، ولفظ وافق معناه، وقد وجدت مكان القول ذا سعةٍ ... فإن وجدت لساناً قائلاً فقل ثم قال أجز: بنارجةٍ حيث الطراز المنمنم فقلت: أقم فوق نهرٍ ثغره يتبسّم فقال: وسمعك نحو الهاتفات فإنّها فقلت: لما أبصرت من بهجة تترنّم فقال: أيا جنّة الفردوس لست بآدمٍ فقلت: فلا يك حظّي من جناك التندّم فقال: يعزّ علينا أن نزورك مثل ما فقلت: يزور خيالٌ من سليمى مسلّم فقال: فلو أنني أعطى الخيار لما عدت فقلت: محلّك لي عينٌ بمرآك تنعم فقال: بحيث الصّبا والطّلّ من نفثاتها

стр. 198

فقلت: وقت لسع روض فيه للنهر أرقم فقال: فوا أسفي إن لم تكن لي عودةٌ فقلت: فكن مالكاً إنّي عليك متمّم فقال: فأحسب هذا آخر العهد بيننا فقلت: وقد يلحظ الرّحمن شوقي فيرحم فقال: سلامٌ سلامٌ لا يزال مردّداً فقلت: عليك ولا زالت بك السّحب تسجم [بلنسية وبعض قراها] وقال ابن سعيد (١) : إن كورة بلنسية من شرق الأندلس تنبت الزعفران (٢) ، وتعرف بمدينة التراب، وبها كمثرى تسمى الأرزة (٣) في قدر حبّة العنب، قد جمع مع حلاوة المطعم (٤) ذكاء الرائحة، إذا دخل داراً عرف بريحه، ويقال: إن ضوء بلنسية يزيد على ضوء سائر بلاد الأندلس، وبها منازه (٥) ومسارح، ومن أبدعها وأشهرها الرّصافة ومنية ابن أبي عامر. وقال الشرف أبو جعفر بن مسعدة الغرناطي من أبيات فيها: هي الفردوس في الدنيا جمالاً ... لساكنها وكارهها (٦) البعوض وقال بعضهم فيها (٧) :

стр. 199

ضاقت بلنسية بي ... وذاد عنّي غموضي رقص البراغيث فيها ... على غناء البعوض وفيها لابن الزقاق البلنسي (١) : بلنسيةٌ إذا فكّرت فيها ... وفي آياتها أسنى البلاد وأعظم شاهدي منها عليها ... وأنّ جمالها للعين بادي كساها ربّها ديباج حسنٍ ... له علمان من بحرٍ ووادي وقال ابن سعيد أيضاً: أنشدني والدي قال: أنشدني مروان بن عبد الله ابن عبد العزيز ملك بلنسية (٢) لنفسه بمراكش قوله (٣) : كأنّ بلنسيةً كاعبٌ ... وملبسها سندسٌ أخضر إذا جئتها سترت نفسها ... بأكمامها فهي لا تظهر وأمّا قول أبي عبد الله بن عياش " بلنسية بيني - البيتين " وقد سبقا (٤) ، فقال ابن سعيد: إن ذلك حيث صارت ثغراً يصابحها العدوّ ويماسيها، انتهى. وقال أبو الحسن بن حريق يجاوب ابن عياش (٥) : بلنسيةٌ قرارة كلّ حسنٍ ... حديثٌ صحّ في شرقٍ وغرب

стр. 200

فإن قالوا محلّ غلاء سعرٍ ... ومسقط ديمتي طعنٍ وضرب فقل هي جنّةٌ حفّت رباها ... بمكروهين من جوعٍ وحرب وقال الرّصافي في رصافتها (١) : ولا كالرّصافة من منزلٍ ... سقته السحائب صوب الوليّ أحنّ إليها ومن لي بها ... وأين السّريّ من الموصليّ وقال ابن سعيد: وبرصافة بلنسية مناظر وبساتين ومياه، ولا نعلم في الأندلس ما يسمى بهذا الاسم إلا هذه ورصافة قرطبة، انتهى. ومن أعمال بلنسية قرية المنصف التي منها الفقيه الزاهد أبو عبد الله المنصفي وقبره كان بسبتة يزار، رحمه الله تعالى، ومن نظمه (٢) : قالت لي النّفس أتاك الردى ... وأنت في بحر الخطايا مقيم فما ادّخرت الزاد، قلت: اقصري ... هل يحمل الزاد لدار الكريم ومن عمل بلنسية قرية بطرنة، وهي التي كانت فيها الوقيعة المشهورة للنصارى على المسلمين، وفيها يقول أبو إسحاق بن معلّى الطرسوني (٣) : لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم ... حلل الحرير عليكم ألوانا ما كان أقبحهم وأحسنكم بها ... لو لم يكن ببطرنةٍ ما كانا ومن عمل بلنسية متّيطة التي نسب إليها جماعةٌ من العلماء والأدباء.

стр. 201

ومن عمل بلنسية مدينة أندة التي في جبلها معدن الحديد، وأما رندة - بالراء - فهي في متوسط الأندلس، ولها حصنٌ يعرف بأندة أيضاً. [متفرجات إشبيلية] وفي إشبيلية - أعادها الله - من المتفرّجات والمتنزهات كثيرٌ، ومن ذلك مدينة طريانة، فإنّها من مدن إشبيلية ومتنزهاتها، وكذلك تيطل، فقد ذكر ابن سعيدٍ جزيرة تيطل (١) في المتفرجات. [موسى بن سعيدٍ يأبى فراق الأندلس] وقال أبو عمران موسى بن سعيدٍ في جوابه لأبي يحيى صاحب سبتة لما استوزره مستنصر بني عبد المؤمن، وكتب إلى المذكور يرغبه في النقلة عن الأندلس إلى مرّاكش، ما نصّ محلّ الحاجة منه: وأمّا ما ذكر سيّدي من التخيير بين ترك الأندلس وبين الوصول إلى حضرة مراكش، فكفى الفهم العالي من الإشارة قول القائل: والعزّ محمودٌ وملتمسٌ ... وألذّه ما نيل (٢) في الوطن فإذا نلت بك السماء في تلك الحضرة، فعلى من أسود فيها؟ ومن ذا أضاهي بها؟ لا رقت بي همةٌ إن لم أكن ... فيك قد أمّلت فوق (٣) الأمل وبعد هذا، فكيف أفارق الأندلس وقد علم سيّدي أنها جنّة الدنيا بما

стр. 202

حباها الله به من اعتدال الهواء، وعذوبة الماء، وكثافة الأفياء، وأن الإنسان لا يبرح فيها بين قرّة عينٍ وقرار نفسٍ: هي الأرض لا وردٌ لديها مكدّرٌ ... ولا ظلّ مقصورٌ ولا روضٌ مجدب أفقٌ صقيلٌ، وبساطٌ مدبّجٌ، وماءٌ سائحٌ، وطائرٌ مترنمٌ بليلٌ، وكيف يعدل الأديب عن أرضٍ على هذه الصفة؟ فيا سموأل الوفاء، ويا حاتم السماح، ويا جذيمة الصفاء، كمّل لمن أمّلك النعمة بتركه في موطنه، غير مكدّرٍ لخاطره بالتحرك من معدنه، ملتفتاً إلى قول القائل (١) : وسوّلت لي نفسي أن أفارقها ... والماء في المزن أصفى منه في الغدر فإن أغناه اهتمام مؤمّله عن ارتياد المراد، وبلّغه دون أن يشد قتباً ولا أن ينضي عيساً غاية المراد، أنشد ناجح المرغوب، بالغ المطلوب: وليس الذي يتّبّع الوبل رائداً ... كمن جاءه في داره رائد الوبل وربّ قائلٍ إذا سمع هذا التبسط على الأماني: ماله تشطّط، وعدل عن سبيل التأدب وتبسّط؟ ولا جواب عندي إلاّ قول القائل: فهذه خطّة مازلت أرقبها ... فاليوم أبسط آمالي وأحتكم وما لي لا أنشد ما قاله المتنبي في سيف الدولة (٢) : ومن كنت بحراً له يا عليّ ... لم يقبل الدّرّ إلاّ كبارا انتهى المقصود منه.

стр. 203

[شريش ومجبناتها] وقال الحجاري: إن مدينة شريش (١) بنت إشبيلية، وواديها ابن واديها، ما أشبه سعدى بسعيد، وهي مدينةٌ جليلةٌ ضخمة الأسواق، لأهلها هممٌ، وظرفٌ في اللباس، وإظهار الرفاهية، وتخلّقٌ بالآداب، ولا تكاد ترى بها إلاّ عاشقاً ومعشوقاً، ولها من الفواكه ما يعم ويفضل، وممّا اختصت به إحسان الصنعة في المجبنات، وطيب جبنها يعين على ذلك، ويقول أهل الأندلس: من دخل شريش ولم يأكل بها المجبنات فهو محروم، انتهى. (والمجبنات: نوع من القطائف يضاف إليها الجبن في عجينها، وتقلى بالزيت الطيّب) (٢) . [شلب وكورة أكشونبة] وفي شلب (٣) يقول الفاضل الكاتب أبو عمرو (٤) بن مالك بن سيدمير: أشجاك النسيم حين يهبّ ... أم سنى البرق إذ يخبّ ويخبو أم هتوفٌ على الأراكة تشدو ... أم هتونٌ من الغمامة سكب كلّ هذاك للصّبابة داعٍ ... أيّ صبٍّ دموعه لا تصبّ أنا لولا النسيم والبرق والور ... ق وصوب الغمام ما كنت أصبو ذكرتني شلباً وهيهات منّي ... بعدما استحكم التّباعد شلب وتسمى أعمال شلب كورة أكشونبة، وهي متصلة بكورة أشبونة، وهي - أعني أكشونبة - قاعدةٌ جليلةٌ، لها مدنٌ ومعاقلٌ، ودار ملكها قاعدة شلب،

стр. 204

وبينها وبين قرطبة سبعة أيام، ولما صارت لبني عبد المؤمن ملوك مراكش أضافوها إلى كورة إشبيلية، وتفتخر شلب بكون ذي الوزارتين ابن عمّار منها (١) ، سامحه الله. ومنها القائد أبو مروان عبد الملك بن بدران، وربما قيل " ابن بدرون " (٢) الأديب المشهور، شارح قصيدة ابن عبدون التي أولها (٣) : الدّهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصّور وهذا الشرح شهيرٌ بهذه البلاد المشرقية، ومن نظم ابن بدرون المذكور قوله: العشق لذّته التّعنيق والقبل ... كما منغّصه التثريب والعذل يا ليت شعري هل يقضى وصالكم ... لولا المنى لم يكن ذا العمر يتّصل ومنها نحويّ زمانه وعلاّمته أبو محمد عبد الله بن السّيد البطليوسي (٤) ، فإن شلباً بيضته، ومنها كانت حركته ونهضته، كما في الذخيرة، وهو القائل: إذا سألوني عن حالتي ... وحاولت عذراً فلم يمكن أقول: بخيرٍ، ولكنّه ... كلامٌ يدور على الألسن وربّك يعلم ما في الصّدور ... ويعلم خائنة الأعين

стр. 205

[أشعارٌ في بطليوس وشاطبة وبرجة] وقال الوزير أبو عمرو بن الفلاّس (١) يمدح بطليوس بقوله: بطليوس لا أنساك ما اتّصل البعد ... فلله غورٌ في جنابك أو نجد ولله دوحاتٌ تحفّك بينها ... تفجّر واديها كما شقّق البرد وبنو الفلاّس من أعيان حضرة بطليوس، وأبو عمرو المذكور أشهرهم، وهو من رجال الذخيرة والمسهب، رحمه الله تعالى. وفي شاطبة يقول بعضهم (٢) : نعم ملقى الرّحل شاطبةٌ ... لفتىً طالت به الرّحل بلدةٌ أوقاتها سحرٌ ... وصباً في ذيله بلل ونسيمٌ عرفه أرجٌ ... ورياضٌ غصنها ثمل ووجوهٌ كلّها غررٌ ... وكلامٌ كلّه مثل وفي برجة يقول بعضهم: إذا جئت برجة مستوفزاً ... فخذ في المقام وخلّ السّفر فكلّ مكانٍ بها جنّةٌ ... وكلّ طريقٍ إليها سقر وقد تقدّم هذان البيتان (٣) . [رسالة للسان الدين في تفضيل الجهاد على الحج] واعلم أنّه لو لم يكن للأندلس من الفضل سوى كونها ملاعب الجياد للجهاد

стр. 206

لكان كافياً، ويرحم الله لسان الدين بن الخطيب حيث كتب على لسان سلطانه إلى بعض العلماء العاملين ما فيه إشارةٌ إلى بعض ذلك، ما نصّه: من أمير المسلمين فلان، إلى الشيخ كذا ابن الشيخ كذا، وصل الله له سعادةً تجذبه، وعنايةً إليه تقرّبه، وقبولاً منه يدعوه إلى خير ما عند الله ويندبه، سلامٌ كريمٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، أمّا بعد حمد الله المرشد المثيب، السميع المجيب، معوّد اللطف الخفي والصنع العجيب، المتكفّل بإنجاز وعد النصر العزيز والفتح القريب، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمدٌ رسوله ذي القدر الرفيع والعز المنيع والجناب الرحيب، الذي به نرجو ظهور عبدة الله على عبدة الصليب، ونستظهر منه على العدو بالحبيب، ونعدّه عدّتنا لليوم العصيب، والرضا عن آله وصحبه الذين فازوا من مشاهدته بأوفى النصيب، ورموا إلى هدف مرضاته بالسّهم المصيب، فإنّا كتبناه إليكم - كتب الله تعالى لكم عملاً صالحاً يختم الجهاد صحائف بره، وتتمحّض لأن تكون كلمة الله هي العليا جوامع أمره، وجعلكم ممن تنهى في الأرض التي فتح فيها أبواب الجنة حصة (١) عمره - من حمراء غرناطة - حرسها الله تعالى - ولطف الله هامي السحاب، وصنعه رائق الجناب، والله يصل لنا ولكم ما عوّده من صلة لطفه عند انبتات الأسباب، وإلى هذا أيها المولى (٢) الذي هو بركة المغرب المشار إليه بالبنان، وواحده في رفعة الشان، المؤثر ما عند الله على الزخرف الفتّان، المتقلّل من المتاع الفان، المستشرف إلى مقام العرفان، من درج الإسلام والإيمان والإحسان، فإنّنا لما نؤثره من بركم الذي نعدّه من الأمر الأكيد، ونضمره من ودكم الذي نحلّه (٣) محل الكنز العتيد، ونلتمسه من دعائكم التماس العدة والعديد، لا نزال نسأل

стр. 207

عن أحوالكم التي ترقّت في أطوار السعادة، ووصلت جناب الحقّ بهجر العادة، وألقت إلى يد التسليم لله والتوكل عليه بالمقادة، فنسرّ بما هيأ الله تعالى لكم من القبول، وبلّغكم من المأمول، وألهمكم من الكلف بالقرب إليه والوصول، والفوز بما لديه والحصول. وعندما رد الله تعالى علينا ملكنا الرد الجميل، وأنّالنا فضله الجزيل، وكان لعثارنا المقيل، خاطبناكم بذلك لمكانكم من ودادنا، ومحلّكم من حسن اعتقادنا، ووجّهنا إلى وجهة دعائكم وجه اعتدادنا، والله ينفعنا بجميل الظن في دينكم المتين، وفضلكم المبين، ويجمع الشّمل بكم في الجهاد عن الدين. وتعرّفنا الآن ممّن له بأنبائكم اعتناء، وعلى جلالكم حمدٌ وثناء، ولجناب ودّكم اعتزاء وانتماء، بتجاول عزمكم بين حجٍّ مبرورٍ ترغبون من أجره في ازدياد، وتجددون العهد منه بأليف اعتياد، وبين رباطٍ في سبيل الله وجهادٍ، وتوثير مهاد بين ربىً أثيرةٌ عند الله ووهاد، يحشر يوم القيامة شهداؤها مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين، فرحين بما آتاهم الله من فضله، والله أصدق القائلين (١) الصادقين، حيث لا غرة لغير عدوّ الإسلام تتّقى، إلاّ لابتغاء ما لدى الله ترتقى، حيث رحمة الله قد فتحت أبوابها، وحور الجنان قد زينت أترابها، دار العرب الذين قرعوا باب الفتح، وفازوا بجزيل المنح، وخلدوا الآثار، وأرغموا الكفار، وأقالوا العثار، وأخذوا الثار، وأمنوا من لفح جهنم بما علا على وجوههم من ذلك الغبار، فكتبنا إليكم هذا نقوّي بصيرتكم على جهة الجهاد من العزمين، ونهيب بكم إلى إحدى الحسنيين، والصبح غير خافٍ على ذي عينين، والفضل ظاهرٌ لإحدى المنزلتين، فإنّكم إذا (٢) حججتم أعدتم فرضاً أديتموه، وفضلاً ارتديتموه، فائدته عليكم مقصورةٌ، وقضيته فيكم محصورةٌ، وإذا أقمتم الجهاد جلبتم إلى

стр. 208

حسناتكم عملاً غريباً، واستأنفتم سعياً من الله قريباً، وتعدّت المنفعة إلى ألوفٍ من النفوس، المستشعرة لباس البوس، ولو كان الجهاد بحيث يخفى عليكم فضله لأطنبنا، وأعنّة الاستدلال أرسلنا، هذا لو قدمتم على هذا الوطن وفضلكم غفل من الاشتهار، ومن به لا يوجب لكم ترفيع المقدار، فكيف وفضلكم أشهر من محيّا النهار، ولقاؤكم أشهى الآمال وآثر الأوطار، فإن قوي عزمكم والله يقوّيه، ويعيننا من برّكم على ما ننويه، فالبلاد بلادكم، وما فيها طريفكم وتلادكم، وكهولها إخوانكم، وأحداثها أولادكم، ونرجو أن تجدوا لذكركم الله في رباها حلاوةٌ زائدة، ولا تعدموا من روح الله فيها فائدة، وتتكيّف نفسكم فيها تكيّفاتٍ تقصر عنها خلوات السلوك، إلى ملك الملوك، حتى تغتبطوا بفضل الله الذي يوليكم، وتروا أثر رحمته فيكم وتخلفوا فخر هذا الانقطاع إلى الله في قبيلكم وبنيكم، وتختموا العمر الطيب بالجهاد الذي يعليكم، ومن الله تعالى يدنيكم، فنبيّكم العربي صلوات الله عليه وسلامه نبيّ الرحمة (١) والملاحم، ومعمل الصوارم، وبجهاد الفرنج ختم الناس عمل جهاده والأعمال بالخواتم، هذا على بعد بلادهم من بلاده، وأنتم أحقّ الناس بإقتفاء جهاده، والاستباق إلى آماده، هذا ما عندنا حثثناكم عليه، وندبناكم إليه، وأنتم في إيثار هذا الجوار، ومقارضة ما عندنا بقدومكم على بلادنا من الاستبشار، بحسب ما يخلق عنكم من بيده مقادة الاختيار، وتصريف الليل والنهار، وتقليب القلوب وإجالة الأفكار، وإذا تعارضت الحظوظ فما عند الله خير للأبرار، والدار الآخرة دار القرار، وخير الأعمال عملٌ أوصل إلى الجنّة وباعد من النار، ولتعلموا أن نفوس أهل الكشف والاطّلاع، بهذه الأرجاء والأصقاع، قد اتفقت أخبارها، واتحدت أسرارها، على البشارة بفتحٍ قرب أوانه، وأظلّ زمانه، فنرجو الله أن تكونوا ممّن يحضر مدعاه،

стр. 209

ويكرم فيه مسعاه، ويسلف فيه العمل الذي يشكره الله ويرعاه، والسلام الكريم يخصّكم ورحمة الله وبركاته، انتهى.؟ [تشبيه الأندلس بالعقاب] ولما دخل الأندلس أمير المسلمين عليّ ابن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللّمتوني ملك المغرب والأندلس، وأمعن النظر فيها، وتأمّل وصفها وحالها، قال: إنها تشبه عقاباً مخالبه طليطلة، وصدره قلعة رباح، ورأسه جيّان، ومنقاره غرناطة، وجناحه الأيمن باسط إلى المغرب، وجناحه الأيسر باسط إلى المشرق، في خبر طويل لم يحضرني الآن، إذ تركته مع كتبي بالمغرب، جمعني الله بها على أحسن الأحوال. [المخزومي الأعمى ونزهون الغرناطية] ومع كون أهل الأندلس سبّاق حلبة الجهاد، مهطعين إلى داعيه من الجبال والوهاد، فكان لهم في التّرف والنعيم والمجون ومداراة الشعراء خوف الهجاء محلٌ وثير المهاد، وسيأتي في الباب السابع من هذا القسم من ذلك وغيره ما يشفي ويكفي، ولكن سنح لي أن أذكر هنا حكاية أبي بكر المخزومي الهجاء المشهور الذي قال فيه لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة (١) : إنّه كان أعمى شديد الشر، معروفاً بالهجاء، مسلطاً على الأعراض، سريع الجواب، ذكي الذهن، فطناً للمعاريض، سابقاً في ميدان الهجاء، فإذا مدح ضعف شعره. والحكاية هي ما حكاه أبو الحسن ابن سعيد في الطالع السعيد، إذ قال حكاية عن أبيه فيما أظن: قدم المذكور - يعني المخزومي - على غرناطة أيام ولاية أبي بكر ابن سعيد،

стр. 210

ونزل قريباً مني، وكنت أسمع به بنار صاعقة يرسلها الله على من يشاء من عباده، ثم رأيت أن أبدأه بالتأنيس والإحسان، فاستدعيته بهذا الأبيات: يا ثانياً للمعرّي ... في حسن نظمٍ ونثر وفرط ظرفٍ ونبلٍ ... وغوص فهمٍ وفكر صل ثمّ واصل حفيّاً ... بكلّ برٍّ وشكر (١) وليس إلاّ حديثٌ ... كما وهى عقد درّ وشادنٌ يتغنّى ... على ربابٍ وزمر وما يسامح فيه ال ... غفور من كأس خمر وبيننا عهد حلفٍ ... لياسرٍ حلف كفر نعم فجدّده عهداً ... بطيب سكرٍ (٢) ويسر والكأس مثل رضاغٍ ... ومن كمثلك يدري ووجّه له الوزير أبو بكرٍ (٣) ابن سعيدٍ عبداً صغيراً قاده، فلمّا استقر به المجلس، وأفعمته روائح النّدّ والعود والأزهار، وهزّت عطفه الأوتار، وقال: دار السعيديّ ذي أم دار رضوان ... ما تشتهي النفس فيها حاضرٌ داني سقت أباريقها للندّ سحب ندىً ... تحدى برعدٍ لأوتارٍ وعيدان (٤) والبرق من كلّ دنٍّ ساكبٌ مطراً ... يحيا به ميت أفكارٍ وأشجان هذا النّعيم الذي كنّا نحدّثه ... ولا سبيل له إلاّ بآذان فقال له أبو بكرٍ ابن سعيدٍ: وإلى الآن لا سبيل له إلاّ بآذان؟ فقال: حتى

стр. 211

يبعث الله ولد زنى كلما أنشدت هذه الأبيات قال: إنّ قائلها أعمى، فقال: أمّا أنا فما أنطق بحرفٍ، فقال: من صمت نجا. وكانت نزهون بنت القلاعي حاضرةٌ فقالت: وتراك يا أستاذ قديم النعمة بمجمر ندّ وغناء وشراب، فتعجب من تأتّيه وتشبهه بنعيم الجنّة، وتقول: ما كان يعلم إلاّ بالسماع، ولا يبلغ إليه بالعيان؟ ولكن من يجيء من حصن المدوّر، وينشأ بين تيوس وبقر، من أين له معرفة بمجالس النعيم؟ فلما استوفت كلامها تنحنح الأعمى (١) ، فقالت له: ذبحة، فقال من هذه الفاضلة؟ فقالت: عجوز مقام أمك، فقال: كذبت، ما هذا صوت عجوز، إنّما هذه نغمة قحبة محترقة تشم روائح هنها على فرسخ؛ فقال له أبو بكر: يا أستاذ، هذه نزهون بنت القلاعي الشاعرة الأديبة، فقال: سمعت بها، لا أسمعها الله خيراً، ولا أراها إلاّ أيراً. فقالت له: يا شيخ سوء تناقضت، وأيّ خير للمرأة مثل ما ذكرت؟ ففكر ساعة ثمّ قال: على وجه نزهونٍ من الحسن مسحةٌ ... وإن كان قد أمسى من الضوء عاريا قواصد نزهونٍ توارك غيرها ... ومن قصد البحر استقلّ السواقيا فأعملت فكرها ثمّ قالت: قل للوضيع مقالاً ... يتلى إلى حين يحشر من المدوّر أنشئ ... ت والخرا منه أعطر حيث البداوة أمست ... في مشيها تتبختر لذاك أمسيت صبّاً ... بكلّ شيء مدوّر خلقت أعمى ولكن ... تهيم في كلّ أعور جازيت شعراً بشعرٍ ... فقل لعمري من أشعر

стр. 212

إن كنت في الخلق أنثى ... فإنّ شعري مذكّر فقال لها اسمعي: ألا قل لنزهونةٍ ما لها ... تجرّ من التيه أذيالها ولو أبصرت فيشة شمّرت ... كما عوّدتني سربالها فحلف أبو بكرٍ ابن سعيدٍ أن لا يزيد أحدهما على الآخر في هجوه كلمةً، فقال المخزومي: أكون هجّاء الأندلس وأكفّ عنها دون شيءٍ؟ فقال: أنا أشتري منك عرضها فاطلب، فقال: بالعبد الذي أرسلته فقادني إلى منزلك، فإنّه لين اليد رقيق المشي، فقال أبو بكرٍ: لولا كونه صغيراً كنت أبلغك به مرادك، وأهبه لك، ففهم قصده وقال: أصبر عليه حتى يكبر، ولو كان كبيراً ما آثرتني به على نفسك! فضحك أبو بكرٍ، وقال: إن لم تهج نظماً هجوت نثراً، فقال: أيّها الوزير لا تبديل لخلق الله. وانفصل المخزومي بالعبد بعدما أصلح الزوير بينه وبين نزهون، انتهى. وفي كتاب " الدر المنضد، في وفيات أعيان أمة محمد " تأليف الأمير صارم الدين إبراهيم بن دقماق (١) ، قال أبو القاسم بن خلف: كان - يعني المخزومي المذكور - حيّاً بعد الأربعين وخمسمائة، انتهى. [قصة استطرادية] ونقلت من كتاب " قطب السرور " (٢) لابن الرقيق المغربي، ما ملخصه (٣) :

стр. 213

وممّن أدركته وعاشرته عبد الوهاب بن حسين بن جعفر الحاجب، وذكرته هنا لأنّه ملحق بالأمراء المتقدمين غير خارجٍ منهم ولا مقصرٍ عنهم، بل كان واحد عصره في الغناء الرائق، والأدب الرائع، والشعر الرقيق، واللفظ الأنيق، ورقة الطبع، وإصابة النادر، والتشبيه المصيب، والبديهة التي لا يلحق فيها؛ مع شرف النفس، وعلوّ الهمة، وكان قد قطع عمره، وأفنى دهره، في اللهو واللعب، والفكاهة والطرب، وكان أعلم الناس بضرب العود، واختلاف طرائقه، وصنعة اللحون، وكثيراً ما يقول المعاني اللطيفة في الأبيات الحسنة، ويصوغ عليها الألحان المطربة البديعة المعجبة، اختراعاً منه وحذقاً، وكانت له في ذلك قريحةٌ وطبعٌ، وكان إذا لم يزره أحدٌ من إخوانه أحضر مائدته وشرابه عشرة من أهل بيته، منهم ولده وعبد الله ابن أخيه وبعض غلمانه، وكلهم يغنّي فيجيد، فلا يزالون يغنون بين يديه حتى يطرب، فيدعو بالعود ونغني لنفسه ولهم، وكان بشارة الزامر الذي يزمر عليه من حذّاق زمرة المشرق؛ وكان بعيد الهمّة سمحاً بما يجد، تغلّ عليه ضياعه كلّ عامٍ أموالاً جليلةً، فلا تحول السنة حتى ينفد جميع ذلك ويستسلف غيره، فكان لا يطرأ من المشرق مغنّ إلا سأل من يقصد بهذا الشأن، فيدل عليه، فمن وصله منهم استقبله بصنوف البر والإكرام، وكساه وخلطه بنفسه ولم يدعه إلى أحدٍ من الناس، فلا يزال معه في صبوحٍ وغبوقٍ، وهو مجدّدٌ له كل يومٍ كرامةٌ، حتى يأخذ جميع ما معه من صوتٍ مطربٍ أو حكايةٍ نادرةٍ. وجلس يوماً وقد زاره رجلان من إخوانه، وحضر أقرباؤه، فطعموا وشربوا وأخذوا في الغناء، فارتجّ المجلس، إذ دخل عليه بعض غلمانه فقال: بالباب رجلٌ غريبٌ عليه ثياب السفر، ذكر أنّه ضيفٌ، فأمر بإدخاله، فإذا رجلٌ أسمرٌ سناطٌ (١) ، رث الهيئة، فسلّم عليه، قال: أين بلد الرجل؟

стр. 214

قال: البصرة، فرحّب به، وأمره بالجلوس، فجلس مع الغلمان في صفّة، وأتي بطعامٍ فأكل وسقي أقداحاً، ودار الغناء في المجلس، حتى انتهى إلى آخرهم، فلمّا سكتوا اندفع يغني بصوتٍ نديٍّ وطبع حسنٍ: ألا يا دار ما الهجر ... لسكّانك من شاني سقيت الغيث من دارٍ ... وإن هيجت أشجاني ولو شئت لما استسقي ... ت غيثاً غير أجفاني بنفسي حلّ أهلوك ... وإن بانوا بسلواني وما الدّهر بمأمونٍ ... على تشتيت خلاّني فطرب عبد الوهاب وصاح، وتبين الحذق في إشارته، والطيب في طبعه، وقال: يا غلام، خذ بيده إلى الحمّام، وعجّل عليّ به فأدخل الحمّام، ونظف، ثم دعا عبد الوهاب بخلعة من ثيابه فألقيت عليه، ورفعه فأجلسه عن يساره، وأقبل عليه وبسطه، فغنى له: قومي امزجي التبر باللّجين ... واحتملي الرطل باليدين واغتنمي غفلة اللّيالي ... فربّما أيقظت لحين فقد لعمري أقرّ منّا ... هلال شوّال كلّ عين ذات الخلاخيل أبصرته ... كنصف خلخالها اللّجيني فطرب وشرب، واستزاده، فغنّاه: من لي على رغم الحسود بقهوةٍ ... بكرٍ ربيبة حانةٍ عذراء موجٌ من الذهب المذاب تضمّه ... كأسٌ كقشر الدّرّة البيضاء والنجم في أفق السماء كأنّه ... عينٌ تخالس غفلة الرّقباء فشرب عبد الوهاب ثمّ قال: زدني، فغناه:

стр. 215

وأنت الذي أشرقت عيني بمائها ... وعلّمتها بالهجر أن تهجر الغمضا وأغرقتها بالدمع حتى جفونها ... لينكر من فقد الكرى بعضها بعضا فمرّ يومٌ من أحسن الأيام وأطيبها، ووصله وأحسن إليه، ولم يزل عنده مقرّباً مكرّماً، وكان خليعاً ماجناً مشتهراً بالنبيذ، فخلاّه وما أحبّ، ثمّ وصف له الأندلس وطيبها، وكثرة خمورها، فمضى إليها ومات بها، وعلى نحو هذه الحال كان يفعل بكل طارئٍ يطرأ من المشرق، ولو ذكرتهم لطال بهم الكتاب، انتهى. وغرضي من إيراد هذه الحكاية هنا كونه وصف للمشرقيّ الأندلس وطيبها، وذلك أمرٌ لا يشك فيه ولا يرتاب، والله المسئول في حسن المتاب. [قصر باديس بغرناطة] ورأيت في بعض كتب تاريخ الأندلس في ترجمة السلطان باديس الصّنهاجيّ صاحب غرناطة، ما نصّه: وهو الذي أكمل ترتيب قصبة مالقة، وكان أفرس الناس وأنبلهم، ذا مروءةٍ ونجدةٍ، وقصره بغرناطة ليس ببلاد الإسلام والكفر مثله، فيما قيل، انتهى. وهذا القصر هو الذي عناه لسان الدين بن الخطيب في قصيدته السينية المذكورة في الباب الخامس من القسم الثاني من هذا الكتاب، فلتراجع ثمة. [سرقسطة وخواصها] وذكر غير واحدٍ من المحدثين والمؤرخين أن مدينة سرقسطة لا يدخلها الثعبان من قبل نفسه، وإذا أدخله أحدٌ لم يتحرك، ونظير هذا المعنى في بعض الحيوانات بالنسبة إلى بعض البلاد كثير، وذلك برصدٍ أو طلّسم، وقد استطرد بعض علماء أصول الدين ذلك عندما تكلموا على السحر حسبما قرّر في محله
следующие страницы →