يبعث الله ولد زنى كلما أنشدت هذه الأبيات قال: إنّ قائلها أعمى، فقال: أمّا أنا فما أنطق بحرفٍ، فقال: من صمت نجا. وكانت نزهون بنت القلاعي حاضرةٌ فقالت: وتراك يا أستاذ قديم النعمة بمجمر ندّ وغناء وشراب، فتعجب من تأتّيه وتشبهه بنعيم الجنّة، وتقول: ما كان يعلم إلاّ بالسماع، ولا يبلغ إليه بالعيان؟ ولكن من يجيء من حصن المدوّر، وينشأ بين تيوس وبقر، من أين له معرفة بمجالس النعيم؟ فلما استوفت كلامها تنحنح الأعمى (١) ، فقالت له: ذبحة، فقال من هذه الفاضلة؟ فقالت: عجوز مقام أمك، فقال: كذبت، ما هذا صوت عجوز، إنّما هذه نغمة قحبة محترقة تشم روائح هنها على فرسخ؛ فقال له أبو بكر: يا أستاذ، هذه نزهون بنت القلاعي الشاعرة الأديبة، فقال: سمعت بها، لا أسمعها الله خيراً، ولا أراها إلاّ أيراً. فقالت له: يا شيخ سوء تناقضت، وأيّ خير للمرأة مثل ما ذكرت؟ ففكر ساعة ثمّ قال:
على وجه نزهونٍ من الحسن مسحةٌ ... وإن كان قد أمسى من الضوء عاريا
قواصد نزهونٍ توارك غيرها ... ومن قصد البحر استقلّ السواقيا فأعملت فكرها ثمّ قالت:
قل للوضيع مقالاً ... يتلى إلى حين يحشر
من المدوّر أنشئ ... ت والخرا منه أعطر
حيث البداوة أمست ... في مشيها تتبختر
لذاك أمسيت صبّاً ... بكلّ شيء مدوّر
خلقت أعمى ولكن ... تهيم في كلّ أعور
جازيت شعراً بشعرٍ ... فقل لعمري من أشعر
стр. 212
إن كنت في الخلق أنثى ... فإنّ شعري مذكّر فقال لها اسمعي:
ألا قل لنزهونةٍ ما لها ... تجرّ من التيه أذيالها
ولو أبصرت فيشة شمّرت ... كما عوّدتني سربالها فحلف أبو بكرٍ ابن سعيدٍ أن لا يزيد أحدهما على الآخر في هجوه كلمةً، فقال المخزومي: أكون هجّاء الأندلس وأكفّ عنها دون شيءٍ؟ فقال: أنا أشتري منك عرضها فاطلب، فقال: بالعبد الذي أرسلته فقادني إلى منزلك، فإنّه لين اليد رقيق المشي، فقال أبو بكرٍ: لولا كونه صغيراً كنت أبلغك به مرادك، وأهبه لك، ففهم قصده وقال: أصبر عليه حتى يكبر، ولو كان كبيراً ما آثرتني به على نفسك! فضحك أبو بكرٍ، وقال: إن لم تهج نظماً هجوت نثراً، فقال: أيّها الوزير لا تبديل لخلق الله. وانفصل المخزومي بالعبد بعدما أصلح الزوير بينه وبين نزهون، انتهى.
وفي كتاب " الدر المنضد، في وفيات أعيان أمة محمد " تأليف الأمير صارم الدين إبراهيم بن دقماق (١) ، قال أبو القاسم بن خلف: كان - يعني المخزومي المذكور - حيّاً بعد الأربعين وخمسمائة، انتهى.
[قصة استطرادية]
ونقلت من كتاب " قطب السرور " (٢) لابن الرقيق المغربي، ما ملخصه (٣) :
стр. 213
وممّن أدركته وعاشرته عبد الوهاب بن حسين بن جعفر الحاجب، وذكرته هنا لأنّه ملحق بالأمراء المتقدمين غير خارجٍ منهم ولا مقصرٍ عنهم، بل كان واحد عصره في الغناء الرائق، والأدب الرائع، والشعر الرقيق، واللفظ الأنيق، ورقة الطبع، وإصابة النادر، والتشبيه المصيب، والبديهة التي لا يلحق فيها؛ مع شرف النفس، وعلوّ الهمة، وكان قد قطع عمره، وأفنى دهره، في اللهو واللعب، والفكاهة والطرب، وكان أعلم الناس بضرب العود، واختلاف طرائقه، وصنعة اللحون، وكثيراً ما يقول المعاني اللطيفة في الأبيات الحسنة، ويصوغ عليها الألحان المطربة البديعة المعجبة، اختراعاً منه وحذقاً، وكانت له في ذلك قريحةٌ وطبعٌ، وكان إذا لم يزره أحدٌ من إخوانه أحضر مائدته وشرابه عشرة من أهل بيته، منهم ولده وعبد الله ابن أخيه وبعض غلمانه، وكلهم يغنّي فيجيد، فلا يزالون يغنون بين يديه حتى يطرب، فيدعو بالعود ونغني لنفسه ولهم، وكان بشارة الزامر الذي يزمر عليه من حذّاق زمرة المشرق؛ وكان بعيد الهمّة سمحاً بما يجد، تغلّ عليه ضياعه كلّ عامٍ أموالاً جليلةً، فلا تحول السنة حتى ينفد جميع ذلك ويستسلف غيره، فكان لا يطرأ من المشرق مغنّ إلا سأل من يقصد بهذا الشأن، فيدل عليه، فمن وصله منهم استقبله بصنوف البر والإكرام، وكساه وخلطه بنفسه ولم يدعه إلى أحدٍ من الناس، فلا يزال معه في صبوحٍ وغبوقٍ، وهو مجدّدٌ له كل يومٍ كرامةٌ، حتى يأخذ جميع ما معه من صوتٍ مطربٍ أو حكايةٍ نادرةٍ.
وجلس يوماً وقد زاره رجلان من إخوانه، وحضر أقرباؤه، فطعموا وشربوا وأخذوا في الغناء، فارتجّ المجلس، إذ دخل عليه بعض غلمانه فقال: بالباب رجلٌ غريبٌ عليه ثياب السفر، ذكر أنّه ضيفٌ، فأمر بإدخاله، فإذا رجلٌ أسمرٌ سناطٌ (١) ، رث الهيئة، فسلّم عليه، قال: أين بلد الرجل؟
стр. 214
قال: البصرة، فرحّب به، وأمره بالجلوس، فجلس مع الغلمان في صفّة، وأتي بطعامٍ فأكل وسقي أقداحاً، ودار الغناء في المجلس، حتى انتهى إلى آخرهم، فلمّا سكتوا اندفع يغني بصوتٍ نديٍّ وطبع حسنٍ:
ألا يا دار ما الهجر ... لسكّانك من شاني
سقيت الغيث من دارٍ ... وإن هيجت أشجاني
ولو شئت لما استسقي ... ت غيثاً غير أجفاني
بنفسي حلّ أهلوك ... وإن بانوا بسلواني
وما الدّهر بمأمونٍ ... على تشتيت خلاّني فطرب عبد الوهاب وصاح، وتبين الحذق في إشارته، والطيب في طبعه، وقال: يا غلام، خذ بيده إلى الحمّام، وعجّل عليّ به فأدخل الحمّام، ونظف، ثم دعا عبد الوهاب بخلعة من ثيابه فألقيت عليه، ورفعه فأجلسه عن يساره، وأقبل عليه وبسطه، فغنى له:
قومي امزجي التبر باللّجين ... واحتملي الرطل باليدين
واغتنمي غفلة اللّيالي ... فربّما أيقظت لحين
فقد لعمري أقرّ منّا ... هلال شوّال كلّ عين
ذات الخلاخيل أبصرته ... كنصف خلخالها اللّجيني فطرب وشرب، واستزاده، فغنّاه:
من لي على رغم الحسود بقهوةٍ ... بكرٍ ربيبة حانةٍ عذراء
موجٌ من الذهب المذاب تضمّه ... كأسٌ كقشر الدّرّة البيضاء
والنجم في أفق السماء كأنّه ... عينٌ تخالس غفلة الرّقباء فشرب عبد الوهاب ثمّ قال: زدني، فغناه:
стр. 215
وأنت الذي أشرقت عيني بمائها ... وعلّمتها بالهجر أن تهجر الغمضا
وأغرقتها بالدمع حتى جفونها ... لينكر من فقد الكرى بعضها بعضا فمرّ يومٌ من أحسن الأيام وأطيبها، ووصله وأحسن إليه، ولم يزل عنده مقرّباً مكرّماً، وكان خليعاً ماجناً مشتهراً بالنبيذ، فخلاّه وما أحبّ، ثمّ وصف له الأندلس وطيبها، وكثرة خمورها، فمضى إليها ومات بها، وعلى نحو هذه الحال كان يفعل بكل طارئٍ يطرأ من المشرق، ولو ذكرتهم لطال بهم الكتاب، انتهى.
وغرضي من إيراد هذه الحكاية هنا كونه وصف للمشرقيّ الأندلس وطيبها، وذلك أمرٌ لا يشك فيه ولا يرتاب، والله المسئول في حسن المتاب.
[قصر باديس بغرناطة]
ورأيت في بعض كتب تاريخ الأندلس في ترجمة السلطان باديس الصّنهاجيّ صاحب غرناطة، ما نصّه: وهو الذي أكمل ترتيب قصبة مالقة، وكان أفرس الناس وأنبلهم، ذا مروءةٍ ونجدةٍ، وقصره بغرناطة ليس ببلاد الإسلام والكفر مثله، فيما قيل، انتهى.
وهذا القصر هو الذي عناه لسان الدين بن الخطيب في قصيدته السينية المذكورة في الباب الخامس من القسم الثاني من هذا الكتاب، فلتراجع ثمة.
[سرقسطة وخواصها]
وذكر غير واحدٍ من المحدثين والمؤرخين أن مدينة سرقسطة لا يدخلها الثعبان من قبل نفسه، وإذا أدخله أحدٌ لم يتحرك، ونظير هذا المعنى في بعض الحيوانات بالنسبة إلى بعض البلاد كثير، وذلك برصدٍ أو طلّسم، وقد استطرد بعض علماء أصول الدين ذلك عندما تكلموا على السحر حسبما قرّر في محله
стр. 216
والله أعلم.
هكذا رأيت في كلام بعض علماء المشارقة، والذي رأيته لبعض مؤرخي المغرب في سرقسطة (١) أنّها لا تدخلها عقربٌ ولا حيةٌ إلا ماتت من ساعتها، ويؤتى بالحيّات والعقارب إليها حيّةً فبنفس ما تدخل إلى جوف البلد تموت، قال: ولا يتسوّس فيها شيء من الطعام ولا يعفن، ويوجد فيها القمح من مائة سنة، والعنب المعلّق من ستة أعوام، والتين والخوخ وحب الملوك والتفاح والإجاص اليابسة من أربعة أعوام؛ والفول والحمّص من عشرين سنة، ولا يسوّس فيها خشب ولا ثوب صوفاً كان أو حريراً أو كتاناً، وليس في بلاد الأندلس أكثر فاكهة منها، ولا أطيب طعماً، ولا أكبر جرماً، والبساتين محدقة بها من كل ناحية ثمانية أميال، ولها أعمالٌ كثيرةٌ: مدنٌ وحصونٌ وقرىً مسافة أربعين ميلاً، وهي تضاهي مدن العراق في كثرة الأشجار والأنهار، وبالجملة فأمرها عظيم، وقد أسلفنا ذكرها.
[السمّور بالأندلس]
واعم أن بأرض الأندلس من الخصب والنّضرة وعجائب الصنائع وغرائب الدّنيا ما لا يوجد مجموعه غالباً في غيرها، فمن ذلك ما ذكره الحجاري في المسهب: أن السّمّور الذي يعمل من وبره الفراء الرفيعة يوجد في البحر المحيط بالأندلس من جهة جزيرة برطانية، ويجلب إلى سرقسطة ويصنع بها. ولما ذكر ابن غالب وبر السّمّور الذي يصنع بقرطبة قال: هذا السمّور المذكور هنا لم أتحقق ما هو، ولا ما عني به، إن كان هو نباتاً عندهم أو وبر الدابة المعروفة، فإن كانت الدابة المعروفة فهي دابةٌ تكون في البحر، وتخرج إلى البر، وعندها قوّة ميزٍ. وقال حامد بن سمجون الطبيب صاحب كتاب الأدوية
стр. 217
المفردة (١) : هو حيوانٌ يكون في بحر الروم، ولا يحتاج منه إلاّ إلى خصاه، فيخرج الحيوان من البحر في البر، فيؤخذ وتقطع خصاه، ويطلق، فربّما عرض للقناصين مرّةً أخرى (٢) ، فإذا أحسّ بهم وخشي أن لا يفوتهم استلقى على ظهره وفرج بين فخذيه ليرى موضع خصييه خالياً، فإذا رآه القناصون كذلك تركوه، قال ابن غالب: ويسمى هذا الحيوان أيضاً الجندبادستر (٣) ، والدواء الذي يصنع من خصييه من الأدوية الرفيعة، ومنافعه كثيرة، وخاصيته في العلل الباردة، وهو حارٌ يابس في الدرجة الرابعة.
[فراء القنلية]
والقنلية (٤) حيوان أدق من الأرنب وأطيب في الطعم وأحسن وبراً، وكثيراً ما تلبس فراؤها، ويستعملها أهل الأندلس من المسلمين والنصارى، ولا توجد في برّ البربر إلا ما جلب منها إلى سبتة فنشأ في جوانبها، قال ابن سعيدٍ: وقد جلبت في هذه المدّة إلى تونس حضرة إفريقية.
[سائر حيواناتها وطيورها]
ويكون بالأندلس من الغزال والأيل وحمار الوحش وبقره وغير ذلك ممّا يوجد في غيرها كثير (٥) ، وأما الأسد فلا يوجد فيها البتة، ولا الفيل والزرافة
стр. 218
وغير ذلك ممّا يكون في أقاليم الحرارة، ولها سبع يعرف باللّب (١) أكبر بقليلٍ من الذئب في نهاية من القحّة، وقد يفترس الرجل إذا كان جائعاً.
وبغل الأندلس فارهة، وخيلها ضخمة الأجسام، حصون للقتال لحمها الدروع وثقال السلاح والعدو في خيل البرّ الجنوبيّ.
ولها من الطيور الجوارح وغيرها ما يكثر ذكره ويطول، وكذلك حيوان البحر، ودوابّ بحرها المحيط في نهاية من الطول والعرض.
قال ابن سعيد: عاينت من ذلك العجب، والمسافرون في البحر يخافون منها لئلا تقلب المراكب، فيقطعون الكلام، ولها نفخٌ بالماء من فيها يقوم في الجو ذا ارتفاع مفرط.
[أنواع الأفاويه فيها]
وقال ابن سعيد: قال المسعودي في مروج الذهب: في الأندلس من أنواع الأفاويه خمسة وعشرون صنفاً: منها السنبل، والقرنفل، والصندل، والقرفة، وقصب الذريرة، وغير ذلك.
وذكر ابن غالب أن المسعودي قال: أصول الطيب خمسة أصناف: المسك، والكافور، والعود، والعنبر، والزعفران، وكلها من أرض الهند، إلاّ الزعفران والعنبر، فإنهما موجودان في أرض الأندلس، ويوجد العنبر في أرض الشّحر.
قال ابن سعيد: وقد تكلموا في أصل العنبر (٢) ، فذكر بعضهم أنّه عيون تنبع في قعر البحر يصير منها ما تبلعه الدواب وتقذفه. قال الحجاري: ومنهم من قال: إنّه نبات في قعر البحر.
وقد تقدم قول الرازي إن المحلب - وهو المقدم في الأفاويه، والمفضل في
стр. 219
أنواع الأشنان - لا يوجد في شيء من الأرض إلاّ بالهند والأندلس.
قال ابن سعيد: وفي الأندلس مواضع ذكروا أن النار إذا أطلقت فيها فاحت بروائح العود وما أشبهه، وفي جبل شلير أفاويه هندية.
[ثمارها وفواكهها]
قال: وأما الثمار وأصناف الفواكه فالأندلس أسعد بلاد الله بكثرتها، ويوجد في سواحلها قصب السكر والموز، المعدومان (١) في الأقاليم الباردة، ولا يعدم منها إلا التمر، ولها من أنواع الفواكه ما يعدم في غيرها أو يقلّ، كالتين القوطيّ والتين الشعري (٢) بإشبيلية.
قال ابن سعيد: وهذان صنفان لم تر عيني ولم أذق لهما منذ خرجت من الأندلس ما يفضلهما، وكذلك التين المالقيّ والزبيب المنكّبي والزبيب العسليّ والرمان السفري (٣) والخوخ والجوز واللوز، وغير ذلك ممّا يطول ذكره.
[معادنها وأحجارها وقرمزها]
وقد ذكر ابن سعيد أيضاً أن الأرض الشمالية المغربية فيها المعادن السبعة، وأنّها في الأندلس التي هي بعض تلك الأرض، وأعظم معدن للذهب بالأندلس في جهة شنت ياقوه قاعدة الجلالقة على البحر المحيط، وفي جهة قرطبة الفضة والزئبق، والنحاس في شمال الأندلس كثير، والصّفر الذي يكاد يشبه الذهب، وغير ذلك من المعادن المتفرقة في أماكنها.
стр. 220
والعين التي يخرج منها الزاج في لبلة مشهورة، وهو كثير مفضل في البلاد منسوب، وبجبل طليطلة جبل الطّفل الذي يجهز إلى البلاد، ويفضل على كل طفل بالمشرق والمغرب.
وبالأندلس عدة مقاطع للرخام، وذكر الرازي أن بجبل قرطبة مقاطع الرخام الأبيض الناصع (١) والخمري، وفي ناشرة مقطع عجيب للعمد، وبباغه من مملكة غرناطة مقاطع للرخام كثيرة غريبة موشاة في حمرة وصفرة، وغير ذلك من المقاطع التي بالأندلس من الرخام الحالك والمجزّع.
وحصى المريّة يحمل إلى البلاد فإنّه كالدر في رونقه، وله ألوان عجيبة، ومن عادتهم أن يضعوه في كيزان الماء.
وفي الأندلس من الأمنان التي تنزل من السماء القرمز الذي ينزل على شجر البلّوط فيجمعه الناس من الشّعرا ويصبغون به، فيخرج منه اللون الأحمر الذي لا تفوقه حمرة.
[مصنوعاتها]
قال ابن سعيد: وإلى مصنوعات الأندلس ينتهي التفضيل، وللمتعصبين لها في ذلك كلام كثير، فقد اختصت المريّة ومالقة ومرسية بالوشي (٢) المذهب الذي يتعجب من حسن صنعته أهل المشرق إذا رأوا منه شيئاً، وفي تنتالة من عمل مرسية تعمل البسط التي يغالى في ثمنها بالمشرق، ويصنع في غرناطة وبسطة من ثياب اللباس المحررة الصنف الذي يعرف بالملبد المختم ذو الألوان العجيبة، ويصنع في مرسية من الأسرّة المرصعة والحصر الفتانة الصنعة وآلات الصّفر والحديد من السكاكين والأمقاص المذهّبة وغير ذلك من آلات العروس
стр. 221
والجنديّ ما يبهر العقل، ومنها تجهز هذه الأصناف إلى بلاد إفريقية وغيرها. ويصنع بها وبالمريّة ومالقة الزجاج الغريب العجيب وفخار مزجج مذهب، ويصنع بالأندلس نوع من المفصّص (١) المعروف في المشرق بالفسيفساء ونوع يبسط به قاعات ديارهم يعرف بالزّليجي (٢) يشبه المفصّص، وهو ذو ألوان عجيبة يقيمونه مقام الرخام الملّون الذي يصرفه أهل المشرق في زخرفة بيوتهم كالشاذروان، وما يجري مجراه.
[الأسلحة]
وأمّا آلات الحرب من التّراس والرّماح والسّروج والألجم (٣) والدروع والمغافر فأكثر همم أهل الأندلس - فيما حكى ابن سعيد - كانت مصروفة إلى هذا الشأن، ويصنع منها في بلاد الكفر ما يبهر العقول، قال: والسيوف البرذليات مشهورة بالجودة، وبرذيل: آخر بلاد الأندلس (٤) من جهة الشمال والمشرق، والفولاذ الذي بإشبيلية إليه النهاية، وفي إشبيلية من دقائق الصنائع ما يطول ذكره.
[الآثار الأولية بالأندلس]
وقد أفرد ابن غالب في " فرحة الأنفس " للآثار الأولية التي بالأندلس من كتابه مكاناً، فقال: منها ما كان من جلبهم الماء من البحر الملح إلى الأرحيّ التي بطركونة على وزن لطيف وتدبير محكم حتى طحنت به، وذلك من أعجب ما صنع. ومن ذلك ما صنعه الأول أيضاً من جلب الماء في البحر المحيط
стр. 222
إلى جزيرة قادس من العين التي في إقليم الأصنام، جلبوه في جوف البحر في الصخر المجوّف ذعراً في أنثى وشقّوا به الجبال، فإذا وصلوا به إلى المواضع المنخفضة بنوا له قناطر على حنايا، فإذا جاوزها واتصل بالأرض المعتدلة رجعوا إلى البنيان المذكور، فإذا صادف سبخة بني له رصيف وأجري عليه، وهكذا إلى أن انتهي به إلى البحر، ثمّ دخل به في البحر، وأخرج في جزيرة قادس، والبنيان الذي عليه الماء في البحر ظاهر بيّن، قال ابن سعيد: إلى وقتنا هذا.
ومنها الرصيف المشهور بالأندلس (١) ، قال في بعض أخبار رومية: إنّه لما وليّ يوليش المعروف بجاشر، وابتدأ بتذريع الأرض وتكسيرها، كان ابتداؤه بذلك من مدينة رومية إلى المشرق منها وإلى المغرب وإلى الشمال وإلى الجنوب، ثمّ بدأ بفرش المبلّطة (٢) ، وأقبل بها على وسط دائرة الأرض إلى أن بلغ بها أرض الأندلس وركزها شرقي قرطبة ببابها المتطامن المعروف بباب عبد الجبار، ثمّ ابتدأها من باب القنطرة قبليّ قرطبة إلى شقندة إلى إستجة إلى قرمونة إلى البحر، وأقام على كل ميل سارية قد نقش عليها اسمه من مدينة رومية، وذكر أنّه أراد تسقيفها في بعض الأماكن راحة للخاطرين من وهج الصيف وهول الشتاء، ثم توقّع أن يكون ذلك فساداً في الأرض وتغييراً للطرق (٣) عند انتشار اللصوص وأهل الشرّ فيها في المواضع المنقطعة النائية عن العمران، فتركها على ما هي عليه. وذكر في هذه الآثار صنم قادس الذي ليس له نظير إلا الصنم الذي بطرف جلّيقية، وذكر قنطرة طليطلة وقنطرة السيف وقنطرة ماردة، وملعب مربيطر.
قال ابن سعيد: وفي الأندلس عجائب، منها الشجرة التي لولا كثرة ذكر العامة لها بالأندلس ما ذكرتها، فإن خبرها شائع متواتر، وقد رأيت من
стр. 223
يشهد بخبرها ورؤيتها، وهم جمٌّ غفير، وهي شجرة زيتون تصنع الورق والنّور والثمر في يوم واحد معلوم عندهم من أيام السنة الشمسية.
ومن العجائب السارية التي بغرب الأندلس، ما يزعم (١) الجمهور أن أهل ذلك المكان إذا أحبوا المطر أقاموها فيمطر الله جهتهم.
ومنها صنم قادس، طول ما كان قائماً كان يمنع الريح أن تهبّ في البحر المحيط فلا تستطيع المراكب الكبار على الجري فيه، فلمّا هدم في أول دولة بني عبد المؤمن صارت السفن تجري فيه.
وبكورة قبرة مغارة ذكرها الرازي وحكى أنّه يقال: إنّها باب من أبواب الريح لا يدرك لها قعر.
وذكر الرازي أن في جهة قلعة ورد جبلاً فيه شقٌّ في صخرة داخل كهفٍ فيه فأس حديدٍ متعلق من الشق الذي في الصخرة، تراه العيون وتلمسه اليد، ومن رام إخراجه لم يطق ذلك، وإذا رفعته اليد ارتفع وغاب في شق الصخرة ثم يعود إلى حالته.
وأمّا ما أورده ابن بشكوال (٢) من الأحاديث والآثار في شأن فضل الأندلس والمغرب فقد ذكرها ابن سعيد في كتابه المغرب، ولم أذكرها أنا، والله أعلم بحقيقة أمرها، وكذلك ما ذكره ابن بشكوال من أن فتح القسطنطينية إنما يكون من قبل الأندلس، قال: وذكره (٣) سيف عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه - والله أعم بصحة ذلك - ولعلّ المراد بالقسطنطينية رومية، والله أعلم.
قال سيف: وذلك أن عثمان ندب جيشاً من القيروان إلى الأندلس، وكتب لهم: أما بعد، فإن فتح القسطنطينية إنما يكون من قبل الأندلس، فإنّكم إن
стр. 224
فتحتموها كنتم الشركاء في الأجر، والسلام، انتهى.
قلت: عهدة هذه الأمور على ناقلها، وأنا بريء من عهدتها، وإن ذكرها ابن بشكوال وصاحب المغرب وغير واحد فإنّها عندي لا أصل لها، وأيّ وقت بعث عثمان إلى الأندلس؟ مع أن فتحها بالاتفاق إنّما كان زمان الوليد، وإنّما ذكرت هذا للتنبيه عليه، لا غير، والله أعلم.
[وصف ابن سعيد للأندلس]
قال ابن سعيد: وميزان وصف الأندلس أنها جزيرة قد أحدقت بها البحار، فأكثرت فيها الخصب والعمارة من كل جهة، فمتى سافرت من مدينة إلى مدينة لا تكاد تنقطع من العمارة ما بين قرى ومياه ومزارع، والصحارى فيها معدومة. وممّا اختصّت به أن قراها في نهاية من الجمال لتصنّع أهلها في أوضاعها وتبييضها، لئلا تنبوالعيون عنها، فهي كما قال الوزير ابن الحمارة فيها (١) :
لاحت قراها بين خضرةٍ أيكها ... كالدّرّ بين زبرجدٍ مكنون ولقد تعجبت لما دخلت الديار المصرية من أوضاع قراها التي تكدّر العين بسوادها، ويضيق الصدر بضيق أوضاعها، وفي الأندلس جهات تقرب فيها المدينة العظيمة الممصّرة من مثلها، والمثال في ذلك أنّك إذا توجهت من إشبيلية فعلى مسيرة يوم وبعض آخر مدينة شريش، وهي في نهاية من الحضارة والنّضارة، ثم يليها الجزيرة الخضراء كذلك، ثم مالقة، وهذا كثير في الأندلس، ولهذا كثرت مدنها وأكثرها مسوّر من أجل الاستعداد للعدوّ، فحصل لها بذلك التشييد والتزيين، وفي حصونها ما يبقى في محاربة العدو ما ينيّف
стр. 225
على عشرين سنة لامتناع معاقلها، ودربة أهلها على الحرب، واعتيادهم لمجاورة العدوّ بالطعن والضرب، وكثرة ما تنخزن الغلة في مطاميرها، فمنها ما يطول صبره عليها نحواً من مائة سنة. قال ابن سعيد: ولذلك أدامها الله تعالى من وقت الفتح إلى الآن، وإن كان العدوّ قد نقصها من أطرافها، وشارك في أوساطها ففي البقية منعة عظيمة، فأرض بقي فيها مثل إشبيلية وغرناطة ومالقة والمريّة وما ينضاف إلى هذه الحواضر العظيمة الممصّرة الرجاء فيها قويّ بحول الله وقوته، انتهى.
قلت: قد خاب ذلك الرجاء، وصارت تلك الأرجاء للكفر معرجاً، ونسأل الله تعالى الذي جعل للهمّ فرجاً، وللضيق مخرجاً، أن يعيد إليها كلمة الإسلام حتى يستنشق أهله منه فيها أرجاً، آمين.
[بيلتا طليطلة]
ومن غرائب الأندلس: اللبيلتان (١) اللتان بطليطلة، صنعهما عبد الرحمن (٢) لما سمع بخبر الطّلّسم الذي بمدينة أرين من أرض الهند، وقد ذكره المسعودي، وأنّه يدور بإصبعه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فصنع هو هاتين البيلتين خارج طليطلة في بيت مجوّف في جوف النهر الأعظم في الموضع المعروف بباب الدباغين، ومن عجبهما أنهما تمتلئان وتنحسران مع زيادة القمر ونقصانه، وذلك أن أوّل انهلال الهلال يخرج فيهما يسير ماء، فإذا أصبح كان فيهما [ربع] (٣) سبعهما من الماء، فإذا كان آخر النهار كمل فيهما نصف سبع، ولا يزال كذلك بين اليوم والليلة نصف سبع حتى يكمل من الشهر سبعة أيام وسبع ليال، فيكون
стр. 226
فيهما نصفهما، ولا تزال كذلك الزيادة نصف سبع في اليوم والليلة حتى يكمل امتلاؤهما بكمال القمر، فإذا كان في ليلة خمسة عشر وأخذ القمر في النقصان نقصتا بنقصان القمر كل يوم وليلة نصف سبع [حتى يتم القمر واحداً وعشرين يوماً فينقص منهما نصفهما ولا يزال كذلك ينقص في كل يوم وليلة نصف سبع] (١) فإذا كان تسعة وعشرون من الشهر لا يبقى فيهما شيء من الماء، وإذا تكلف أحدٌ حين تنقصان أن يملأهما وجلب لهما الماء ابتلعتا ذلك من حينهما حتى لا يبقى فيهما إلاّ ما كان فيهما في تلك الساعة، وكذا لو تكلّف عند امتلائهما إفراغهما ولم يبق فيهما شيئاً ثم رفع يده عنهما خرج فيهما من الماء ما يملؤهما في الحين. وهما أعجب من طلّسم الهند، لأن ذلك في نقطة الاعتدال حيث لا يزيد الليل على النهار، وأمّا هاتان فليستا في مكان الاعتدال، ولم تزالا في بيت واحد حتى ملك النصارى - دمّرهم الله - طليطلة، فأراد الفنش أن يعلم حركتهما، فأمر أن تقلع الواحدة منهما لينظر من أين يأتي إليها الماء، وكيف الحركة فيهما، فقلعت، فبطلت حركتهما، وذلك سنة ٥٢٨. وقيل: إن سبب فسادهما حنين اليهودي (٢) الذي جلب حمام الأندلس كلها إلى طليطلة في يوم واحد، وذلك سنة ٥٢٧، وهو الذي أعلم الفنش أن ولده (٣) سيدخل قرطبة ويملكها، فأراد أن يكشف حركة البيلتين، فقال له: أيها الملك، أنا أقلعهما وأردّها أحسن ممّا كانتا، وذلك أني أجعلهما تمتلئان بالنهار وتحسران في الليل، فما قلعت لم يقدر على ردها، وقيل: إنّه قلع واحدة ليسرق منها الصنعة فبطلت، ولم تزل الأخرى تعطي حركتها، والله أعلم بحقيقة الحال.
стр. 227
[عودٌ إلى ذكر إشبيلية]
وقال بعضهم في إشبيلية: إنها قاعدة بلاد الأندلس وحاضرتها، ومدينة الأدب واللهو والطرب، وهي على ضفة النهر الكبير، عظيمة الشأن، طيبة المكان، لها البر المديد، والبحر الساكن، والوادي العظيم، وهي قريبة من البحر المحيط؛ إلى أن قال: ولو لم يكن لها من الشّرف إلا موضع الشّرف المقابل لها المطلّ عليها المشهور بالزيتون الكثير الممتد فراسخ في فراسخ لكفى (١) ، وبها منارة في جامعها بناها يعقوب المنصور، ليس في بلاد الإسلام أعظم بناء منها. وعسل الشرف يبقى حيناً لا يترمّل ولا يتبدّل، وكذلك الزيت والتين.
وقال ابن مفلح (٢) : إن إشبيلية عروس بلاد الأندلس، لأن تاجها الشرف، وفي عنقها سمط النهر الأعظم، وليس في الأرض أتم حسناً من هذا النهر، يضاهي دجلة والفرات والنيل، تسير القوارب فيه للنزهة والسير والصيد تحت ظلال الثمار، وتغريد الأطيار، أربعة وعشرين ميلاً، ويتعاطى الناس السّرج من جانبيه عشرة فراسخ في عمارة متصلة ومنارات مرتفعة وأبراج مشيدة، وفيه من أنواع السمك ما لا يحصى. وبالجملة فهي قد حازت البر والبحر، والزرع والضّرع، وكثرة الثمار من كل جنس، وقصب السكر، ويجمع منها القرمز الذي هو أجلّ من اللّك (٣) الهندي، وزيتونها نخزن تحت الأرض أكثر من ثلاثين سنة، فيخرج منه أكثر ممّا يخرج منه وهو طري، انتهى ملخصاً.
ولما ذكر ابن اليسع الأندلس قال: لا يتزوّد فيها أحد ماءً حيث سلك، لكثرة أنهارها وعيونها، وربما لقي المسافر فيها في اليوم الواحد أربع مدائن، ومن
стр. 228
المعاقل والقرى ما لا يحصى، وهي بطاح خضر، وقصور بيض. انتهى.
[مقارنة ابن سعيد بين الأندلس وسواها]
قال ابن سعيد: وأنا أقول كلاماً فيه كفاية: منذ خرجت من جزيرة الأندلس وطفت في بر العدوة، ورأيت مدنها العظيمة كمراكش وفاس وسلا وسبتة، ثم طفت في إفريقية وما جاورها من المغرب الأوسط فرأيت بجاية وتونس، ثم دخلت الديار المصرية فرأيت الإسكندرية والقاهرة والفسطاط، ثم دخلت الشام فرأيت دمشق وحلّب وما بينهما - لم أر ما يشبه رونق الأندلس في مياهها وأشجارها إلا مدينة فاس بالمغرب الأقصى، ومدينة دمشق بالشام، وفي حماة مسحة أندلسية، ولم أر ما يشبهها في حسن المباني والتشييد والتصنيع، إلا ما شيد بمراكش في دولة بني عبد المؤمن، وبعض أماكن في تونس، وإن كان الغالب على تونس البناء بالحجارة كالإسكندرية، ولكن الإسكندرية أفسح شوارع وأبسط وأبدع، ومباني حلب داخلة فيما يستحسن، لأنها من حجارة صلبة، وفي وضعها وترتيبها إتقان، انتهى.
[أشعار في وصف الأندلس]
ومن أحسن ما جاء من النظم في الأندلس قول ابن سفر المريني، والإحسان له عادة:
في أرض أندلسٍ تلتذّ نعماء ... ولا يفارق فيها القلب سرّاء
وليس في غيرها بالعيش منتفعٌ ... ولا تقوم بحق الأنس صهباء
وأين يعدل عن أرضٍ تحضّ بها ... على المدامة أمواهٌ وأفياء
وكيف لا يبهج الأبصار رؤيتها ... وكلّ روضٍ بها في الوشي صنعاء
أنهارها فضةٌ، والمسك تربتها ... والخزّ روضتها، والدّرّ حصباء
стр. 229
وللهواء بها لطفٌ يرقّ به ... من لا يرقّ، وتبدو منه أهواء
ليس النسيم الذي يهفو بها سحراً ... ولا انتثار لآلي الطّلّ أنداء
وإنّما أرج النّدّ استثار بها ... في ماء وردٍ فطابت منه أرجاء
وأين يبلغ منها ما أصنّفه ... وكيف يحوي الذي حازته إحصاء
قد ميّزت من جهات الأرض حين بدت ... فريدةً وتولّى ميزها الماء
دارت عليها نطاقاً أبحرٌ خفقت ... وجداً بها إذ تبدّت وهي حسناء
لذاك يبسم فيها الزّهر من طربٍ ... والطير يشدو وللأغصان إصغاء
فيها خلعت عذاري ما بها عوضٌ ... فهيّ الرّياض، وكلّ الأرض صحراء ولله درّ ابن خفاجة حيث يقول:
إن للجنّة بالأندلس ... مجتلى مرأى ريّا نفس
فسنا صبحتها من شنبٍ ... ودجى ظلمتها من لعس
فإذا ما هبّت الريح صباً ... صحت واشوقي إلى الأندلس وقد تقدمت هذه الأبيات (١) .
قال ابن سعيد: قال ابن خفاجة هذه الأبيات وهو بالمغرب الأقصى في برّ العدوة، ومنزله في شرق الأندلس بجزيرة شقر.
[رخاء الأندلس كما يصفه ابن حوقل]
وقال ابن سعيد في المغرب ما نصّه: قواعد من كتاب " الشهب الثاقبة، في الإنصاف بين المشارقة والمغاربة " (٢) أول ما نقدم الكلام على قاعدة السلطنة
стр. 230
بالأندلس، فنقول: إنها مع ما بأيدي عبّاد الصّليب منها أعظم سلطنة كثرت ممالكها، وتشعبت في وجوه الاستظهار للسلطان إعانتها، وندع كلامنا في هذا الشأن، وننقل ما قاله ابن حوقل النصيبي في كتابه لما دخلها في مدة خلافة بني مروان بها في المائة الرابعة، وذلك أنّه لما وصفها قال (١) : وأما جزيرة الأندلس فجزيرة كبيرة، طولها دون الشهر في عرض نيّف وعشرين مرحلة، تغلب عليها المياه الجارية والشجر والثمر، والرخص والسعة في الأحوال من الرقيق الفاخر والخصب الظاهر، إلى أسباب التملك الفاشية فيها، ولما هي به من أسباب رغد العيش وسعته وكثرته، يملك ذلك منهم مهينهم وأرباب صنائعهم لقلة مؤنتهم وصلاح معاشهم وبلادهم. ثم أخذ في عظم سلطانها ووصف وفور جباياته وعظم مرافقه، وقال في أثناء ذلك: وممّل يدلّ بالقليل منه على كثيره أن سكة دار ضربه على الدراهم والدنانير دخلها في كل سنة مائتا ألف دينار، وصرف الدينار سبعة عشر درهماً، هذا إلى صدفات البلد وجباياته، وخراجاته وأعشاره وضماناته والأموال المرسومة على المراكب الواردة والصادرة وغير ذلك.
وذكر ابن بشكوال أن جباية الأندلس بلغت في مدّة عبد الرحمن الناصر خمسة آلاف دينار وأربعمائة ألف وثمانين ألفاً، ثم (٢) من السوق المستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستون ألف دينار.
ثم قال ابن حوقل: ومن أعجب ما في هذه الجزيرة بقاؤها على من هي في يده مع صغر أحلام أهلها، وضعة نفوسهم، ونقص عقولهم، وبعدهم من البأس والشجاعة والفروسية والبسالة، ولقاء الرجال، ومراس الأنجاد والأبطال، مع علم أمير المؤمنين بمحلّها في نفسها ومقدار جباياتها ومواقع نعمها ولذاتها.
стр. 231
[رد ابن سعيد على بعض كلام ابن حوقل]
قال علي بن سعيد مكمل هذا الكتاب: لم أر بدّاً من إثبات هذا الفصل وإن كان على أهل بلدي فيه من الظلم والتعصب ما لا يخفى، ولسان الحال في الرد أنطق من لسان البلاغة، وليت شعري إذ سلب أهل هذه الجزيرة العقول والآراء والهمم والشجاعة فمن الذين دبروها بآرائهم وعقولهم مع مراصدة أعدائها المجاورين لها من خمسمائة سنة ونيف؟ ومن الذين حموها ببسالتهم من الأمم المتصلة بهم في داخلها وخارجها نحو ثلاثة أشهر على كلمة واحدة في نصرة الصليب؟ وإنّيلأعجب منه إذ كان في زمان قد دلفت فيه عبّاد الصليب إلى الشام والجزيرة وعاثوا كل العيث في بلاد الإسلام، حيث الجمهور والقبة العظمى، حتى إنهم دخلوا مدينة حلب، وما أدراك، وفعلوا فيها ما فعلوا، وبلاد الإسلام متصلة بها من كل جهة، إلى غير ذلك ممّا هو مسطور في كتب (١) التواريخ، ومن أعظم ذلك وأشدّه أنهم كانوا يتغلبون على الحصن من حصون الإسلام التي يتمكنون بها من بسائط بلادهم، فيسبون ويأسرون، فلا تجتمع همم الملوك المجاورة على حسم الداء في ذلك، وقد يستعين به بعضهم على بعض، فيتمكن من ذلك الداء الذي لا يطّبّ، وقد كانت جزيرة الأندلس في ذلك الزمان بالضد من البلاد التي ترك وراء ظهره، وذلك موجود في تاريخ ابن حيّان وغيره، وإنّما كانت الفتنة بعد ذلك: الأعلام بيّنة، والطريق واضح.
فلنرجع إلى ما نحن بسبيله:
[ابن سعيد يقدم سرداً لتطوّر التاريخ الأندلسي]
كانت سلطنة الأندلس في صدر الفتح على ما تقدم من اختلاف الولاة عليها
стр. 232
من سلاطين إفريقية، واختلاف الولاة داعٍ إلى الاضطراب، وعدم تأثّل الأحوال وتربية الضخامة في الدولة، ولما صارت الأندلس لبني أمية وتوارثوا ممالكها وانقاد إليهم كل أبيّ فيها وأطاعهم كل عصيّ عظمت الدولة بالأندلس، وكبرت الهمم وترتبت (١) الأحوال، وترتبت القواعد، وكانوا صدراً من دولتهم يخطبون لأنفسهم بأبناء الخلائف، ثم خطبوا لأنفسهم بالخلافة، وملكوا من برّ العدوة ما ضخمت به دولتهم، وكانت قواعدهم إظهار الهيبة، وتمكن الناموس من قلب العالم، ومراعاة أحوال اشرع في كل الأمور، وتعظيم العلماء، والعمل بأقوالهم، وإحضارهم في مجالسهم واستشارتهم، ولهم حكايات في تاريخ ابن حيّان: منها ما هو مذكور من توجّه الحكم على خليفتهم أو على ابنه أو أحد حاشيته المختصين، وأنهم كانوا في نهاية من الانقياد للحق (٢) لهم أو عليهم، وبذلك انضبط لهم أمر الجزيرة. ولما خرقوا هذا الناموس كان أول ما تهتّك أمرهم، ثم اضمحل، وكانت ألقاب الأول منهم الأمراء أبناء الخلائف، ثم الخلفاء أمراء المؤمنين، إلى أن وقعت الفتنة بحسد بعضهم لبعض، وابتغاء الخلافة من غير وجهها الذي رتبت عليه، فاستبدّت ملوك الممالك الأندلسية ببلادها، وسمّوا بملوك الطوائف واستبدوا (٣) ، وكان فيهم من خطب للخلفاء المروانيين وإن لم يبق لهم خلافة، ومنهم من خطب للخلفاء العباسيين المجمع على إمامتهم، وصار ملوك الطوائف يتباهون في أحوال الملك، حتى في الألقاب، فآل أمرهم إلى أن تلقّبوا بنعوت الخلفاء، وترفّعوا إلى طبقات السلطنة العظمى، وذلك بما في جزيرتهم من أسباب الترفّه والضخامة التي تتوزع على ملوك شتى فتكفيهم، وتنهض بهم للمباهاة. ولأجل توثبهم على النعوت العباسية، قال ابن رشيق القيرواني (٤) :
стр. 233
ممّا يزهّدني في أرض أندلسٍ ... تلقيب معتضدٍ فيها ومعتمد
ألقاب مملكةٍ في غير موضعها ... كالهرّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد وكان عبّاد بن محمد بن عبّاد قد تلقب بالمعتضد، واقتفى سيرة المعتضد العباسي أمير المؤمنين، وبلقّب ابنه محمد بن عبّاد بالمعتمد، وكانت لبني عبّاد مملكة إشبيلية ثم انضاف إليها غيرها.
وكان خلفاء بني أمية يظهرون للناس في الأحيان على أبّهة الخلافة، وقانون لهم في ذلك معروف، إلى أن كانت الفتنة، فازدرت العيون ذلك الناموس واستخفّت به.
وقد كان بنو حمّود من ولد إدريس العلوي الذين توثبوا على الخلافة في أثناء الدولة المروانية بالأندلس يتعاظمون، ويأخذون أنفسهم بما يأخذها خلفاء بني العباس، وكانوا إذا حضرهم منشد لمدح أو من يحتاج إلى الكلام بين أيديهم يتكلم من وراء حجاب، والحاجب واقف عند الستر يجاوب بما يقول له الخليفة، ولما حضر ابن مقانا الأشبونيّ أمام حاجب إدريس بن يحيى الحمّودي الذي خطب له بالخلافة في مالقة، وأنشده قصيدته المشهورة النونية التي منها قوله (١) :
وكأنّ الشّمس لمّا أشرقت ... فانثنت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن علي ... بن حمّودٍ أمير المؤمنين وبلغ فيها إلى قوله:
انظرونا نقتبس من نوركم ... إنّه من نور ربّ العالمين رفع الخليفة الستر بنفسه، وقال: انظر كيف شئت، وانبسط مع الشاعر، وأحسن إليه.
стр. 234
ولما جاء ملوك الطوائف صاروا يتبسّطون للخاصّة وكثيرٍ من العامة، ويظهرون مداراة (١) الجند وعوام البلاد، وكان أكثرهم يحاضر العلماء والأدباء، ويحب أن يشهر عنه ذلك عند مباريه في الرياسة.
ومذ وقعت الفتنة بالأندلس اعتاد أهل الممالك المتفرقة الاستبداد عن إمام الجماعة، وصار في كل جهة مملكة مستقلة يتوارث أعيانها الرياسة كما يتوارث ملوكها الملك، ومرنوا على ذلك، فصعب ضبطهم إلى نظام واحد، وتمكن العدو منهم بالتفرق وعداوة بعضهم لبعض بقبيح المنافسة والطمع، إلى أن انقادوا إلى عبد المؤمن وبنيه، وتلك القواعد في رؤوسهم كامنة، والثوّار في المعاقل تثور (٢) ، وتروم الكرّة، إلى أن ثار ابن هود، وتلقّب بالمتوكل، ووجد قلوباً (٣) منحرفة عن دولة بر العدوة، مهيأة للاستبداد، فملكها بأيسر محاولة، مع الجهل المفرط وضعف الرأي، وكان مع العامة كأنّه صاحب شعوذة، يمشي في الأسواق ويضحك في وجوههم ويبادرهم بالسؤال. وجاء للناس منه ما لم يعتادوه من سلطان، فأعجب سفهاء الناس وعامتهم العمياء، وكان كما قيل:
أمورٌ يضحك السفهاء منها ... ويبكي من عواقبها الحليم فآل ذلك إلى تلف القواعد العظيمة، وتملّك الأمصار الجليلة، وخروجها من يد الإسلام.
والضابط فيما يقال في شأن أهل الأندلس في السلطان أنهم إذا وجدوا فارساً يبرع الفرسان أو جواداً يبرع الأجواد تهافتوا في نصرته، ونصبوه ملكاً من غير تدبير في عاقبة، آل الأمر إلى ما يؤول إليه، وبعد أن يكون الملك في مملكة
стр. 235
قد توورثت وتدوولت، ويكون في تلك المملكة قائد من قوادها قد شهرت عنه وقائع في العدو وظهر منه كرم نفسٍ للأجناد ومراعاة، قدّموه ملكاً في حصن من الحصون، ورفضوا عيالهم وأولادهم - إن كان لهم ذلك - بكرسيّ الملك، ولم يزالوا في جهاد وإتلاف أنفس حتى يظفر صاحبهم بطلبته. وأهل المشرق أصوب رأياً منهم في مراعاة نظام الملك، والمحافظة على نصابه، لئلاّ يدخل الخلل الذي يقضي باختلال القواعد وفساد التربية وحلّ الأوضاع.
ونحن نمثل في ذلك بما شاهدناه: لما كانت هذه الفتنة الأخيرة بالأندلس تمخّضت عن رجل من حصن يقال له أرجونة، ويعرف الرجل بابن الأحمر، كان يكثر مغاورة العدو من حصنه، وظهرت له مخايل وشواهد على الشجاعة، إلى أن سار (١) اسمه في الأندلس، وآل ذلك إلى ان قدّمه أهل حصنه على أنفسهم، ثم نهض فملك قرطبة العظمى، وملك إشبيلية، وقتل ملكها الباجيّ، وملك جيّان أحصن بلد بالأندلس وأجلّه قدراً في الامتناع، وملك غرناطة ومالقة، وسمّوه بأمير المسلمين، فهو الآن المشار إليه بالأندلس والمعتمد عليه.
[ابن سعيد يصف الخطط الأندلسية: ١ - الوزارة]
١ - الوزارة
وأمّا قاعدة الوزارة بالأندلس فإنّها كانت في مدة بني أميّة مشتركة في جماعة يعينهم صاحب الدولة للإعانة والمشاورة، ويخصّهم بالمجالسة، ويختار منهم شخصاً لمكان النائب المعروف بالوزير فيسمّيه بالحاجب، وكانت هذه المراتب لضبطها عندهم كالمتوارثة في البيوت المعلومة لذلك، إلى أن كانت ملوك الطوائف، فكان الملك منهم - لعظم اسم الحاجب في الدولة المروانية، وأنّه كان نائباً عن خليفتهم - يسمّى بالحاجب، ويرى أن هذه السمة أعظم ما تنوفس فيه وظفر به، وهي موجودة في أمداح شعرائهم وتواريخهم. وصار
стр. 236
اسم الوزارة عامّاً لكل من يجالس الملوك ويختص بهم، وصار الوزير الذي ينوب عن الملك يعرف بذي الوزارتين، وأكثر ما يكون فاضلاً في علم الأدب، وقد لا يكون كذلك، بل عالماً بأمور الملك خاصة.
[٢ - الكتابة]
وأما الكتابة فهي على ضربين: أعلاهما: كاتب الرسائل، وله حظ في القلوب والعيون عند أهل الأندلس، وأشرف أسمائه الكاتب، وبهذه السّمة يخططه (١) من يعظمه في رسالة. وأهل الأندلس كثيرو الانتقاد على صاحب هذه السّمة، لا يكادون يغفلون عن عثراته لحظة، فإن كان ناقصاً عن درجات الكمال لم ينفعه جاهه ولا مكانه من سلطانه من تسلّط الألسن في المحافل والطّعن عليه وعلى صاحبه. والكاتب الآخر كاتب الزمام، هكذا يعرفون كاتب الجهبذة، ولا يكون بالأندلس وبرّ العدوة لا نصرانيّاً ولا يهوديّاً البتّة، إذ هذا الشغل نبيه يحتاج إلى صاحبه عظماء الناس ووجوههم.
[٣ - الخراج]
وصاحب الأشغال الخراجية في الأندلس أعظم من الوزير، وأكثر أتباعاً وأصحاباً وأجدى منفعةً، فإليه تميل الأعناق، ونحوه تمد الأكف، والأعمال مضبوطة بالشهود والنظار، ومع هذا إن تأثلت حالته واغتر بكثرة البناء والاكتساب نكب وصودر، وهذا راجع إلى تقلب الأحوال وكيفية السلطان.
[٤ - القضاء]
وأما خطّة القضاء بالأندلس فهي أعظم الخطط عند الخاصة والعامة، لتعلّقها بأمور الدين، وكون السلطان لو توجّه عليه حكم حضر بين يدي القاضي، هذا
стр. 237
وضعها في زمان بني أمية، ومن سلك مسلكهم، ولا سبيل أن يتسمّى بهذه السّمة إلاّ من هو والٍ للحكم الرعي في مدينة جليلة، وإن كانت صغيرة فلا يطلق على حاكمها إلا مسدّد، خاصة، وقاضي القضاة يقال له: قاضي القضاة، وقاضي الجماعة.
[٥ - خطة الشرطة]
وأما خطة الشّرطة بالأندلس فإنها مضبوطة إلى الآن، معروفة بهذه السّمة، ويعرف صاحبها في ألسن العامة بصاحب المدينة وصاحب الليل، وإذا كان عظيم القدر عند السلطان كان له القتل لمن يجب (١) عليه دون استئذان السلطان، وذلك قليل، ولا يكون إلا في حضرة السلطان الأعظم، وهو الذي يحدّ على الزنا وشرب الخمر، وكثير من الأمور الشرعية راجع إليه، قد صارت تلك عادة تقرّر عليها رضا القاضي، وكانت (٢) خطة القاضي أوقر وأتقى عندهم من ذلك.
[٦ - الحسبة]
وأمّا خطّة الاحتساب فإنّها عندهم موضوعة في أهل العلم والفطن، وكأن صاحبها قاض، والعدة فيه أن يمشي بنفسه راكباً على الأسواق، وأعوانه معه، وميزانه الذي يزن به الخبز في يد أحد الأعوان، لأن الخبز عندهم معلوم الأوزان للربع من الدرهم رغيف على وزن معلوم، وكذلك للثّمن، وفي ذلك من المصلحة أن يرسل المبتاع الصبيّ الصغير أو الجارية الرعناء فيستويان فيما يأتيانه به من السوق مع الحاذق في معرفة الأوزان، وكذلك اللحم تكون عليه ورقة بسعره، ولا يجسر الجزار أن يبيع بأكثر من دون (٣) ما حدّ له المحتسب في
стр. 238
الورقة، ولا يكاد تخفى خيانته، فإن المحتسب يدسّ عليه صبيّاً أو جارية يبتاع أحدهما منه، ثم يختبر الوزن المحتسب، فإن وجد نقصاً قاس على ذلك حاله مع الناس، فلا تسأل عمّا يلقى، وإن كثر ذلك منه ولم يتب بعد الضرب والتجريس (١) في الأسواق نفي من البلد. ولهم في أوضاع الاحتساب قوانين يتداولونها (٢) ويتدارسونها كما تتدارس أحكام الفقه، لأنها عندهم تدخل في جميع المبتاعات وتتفرع إلى ما يطول ذكره.
[٧ - خطة الطواف بالليل]
وأمّا خطة الطواف باللّيل وما يقابل من المغرب أصحاب أرباع في المشرق فإنهم يعرفون في الأندلس بالدرّابين، لأن بلاد الأندلس لها دروب بأغلاق تغلق بعد العتمة، ولكل زقاق بائت فيه، له سراجٌ معلّق وكلب يسهر وسلاح معدّ، وذلك لشطارة عامّتها وكثرة شرّهم، وإغيائهم (٣) في أمور التلصص، إلى أن يظهروا على المباني المشيدة، ويفتحوا الأغلاق الصعبة، ويقتلوا صاحب الدار خوف أن يقرّ عليهم أو يطالبهم بعد ذلك، ولا تكاد في الأندلس تخلو من سماع دار فلان دخلت البارحة وفلان ذبحه اللصوص على فراشه وهذا يرجع التكثير منه والتقليل إلى شدّة الوالي ولينه، ومع إفراطه في الشدّة وكون سيفه يقطر دماً فإن ذلك يعدم، وقد آل الحال عندهم إلى أن قتلوا على عنقودٍ سرقه شخص من كرم وما أشبه ذلك، فلم ينته اللصوص.
[الأندلسيون والتشريع]
وأمّا قواعد أهل الأندلس في ديانتهم فإنّها تختلف بحسب الأوقات والنظر
стр. 239
إلى السلاطين، ولكن الأغلب عندهم إقامة الحدود، وإنكار التهاون بتعطيلها، وقيام العامة في ذلك وإنكاره إن تهاون فيه أصحاب السلطان، وقد يلج السلطان في شيء من ذلك ولا ينكره، فيدخلون عليه قصره المشيد ولا يعبأون بخيله ورجله حتى يخرجوه من بلدهم، وذا كثير في أخبارهم. وأمّا الرجم بالحجر للقضاة والولاة للأعمال إذا لم يعدلوا فكلّ يوم.
[الأندلسيون والتصوف]
وأمّا طريقة الفقراء على مذهب أهل الشرق والدّروزة (١) التي تكسل عن الكد وتحوج (٢) الوجوه للطلب في الأسواق فمستقبحة عندهم إلى نهاية (٣) ، وإذا رأوا شخصاً صحيحاً قادراّ على الخدمة يطلب سبّوه وأهانوه، فضلاً عن أن يتصدقوا عليه، فلا تجد بالأندلس سائلاً إلا أن يكون صاحب عذر.
[الأندلسيون والعلوم والآداب]
وأمّا حال أهل الأندلس في فنون (٤) العلوم فتحقيق الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنهم أحرص الناس على التميز، فالجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجهد أن يتميز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يرى فارغاً عالةً على الناس، لأن هذا عندهم في نهاية القبح، والعالم عندهم معظّم من الخاصة والعامة، يشار إليه ويحال عليه، وينبه قدره وذكره عند الناس، ويكرم في جوار أو ابتياع حاجة، وما أشبه ذلك. ومع هذا فليس لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم بل يقرءون جميع العلوم في المساجد بأجرة، فهم يقرءون لأن يعلموا لا لأن يأخذوا جارياً،
стр. 240
فالعالم منهم بارع لأنّه يطلب ذلك العلم بباعث من نفسه يحمله على أن يترك الشغل الذي يستفيد منه، وينفق من عنده حتى يعلم، وكل العلوم لها عندهم حظ واعتناء، إلا الفلسفة والتنجيم، فإن لهما حظّاً عظيماً عند خواصهم، ولا يتظاهر بهما خوف العامة، فإنّه كلّما قيل فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم أطلقت عليه العامة (١) اسم زنديق، وقيدت عليه أنفاسه، فإن زلّ في شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان، أو يقتله السلطان تقرباً لقلوب العامة، وكثيراً ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وجدة، وبذلك تقرب المنصور بن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه وإن كان غير خالٍ من الاشتغال بذلك في الباطن على ما ذكره الحجاري، الله أعلم.
وقراءة القرآن بالسبع ورواية الحديث عندهم رفيعة، وللفقه رونقٌ ووجاهة، ولا مذهب لهم إلا مذهب مالك، وخواصهم يحفظون من سائر المذاهب ما يباحثون به محاضر ملوكهم ذوي الهمم في العلوم. وسمة الفقيه عندهم جليلة، حتى إن الملثمين كانوا يسمون الأمير العظيم منهم الذي يريدون تنويهه بالفقيه، وهي الآن بالمغرب بمنزلة القاضي بالمشرق، وقد يقولون للكاتب والنحوي واللغوي فقيه لأنها عندهم أرفع السّمات. وعلم الأصول عندهم متوسط الحال، والنحو عندهم في نهاية من علو الطبقة، حتى إنهم في هذا العصر فيه كأصحاب عصر الخليل وسيبويه، لا يزداد مع هرم الزمان إلا جدّةً، وهم كثيرو البحث فيه وحفظ مذاهبه كمذاهب الفقه، وكل عالم في أيّ علم لا يكون متمكناً من علم النحو - بحيث لا تخفى عليه الدقائق - فليس عندهم بمستحق للتمييز، ولا سالم من الازدراء، مع أن كلام أهل الأندلس الشائع في الخواص والعوام كثير الانحراف عمّا تقتضيه أوضاع العربية، حتى لو أن شخصاً من العرب سمع كلام الشلوبيني أبي عليّ المشار إليه بعلم النحو في عصرنا الذي غرّبت تصانيفه
стр. 241
وشرّقت وهو يقرئ درسه لضحك بملء فيه من شدة التحريف الذي في لسانه؛ والخاصّ منهم إذا تكلم بالإعراب وأخذ يجري على قوانين النحو استثقلوه واستبردوه، ولكن ذلك مراعىً عندهم في القراءات والمخاطبات بالرسائل. وعلم الأدب المنثور من حفظ التاريخ والنظم والنثر ومستظرفات الحكايات أنبل علم عندهم، وبه يتقرب من مجالس ملوكهم وأعلامهم، ومن لا يكون فيه أدب من علمائهم فهو غفلٌ مستثقلٌ.
والشعر عندهم له حظ عظيم، وللشعراء من ملوكهم وجاهة، ولهم عليهم وظائف، والمجيدون منهم ينشدون في مجالس عظماء ملوكهم المختلفة، ويوقّع لهم بالصلات على أقدارهم، إلا أن يختل الوقت ويغلب الجهل في حين مّا ولكن هذا الغالب. وإذا كان الشخص بالأندلس نحويّاً أو شاعراً فإنّه يعظم في نفسه لا محالة ويسخف ويظهر العجب، عادةٌ قد جبلوا عليها.
[الزي الأندلسي في السلم والحرب]
وأما زيّ أهل الأندلس فالغالب عليهم ترك العمائم، لا سيما في شرق الأندلس، فإن أهل غربها لا تكاد ترى فيهم قاضياً ولا فقيهاً مشاراً إليه إلاّ وهو بعمامة، وقد تسامحوا بشرقها في ذلك، ولقد رأيت عزيز بن خطاب (١) أكبر عالم بمرسية، حضرة السلطان في ذلك الأوان، وإليه الإشارة، وقد خطب له بالملك في تلك الجهة، وهو حاسر الرأس، وشيبه قد غلب على سواد شعره. وأما الأجناد وسائر الناس فقليل منهم تراه بعمّة في شرق منها أو في غرب، وابن هود الذي ملك الأندلس في عصرنا رأيته في جميع أحواله ببلاد الأندلس وهو دون عمامة، وكذلك ابن الحمر الذي معظم الأندلس الآن في يده، وكثيراً
стр. 242
ما يتزيّا سلاطينهم وأجنادهم بزيّ النصارى المجاورين لهم، فسلاحهم كسلاحهم، وأقبيتهم من الإشكرلاط (١) وغيره كأقبيتهم، وكذلك أعلامهم وسروجهم.
ومحارتهم بالتّراس والرّماح الطويلة للطعن، ولا يعرفون الدبابيس، ولا قسيّ العرب، بل يعدون قسيّ الإفرنج للمحاصرات في البلاد، أو تكون للرجّالة عند المصاففة للحرب، وقليلاً (٢) ما تصبر الخيل عليهم أو تمهلهم لأن يوتروها، ولا تجد في خواص الأندلس وأكثر عوامهم من يمشي دون طيلسان، إلاّ أنّه لا يضعه على رأسه منهم إلا الأشياخ المعظّمون، وغفائر الصوف كثيراً ما يلبسونها حمراً وخضراً؛ والصّفر مخصوصة باليهود، ولا سبيل إلى يهودي (٣) أن يتعمّم البتّة، والذؤابة لا يرخيها إلاّ العالم، ولا يصرفونها بين الأكتاف، وإنّما يسدلونها من تحت الأذن اليسرى. وهذه الأوضاع التي بالمشرق في العمائم لا يعرفها أهل الأندلس، وإن رأوا في رأس مشرقّي داخلٍ إلى بلادهم شكلاً منها أظهروا التعجب والاستظراف، ولا يأخذون أنفسهم بتعليمها لأنهم لم يعتادوا ولم يستحسنوا غير أوضاعهم، وكذلك في تفصيل الثياب.
[تدبير الأندلسيين ومروءتهم]
وأهل الأندلس أشدّ خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون وما يفرشون، وغير ذلك ممّا يتعلّق بهم، وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه، فيطويه صائماً ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعةً على حالة تنبو العين عنها.
وهم أهل احتياط وتدبير في المعاش وحفظ لما في أيديهم خوف ذلّ السؤال، فلذلك قد ينسبون للبخل، ولهم مروءات على عادة بلادهم، لو فطن لها حاتم
стр. 243
لفضّل دقائقها على عظائمه؛ ولقد اجتزت مع والدي على قرية من قراها، وقد نال منّا البرد والمطر أشدّ النّيل، فأوينا إليها، وكنّا على حال ترقّبٍ من السلطان وخلوّ من الرفاهية، فنزلنا في بيت شيخ من أهلها، من غير معرفة متقدمة، فقال لنا: إن كان عندكم ما أشتري لكم فحماً تسخنون به فإنّي أمضي في حوائجكم، وأجعل عيالي يقومون بشأنكم، فأعطيناه ما اشترى به فحماً، فأضرم ناراً، فجاء ابنٌ له صغير ليصطلي، فضربه، فقال له والدي: لم ضربته؟ فقال: يتعلّم استغنام مال (١) الناس والضّجر للبرد من الصغر، ثم لما جاء النوم قال لابنه: أعط هذا الشابّ كساءك الغليظة يزيدها على ثيابه، فدفع كساءه إليّ، ولما قمنا عند الصباح وجدت الصبيّ منتبهاً ويده في الكساء، فقلت ذلك لوالدي، فقال: هذه مروءات أهل الأندلس، وهذا احتياطهم، أعطاك الكساء وفضّلك على نفسه، ثم أفكر في أنك غريب لا يعرف هل أنت ثقة أو لص، فلم يطب له منام حتى يأخذ كساءه خوفاً من انفصالك بها وهو نائم، وعلى هذا الشيء الحقير فقس (٢) الشيء الجليل؛ انتهى كلام ابن سعيد في المغرب باختصار يسير.
[منهج كتاب المغرب لابن سعيد]
ولله درّه، فإنّه أبدع في هذا الكتاب ما شاء، وقسمه إلى أقسام، منها:
كتاب وشي الطرس، فيحلى جزيرة الأندلس وهو ينقسم إلى أربعة كتب:
الكتاب الأول: كتاب " حلي العرس، في حلى غرب الأندلس ".
الكتاب الثاني: كتاب " الشفاه اللّعس، في حلى موسطة الأندلس ".
стр. 244
الكتاب الثالث: " كتاب الأنس في حلى شرق الأندلس ".
الكتاب الرابع: كتاب " لحظات المريب، في ذكر ما حماه من الأندلس عبّاد الصليب ".
والقسم الثاني كتاب " الألحان المسلية، في حلى جزيرة صقلية " وهو أيضاً ذو أنواع.
والقسم الثالث كتاب الغاية الأخيرة، في حلى الأرض الكبيرة وهو أيضاً ذو أقسام، وصوّر - رحمه الله تعالى - أجزاء الأندلس في كتاب وشي الطرس وقال أيضاً: إن كلاًّ من شرق الأندلس وغربها ووسطها يقرب في قدر المساحة بعضه من بعض، وليس فيها جزء يجاوز طوله عشرة أيام، ليصدق التثليث في القسمة، وهذا دون ما بقي بأيدي النصارى.
وقدم ﵀ كتاب حلي العرس، في حلى غرب الأندلس لكون قرطبة قطب الخلافة المروانية وإشبيلية التي ما في الأندلس أجمل منها فيه، وقسمه إلى سبعة كتب (١) ، كل كتاب منها يحتوي على مملكة منحازة عن الأخرى:
الكتاب الأول: كتاب " الحلة المذهبة، في حلى مملكة قرطبة ".
الكتاب الثاني: كتاب " الذهبية الأصيلية، في حلى المملكة الإشبيلية ".
الكتاب الثالث: كتاب " خدع الممالقة، في حلى مملكة مالقة (٢) .
الكتاب الرابع: كتاب " الفردوس، في حلى مملكة بطليوس ".
الكتاب الخامس: كتاب " الخلب، في حلى مملكة شلب ".
الكتاب السادس: كتاب " الديباجة، في حلى مملكة باجة ".
الكتاب السابع: كتاب " الرياض المصونة، في حلى مملكة أشبونة " وقد
стр. 245
ذكر - رحمه الله تعالى - في كل قسم ما يليق به، وصوّر أجزاءه على ما ينبغي، فالله يجازيه خيراً؛ والكلام في الأندلس طويل عريض.
[خاتمة في نبذة جغرافية]
وقال بعض المؤرخين: طول الأندلس ثلاثون يوماً وعرضها تسعة أيام، ويشقها أربعون نهراً كباراً (١) ، وبها من العيون والحمامات والمعادن ما لا يحصى، وبها ثمانون مدينة من القواعد الكبار، وأزيد من ثلثمائة من المتوسطة، وفيها من الحصون والقرى والبروج ما لا يحصى كثرة، حتى قيل: إن عدد القرى التي على نهر إشبيلية اثنا عشر ألف قرية، وليس في معمور الأرض صقع يجد المسافر فيه ثلاث مدن وأربعاً من يومه إلى بالأندلس، ومن بركتها أن المسافر لا يسير (٢) فيها فرسخين دون ماء أصلاً، وحيثما سار من الأقطار يجد الحوانيت في الفلوات والشعاري (٣) والأودية ورؤوس الجبال لبيع الخبز والفواكه والجبن واللحم والحوت وغير ذلك من ضروب الأطعمة.
وذكر صاحب الجغرافيا أن جزيرة الأندلس مسيرة أربعين يوماً طولاً في ثمانية عشر يوماً عرضاً، وهو مخالف لما سبق.
وقال ابن سيده: أخذت الأندلس في عرض الإقليمين الخامس والسادس من البحر الشامي في الجنوب إلى البحر المحيط في الشمال، وبها من الجبال سبعة وثمانون جبلاً، انتهى.
[مقطعات في مدح الأندلس]
ولبعضهم:
ولله أندلسٌ وما جمعت بها ... من كل ما ضمّت لها الأهواء
стр. 246
فكأنّما تلك الديار كواكبٌ ... وكأنّما تلك البقاع سماء
وبكلّ قطر جدولٌ في جنّةٍ ... ولعت به الأفياء والأنداء وقال غيره:
في أرض أندلسٍ تلتذّ نعماء ... ولا يفارق فيها القلب سرّاء
وليس فيغيرها بالعيش منتفعٌ ... ولا تقوم بحقّ الماء (١) صهباء
وأين يعدل عن أرضٍ تحض بها ... على الشهادة أزواجٌ وأبناء
وأين يعدل عن أرضٍ تحثّ بها ... على المدامة أفياءٌ وأنداء (٢)
وكيف لا تبهج الأبصار رؤيتها ... وكلّ أرضٍ بها في الوشي صنعاء
أنهارها فضةٌ، والمسك تربتها ... والخز روضتها، والدّرّ حصباء
وللهواء بها لطفٌ يرق به ... من لا يرقّ، وتبدو منه أهواء
ليس النسيم الذي يهفو بها سحراً ... ولا انتشار لآلي الطل أنداء
وإنّما أرج الند استثار بها ... في ماء وردٍ فطابت منه أرجاء
وأين يبلغ منها ما أصنّفه ... وكيف يحوي الذي حازته إحصاء
قد ميزت من جهات الأرض ثم بدت ... فريدةً، وتولّى ميزها الماء
دارت عليها نطاقاً أبحرٌ خفقت ... وجداً بها إذ تبدّت وهي حسناء (٣)
لذاك يبسم فيها الزهر من طربٍ ... والطير يشدو، وللأغصان إصغاء
فيها خلعت عذاري ما بها عوضٌ ... فهي الرياض وكل الأرض صحراء وقد تقدمت هذه القصيدة (٤) .
وقال آخر:
حبذا أندلسٌ من بلدٍ ... لم تزل تنتج لي كلّ سرور
стр. 247
طائرٌ شادٍ، وظلٌّ وارفٌ ... ومياهٌ سائحاتٌ وقصور وقال آخر:
يا حسن أندلسٍ وما جمعت لنا ... فيها من الأوطار والأوطان
تلك الجزية لست أنسى حسنها ... بتعاقب الأحيان والأزمان
نسج الربيع نباتها من سندسٍ ... موشيّةٍ ببدائع الألوان
وغدا النسيم بها عليلاً هائماً ... بربوعها وتلاطم البحران
يا حسنها والطلّ ينثر فوقها ... درراً خلال الورد والرّيحان
وسواعد الأنهار قد مدّت إلى ... ندمائها بشقائق النّعمان
وتجاوبت فيها شوادي طيرها ... والتفّت الأغصان بالأغصان
ما زرتها إلاّ وحيّاني بها ... حدق البهار وأنمل السّوسان
من بعدها ما أعجبتني بلدةٌ ... مع ما حللت به من البلدان [من خصائص الأندلس]
وحكى بعضهم أن بالجامع من مدينة أقليش بلاطاً فيه جوائز منشورة مربعة مستوية الأطراف، طول الجائزة منها مائة شبر وأحد عشر شبراً.
وفي الأندلس جبلٌ من شرب من مائه كثر عليه الاحتلام، من غير إرادة ولا تفكر، وفيها غير ذلك ممّا يطول ذكره، والله أعلم.
ولنمسك العنان في هذا الباب، فإن بحر الأندلس طويلٌ مديدٌ، وربما كررنا الكلام لارتباط بعضه ببعضٍ، أو لنقل صاحبه المروي عنه، أو لاختلاف مّا، أو غير ذلك من غرضٍ سديدٍ.
стр. 248
الباب الثاني
في إلقاء الأندلس للمسلمين بالقياد، وفتحها على يد موسى بن نصير ومولاه
طارق بن زياد، وسيرورتها ميداناً لسبق الجياد، ومحطّ رحل الارتباء (١)
والارتياد، وما يتبع ذلك من خبرٍ حصل بازديانه ازدياد، ونبإٍ وصل
إليه اعتيام وتقرر بمثله اعتياد
اعلم أنّه لما قضى الله سبحانه بتحقيق قول رسول الله، ﷺ : " زويت لي مشارق الأرض ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها " وقع الخلاف بين لذريق ملك القوط وبين ملك سبتة الذي على مجاز الزّقاق، فكان ما يذكر من فتح الأندلس على يد طارق وطريف ومولاهما الأمير موسى ابن نصير، رحم الله الجميع.
[أخبار الفتح حسب مختلف الروايات]
وذكر الحجاري وابن حيّان وغيرهما أن أوّل من دخل جزيرة الأندلس من المسلمين برسم الجهاد طريفٌ البربريّ مولى موسى بن نصير الذي تنسب إليه جزيرة طريف التي على المجاز، غزاها بمعونة صاحب سبتة يليان النصراني، لحقده على لذريق صاحب الأندلس، وكان في مائة فارس وأربعمائة راجل، جاز البحر في أربعة مراكب، في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين، وانصرف
стр. 249
بغنيمةٍ جليلةٍ، فعقد موسى بن نصير صاحب المغرب لمولاه طارق بن زياد على الأندلس، ووجّهه مع يليان صاحب سبتة، انتهى.
وسيأتي في أمر طريف وغيره ما يخالف هذا السياق (١) ، وهي أقوال.
وقال ابن حيّن: إن أول أسباب فتح الأندلس كان أن ولّى الوليد بن عبد الملك موسى بن نصير مولى عمّه عبد العزيز على إفريقية وما خلفها سنة ثمانٍ وثمانين فخرج في نفرٍ قليلٍ من المطّوّعة، فلمّا ورد مصر أخرج معه من جندها بعثاً، وفعل ذلك في إفريقية، وجعل على مقدمته مولاه طارقاً، فلم يزل يقاتل البربر ويفتح مدائنهم، حتى بلغ مدينة طنجة، وهي قصبة بلادهم وأم مدائنهم فحصرها حتى فتحها، وأسلم أهلها، ولم تكن فتحت قبله، وقيل: بل فتحت ثم استغلقت.
وذكر ابن حيّان أيضاً استصعاب سبتة على موسى بتدبير صاحبها الداهية الشجاع يليان النصراني، وأنّه في أثناء ذلك وقع بينه وبين لذريق صاحب الأندلس، ثم سرد ما يأتي ذكره.
وقال لسان الدين بن الخطيب ﵀: وحديث الفتح، وما منّ الله به على الإسلام من المنح، وأخبار ما أفاء الله من الخير، على موسى بن نصير، وكتب من جهاد، لطارق بن زياد، مملول قصّاصٍ وأوراق، وحديث أفولٍ وإشراقٍ، وإرعادٍ وإبراقٍ، وعظم امتشاش، وآلةٍ معلّقةٍ في دكان قشاش، انتهى.
وقال في المغرب: طارق بن زياد من إفريقية.
وقال ابن بشكوال: إنّه طارق بن عمرو، فتح جزيرة الأندلس ودوّخها، وإليه نسب جبل طارق الذي يعرفه العامة بجبل الفتح، في قبلة الجزيرة الخضراء، ورحل مع سيّده بعد فتح الأندلس إلى الشام وانقطع خبره، انتهى.
стр. 250
وقال أيضاً: إن طارقاً كان حسن الكلام ينظم ما يجوز كتبه، وأما المعارف السلطانيّة فيكفيه ولاية سلطنة الأندلس وما فتح فيها من البلاد إلى أن وصل سيده موسى بن نصير.
ومن تاريخ ابن بشكوال: احتل طارق بالجبل المنسوب إليه يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة اثنتين وتسعين في اثني عشر ألفاً غير اثني عشر رجلاً من البربر، ولم يكن فيهم من العرب إلاّ شيءٌ يسير، وإنّه لما ركب البحر رأى وهو نائم النبيّ، ﷺ ، وحوله المهاجرون والأنصار قد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسيّ، فيقول له رسول الله ﷺ : " يا طارق تقدم لشأنك، ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الأندلس قدّامه، فهبّ من نومه مستبشراً، وبشّر أصحابه، وثابت نفسه ببشراه، ولم يشك في الظفر، فخرج من الجبل، واقتحم بسيط البلد شانّاً للغارة، وأصاب عجوزاً من أهل الجزيرة فقالت له في بعض قولها: إنّه كان لها زوجٌ عالم بالحدثان، فكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم هذا فيغلب عليه، ويصف من نعته أنّه ضخم الهامة، فأنت كذلك، ومنها أن في كتفه اليسرى شامةٌ عليها شعر، فإن كانت فيك فأنت هو، فكشف ثوبه فإذا بالشامة في كتفه على ما ذكرت، فاستبشر بذلك ومن معه.
ومن تاريخ ابن حيّان: لما حرّض يليان النصرانيّ صاحب سبتة، للأمر الذي وقع بينه وبين صاحب الأندلس، موسى بن نصير على غزو الأندلس جهز لها مولاه طارقاً المذكور في سبعة آلاف من المسلمين، جلّهم من البربر، في أربع سفنٍ، وحط بجبل طارق المنسوب إليه يوم السبت في شعبان سنة اثنتين وتسعين، ولم تزل المراكب تعود حتى توافى جميع أصحابه عنده بالجبل، قال: ووقع على لذريق صاحب الأندلس الخبر، وأن يليان السبب فيه، وكان يومئذٍ غازياً في جهة البشكنس، فبادر في جموعه وهم نحو مائة ألف ذوي عددٍ وعدّةٍ (١) ،