← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وفناؤها، وحين أركبوه أساودا، وأورثوه حزناً بات له معاودا، فقال: غمتك أغماتية الألحان ثقلت على الأرواح والأبدان قد كان كالثعبان رمحك (١) في الورى ... فغدا عليك القيد كالثعبان متمرداً يحميك كل تمرد متعطفاً لا رحمة للعاني قلبي إلى الرحمن يشكو بثه ماخاب من يشكو إلى الرحمن يا سائلاً عن شأنه ومكانه ما كان أغنى شأنه عن شان هاتيك قينته وذلك قصره من بعد أي مقاصر وقيان ولما فقد من يجالسه، وبعد عنه من كان يؤانسه، وتمادى كربه، ولم تسالمه حربه، قال: تؤمل للنفس الشجية فرجة وتأبى الخطوب السود إلا تماديا لياليك في زاهيك أصفى صحبتها كذا صحبت قبلي الملوك اللياليا نعيم وبؤس ذا لذلك ناسخ وبعدهما نسخ المنايا الأمانيا ولما امتدت في الثقاف مدته، واشتدت عليه قسوة الكبل وشدته، وأقلقته همومه، وأطبقته غمومه، وتوالت عليه الشجون، وطالت لياليه الجون، قال: أنباء أسرك قد طبقن آفاقا بل قد عممن جهات الأرض إقلاقا سرت من الغرب لا تطوى لها قدم حتى أتت شرقها تنعاك إشراقا فأحرق الفجع أكباداً وأفئدة وأغرق الدمع آماقاً وأحداقا قد ضاق صدر المعالي إذ نعيت لها وقيل: إن عليك القيد قد ضاقا أنى غلبت وكنت الدهر ذا غلب للغالبين وللسباق سباقا قلت الخطوب أذلتني طوارقها وكان غربي إلى الأعداء طراقا

стр. 2242

متى رأيت صروف الدهر تاركة إذا انبرت لذوي الأخطار أرماقا وقال لي من أثقه: لما ثار ابنه حيث ثار، وأثار من حقد أمير المؤمنين عليه ما أثار، جزع جزعاً مفرطاً، وعلم أنه قد صار في أنشوطة الشر متورطاً، وجعل يتشكى من فعله ويتظلم، ويتوجع منه ويتألم، ويقول: عرض بي للمحن، ورضي لي أن أمتحن، ووالله ما أبكي إلا انكشاف من أتخلفه بعدي، ويتحيفه بعدي، ثم أطرق ورفه رأسه وقد تهللت أسرته، وظللته مسرته، ورأيته قد استجمع، وتشوف إلى السماء وتطلع، فعلمت أنه قد رحا عودة إلى لطانه وأوبة إلى أوطانه، فما كان إلا بمقدار ما تنداح دائرة، أو تلتفت مقلة حائرة، حتى قال: كذا يهلك السيف في جفنه على هز كفي طويل الحنين كذا يعطش الرمح لم أعتقله ولم تروه من نجيع يميني كذا يمنع الطرف علك الشكي م مرتقباً غرة في كمين كأن الفوارس فيه ليوث تراعي فرائسها في عرين ألا شرف يرحم المشرفي مما به من شمات الوتين ألا كرم ينعش السمهري ويشفيه من كل داء دفين ألا حنة لابن محنية شديد الحنين ضعيف الأنين يؤمل من صدرها ضمة تبوئه صدر كفؤ معين وكانت طائفة من أهل فاس قد عاثوا فيها وفسقوا، وانتظموا في سلك الطغيان واتسقوا، ومنعوا جفون أهلا السنات، وأخذوا البنين من حجور آبائهم والبنات، وتلقبوا بالإمارة، وأركبوا السوء نفوسهم الأمارة، حتى كادت أن تقفز على أيديهم، وتدثر رسومها بإفراط تعديهم، إلى أن تدارك أمير المسلمين رحمه الله تعالى أمرهم، وأطفأ جمرهم، وأوجعهم ضرباً، وأقطعهم ما شاء حزناً وكرباً، وسجنهم بأغمات، وضمتهم جوانح الملمات

стр. 2243

والمعتمد إذ ذاك معتقل هناك، وكانت فيهم طائفة شعرية، مذنبة أو بيرة، فرغبوا إلى سجانهم، أن يستريحوا مع المعتمد من أشجانهم، فخلى ما بينهم وبينه، وغمض لهم في ذلك عينه، فكان المعتمد رحمه الله تعالى يتسلى بمجالستهم، ويجد أثر مؤانستهم، ويستريح إليهم بجواه، ويبوح لهم بسره ونجواه، إلى أن شفع فيهم وانطلقوامن وثاقهم، وانفرج لهم مبهم أغلاقهم، وبقي المعتمد في محبسه (١) يشتكي من ضيق الكبل، ويبكي بدمع كالوبل، فدخلوا عليه مودعين، ومن بثه متوجعين، فقال: أما لانسكاب الدمع في الخد راحة لقد آن أن يفنى، ويفنى به الخد هبوا دعوة يا آل فاس لمبتلىً بما منه قد عافاكم الصمد الفرد تخلصتم من سجن أغمات والتوت علي قيود لم يحن فكها بعد من الدهم أما خلقها فأساود تلوى وأما الأيد والبطش فالأسد فهنيتم النعما، ودامت لكلكم سعادته إن كان قد خانني سعد خرجتم جماعات وخلفت واحداً ولله في أمري وأمركم الحمد ومر عليه في موضع اعتقاله سرب قطاً لم يعلق لها جناح، ولا تعلق بها من الأيام جناح، ولا عاقها عن أفراخها الأشراك، ولا أعوزها البشام ولا الأراك، وهي تمرح في الجو، وتسرح في مواقع النو، فتنكد بما هو فيه من الوثاق، وما دون أحبته من الرقباء والأغلاق، وما يقاسيه من كبله، ويعانيه من وجده وخبله، وفكر في بناته وافتقارهن إلى نعيم عهدنه، وحبور حضرنه وشهدنه، فقال: بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي سوارح لا سجن ولا كبل ولم تك، والله المعيذ، حسادة ولكن حنيناً أن شكلي لها شكل

стр. 2244

فأسرح لا شملي صديع، ولا الحشا وجيع، ولا عيناي يبكيهما ثكل هنيئاً لها أن لم يفرق جميعها ولا ذاق منها البعد عن أهلها أهل وإذ لم تبت مثلي تطير قلوبها إذا اهتز باب السجن أو صلصل القفل وما ذاك مما يعتريه، وإنما وصفت التي في جبلة الخلق من قبل لنفسي إلى لقيا (١) الحمام تشوف ... سواي يحب العيش في ساقه كبل ألا عصم الله القطا في فراخها فإن فراخي خانها الماء والظل وفي هذه الحالة زاره الأديب أبو بكر ابن اللبانة، وهو أجد شعراء دولته المرتضعين دررها، المنتجعين دررها، وكان المعتمد رحمه الله تعالى يميزه بالشفوف والإحسان، ويجوزه في فرسان هذا الشان، فلما رآه وحلقات الكبل قد عضت بساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساود السود، وهو لا يطيق إعمال قدم، ولا يريق دمعاً إلا ممزوجاً بدم، بعدما عهده فوق منبر وسرير، ووسط جنة وحرير، تخفق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، وتكف الأمطار من راحته، وتشرف (٢) الأقدار بحلول ساحته، ويرتاع الدهر من أوامره ونواهيه، ويقصر النسر أن يقارنه أو يضاهيه، ندبه بكل مقال يلهب الأكباد، ويثير فيها لوعة الحرث بن عباد، أبدع من أناشيد معبد، وأصدع للكبد من مراثي أربد، أو بكاء ذي الرمة بالمربد، سلك فيها للاحتفاء طريقاً لاحباً، وغدا فيها لذيول الوفاء ساحباً، فمن ذلك قوله: انفض يديك من الدنياوساكنها فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا وقل لعالمها السفلي قد كتمت سريرة العالم العلوي أغمات طوت مظلتها لا بل مذلتها من لم تزل فوقه للعز رايات من كان بين الندى ولبأس أنصله هندية وعطاياه هندية

стр. 2245

رماه من حيث لم تستره سابغة دهر مصيباته نبل مصيبات أنكرت إلا التواءات القيود به وكيف تنكر في الروضات حيات غلطت بين همامين عقدن له وبينها فإذا الأنواع أشتات وقلت هن ذؤابات فلم عكسن من رأسه نحو رجليه الذؤابات حسبتها من قناه أو أعنته إذا بها لثقاف المجد آلات دروه ليثاً فخافوا منه عادية عذرتهم فلعدو الليث عادات لم كان يفرج عنه بعض آونة قامت بدعوته حتى الجمادات بحر محيط عهدناه تجيء له كنقطة الدارة السبع المحيطات لهفي على آل عباد فإنهم أهلة ما لها في الأفق هالات راح الحيا وغدا منهم بمنزلة كانت لنا بكر فيها وروحات أرض كأن على أقطارها سرجاً قد أوقدتهن بالأدهان أنبات وفوق شاطئ واديها رياض ربىً قد ظللتها من الأنشام دوحات نهر شربت بعبريه على صور كانت لها في قبل الراح سورات وربما كنت أسمو للخليج به وفي الخليج لأهل الراح راحات وبالعروسات لا جفت منابتها من النعيم غروسات جنيات ولم تزل كبده تتوقد بالزفرات، وخلده يتردد بين النكبات والعثرات، ونفسه تتقسم بين الأشجان والحسرات، إلى أن شفته منيته، وجاءته بها أمنيته، فدفن بأغمات، وأريح من تلك الأزمات: وعطلت المآثر من حلالها وأفردت المفاخر من علاها ورفعت مكارم الأخلاق، وكسدت نفائس الأعلاق، وصار أمره عبرة في عصره، وصاب أندى عبرة في مصره. وبعد أيام وافى أبو بحر ابن عبد الصمد شاعره المتصل به، المتوصل إلى المنى بسببه، فلما كان يوم العيد وانتشر

стр. 2246

الناس ضحىً، وظهر كل متوار واضحاً، قام على قبره عند انفصالهم من مصلاهم، واختيالهم بزينتهم وحلاهم، وقال بعد أن طاف بقبره والتزمه، وخر على تربه ولثمه: ملك الملوك، أسامع فأنادي أم قد عدتك عن السماع عوادي لما خلت منك القصور فلم تكن فيها كما قد كنت في الأعياد قبلت في هذا الثرى لك خاضعاً وتخذت قبرك موضع الإنشاد وهي قصيدة أطال إنشادها، وبنى بها اللواعج وشادها، فانحشر الناس إليه وانحفلوا، وبكوا ببكائه وأعولوا، وأقاموا أكثر نهارهم مطيفين به طواف الحجيج، مديمين للبكاء والعجيج، ثم انصرفوا وقد نزفوا ماء عيونهم، وأقرحوا مآقيهم بفيض شؤونهم، وهذه نهاية كل عيش، وغاية كل ملك وجيش، والأيام لا تدع حياً، ولا تألو كل نشر طياً، تطرق رزاياها كل سمع، وتفرق مناياها كل جمع، وتصمي كل ذي أمر ونهي، وترمي كل مشيدبوهي، ومن قبله طوت (١) النعمان ابن الشقيقة، ولوت مجازه في تلك الحقيقة، انتهى ما قصدنا جلبه من كلام الفتح مما يدخل في أخبار المعتمد بن عباد المناسبة لما مر. وكلام الفتح كله الغاية، وليس الخبر كالعيان، ولذا قال بعض من عرف به: إنه أراد أن يفضح الشعراء الذين ذكرهم في كتبه بنثره، ساكحه الله تعالى. وأخبار المعتمد رحمه الله تعالى تحتمل مجلدات، وآثاره إلى الآن بالغرب مخلدات، وكان من النادر الغريب قولهم في الدعاء في الصلاة على جنازته الصلاة على الغريب بعد اتساع ملكه، وانتظام سلكه، وحكمه على إشبيلية وأنحائها، وقرطبة وزهرائها، وهكذا شأن الدنيا في تدريسها نحو ندبتها وإغرائها. وقد توجه لسان الدين الوزير ابن الخطيب إلى أغمات لزيارة قبر المعتمد رحمه

стр. 2247

الله تعالى، ورأى ذلك من المهمات، وأنشد على قبره أبياته الشهيرة التي ذكرتها في جملة نظمه الذي هو أرق من النسيم، وأبهج من المحيا الوسيم. قلت: وقد زرت أنا قبر المعتمد والرميكية أم أولاده، حين كنت بمراكش المحروسة عام عشرة وألف، وعمي علي أمر القبر المذكور، وسألت عنه من تظن معرفته له، حتى هداني إليه شيخ طعن في السن، وقال لي: هذا قبر ملك (١) ملوك الأندلس، وقبر حظيته التي كان قلبه بحبها خفاقاً غير مطمئن، فرأيته في ربوة حسبما وصفه ابن الخطيب رحمه الله تعالى في الأبيات، وحصلت لي في ذلك المحل خشية وادكار، وذهبت بي الأفكار، في ضروب الآيات، فسبحان من يؤتي ملكه من يشاء لا إله غيره وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. وما أحسن قول الوزير ابن عبدون في مطلع رائيته الشهيرة: الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور وهو القائل: يا نائم الليل في فكر الشباب أفق فصبح شيبك في أفق النهى بادي غضت عنانك أيدي الدهر ناسخة علماً بجهل وإصلاحاً بإفساد وأسلمت للمنايا آل مسلمة وعبدت للرزايا آل عباد لقد هوت منك، خانتها قوادمها، بكوكب في سماء المجد وقاد ومنها: ومالك كان يحمي (٢) شول قرطبة ... أستغفر الله، لا بل شول بغداد

стр. 2248

شق العلوم نطافاً والعلا زهراً ثبين، ما بين رواد ووراد وأين هذه القصيدة في مدحهم من قصيدة الغض منهم، وهي قول أبي الحسن جعفر بن إبراهيم ابن الحاج اللورقي: تعز عن الدنيا ومعروف أهلها إذا عدم المعروف في آل عباد حللت بهم ضيفاً ثلاثة أشهر بغير قرىً ثم ارتحلت بلا زاد وهذا يدلك على أن الشعراء، لم يسلم من لسانهم من أحسن فضلاً عمن أساء، من العظماء والرؤساء، وما أمدح قول أبي محمد غانم فيهم: ومن الغريب غروب شمس في الثرى وضياؤها باق على الآفاق وقال في المطمح في حق بني عباد وأوليتهم ما صورته (١) : الوزير أبو القاسم محمد بن عباد، هذه بقية منتماها في لخم، ومرتماها إلى مفخر ضخم، وجدهم المنذر بن ماء السماء، ومطلعهم من جو تلك السماء، وبنو عباد ملوك أنس بهم الدهر، وتنفس منهم عن أعبق الزهر، وعمروا ربع الملك، وأمروا بالحياة والهلك، ومعتضدهم أحد من أقام وأقعد، وتبوأ كاهل الإرهاب واقتعد، وافترش من عريسته، وافترس من مكايد فريسته، وزاحم بعود، وهد كل طود، وأخمل كل ذي زي وشاة، وختل بوحي وإشارة، ومعتمدهم كان أجود الأملاك، وأحد نيرات تلك الأفلاك، وهو القائل، وقد شغل عن منادمة خواص دولته بمنادمة العقائل: لقد حننت إلى ما اعتدت من كرم حنين أرض إلى مستأخر المطر فهاتها خلعاً أرضي السماح بها محفوفة في أكف الشرب بالبدر

стр. 2249

وهو القائل وقد حن في طريقه، إلى فريقه: أدار النوى كم طال فيك تلذذي وكم غقتني عن دار أهيف أغيد حلفت به لو قد تعرض دونه كماة الأعادي في النسيج المسرد لجردت للضرب المهند، فانقضى مرادي، وعزماً مثل حد المهند والقاضي أبو القاسم هذا جدهم، وبه سفر مجدهم، وهو الذي اقتنص لهم الملك النافر، واختصهم منه بالحظ الوافر، فإنه أخذ الرياسة من أيدي جبابر، وأضحى من ظلالها أعيان أكابر، عندما أناخت بها أطماعهم، وأصاخت إليها أسماعهم، وامتدت إليها من مستحقيها اليد، وأتلعوا أجياد زانها الجيد، وفغر عليها فمه حتى هجا بيت العبدى، وتصدى إليها من تحضر وتبدى، فاقتعد سنامها وغاربها، وأبعد عنها عجمها وأعاربها، وفاز من الملك بأوفر حصة، وغدت سمته به صفة مختصة، فلم يمح رسم القضاء، ولم يتسم بسمة الملك مع ذلك النفوذ والمضاء، وما زال يحمي حوزته، ويجلو غرته، حتى حوته الرجام، وخلت منه تلك الآجام، وانتقل الملك إلى ابنه المعتضد، وحل منه في روض نمق له ونضد، ولم يعمر فيه ولم يدم ولاه، وتسمى بالمعتضد بالله، وارتمى إلى أبعد غايات الجود بما أناله وأولاده، لولا بطش في اقتضاء النفوس كدر ذلك المنهل، وعكر أثناء ذلك صفو العل والنهل (١) ، وما زال للأرواح قابضاً، وللوثوب عليها رابضاً، يخطف أعداءه اختطاف الطائر من الوكر، وينتصف منهم بالدهاء والمكر، إلى أن أفضى الملك إلى ابنه المعتمد، فاكتحل منه طرفه الرمد، وأحمد مجده، وتقلد منه أي بأس ونجدة، ونال به الحق مناه، وجر رسنه، وأقام في الملك ثلاثاً وعشرين سنة، لم تعدم له فيها حسنة ولا سيرة مستحسنة، إلى أن غلب على سلطانه، وذهب به من أوطانه، فنقل،

стр. 2250

إلى حيث اعتقل، وأقام كذلك إلى أن مات، ووارته برية أغمات، وكان للقاضي جده أدب غض، ومذهب مبيض، ونظم يرتجله كل حين، ويبعثه أعطر من الرياحين، فمن ذلك قوله يصف النيلوفر: يا ناظرين لذا النيلوفر البهج وطيب مخبره في الفوح والأرج كأنه جام در في تألقه قد أحكموا وسطه فصاً من السبج انتهى المقصود منه. ٦٧١ - تراجم منقولة عن الفتح ١ - ترجمة ابن البني من المطمح وهو - أعني الفتح - يشيد قصور الشرف إذا مدح، ويهدم معاقلها إذا هجا وقدح. ومن أغراضه قوله في المطمح في حق الأديب أبي جعفر ابن البني (١) : رافع رايات القريض، وصاحب آيات التصريح والتعريض، أقام شرائعه، وأظهر بدائعه، إذا نظم أزرى بالعقود، وأتى بأحسن من رقم البرود، وكان أليف غلمان، وحليف كفر لا إيمان، ما نطق متشرعاً، ولا رمق متورعاً، ولا اعتقد حشراً، ولا صدق بعثاً ولا نشراً، وربما تنسك مجوناً وفتكاً، وتمسك باسم التقى وقد هتكه هتكاً، لا يبالي كيف ذهب، ولا بما تمذهب، وكانت له أهاجي جرع بها صاباً، ودرع منها أوصاباً، وقد أثبت له ما يرتشف ريقاً، ويشرب تحقيقاً، فمن ذلك قوله يتغزل: من لي بغرة فاتن يختال في حلل الجمال إذا بدا وحليه لو شمت في وضح النهار شعاعها ما عاد جنح الليل بعد مضيه

стр. 2251

شرقت لآلي الحسن حتى خلصت ذهبيه في الخد من فضيه في صفحتيه من الجمال أزاهر غذيت بوسمي الحيا ووليه سلت محاسنه، لقتل محبه من سحر عينيه، حسام سميه وله فيه: كيف لا يزداد قلبي من جوى الشوق خبالا وإذا قلت علي بهر الناس جمالا هو كالغصن وكالبد ر قواماً واعتدالا أشرق البدر كمالا وانثنى الغصن اختيالا إن من رام سلوي عنه قد رام محالا لست أسلو عن هواه كان رشداً أو ضلالا قل لمن قصر فيه عذل نفسي أو أطالا دون أن تدرك هذا تسلب الأفق الهلالا وكنت بميورقة وقد حلها متسماً بالعبادة، وهو أسرى إلى الفجور من خيال أبي عبادة (١) ، وقد لبس أسمالاً، ولبس منه أقوالاً وأفعالاً، سجوده هجود، ولإقراره بالله جحود، وكانت له رابطة لم يكن للوازمها مرتبطاً، ولا بسكناها (٢) مغتبطاً، سماها بالعقيق وسمى فتى كان يتعشقه بالحمى، وكان لا يتصرف إلا في صفاته، ولا يقف إلا بعرفاته، ولا يؤرقه إلا جواه، ولا يشوقه (٣) إلا هواه، فإذا بأحد دعاة حبيبه، ورواة تشبيبه، قال له: كنت البارحة بحماه، وذكر لي خبراً ورى به عني وعماه، فقال:

стр. 2252

تنفس بالحمى مطلول أرض (١) ... فأودع نشره نشراً شمالا فصبحت العيون إلي كسلى تجرر فيه أرداناً خضالا أقول وقد شممت الترب مسكاً بنفحتها يميناً أوشمالا نسيم جاء يبعث منك طيباً ويشكو من محبتك اعتلالا ولما تقرر عند ناصر الدولة من أمره ما تقرر، وتردد على سمعه انتهاكه وتكرر، أخرجه من بلده ونفاه، وطمس رسم فسقه وعفاه، فأقلع إلى المشرق وهو جار، فلما صار من ميورقة على ثلاثة مجار (٢) ، نشأت له ريح صرفته عن وجهته، إلى فقد مهجته، فلما لحق بميورقة أراد ناصر الدولة إماحته، وأخذ ثأر الدين منه وإراحته، ثم آثر صفحه، وأخمد ذلك الجمر ولفحه، وأقام أياماً ريحاً علها تزجيه، ويستهديها لتخلصه وتنجيه، وفي أثناء بلوته، لم يتجاسر أحد على إتيانه من إخوته، فقال يخاطبهم: أحبتنا الألى عتبوا علينا فأقصرنا وقد أزف الوداع لقد كنتم لنا جذلاً وأنساً فهل في العيش بعدكم انتفاع أقول وقد صدرنا بعد يوم أشوق بالسفينة أم نزاع إذا طارت بنا حامت عليكم كأن قلوبنا فيها شراع وله يتغزل: بني العرب الصميم ألا رعيتم مآثركم بآثار السماح رفعتم ناركم فعشا إليها بوهن فارس الحي الوقاح فهل في القعب فضل تنضحوه به من محض ألبان اللقاح لعل الرسل شابته الثنايا بشهد من ندى نور الأقاح

стр. 2253

وله أيضاً: وكأنما رشأ الحمى لما بدا لك في مضلعة الحديد المعلم غصب الغمام قسيه فأراكها من حسن معطفه قويم الأسهم وله أيضاً: نظرت إليه فاتقاني بمقلة ترد إلى نحري صدور رماح حميت الجفون النوم يا رشأ الحمى وأظلمت أيامي وأنت صباحي وقال: قالوا تصيب طيور الجو أسهمه إذا رماها فقلنا عندنا الخبر تعلمت قوسها من قوس حاجبه وأيد السهم من ألحاظه الحور يروح في بردة كالنفس حالكة كما أضاء بجنح الليل القمر وربما راق في خضراء مورقة كما تفتح في أوراقه الزهر ٢ - ترجمة ابن لبال من المطمح وقال في ترجمة أبي الحسن ابن لبال (١) : شاعر سمح، متقلد بالإحسان متشح، أم الملوك والرؤساء، ويمم تلك العزة القعساء، فانتجع مواقع خيرهم، واقتع ما شاء من ميرهم، وتمادت أيامه إلى هذا الأوان، فجالت به في ميدان الهوان، فكسد نفاقه، وارتدت آفاقه، وتوالى عليه حرمانه وإخفاقه، وأدركته وقد خبنته سنونه، وانتظرت منونه، ومحاسنه كعهدها في الاتقاد، وبعدها من الانتقاد، وقد أثبت منها ما يعذب جنىً وقطافاً، ويستعذب استنزالاً واستلطافاً، فمن ذلك قوله يستنجد الأمير الأجل أبا إسحاق ابن أمير المسلمين:

стр. 2254

قل للأمير ابن الأمير بل الذي أبدا به في المكرمات وفي الندى والمجتنى بالرزق وهي بنفسج ورد الجراح مضعفاً ومنضدا جاءتك آمال العفاة ظوامئاً فاجعل لها من ماء جودك موردا وانثر على المداح سيبك، إنهم نثروا المدائح لؤلؤاً وزبرجدا فالناس إن ظلموا فأنت هو الحمى والناس إن ضلوا فأنت هو الهدى أخبرني وزير السلطان أن هذه القطعة لما ارتفعت، اعتنت بجملة الشعراء وشفعت، فأنجز لهم الموعود، وأورق لهم ذلك العود، وكثر اللغط في تعظيمها، واستجادة نظيمها، وحصل له بها ذكر، وانصقل له بسببها فكر. وله من قطعة يصف بها سيفاً: كل نهر توقدت شفرتاه كاتقاد الشهاب في الظلماء فهو ماء قد ركبت فوق نار أو كنار قد ركبت فوق ماء وكتب إلي معزياً عن والدتي: على مثله من مصاب وجب ... على من أصيب (١) به المنتجب وقلب فروق ولب خفوق ونفس تشب، وهم نصب فقد خشعت للتقى هضبة ذؤابتها في صميم العرب من الجاعلات محاريبها هوادجها أبداً والقتب من القائمات بظل الدجى ولا من تسامر إلا الشهب فكم ركعت إثرها في الدجى تناجي بها ربها من كثب وكم سكبت في أوان السجود مدامع كالغيث لما انسكب وقد خلفت ولداً باسلاً فصيحاً إذا ما قرا أو خطب

стр. 2255

يفل السيوف بأقلامه ويكسر صم القنا بالقصب وكان القائد أبو عمرو عثمان بن يحيى بن إبراهيم أجل من جال في خلد، واستطال على جلد، رشأ يحيى باحتشامه، ويسترد البدر بلثامه، ويزري بالغصن تثنيه، ويثمر الحسن لو دنت قطوفه لمجتنيه، مع لوذعية تخالها جريالا، وسجية يختال فيها الفضل اختيالا، وكان قد بعد عن أنسنا بحمص، وانتضى من تلك القمص، وكان بثغر الأشبونة فسده، ولم ينفرج لنا من الأنس بعده ما يسد مسده، إلى أن صدر، فأسرع إلينا وابتدر، فالتقينا وبتنا ليلة نام عنها الدهر وغفل، وقام لنا بما شئنا فيها وتكفل، فبينا نحن نفض ختامها، وننفض عنا غبار الوحشة وقتامها، إذا أنا بابن لبال هذا وقد دخل إذنه علينا فأمرناه بالنزول والتقيناع بترحيب، وأنزلناه بمكان من المسرة رحيب، وسقيناه صغاراً وكباراً، وأريناه إعظاماً وإكباراً، فلما شرب، طرب، وكلما كرعها، التحف السلوة وتدرعها، ومازال يشرب أقداحاً، وينشد فينا أمداحاً، ويفدي بنفسه، ويستهدي الاستزادة من أنسه، فهتكنا الظلام بما أهداه من البديع، واجتلينا محاسنه كالصديع (١) ، وانفصلت ليلته عن أتم مسرة، وأعم مبرة، وارتحل عثمان أعزه الله إلى ثغره، وأقام به برهة من دهره، فمشيتبها إليه مجدداً عهداً، ومتضلعاً من مؤانسته شهداً، فكتب ابن لبال هذه القطعة من القصيدة يذهب إلى شكره، ويجتهد في تجديد ذكره: ما شام إنسان إنسان كعثمان ولا كبغيته من حسن إحسان بدر السيادة يبدو في مطالعه من المحلسن محفوفاً بشهبان له التمام وما بالأفق من قمر متمم دون أن يرمى بنقصان به الشبيه تزهى من نضارتها كما تساقط طل فوق بستان

стр. 2256

معصفر الحسن للأبصار ناصعه كأنه فضة شيبت بعقيان نبئت عنه بأنباء إذا نفحت تعطلت نفحات المسك والبان قامت عليه براهين تصدقها كالشكل قام عليه كل برهان قد زادها ابن عبيد الله من وضح ما زادت الشمس نور الفجر للراني بالله بلغه تسليمي إذا بلغت تلك الركاب وعجل غير ليان وليت أني لو شاهدت أنسكما على كؤوس وطاسات وكيزان فألفظ الكلم المنثور بينكما كأنما هو من در ومرجان لله درك يا ذا الخطتين لقد خططت بالمدح فيه كل ديوان كلاكما البحر في جود وفي كرم أو الغاماة تقي كل ظمآن إن كان فارس هيجاء ومعترك فأنت فارس إفصاح وتبيان فاذكر أبا نصر المعمور منزله بالرفد ما شئت من مثنى ووحدان قصائداً لأخي ود وإن نزحت بك الركاب إلى أقصى خراسان ٣ - ترجمة عبد المعطي من المطمح وقال في ترجمة الأديب أبي بكر عبد المعطي (١) : بيت شعر ونباهة، وأبو بكر ممن انتبه خاطره للبدائع أي انتباهه، وله أدب باهر، ونظم كما سفرت أزاهر، وقد أثبت له جمالاً، يبلغ آمالاً، فمن ذلك قوله، وقد اجتمنا في ليلة لم يضرب لها وعد، ولم يعزب عنها سعد، وهو قعدي، وقد شب عن طوق الأنس في الندي، وما قال خالي عمرو ولا عدي (٢) ، والكهولة قد قبضته، وأقعدته عن ذلك وما أنهضته:

стр. 2257

إمام النثر والمنظوم فتح جميع الناس ليل وهو صبح له قلم جليل لا يجارى يقر بفضله سيف ورمح يباري المزن ما سحت سماحاً وإن شحت فليس لديه شح وكان مرتسماً في عسكر قرطبة، وكان ابن سراج يقوم له بكل ما يبغي تطلبه، خبفة من لسانه، ومحافظة على إحسانه، ولما خرج إلى إقليش خرج معه، وجعل يساير من شيعه، فلما حصلوا بفحص سرادق، وهو موضع توديع المفارق للمفارق، قرب منه أبو الحسين ابن سراج لوداعه، وأنشده في تفرق الشمل وانصداعه: هم رحلوا عنا لأمر لهم عنا فما أحد منهم على أحد حنا وما رحلوا حتى استقادوا نفوسنا كأنهم كانوا أحق بها منا فيا ساكني نجد لتبعد داركم ظننا بكم ظناً فأخلفتم الظنا غدرتم ولم أغدر، وخنتم ولم أخن وقلتم ولم أعتب، وجرتم وما جرنا وأقسمتم أن لاتخونون في الهوى فقد، وذمام الحب، خنتم وما خنا ترى تجمع الأيام بيني وبينكم ويجمعنا دهر نعود كما كنا فلما استتم إنشاده لحق بالسلطان واعتذر إليه بمريض خلفه، وهو يخاف تلفه، فأذن له بالانصراف، وكتب إلى أبي الحسين ابن سراج: أما والهدايا ما رحلنا ولا حلنا وإن عن من دون الترحل ما عنا تركنا ثواب الفضل والعز للعزى (١) ... على مضض منا وعدنا كما كنا وليس لنا عنكم على البين سلوة وإن كان أنتم عندكم سلوة عنا وجمعتنا عشية بربض الزجالي (٢) بقرطبة، ومعنا لمة من الإخوان وهو في

стр. 2258

جملتهم، وناهض لأعيانهم وجلتهم، بفضل أدبه، وكثرة سحبه، فجعل يرتجل ويروي، وينشر محاسن الآداب ويطوي، ويمتعنا بتلك الأخبار، ويقطعنا منها جانب اعتبار، ويطلعنا على إقبال الأيام والإدبار، ثم قال: أيا ابن عبيد الله يا ابن الأكارم لقد بخلت يمناك صوب الغمائم لك القلم الأعلى الذي عطل القنا وفل ظبات المرهفات الصوارم وأخلاقك الزهر الأزاهر (١) بالربى ... ترف بشؤبوب الغيوث السواجم بقيت لتشييد المكارم والعلى تظاهرها بالسالف المتقادم واجتمع عند أبيه لمة من أهل الأدب، وذوي المنازل والرتب، في عشية غيم أعقب مطراً، وخط فيها البرق أسطراً، والبرد يتساقط كدر من نظام، ويتراءى كثنايا غادة ذات ابتسام، وهو غلام ما نضا برد شبابه، ولا انتضى مرهف آدابه، فقال معرضاً بهم، ومتعرضاً لتحقق أدبهم: كأن الهواء غدير جمد بحيث البروق تذيب البرد خيوط وقد عقدت في الهواء وراحة ريح تحل العقد وشرب في دار ابن الأعلم في يوم لم ير الدهر فيه إساءة، وليل نسخ نور أنسه مساءه، ومعهم جملة من الشعراء، وجماعة من الوزراء، منهم أبناء القبطرنة فوقع بينهم عتاب وتعذال، وامتهان في ميدان المشاجرة وابتذال، آل به إلى تجريد السيف، وتكدير ما صفا بذلك الخيف، فسكنوه بالاستنزال، وثنوه عن ذلك النزال. ٤ - ترجمة ابن بقي من المطمح والقلائد وقال في المطمح في حق أبي بكر يحيى بن بقي القرطبي صاحب الموشحات البديعة: كان نبيل السيرة والنظام، كثير الارتباط في سلكه والانتظام، أحرز خصالاً، وطرز بمحاسنه بكراً وآصالاً، وجرى في ميدان الإحسان إلى أبعد

стр. 2259

أمد، وبنى من المعارف أثبت عمد، إلا أن الأيام حرمته، وقطعت حبل رعايته وصرمته، فلم تتم له وطراً، ولم تسجم عليه الحظوة مطراً، ولا سوغت من الحرمة نصيباً، ولا انزلته مرعى خصيباً، فصار راكب صهوات، وقاطع فلوات، لا يستقر يوماً، ولا يستحسن نوماً، مع توهم لا يظفره بأمان، وتقلب ذهن كالزمان، إلا أن يحيى بن علي بن القاسم نزعه من ذلك الطيش، وأقطعه جانباً من العيش، وأرقاه إلى سمائه، وسقاه صيب نعمائه، وفيأه ظلاله، وبوأه أثر النعمة يجوس خلاله، فصرف به أقواله، وشرف بعواقبه فعاله، وأفرده منها بأنفس در، وقصده منها بقصائد غر، انتهى المقصود جلبه من ترجمته في المطمح. وقال في حقه في القلائد: رافع راية القريض، وصاحب آية التصريح فيه والتعريض، أقام شرائعه، وأظهر روائعه، وصار عصيه طائعه، إذا نظم زرى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رقم البرود، وطفا عليه حرمانه، فما صفا له زمكانه، انتهى. وابن بقي المذكور هو القائل: بأبي غزال غازلته مقلتي بين العذيب وبين شطي بارق الأبيات المذكورة في غير هذا الموضع. ومن موشحاته قوله: غلب الشوق بقلبي فاشتكى ألم الوجد فلبت أدمعي أيها الناس فؤادي شغف وهو من بغي الهوى لا ينصف كم أداريه ودمعي يكف أيها الشادن من علمكما بسهام اللحظ قتل السبع

стр. 2260

بدر تم تحت ليل أغطش طالع في غصن بان منتشي أهيف القد بخد أرقش ساحر الطرف وكم ذا فتكا بقلوب الأسد بين الأضلع أي ريم رمته فاجتنبا وانثنى يهتز من سكر الصبا كقضيب هزه ريح الصبا قلت هب لي يا حبيبي وصلكا واطرح أسباب هجري ودع قال خدي زهره مذ فوفا جردت عيناي سيفاً مرهفا حذراً منه بأن لا يقطفا إن من رام جناه هلكا فأزل عنك علال الطمع ذاب قلبي في هوا ظبي غرير وجهه في الدجن صبح مستنير وفؤادي بين كفيه أسير لم أجد للصبر عنه مسلكا فانتصاري بانسكاب الأدمع وقال رحمه الله تعالى: خذ حديث الشوق عن نفسي وعن الدمع الذي همعا ما ترى شوقي وقد وقدا

стр. 2261

وهما دمعي واطردا واغتدى قلبي عليك سدى آه من ماء ومن قبس بين طرفي والحشا جمعا بأبي ريم إذا سفرا أطلعت أزراره قمرا فاحذروه كلما نظرا فبألحاظ الجفون قسي أنا منها بعض من صرعا أرتضيه جار أو عدلا قد خلعت العذر والعذلا إنما شوقي إليه جلا كم وكم أشكو إلى اللعث ظمئي لو أنه نفعا صال عبد الله بالحور وبطرف فاتر النظر حكمه في أنفس البشر مثل حكم الصبح في الغلس إن تجلى نوره صدعا شبهته بالرشا الأمم فلعمري أنهم ظلموا فتغنى من به السقم أين ظبي القفر والكنس من غزال في الحشا رتعا انتهى.

стр. 2262

وله أيضاً: ما ردني لابسثوب الضنى الدارسإلا قمر في غصن مائسشعاعه عاكسضوء البصر أسير كالسيلإليه لا باعإلا ودادي والطيف في خيللهن إسراعمع الرقاد يا كوكب الليلإن كنت تراعفلم فؤادي كالأسد العابسلكنه خانسمن الحور ومن نظمه قصيدة مدح يحيى بن علي بن القاسم المذكور بها، منها في المديح قوله: نوران ليسا يحجبان عن الورى كرم الطباع ولا جمال المنظر وكلاهما جمعا ليحيى فليدع كتمان نور علائه المتشهر في كل أفق من جمال ثنائه عرف يزيد على دخان المجمر رد في شمائله ورد في جوده بين الحديقة والغمام الممطر بدر عليه من الوقار سكينة فيها لقيطة كل ليث مخدر مثل الحسام إذا انطوى في غمده ألقى المهابة في نفوس الحضر أربى على المزن الملث لأنه أعطى كما أعطى ولم يستعبر ومنها: أقبلت مرتاداً لجودك إنه صوب الغمامة بل زلال الكوثر ولاأيت وجه النجح عندك أبيضاً فركبت نحوك كل لج أخضر وهي طويلة. استطراد وقوله " أربى على المزن الملث - البيت " هو معنى تلاعب الشعراء بكرته

стр. 2263

وأورده كل منهم على حسب مقدرته، فقال بعض: من قاس جدواك بالغمام فما أنصف في الحكم بين شيئين أنت إذا جدت ضاحك أبداً وهو إذا جاد دامع العين وقال آخر: ما نوال الغمام يوم ربيع كنوال الأمير يوم سخاء فنوال الأمير بدرة عين ونوال الغمام قطرة ماء وهما من شواهد البديع. وقال أبو عبد الله الحوضي التلمساني في قصيدة مدح بها سلطان تلمسان أبا عبد الله الزياني: أصبح المزن من عطائك يحكي يوم الاثنين للأنام عطاء كيف يدعى لك الغمام شبيهاً ولقد فقته سناً وسناء أنت تعطي إذا تقصر مالاً وهو يعطي إذا تطول ماء رجع - وذكر العماد في الخريدة ابن بقي المذكور، وأورد له جملة من المقطعات، ومحاسنه كثيرة رحمه الله تعالى؛ وبقي على وزن علي. رجع إلى بني عباد وقال ابن اللبانة في بني عباد ما نصه: بماذا أصفهم وأحليهم، وأي منقبة من الجلالة أوليهم، فهم القوم الذين تجل مناقبهم عن العدل والاحصاء، ولا يتعرض لها بالاستيفاء والاستقصاء، ملوك زينت بهم الدنيا وتحلت، وترقت حيث شاءت وحلت، إن ذكرت الحروب فعليهم يوقف منها الخبر اليقين، أو عدت المآثر فهم في ذلك في درجة السابقين، أصبح الملك بهم مشرق القسام، والأبام

стр. 2264

ذات بهجة وابتسام، حتى أناخ بهم الحمام، وعطل من محاسنهم الوراء والأمام، فنقل إلى العدم وجودهم، ولم يرع بأسهم جودهم، وكل ملك آدمي فمفقود، " وما نؤخره إلا لأجل معدود "، فأول ناشئة ملكهم، ومحصل الأمر تحت ملكهم، عظيمهم الأكبر، وسابقة شرفهم الأجل الأشهر، وزينهم الذي يعد في الفضائل بالوسطى والخنصر، محمد بن عباد، ويكنى أبا القاسم، واسم والده اسماعيل، ومن شعره قوله: يا حبذا الياسمين إذ يزهر فوق غصون رطيبة نضر قد امتطى للجبال ذروتها فوق بساط من سندس أخضر كأن والعيون ترمقه زمرد في حلاله جوهر ولنذكر كلام ابن اللبانة وغيره في حقهم فنقول: وصف المعتضد رحمه الله تعالى بما صورته (١) : المعتضد أبو عمرو عباد رحمه الله تعالى، لم تخل أيامه في أعدائه من تقييد قدم، ولا عطل سيفه من قبض روح وسفك دم، حتى لقد كانت في باب داره حديقة لا تثمر إلا رؤوساً، ولا تنبت إلا رئيساً ومرؤوساً، فكان نظره إليها أشهى مقترحاته، وفي التلفت إليها استعمل جل بكره وروحاته، فبكى وأرق، وشتت وفرق، ولقد حكي عنه من أوصاف التجبر ما ينبغي أن تصان عنه الأسماع، ولا يتعرض له بتصريح ولا إلماع، ومن نظمه عفا الله عنه: أتتك أم الحسن تشدو بصوت حسن تمد في ألحانها من الغناء المدني تقود مني ساكناً كأنني في رسن أوراقها أستارها إذا شدت في فنن وقوله: شربنا وجفن الليل يغسل كحله بماء صباح، والنسيم رقيق

стр. 2265

معتقة كالتبر أما نجارها فضخم وأما جسمها فرقيق وقوله: لقد وجدنا الحبيب يصي وداده وحمدنا ضميره واعتقاده قرب الحب من فؤاد محب لا يرى هجره ولا إبعاده وقال عند حصول رندة في ملكه: لقد حصلت يا رنده فصرت لملكنا عده أفادتناك أرماح وأسياف لها حده وقال رحمه الله تعالى: اشرب على وجه الصباح وانظر إلى نور الأقاح واعلم بأنك جاهل ما لم تقل بالصطباح فالدهر شيء بارد ما لم تسخنه براح ٦٧٢ - ابن خفاجة والمعتضد ومن حكايات المعتضد عباد ما ذكره غير واحد أن ابن جاخ الشاعر ورد على حضرته، فدخل الدار المخصوصة بالشعراء، فسألوه، فقال: إني شاعر، فقالوا: أنشدنا من شعرك، فقال: إني قصدت إليك يا عبادي قصد القليق بالجري للوادي فضحكوا منه وازدروه، فقال بعض العقلاء: دعوه فإن هذا شاعر، وما يبعد أن يدخل مع الشعراء ويندرح في سلكهم، فلم يبالوا بكلام الرجل، وتنادروا على المذكور، فبقي معهم، وكان لهم في تلك الدولة يوم مخصوص

стр. 2266

لا يدخل فيه على الملك غيرهم، وربما كان يوم الاثنين، فقال بعض لبعض: هذه شنعة بنا أن يكون مثل هذا البادي يقدم علينا، ويجترئ على الدخول معنا، فاتفقوا على أن يكون هو أول متكلم في اليوم المخصوص بهم عند جلوس السلطان، وقد رأوا أن يقول مثل ذلك الشعر المضحك فيطرده عنهم، ويكون ذلك حسماً لعلة إقدام مثله عليهم. فلما كان اليوم المذكور، وقعد السلطان في مجلسه، ونصب الكرسي لهم، رغبوا منه أن يكون هذا القادم أول متكلم في ذلك اليوم، فأمر بذلك، فصعد الكرسي، وانتظروا أن ينشد مثل الشعر المضحك المتقدم، فقال: قطعت يا يوم النوى أكبادي وحرمت عن عيني لذيذ رقادي وتركتني أرعى النجوم مسهداً والنار تضرم في صميم فؤادي فكأنما آلى الظلام ألية لا ينجلي إلا إلى ميعاد يا بين بين أين تقتاد النوى إبل الذين تحملوا بسعاد ولرب خرق قد قطعت نياطه والليل يرفل في ثياب حداد بشملة حرف كأن ذميلها سرح الرياح وكل برق غادي والنجم يحدوها وقد ناديتها يا ناقتي عوجي على عباد ملك إذا ما أضرمت نار الوغى وتلاقت الأجناد بالأجناد فترى الجسوم بلا رؤوس تنثني وترى الرؤوس لقى بلا أجساد يا أيها الملك المؤمل والذي قدماً سما شرفاً على الأنداد إن القريض لكاسد في أرضنا وله هنا سوق بغير كساد فجلبت من شعري إليك قوافياً يفنى الزمان وذكرها متمادي من شاعر لم يضطلع أدباً ولا خطت يداه صحيفة بمداد فقال له الملك: أنت ابن جاخ فقال: نعم، فقال: اجلس فقد وليتك رئاسة الشعراء، وأحسن إليه، ولم يأذن في الكلام في ذلك اليوم لأحد بعده، انتهى.

стр. 2267

رحع إلى أخبار بقية بني عباد المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن المعتضد أبي عمرو عباد ابن القاضي أبي القاسم ابن عباد رحمه الله تعالى، ملك مجيد، وأديب على الحقيقة مجيد، وهمام تحلى به للملك وللنظم جيد، أفنى الطغاة بسيفه وأباد، وأنسى بسيبه ذكر الحارث بن عباد، فأطلع أيامه في الزمان حجولاً وغروراً، ونظم معاليه في أجيادها جواهر ودرراً، وشيد في كل معلوة فناءه، وعمر بكل نادرة مستغربة وبادرة مستظرفة أوقاته وآناءه، فنفقت به للمحامد سوق، وبسقت ثمرات إحسانه أي بسوق، منع وقرى، وراش وبرى، ووصل وفرى، وكان له من أبنائه عدة أقمار نظمهم نظم السلك، وزين بهم سماء ذلك الملك، فكانوا معاقل بلاده، وحماة طارفه وتلاده، إلى أن استدار الزمان كهيئته، وأخذ البؤس في فيئته، واعتز الخلاف وظهر، وسل الشتات سيفه وشهر، والمعتمد رحمه الله تعالى يطلب نفسه أثناء ذلك بالثبات، بين تلك الثبات، والمقام، في ذلك المقام، إلى أن بدل القطب بالواقع، واتسع الخرق على الراقع، فاستعضد بابن تاشفين فورد عليه خطابه يشعر بالوفاء، فثاب إليه فكر خاطره وفاء، وثبت خلال تلك المدة للنزال، ودعا من رام حربه نزال، إلى أن أصبح والحروب قد نهبته، والأيام تسترجع منه ما وهبته، فثل ذلك العرش، واعتدت الليالي حين أمنت من الأرش، فنقل من صهوات الخيول إلى بطون الأجفان، وهذه الدنيا جميع ما لديها زائل وكل من عليها فان، فما أغنت تلك المملكة وما دفعت، وليتها ما ضرت إذ لم تكن نفعت، وكل يلقى معجله ومؤجله، ويبلغ الكتاب أجله. وقال الفقيه القاضي أبو بكر ابن خميس رحمه الله تعالى حين ذكر تاريخ بني عباد: وقد ذكر الناس للمعتمد من أوصافه، ما لا يبلغ مع كثرته إلى إنصافه، وأنا الآن أذكر نبذاً من أخباره، وأردفها بما وقفت عليه من منظومات

стр. 2268

أشعاره، فإنه رحمه الله تعالى جم الأدب رائقه، عالي النظم فائقه، كان يسمى بمحمد، ويكنى بأبي القاسم، على كنية جده القاضي، استبد بالأمر عند موت أبيه المعتضد، وفي ذلك يقول الحصري رحمه الله تعالى: مات عباد ولكن بقي الفرع الكريم قكأن الميت حي غير أن الضاد ميم قال ابن اللبانة رحمه الله تعالى: ولم يزل المعتمد بخير إلى أن كانت سنة خمس وسبعين وأرعمائة، ووصل اليهودي ابن شاليب لقبض الجزية المعلومة مع قوم من رؤساء النصارى، وحلوا بباب من أبواب إشبيلية، فوجه لهم المعتمد المال، مع جماعة من وجوه دولته، فقال اليهودي: والله لا أخذت هذا العيار، ولا آخذه منه إلا مشجراً، وبعد هذا العام لا آخذ منه إلا أجفان البلاد، ردوه إليه، فرد المال إلى المعتمد، وأعلم بالقصة، فدعا بالجند، وقال: ائتوني باليهودي وأصحابه، واقطعوا حبال الخباء، ففعلوا وجاؤوا بهم، فقال: اسجنوا النصارى، واصلبوا اليهودي الملعون، فقال اليهودي: لا تفعل، وأنا أفتدي منك بزنتي مالاً، فقال: والله لو أعطيتني العدوة والأندلس ما قبلتهما منك، فصلب، فبلغ الخبر النصراني، فكتب فيهم، فوجه إليه بهم، فأقسم النصراني أن يأتي من الجنود بعدد سعر رأسه حتى يصل إلى بحر الزقاق، وأمير المسلمين يوسف بن تاشفين إذ ذاك محاصر سبتة، فجاز المعتمد إليه، ووعده بنصرته، فرجع وحث ملوك الأندلس على الجهاد، ثم وصل ابن تاشفين، فكانت غزوة الزلاقة المشهورة، ورجع ابن تاشفين إلى المغرب، ثم جاز بعد ذلك إلى الأندلس، وتوهم ابن عباد أنه إذا أخذ البلاد يأخذ أموالها ويترك الأجفان، فعزم ابن تاشفين على أن يخلع ملوك الأندلس، ودارت إذ ذاك مكايد جمة، ثم وجه ابن تاشفين من سبتة إلى المعتمد يطلب منه الجزيرة الخضراء وفيها ابنه يزيد، فكتب إليه معتذراً عنها، فلم يكن إلا كلمح بالبصر وإذا بمائة شراع قد أطلت على الجزيرة

стр. 2269

فطير ابنه الحمام إليها، فأمره بإخلائها، فظهر عند ذلك ابن تاشفين، وقيل: إنه لم يجز المرة الأولى حتى طلب من المعتمد الجزيرة لتكون عدة له، وكان ذلك بدسيسة بعض أهل الأندلس نصحاً لابن تاشفين، ثم شرع ابن تاشفين في خلع ملوك الأندلس وقتالهم، وأرسل إلى كل مملكة حماعة من أخل دولته وأجناده يحاصرونها، وأرسل إلى حضرة المعتمد إشبيلية، وشرع في قتالها، والناس قد ملوا الدولة العبادية وسئموها، على ما جرت به العادة من حب الجديد، لا سيما وقد ظهر من ابن عباد من التهتك في الشرب والملاهي ما لا يخفى أمره، فتمنى أكثر الناس الراحة من دولتهم، ولما اشتد مخنق المعتمد وجه عن النصارى، فأعد لهم ابن تاشفين من لقيهم في الطريق، فهزمهم، وجهز ابن تاشفين القطائع لإشبيلية، وجد في حصارها، والمعتمد مع ذلك منغمس في لذاته، وقد ألقى الأمور بيد ابنه الرشيد، فلم يشعر ابن عباد إلا والعسكر معه في البلد، فأفاق من نومه، وصحا من سكره، وركب فرسه وحسامه في يده، وليس عليه إلا ثوب واحد، فوافق العسكر قد دخل من باب الفرج، ووافق هنالك طبالاً فضربه بسيفه ضربة قسمه بها نصفين، ففر الناس أمامه، وتراموا من السور، ووقف حتى بان الباب، وفي ذلك يقول الأبيات المذكورة فيما يأتي: إن يسلب القوم العدا.... إلخ. فلما وصل إلى باب الصباغين وجد ابنه مالكاً مقتولاً، فاسترحم له، ودخل القصر، وزاد الأمر بعد ذلك، ودخل البلد من كل جهاته فطلب الأمان له ولمن معه، فأمن وجميع من له، وأعدت له مراكب، واجتاز إلى طنجة، فلقيه الحصري الشاعر، وكان قد ألف له كتاب " المستحسن من الأشعار " فلم يقض بوصوله إليه إلا وهو على تلك الحالة، فلما أخذ المعتمد الكتاب قال للحصري: ارفع ذلك البساط فخذ ما تحته، فوالله ما أملك غيره، فوجد تحته جملة مال، فأخذه، ثم انتقل حتى وصل أغمات، ولم يزل بها إلى أن مات، رحمه الله تعالى.

стр. 2270

وقال الفتح في ترجمة ما نصه (١) : ملك قمع العدا، وجمع البأس والندى، وطلع على الدنيا بدر هدى، لم يتعطل يوماً كفه ولا بنانه، آونة يراعه وآونة سنانه، وكانت أيامه مواسم، وثغوره بواسم (٢) ، ولياليه كلها دررا، وللزمان حجولاً وغرراً، لم يغفلها من سمات عوارف، ولم يضحها من ظل إيناس وارف، ولا عطلها من مأثرة بقي أثرها بادياً، ولقي معتفيه منها إلى الفضل هادياً، وكانت حضرته مطمحاً للهمم، ومسرحاً لآمال الأمم، ومقذفاً لكل كمي، وموقفاً لكل ذي أنف حمي، لم تخل من وفد، ولم يصح جوها من انسجام رفد، فاجتمع تحت لوائه من جماهير الكاة، ومشاهير الحماة، أعداد يغص بهم الفضاء، وأنجاد يزهى بهم النفوذ والمضاء، وطلع في سمائه كل نجم متقد، وكل ذي فهم منتقد، فأصبحت حضرته ميداناً لرهان الأذهان، ومضماراً لإحراز الخصل، في كل معنى وفصل، فلم يلتحق بزمامه إلا كل بطل نجد، ولم يتسق في نظامه إلا ذكاء ومجد، فأصبح عصره أجمل عصر، وغدا مصره أكمل مصر، تسفح فيه ديم الكرم، ويفصح فيه لساناً سيف وقلم، ويفضح الضى في وصفه أيام ذي سلم، وكان قومه وبنوه لتلك الحلبة زيناً، ولتلك الجملة عيناً، إن ركبوا خلت الأرض فلكاً يحمل نجوماً، وإن وهبوا رأيت الغمائم سجوماً، وإن أقدموا أحجم عنترة العبسي، وإن فخروا أفحم عرابة الأوسي، ثم انحرفت الأيام فألوت بإشراقه، وأذوت يانع إيراقه، فلم يدفع الرمح ولا الحسام، ولم تنفع تلك المنن الجسام، فتملك بعد الملك، وحط من فلكه إلى الفلك، فأصبح خائضاً تحدوه الرياح، وناهضاً يجزيه البكاء والصياح، قد ضجت عليه أياديه، وارتجت جوانب ناديه، وأضحت منازله قد بان عنها الأنس والحبور، وألوت ببهجتها الصبا والدبور، فبكت العيون عليه دماً، وعاد

стр. 2271

موجود الحياة عدماً، وصار أحرار الدهر فيه خدماً، فسحقاً لدنيا ما رعت حقوقه، ولا أبقت شروقه، فكم أحياها لبنيها، وأبداها رائقة لمجتنيها، وهي الأيام لا يتقى من تجنيها (١) ، ولا تبقي على مواليها ومدانيها، أدثرت آثار جلق، وأخمدت نار المحلق، وذلت عزة ابن شداد، وهدت القصر ذا الشرفات من سنداد، ونعمت ببؤس النعمان، وأكمنت غدرها له في طلب الأمان، انتهى. ثم ذكر الفتح من أخباره وأشعاره ومجالس أنسه وغير ذلك من أمره نبذاً ذكرنا بعضها في هذا الكتاب. ٦٧٣ - الراضي ابن المعتمد وقال في ترجمة ابنه الراضي بالله أبي خالد يزيد بن المعتمد ما نصه (٢) : ملك تفرع من دوحة سناء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، وتحدر من سلالة أكابر، ورقاة أسرة ومنابر، وتصرف أثناء شبيبته بين دراسة معارف وإفاضة عوارف، وكلف بالعلم حتى صار ملهج لسانه، وروضة أجفانه، لا يستريح بغرته منه إلا إلى متن سائل الغرة، ميمون الأسرة، يسابق به الرياح، ويحاسن بغرته البدر اللياح، عريق في السناء، عتيق الاقتناء، سريع الوخد والإرقال، من آل أعوج أو لذي العقال (٣) ، إلى أن ولاه أبوه الجزيرة الخضراء، وضم إليها رندة الغراء، فانتقل من متن الجواد، إلى ذروة الأعواد، وأقلع عن الدراسة، إلى تدبير الرياسة، وما زال يدبرها بجوده ونهاه، ويورد الآمل فيها مناه، حتى غدت عراقاً، وامتلأت إشراقاً، إلى أن اتفق في أمر الجزيرة ما اتفق، وخاب

стр. 2272

فيها الرجاء وأخفق، واستحالت بهجتها، وأحالت عليها من الحال لجتها (١) ، فانتقل إلى رندة معقل أشب، ومنزل للسماك منتسب، وأقام فيها رهين حصار، ومهين حماة وأنصار، ولقيت ريحه كل إعصار، حتى رمته سهام الخطوب عن قسيها، وأمكنت منه يدي مسيها، فحواه رمسه، وطواه عن غده أمسه، حسبما بسطنا القول فيه فيما مر من أخبار أبيه، انتهى. والذي أشار إليه هنا وأحال عليه فيما تقدم له من أخبار المعتمد هو قوله بعد حكايته قتل المأمون بن المعتمد بقرطبة وسياقه أخبار ذلك ما نصه (٢) : ثم انتقلوا إلى رندة أحد معاقل الأندلس الممتنعة، وقواعدها السامية المرتفعة، تطرد منها على بعد مرتقاها، ودنو النجوم من ذراها، عيون لانصبابها دوي كالرعد القاصف، والرياح العواصف، ثم تتكون وادياً يلتوي بجوانبها التواء الشجاع، ويزيدها في التوعر والامتناع، وقد تجونت نواحيها وأقطارها، وتكونت فيها لباناتها وأوطارها، لا يتعذر لها مطلب، ولا يتصور فيها عدو إلا علقه ناب أو مخلب، فلما أناخوا منها على بعد، وأقاموا من الرجاء فيها على غير وعد، وفيها ابنه الراضي لم يحفل بإناختهم بإزائه، ولا عدها من أرزائه، لامتناعه من منازلتهم، وارتفاعه عن مطاولتهم، إلى أن انقضى في أمر إشبيلية ما انقضى، وأفضى أمر أبيه إلى ما أفضى، فحمل على مخاطبته لينزل عن صياصيه، ويمكنهم من نواصيه، فنزل براً بأبيه، وإبقاء على أرماق ذويه، بعد أن عاقدهم مستوثقاً، وأخذ عليهم عهداً من الله وموثقاً، فلما وصل إليهم، وحصل في يديهم، مالوا به عن الحصن وجرعوه الردى، وأقطعوا الثرى حين أودى، وفي ذلك يقول المعتمد يرثيهما، وقد رأى قمربة بائحة بشجنها، نائحة بفننها على سكنها، وأمامها وكر فيه طائران يرددان نغماً، ويغردان ترحة وترنماً:

стр. 2273

بكت أن رأت إلفين ضمهما وكر مساء وقد أخنى على إلفها الدهر وناحت فباحت واستراحت بسرها وما نطقت حرفاً يبوح به سر فما لي لا أبكي أم القلب صخرة وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر بكت واحداً لم يشجها غير فقده وأبكي لألاف عديدهم كثر بني صغير أو خليل موافق يمزق ذا قفر وغرق ذا بحر ونجمان زين للزمان احتواهما ... بقرطبة النكداء (١) أو رندة القبر غدرت إذاً إن ضن جفني بقطرة وإن لومت نفسي فصاحبها الصبر فقل للنجوم الزهر تبكيهما معي لمثلهما فلتحزن الأنجم الزهر وقال في ترجمة الراضي ما صورته (٢) : وكان المعتمد رحمه الله تعالى كثيراً ما يرميه بملامه، ويصميه بسهامه، فلربما استلطفه بمقال أفصح من دمع المحزون، وأملح من روض الحزون، فإنه كان ينظم من بديع القول لآلئ وعقوداً، تسل من النفوس سخائم وحقوداً، وقد أثبت من كلامه في بث آلامه، واستجارة عذله وملامه، ما تستبدعه، وتحله النفوس (٣) وتودعه، فمن ذلك ما قاله وقد أنهض جماعة من إخوته وأقعده، وأدناهم وأبعده: أعيذك أم يكون بنا خمول ويطلع غيرنا ولنا أفول حنانك إن يكن جرمي قبيحاً فإن الصفح عن جرمي جميل ألست بفرعك الزاكي وماذا يرجي الفرع خانته الأصول ثم قال الفتح بعد كلام (٤) : ومرت عليه - يعني الراضي - هوادج وقباب، فيها حبائب كن له وأحباب، ألفهن أيام خلائه من دولة، وجال معهن في

стр. 2274

ميدان المنى أعظم جولة، ثم انتزعوا منه ببعده، وأودعوا الهوادج من بعده، ووجهوا هدايا إلى العدوة، وألموا بها إلمام قريش بدار الندوة، فقال: مروا بنا أصلاً بغير ميعاد فأوقدوا نار شوقي أي إيقاد وأذكروني أياماً لهوت بهن فيها ففازوا بإيثاري وإحمادي لا غرو أن زاد في وجدي مرورهم فرؤية الماء تذكي غلة الصادي ولما وصل المعتمد (١) لورقة أعلم أن العدو قد جيش لها واحتشد، ونهد نحوها وقصد، ليتركها خاوية على عروشها، طاوية الجوانح على وحوشها، فتعرض له المعتمد دون بغيته، وطلع عليه من ثنيته، وأمر الراضي بالخروج إليه في عسكر جرده لمحاربته، وأعده لمصادمته ومضاربته، فأظهر التمارض والتشكي، وأضمر التقاعص والتلكي، فراراً من المصادمة، وإحجاماً عن المساومة، وجزعاً من منازلة الأقران، ومقابلة ذوابل المران، ومقاساة الطعان، وملاقاة أبطال كالرعان، ورأى أن المطالعة، أرجح من المقارعة، ومعانة العلوم، أربح من مداواة الكلوم، فقد كان عاكفاً على تلاوة ديوان، عارفاً بإجادة سطر وعنوان، فعلم المعتمد ما نواه، وتحقق ما لواه، فأعرض عنه، ونفض يده منه، ووجه المعتد (٢) مع ذلك الجيش الذي لم تنشر بنوده، ولا نصرت جنوده، فعندما لاقوا العدو لاذوا بالفرار، وعاذوا بإعطاء الغرة بدلاً من الغرار، وتفرقوا في تلك الأماريت (٣) ، وفرقوا من تخطف أولئك العفاريت، فتحيف العدو من بقي مع المعتمد واهتضمه، وخضم ما في العسكر وقضمه، وغدت مضاربه مجر عواليه، ومجرى مذاكيه، وآب أخسر من بائع السدانة (٤) ، ومضيع الأمانة، فانطبقت سماء المعتمد على أرضه، وشغلته عن إقامة نوافله وفرضه، فكتب إليه الراضي:

стр. 2275

لايكرثنك خطب الحادث الجاري فما عليك بذاك الخطب من عار ماذا على ضيغم أمضى عزيمته إن خانه حد أنياب وأظفار لئن أتوك فمن جبن ومن خور قد ينهض العير نحو الضيغم الضاري عليك للناس أن تبقى لنصرتهم ... وما عليك لهم إسعاد أقدار (١) لو يعلم الناس فيما أن تدوم لهم بكوا لأنك من ثوب الصبا عاري ولو أطاقوا انتقاصاً من حياتهم لم يتحفوك بشيءً غير أعمار فحجب عنه وجه رضاه، ولم يستنزله (٢) بذلك ولا استرضاه، وتمادى على إعراضه، وقعد عن إضهاره وإنهاضه، حتى بسطته سوانح السلو، وعطفته عليه جوانح (٣) الحنو، فكتب إليه بهزل، غلب فيه كل منزع جزل، وهو: الملك في طي الدفاتر فتخل عن قود العسكر طف بالسريرمسلماً وارجع لتوديع المنابر وازحف الى جيش المعا رف تقهر الحبر المقامر واطعن بأطراف اليرا ع نصرت في ثغر المحابر واضرب بسكين الدوا ة مكان ماضي الحد باتر أولست رسطاليس إن ذكر الفلاسفة الأكابر وأبو حنيفة ساقط في الرأي حين تكون حاضر وكذاك إن ذكر الخلي ل فأنت نحوي وشاعر من هرمس من سيبوي هـ من ابن فورك إذ تناظر هذي المكارم قد حوي ت فكن لمن حاباك شاكر واقعد فإنك طاعم كاس وقل: هل من مفاخر

стр. 2276

لحجبت وجه رضاي عن ك وكنت قد تلقاه سافر أولست تذكر وقت لو رقة وقلبك ثم طائر لا يستقر مكانه وأبوك كالضرغام خادر هلا اقتديت بفعله وأطعته إذ ذاك آمر قد كان أبصر بالعوا قب والموارد والمصادر فكتب إليه الراضي مراجعاً بقطعة منها: مولاي قد أصبحت كافر بجميع ما تحوي الدفاتر وفللت سكين الدوا ة وظلت للأقلام كاسر وعلمت أن الملك ما بين الأسنة والبواتر والمجد والعلياء في ضرب العساكر بالعساكر لا ضرب أقوال بأق وال ضعيفات مناكر قد كنت أحسب من سفا هـ أنها أصل المفاخر فإذا بها فرع لها والجهل للإنسان عاذر لا يدرك الشرف الفتى إلابعسال وباتر وهاجرت من سميتهم وجحدت أنهم أكابر لو كنت تهوى ميتتي لوجدتني للعيش هاجر ضحك الموالي بالعبي د إذا تؤمل غير ضائر إن كان لي فضل فمن ك وهل لذاك النور ساتر أو كان بي نقص فم ني غير أن الفضل غامر ذكرت عبدك ساعة يبقى لها ما عاش ذاكر يا ليته قد غيبت هـ عندها إحدى المقابر أتريد مني أن أكو ن كمن غدا في الدهر نادر هيهات ذلك مطمع يعيي الأوائل والأواخر

стр. 2277

لاتنس يا مولاي قو لة ضارع لا قول فاخر ضبط الجزيرة عندما نزلت بعقوبتها العساكر أيام ظلت بها فري داً ليس غير الله ناصر إذ كان يعشي ناظري لمع الأسنة والبواتر ويصم أسماعي بها قرع الحجارة بالحوافر وهي الحضيض سهولة لكن ثبت بها مخاطر هبني أسأت كما أسأ ت أما لهذا العتب آخر هب زلتي لبنوتي واغفر فإن الله غافر فقربه وأدناه، وصفح عما كان جناه، ولم تزل الحال آخذة في البوار، والأمور معتلة اعتلال حب الفرزدق للنوار، حتى مضوا لغير طية، وقضوا بين الصوارم والرماح الخطية، حسبما سردناه، وإذا أراد الله سبحانه إنفاذ أمر سبق في علمه، فلا مرد له ولا معقب لحكمه، ولا إله إلا هو رب العالمين؛ انتهى كلام الفتح. وعلى الجملة فكانت دولة بني عباد بالأندلس من أبهج الدول في الكرم والفضل والأدب، حتى قال ابن لبانة رحمه الله تعالى: إن الدولة العبادية بالأندلس أشبه شيء بالدولة العباسية ببغداد، سعة مكارم، وجمع فضائل، ولذلك ألف فيها كتاباً مستقلاً سماه " الاعتماد في أخبار بني عباد " ولا يلتفت لكلب عقور نبح بقوله: مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتضد فيها ومعتمد ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسد لأن هذه مقالة متعسف كافر للنعم، ومثل ذلك في حقهم لا يقدح، وما زالت الأشراف تهجى وتمدح.

стр. 2278

وللمعتمد أولاد ملوك منهم المأمون والرشيد والراضي والمعتد وغيرهم، وقد سردنا خبر بعضهم. ٦٧٤ - مدائح ابن اللبانة في بني عباد وكان الداني المذكور مائلاً إلى بني عباد بطبعه، إذ كان المعتمد هو الذي جذب بضبعه، وله فيه المدائح الأنيقة، التي هي أذكى من زهر الحديقة، فمن ذلك قوله من قصيدة يمدحه بها ويذكر أولاده الأربعة، الذين عمروا من المجد أربعة، وهم الرشيد عبيد الله والراضي يزيد والمأمون والمؤتمن، وكانوا نجوم ذلك الأفق وغيوث ذلك الزمن، ولقد أجاد في ذلك كل الإجادة، وأطال لمجدهم نجاده: يغيثك في محل، يعينك في ردى يروعك في درع، يروقك في برد جمال وإجمال وسبق وصولة كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد بمهجته شاد العلا ثم زادها بناء بأبناء جحاجحة لد بأربعة مثل الطباع تركبوا لتعديل ذكر المجد والشرف العد والمأمون بن المعتمد قتله لمتونة بقرطبة، والراضي يزيد قتلوه برندة كما سقنا خبره آنفاً، وفي حالتهم هذه يقول الشاعر المشهور عبد الجبار بن حميدس الصقلي: ولما رحلتم بالندى في أكفكم وقلقل رضوى منكم وثبير رفعت لساني بالقيامة قد دنت فهذي الجبال الراسيات تسير وفي قصة المعتمد يقول الداني المذكور: لكل شيء من الأشاء ميقات وللمنى في مناياهن غايات

стр. 2279

والدهر في صفة الحرباء منغمس ألوان حالاته فيها استحالات ونحن من لعب الشطرنج في يده وطالما قمرت بالبيدق الشاة انفض يديك من الدنيا وزينتها فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا وقل لعالمها الأرضي قد كتمت سريرة العالم العلوي أغمات وهي طويلة ذكرها الفتح وغيره. وللداني أيضاً قصيدة عملها في المعتمد وهو بأغمات سنة ٤٨٦ (١) : تنشق بريحان السلام فإنما أفض به مسكاً عليك مختما وقل لي مجازاً إن عدمت حقيقة لعلك في نعمي فقد كنت منعما أفكر في عصر مضى بك مشرقاً فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما وأعجب من أفق المجرة إذ رأى كسوفك شمساً كيف أطلع أنجما لئن عظمت فيك الرزية إننا وجدناك منها في الرزية أعظما قناة سعت للطعن حتى تقسمت وسيف أطال الضرب حتى تثلما ومنها: بكى آل عباد (٢) ولا كمحمد ... وأولاده صوب الغمامة إذ همى حبيب إلى قلبي حبيب لقوله عسى طلل يدنو بهم ولعلما صباحهم كنا به نحمد السرى فلما عدمناهم سرينا على عمى وكنا رعينا العز حول حمامهم فقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى وقد ألبست أيدي الليالي قلوبهم مناسج سدى الغيث فيها وألحما قصور خلت من ساكنيها فما بها سوى الأدم تمشي حول واقفة الدمى

стр. 2280

تجيب بها الهام الصدى ولطالما أجاب القيان الطائر المترنما كأن لم يكن فيها أنيس، ولا التقى بها الوفد جمعاً والخميس عرمرما ومنها: حكيت وقد فارقت ملكك مالكاً ومن لهي أحكي عليك متمما مصاب هوى بالنيرات من العلا ولم يبق في أرض المكارم معلما تضيق علي الأرض حتى كأنما خلقت وإياها سواراً ومعصما ندبتك حتى لم يخل لي الأسى دموعاً بها أبكي عليك ولا دما وإني على رسمي مقيم فإن أمت سأجعل للباكين رسمي موسما بكاك الحيا والريح شقت جيوبها عليك وناح الرعد باسمك معلما ومزق ثوب البرق واكتست الضحى حداداً وقامت أنجم الجو أفحما وحار ابنك الإصباح وجداً فما اهتدى وغار أخوك البحر غيضاً فما طمى وما حل بدر التم بعدك دارة ولا أظهرت شمس الظهيرة مبسما قضى الله أن حطوك عن ظهر أشقر بشم وأن أمطوك أشأم أدهما وكان قد انفكت عنه القيود، فأشار إلى ذلك بقوله فيها: قيودك ذابت فنطلقت لقد لقدغدت قيودك منهم بالمكارم أرحما عجبت لأن لان الحديد وأن قسوا لقد كان منهم بالسريرة أعلما سينجيك من نجى من السجن يوسفاً ويؤويك من آوى المسيح بن مريما ولأبي بكر الداني المذكور في البكاء على أيامهم وانتثار نظامهم عدة مقطوعات وقصائد، هي قرة عين الطالب ونجعة الرائد، وقد اشتمل عليها جزء لطيف، صدر عنه في هيئة تصنيف، سماه " السلوك في وعظ الملوك "، ووفد على المعتمد وهو بأغمات، عدة وفادات، لم يخل في جميعها من إفادات، وقال في إحداها، هذه وفادة وفاء لا وفادة اجتداء.
следующие страницы →