← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

لي من جبينك هادي في الليل نحو مرادي فما أريد سراجاً يدلني لرشاد أنى وكفك سحب يبدو بها ذا اتقاد وله في قوادة: قوادة تفخر بالعار أقود من ليل على سار ولاجة في كل دار وما يدري بها من حذقها داري ظريفة مقبولة الملتقى خفيفة الوطء على الجار لحافها لا ينطوي دائماً أقلق من راية بيطار قد ربيت مذ عرفت نفعها ما بين فتاك وشطار جاهلة حيث ثوى مسجد عارفة حانة خمار بسامة مكثرة برها ذات فكاهات وأخبار علم الرياضيات حوته وسا سته بتقويم وأسحار مناعة للنعل من كيسها موسرة في حال إعسار تكاد من لطف أحاديثها تجمع بين الماء والنار وما سمعنا في هذا الباب أحسن من هذا، والبيت السائر: تقود، من السياسة، ألف بغل إذا حرنت، بخيط العنكبوت وشرب ليلة مع أصحاب له وفيهم وسيم، فأعرض بجانبه وقطب، فتكدر المجلس، فقال أبو جعفر: يا من نأى عنا إلى جانب صد كميل الشمس عند الغروب لا تزو عنا وجهك المجتلى فالشمس لا يعهد منها قطوب إن دام هذا الحال ما بيننا فإننا عما قريب نتوب

стр. 2207

ما تشتكي الدهر ولا خطبه لولاك ما دارت علينا خطوب وله أيضاً: أيا لائمي في حمل صحبة جاهل قطوب المحيا سيء اللحظ والسمع لمنفعة ترجى لديه صحبته وإن كان ذا طبع يخالفه طبعي كما احتمل الإنسان شرب مرارة ال دواء لما يرجو لديه من النفع وله، وقد أحسن ما شاء: تركتكم لا كارهاً في جنابكم ولكن أبى ردي إلى بابكم دهري وطاحت بي الأطماع غي كل وجهة تنقلني من كل سهل إلى وعر وما باختيار فارق الخلد آدم وما عن مراد لاذ أيوب بالصبر ولكنها الأيام ليست مقيمة على ما اشتهاه مشته أمد الدهر وإنك إن فكرت فيما أتيته تيقنت أن الترك لم يك عن غدر ولكن لجاج في النفوس إذا انقضى رجعت كما قد عاد طير إلى وكر وإني لمنسوب إليكم وإن نأت بي الدار عنكم والغدير إلى القطر وإني لمثن بالذي نلت منكم مقيم على ما تعلمون من البر وإن خنتكم يوماًفخانني المنى وساء لديكم بعد إحماده ذكري على أنني أقررت أني مذنب وذو المجد من يغني المقر عن العذر وله يصف ناراً: نظرت إلى نار تصول على الدجى إذا ما حسبناها تدانت يبعد ترفعها أيدي الرياح، وتارة تخفضها مثل المكبر يسجد وإلا فمن لا يملك الصبر قلبه يقوم به غيظ هناك ويقعد لها ألسن تشكو بها ما أصابها وقد جعلت من شدة القر ترعد

стр. 2208

وله على لسان إنسان أخلقت بردته: مولاي هذي بردتي أخلقت وليس شيء دونها أملك وصرت من بأس ومن فاقة أبكي إذا أبصرتها تضحك وله يستدعي أحد أبناء الرؤساء إلى يوم اجتماع: تداركنا فإنا في سرور وما بسواك يكتمل السرور أهلة أنسنا بك في تمام أليس تتم بالشمس البدور وله، وقد خطر على منزله من إليه له ميل، وقال: لولا أخاف التثقيل لدخلت، وانصرف، فلما أعلم أبو جعفر كتب إليه: مولاي لم تقصد تعذيب من يهوى وما قصدك مجهول طلبت تخفيفاً ببعد وفي تخفيف من تهواه تثقيل غيرك إن زار جنى ضجرة ولج منه القال والقيل وأنت إن زرت حياة وما ال ... عيش إذا ما طال مملول (١) وله، وقد جلس إلى جانبه رجل تكلم فأنبأ عن علو قدر، فسأله عن بلده، فقال: إشبيلية، ففكر ثم قال: يا سيداً لم أكن من قبل أعرفه حتى تكلم مثل الروض بالعبق وزادني أن غدا في حمص منشؤه لقد تشاكل بين البدر والأفق وله وقد حضر مجلساً مع إخوان له في انبساط ومزاح، فدخل عليهم أحد ظرفاء (٢) الغرباء بوجه طلق وبشاشة، فاهتز لما سمع بينهم، وجعل يصل ما

стр. 2209

يحتاج من مزاحهم إلى صلة بأحسن منزع وأنبل مقصد، فأنشده أبو جعفر ارتجالاً: يا سيداً قد ضمه مجلس حل به للمزح إخوان لم نلق من فجأته خجلة ولا ثنانا عنه كتمان كأنه من جمعنا واحد لم ينب منا عنه إنسان ولم نكن ندريه لكن بدا في وجهه للظرف عنوان وله وقد لقي أحد إخوانه وكان قد أطال الغيبة عنه، فدار بينهما ما أوجب أن قال: إن لحت لم تلمح سواك الأعين أو غبت لم تذكر سواك الألسن أنت الذي ما إن يمل حضوره ومغيبه السلوان عنه يؤمن وله وهو من آياته: إني لأحمد طيفها وألومها والفرق بينهما لدي كبير هي إن بدت لي شيبة في جفوة والطيف في حين المشيب يزور وإذا توالى صدها أو بينها وافى على أن المزار عسير وله وقد سافر بعض الأرذال بماله، فنكب في سفره، وعاد فقيراً بأسوإ أحواله: اغد (١) ولا يغن عنك القيل والقال ... فالجود مبتسم والفضل يختال قالوا فلان رماه الله في سفر رآه رأياً بما حالت به الحال فآب منه سليباً مثل مولده عليه ذل وتفجيع وإقلال فقلت لا خفف الرحمن عنه، فلم يكن لديه على القصاد إقبال فقل له: دام في ذل ومسغبة ولا أعيدت له في المال آمال

стр. 2210

قد كان حمقك حسن المال يستره فاليوم أصبحت لا عقل ولا مال وله وقد سافر أحد الرؤساء من أصحابه: أيا غائباً لم يغب ذكره ولا حال عن وده حائل لئن مال دهري بي عنكم فقلبي نحوكم مائل فإني شاهدت منكم علاً من العجز قس بها باقل لئن طال بي البعد عن لحظكم فما في حياتي إذاً طائل وله وهو من حسناته: شقت جيوب فرحاً عندما آبت، وفي البعد تشق القلوب فقلت هذا موقف ما يشق ال جيب فيه غير صب طروب فابتسمت زهواً وقالت كذا ال أفق لعود الشمس شق الجيوب وله وقد أجمع (١) رأيه على أن يفد على أمير المؤمنين عبد المؤمن، فأخذ في ذلك مع أصحاب له، فجعلوا يثنونه عن ذلك، وظهر عليهم الحسد له، فقال: سر نحو ما تختار لا تسمعن ما قاله زيد ولا عمرو كلهم يحمد ما رمته مهما يساعد رأيك الدهر عجبت ممن رام صدر العلا يروم أن يصفو له دهر فقالوا له: اتهمتنا في الود، فقال: لو لم أتهمكم كنت أتهم عقلي، والعياذ بالله تعالى من ذلك، وكيف لا أتهمكم وقد غدوتم تثنونني عن زيارة خليفة لوالدي عنده مكان، وله علينا إحسان، ولي شافع عنده مقرب لمجلسه عقلي ولساني، ولكنني أنا المخطئ الذي عدلت عن العمل بقول القائل (٢) :

стр. 2211

ولم يستشر في أمره غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا وله في شعاع القمر والشمس على النهر: ألا حبذا نهر إذا ما لحظته أبى أن يرد اللحظ عن حسنه الأنس ترى القمرين الدهر قد عنيا به يفضضه بدر وتذهبه شمس وله في والده وقد سن عليه درعاً: أيا قائد الأبطال في كل وجهة تطير قلوب الأسد فيها من الذعر لقد قلت لما أن رأيتك دارعاً أيا حسن ما لاح الحباب على البحر وأنشدت والأبطال حولك هالة أيا حسن ما دار النجوم على البدر وفوله وقد بلغه أن حاسداً شكره: متى سمعت ثناء عمن غدا لك حاسد فكان منك انخداع به فرأيك فاسد بصدره منك نار لهيبها غير خامد وعله لك ما زد ت في السعادة زائد وإنما ذاك منه كالحب في فخ صائد وله: أبصره من يلوم فيه فقال ذا في الجمال فائق أما ترى ما دهيت منه كان عذولاً فصار عاشق وله في أبيه وقد سجنه عبد المؤمن: مولاي إن يحبسك خير خليفة فبذاك فخرك واعتلاء الشأن فالجفن يحبس نوره من غبطة والمرهفات تصان في الأجفان

стр. 2212

فابشر فنزع الدر من أصدافه يعليه للأسلاك والتيجان ولئن غدا من ظل دونك مطلقاً إن القذى ملقىً عن الأجفان والعين تحبس دائماً أجفانها وهداية الإنسان بالإنسان والطرس يختم ما حواه نفاسة ويهان ما يبدو من العنوان فاهنأ به لكن ملياً مكثه سجناً لغير مذاة وهوان فلتعلون رغم الأعادي بعده بذرى الخليفة في ذرى كيوان مولاي غيرك يعزى بما لم يزل يجري على الكرام، ويذكر تأنيساَ له في الوحشة بما يطرأ من الكسوف والخسوف على الشمس المنيرة والبدر التمام: وأنت تعلم الناس التعزي ... وخوض الموت في الحرب السجال (١) وقد كان مولاي أنشدني لعلي بن الجهم قائلاً: إن أحداً لم يسل نفسه عما ناله من السجن بمثله (٢) : قالوا سجنت فقلت ليس بضائر سجني وأي مهند لا يغمد الأبيات، ماذا تفيدك من العلم وصدرك ينبوعه، وبحاطرك لا يزال غروبه وطلوعه، وإنما هي عادة تبعناها أدباً، وقضينا بها في النفس من الإعلام بالتوجع والتفجيع أرباً، ولعل الله تعالى يتبع هذه التسلية بتهنئة، ويعقب بالنعمة هذه المرزئة. فقال: فأمر الملك بتسريحه إثر ذلك، فلما اجتمع وجهه بوجهه جعل يحمد الله جهراً ويغرد بهذه الأبيات، وكان سراحه بكرة: طلعت علينا كالغزالة بالضحى وعزك طماح ووجهك مشرق

стр. 2213

فغفراً لذنب الدهر أجمع إنه أتى اليوم من حسناه ما هو أليق فلح في سماء العز بالسعد طالعاً وقدرك سام أفقه ليس يلحق فقد سرحت لما غدوت مسرحاً قلوب وأفكار وسمع ومنطق فاهتز أبوه من شدة الطرب، وقال له: والله إنك لتملا الدلو إلى عقد الكرب. وله يعتذر، وقد دعي إلى مجلس أنس: سيدي ساعدك سولك، لما وصل إلى أخيك المعتد بك رسولك، قابله بما يجب من القبول، وأبدى له من الشغل ما منع من الوصول: ومن ذا الذي يدعى لعدن فلا يرى على الرأس إجلالاً إليها يبادر ولكن الاضطرار، لا يكون معه اختيار، وإني لأشوق الناس إلى مشاهدة تلك المكارم، وأحبهم في محاضرة تلك الآداب المترادفة ترادف الغمائم، ولكن شغلني عارض قاطع، وبرغمي أني لدعوتك عاص وله طائع، وإني بعد ذلك لحامل على تلك السجية الكريمة في الغفران، مستجير بالخلاص الذي أعهد من خرق فلان ومكر فلان، فإني متى غبت لا أعدم مترصداً قرحة يقع عليها ذبابه، ومستجمعاً إذا أبصر فرصة سل عليها ذبابه: ولكنني أدري بأني نازح ودان سواء عند من يحفظ العهدا وإني لأقول وقد غبت عن تلك الحضرة العلية، وجانبت ذلك الجناب السامي والمثابة السنية: لئن غبت عمن نوره نور ناظري فحسبي لديه أن أغيب عقابا وسوف أوافيه مقراً بزلتي وفي حلمه أن لا يطيل حسابا وله في قصر النهار، ولو لم يكن له غيره لكفاه:

стр. 2214

لله يوم مسرة أضوا وأقصر من ذباله لما نصبنا للمنى فيه بأوتار حباله طار النهار به كمر تاع وأجفلت الغزاله وهذا المعنى لم يسبق إليه، ولم يقدر أحد أن ينتزعه من يديه. ولما وصل صحبة والده إلى إشبيلية افتتن بواديها، واعتكف على الخلاعة فيها، مصعداً ومنحدراً بين بساتينه ومنازهه، فمر ليلة بطريانة فمال نحو منزه فيه طرب سمعه، فاستوقفه هنالك، وهو في الزورق متكئ وأصحابه وأصحاب أبيه مظهرون انحطاطهم عنه في المرتبة، فأخرج رأسه أحد الأنذال المعتادين بالنادر من شرجب، - والشرجب: هو الدرابزين من خشب فيه طاقات، وطريانة مقابلة إشبيلية، وبها المنازه والأبنية الحسنة - فضرط له ذلك النذل بغاية ما قدر، فرفع رأسه وقد أخذ منه السكر، ولم يعتد مثل ذلك في بلده، وقال: يا سفلة (١) ، أتقدم علي بهذا قبل معرفتي! فثنى عليه والحدة أخرى، ثم رفع ثوبه عن ذكره وهو منعظ، وقال: يا وزير اجعل هذا عندك وديعة حتى أعرف من تكون، ثم رفع ما على استه من ثيابه وقال: واعمل من هذا غلافاً للحيتك فإذا عرفناك ذهبناه لك؛ فغلبه الضحك على الحرج، وجعل أصحابه يقولون له: ما سمعت أن من دخل هذا الوادي يعول على هذا وأمثاله فمال عن ذلك المنزه قليلاً، وأطرق ساعة وقال: نهر حمص لا عدمنا ك فما مثلك نهر فيك يلتذ ارتياح أبد الدهر وسكر كل عمر قد خلا من ك فما ذلك عمر خصه الله بمعنى فيه للألباب سر

стр. 2215

يلعن الإنسان فيه وهو يصغي ويسر ثم سأل بعد ذلك عن رب المنزه، فسمي له؛ وأعلم أن ابن سيد الشاعر المشهور باللص كان حاضراً وأنه أملى على السفلة (١) ما قال وصنع. فكتب له أبو جعفر: ياسميي وإن أفاد اشتراك غير ما يرتضيه فضل وود أكذا يزدرى الخليل بأفق أنت فيه ولم يكن منك رد لا أدري من سلطت وغداً ولكن ليس يخفى عليك من هو وغد فلما وقف على هذه الأبيات كتب له: مولاي وسيدي، وأجل ذخري للزمان وعضدي، الذي أفخر بمشاركة اسمه، وتتيه هذه الصناعة بذكره ورسمه (٢) : وخير الشعر أشرفه رجالاً وشر الشعر ما قال العبيد سلام كتسنيم، على ذلك المقام الكريم، ورحمة الله تعالى وبركاته، وإن كان مولاي لم يفاتحني بالسلام، ولا رآني أهلاً لمقاومة الكرام، لكن حط قدري عنده ما نسب لي من الذنب المختلق، ولا والله ما نطقت بلسان ولا كنت ممن رمق، بل الذي زور لسيدي في هذه الوشاية كان المعين (٣) عليها، والملم إليها، فبادر إليكم قبل أن أسبقه فاتسم بأسقط خطتين: النذالة الأولى والوشاية الأخرى، ولولا أن المجالس بالأمانات، وأن الخلاعة بساط يطوى على ما كان فيه، لكنت أسبق منه، لكني يأبى ذلك خلقي، وما تأدبت به، ومع ذلك فإني أقول:

стр. 2216

فإن كنت ذا ذنب فقد جئت تائباً ومثلك غفار ومثلك قابل ولولا ما أخشى من التثقيل، وما أتوقع من الخجل إذا التقى الوجهان، لأتيت ختى أبلغت في الاعتذار بالمشافهة ما لا يسع القرطاس، لكنني متكل على حلم سيدي وإغضائه، متوسل إليه في الغفران بعلائه، وكتب ذلك شعراً طويلاً منه: ولا غرو أن تعفو وأنت ابن من غدا تعود عفواً عن كبار الجرائم لكم آل عمار بيوت رفيعة تشيد من كسب الثنا بدعائم إذا نحن أذنبنا رجونا ثوابكم ولم نقتنع بالعفو دون المكارم وإنك فرع من أصول كريمة ولا تلد الأزهار غير الكمائم وإني مظلوم لزور سمعته مقد جئت أرجو العفو في زي مظلوم فأجابه أبو جعفر بما نصه: سيدي الذي أكبر قدره، وأجل (١) ذكره، وأجزل شكره، وصل جوابك الذي لو كان لك من الذنب ما تحمله ابن ملجم، لأضربت لك عنه صفحاً ونسيت بما تأخر ما تقدم، ومعاذ الله أت أنسب لفضلك عيباً، فأذم لك حضوراً أو غيباً، وإنما قصدت بالمعاتبة، ما تحتها من المطارحة والمداعبة، على أن سيدي لو تيقنت أنه ظالم لأنشدت: منذ غدا طرفك لي ظالماً آليت لا أدعو على ظالم لكنني أتيقن خلاف ذلك، وأعلم حتى كأني حاضر ما كان هنالك، وقد أطلت عليك، وبعد هذا فلتعتمد على أن تصل إلي أو أصل إليك، فهذا يوم كما قال البستي (٢) : يوم له فضل على الأيام مزج السحاب ضياءه بظلام

стр. 2217

فالبرق يخفق مثل قلب هائم والغيم يبكي مثل جفن هام فالختر لنفسك أربعاً هن المنى وبهن تصفو لذة الأيام وجه الحبيب ومنظراً مستشرفاً ومغنياً غرداً وكأس مدام وقد حضرت عند محبك الثلاثة فكن رابعها، ونادت بك همم الأماني فكن بفضلك سامعها، ومركز أفلاك هذه المسرة حين كتب هذه الرقعة إلى مجدك منزه مطل على جزيرة شنتبوس لا زال أترنم فيه بقول ابن وكيع: قم فاسقني والخليج مضطرب والرح تثني ذوائب القضب كأنها والرياح تعطفها صف قناً سندسية العذب والجو في حلة ممسكة قد طرزتها البروق بالذهب فإن كان سيدي في مثل هذا المكان، جرينا إليه جري الحلبة لخصل الرهان، وإن كان في كسر بيته فليبادر إلى محل تقصر عنه همة قيصر وكسرى، وإن أبطأ فإن الرقاع بالاستدعاء لا تزال عليه تترى، وإن كان لا يجدي هذا الكلام، فما نقنع من العقوبة المؤلمة بالملام، وعلى المودة المرعية الداعية أكمل ما يكون من السلام. فعندما قرأ الرقعة ركب إليه زورقاً وصنع هذه الأبيات في طريقه، فعند وصوله أنشده إياها: ركبت إليك النهر يا بحر فالقنا بما يتلقى جوده كل قادم بفيض ولكن من مدام وهزة ولكن إلى بذل الندى والمكارم وكنا نسمي قبل كونك حاتماً ومذ لحت فينا لم نعد ذكر حاتم بآل سعيد يفخر السعد والعلا فأيديهم تلغي أيادي الغمائم فامتلأ أبو جعفر سروراً، وخلع عليه ما كان عنده هناك، ووعده بغير ذلك، فأطرق لينظم شيئاً في شكره، فأقسم عليه ألا يشغل خاطره في ذلك

стр. 2218

الوقت عن الارتياح، وحث أكؤس الراح، فأقبلوا على شأنهم، وكان ابن سيد في ذلك الحين متستراً بشرب الراح، وكان عند أبي جعفر خديم كثير النادر والالتفات، يخاف أهل التستر من مثله، فقال ابن سيد: هات دواة وقرطاساً، فأعطاه ذلك، فكتب: يا سيدي قد علمت أني بهذه الحال لا أظاهر أخشى أناساً لهم عيون نواظر مني المعاير أحذرهم طاقتي وإني وثقت بالله فهو غافر ولا تقس حالتي بحال ... منك (١) اعتذار فالفرق ظاهر فأنت إن كنت ذا جهار غيرمبال فالجاه ساتر لا تخش من قول ذي اعتراض ولا حسود عليك قادر وإنني قد رأيت ممن يكثر القول وهو ساخر ما قد أراب العفيف منه ضحك وظن به يجاهر أخشى إذا قيل كيف كنتم قال بحال تسر ناظر واللص ما بيننا صريعاً بكل كأس عليه دائر مطرحاً للصلاة يصغي لصولة الدف والمزامر فأغتدي سيدي مشاراً إلي مهما مررت خاطر وإن أتيت الملوك أبغي نوالهم قيل أي شاعر يذكر في شعره خلافاً (٢) ... وهو لزور المحال ذاكر بالأمس قد كان ذا انتهاك فما له بعد ذاك عاذر إن كان هذا فإن حظي وافى لربح فآب خاسر فقال أبو جعفر: يا أبا العباس، اشرب هنيئاً غير مقدر ما قدرت، فلو كان

стр. 2219

هذا المضحك على الصفة التي ذكرت كان الذنب منسوباً إلي في كوني إحضر في مجلسي من يهتك ستر المستةرين، ومهما تره هنا بهذه الخفة والطيش والتسرع للكلام فإنه إذا فارقنا أثقل من جبل، وأصمت من سمكة، متزي بزي خطيبفي نهاية من السكون والوقار: وتحت الثياب العار لو كان باديا فكن في أمن ما شربت معي، فإني والله لا أسمع أحداً من أصحابنا تكلم في شأنك بأمر إلا عاقبته أشد العقاب، والذنب في ذلك راجع إلي. فسكن ابن سيد وجعل يحث الأقداح، ويمرح أشد المراح، على ما كان يظهره من الانقباض، تقية لما يخشاه من الاعتراض، إلى أن قاربت الشمس الغروب، ومد لها في النهر معصم مخضوب، فقال أبو جعفر: انظر إلى الشمس قد أل صقت على الأرض خدا فقال ابن سيد: هي المرآة ولكن من بعدها الأفق يصدا فقال أبو جعفر: مدت طرازاً على النه ر عندما لاح بردا فقال ابن سيد: أهدت لطرفك منه ما للأكارم يهدى فقال أبو جعفر: درع اللجين عليه سيف من التبر مدا

стр. 2220

فقال ابن سيد: فاشرب عليه هنيئاً وزد سروراً وسعدا ثم لما أظلم الليل نظروا إلى منارة شنتبوس قد عكست مصابيحها في النهر، وإلى النجوم قد طلعت فيه، فقال ابن سيد: اخلع على النهر ثوب ال كرى فذلك واجب فقال أبو جعفر: وانظر إلى السرج فيه كالزهر ذات الذوائب وحين صفق للأف ق نقطته الكواكب فقبل ابن سيد رأسه، وقال: ما تركت بعد هذا مقالاًلقائل، ثم جعلوا يشربون. فقال أبو جعفر: سقني والأفق برد بنجوم الليل معلم فقال ابن سيد: وبساط النهر منها وهو فضي مدرهم فقال أبو جعفر: ورواق الليل مرخى والشذا بالروض قد نم فقال ابن سيد: والندى في الزهر منثو ر على عقد منظم فقال أبو جعفر: والصبا جرت على مي ت الطلى كف ابن مريم

стр. 2221

فقال ابن سيد: كان مبهوتاً فلما نفخت فيه تكلم فقال أبو جعفر: وكأن الكأس والقه وة دينار ودرهم فقال ابن سيد: وبدا الدف يناغي ال عود والمزمار هيم فقال أبو جعفر: فأذاع الأنس منا كل ما قد كان مكتم فقال ابن سيد: أي عيش يهتك المس تور لو كان ابن أدهم فقال أبو جعفر: هكذا العيش ودعني من زمان قد تقدم فقال ابن سيد: حين لا خمر سوى ما بكؤوس البيض من دم فقال أبو جعفر: والله ما تعديت ما جال الساعة في خاطري، فإني ذكرت أيام الفتنة وما كابدنا فيها من المحن، وأنا لم نزل في مصادمة ومقارعة، ثم رأيت ما نحن الآن فيه بهذه الدولة السعيدة التي أمنت وسكنت، فشكرت الله تعالى، ودعوت بدوامها. ثم لما طلع الفجر قال أبو جعفر: نثر الطل عقوده ونضا الليل بروده

стр. 2222

فقال ابن سيد: وبدا الصبح بوجه مطلع فينا سعوده فقال أبو جعفر: وغدا ينشر لما فتر الليل بنوده فقال ابن سيد: فهلم اشرب وقبل من غدا ينطق عوده فقال أبو جعفر: ثم صافحه على رغ م النوى وافرك نهوده فقال ابن سيد: واجعل الشكر على ما نلته منه جحوده فقال أبو جعفر: يا أبا العباس، إنك أغرت على التهامي في هذا البيت في قوله: وشكر أيادي الغانيات جحودها قال: فلم لقبت باللص لولا هذا وأمثاله ما كان ذلك. واللص المذكور اسمه أحمد بن سيد، يكنى أبا العباس، وهو من مشهوري شعراء الأندلس. ولما أنشد أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي بجبل الفتح قوله: غمض عن الشمس واستقصر مدى زحل وانظر إلى الجبل الراسي على جبل قال له: أنت شاعر هذه الجزيرة، لولا أنك بدأتنا بغمض وزحل والجبل. ومن بديع نظم اللص قوله: سلبت قلبي بلحظ أبا الحسين خلوب

стр. 2223

فلم أسمي بلص وأنت لص القلوب ولما اجتمع أبو جعفر ابن سعيد المترجم به باللص أبي العباس المذكور في جبل الفتح عندما وفد فضلاء الأندلس على عبد المؤمن، واستنشده، فجعل ينشده ما استجفاه به لخروجه عن حلاوة منزع أبي جعفر، إلى أن أنشده قوله: وما أفنى السؤال لكم نوالا ولكن جودكم أفنى السؤالا فقال له أبو جعفر: لا جعلك الله في حل من نفسك، يكون في شعرك مثل هذا وتنشدني ما كان يحملني على أن أسأت معك الأدب والله لو لم يكن لك غير هذا البيت لكنت به أشعر أهل الأندلس. وكتب إلى أبي جعفر أبو الحكم بن هرودس (١) في يوم بارد بغرناطة: يا سميي، في علم مجدك ما يح تاج فيه هذا النهار المطير نديف الثلج فيه قطناً علينا ففرنا بعدلكم نستجير والذي أبتغيه في اللحظ منه ... ورضاب الذي هويت نظير (٢) يوم قر يود من حل فيه لو تبدي لمقلتيه سعير فوجه بما طلب، وجاوبه بما كتب: أيها السيد الأجل الوزير الذي قدره معلى خطير قد بعثنا بما أشرت إليه دمت للأنس والسرور تشير كان لغزاً فككتهدون فكر إن فهمي بما تريد خبير

стр. 2224

ومن نظم أبي الحكم: إذا ضاقت عليك فول عنها وسر في الأرض واختبر العبادا ولا تمسك رحالك في بلاد غدوت بأهلها خبراً معادا ٦٦٨ - أخيل الرندي ولما مدح أبو القاسم أخيل بن إدريس الرندي عبد المؤمن في جبل الفتح بقصيدة أولها: ما الفخر إلا فخر عبد المؤمن أثنى عليه كل عبد مؤمن قال أبو جعفر ابن سعيد: دعاه التجنيس إلى الضعف والخروج عن المقصود، والأولى أن لو قال " شاد الخلافة وهو أول مبتني ". ومن هذه القصيدة: أما ابن سعد فهو أول مارق يا ليته بأبيه سعد يكتني ما قدر مرسية وحكمك نافذ إن شئت من عدن لأرض المعدن فلما أكملها قال له عبد المؤمن: أجدت، فقال ارتجالاً: من لي أمير المؤمنين بموقفي هذا وقولك لي أجدت ولم تن فلقد مدحتك خائفاً أن لا يفي لسني بما يعيي جميع الألسن ولابن إدريس المذكور: أيها البدر هل علمت بأني لم أبت راعياً محياك ودا أنا لو بات من حكيت بجنبي لم يكن عنه ناظري يتعدى

стр. 2225

وله: شتان ما بيني وبينك في الهوى أنا أبتغيك وأنت عني تصدف وإذا عتبتك وارعويت يبين لي في الحين منك بأن ذاك تكلف ياليت شعري كيف يقضى وصلنا والعمر يفنى والمواعد تخلف وقيل له لما هجره عبد المؤمن: اكتب له واعتذر وبرهن عن نفسك، فقال: ما يكون أمير المؤمنين هجرني إلا وقد صح عنده، ولا أنسبه في أمري لقلة التثبت والجور، وإنما أرغب في عفوه ورحمته، فكأن هذا الكلام ألان عليه قلب عبد المؤمن لما بلغه، وكان قد نقل عنه حساده أنه قال: كيف تصح له الخلافة، وليس بقرشي ٦٦٩ - ترجمة النص ولا بأس أن نزيد من أخبار اللص الذي جرى ذكرنا له مع أبي جعفر ابن سعيد فنقول (١) : وهو النحوي المبرز في الشعر أبو العباس أحمد بن سيد، الإشبيلي، ذكره ابن دحية في المطرب وأخبر أنه شيخه، وختم كتاب سيبويه مرتين على النحوي أبي القاسم ابن الرماك، واجتمع به أبو جعفر ابن سعيد بجبل الفتح كما سبق، ولقب اللص لإغارته على أشعار الناس. وله: شاموا الردى فأشموا الترب آنفهم ولم يبالوا بما فيها من الشمم ثم جعل يقول: قطع الله لساني إن كان اليوم على وجه الأرض من يعرف

стр. 2226

أن يسمعه، فضلاً عن أن يقوله. وله القصيدة الشهيرة: نداك الغيث إن محل توالى وأنت الليث إن شاءوا القتالا سلبت الليث شدة ساعديه نعم، وسلبت عينيه الغزالا وما أفنى السؤال لكم نوالا ولكن جودكم أفنى السؤالا وقد تقدم في حلقة خياط، وهو من محاسنه: كأنها بيضة وخز الرماح بها بادوقونسها بالسيف قد قطعا وقال: فالليل إن واصلت كالليل إن هجرت أشكو من الطول ما أشكو من القصر رجع إلى أخبار أبي جعفر ابن سعيد قال في الأزهار المنثورة في الأخبار المأثورة ما نصه: لما قبض على الوزير أبي جعفر ابن عبد الملك بن سعيد العنسي، وثقف بمالقة، دخل إليه (١) ابن عمه، ووصل إلى الاجتماع به ريثما استؤذن السيد أبو سعيد ابن الخليفة عبد المؤمن في أمره، قال: فدمعت عيناي حين رأيته مكبولاً، فقال لي: أعلي تبكي بعدما بلغت من الدنيا أطايب لذاتها، فأكلت صدور الدجاج، وشربت في الزجاج، ولبست الديباج، وتمتعت بالسراري والأزواج، واستعملت من الشمع السراج الوهاج، وركبت كل هملاج، وها أنا في يد الحجاج، منتظر محنة الحلاج، قادم على غافر لا يحتاج إلى اعتذار ولا احتجاج، قال فقلت: أفلا يؤسف

стр. 2227

على من ينطق بهذا الكلام، ثم يفقد وقمت عنه فكان آخر العهد به، انتهى. رجع إلى أخبار النساء ٩ - ومن أشهرهن بالأندلس ولادة بنت المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن ابن عبيد الله بن الناصر لدين الله (١) ، وكانت واحدة زمانها، المشار إليها في أوانها، حسنة المحاضرة، مشكورة المذاكرة، كتبت بالذهب على طرازها الأيمن: أنا والله أصلح للمعالي وأمشي مشيتي وأتيه تيها وكتبت على الطراز الأيسر: وأمكن عاشقي من صحن خدي وأعطي قبلتي من يشتهيها وكانت مع ذلك نشهورة بالصيانة والعفاف، وفيها خلع ابن زيدون عذاره، وقال فيها القصائد الطنانة والمقطعات، وكانت لها جارية سوداء بديعة المعنى، فظهر لولادة أن ابن زيدون مال إليها، فكتبت إليه: لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا لم تهو جاريتي ولم تتخير وتركت غصناً مثمراً بجماله وجنحت للغصن الذي لم يثمر ولقد علمت بأنني بدر السما لكن ولعت، لشقوتي، بالمشتري ولقبت ابن زيدون بالمسدس، وفيه تقول: ولقبت المسدس وهو نعت تفارقك الحياة ولا يفارق فلوطي ومأبون وزان وديوث وقرنان وسارق وقالت فيه:

стр. 2228

إن ابن زيدون على فضله يغتابني ظلماً ولا ذنب لي يلحظني شزراً إذا جئته كأنني جئت لأخصي علي وقالت فيه أيضاً: إن ابن زيدون على فضله يعشق قضبان السراويل لو أبصر الأير على نخلة صار من الطير الأبابيل وقالت ولادة تهجو الأصبحي: يا أصبحي اهنأ فكم نعمة جاءتك من ذي العرش رب المنن قد نلت باست ابنك ما لم ينل براج بوران أبوها الحسن وكتبت إليه لما أولع بها بعد طول تمنع: ترقب إذا جن الظلام زيارتي فإني رأيت الليل أكتم للسر وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح وبالبدر لم يطلع وبالنجم لم يسر ووفت بما وعدت، ولما أرادت الانصراف ودعته بهذه الأبيات: ودع الصبر محب ودعك ذائع من سره ما استودعك يقرع السن على أن لم يكن زاد في تلك الخطى إذ شيعك يا أخا البدر سناءً وسناً حفظ الله زماناً أطلعك إن يطل بعدك ليلي فلكم بت أشكو قصر الليل معك وكتبت إليه: ألا هل لنا من بعد هذا التفرق سبيل فيشكو كل صب بما لقي وقد كنت أوقات التزوار في الشتا أبيت على جمر من الشوق محرق فكيف وقد أمسيت في حال قطعة لقد عجل المقدور ما كنت أتقي

стр. 2229

تمر الليالي لا أرى البين ينقضي ولا الصبر من رق التشوق معتقي سقى الله أرضاً قد غدت لك منزلاً بكل سكوب هاطل الوبل مغدق فأجابها بقوله: لحى الله يوماً لست فيه بملتق محياك من أجل النوى والتفرق وكيف يطيب العيش دون مسرة وأي سرور للكئيب المؤرق وكتب في أثناء الكلام بعد الشعر: وكنت ربما حثثتني على أن أنبهك على ما أجد فيه عليك نقداً، وإني انتقدت عليك قولك: سقى الله أرضاً قد غدت لك منزلاً فإن ذا الرمة قد انتقد عليه قوله مع تقديم الدعاء بالسلامة: ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلاً بجرعائك القطر إذ هو أشبه بالدعاء على المحبوب من الدعاء له، وأما المستحسن فقول الآخر: فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي وبسببها خاطب ابن عبدوس بالرسالة المشهورة التي شرحها غير واحد من أدباء المشارقة كالجمال ابن نباتة والصفدي وغيرهما، وفيها من التلميحات والتنديرات ما لا مزيد عليه. وقد ذكر ولادة ابن بشكوال في الصلة فقال: كانت أديبة، شاعرة، جزلة القول، حسنة الشعر، وكانت تناضل الشعراء، وتساجل الأدباء، وتفوق البرعاء، وعمرت عمراً طويلاً، ولم تتزوج قط، وماتت لليلتين خلتا من صفر سنة ثمانين، وقيل: أربع وثمانين وأربعمائة، رحمها الله تعالى.

стр. 2230

وكان أبوها المستكفي بايعه أهل قرطبة لما خلعوا المستظهر، كما ألمعنا به في غير هذا الموضع، وكان جاهلاً ساقطاً، وخرجت هي في نهاية من الأدب والظرف: حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، وعلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها، تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب، على أنها أوجدت للقول فيها السبيل بقلة مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها. ولما مرت بالوزير أبي عامر ابن عبدوس وأمام داره بركة تتولد عن كثرة الأمطار، وربما استمدت بشيء مما هنالك من الأقذار، وقد نشر أبو عامر كميه، ونظر في عطفيه، وحشر أعوانه إليه، فقالت: أنت الخصيب وهذه مصر فتدفقا فكلاكما بحر فتركته لا يحير حرفاً، ولا يرد طرفاً. وقال في المغرب بعد ذكره أنها بالغرب كعلية بالشرق: إلا أن هذه تزيد بمزية الحسن الفائق، وأما الأدب والشعر والنادر وخفة الروح فلم تكن تقصر عنها، وكان لها صنعة في الغناء، وكان لها مجلس يغشاه أدباء قرطبة وظرفاؤها فيمر فيه من النادر وإنشاد الشعر كثير لما اقتضاه عصرها من مثل ذلك، وفيها يقول ابن زيدون: بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا وقال أيضاً يخاطب ابن عبدوس لاشتراكه معه في هواها: أثرت هزبر الشرى إذ ربض ونبهته إذ هدا فاغتمض وما زلت تبسط مسترسلاً إليه يد البغي لما انقبض

стр. 2231

حذار حذار فإن الكريم إذا سيم خسفاً أبى فامتعض وإن سكون الشجاع النهو س ليس بمانعه أن يعض عمدت لشعري ولم تتئد تعارض جوهره بالعرض أضاقت أساليب هذا القري ض أم قد عفا رسمه فانقرض لعمري فوقت سهم النضال وأرسلته لو أصبت الغرض ومنها: وغرك من عهد ولادة سراب تراءى وبرق ومض هي الما يعز على قابض ويمنع زبدته من محض ومن أخبار ولادة مع ابن زيدون ما قاله الفتح في القلائد (١) : إن ابن زيدون كان يكلف بولادة ويهيم، ويستضيء بنور محياها في الليل البهيم، وكانت من الأدب والظرف، وتتميم السمع والطرف، بحيث تختلس القلوب والالباب، وتعيد الشيب الى أخلاق الشباب، فلما حل بذلك الغرب، وانحل عقد صبره بيد الكرب، فر إلى الزهراء ليتوارى في نواحيها، ويتسلى برؤية موافيها، فوافاها والربيع قد خلع عليها برده، ونشر سوسنه وورده، وأترع جداولها، وانطق بلابلها، فارتاح ارتياح جميل بوادي القرى، وخاف تلك النوائب والمحن، فكتب إليها يصف فرط قلقه، وضيق أمده إليها وطلقه، ويعلمها أنه ما سلا عنها بخمر، ولا خبا ما في ضلوعه من ملتهب جمر (٢) ، ويعاتبها على إغفال تعهده، ويصف حسن محضره بها ومشهده: إني ذكرتك بالزهراء مشتاقأ والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا

стр. 2232

وللنسيم اعتلال في أصائله كأنما رق لي فاعتل إشفاقا والروض عن مائه الفضي مبتسم كما حللت عن اللبات أطواقا يوم كأيام لذات لنا انصرمت بتنا لها حين نام الدهر سراقا نلهو بما يستميل العين من زهر جال الندى فيه حتى مال أعناقا كأن أعينه إذ عاينت أرقي بكت لما بي فجال الدمع رقراقا ورد تألق في ضاحي منابته فازداد منه الضحى في العين إشراقا سرى ينافحه نيلوفرعبق وسنان نبه منه الصبح أحداقا كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا إليك، لم يعد عنها الصدر أن ضاقا لو كان وفى المنى في جمعنا بكم لكان من أكرم الأيام أخلاقا لا سكن الله قلباً عن ذكركم فلم يطر بجناح الشوق خفاقا لو شاء حملي نسيم الريح حين هفا وافاكم بفتىً أضناه ما لاقا يا علقي الأخطر الأسنى الحبيب إلى نفسي إذا ما اقتنى الأحباب أعلاقا كان التجاري بمحض الود مذ زمن ميدان أنس جرينا فيه أطلاقا فالآن أحمد ما كنا لعهدكم سلوتم وبقينا نحن عشاقا وقال أيضاً (١) : أن ابن زيدون لم يزل يروم دنو ولادة فيعتذر، ويباح دمه دونها ويهدر، لسوء أثره في ملك قرطبة وواليها، وقبائح كان ينسبها إليه ويواليها، أحقدت بني جهور عليه، وسددت أسهمهم إليه، فلما يئس من لقياها، وحجب عنه محياها، كتب إليها يستديم عهدها، ويؤكد ودها، ويعتذر من فراقها بالخطب الذي غشيه، ويعلمها أنه ما سلا عنها بخمر، ولا خبى ما في ضلوعه من ملتهب الجمر، وهي قصيدة ضربت في الإبداع بسهم، وطلعت في كل خاطر ووهم، ونزعت منزعاً قصر عنه حبيب وابن الجهم، وأولها:

стр. 2233

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا تكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا وأخبار ولادة كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية. ١٠ - ومن المشهورات بالأندلس " اعتماد " (١) جارية المعتمد بن عباد، وأمك أولاده، وتشتهر بالرمكية، وفي المسهب والمغرب أنه ركب المعتمد في النهر ومعه ابن عمار وزيره، وقد زردت الريح النهر، فقال ابن عباد لابن عمار: أجز: صنع الريح من الماء زرد فأطال ابن عمار الفكرة، فقالت امرأة من الغسالات: أي درع لقتال لو جمد فتعجب ابن عباد من حسن ما أتت به، مع عجز ابن عمار، ونظر إليها فإذا هي صورة حسنة، فأعجبته فسألها: أذات زوج هي فقالت: لا، فتزوجها، وولدت له أولاده الملوك النجباء، رحمهم الله تعالى. وحكى البعض منهم صاحب البدائه بسنده إلى بعض أدباء الأندلس، وسماه ولم يحضرني الآن، أنه هو الذي قال للمعتمد: أي درع لقتال لو جمد قال: فاستحسنه المعتمد، وكنت رابعاً فجعلني ثانياً، وأجازني بجائزة سنية. قال ابن ظافر: وقد أخذت هذا المعنى، فقلت أصف روضاً:

стр. 2234

فلو دام ذاك النبت كان زبرجداً ولو جمدت أنهاره كانت بلورا ولما قال ابن ظافر: وقد أذكت الشمس على الما لهبا قال القاضي الأعز: فكست الفضة منه ذهبا رجع: ولما خلع المعتمد وسجن بأغمات قالت له: يا سيدي لقد هنا هنا، فقال: قالت لقد هنا هنا مولاي أين جاهنا قلت لها إلهنا صيرنا إلى هنا وحكي أنها قالت له وقد مرض: يا سيدي، ما لنا قدرة على مرضاتك في مرضاتك. ولما قال الوزير ابن عمار قصيدته اللامية الشهيرة في المعتمد والرمكية أغرت المعتمد به حتى قتله، وضربه بالطبرزين ففلق رأسه، وترك الطبرزين في رأسه، فقالت الرمكية: قد بقي ابن عمار هدهداً، والقصيدة أولها: ألا حي بالغرب حياً حلالا أناخوا جمالاً وحازوا جمالا وعرج بيومين أم القرى ونم فعسى أن تراها خيالا ويومين: قرية بإشبيلية كانت منها أولية بني عباد، وفي هذه القصيدة يقول معرضاً بالرمكية: تخيرتها من بنات الهجان رمكية ما تسلاوي عقالا

стр. 2235

فجاءت بكل قصير العذار لئيم النجارين عماً وخالا قصار القدود ولكنهم أقاموا عليها قروناً طوالا أتذكر أيامنا بالصبا وأنت إذا لحت كنت الهلالا أعانق منك القضيب الرطيب وأرشف من فيك ماءً زلالا وأقنع منك بدون الحرام فتقسم جهدك أن لا حلالا سأهتك عرضك شيئاً فشيئاً وأكشف سترك حالاً فحالا ومنها: فيا عامر الخيل يا زيدها منعت القرى وأبحت العيالا وسبب قول ابن عمار هذه القصيدة أن المعتمد ندر به وذيل على قصيدته الرائية المذكورة في القلائد بعد قوله: كيف التفلت بالخديعة من يدي رجل الحقيقة من بني عمار وسخر به في أبيات مشهورة. ٦٧٠ - أخبار المعتمد قال الفتح في حق المعتمد بعد كلام: وما زالت تلك الداخلة تدب، وريحها العاصفة تهب، ونارها تقد، وضلوعها تحنق وتحقد، وتضمر الغدر وتعتقد، حتى دخل البلد من واديه، وبدت من المكروه بواديه، وكر عليه الدهر بعوائده وعواديه، وهو مستمسك بعرى لذاته، منغمس فيها بذاته، ملقى بين جواريه، مغتر بودائع ملكه وعواريه، التي استرجعت منه في يومه، ونبهه فواتها من نومه، ولما انتشر الداخلون في البلد، وأوهنوا القوى والجلد

стр. 2236

خرج والموت يتسعر في الحاظه، ويتصور من الفاظه، وحسامه يعد بمضائه، ويتوقد عند انتضائه، فلقيهم برحبة القصر، وقد ضاق بهم فضاؤها، وتضعضعت من رجتهم أعضاؤها، فحمل فيهم حملة صيرتهم فرقاً، وملأتهم فرقاً، ومازال يواري عليهم الكر المعاد، حتى أوردهم النهر وما بهم جواد، وأودعهم حشاه كأنهم له فؤاد، ثم انصرف وقد أيقن بانتهاء حاله، وذهاب ملكه وارتحاله، وعاد إلى قصره واستمسك فيه يومه وليلته مانعاً لحوزته، دافعاً للذل عن عزته، وقد عزم على أفظع أمر، وقال: بيدي لا بيد عمرو، ثم صرفه تقاه، عما كان نواه، فنزل من القصر بالقسر، إلى قبضة الأسر، فقيد للحين، وحان له يوم شر ما ظن أنه يحين، ولما قيدت قدماه، وذهبت عنه رقة الكبل ورحماه، قال يخاطبه: إليك فلو كانت قيودك أسعرت تضرم منها كل كف ومعصم مخافة من كان الرجال بسيبه ومن سيفه في جنة أو جهنم ولما آلمه عضه، ولازمه كسره ورضه، وأوهاه ثقله، وأعياه نقله، قال: تبدلت من عز ظل البنود بذل الحديد وثقل القيود وكان حديد سناناً ذليقاً وعضباً رقيقاً صقيل الحديد فقد صار ذاك وذا أدهماً يعض بساقي عض الأسود ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت، وضمتهم جوانحها كأنهم أموات، بعدما ضاق عنهم القصر، وراق منهم العصر، والناس قد حشروا بضفتي الوادي، وبكوا بدموع كالغوادي، فساروا والنوح يحدوهم، والبوح باللوعة لا يعدوهم، وفي ذلك يقول ابن اللبانة: تبكي السماء بمزن رائح غاد على البهاليل من أبناء عباد على الجبال التي هدت قواعدها وكانت الأرض منها ذات أوتاد

стр. 2237

عريسة دخلتها النائبات على أساود لهم فيها وآساد وكعبة كانت الآمال تخدمها فاليوم لا عاكف فيها ولا باد يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد ويا مؤمل واديهم ليسكنه خف القطين وجف الزرع بالوادي وأنت يا فارس الخيل التي جعلت تختال في عدد منهم وأعداد ألق السلاح وخل المشرفي فقد أصبحت في لهوات الضيغم العادي لما دنا الوقت لم تخلف له عدة وكل شيء لميقات وميعاد إن يخلعوا فبنو العباس قد خلعوا وقد خلت قبل حمص أرض بغداد حموا حريمهم حتى إذا غلبوا سيقوا على نسق في حبل مقتاد وأنزلوا عن متون الشهب واحتملوا فويق دهم لتلك الخيل أنداد وعيسى في كل طوق من دروعهم فصيغ منهن أغلال لأجياد نسيت إلا غدات النهر كونهم في المنشآت كأموات بألحاد والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا من لؤلؤ طافيات فوق أزياد حط القناع فلم تستر مخدرة ومزقت أوجه تمزيق أبراد حان الوداع فضجت كل صارخة وصارخ من مفداة ومن فاد سارت سفائنهم والنوح يصحبها كأنها إبل يحدوا بها الحادي كم سال في الماء من دمع وكم حملت تلك القطائع من قطعات أكباد انتهى ما قصد جلبه من كلام الفتح رحمه الله تعالى وسامحه. وقال ابن اللبانة في كتاب نظم السلوك في مواعظ الملوك في أخبار الدولة العباسية: إن طائفة من أصحاب المعتمد خامرت عليه، فأعلم باعتقادها، وكشف له عن مرادها، وحض على هتك حرمها، وأغري بسفك دمها، فأبى ذلك مجده الأثيل، ومذهبه الجميل، وما خصه الله تعالى به من حسن اليقين، وصحة الدين، إلى أن أمكنتهم الغرة فانتصروا ببغاث مستنسر، وقاموا بجمع

стр. 2238

غير مستبصر، فبرز من قصره، متلافياً لأمره، عليه غلالة ترف على جسده، وسيفه في يده: وذاك السيف راق وراع حتى كأن عليه شيمة منتضيه كأن الموت أودع فيه سراً ليرفعه إلى يوم كريه فلقي على باب من أبواب المدينة فارساً مشهوراً بنجدة، فرماه الفارس برمح التوى على غلالته، وعصمه الله تعالى منه، وصب هو سيفه على عاتق الفارس، فشقه إلى أضلاعه فخر صريعاًسريعاً، فرأيت القائمين عندما تسنموا الأسوار تساقطوا منها، وبعدما أمسكوا الأبواب تخلوا عنها، وأخذوا على غير طريق، وهوت بهم ريح الهيبة في مكان سحيق، فظننا أن البلد من أقذائه قد صفا، وثوب العصمة علينا قد ضفا، إلى أن كان يوم الأحد الحادي والعشرون من رجب فعظم الأمر في الخطب الواقع، واتسع الخرق فيه على الراقع، ودخل البلد من جهة واديه، وأصيب حاضره بعادية باديه، بعد أن ظهر من دفاع المعتمد وبأسه، وتراميه على الموت بنفسه، ما لا مزيد عليه، ولا انتهى خلق إليه، فشنت الغارة في البلد، ولم يبق فيه على سبد لأحد ولا لبد، وخرج الناس من منازلهم، يسترون عوراتهم بأناملهم، وكشفت وجوه المخدرات العذارى، ورأيت الناس سكارى، وما هم بسكارى، ورحل بالمعتمد وآله، بعد استئصال جميع ماله، لم يصحب معه بلغة زاد، ولا بغية مراد، فأمضيت عزيمتي في اتباعه، فوصلت إليه بأغمات عقب ثقاف استنقذه الله منه، فذكرت به شعراً كان لي في صديق اتفق له مثل ذلك الشهر بعينه من العام الماضي، وهو الأمير أبو عبد الله ابن الصفار، وهو: لم نقل في الثقاف كان ثقافا كنت قلباً به وكان شغافا يمكث الزهر في الكمام ولكن بعد مكث الكمام يدنو القطافا وإذا ما الهلال غاب بغيم لم يكن ذلك المغيب انكسافا

стр. 2239

إنما أنت درة للمعالي ركب الدهر فوقها أصدافا حجب البيت منك شخصاً كريماً مثلما تحجب الدنان السلافا أنت للفضل كعبة ولو اني كنت أسطيع لاستطعت الطوافا قال أبو بكر: وجرت بيني وبينه مخاطبات ألذ من غفلات الرقيب، وأشهى من رشفات الحبيب، وأدل على السماح، من فجر على صباح، انتهى (١) . ثم قال: ولما خلع المعتمد وذهب إلى أغمات طلب من حواء بنت تاشفين خباء عارية، فاعتذرت بأنها ليس عندها خباء، فقال: هم أوقدوا بين جنبيك نارا أطالوا بها في حشاك استعارا أما يخجل المجد أن يرحلوك ولم يصحبوك خباء معارا فقد قنعوا المجد إن كان ذاك وحاشاهم منك خزياً وعارا يقل لعينيك أن يجعلوا سواد العيون عليكم شعارا ثم إنه بقي مأسوراً بأغمات إلى سنة ٤٨٦، فأخذ بمالفة رجل كبير يعرف بابن خلف، فسجن مع أصحاب له، فنقبوا السجن وذهبوا إلى حصن منت ميور ليلاً فأخرجوا قائدها، ولم يضروه، وبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رجل، فسألوه فإذا هو عبد الجبار بن المعتمد، فولوه على أنفسهم، وظن الناس أنه الراضي، فبقي في الحصن، ثم أقبل مركب من الغرب يعرف بمركب ابن الزرقاء، فانكسر بمرسى الشجرة قريباً من الحصن، فأخذوا بنوده وطبوله وما فيه من طعام وعدة فاتسعت بذلك حالهم، ثم وصلت أم عبد الجبار إليه، ثم خاطبه أهل الجزيرة وأهل أركش فدخلها سنة ٤٤٨، ولما بلغ خبر عبد الجبار إلى ابن تاشفين أمر بثقاف المعتمد في الحديد، وفي ذلك يقول: قيدي أما تعلمني مسلماً أبيت أن تشفق أو ترحما

стр. 2240

يبصرني فيك أبو هاشم فينثني القلب وقد هشما وبقي إلى أن توفي ﵀ سنة ٤٨٨. وقد ساق الفتح قضية ثورة عبد الجباربن المعتمد بعبارته البارعة فقال (١) : وأقام بالعدوة برهة لا يروع له سرب وإن لم يكن آمناً، ولا يثور له كرب وإن كان في ضلوعه كامناً، إلى أن ثار أحد بنيه بأركش - معقل كان مجاوراً لإشبيلية مجاورة الأنامل للراح، ظاهر على بسائط وبطاح، لا يمكن معه عيش، ولا يتمكن من منازالته جيش، فغدا على أهلها بالمكاره وراح، وضيق عليهم المتسع من جهاتها والبراح، فسار نحوع الأمير سير بن أبي بكر (٢) رحمه الله تعالى، قبل أن يرتد طرف استقامته إليه، فوجده وشره قد تشمر، وضره قد تنمر، وجمره مستعر، وأمره متوعر، فنزل عدوته، وحل للحزم حبوته، وتدارك داءه قبل إعضاله، ونازله وما أعد آلات نضاله، وانحشدت الجيوش إليه من كل قطر، وأفرغ من مسالكه كل قطر، فبقي محصوراً لا يشد إليه إلا سهم، ولا ينفذ عنه إلا نفس أو وهم، وامتسك شهوراً حتى حتى عرضه أحد الرماة بسهم فرماه، فأصماه، فهوى في مطلعه، وخر قتيلاً في موضعه، فدفن إلى جانب سريره، وأمن عاقبة تغريره، وبقي أهله ممتنعين مع طائفة من وزرائه حتى اشتد عليهم الحصر، وارتد عنهم النصر، وعمهم الجوع، وأغب أجفانهم الهجوع، فنزلت منهم طائفة متهافتة، وولت بأنفاس خافتة، فتبعهم من بقي، ورغب في التنعم من شقي، فوصلوا إلى قبضة الملمات، وحصلوا في قبضة الممات، فوسمهم الحيف، وتقسمهم السيف، ولما زأر الشبل خيفت سورة الأسد، ولم يرج صلاح الكل والبعض قد فسد، فاعتقل المعتمد خلال تلك الحال وأثناءها، وأحل ساحة الخطوب

стр. 2241

وفناؤها، وحين أركبوه أساودا، وأورثوه حزناً بات له معاودا، فقال: غمتك أغماتية الألحان ثقلت على الأرواح والأبدان قد كان كالثعبان رمحك (١) في الورى ... فغدا عليك القيد كالثعبان متمرداً يحميك كل تمرد متعطفاً لا رحمة للعاني قلبي إلى الرحمن يشكو بثه ماخاب من يشكو إلى الرحمن يا سائلاً عن شأنه ومكانه ما كان أغنى شأنه عن شان هاتيك قينته وذلك قصره من بعد أي مقاصر وقيان ولما فقد من يجالسه، وبعد عنه من كان يؤانسه، وتمادى كربه، ولم تسالمه حربه، قال: تؤمل للنفس الشجية فرجة وتأبى الخطوب السود إلا تماديا لياليك في زاهيك أصفى صحبتها كذا صحبت قبلي الملوك اللياليا نعيم وبؤس ذا لذلك ناسخ وبعدهما نسخ المنايا الأمانيا ولما امتدت في الثقاف مدته، واشتدت عليه قسوة الكبل وشدته، وأقلقته همومه، وأطبقته غمومه، وتوالت عليه الشجون، وطالت لياليه الجون، قال: أنباء أسرك قد طبقن آفاقا بل قد عممن جهات الأرض إقلاقا سرت من الغرب لا تطوى لها قدم حتى أتت شرقها تنعاك إشراقا فأحرق الفجع أكباداً وأفئدة وأغرق الدمع آماقاً وأحداقا قد ضاق صدر المعالي إذ نعيت لها وقيل: إن عليك القيد قد ضاقا أنى غلبت وكنت الدهر ذا غلب للغالبين وللسباق سباقا قلت الخطوب أذلتني طوارقها وكان غربي إلى الأعداء طراقا

стр. 2242

متى رأيت صروف الدهر تاركة إذا انبرت لذوي الأخطار أرماقا وقال لي من أثقه: لما ثار ابنه حيث ثار، وأثار من حقد أمير المؤمنين عليه ما أثار، جزع جزعاً مفرطاً، وعلم أنه قد صار في أنشوطة الشر متورطاً، وجعل يتشكى من فعله ويتظلم، ويتوجع منه ويتألم، ويقول: عرض بي للمحن، ورضي لي أن أمتحن، ووالله ما أبكي إلا انكشاف من أتخلفه بعدي، ويتحيفه بعدي، ثم أطرق ورفه رأسه وقد تهللت أسرته، وظللته مسرته، ورأيته قد استجمع، وتشوف إلى السماء وتطلع، فعلمت أنه قد رحا عودة إلى لطانه وأوبة إلى أوطانه، فما كان إلا بمقدار ما تنداح دائرة، أو تلتفت مقلة حائرة، حتى قال: كذا يهلك السيف في جفنه على هز كفي طويل الحنين كذا يعطش الرمح لم أعتقله ولم تروه من نجيع يميني كذا يمنع الطرف علك الشكي م مرتقباً غرة في كمين كأن الفوارس فيه ليوث تراعي فرائسها في عرين ألا شرف يرحم المشرفي مما به من شمات الوتين ألا كرم ينعش السمهري ويشفيه من كل داء دفين ألا حنة لابن محنية شديد الحنين ضعيف الأنين يؤمل من صدرها ضمة تبوئه صدر كفؤ معين وكانت طائفة من أهل فاس قد عاثوا فيها وفسقوا، وانتظموا في سلك الطغيان واتسقوا، ومنعوا جفون أهلا السنات، وأخذوا البنين من حجور آبائهم والبنات، وتلقبوا بالإمارة، وأركبوا السوء نفوسهم الأمارة، حتى كادت أن تقفز على أيديهم، وتدثر رسومها بإفراط تعديهم، إلى أن تدارك أمير المسلمين رحمه الله تعالى أمرهم، وأطفأ جمرهم، وأوجعهم ضرباً، وأقطعهم ما شاء حزناً وكرباً، وسجنهم بأغمات، وضمتهم جوانح الملمات

стр. 2243

والمعتمد إذ ذاك معتقل هناك، وكانت فيهم طائفة شعرية، مذنبة أو بيرة، فرغبوا إلى سجانهم، أن يستريحوا مع المعتمد من أشجانهم، فخلى ما بينهم وبينه، وغمض لهم في ذلك عينه، فكان المعتمد رحمه الله تعالى يتسلى بمجالستهم، ويجد أثر مؤانستهم، ويستريح إليهم بجواه، ويبوح لهم بسره ونجواه، إلى أن شفع فيهم وانطلقوامن وثاقهم، وانفرج لهم مبهم أغلاقهم، وبقي المعتمد في محبسه (١) يشتكي من ضيق الكبل، ويبكي بدمع كالوبل، فدخلوا عليه مودعين، ومن بثه متوجعين، فقال: أما لانسكاب الدمع في الخد راحة لقد آن أن يفنى، ويفنى به الخد هبوا دعوة يا آل فاس لمبتلىً بما منه قد عافاكم الصمد الفرد تخلصتم من سجن أغمات والتوت علي قيود لم يحن فكها بعد من الدهم أما خلقها فأساود تلوى وأما الأيد والبطش فالأسد فهنيتم النعما، ودامت لكلكم سعادته إن كان قد خانني سعد خرجتم جماعات وخلفت واحداً ولله في أمري وأمركم الحمد ومر عليه في موضع اعتقاله سرب قطاً لم يعلق لها جناح، ولا تعلق بها من الأيام جناح، ولا عاقها عن أفراخها الأشراك، ولا أعوزها البشام ولا الأراك، وهي تمرح في الجو، وتسرح في مواقع النو، فتنكد بما هو فيه من الوثاق، وما دون أحبته من الرقباء والأغلاق، وما يقاسيه من كبله، ويعانيه من وجده وخبله، وفكر في بناته وافتقارهن إلى نعيم عهدنه، وحبور حضرنه وشهدنه، فقال: بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي سوارح لا سجن ولا كبل ولم تك، والله المعيذ، حسادة ولكن حنيناً أن شكلي لها شكل

стр. 2244

فأسرح لا شملي صديع، ولا الحشا وجيع، ولا عيناي يبكيهما ثكل هنيئاً لها أن لم يفرق جميعها ولا ذاق منها البعد عن أهلها أهل وإذ لم تبت مثلي تطير قلوبها إذا اهتز باب السجن أو صلصل القفل وما ذاك مما يعتريه، وإنما وصفت التي في جبلة الخلق من قبل لنفسي إلى لقيا (١) الحمام تشوف ... سواي يحب العيش في ساقه كبل ألا عصم الله القطا في فراخها فإن فراخي خانها الماء والظل وفي هذه الحالة زاره الأديب أبو بكر ابن اللبانة، وهو أجد شعراء دولته المرتضعين دررها، المنتجعين دررها، وكان المعتمد رحمه الله تعالى يميزه بالشفوف والإحسان، ويجوزه في فرسان هذا الشان، فلما رآه وحلقات الكبل قد عضت بساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساود السود، وهو لا يطيق إعمال قدم، ولا يريق دمعاً إلا ممزوجاً بدم، بعدما عهده فوق منبر وسرير، ووسط جنة وحرير، تخفق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، وتكف الأمطار من راحته، وتشرف (٢) الأقدار بحلول ساحته، ويرتاع الدهر من أوامره ونواهيه، ويقصر النسر أن يقارنه أو يضاهيه، ندبه بكل مقال يلهب الأكباد، ويثير فيها لوعة الحرث بن عباد، أبدع من أناشيد معبد، وأصدع للكبد من مراثي أربد، أو بكاء ذي الرمة بالمربد، سلك فيها للاحتفاء طريقاً لاحباً، وغدا فيها لذيول الوفاء ساحباً، فمن ذلك قوله: انفض يديك من الدنياوساكنها فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا وقل لعالمها السفلي قد كتمت سريرة العالم العلوي أغمات طوت مظلتها لا بل مذلتها من لم تزل فوقه للعز رايات من كان بين الندى ولبأس أنصله هندية وعطاياه هندية

стр. 2245

رماه من حيث لم تستره سابغة دهر مصيباته نبل مصيبات أنكرت إلا التواءات القيود به وكيف تنكر في الروضات حيات غلطت بين همامين عقدن له وبينها فإذا الأنواع أشتات وقلت هن ذؤابات فلم عكسن من رأسه نحو رجليه الذؤابات حسبتها من قناه أو أعنته إذا بها لثقاف المجد آلات دروه ليثاً فخافوا منه عادية عذرتهم فلعدو الليث عادات لم كان يفرج عنه بعض آونة قامت بدعوته حتى الجمادات بحر محيط عهدناه تجيء له كنقطة الدارة السبع المحيطات لهفي على آل عباد فإنهم أهلة ما لها في الأفق هالات راح الحيا وغدا منهم بمنزلة كانت لنا بكر فيها وروحات أرض كأن على أقطارها سرجاً قد أوقدتهن بالأدهان أنبات وفوق شاطئ واديها رياض ربىً قد ظللتها من الأنشام دوحات نهر شربت بعبريه على صور كانت لها في قبل الراح سورات وربما كنت أسمو للخليج به وفي الخليج لأهل الراح راحات وبالعروسات لا جفت منابتها من النعيم غروسات جنيات ولم تزل كبده تتوقد بالزفرات، وخلده يتردد بين النكبات والعثرات، ونفسه تتقسم بين الأشجان والحسرات، إلى أن شفته منيته، وجاءته بها أمنيته، فدفن بأغمات، وأريح من تلك الأزمات: وعطلت المآثر من حلالها وأفردت المفاخر من علاها ورفعت مكارم الأخلاق، وكسدت نفائس الأعلاق، وصار أمره عبرة في عصره، وصاب أندى عبرة في مصره. وبعد أيام وافى أبو بحر ابن عبد الصمد شاعره المتصل به، المتوصل إلى المنى بسببه، فلما كان يوم العيد وانتشر
следующие страницы →