وقال أبو بكر محمد بن محمد بن جهور: رأيت لابن مرج الكحل مرجاً أحمر قد أجهد نفسه في خدمته، فلم ينجب، فقلت:
يا مرج كحل ومن هذي المروج له ... ما كان أحوج هذا المرج للكحل
ما حمرة الأرض من طيب ومن كرم ... فلا تكن طمعاً في رزقها العجل
فإن من شأنها إخلاف آملها ... فما تفارقها كيفية الخجل فقال مجيباً:
يا قائلاً إذ رأى مرجي وحمرته ... ما كان أحوج هذا المرج للكحل
هو احمرار دماء الروم سيلها ... بالبيض من مر من آبائي الأول
أحببته أن حكى من قد فتنت به ... في حمرة الخد أو إخلافه أملي وفاته: توفي ببلده يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول عام أربعة وثلاثين وستمائة، ودفن في اليوم بعده.
انتهى ما في الإحاطة في شأن ابن مرج الكحل.
وكتب أبو الحسن علي بن لسان الدين على أول ترجمته ما نصه: شاعر جليل القدر، من مشايخ شعراء الأندلس، من أهل بلنسية، وسكن جزيرة شقر.
وكتب على قوله والنهر مرقوم الأباطح ما صورته: لم يصف أحد النهر بأرق ديباجة ولا أظرف من هذا الإمام، رحمة الله عليه، انتهى كلام ابن لسان الدين.
[رائية شمس الدين الكوفي]
قلت: وما رأيت رائية تقرب من التي لابن مرج الكحل السابقة التي أولها
стр. 2627
" عرج بمنعرج الكثيب الأعفر " إلا رائية شمس الدين الكوفي الواعظ، وهي قوله:
روح الزمان هو الربيع فبكر ... وانهض إلى اللذات غير منكر
هذا الربيع يبيع من لذاته ... أصناف ما تهوى، فأين المشتري
فافرح به فلفرحة بقدومه ... رفل الشقائق في القباء الأحمر
والكون مبتهج وخفاق الصبا ... يحيي القلوب بنشره المتعطر
والغيم يبكي، والأقاحي باسم ... لبكائه كتبسم المستبشر
والسرو إن عبث النسيم فهز أع ... طاف الغصون يميس ميس موقر
وكأنما القداح فستق فضة ... يهدي إليك أريج مسك أذفر
وكأنما المنثور في أثوابه ... ألوان ياقوت أنيق المنظر
وترى البهار كعاشق متخوف ... متشوق باد بوجه أصفر
وكأنما النارنج في أوراقه ال ... قنديل، والأوراق شبه مسحر
وكأنما الخشخاش قوم جاءهم ... خبر يسرهم بطيب المخبر
فثنوا ملابسهم لفرط سرورهم ... كي يخلعوا فرحاً بقول المخبر
فتعلقت أذيالها بأكفهم ... وتعلقت أزياقها بالمنحر
والطل من فوق الرياض كأنه ... درر نثرن على بساط أخضر
وترى الربى بالنور بين متوج ... ومدملج، ومخلخل، ومسور
ورياضها بالزهر بين مقرطق ... ومطوق، وممنطق، ومزنر
والورد بين مضعف، ومشنف ... ومكتف، وملطف لم يهصر
والزهر بين مفضض، ومذهب ... ومرصع، ومدرهم، ومدنر
والنثر بين مطيب، وممسك ... ومعطر، ومصندل، ومعنبر
والورق بين مرجع وموجع ... ومفجع ومسجع في منبر
ومغرد، ومردد، ومعدد ... ومبدد في الخد ماء المحجر
стр. 2628
ولكن قصيدة ابن مرج الكحل أعذب مذاقاً، وكل منهما لم يقصر، رحمهما الله تعالى، فلقد أجادا فيما قالاه إلى الغاية، وليس الخبر كالعيان.
[عود إلى ابن مرج الكحل]
ومن نظم ابن مرج الكحل قوله (١) :
الشمس يغرب نورها، ولربما ... كسفت ونورك كل حين يسطع
أفلت فناب سناك عن إشراقها ... وجلا من الظلماء ما يتوقع
فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل ... فوددت يا موسى لو أنك يوشع ولمح بهذه الأبيات إلى قول الرصافي الأندلسي البلنسي يخاطب من اسمه موسى بقصيدة أولها (٢) :
ما مثل موضعك ابن رزق موضع ... زهر يرف وجدول يتدفع ومنها:
وعشية لبست ثياب شحوبها ... والجو بالغيم الرقيق مقنع
بلغت بنا أمد السرور تألفاً ... والليل نحو فراقنا يتطلع
فابلل بها ريق الغبوق فقد أتى ... من دون قرص الشمس ما يتوقع
سقطت ولم يملك نديمك ردها ... فوددت يا موسى لو أنك يوشع قلت: ومن نثر ابن مرج الكحل المذكور ما كتبه إلى أديب الأندلس أبي بحر صفوان بن إدريس مراجعاً له بعد نظم، ونص الجميع:
стр. 2629
يا من تبوأ في العلياء منزلة ... جداه قد أسساها أي تأسيس
لم يتركا في العلا حظاً لملتمس ... سيان هذا وهذاك ابن إدريس
وافى كتابكم فارتد لي جذلي ... واعتضت من فرط أشواقي بتأنيس
وللنوى لوعة تطفو فيطفئها ... مسك المداد وكافور القراطيس حرس الله سناءك وسناك، وأظفر يمناك بمناك، ودي الأسلم كما تعلم، وعهدي الأقدم، لم تزل له قدم، وأنا دام عزكم إن أتفق معكم انتساباً فلم أتفق في شأو الأدب باعاً، ولا قاربتكم طباعاً وانطباعاً، بل بذلك الاتفاق تشرفت وسموت إلى ذروة العلا واستشرفت، وأقررت بذلك الفضل واعترفت، وكرعت في مناهله واغترفت، ولقد وافى كتابكم فقلت لقد نثر الدر من فيه، وبلغ نفسي مما كانت تنويه من التنويه:
حديث لو أن الميت نودي ببعضه ... لأصبح حياً بعدما ضمه القبر ولولا ما طالعني وجه من رضاكم وسيم، وسقاني مزن اهتبالكم ما أروى به وأسيم، وحياني منكم روض ونسيم، لما ساعدني الفكر بقسيم، لا زلتم في ظل من العيش وارف، مرتدين رداء المعارف، والسلام؛ انتهى.
[رسالة صفوان إلى ابن مرج الكحل]
وكانت مخاطبة صفوان له التي أجاب عنها بما نصه:
يا قاطع البيد يطويها وينشرها ... إلى الجزيرة ينضي بدن العيس
الثم بها عن أخي حب وذي كلف ... يد العلا والقوافي وابن إدريس وأبلغها إليه تحية كالمسك صدراً وورداً، وكالماء الزلال عذوبة وبرداً، يسري بها إلى دار ابن نسيم، ويسفر منها بجزيرة شقر وجه وسيم، وهي وإن
стр. 2630
كانت تذيب المسك خجلاً، وتستفز بصوتها وجلاً، فما هي إلا خائفة تترقب، وسافرة تكاد تتنقب، تمشي على استحياء، وتعثر من التقصير في ذيل إعياء، هذا لأنها جلبت إلى هجر تمراً، وإلى شبام وبيت رأس خمراً، ولكن على المجد أن يبدي في قبول عذرها ويعيد، لعلمه أنه يتيمم من لم يجد إلا الصعيد، فله الفضل أن لا يلفحها بنار النقد، ولا يعرضها على ما هنالك من الحل والعقد، والله يبقي ذكره في مقلة الأدب حوراً، وفي قلب الحسود خوراً، ويديمه والقوافي طوع قريحته، والأغراض الجميلة ملء تعريضته وتصريحته، وزهر البيان تطلع في سماء جنانه، وزهر التبيان يونع في أنداء جنانه، وعذراً إليه فإني كتبت والحامل يمسك زمامه، ويلتفت في البيداء أمامه؛ والسلام.
[خطبة نكاح من إنشاء صفوان]
ومن إنشاء صفوان خطبة نكاح نصها: الحمد لله الذي تطول بالإحسان من غير جزاء ولا ثواب، وألبس المخلوقات من فواضله سوابغ المطارف وكواسي الأثواب، وجاءوا على أقدام الرجاء إلى محال نوافله فوجدوها مفتحة لهم الأبواب، وسألوه كفاية المؤنة فكان الفعل بدل القول والإسعاف بدل الجواب، خلق البرية من غير افتقار ولا اضطرار، ونقلهم من الطفولية إلى غيرها نقل البدر من التمام إلى السرار، وشرف هذه الطبقة الإنسانية فرزقها الإدراكات العقلية، والإبانات اللسانية، فضرب سرادق اعتنائه عليها، وأنشأها من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، ومع صنعه الرفيق بهم اللطيف، وتنويهه الحاف بأرجائهم المطيف، رزقهم أحسن الصور الحيوانية وأجملها، وأتاح لهم أتم أقسام الاعتناء وأكملها، وبعث إليهم الرسل صلوات الله عليهم صنعاً منه جميلاً، ورباً للصنيعة لديهم وتكميلاً، فبشروا وأنذروا، وأمنوا وحذروا، وباينوا بين الحرام والحلال، مباينة إدراك البصير بين الكدر والزلال، ودلوا على السمت الأهدى
стр. 2631
ونصبوا أعلام التوفيق والهدى، ولم يدعوا شيئاً سدى، بل توازنت بهم مقادير الأقوال والأعمال، وكانت إشاراتهم ثمال الهدايا وأي ثمال، فآب كل متسحب إلى الارتباط، وشد كل موفق على الاعتلاق بحالهم يد الاغتباط، فصلوات الله الزاكية عليهم، ونوافح رحمته النامية تغدو وتروح إليهم، وأتم الصلاة والسلام، على علم أولئك الأعلام، الداعي على بصيرة إلى دار السلام، السراج المنير، المبشر النذير، محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تؤول بهم إلى فسيح رضوانه ورحبه، بعثه الله رحمة للعالمين عامة، وأرسله نعمة للناس موفورة تامة، فأخذ بحجز (١) مصدقيه عن التهافت في مداحض الأقدام، والتتابع في مزلات الجرأة على العصيان والإقدام، فأقام الحجة، وأوضح المحجة، ودل على المقامات التي تمحض الأولياء، وأفصح عن الكرامات التي تنقذ الأتقياء، وقال وأهلاً به من قائل: " تناكحوا فإني مكاثر بكم الأنبياء " حرصاً منه صلوات الله عليه على الزيادة في أهل الإسلام والنماء، ودفعاً في صدر الباطل بواضح الحق الصادع غيهب الظلماء، وحض على ذات الدين الحصان، وأغرى بالاعتصام والإحصان، ونصب أعلام النكاح مشيدة المباني، وجاء بها سنة عذبة المجاني، وقال: " من تزوج فقد كمل نصف دينه فليتق الله في النصف الثاني "، وأمر بالنكاح الذي توافقت فيه الطبيعة والشريعة، ولبته النفوس وهي سريعة، وأخصبت به ربوة التناسل فهي مروضة مريعة، وسدت به عن اتباع الهوى وارتكاب المحارم الذريعة، وحفظت به الأنسال والأنساب، وفاض به نهر لالتئام المنساب، إذ لا سبيل لأن يستغني بذاته، من كان أسير هواه ومأمور لذاته، وإنما الانفراد والاستغناء، لمن له الكمال والغنى، ولا يجوز أن يتعاقب عليه الإنى، لا إله إلا هو له السناء والسنا.
وإن فلاناً لما ارتقت همته إلى إتباع الصالحات وسمت، ووسمته النجابة من أعلامها اللائحة بما وسمت، رأى أن الاعتصام بالنكاح أولى ما حمى به
стр. 2632
دينه ووقاه، وأهم ما رفع إليه اعتناءه ورقاه، فخطب إلى فلان ابنته فلانة خطبة تضافر فيها اليمن والقبول، ونفحت بها شمال من الجد المصمم وقبول، وارتقى بها إلى اللوح المحفوظ والديوان المكنون عمل مقبول، فتلقى فلان خطبته بالإجابة، لما توسم فيه من مخايل النجابة، حرصاً على المساعدة والعون، واغتباطاً بمياسرة أهل الرشد والصون، وانعقد النكاح بينهما على بركة الله التي يتضاعف بها العدد القليل ويتزيد، ويمنه الذي ينتهض به من اعتمده ويتأيد، وحسن توفيقه الذي يرتبط به من أخلص ضميره ويتقيد، على أن أصدقها كذا، تزوجها بكلمة الله التي علت الكلمات وبهرتها، وعلى سنة نبيه التي أحيت الحنيفية وأظهرتها، وأنقت الملة من أرجاس الجاهلية وطهرتها، وهداية مهديه التي غلبت الأباطل وقهرتها، ولتكون عنده بأمانة الله التي هي جنة واعتصام، وعهدته للزوجات على أزواجهن التي ليس لعروتها انفصام، وعلى إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وتسلسل في ميدان التناصف وأرسان، والله تعالى يمهد لهما مهاد نعمته الوثير، ويخلف منها الطيب الكثير، ويرزقهما التوفيق الباعث لطول المرافقة المثير، بمنه ونعمته.
[من رسالة عتاب لصفوان]
وله ﵀ من رسالة عتاب: أدام الله سبحانه مدة الأخ الذي أستديم إخاءه، وإن واجهتني زعازعه أرتقب رخاءه، وتجاوزت عن يومه لأمسه، وأغضيت عن ظلامه لشمسه، إناء واعتناء، وإنذاراً وإعذاراً، ورحم الله من اعتمد على الأفهام، وعصى أوامر الأوهام، ورأى الخليفة في المعقول، لا في المختلق المنقول. وبعد فإنه وصل كلامك بل ملامك، وكتابك بل عتابك، ورسالتك بل بسالتك، أسمعتني بألفاظك العذاب سوء العذاب، وأريتني لمعان
стр. 2633
الحسام من فقرك الوسام.
وقال صفوان ﵀: اجتمعت مع ابن مرج الكحل يوماً، فاشتكى إلي ما يجد لفراقي، وأطال عتب الزمان في إشآمه وإعراقي، فقلت: إذا تفرقنا والنفوس مجتمعة، فما يضر أن الجسوم للرحيل مزمعة ثم قلت له:
أنت من العين والفؤاد ... دنوت أو كنت ذا بعاد فقال وهو من بارع الإجازة:
وأنت في القلب في السويدا ... وأنت في العين في السواد وإذ جرى ذكر صفوان فلا حرج أن نترجمه، فنقول:
[ترجمة صفوان]
قال في " الإحاطة " ما ملخصه (١) : صفوان بن إدريس بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس، التجيبي المرسي أبو بحر، كان أديباً حسيباً ممتعاً من الظرف ريان من الأدب، حافظاً سريع البديهة ترف النشأة، على تصاون وعفاف، جميلاً سرياً، ممن تساوى حظه في النظم والنثر على تباين الناس في ذلك. روى عن أبيه وخاله وابن عم أبيه القاضي أبي القاسم ابن إدريس، وأبي بكر ابن مغاور، وأبي رجال ابن غلبون، وأبي العباس ابن مضا، سمع عليه صحيح مسلم، وأبي القاسم ابن حبيش، وابن حوط الله، وأبي الوليد ابن رشد، وأجاز له ابن بشكوال. وروى عنه أبو إسحاق اليابري، وأبو الربيع [ابن البني وأبو عبد الله ابن أبي البقاء وأبو عمر] (٢) ابن سالم، وابن عيشون، وله تواليف أدبية،
стр. 2634
منها " زاد المسافر "، وكتاب " الرحلة "، وكتاب " العجالة "، سفران يتضمنان من نظمه ونثره أدباً لا كفاء له، وانفرد من تأبين الحسين وبكاء أهل البيت بما ظهرت عليه بركته في حكايات كثيرة.
ثم سرد لسان الدين جملة من نظمه إلى أن قال: وقال في غرض الرصافي من وصف بلده وذكر إخوانه يساجله في الغرض والروي عقب رسالة سماها " طراد الجياد في الميدان وتنازع اللدات والأخدان في تقديم مرسية على غيرها من البلدان " (١) :
لعل رسول البرق يغتنم الأجرا ... فينثر عني ماء عبرته تثرا
معاملة أربي بها غير مذنب ... فأقضيه دمع العين عن نقطة بحرا
ليسقي من تدمير قطراً محبباً ... يقر بعين القطر أن تشرب القطرا
ويرضعه (٢) ذوب اللجين، وإنما ... توفيه عيني من مدامعها تبرا
وما ذاك تقصيراً بها غير أنه ... سجية ماء البحر أن يذوي الزهرا
خليلي قوما فاحبسا طرق الصبا ... مخافة أن يحمي بزفرتي الحرى
فإن الصبا ريح علي كريمة ... بآية ما تسري من الجنة الصغرى
خليلي أعني أرض مرسية المنى ... ولولا توخي الصدق سميتها الكبرى
محلي بل جوي الذي عبقت به ... نواسم آدابي معطرة نشرا
ووكري الذي منه درجت فليتني ... فجعت بريش العزم كي ألزم الوكرا
وما روضة الخضراء قد مثلت بها ... مجرتها نهراً وأنجمها زهرا
بأبهج منها والخليج مجرة ... وقد فضحت أزهار ساحتها الزهرا
وقد أسكرت أعطاف أغصانها الصبا (٣) ... وما كنت أعتد (٤) الصبا قبلها خمرا
стр. 2635
هنالك بين الغصن والقطر والصبا ... وزهر الربى ولدت آدابي الغرا
إذا نظم الغصن الحيا قال خاطري ... تعلم نظام النثر من ههنا شعرا
وإن نثرت ريح الصبا زهر الربى ... تعلمت حل الشعر أسبكه نثرا
فوائد أسحار هناك اقتبستها ... ولم أر روضاً غيره يقرئ السحرا
كأن هزيز الريح يمدح روضها ... فتملأ فاه من أزاهرها درا
أيا زنقات (١) الحسن هل فيك نظرة ... من الجرف الأعلى إلى السكة الغرا (٢)
فأنظر من هذي لتلك كأنما ... أغير إذ غازلتها أختها الأخرى
هي الكاعب الحسناء تمم حسنها ... وقدت لها أوراقها حللاً خضرا
إذا خطبت أعطت دراهم زهرها ... وما عادة الحسناء أن تنقد المهرا
وقامت بعرس الأنس قينة أيكها ... أغاريدها (٣) تسترقص الغصن النضرا
فقل في خليج يلبس الحوت درعه ... ولكنه لا يستطيع بها نصرا
إذا ما بدا فيها الهلال رأيته ... كصفحة سيف وسمها قبعة صفرا
وإن لاح فيها البدر شبهت متنه ... بشط لجين ضم من ذهب عشرا
وفي جرفي روض هناك تجافيا ... بنهر، يود الأفق لو زاره فجرا
كأنهما خلا صفاء تعاتبا ... وقد بكيا من رقة ذلك نهرا
وكم لي بأبيات الحديد (٤) عشية ... من الأنس ما فيه سوى أنه مرا
عشايا كأن الدهر غض (٥) بحسنها ... فأجلت بساط البرق (٦) أفراسها الشقرا
عليهن أجري خيل دمعي بوجنتي ... إذا ركبت حمرا ميادينها الصفرا (٧)
стр. 2636
أعهدي بالغرس المنعم دوحه ... سقتك دموعي، إنها مزنة، شكرا
فكم فيك من يوم أغر محجل ... تقضت أمانيه فخلدتها ذكرا
على مذنب كالبحر (١) من فرط حسنه ... تود الثريا أن يكون لها نحرا
سقت أدمعي والقطر أيهما انبرى ... نقا الرملة البيضاء فالنهر فالجسرا
وإخوان صدق لو قضيت حقوقهم ... لما فارقت عيني وجوههم الزهرا
ولو كنت أقضي حق نفسي - ولم أكن - ... لما بت أستحلي فراقهم المرا
وما اخترت هذا البعد إلا ضرورة ... وهل تستجيز العين أن تفقد الشفرا
قضى الله أن تنأى بي الدار عنهم ... أراد بذاك الله أن أعتب الدهرا
ووالله لو نلت المنى ما حمدتها ... وما عادة المشغوف أن يحمد الهجرا
أيأنس باللذات قلبي ودونهم ... مرام يجد الكرب في طيها (٢) شهرا
ويصحب هادي (٣) الليل راء حروفه ... وصاداً ونوناً قد تقوس واصفرا
فديتهم ضنوا وبانوا بكتبهم ... فلا خبراً منهم لقيت ولا خبرا
ولولا علا هماتهم لعتبتهم ... ولكن عراب الخيل لا تحمل الزجرا
ضربت غبار البيد في مهرق السرى ... بحيث جعلت الليل في ضربه حبرا
وحققت ذاك الضرب جمعاً وعدة ... وطرحاً وتجميلاً فأخرج لي صفرا
كأن زماني حاسب متعسف ... يطارحني كسراً وما يحسن الجبرا
فكم عارف بي وهو يحسن رتبتي ... فيمدحني سراً ويشتمني (٤) جهرا
لذلك ما أعطيت نفسي حقها ... وقلت لسرب الشعر لا ترم الفكرا
فما برحت فكري عذارى قصائدي ... ومن خلق العذراء أن تألف الخدرا
ولست وإن طاشت سهامي بآيس ... فإن مع العسر الذي يتقى يسرا
стр. 2637
وقال يراجع أبا الربيع ابن سالم عن أبيات مثلها (١) :
سقى مضرب الخيمات من علمي نجد ... أسح غمامي أدمعي والحيا الرغد
وقد كان في دمعي كفاء، وإنما ... يجففها ما بالضلوع من الوقد
فإن فترت نار الضلوع هنيهة ... فسوف ترى تفجيره للحيا العد
وإن ضن صوب المزن يوماً فأدمعي ... تنوب كما ناب الجميع عن الفرد
وإن هطلا يوماً بساحتها معاً ... فأرواهما ما صاب من منتهى الود
أرى زفرتي تذكى ودمعي ينهمي ... نقيضين قاما بالصلاء وبالورد
فهل بالذي أبصرتم أو سمعتم ... غمام بلا أفق وبرق بلا رعد
لي الله كم أهذي بنجد وأهلها ... وما لي بها إلا التوهم من عهد
وما بي إلى نجد نزوع ولا هوى ... خلا أنهم شنوا القوافي على نجد
وجاءوا بدعوى حسن الشعر زورها ... فصارت لهم في مصحف الحب كالحمد
شغلنا بأبناء الزمان عن الهوى ... وللدرع وقت ليس يحسن للبرد
إلى الله أشكو ريب دهر يغص بي ... نوائبه قد ألجمت ألسن العد
لقد صرفت حكم الفؤاد إلى الهوى ... كما فوضت أمر الجفون إلى السهد
أما تتوقى ويحها أن أصيبها ... بدعوة مظلوم على جورها يعدي
أما راعها أن زحزحت عن أكارم ... فراقهم دل القلوب على حدي
أعاتبها فيهم فتزداد قسوة ... أجدك هل عاينت للحجر الصلد
أما علمت أن القساوة نافرت ... طباع بني الآداب إلا من الرد
إذا وعدت يوماً بتأليف شملنا ... فألمم بعرقوب وما سن من وعد
وإن عاهدت أن لا تؤلف بيننا ... تذكرت آثار السموأل في العهد
خليلي أعني النظم والنثر أرسلا ... جيادكما في حلبة الشكر والحمد
قفا ساعداني إنه حق صاحب ... بريء جمام الكتم من كدر الحقد
стр. 2638
بآية ما قيدتما ألسن الورى ... بذكري فيا ويح الكناني والكندي
فأين بياني أو فأين فصاحتي ... إذا لم أعد ذكر الأكارم أو أبدي
فيا خاطري وف الثناء حقوقه ... وصغه كما قالوا سوار على زند
ولا تلزمني بالتكاسل حجة ... تشبهها نار الحياء على خدي
ثكلت القوافي وهي أبناء خاطري ... وغيبها الإقحام عني في لحد
لئن لم أصغ زهر النجوم قلادة ... وآت ببدر التم واسطة العقد
إلى أن يقول السامعون لرفقتي ... نعم طار ذاك السقط عن ذلك الزند
أحيي برياها جناب ابن سالم ... فيقرع فيه الباب في زمن الورد وهي طويلة.
ومن مقطوعاته قوله (١) :
يا قمراً مطلعه أضلعي ... له سواد القلب فيها غسق
وربما استوقد نار الهوى ... فناب فيها لونها عن شفق
ملكتني في دولة من صباً ... وصدتني في شرك من حدق
عندي من حبك ما لو سرت ... في البحر منه شعلة لاحترق وقال:
قد كان لي قلب فلما فارقوا ... سوى جناحاً للغرام وطارا
وجرت سحائب للدموع فأوقدت ... بين الجوانح لوعة وأوارا
ومن العجائب أن فيض مدامعي ... ماء، ويثمر في ضلوعي نارا وشعره الرمل والقطر كثرة، فلنختمه بقوله:
قالوا وقد طال بي مدى خطئي ... ولم أزل في تجرمي ساهي:
стр. 2639
أعددت شيئاً ترجو النجاة به ... فقلت: أعددت رحمة الله وكتب يهنئ قاضي الجماعة أبا القاسم ابن بقي برسالة منها: لأن محله (١) دام عمره، وامتثل (٢) نهيه الشرعي وأمره، أعلى رتبة وأكرم محلاً، من أن يتحلى بخطة هي به تتحلى، كيف يهنأ بالقعود لسماع دعاوى الباطل، والمعاناة لإنصاف الممطول من الماطل، والتعب في المعادلة، بين ذوي المجادلة، أما لو علم المتشوفون إلى خطة الأحكام، المستشرفون (٣) إلى ما لها من التبسط والاحتكام، ما يجب لها من اللوازم، والشروط الجوازم، كبسط الكنف، ورفع الجنف، والمساواة بين العدو ذي الذنب، والصاحب بالجنب، وتقديم ابن السبيل، على ذي الرحم والقبيل، وإيثار الغريب، على القريب، والتوسع في الأخلاق، حتى لمن ليس له من خلاق، إلى غير ذلك مما علم قاضي الجماعة أحصاه، واستعمل خلقه الفاضل أدناه وأقصاه، لجعلوا خمولهم مأمولهم، وأضربوا عن ظهورهم، فنبذوه وراء ظهورهم، اللهم إلا من أوتي بسطة في العلم، ورسا طوداً في ساحة الحلم، وتساوى ميزانه في الحب والسلم، وكان كمولانا (٤) في المماثلة بين أجناس الناس، فقصاراه أن يتقلد الأحكام للأجر، لا للتعنيف والزجر، ويتولاها للثواب، لا للغلظة في رد الجواب، ويأخذها لحسن الجزاء، لا لقبيح الاستهزاء، ويلتزمها لجزيل الذخر، لا للإزراء والسخر، فإذا كان كذلك، وسلك المتولي هذه المسالك، وكان مثل قاضي الجماعة ولا مثل له، ونفع الحق به علله ونقع غلله، فيومئذ تهنى به خطة القضاء، وتعرف ما لله تعالى عليها من اليد البيضاء.
ورحل إلى مراكش في جهاز بنت بلغت التزويج، وقصد دار الإمارة مادحاً،
стр. 2640
فما تيسر له شيء من أمله، ففكر في خيبة قصده، وقال: لو كنت أملت الله سبحانه ومدحت نبيه، ﷺ ، وآل بيته الطاهرين لبلغت أملي، بمحمود عملي، ثم استغفر الله تعالى من اعتماده في توجهه الأول، وعلم أنه ليس على غير الثاني معول، فلم يك إلا أن صرف نحو هذا المقصد همته، وأمضى فيه عزمته، وإذا به قد وجه إليه فأدخل إلى الخليفة فسأله عن مقصده، فأخبره مفصحأ به، فأنفذه وزاده عليه وأخبره أن ذلك لرؤيا رسول الله، ﷺ ، في النوم يأمر بقضاء حاجته، فانفصل موفى الأغراض، واستمر في مدح أهل البيت ﵈، حتى اشتهر بذلك. وتوفي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وسنة دون الأربعين، وصلى عليه أبوه، فإنه كان بمكان من الفضل والدين، رحم الله تعالى الجميع؛ انتهى كلام ابن الخطيب في حق المذكور ملخصاً.
ولا بأس أن نزيد عليه ما حضر، فنقول: قال ابن سعيد وغيره: ولد صفوان سنة ستين وخمسمائة، أو في التي بعدها، قال: وديوان شعره مشهور بالمغرب؛ انتهى.
ومن نظمه قوله:
أومض ببرق الأضلع ... واسكب غمام الأدمع
واحزن طويلاً واجزع ... فهو مكان الجزع
وانثر دماء المقلتين ... تألماً على الحسين
وابك بدمع دون عين ... إن قل فيض الأدمع وهذا من قصيدة عارض بها الحريري في قوله:
خل ادكار الأربع ... وله أيضاً مطلع قصيدة فيه:
стр. 2641
يا عين سحي ولا تشحي ... ولو بدمع بحذف عين وقال ابن الأبار: توفي صفوان بمرسية ليلة الاثنين السادس عشر من شوال سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وثكله أبوه، وصلى عليه، وهو دون الأربعين إذ مولده سنة إحدى وستين وخمسمائة، وكان من جلة الكتاب البلغاء، ومهرة الأدباء الشعراء، ناقداً فصيحاً، مدركاً جليل القدر، متقدماً في النظم والنثر، ممن جمع ذلك، وله رسائل بديعة، وقصائد جليلة، وخصوصاً في مراثي الحسين رضي الله تعالى عنه.
[رثاء ناهض الوادي آشي للحسين]
وقد تذكرت هنا قول ناهض بن محمد الأندلسي الوادي آشي في رثاء الحسين رضي الله تعالى عنه:
أمرنة سجعت بعود أراك ... قولي مولهة: علام بكاك
أجفاك إلفك أم بليت بفرقة ... أم لاح برق بالحمى فشجاك
لو كان حقاً ما ادعيت من الجوى ... يوماً لما طرق الجفون كراك
أو كان روعك الفراق إذاً لما ... ضنت بماء جفونها عيناك
ولما ألفت الروض يأرج عرفه ... وجعلت بين فروعه مغناك
ولما اتخذت من الغصون منصة ... ولما بدت مخضوبة كفاك
ولما ارتديت الريش برداً معلماً ... ونظمت من قزح سلوك طلاك
لو كنت مثلي ما أفقت من البكا ... لا تحسبي شكواي من شكواك
إيه حمامة خبريني، إنني ... أبكي الحسين، وأنت ما أبكاك
أبكي قتيل الطف فرع نبينا ... أكرم بفرع للنبوة زاكي
ويل لقوم غادروه مضرجاً ... بدمائه نضواً صريع شكاك
стр. 2642
متعفراً قد مزقت أشلاؤه ... فرياً بكل مهند فتاك
أيزيد لو راعيت حرمة جده ... لم تقتنص ليث العرين الشاكي
أو كنت تصغي إذ نقرت بثغره ... قرعت صماخك أنة المسواك
أتروم ويك شفاعة من جده ... هيهات! لا، ومدبر الأفلاك
ولسوف تنبذ في جهنم خالداً ... ما الله شاء ولات حين فكاك وتوفي ناهض المذكور بوادي آش سنة ٦١٥.
رجع إلى أخبار صفوان بن إدريس - رحمه الله تعالى - فنقول: ومن شعر صفوان قوله:
قلنا وقد شام الحسام مخوفاً ... رشأ بعادية الضراغم عابث
هل سيفه من طرفه أم طرفه ... من سيفه أم ذاك طرف ثالث وقوله:
غيري يروع بسيفه ... رشأ تشاجع ساخرا
إن كف عني طرفه ... فالسيف أضعف ناصرا وقال صفوان المذكور رحمه الله تعالى: حييت بعض أصحابنا بزهرة سوسن، فقال:
فقلت مجيزاً:
نضراء تفضح يانع الزهر ...
عجباً لها لم تذوها يده ... من طول ما مكثت على الصدر
стр. 2643
وقال أيضاً: ماشيت الوزير الكاتب أبا محمد ابن حامد يوماً، فاتفق أن قال لأمر تذكره:
بين الكثيب ومنبت السدر ... ريم غدا مثواه في صدري فقلت أجيزه:
لوشاحه قلم بلا ألم ... ولقرطه خفق بلا ذعر
لو كنت قد أنصفت مقلته ... برأت هاروتاً من السحر
أو كنت أقضي حق مرشفه ... أعرضت لا ورعاً عن الخمر وناولته يوماً وردة مغلقة، فقال:
ومحمرة تختال في ثوب سندس ... كوجنة محبوب أطل عذاره فقلت أجيزه:
كتطريف كف قد أحاطت بنانها ... بقلب محب ليس يخبو أواره وقال: رآني الوزير أبو إسحاق وأنا أقيد أشعاراً من ظهر دفتر فقال:
ماذا الذي يكتب الوزير ... قلت:
بدائع ما لها نظير ... فقال:
در ولكنه نظيم ... من خير أسلاكه السطور فقلت:
من أظهر الكتب أقتنيها ... وخل ما تحتوي البحور
بتلك تزهو النحور، لكن ... بهذه تزدهي الصدور
стр. 2644
ولكن الإنصاف واجب، هو قال المعنى الأخير نثراً وأنا سبكته نظماً.
وقال: جلسنا بعض العشايا بالولجة خارج مرسية، والنسيم يهب على النهر، فقال أبو محمد ابن حامد:
هب النسيم وماء النهر يطرد ... فقلت على جهة المداعبة، لا الإجازة:
ونار شوقي في الأحشاء تتقد ... فقال أبو محمد: ما الذي يجمع بين هذا العجز وذاك الصدر فقلت: أنا أجمع بينهما، ثم قلت:
فصاغ من ماءه درعاً مفضضة ... وزاد قلبي وقداً للذي يجد
وإنما شب أحشائي لحاجته ... إذ ليس دون لهيب يصنع الزرد وخطرنا بلقنت على ثمرة تهزها الريح فقال أبو محمد:
وسرحة كاللواء تهفو ... بعطفها هبة الرياح فقلت:
كأن أعطافها سقتها ... كف النعامى كؤوس راح فقال:
إذا انتحاها النسيم هزت ... أعطافها هزة السماح فقلت:
كأن أغصانها كرام ... تقابل الضيف بارتياح
стр. 2645
ولصفوان ﵀:
تحية الله وطيب السلام ... على رسول الله خير الأنام
على الذي فتح باب الهدى ... وقال للناس: ادخلوا بسلام
بدر الهدى، غيم الندى والسدى ... وما عسى أن يتناهى الكلام
تحية تهزأ أنفاسها ... بالمسك، لا أرضى بمسك الختام
تخصه مني ولا تنثني ... عن أهله الصيد السراة الكرام
وقدرهم أرفع لكنني ... لم ألف أعلى لفظة من كرام وقال:
يقولون لي لما ركبت بطالتي ... ركوب فتى جم الغواية معتدي
أعندك شيء ترتجي أن تناله ... فقلت: نعم عندي شفاعة أحمد ﷺ ، وشرف وكرم، ومجد وعظم، وبارك وأنعم، ووالى وكمل وأتم.
стр. 2646
الباب الثاني
في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته، ومساعدة الدهر له، ثم قلبه له ظهر
المجن على عادته في مصافاته ومنافاته، وارتباكه في شباكه، وما لقي
من إحن الحاسد، ذي المذهب الفاسد، ومحن الكائد المستأسد وآفاته،
وذكر قصوره وأمواله، وغير ذلك من أحواله في تقلباته، عندما قابله الزمان
بأهواله في بدئه وإعادته إلى وفاته
أقول: كان مولد الوزير لسان الدين ابن الخطيب ﵀ كما في الإحاطة في الخامس والعشرين من شهر رجب عام ثلاثة عشر وسبعمائة، وقال الرئيس الأمير الوليد ابن الأحمر ﵀: نشأ لسان الدين ابن الخطيب (١) على حالة حسنة سالكاً سبيل (٢) أسلافه، فقرأ القرآن على المكتب الصالح أبي عبد الله ابن عبد المولى العواد تكتباً ثم حفظاً ثم تجويداً، ثم قرأ القرآن أيضاً على أستاذ الجماعة أبي الحسن القيجاطي، وقرأ عليه العربية وهو أول من انتفع به، وقرأ على الخطيب أبي القاسم ابن جزي، ولازم قراءة العربية والفقه والتفسير على الشيخ الإمام أبي عبد الله ابن الفخار البيري شيخ النحويين لعهده، وقرأ على قاضي الجماعة أبي عبد الله ابن بكر، وتأدب بالرئيس أبي الحسن ابن الجياب، وروى عن كثير من الأعيان، وسرد ابن الأحمر المذكور هنا جملة أعلام من مشايخ لسان الدين سيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى، ثم قال: وأخذ الطب والتعاليم وصناعة التعديل عن الإمام أبي زكريا يحيى بن هذيل ولازمه؛ انتهى.
стр. 2647
وقال بعضهم في حق لسان الدين: هو الوزير العلامة المتحلي بأجمل الشمائل وأفضل المناقب، المتميز في الأندلس بأرفع المراقي وأعلى المراتب، علم الأعلام، ورئيس أرباب السيوف والأقلام، جامع أشتات الفضائل، والمربي بحسن سياسته وعظيم رياسته على الأواخر والأوائل، حائز رتبة رياسة (١) السيف والقلم، والقائم بتدبير الملك على أرسخ قدم، صاحب القلم الأعلى، الوارد من البراعة المنهل الأحلى، صاحب الأحاديث التي لا تمل على كثرة ما تتلى، والمحاسن التي صورها على منصة التنويه تجلى؛ انتهى.
وقال لسان الدين في " الإحاطة " بعد ذكر سلفه رحمهم الله تعالى، ما ملخصه (٢) : وخلفني يعني أباه عبد الله عالي الدرجة، شهير الخطة، مشمولاً بالقبول، مكنوفاً بالعناية، فقلدني السلطان سره، ولما يستكمل الشباب ويجتمع السن (٣) ، معززة بالقيادة ورسوم الوزارة، واستعملني في السفارة إلى الملوك، واستنابني بدار ملكه ورمى إلى يدي بخاتمه وسيفه، وائتمنني على صوان حضرته (٤) ، وبيت ماله، وسجوف حرمه، ومعقل امتناعه، ولما هلك السلطان ضاعف ولده حظوتي، وأعلى مجلسي، وقصر المشورة على نصحي، إلى أ، كانت عليه الكائنة، فاقتدى في أخوه المتغلب على الأمر به، فسجل الاختصاص، وعقد القلادة، ثم حمله أهل الشحناء من أهل أعوان ثورته على القبض علي، فكان ذلك، وتقبض علي، ونكث ما أبرم من أماني، واعتقلت بحال ترفيه، وبعد أن كسبت المنازل والدور، واستكثر من الحرس، وختم على الأعلاق، وأبرد إلى ما ناء (٥) ، واستؤصلت نعمة لم تكن بالأندلس من ذوات النظائر ولا ربات
стр. 2648
الأمثال، في تبحر الغلة، وفراهة الحيوان، وغبطة العقار، ونظافة الآلات، ورفعة الثياب، واستجادة العدة، ووفور الكتب إلى الآنية والفرش والماعون والزجاج والطيب والذخيرة والمضارب والأبنية، واكتسحت السائمة وثيران الحرث وظهر الحمولة وقوام الفلاحة والخيل، فأخذ ذلك البيع، وتناهبتها الأسواق، وصاحبها البخس، ورزأتها الخونة، وشمل الخاصة والأقارب الطلب، واستخلصت القرى، وأعملت الحيل، وطوقت الذنوب، وأمد الله تعالى بالعون، وأنزل السكينة، وانصرف اللسان إلى ذكر الله تعالى، وتعلقت الآمال به وطبقت نكبة مصحفية مطلوبها الذات وسببها المال حسبما قلت عند إقالة العثرة والخلاص من الهفوة:
تخلصت منها نكبة مصحفية ... لفقداني المنصور من آل عامر ووصلت الشفاعة في مكتتبة بخط ملك المغرب، وجعل خلاصي شرطاً في العقدة ومسالمة الدولة، فانتقلت صحبة سلطاني المكفور الحق إلى المغرب، وبالغ ملكه في بري منزلاً رحباً (١) ، وعيشاً خفضاً، وإقطاعاً جماً، وجراية ما وراءها مرمى، وجعلني بمجلسه صدراً، ثم أسعف قصدي في تهيؤ الخلوة في مدينة سلا منوه الصكوك، مهنأ القرار، متفقداً باللها والخلع، مخول العقار، موفور الحاشية، مخلى بيني وبين إصلاح معادي، إلى أ، رد الله تعالى على السلطان أمير المسلمين أبي عبد الله ابن أمير المسلمين أبي الحجاج ملكه، وصير إليه حقه (٢) ، فطالبني بوعد ضربته، وعمل في القدوم عليه بولده أحكمته، ولم يوسعني عذراً، ولا فسح في الترك مجالاً، فقدمت عليه بولده، وقد ساءه بإمساكه رهينة ضده، ونغص مسرة الفتح بعده، على كل حال من التقشف
стр. 2649
والزهد فيما بيده، وعزف عن الطمع في ملكه وزهد في رفده، حسبما قلت من بعض المقطوعات:
قالوا لخدمته دعاك محمد ... فأنفتها وزهدت في التنويه
فأحببته أنا والمهيمن كاره ... في خدمة المولى محب فيه عاهدت الله تعالى على ذلك، وشرحت صدري للوفاء به، وجنحت إلى الانفصال لبيت الله الحرام نشيدة أملي، ومرمى نيتي وعملي، فعلق بي، وخرج لي عن الضرورة، وأراني أن موازرته أبر القرب، وراكنني إلى عهد بخطه فسح لعامين أمد الثواء، واقتدى بشعيب صلوات الله عليه في طلب الزيادة على تلك النسبة، وأشهد من حضر من العلية، ثم رمى إلي بعد ذلك بمقاليد رأيه، وحكم عقلي في اختيارات عقله، وغطى من جفائي بحلمه، وحثا في وجوه شهواته تراب زجري، ووقف القبول على وعظي، وصرف هواي في التحول فانياً وقصدي، واعترف بقبول نصحي، فاستعنت الله تعالى، وعاملت وجهه فيه، من غير تلبس بجراية، ولا تشبث بولاية، مقتصراً على الكفاية، حذراً من النقد، خامل المركب، معتمداً على المنسأة، مستمشياً (١) بخلق النعل، راضياً بغير النبيه من الثوب، مشفقاً من موافقة الغرور، هاجراً للزخرف، صادعاً بالحق في أسواق الباطل، كافاً عن السخال براثن السباع. ثم صرفت الفكرة إلى بناء الزاوية والمدرسة والتربة بكر الحسنات بهذه الخطة، بل بالجزيرة، فيما سلف من المدة، فتأتى بمنة الله تعالى من صلاح السلطان وعفاف الحاشية والأمن ورم الثغور وتثمير الجباية وإنصاف الحمات والمقاتلة ومقارعة الملوك المجاورة في إيثار المصلحة الدينية والصدع فوق المنابر ضماناً من السلطان بترياق سم الثورة وإصلاح بواطن الخاصة والعامة ما الله تعالى المجازي عليه، والمعوض
стр. 2650
من سهر خلعته على أعطافه، وخطر اقتحمته من أجله، لا للثريد الأعفر، ولا للجرد تمرح في الأرسان، ولا للبدر تثقل للأكتاد، فهو الذي لا يضيع عمل من عمل ذكر أو أنثى . ومع ذلك فلم أعدم الاستهداف (١) للشرور، والاستغراض للمحذور، والنظر الشزر المنبعث من خرز العيون، شيمة من ابتلاه الله تعالى بسياسة الدهماء، ورعاية سخطة أرزاق السماء، وقتلة الأنبياء، وعبدة الأهواء، ممن لا يجعل لله تعالى إرادة نافذة، ولا مشيئة سابقة، ولا يقبل معذرة، ولا يجمل في الطلب، ولا يتلبس مع الله في الأدب، ربنا لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، والحال إلى هذا العهد - وهو منتصف عام خمسة وستين وسبعمائة (٢) - على ما ذكرته، أداله الله بحال السلامة، وبفيأة العافية، والتمتع بالعبادة، وربك يخلق ما يشاء ويختار:
وعلي أن أسعى ولي ... س علي إدراك النجاح ولله سبحانه فينا علم غيب (٣) نحن صائرون إليه، ألحفنا الله لباس التقوى، وختم لنا بالسعادة، وجعلنا في الآخرة من الفائزين، نفثت عن بث، وتأوهت عن حمى، ليظهر بعد المنقلب قصدي، ويدل مكتتبي على عقدي، انتهى، وجله بلفظه.
وكان - رحمه الله تعالى - عارفاً بأحوال الملوك، سريع الجواب، حاضر الذهن، حاد النادرة. ومن حكاياته في حضور الجواب ما حكاه عن نفسه قال (٤) : حضرت يوماً بين يدي السلطان أبي عنان في بعض وفاداتي عليه لغرض الرسالة، وجرى ذكر بعض أعدائه، فقلت ما أعتقده في إطراء ذلك العدو، وما عرفته
стр. 2651
من فضله، فأنكر علي بعض الحاضرين ممن لا يحطب إلا في حبل السلطان، فصرفت وجهي وقلت: أيدكم الله، تحقير عدو السلطان بين يديه ليس من السياسة في شيء، بل غير ذلك أحق وأولى، فإن كان السلطان غالب عدوه كان قد غلب غير حقير، وهو الأولى بفخره، وجلال قدره، وإن غلبه العدو لم يغير حقير، فيكون أشد للحسرة، وآكد للفضيحة، فوافق - رحمه الله تعالى - على ذلك واستحسنه، وشكر عليه، وخجل المعترض، انتهى.
وكان - رحمه الله تعالى - مبتلى بداء الأرق، لا ينام من الليل إلا النزر اليسير جداً، وقد قال في كتابه " الوصول لحفظ الصحة في الفصول ": العجب مني - مع تأليفي لهذا الكتاب الذي لم يؤلف مثله في الطب، وعملي ذلك - لا أقدر على مداواة داء الأرق الذي بي، أو كما قال، ولذا يقال له " ذو العمرين " لأن الناس ينامون في الليل وهو ساهر فيه، ومؤلفاته ما كان يصنف غالبها إلا بالليل، وقد سمعت بالمغرب بعض الرؤساء يقول: لسان الدين ذو الوزارتين، وذو العمرين، وذو الميتين، وذو القبرين، انتهى. وسيأتي ما يعلم منه معنى الأخيرين.
[التعريف بالسلطان أبي الحجاج]
وقد عرف - رحمه الله تعالى - بالسلطان أبي الحجاج في " الإحاطة " فقال ما حاصله (١) : يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر، الأنصاري الخزرجي، أمير المسلمين بالأندلس، أبو الحجاج، تولى الملك بعد أخيه بوادي السقائين من ظاهر الخضراء ضحوة يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، وسنه خمسة عشر يوماً وثمانية أشهر، أمه أم ولد، وكان له ثلاثة أولاد كبيرهم محمد أمير المسلمين من بعده، وتلوه
стр. 2652
أخوه إسماعيل محجوره، وثالثهم قيس شقيق إسماعيل، وذكر لسان الدين أنه وزر له بعد شيخه ابن الجياب، وتولى كتابة سره مضافة إلى الوزارة في أخريات شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة، انتهى. وقد علم أنه وزر بعده لابنه محمد كما تقدم ويأتي، وأما إسماعيل بن أبي الحجاج فهو الذي تغلب على الأمر، وانتهز الفرصة في ملك أخيه محمد كما تقدم، وفيه وفي أخيه قيس حين قتلا يقول لسان الدين:
بإسماعيل ثم أخيه قيس ... البيتين.
وقد ذكر أيضاً - رحمه الله تعالى - حكاية وفاة السلطان أبي الحجاج ما محصله أنه هجم عليه رجل من عداد الممرورين، وهو في الركعة الأخيرة من صلاة عيد الفطر عام خمسة وخمسين وسبعمائة، فطعنه بخنجر، وقبض عليه، واستفهم فتكلم بكلام مخلط، واحتمل إلى منزله على فوت لم يستقر به إلا وقد قضى، وأخرج قاتله إلى الناس فقتل لحينه، وأحرق بالنار، ودفن عشية اليوم المذكور في مقبرة قصره، ضجيع والده، وولي أمره ولده محمد، ورثيته في غرض ناء عن الجزالة مختار ولده:
العمر نوم، والمنى أحلام ... ماذا عسى أن يستمر مقام
وإذا تحققنا لشيء بدأة ... فله بما تقضي العقول تمام
والنفس تجمح في مدى آمالها ... ركضاً، وتأبى ذلك الأيام
من لم يصب في نفسه فمصابه ... بحبيبه، نفذت بذا الأحكام
بعد الشبيبة كبرة، ووراءها ... هرم، ومن بعد الحياة حمام
ولحكمة ما أشرقت شهب الدجى ... وتعاقب الإصباح والإظلام
دنياك يا هذا محلة نقلة ... ومناخ ركب ما لديه مقام
هذا أمير المسلمين ومن به ... وجد السماح وأعدم الإعدام
стр. 2653
سر الأمانة والخلافة يوسف ... غيث الملوك وليثها الضرغام
قصدته عادية الزمان فأقصدت ... والعز سام، والخميس لهام
فجعت به الدنيا وكدر شربها ... وشكا العراق مصابه والشام
أسفاً على الخلق الجميل كأنما ... بدر الدجنة قد جلاه تمام
أسفاً على العمر الجديد كأنه ... زهو الحديقة زهره بسام
أسفاً على الخلق الرضي كأنه ... زهر الرياض هما عليه غمام
أسفاً على الوجه الذي مهما بدا ... طاشت لنور جماله الأفهام
يا ناصر الثغر الغريب وأهله ... والأرض ترجف والسماء قتام
يا صاحب الصدقات في جنح الدجى ... والناس في فرش النعيم نيام
يا حافظ الحرم الذي بظلاله ... ستر الأرامل واكتسى الأيتام
مولاي هل لك للقصور زيارة ... بعد انتزاح الدار أو إلمام
مولاي هل لك للعبيد تذكر ... حاشاك أن ينسى لديك ذمام
يا واحد الآحاد والعلم الذي ... خفقت بعزة نصره الأعلام
وافاك أمر الله حين تكاملت ... فيك النهى والجود والإقدام
ورحلت عنا الركب خير خليفة ... أثنى عليك الله والإسلام
نعم الطريق سلكت كان رفيقه ... والزاد فيه تهجد وصيام
وكسفت يا شمس المحاسن ضحوة ... فاليوم ليل، والضياء ظلام
وسقاك عيد الفطر كأس شهادة ... فيها من الأجل الوحي مدام
وختمت عمرك بالصلاة فحبذا ... عمل كريم سعيه وختام
مولاي كم هذا الرقاد إلى متى ... بين الصفائح والتراب تنام
أعد التحية واحتسبها قربة ... إن كان يمكنك الغداة كلام
تبكي عليك مصانع شيدتها ... بيض كما تبكي الهديل حمام
تبكي عليك مساجد عمرتها ... فالناس فيها سجد وقيام
стр. 2654
تبكي عليك خلائق أمنتها ... بالسلم وهي كأنها أنعام
عاملت وجه الله فيما رمته ... منها فلم يبعد عليك مرام
لو كنت تفدى أو تجار من الردى ... بذلت نفوس من لدنك كرام
لو كنت تمنع بالصوارم والقنا ... ما كان ركنك بالغلاب يرام
لكنه أمر الإله، وما لنا ... إلا رضى بالحكم واستسلام
والله قد كتب الفناء على الورى ... وقضاؤه جفت به الأقلام
نم في جوار الله مسروراً بما ... قدمت يوم تزلزل الأقدام
واعلم بأن سليل ملكك قد غدا ... في مستقر علاك وهو إمام
سر تكنف منه من خلفته ... ظل ظليل فهو ليس يضام
كنت الحسام وصرت في غمد الثرى ... ولنصر ملكك سل منه حسام
خلفت أمة أحمد لمحمد ... فقضت بسعد الأمة الأحكام
فهو الخليفة للورى في عهده ... ترعى العهود وتوصل الأرحام
أبقى رسومك كلها محفوظة ... لم ينتثر منها عليك نظام
العدل والشيم الكريمة والتقى ... والدار والألقاب والخدام
حسبي بأن أغشى ضريحك لائماً ... وأقول والدمع السفوح سجام
يا مدفن التقوى ويا مثوى الهدى ... مني عليك تحية وسلام
أخفيت من حزني عليك، وفي الحشا ... نار لها بين الضلوع ضرام
ولو أنني أديت حقك لم يكن ... لي بعد فقدك في الجود مقام
وإذا الفتى أدى الذي في وسعه ... وأتى بجهد، ما عليه ملام قال لسان الدين: وكتبت في بعض معاهده:
غبت فلا عين ولا مخبر ... ولا انتظار منك مرقوب
يا يوسف أنت لنا يوسف ... وكلنا في الحزن يعقوب
стр. 2655
انتهى، ورحم الله تعالى الجميع بمنه وقد قدمنا ما كتبه لسان الدين على لسان سلطانه إلى السلطان أبي عنان في شأن قتل السلطان أبي الحجاج في الباب الثامن من القسم الأول.
[الغني ولسان الدين يلجآن للمغرب]
وقال لسان الدين في كتابه " اللمحة البدرية في الدولة النصرية " في ذكر ما يتعلق بخلع سلطانه وقيام أخيه عليه وفي خلال ذلك، ما نصه (١) : كان السلطان أبو عبد الله عند تصير الأمر إليه قد ألزم أخاه إسماعيل قصراً من قصور أبيه بجوار داره (٢) مرفهاً عليه، متممة وظائفه له، وأسكن معه أمه وأخواته منها، وقد استأثرت يوم وفاة والده بمال جم من خزائنه الكائنة في بيتها فوجدت السبيل إلى السعي لولدها فجعلت تواصل زيارة ابنتها التي عقد لها الوالد مع ابن عمه الرئيس أبي عبد الله ابن الرئيس أبي الوليد ابن الرئيس أبي عبد الله المبايع له بأندرش ابن الرئيس أبي سعيد جدهم الذي تجمعهم جرثومته، وشمر الصهر المذكور عن ساعد عزمه وجده وهو ما هو من الإقدام، ومداخلة ذؤبان الرجال، واستعان بمن آسفته الدولة، وهفت (٣) به الأطماع، فتألف منهم زهاء مائة قصدوا جهة من جهات القلعة متسنمين شفاً صعب المرتقى، واتخذوا آلة تدرك ذروته لقعود بنية كانت به عن التمام، وكبسوا حرسياً بأعلاه بما اقتضى صماته، فاستووا به، ونزلوا إلى القلعة سحور الليلة الثامنة والعشرين من شهر رمضان عام ستين وسبعمائة، فاستظهروا بالمشاعل والصراخ، وعالجوا دار الحاجب رضوان، ففضوا أغلاقها ودخلوها فقتلوه بين أهله وولده، وانتهبوا ما اشتملت عليه داره، وأسرعت طائفة مع الرئيس [الصهر] فاستخرجت الأمير المعتقل إسماعيل، وأركبته وقرعت
стр. 2656
الطبول، ونودي بدعوته، وقد كان أخوه السلطان متحولاً بولده إلى سكنى الجنة المنسوبة للعريف لصق داره، وهي المثل المضروب في الظل الممدود، والماء المسكوب، والنسيم البليل، يفصل بينها وبين معقل الملك السور المنيع والخندق المصنوع، فما راعه إلا النداء والعجيج وأصوات الطبول، وهب إلى الدخول إلى القلعة فألفاها قد أخذت دونه شعابها كلها ونقابها، وقذفته الحراب، ورشقته السهام، فرجع أدراجه، وسدده الله تعالى في محل الحيرة، ودس له عرق الفحول من قومه، فامتطى صهوة فرس كان مرتبطاً عنده، وصار لوجهه فأعيا المتبع، وصبح مدينة وادي آش، ولم يشعر حافظ قصبتها إلا به وقد تولج عليها، فالتف به أهلها وأعطوه صفقتهم بالذب عنه، فكان أملك بها، وتجهزت الحشود إلى منازلته، وقد جدد أخوه المتغلب على ملكه عقد السلم مع طاغية قشتالة باحتياجه إلى سلم المسلمين لجراء فتنة بينه وبين البرجلونيين من أمته، واغتبط به أهل المدينة، فذبوا عنه، ورضوا بهلاك نعمتهم دونه، واستمرت الحال إلى عيد النحر من عام التاريخ، ووصله رسول صاحب المغرب مستنزلاً عنها ومستدعياً إلى حضرته، لما عجز عن إمساكها، وراسل ملك الروم فلم يجد عنده من معول، فانصرف يوم ثاني عيد النحر المذكور، وتبعه الجمع الوافر من أهل المدينة خيلاً ورجلاً إلى مربلة من ساحل إجازته، وكان وصوله إلى مدينة فاس مصحوباً من البر والكرامة بما لا مزيد عليه في السادس من شهر محرم فاتح عام أحد وستين وسبعمائة، وركب السلطان للقائه، ونزل إليه عندما سلم عليه، وبالغ في الحفاية به، وكنت قد ألحقت به مفلتاً من شرك النكبة التي استأصلت المال، وأوهمت سوء الحال، بشفاعة السلطان أبي سالم قدس الله روحه، فقمت بين يديه في الحفل الشهود يومئذ وأنشدته (١) :
стр. 2657
سلا هل لديها من مخبرة ذكر ... وهل أعشب الوادي ونم به الزهر
وهل باكر الوسمي داراً على اللوى ... عفت آيها إلا التوهم والذكر
بلادي التي عاطيت مشمولة الهوى ... بأكنافها والعيش فينان مخضر
وجوي الذي ربى جناحي وكره ... فها أنا ذا ما لي جناح ولا وكر
نبت بي لا عن جفوة وملالة ... ولا نسخ الوصل الهنيء بها هجر
ولكنها الدنيا قليل متاعها ... ولذاتها دأباً تزور وتزور
فمن لي بقرب العهد منها ودوننا ... مدى طال حتى يومه عندنا (١) شهر
ولله عينا من رآنا وللأسى ... ضرام له في كل جانحة جمر
وقد بددت در الدموع يد النوى ... وللشوق أشجان يضيق لها الصدر
بكينا على النهر الشروب عشية ... فعاد أجاجاً بعدنا ذلك النهر
أقول لأظعاني وقد غالها السرى ... وآنسها الحادي وأوحشها الزجر
رويدك بعد العسر يسر أن أبشري ... بإنجاز وعد الله، قد ذهب العسر
ولله فينا سر غيب، وربما ... أتى النفع من حال أريد بها الضر
وإن تخن الأيام لم تخن النهى ... وإن يخذل الأقوام لم يخذل الصبر
وإن عركت مني الخطوب مجرباً ... نقاباً تساوى عنده الحلو والمر
فقد عجمت عوداً صليباً على الردى ... وعزماً (٢) كما تمضي المهندة البتر
إذا أنت بالبيضاء قررت منزلي ... فلا اللحم حل ما حييت ولا الظهر
زجرنا بإبراهيم برء همومنا ... فلما رأينا وجهه صدق الزجر
بمنتجب من آل يعقوب كلما ... دجا الخطب لم يكذب لعزمته فجر
تناقلت الركبان طيب حديثه ... فلما رأته صدق الخبر الخبر
ندى لو حواه البحر لذ مذاقه ... ولم يتعقب مده أبداً جزر
стр. 2658
وبأس غدا يرتاع من خوفه الردى ... وترفل في أثوابه الفتكة البكر
أطاعته حتى العصم (١) في قنن الربى ... وهشت إلى تأميله الأنجم الزهر
قصدناك يا خير الملوك على النوى ... لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر
كففنا بك الأيام عن غلوائها ... وقد رابنا منها التعسف والكبر
وعدنا بذاك المجد فانصرم الردى ... ولذنا بذاك العزم فانهزم الذعر
ولما أتينا البحر يرهب موجه ... ذكرنا نداك الغمر فاحتقر البحر
خلافتك العظمى ومن لم يدن بها ... فإيمانه لغو وعرفانه نكر
ووصفك يهدي المدح قصد صوابه ... إذا ضل في أوصاف من دونك الشعر
دعتك قلوب المؤمنين وأخلصت ... وقد طاب منها السر لله والجهر
ومدت إلى الله الأكف ضراعة ... فقال لهن الله: قد قضي الأمر
وألبسها النعمى ببيعتك التي ... لها الطائر الميمون والمحتد الحر
فأصبح ثغر الثغر يبسم ضاحكاً ... وقد كان مما نابه ليس يفتر
وأمنت بالسلم البلاد وأهلها ... فلا ظبة تعرى ولا روعة تعرو
وقد كان مولانا أبوك مصرحاً ... بأنك في أبنائه الولد البر
وكنت حقيقاً بالخلافة بعده ... على الفور، لكن كل شيء له قدر
وأوحشت من دار الخلافة هالة ... أقامت زماناً لا يلوح بها البدر
فرد عليك الله حقك إذ قضى ... بأن تشمل النعمى وينسدل الستر
وقاد إليك الملك رفقاً بخلقه ... وقد عدموا ركن الإمامة واضطروا
وزادك بالتمحيص عزاً ورفعة ... وأجراُ، ولولا السبك ما عرف التبر
وأنت الذي تدعى إذا دهم الردى ... وأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر
وأنت إذا جار الزمان محكم ... لك النقض والإبرام والنهي والأمر
وهذا ابن نصر قد أتى وجناحه ... مهيض، ومن علياك يلتمس الجبر
стр. 2659
غريب يرجي منك ما أنت أهله ... فإن كنت تبغي الفجر قد جاءك الفجر
ففز يا أمير المؤمنين ببيعة ... موثقة قد حل عروتها الغدر
ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا ... بيا لمرين جاءه العز والنصر
وخذ يا إمام الحق بالحق ثأره ... ففي ضمن ما تأتي به العز والأجر
وأنت لها يا ناصر الحق فلتقم ... بحق فما زيد يرجى ولا عمرو
فإن قيل مال، مالك الدثر وافر ... وإن قيل جيش، عندك العسكر المجر
يكف بك العادي، ويحيا بك الهدى ... ويبني بك الإسلام ما هدم الكفر
أعده إلى أوطانه عنك راضياً ... وطوقه نعماك التي ما لها حصر
وعاجل قلوب الناس فيه بجبرها ... فقد صدهم عنه التغلب والقهر
وهم يرقبون الفعل منك وصفقة ... تحاولها يمناك ما بعدها خسر
مرامك سهل لا يؤودك كلفة ... سوى عرض ما إن له في العلا خطر
وما العمر إلا زينة مستعارة ... ترد، ولكن الثناء هو العمر
ومن باع ما يفنى بباق مخلد ... فقد أنجح المسعى وقد ربح التجر
ومن دون ما تبغيه يا ملك الهدى (١) ... جياد المذاكي والمحجلة الغر
وراد وشقر واضحات شياتها ... فأجسامها تبر وأرجلها در
وشهب إذا ما ضمرت يوم غارة ... مطهمة غارت بها الأنجم الزهر
وأسد رجال من مرين مخيفة ... عمائمها بيض وآسالها سمر
عليها من الماذي كل مفاضة ... تدافع في أعطافها اللجج الخضر
هم القوم إن هبوا لكشف ملمة ... فلا الملتقى صعب ولا المرتقى وعر
إذا سئلوا أعطوا، وإن نوزعوا سطوا ... وإن واعدوا وفوا، وإن عاهدوا بروا
وإن مدحوا اهتزوا ارتياحاً كأنهم ... نشاوى تمشت في معاطفهم خمر
وإن سمعوا العوراء فروا بأنفس ... حرام على هاماتها في الوغى الفر
стр. 2660
وتبسم ما بين الوشيج ثغورهم ... وما بين قضب الدوح يبتسم الزهر
أمولاي غاضت فكرتي، وتبلدت ... طباعي، فلا طبع يعين ولا فكر
ولولا حنان منك داركتني به ... وأحييتني لم تبق عين ولا أثر
فأوجدت مني فائتاً أي فائت ... وأنشرت ميتاُ ضم أشلاءه قبر (١)
بدأت بفضل لم أكن لعظيمه ... بأهل، فجل اللطف وانفرج الصدر (٢)
وطوقتني النعمى المضاعفة التي ... يقل عليها مني الحمد والشكر
وأنت بتتميم الصنائع كافل ... إلى أن يعود الجاه والعز والوفر
جزاك الذي أسنى مقامك عصمة ... يفك بها عان وينعش مضطر
إذا نحن أثنينا عليك بمدحة ... فهيهات يحصى الرمل أو يحصر القطر
ولكننا نأتي بما نستطيعه ... ومن بذل المجهود حق له العذر فلا تسأل عن امتعاض وانتفاض، وسداد انحناء في التأثر لنا وأغراض، والله غالب على أمره.
وفي صبيحة يوم السبت السابع عشر من شهر شوال عام اثنين وستين وسبعمائة كان انصرافه إلى الأندلس وقد ألح صاحب قشتالة قي طلبه، وترجح الرأي على قصده، فقعد السلطان بقبة العرض من جنة المصارة، وبرز الناس وقد أسمعهم (٣) البريح، واستحضرت البنود والطبول والآلة، وألبس خلعة الملك، وقيدت له مراكبه فاستقل، وقد التف عليه كل من جلا عن الأندلس من لدن الكائنة في جملة كثيفة، ورأى من رقة (٤) الناس وإجهاشهم وعلو أصواتهم بالدعاء ما قدم به العهد، إذ كان مظنة ذلك سكوناٌ وعفافاً وقرباُ قد ظلله الله برواق الرحمة، وعطف عليه وشائج المحبة، إلى كونه مظلوم العقد، منتزع الحق، فتبعته
стр. 2661
الخواطر، وحميت عليه الأنفس، وانصرف لوجهته، وهو الآن برندة مستقل بها وبجهاتها [ومتعلل بألقاب] ومقتنع برسم وقد قام له برسم الوزارة الشيخ القائد أبو الحسن علي بن يوسف ابن كماشة الحضرمي، وبكتابته الفقيه أبو عبد الله ابن زمرك (١) ، وقد استفاض عنه من الحزم والتدرب والتيقظ للأمور والمعرفة بوجوه المصالح ما لا ينكر، كان الله لنا وله بفضله؛ انتهى كلام لسان الدين ابن الخطيب في " اللمحة البدرية ".
[رسالة للسان الدين عن الغني إلى المنصور بن قلاوون]
وقد علمت أنه بعد هذا التاريخ عاد سلطانه إلى حضرة غرناطة، واستبد بملك الأندلس، وعاد لسان الدين إليه حسبما أحسن سياق ذلك لسان الدين رحمه الله تعالى من إنشائه على لسان سلطانه الغني بالله، وخاطب به ملك الحرمين ومصر والشام السلطان المنصور بن أحمد بن الناصر بن قلاوون، وقد ذكرنا منه ما يتعلق بالأندلس في الباب الثاني من القسم الأول (٢) ، وقال بعد ذلك فيما يتعلق بالخلع المذكور ما نصه: ولما صير الله إلينا تراثهم الهني، وأمرهم السني، وبناءهم العادي، وملكهم الجهادي، أجرانا - وله الطول - على سننهم، ورفع أعلامنا في هضابهم المشرفة وقننهم، وحملنا فيهم خير حمل، ونظم بنا لهم أي شمل، وألبس أيامنا سلماً فسح الدارة، وأحكم الإدارة، وهنأ الأمارة، ومكن العمارة، وأمن في البحر والبر السيارة والعبارة، لولا ما طرقهم فينا من تمحيص أجلى عن تخصيص، وتمحض تبره بعد تخليص ومرام عويص، نبثكم بثه، ونوالي لديكم حثه، ونجمع منبثه، فإن في الحوادث ذكراً، ومعروف الدهر لا يؤمن أن يعود تكراً، وشر الوجود
стр. 2662
معاقب بخيره، والسعيد من اتعظ بغيره، والحزم أفضل ما إليه ينتسب، وعقل التجربة بالمرانة يكتسب، وهو أن بعضاً مما ينسب إلينا بوشائج الأعراق، لا بمكارم الأخلاق، ويمت إلينا بالقرابة البعيدة، لا بالنصبة السعيدة، ممن كفلناه يتيماً، وصناه ذميماً شتيماً، وبوأناه مبوأ كريماً، بعد أن نشأ حرفوشاً دميماً، وملعوناًً لئيماً، ونوهناه من خموله بالولاية، ونسخنا حكم تسحبه بآية العناية، داخل أخاً لنا كنا ألزمناه الاقتصار على قصره، ولم نجعل أداة تدل على حصره، وسامحناه في كثير من أمره، ولم نرتب بزيده ولا عمره، واغتررنا برماد علا على جمره، فاستدعى له من الصعاليك شيعته كل درب بفك الأغلاق، وتسرب أنفاق النفاق، وخارق للإجماع والإصفاق، وخبير بمكان الخراب ومذاهب الفساق، وتسور بهم القلعة من ثلم شرع في سده، بعد هده، ولم تكمل الأقدار المميزة في ليلة آثرنا مبيتنا ببعض البساتين خارج قصورنا، واستنبنا من يضطلع بأمورنا، فاستتم الحيلة التي شرعها، واقتحم القلعة وافترعها، وجدل حرس النوبة وصرعها، وكبس محل النائب عنا وجد له، ولم ينشب أن جدله، واستخرج الأخ البائس فنصبه، وشد به تاج الولاية وعصبه، وابتز أمرنا وغضبه.
وتوهم الناس أن الحادثة على ذاتنا قد تمت، والدائرة بنا قد ألمت ولقد همت، فخذل الناصر، وانقطعت الأواصر، وأقدم المتقاصر، واقتحمت الأبهاء والمقاصر، وتفرقت الأجزاء وتحللت العناصر، وفقد من عين الأعيان النور الباصر، فأعطوه طاعة معروفة، وأصبحت الوجوه إليه مصروفة، وركضنا وسرعان الخيل تقفو أثر منجاتنا والظلام يخفيها، وتكفي علينا السماء والله يكفيها، إلى أن خلصنا إلى مدينة وادي آش خلوص القمر من السرار، لا نملك إلا نفساً مسلمة لحكم الأقدار، ملقية لله مقادة الاختيار، مسلوبة بموجب الاستقرار، وناصحنا أهل تلك المدينة فعملوا على الحصار، واستبصروا في الدفاع عنا أتم الاستبصار، ورضوا لبيوتهم المصحرة، وبساتينهم المستبحرة
стр. 2663
بفساد الحديد وعياث النار، ولم يرضوا لجارهم بالإخفار (١) ، ولا لنفوسهم بالعار، إلى أن كان الخروج عن الوطن بعد خطوب تسبح فيها الأقلام سبحاً طويلاً، وتوسعها الشجون شرحاً وتأويلاً، وتلقي القصص منها على الآذان قولاً ثقيلاً، وجزنا البحر وضلوع موجه إشفاقاً علينا تخفق، وأكف رياحه حسرة تصفق، ونزلنا من جانب سلطان بني مرين على المثوى الذي رحب بنا ذرعه، ودل على كرم الأصول فرعه، والكريم الذي وهب فأجزل، ونزل لنا على الصهوة وتنزل، وخير وحكم، ورد على الدهر الذي تهكم، واستعبر وتبسم، وآلى وأقسم، وبسمل وقدم، واستركب لنا واستخدم.
ولما بدا لمن وراءنا سيئات ما كسبوا، وحققوا ما حسبوا، وطفا الغثاء ورسبوا، ولم ينشب الشقي الخزي أن قتل البائس الذي موه بزيفه، وطوقه بسيفه، ودل ركب المخافة على خيفه، إذ آمن المضعوف من كيده، وجعل ضرغامه بازياً لصيده، واستقل على أريكته، استقلال الظليم على تريكته، حاسر الهامة، متنفقاً بالشجاعة والشهامة، مستظهراً بأول الجهالة والجهامة، وساءت في محاولة عدو الدين سيرته، ولما حصص الحق انكشفت سريرته، وارتابت لجبنه المستور جيرته، وفغر عليه طاغية الروم فمه فالتقمه، ومد عليه الصليب ذراعه فراعه، وشد الكفر عليه يده، فما عضده الله ولا أيده، وتخرمت ثغور الإسلام بعد انتظامها، وشكت إليه باهتضامها، وغصت بأشلاء عباد الله وعظامها، ظهور أوضامها، ووكلت السنة والجماعة، وانقطعت من النجح الطماعة، واشتدت المجاعة، وطلعت شمس دعوتنا من المغرب فقامت عليها الساعة، وأجزنا البحر تكاد جهتاه تتقاربان تيسيراً، ورياحه لا تعرف في غير وجهتنا مسيراً، وكأن ماءه ذوب لقي إكسيراً، ونهضنا يتقدمنا الرعب ويتقد منا الدعاء، وتجأحىء بنا الإشارة يحفزنا الاستدعاء.
стр. 2664
وأقصر الطغايا عن البلاد بعد أن ترك ثغورها مهتومة، والإخافة عليها محتومة، وطوابعها مفضوضة وكانت بنا مختومة، وأخذ الخائن الصيحة فاختبل، وظهر تهوره الذي عليه الجبل، فجمع أوباشه السفلى وأوشابه، وبهرجه الذي غش به المحض وشابه، وعمد إلى الذخيرة التي صانتها الأغلاق الحريزة، والمعاقل العزيزة، فملأ بها المناطق، واستوعب الصامت والناطق، والوشح والقراطق، واحتمل عدد الحرب والزينة، وخرج ليلاً عن المدينة، وانقضت آراؤه الفائلة، ونعامته الشائلة، ودولة بغيه الزائلة، أن يقصد طاغية الروم بقضه وقضيضه، وأوجه وحضيضه، وطويلة وعريضة، من غير عهد اقتضى وثيقته، ولا أمر عرف حقيقته، إلا ما أمل اشتراطه من تبديل الكلمة، واستئصال الأمة المسلمة، فلم يكن إلا أن تحصل في قبضته، ودنا من مضجع ربضته، واستشار نصحاءه في أمره، وحكم الحيلة في جناية غدره، وشهره ببلده، وتولى قتله بيده، ألحق به جميع من أمده في غيه، وظاهره على سوء سعيه، وبعث إلينا برؤوسهم فنصبت بمسور غدرها، وقلدت لبة تلك البنية بشذرها، وأصبحت عبرة للمعتبرين، وآية للمستبصرين، وأحق الله الحق بكلماته وقطع دابر الكافرين.
وعدنا إلى أريكة ملكنا كما رجع القمر إلى بيته، بعد كيته وكيته، أو العقد إلى جيده، بعد انتثار فريده، أو الطير إلى وكره، مفلتاً من غول الشرك ومكره، ينظر الناس إلينا بعيون لم ترو مذ غبنا من محيا رحمة، ولا باتت للسياسة ذمة، ولا ركنت لدين ولا همة، فطوينا بساط العتاب طي الكتاب، وعاجلنا سطور المؤاخذة بالاضطراب، وآنسنا نفوس أولي الاقتراب بالاقتراب، وسهلنا النفوس إلينا، واستغفرنا الله لنفسنا ولمن جنى علينا، فلا تسألوا عما أثار ذلك من استدراك ندم، ورسوخ قدم، واستمتاع بوجود بعد عدم، فسبحان الذي يمحص ليثيب، ويأمر بالدعاء ليجيب، وينبه من الغفلة ويهيب، ويجتبي إليه من يشاء ويهدي
стр. 2665
إليه من ينيب.
ورأينا أن نطالع علومكم الشريفة بهذا الواقع تسبيباً للمفاتحة المعتمدة، وتمهيداً للموالاة المجددة، فأخبار الأقطار مما تنفقه الملوك على أسمارها، وترقم ببدائعه هالات أقمارها، وتستفيد منه حسن السير، ولا أمان من الغير، وتستعين على الدهر بالتجارب، وتستدل بالشاهد على الغائب، وبلادكم ينبوع الخير وأهله، ورواق الإسلام الذي يأوي قريبه وبعيده إلى ظله، ومطلع نور الرسالة، وأفق الرحمة المنثالة، منه تقدم علينا الكواكب تضرب آباط أفلاكها، وتتخلل مداريها المذهبة غدائر أحلاكها، وتستعلي البدور، ثم يعوها إلى المغرب الحدور، وتطلع الشمس متجردة من كمائم ليلها، متهادية في دركات ميلها، ثم تسحب إلى الغروب فضل ذيلها، ومن تلقائكم ورد العلم والعمل، وأرعي الهمل.
فنحن نستوهب من مظان الإجابة لديكم دعاء يقوم لنا مقام المدد، ويعدل منه بالمال والعدد، ففي دعاء المؤمن بظهر الغيب ما فيه مما ورد، وإياه سبحانه نسأل أن يدفع عنا وعنكم دواعي الفتن، وغوائل المحن، ويحملنا على سنن السنن، ويلبسنا من تقواه أوقى الجنن، وهو سبحانه يصل لأبوتكم ما تستقل لدى قاضي القضاة رسومه، فتكتب حقوقه وتكتب خصومه، ولا تكلفه الأيام ولا تسومه، بفضل الله وعزته، وكره ومنته، والسلام الكريم الطيب المبارك بدءاً من عود، وجوداً إثر جود، ورحمة الله تعالى وبركاته؛ انتهى.
وللسان الدين ابن الخطيب ﵀ عن سلطانه المذكور كتاب آخر في هذه الكائنة إلى كبير الموحدين أبي محمد عبد الله بن تفراجين (١) ، ولعلنا نذكره إن