" أما وإن ازدحمت بمهلكه الأوصاب، وفدح الرزء وجل المصاب، حتى لا نألف التأساء، فلقد سر الموت من حيث ساء، فلقد خلفنا بدهر ما فيه غير مصائب، ولا يبالي من أقصد سهمه الصائب، فيا فقيد الندى ما كان أجدرك بالخلود وأخلقك، ويا جواد عمره ما كان أقصر طلقك، ثوى حين استوى وتوارى، إذ ملأ الأفق أنوارا، وكسف حين بلغ الكمال، فكان كالغصن عندما اعتل مال، أو كالشهاب عندما استقام حار:
وكذاك عمر كواكب الأسحار (١) ... " هذه اليراعة التحفت بعد الضنى، والصحف تطوى على جهالة وتحنى، وعهدي به إن أمطى راحته اليراع، راع، أو دبج الأوراق، راق، أو استدر طبعه السلسال، سال، وأي روض أراد، راد، ومتى أراغ الإنشاء، أحسن إن شاء، فحق للفؤاد أن يستعر بوقده، وللمدامع أن تسيل دماً على فقده، بيد أنه الموت لا بد أن نرد مشرعه، ونسيغ على شرق به جرعه، فإنا زرع يحصده الذي ازدرعه، وصبراً يا ذوي أرحامه وبنيه، ومن مر في غلواء الوجد فالسلوان يثنيه، وشحاً على أجركم لا يذهب به الجزع ويفنيه، والله يزلف الفقيد من رحمته ويدنيه، ويقطفه زهر رضوانه ويجنيه، وييسر لكم العزاء الأجمل برحمته وينسيه، والسلام ". انتهت.
[قطع زهدية]
ويرحم الله القائل:
كل جمع إلى الشتات يصير ... أي صفو ما شابه تكدير
стр. 2732
أنت في اللهو والأماني مقيم ... والمنايا في كل وقت تسير
والذي غره بلوغ الأماني ... بسراب وخلب مغرور
ويك يا نفس أخلصي إن ربي ... بالذي أخفت الصدور بصير ولا خفاء على ذوي الأحلام، من الأعلام، أن الدنيا أضغاث أحلام (١) :
يندم المرء على ما فاته ... من لبانات إذا لم يقضها
وتراه فرحاً مستبشراً ... بالتي أمضى كأن لم يمضها
إنها عندي كأحلام الكرى ... لقريب بعضها من بعضها وقال أبو منصور أسعد النحوي:
يجمع المرء ثم يترك ما يج ... مع من كسبه لغير شكور
ليس يحظى إلا بذكر جميل ... أو بعلم من بعده مأثور [شيء من مواعظ ابن الجوزي]
وقال الإمام الشهير أبو الفرج ابن الجوزي (٢) :
يا ساكن الدنيا تأ ... هب واتنظر يوم الفراق
وأعد زاداً للرحي ... ل فسوف يحدى بالرفاق
وابك الذنوب بأدمع ... تنهل من سحب المآق
يا من أضاع زمانه ... أرضيت ما يفنى بباق وكان ابن الجوزي المذكور آية الله في كثرة التأليف والكتابة والوعظ
стр. 2733
والحفظ، وأقل من كان يحضر مجلسه عشرة آلاف، وربما حضر عنده مائة ألف، وقال في آخر عمره على المنبر: كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني، وأسمع رحمه الله تعالى الناس أكثر من أربعين سنة، وحدث بمصنفاته مراراً.
وقال الحافظ الذهبي في حقه: الحافظ الكبير، الواعظ المفتن، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في العلوم المتعددة، وعظ من صغره، وفاق فيه الأقران ونظم الشعر المليح، وكتب بخطه ما لا يوصف، ورأى من القبول والاحترام ما لا يزيد عليه، وحزر مجلسه غير مرة بمائة ألف، وحضر مجلسه المستضيء مراراً من وراء الستر؛ انتهى.
ومن كلامه في بعض مجالسه: واله ما اجتمع لأحد أمله، إلا وسعى في تفريقه أجله، وعقارب المنايا تلسع الناس، وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس، وقال في قوله ﷺ " أعمار أمتي من الستين إلى السبعين " إنما طالت أعمار القدماء لطول البداية، فلما شارف الركب بلد الإقامة قيل: حثوا المطي.
وقال في الذين عبدوا العجل: لو أن الله خار لهم ما خار لهم.
وقال يوماً وقد طرب أهل المجلس: فهمتم فهمتم.
وقال في خلافة أبي بكر ﵁، بعد أن ذكر أحاديث تدل على خلافته كقوله ﷺ " مروا أبا بكر فليصل بالناس " وغيره، ما صورته: فهذه أحاديث تجري مجرى النص، فهمها الخصوص، غير أن الرافضة في إخفائها كاللصوص، فقال السائل: لما قال: " أقيلوني " ما سمعنا مثل جواب علي ﵁ " والله لا أقلناك "، فقال: لما غاب علي عن البيعة في الأول، أخلف ما فات بالمدح في المستقبل، ليعلم السامع والرائي أن بيعة أبي بكر وإن كانت من ورائي، فهي رائي، ومثل ذلك الصدر لا يرائي.
وقال في قول فرعون ﴿أليس لي ملك مصر﴾ (الزحف: ٥١) يفتخر
стр. 2734
بما أجراه، ما أجراه.
وتواجد رجل في مجلسه فقال: عجباً! كلنا في إنشاد الضالة سوا، فلم وجدت وحدك ألم الجوى وأنشد:
قد كتمت الحب حتى شفني ... وإذا ما كتم الداء قتل
بين عينيك علالات الكرى ... فدع النوم لربات الحجل ونظر يوماً إلى أقوام يبكون في مجلسه ويتواجدون فأنشد (١) :
ولو لم يهجني الظاعنون لهاجني ... حمائم ورق في الديار وقوع
تداعين فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح لم تقطر لهن دموع
وكيف أطيق العاذلين وذكرهم ... يؤرقني والعاذلون هجوع وقام رجل وتواجد فأنشد:
وما زال يشكو الشوق حتى كأنما ... تنفس من أحشائه وتكلما
ويبكي فأبكي رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما وأعجبه يوماً كلامه فأنشد:
تزدحم الألفاظ والمعاني ... على فؤادي وعلى لساني
تجري لي الأفكار في ميدان ... أزاحم النجم على مكان ووعظ المستضيء يوماً فقال: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، فأنا أقدم خوفي عليك، على خوفي منك، لمحبتي لدوام أيامك، إن قول القائل " اتق الله " خير من قول القائل: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وقال الحسن البصري: لأن تصحب أقواماً يخوفونك حتى تبلغ المأمن
стр. 2735
خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى تبلغ المخاوف.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إذا بلغني عن عامل ظالم أنه قد ظلم الرعية ولم أغيره فأنا الظالم. يا أمير المؤمنين، كان يوسف ﵇ لا يشبع في زمان القحط، لئلا ينسى الجياع، وكان عمر ﵁ يصر بطنه عام الرمادة فيقول: قرقري إن شئت ولا تقرقري، فوالله لا شبعت والمسلمون جياع. فتصدق الخليفة المستضيء بصدقات كثيرة، وأطلق من في السجن.
وقال رحمه الله تعالى لبعض الولاة: اذكر عدل الله فيك، وعند العقوبة قدرة الله عليك، وإياك أن تشفي غيظك بسقم دينك.
وقال: الطاعة تبسط اللسان، والمعاصي تذل الإنسان.
وقال له قائل: ما نمت البارحة من شوقي إلى المجلس، فقال: نعم، لأنك تريد أن تتفرج، وإنما لا ينبغي أن لا تنام الليل لأجل ما سمعت فيه.
وقيل له: إن فلاناً أوصى عند الموت، فقال: طين سطوحه في كانون.
وقال له قائل: أسبح أم أستغفر فقال: الثياب الوسخة أحوج إلى الصابون من البخور.
وسأله سائل: ما الذي وقر في قلب أبي بكر ﵁ فقال: قوله ليلة المعراج " إن كان قال فلقد صدق " فله السبق.
ولما قال له بعضهم " سيف علي نزل من السماء فسعفة أبي بكر أين " أجابه بقوله: إن سعفة هزت يوم الردة فأثمرت سبياً جاء منه مثل ابن الحنفية لأمضى من سيوف الهند، ثم قال: يا عجباً للروافض، إذا مات لهم ميت تركوا معه سعفة، من أين ذا المصطلح
وسئل عن معنى قوله ﷺ " من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر " فقال: الميت يقسم ماله ويكفن، وأبو بكر أخرج ماله كله وتخلل بالعباء.
وقال في قوله تعالى ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً﴾ (الأعراف: ٤٣) .
стр. 2736
قال علي: إني والله لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، ثم قال أبو الفرج: إذا اصطلح أهل الحرب فما بال النظارة
وقال: قال جبريل لرسول الله ﷺ : سلم على عائشة، ولم يوجهها بالخطاب احتراماً لزوجها، وواجه مريم لأنها لم يكن لها زوج، فمن يحترمها جبريل كيف يجوز في حقها الأباطيل
قال أبو شامة: وكان ابن الجوزي رحمه الله تعالى مبتلى بالكلام في مثل هذه الأشياء، لكثرة الروافض ببغداد وتعنتهم بالسؤالات فيها، فكان بصيراً بالخروج منها لحسن إشارته.
وانقطع القراء يوماً عن مجلسه فأنشد:
وما الحلي إلا زينة لنقيصة ... يتمم من حسن إذا الحسن قصرا
وأما إذا كان الجمال موفراً ... كحسنك لم يحتج إلى أن يزوروا وقيل له: لم تعلل موسى ﵇ بسوف تراني فأنشد:
إن لم يكن وصل لديك لنا ... يشفي الصبابة فليكن وعد ولما ذكر بلالاً ﵁ لما منع الطواف بالبيت كان يقف من بعيد وينظر إليه ويبكي أنشد:
أمر على منازلهم وإني ... بمن أضحى بها صب مشوق
وأومي بالتحية من بعيد ... كما يومي بإصبعه الغريق ومن شعر أبي الفرج رحمه الله تعالى:
لعبت ومثلك لا يلعب ... وقد ذهب الأطيب الأطيب
قد كنت في ظلمات الشباب ... فلما أضاء انجلى الغيهب
ألا أين أقرانك الراحلون ... لقد لاح إذ ذهبوا المذهب
стр. 2737
ولنقتصر على هذا المقدار، ونرجع إلى أحوال لسان الدين رحمه الله تعالى وارتحاله، والاعتبار بحاله، فنقول:
ومما يناسب أن نذكره في هذا المحل ونثبته فيه ما حكاه العالم العلامة بلدينا سيدي أبو الفضل ابن الإمام التلمساني رحمه الله تعالى عن جدي الإمام قاضي القضاة سيدي أبي عبد الله المقري التلمساني رحمه الله تعالى، وهو أحد أشياخ لسان الدين كما يأتي إن شاء الله ذلك في محله، قال: كنت مع ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الخطيب في جامع إلبيرة من الأندلس إذ مر بنا الاعتبار، في تلك الآثار، فأنشد ابن الخطيب ارتجالاً (١) :
أقمنا برهة ثم ارتحلنا ... كذلك الدهر حال بعد حال
وكل بداية فإلى انتهاء ... وكل إقامة فإلى ارتحال
ومن سام الزمان دوام حال ... فقد وقف الرجاء على المحال انتهى.
وحكى لسان الدين في الإحاطة عن نفسه أنه خطط هذه الأبيات في مرحلة نزلها رحمه الله تعالى حسبما يأتي ذلك في شعره.
وما أحسن قوله رحمه الله تعالى:
لبسنا فلم نبل الزمان وأبلانا ... يتابع أخرانا على الغي أولانا
ونغتر بالآمال والعمر ينقضي ... فما كان بالرجعى إلى الله أولانا
وماذا عسى أن ينظر الدهر من عسا ... فما انقاد للزجر الحثيث ولا لانا
جزينا صنيع الله شر جزائه ... فلم نرع ما من سابق الفضل أولانا
فيا رب عاملنا بما أنت أهله ... من العفو واجبر صدعنا أنت مولانا
стр. 2738
وقد حكى غير واحد أنه رحمه الله تعالى ريء بعد موته في المنام، فقال له الرائي: ما فعل الله بك فقال: غفر لي ببيتين قلتهما، وهما (١) :
يا مصطفى من قبل نشأة آدم ... والكون لم تفتح له أغلاق
أيروم مخلوق ثناءك بعدما ... أثنى على أخلاقك الخلاق وقد كرر رحمه الله تعالى هذا المعنى في قصيدة في حقه ﷺ ، وشرف وكرم، ومجد وعظم، وبارك وأنعم، وهو قوله:
مدحتك آيات الكتاب فما عسى ... يثني على علياك نظم مديحي
وإذا كتاب الله أثنى مفصحاً ... كان القصور قصار كل فصيح وستأتي هذه القصيدة في نظمه إن شاء الله تعالى.
وقد رأيت بالغرب تخميساً للبيتين الأولين منسوباً للأديب الشهير الذكر بالمغرب أبي عبد الله مجمد بن جابر الغساني المكناسي رحمه الله تعالى، ولا بأس أن نورده هنا، وهو قوله رحمه الله تعالى:
يا سائلاً لضريح خير العالم ... ينهي إليه مقام صب هائم
بالله نادي وقل مقالة عالم ... يا مصطفى من قبل نشأة آدم والكون لم تفتح له أغلاق ...
بثناك قد شهدت ملائكة السما ... والله قد صلى عليك وسلما
يا مجتبى ومعظماً ومكرماً ... أيروم مخلوق ثناءك بعدما أثنى على أخلاقك الخلاق ...
стр. 2739
وما أحسن قول لسان الدين - رحمه الله تعالى - بعدما عرف بنفسه وسلفه: وكأني بالحي ممن ذكر قد التحق بالميت، وبالقبر قد استبدل من البيت.
وقال رحمه الله تعالى بعد إيراد جملة من نظمه ما صورته: وقلت والبقاء لله وحده، وبه يختم الهذر (١) :
عد عن كيت وكيت ... ما عليها غير ميت
كيف ترج حالة البق ... يا لمصباح وزيت وسيأتي ذلك، ولقد صدق رحمه الله تعالى، ورقى درجته في الجنة.
[تحقيق في نسبة بيتين]
وأما البيتان الشائعان على ألسنة أهل المشرق والمغرب وأنهما قيلا في لسان الدين رحمه الله تعالى، وبعضهم ينسبهما له نفسه، فالصحيح خلاف ذلك كما سيأتي، وهما:
قف كي ترى مغرب شمس الضحى ... بين صلاة العصر والمغرب
واسترحم الله قتيلاً بها ... كان إمام العصر في المغرب وشرح بعضهم البيتين فقال: إن قوله " قتيلاُ بها " من باب الاستخدام: أي قتيلاً بشمس الضحى التي هي المتغزل فيها.
وقد رأيت وأنا بالمغرب بخط الشيخ الأغصاوي أنهما لم يعن بهما قائلهما لسان الدين ابن الخطيب، وإنما هما مقولان في غيره، ونسبهما، ونسيت الآن ذلك لطول العهد، والله أعلم.
ويدل على ذلك أنه - رحمه الله تعالى - لم يقتل بين صلاة العصر والمغرب
стр. 2740
وإنما قتل في جوف الليل كما علم في محله. على أنه يمكن بتكلف تأويل ذلك بأنه قامت لقائلها قرينة على أنه بصدد الموت في ذلك الوقت، وهذا لو ثبت أنهما قيلا فيه، وقد علمت أن الأغصاوي نفى ذلك، فالله أعلم بحقيقة الأمر. في ذلك.
ثم رأيت في كتاب إسماعيل بن الأحمر في ترجمة بعض العلماء ما نصه: فمن قوله يرثي الأمراء بالمغرب، وقد حل رمسه بين صلاة العصر والمغرب:
قف كي ترى مغرب شمس العلا ... بين صلاة العصر والمغرب
واسترحم الله دفيناً به ... كان مليك العصر في المغرب وهذا مما يبعد أنهما في لسان الدين من وجوه لا تخفى على المتأمل: منهما قوله كان مليك العصر فإن لسان الدين لم يكن كذلك، وقد تقدم أنفاُ كان إمام العصر في المغرب وهو أحسن؛ لما فيه من التورية البديعة، والله أعلم.
[ثلاث قصائد لابن زمرك]
رجع إلى أخبار لسان الدين ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - وقد عرض عدوه الرئيس ابن زمرك في بعض قصائده التي مدح بها سلطانه الغني بالله أبا عبد الله بن نصر بما تسنى له من الظفر لابن الخطيب، ومن حماه منه، وهو الوزير بن الكاس، على يد من عينه لملك المغرب، وأعانه بجنده وعضده - كما تقدم - وهو السلطان أحمد المريني، فقال من قصيدة عيدية:
يهني زمانك أعياد مجددة ... من الفتوح من الأيام تغشاه
غضبت للدين والدنيا بحقهما ... يا حبذا غضب في الله أرضاه
فوقت للغرب سهماً راشه قدر ... وسدد الله للأعداء مرماه
стр. 2741
" سهم أصاب وراميه بذي سلم " ... لقد رمى الغرب الأقصى فأصماه (١)
من كان بندك يا مولاي يقدمه ... فليس يخلفه فتح ترجاه
من كان جندك جند الله ينصره ... أناله الله ما يرجو وسناه
ملكته غربه خلدت من ملك ... للغرب والشرق منه ما تمناه
وسام أعدائك الأشقين ما كسبوا ... ومن تردى رداء الغدر أرداه
قل للذي رمدت جهلاً بصيرته ... فلم تر الشمس، شمس الهدي، عيناه
غطى الهوى عقله حتى إذا ظهرت ... له المراشد أعشاه وأعماه
هل عنده وذنوب الغدر توبقه ... أن الذي قد كساه العز أعراه
لو كان يشكر ما أوليت من نعم ... ما زلت ملجأه الأحمى ومنجاه
سل السعود وخل البيض مغمدة ... فالسيف مهما مضى فالسعد أقصاه
وأشرع من البرق نصلاً راع مصلته ... وارفع من الصبح بنداً راق مجلاه
فالعدوتان وما قد ضم ملكهما ... أنصار ملكك، صان الله علياه
لا أوحش الله قطراُ أنت مالكه ... وآنس الله بالألطاف مغناه
لا أظلم الله أفقاً أنت نيره ... لا أهمل الله سرحاُ أنت ترعاه
وأهنأ بشهر صيام جاء زائره ... مستنزل من إله العرش رحماه
أهل بالسعد فانهلت به منن ... وأوسع الصنع إجمالأ ووفاه
أما ترى بركات الأرض شاملة ... وأنعم الله قد عمت براياه
وعادك العيد تستحلى موارده ... ويزجل الأجر والرحمى مصلاه
جهزت جيش دعاء فيه ترفعه ... لذي المعارج والإخلاص رقاه
أفضت فيه من النعماء أجزلها ... وأشرف البر بالإحسان زكاه
واليت للخلق ما أوليت من نعم ... والى لك الله ما أولى ووالاه
стр. 2742
وأول هذه القصيدة:
هذي العوالم لفظ أنت معناه ... كل يقول إذا استنطقه الله
بحر الوجود وفلك الكون جارية ... وباسمك الله مجراه ومرساه
من نور وجهك ضاء الكون أجمعه ... حتى تشيد بالأفلاك مبناه
عرش وفرش وأملاك مسخرة ... وكلها ساجد لله مولاه
سبحان من أوجد الأشياء من عدم ... وأوسع الكون قبل الكون نعماه
من ينسب النور للأفلاك قلت له: ... من أين أطلعت الأنوار لولاه
مولاي مولاي بحر الجود أغرقني ... والخلق أجمع في ذا البحر قد تاهوا
فالفلك تجري كما الأفلاك جارية ... بحر السماء وبحر الأرض أشباه
وكلهم نعم للخلق شاملة ... تبارك الله لا تحصى عطاياه
يا فاتق الرتق من هذا الوجود كما ... في سابق العلم قد خطت قضاياه
كن لي كما كنت لي إذ كنت لا عمل ... أرجو، ولا ذنب قد أذنبت أخشاه
وأنت في حضرات القدس تنقلني ... حتى استقر بهذا الكون مثواه
ما أقبح العبد أن ينسى وتذكره ... وأنت باللطف والإحسان ترعاه
غفرانك الله من جهل بليت به ... فمن أفاد وجودي كيف أنساه
مني علي حجاب لست أرفعه ... إلا بتوفيق هدي منك ترضاه
فعد علي بما عودت من كرم ... فأنت أكرم من أملت رحماه
ثم الصلاة صلاة الله دائمة ... على الذي باسمه في الذكر سماه
المجتبى وزناد النور ما قدحت ... ولا ذكا من نسيم الروض مسراه
والمصطفى وكمام الكون ما فتقت ... عن زهر زهر يروق العين مرآه
ولا تفجر نهر للنهار على ... در الدراري فغطاه وأخفاه
يا فاتح الرسل أو يا ختمها شرفاً ... والله قدس في الحالين معناه
стр. 2743
لم أدخر غير حب فيك ارفعه ... وسيلة لكريم يوم ألقاه
صلى عليك إله أنت صفوته ... ما طيبت بلذيذ الذكر أفواه
وعم بالروح والريحان صحبته ... وجادهم من نمير العفو أصفاه
وخص أنصاره الأعلين صفوته ... وأسكنوا من جوار الله أعلاه
أنصار ملته أعلام بيعته ... مناقب شرفت أنثى بها الله
وأيد الله من أحيا جهادهم ... وواصل الفخر أخراه بأولاه
المنتقى من صميم الفخر جوهره ... ما بين نصر وأنصار تهاداه
العلم والحلم والإفضال شيمته ... والبأس والجود بعض من سجاياه وهي طويلة، ولنقتصر منها على ما ذكر.
وقد صرح ابن زمرك المذكور في قصيدة أخرى مدح بها سلطانه الغني بالله، وهنأه بفتح المغرب على يد السلطان أحمد، وذكر فيها ظفره بالوزير ابن الكاس، وهو - أعني ابن الكاس - كان القائم بنصرة لسان الدين، والمانع له، والمجير له منهم حين طلبوه منه، فلما لم يخفر ذمته تمكنت - كما سبق - أسباب العداوة، وجر ذلك أن أغرى السلطان أحمد على تملك فاس، واشترطوا عليه كما مر القبض على لسان الدين وإرساله إليهم، وقد نقلت أنا هذه القصيدة من تأليف لحفيد السلطان الغني بالله ونص محل الحاجة منه: ومن ذلك أيضاً قوله - يعني ابن زمرك - هناء لمولانا الجد رحمه الله تعالى بالفتح المغربي للسلطان أبي العباس ابن السلطان أبي سالم المريني (١) :
هي نفحة هبت من الأنصار ... أهدتك فتح ممالك الأمصار
في بشرها وبشارة الدنيا بها ... مستمتع الأسماع والأبصار
هبت على قطر الجهاد فروضت ... أرجاءه بالنفحة المطار
стр. 2744
وسرت وأمر الله طي برودها ... يهدي البرية صنع لطف الباري
مرت بأدواح المنابر فانبرت ... خطباؤها مفتنة الأطيار
حنت معارجها إلى أعشارها ... لما سمن بها حنين عشار
لو أنصفتك لكللت أدواحها ... تلك البشائر يانع الأزهار
فتح الفتوح أتاك من حلل الرضى ... بعجائب الأزمان والأعصار
فتح الفتوح جنيت من أفنانه ... ما شئت من نصر ومن أنصار
كم آية لك في السعود جلية ... خلدت منها عبرة استبصار
كم حكمة لك في النفوس خفية ... خفيت مداركها عن الأفكار
كم من أمير أم بابك فانثنى ... يدعى الخليفة دعوة الإكبار
أعطيت أحمد راية منصورة ... بركاتها تسري من الأمصار
أركبته في المنشآت كأنما ... جهزته في وجهة لمزار
من كل خافقة الشراع مصفق ... منها الجناح تطير كل مطار
ألقت بأيدي الريح فضل عنانها ... فتكاد تصدق لمحة الأبصار
مثل الجياد تدافعت وتسابقت ... من طافح الأمواج في مضمار
لله منها في المجاز سوابح ... وقفت عليك الفخر وهي جواري
لما قصدت بها مراسي سبتة ... عطفت على الأسوار عطف سوار
لما رأت من صبح عزمك غرة ... محفوفة بأشعة الأنوار
ورأت جبيناً دونه شمس الضحى ... لبتك بالإجلال والإكبار
فأفضت بها من نداك مواهباً ... حسنت مواقعها على التكرار
وأريت أهل الغرب عزم مغرب ... قد ساعدته غرائب الأقدار
وخطبت من فاس الجديد عقيلة ... لبتك طوع تسرع وبدار
ما صدقوا متن الحديث بفتحها ... حتى رأوه في متون شفار
وتسمعوا الأخبار باستفتاحها ... والخبر قد أغنى عن الأخبار
قولوا لقرد في الوزارة غره ... حلم مننت به على مقدار
стр. 2745
أسكنته من فاس جنة ملكها ... متنعماً منها بدار قرار
حتى إذا كفر الصنيعة وازدرا ... بحقوقها ألحقته بالنار
جرعت نجل الكاس كأساً مرة ... دست إليه الحتف في الإسكار
كفر الذي أوليته من نعمة ... لا تأنس النعماء بالكفار
فطرحته طرح النواة فلم يفز ... من عز مغربه بغير فرار
لم يتفق لخليفة مثل الذي ... أعطى الإله خليفة الأنصار
لم أدر والأيام ذات عجائب ... تردادها يحلو على التذكار
ألواء صبح في فنية مشرق ... أم راية في جحفل جرار
وشهاب أفق أم سنان لامع ... ينقض نجماً في سماء غبار
ومناقب المولى الإمام محمد ... قد أشرقت أم هن زهر دراري
فاق الملوك بهمة علوية ... من دونها نجم السماء الساري
لو صافح الكف الخصيب بكفه ... فخرت بنهر للمجرة جاري
والشهب تطمع في مطالع أفقها ... لو أحرزت منه منيع جوار
سل بالمشارق صبحها عن وجهه ... يفتر منه عن جبين نهار
سل بالغمائم صوبها عن كفه ... تنبيك عن بحر بها زخار
سل بالبروق صفاحها عن عزمه ... تخبرك عن أمضى شباً وغرار
قد أحرز الشيم الخطيرة عندما ... أمطى العزائم صهوة الأخطار
إن يلق ذو الإجرام صفحة صفحه ... فسح القبول له خطا الأعمال
يا من إذا هبت نواسم حمده ... أزرت بعرف الروضة المعطار
يا من إذا افترت مباسم بشره ... وهب النفوس وعاف في الإقتار
يا من إذا طلعت شموس سعوده ... تعشي أشعتها قوى الأبصار
قسماً بوجهك في الضياء وإنه ... شمس تمد الشمس بالأنوار
قسماً بعزمك في المضاء فإنه ... سيف تجرده يد الأقدار
стр. 2746
لسماح كفك كلما استوهبته ... يزري بغيمة الديمة المدرار
لله حضرتك العلية لم تزل ... يلقي الغريب بها عصا التسيار
كم من طريد نازح قذفت به ... أيدي النوى في القفر رهن سفار
بلغته ما شاء من آماله ... فسلا عن الأوطان بالأوطار
صيرت بالإحسان دارك داره ... متعت بالحسنى وعقبى الدار
والخلق تعلم أنك الغوث الذي ... يضفي عليها وافي الأستار
كم دعوة لك في المحول مجابة ... أغرت جفون المزن باستعبار
جادت مجاري الدمع من قطر الندى ... فرعى الربيع لها حقوق الجار
فأعاد وجه الأرض طلقاً مشرقاً ... متضاحكاً بمباسم النوار
يا من مآثره وفضل جهاده ... تحدى القطار بها إلى الأقطار
حطت البلاد ومن حوت ثغورها ... وكفى لسعدك حامياً لذمار
فلرب بكر للفتوح خطبتها ... بالمشرفية والقنا الخطار
وعقيلة للكفر لما رعتها ... أخرست من ناقوسها المهذار
أذهبت من صفح الوجود كيانها ... ومحوتها إلا من التذكار
عمروا بها جنات عدن زخرفت ... ثم انثنوا عنها ديار بوار
صبحت منها روضة مطلولة ... فأعدتها للحين موقد نار
واسود وجه الكفر من خزي متى ... ما احمر وجه الأبيض البتار
ولرب روض للقنا متأود ... ناب الصهيل به عن الأطيار
مهما حكت زهر الأسنة زهره ... حكت السيوف معاطف الأنهار
متوقد لهب الحديد بجوه ... تصلى به الأعداء لفح أوار
فبكل ملتفت صقال مشهر ... قداح زند للحفيظة واري
في كف أروع فوق نهد سابح ... متموج الأعطاف في الإحضار
من كل منخفر بلمحة بارق ... حمل السلاح به على طيار
من أشهب كالصبح يطلع غرة ... في مستهل العسكر الجرار
стр. 2747
أو أدهم كالليل إلا أنه ... لم يرض بالجوزاء حلي عذار
أو أحمر كالجمر يذكي شعلة ... وقد ارتمى من بأسه بشرار
أو أشقر حلى الجمال أديمه ... وكساه من زهو جلال نضار
أو أشعل راق العيون كأنه ... غلس يخالط سدفة بنهار
شهب وشقر في الطراد كأنها ... روض تفتح عن شقيق بهار
عودتها أن ليس تقرب منهلاً ... حتى يخالط بالدم الموار
يا أيها الملك الذي أيامه ... غرر تلوح بأوجه الأعصار
يهني لواءك أن جدك زاحف ... بلواء خير الخلق للكفار
لا غرو أن فقت الملوك سيادة ... إذ كان جدك سيد الأنصار
السابقون الأولون إلى الهدى ... والمصطفون لخدمة المختار
متهللون إذا النزيل عراهم ... سفروا له عن أوجه الأقمار
من كل وضاح الجبين إذا احتبى ... تلقاه معصوباً بتاج فخار
قد لاث صبحاً فوق بدر بعدما ... لبس المكارم وارتدى بوقار
فاسأل ببدر عن مواقف بأسهم ... فهم تلافوا أمره ببدار
لهم العوالي عن معالي فخرها ... نقل الرواة عوالي الأخبار
وإذا كتاب الله يتلو حمدهم ... أودى القصور بمنة الأشعار
يا ابن الذين إذا تذوكر فخرهم ... فخروا بطيب أرومة ونجار
حقاً لقد أوضحت من آثارهم ... لما أخذت لدينهم بالثار
أصبحت وارث مجدهم وفخارهم ... ومشرف الأعصار والأمصار
يا صادراً في الفتح عن ورد المنى ... رد ناجح الإيراد والأصدار
واهنأ بفتح جاء يشتمل الرضى ... جذلان يرفل في حل استبشار
وإليكها ملء العيون وسامة ... حيتك بالأبكار من أفكاري
تجري حداة العيس طيب حديثها ... يتعللون به على الأكوار
إن مسهم لفح الهجير أبلهم ... منه نسيم ثنائك المعطار
стр. 2748
وتميل من أصغى لها فكأنني ... عاطيته منها كؤوس عقار
قذفت بحور الفكر منها جوهراً ... لما وصفت أنامل ببحار
لا زلت للإسلام ستراً كلما ... أم الحجيج البيت ذا الأستار
وبقيت يا بدر الهدى تجري بما ... شاءت علاك سوابق الأقدار انتهت.
ولابن زمرك السابق قصيدة أخرى قالها بعد موت لسان الدين ابن الخطيب وخلع السلطان أبي العباس أحمد ابن أبي سالم الذي قتل ابن الخطيب في دولته، وكان سلطان الأندلس موئلاً للسلطان أحمد المذكور، ولذلك امتعض لرده لملكه، فقال ابن زمرك وزير صاحب الأندلس بعد ابن الخطيب هذه القصيدة يمدح بها سلطانه أثناء وجهته لتجديد الدولة الأحمدية المذكورة صدر عام تسعة وثمانين وسبعمائة (١) :
هب النسيم على الرياض مع السحر ... فاستيقظت في الدوح أجفان الزهر
ورمى القضيب دراهماً من نوره ... فاعتاض من طل الغمام بها درر
نثر الأزاهر بعدما نظم الندى ... يا حسن ما نظم النسيم وما نثر
قم هاتها والجو أزهر باسم ... شمساً تحل من الزجاجة في قمر
إن شجها بالماء كف مديرها ... ترميه من شهب الحباب بها شرر
نارية نورية من ضوئها ... يقد (٢) السراج لنا إذا الليل اعتكر
لم يبق منها الدهر إلا صبغة ... قد أرعشت في الكأس من ضعف الكبر
من عهد كسرى لم يفض ختامها ... إذ كان يدخر كنزها فيما دخر
كانت مذاب التبر فيما قد مضى ... فأحالها ذوب اللجين لمن نظر
جدد بها عرس الصبوح فإنها ... بكر تحييها الكرام مع البكر
стр. 2749
وابلل بها رمق الأصيل عشية ... والشمس من وعد الغروب على خطر
محمرة مصفرة قد أظهرت ... خجل المريب يشوبه وجل الحذر
من كف شفاف تجسد نوره ... من جوهر لألاه بهجته بهر
تهوى البدور كماله وتود أن ... لو أوتيت منه المحاسن والغرر
قد خط نون عذاره في خده ... قلمان من آس هناك ومن شعر
والى عليك بها الكؤوس، وربما ... يسقيك من كأس الفتور إذا فتر
سكر الندامى من يديه ولحظه ... متعاقب مها سقى وإذا نظر
حيث الهدير مع الهديل تناغيا ... فالطير تنشد (١) في الغصون بلا وتر
والقضب مالت للعناق كأنها ... وفد الأحبة قادمين من السفر
متلاعبات في الحلي ينوب في ... وجناتهن حسناً عن خفر
والنرجس المطلول يرنو نحوها ... بلواحظ دمع الندى منها انهمر
والنهر مصقول الحسام متى يرد ... درع الغدير مصفقاً فيه صدر
يجري على الحصباء وهي جواهر ... متكسراً من فوقها مهما عثر
هل هذه أم روضة البشرى التي ... فيها لأرباب البصائر معتبر
لم أدر من شغف بها وبهذه ... من منهما فتن القلوب ومن سحر
جاءت بها الأجفان ملء ضلوعها ... ملء الخواطر والمسامع والبصر
ومسافر في البحر ملء عنانه ... وافى مع الفتح المبين على قدر
قادته نحوك بالخطام كأنه ... جمل يساق إلى القياد وقد نفر
وأراه دين الله عزة أهله ... بك يا أعف القادرين إذا قدر
يا فخر أندلس وعصمة أهلها ... للناس سر في اختصاصك قد ظهر
كم معضل من دائها عالجته ... فشفيت منه البدار والبدر
ماذا عسى يصف البليغ خليفة ... والله ما أيامه إلا غرر
стр. 2750
ورثت هذا الفخر يا ملك الهدى ... من كل من آوى النبي ومن نصر
من شاء يعرف فخرهم وكمالهم ... فليتل وحي الله فيهم والسير
أبناؤهم أبناء نصر بعدهم ... بسيوفهم دين الإله قد انتصر
مولاي سعدك والصباح تشابها ... وكلاهما في الخافقين قد اشتهر
هذا وزير الغرب عبد آبق ... لم يلف غيرك في الشدائد من وزر
كفر الذي أوليته من نعمة ... والله قد حتم العذاب لمن كفر
إن لم يتم بالسيف مات بغيظه ... وصلي سعيراً للتأسف والفكر
ركب الفرار مطية ينجو بها ... فجرت به حتى استقر على سقر
وكذا أبوه وكان منه حمامه ... قد حم وهو من الحياة على غرر
بلغته والله أكبر شاهد ... ما شاء من وطن يعز ومن وطر
حتى إذا جحد الذي أوليته ... لم تبق منه الحادثات ولم تذر
في حاله والله أعظم عبرة ... لله عبد في القضاء قد اعتبر
فاصبر تنل أمثالها في مثله ... إن العواقب في الأمور لمن صبر
رد حيث شئت مسوغاً ورد المنى ... فلله حسبك في الورود وفي الصدر
لا زلت محروساً بعين كلاءة ... ما دام عين الشمس تعشي من نظر ومنها وقد أضاف إليه من التغزل طوع بداره، وحجة اقتداره، فقال:
والعود في كف نديم بسر ما ... تلقي لنا الأنامل منه قد جهر
غنى عليه الطير وهو بدوحه ... والآن غنى فوقه ظبي أغر
عود ثوى حجر القضيب، رعى له ... أيام كانا في الرياض مع الشجر
لا سيما لما رأى من ثغره ... زهراً، وأين الزهر من تلك الدرر
ويظن أن عذاره من آسه ... ويظن تفاح الخدود من الثمر
يسبي القلوب بلفظه وبلحظه ... وافتنتي بين التكلم والنظر
قد قيدته لأنسنا أوتاره ... كالظبي قيد في الكناس إذا نفر
стр. 2751
لم يبل قلبي قبل سماع غنائه ... بمعذر سلب العقول وما اعتذر
جس القلوب بجسه أوتاره ... حتى كأن قلوبنا بين الوتر
نمت لنا ألحانه بجميع ما ... قد أودعت فيه القلوب من الفكر
يا صامتاً والعود تحت بنانه ... يغنيك نطق الخبر فيه عن الخبر
أغنى غناؤك من مدامك، يا ترى ... هل من لحاظك أم بنانك ذا السكر
باحت أناملك اللدان بكل ما ... كان المتيم في هواه قد ستر
ومقاتل ما سل غير لحاظه ... والرمح هز من القوام إذا خطر
دانت له منا القلوب بطاعة ... والسيف يملك ربه مهما قهر وسنلم إن شاء الله تعالى بترجمة ابن زمرك هذا في باب التلامذة، ونشير هناك إلى كثير من أحواله، وكيفية قتله مع أولاده وخدمه بمرأى ومسمع من أهله، فكان الجزاء من جنس العمل، وخاب منه الأمل، إذ لسان الدين قتل غيلة بليل غاسق، على يد مختلس في السجن فاسق، وأما ابن زمرك فقتل بالسيف جهاراً، وتناوشته سيوف مخدومه بين بناته إبداء للتشفي وإظهاراً، وقتل معه من وجد من خدمه وأبناه، وأبعده الدهر وطالما أدناه. وهكذا الحال في خدام الدول وذوي الملك، أنهم أقرب شيء من الهلك، ويرحم الله من قال: إياك وخدمة الملوك فإنهم يستقلون في العقاب ضرب الرقاب، ويستكثرون في الثواب رد الجواب؛ انتهى.
رجع إلى ما كنا فيه من أحوال لسان الدين ابن الخطيب: وكان رحمه الله تعالى قبيل موته لما توفي السلطان أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن المريني بتلمسان وتغلب على الأمر الوزير أبو بكر ابن غازي بن الكاس مبايعاً لابن صغير السن أولاد السلطان عبد العزيز - ألف كتابه المسمى بأعمال الأعلام بمن بويع من ملوك الإسلام قبل الاحتلام ومراده بذلك تثبيت دولة الوزير الذي أبى أن يخفر عهده وذمته، وامتنع منه أهل الأندلس، فأكثروا
стр. 2752
القالة في الوزير بسبب مبايعته للصبي، وبنوا ظاهر الأمر على أن ذلك لا يجوز بالشرع، وأبدأوا وأعادوا في ذلك، واسروا ما كان من أمرهم حسواً في ارتغاء. ومن جملة كلام لسان الدين ابن الخطيب في ذلك الكتاب قوله: فمتى نبس أهل الأندلس بإنكار بيعة صبي صغير، أو نيابة صاحب أو وزير، فقد عموا وصموا، وخطروا بربع الإنصاف فأعرضوا وما ألموا، وبما نسوه لغيرهم ذموا؛ انتهى.
وكان رحمه الله تعالى ألف للسلطان عبد العزيز حين انحيازه إليه المباخر الطيبية في المفاخر الخطيبية: يذكر فيه نباهة سلفه، وما لهم من المجد، وقصده الرد على أهل الأندلس المجاهرين له بالعداوة، القادحين في فخر سلفه. ثم ألف للسلطان المذكور كتاب " خلع الرسم في التعريف بأحوال ابن الحسن " لكونه تولى كبر الحط منه، والسعي في هلاكه كما مر، وقال في حق هذا الكتاب: إنه لا شيء فوقه في الظرف والاستطراف، يسلس الثكالى، ونستغفر الله تعالى؛ انتهى.
ومع هذا كله لما أنشبت المنية أظفارها لم تنفعه مما كتب تميمة، ونال ما أمل فيه أهل السعاية والنميمة، وسجلوا عليه المقالات الذميمة، وقد صار الجميع إلى حكم عدل قادر يحيي من العظم رميمه، ونصف المظلوم من الظالم، ويجازي الجاهل والعالم، ويساوي بين المأمور والآمر، والشريف والمشروف، والعزيز والحقير والمنكر والمعروف، وعفوه سبحانه مؤمل بعد، وهو لا يخلف الوعد، ومن سبقت له العناية، لم تضره الجناية.
وقد كان لسان الدين البن الخطيب - رحمه الله تعالى - محباً في العفو حتى إنه كان إذا جرى لديه ذكر عقوبة الملوك لأتباعهم تشمئز نفسه من ذلك ويقول ما معناه: ما ضرهم لو عفوا! ورأيت له - رحمه الله تعالى - في بعض مؤلفاته وقد أجرى ذكر استعطاف ذي الوزارتين أبي بكر ابن عمار للسلطان المعتمد بن عباد حين قبض عليه بقوله:
стр. 2753
سجاياك إن عافيت أندى وأسمح ... وعذرك إن عاقبت أولى وأوضح
وإن كان بين الخطتين مزية ... فأنت من الأدنى إلى الله أجنح
وماذا عسى الأعداء أن يتزيدوا ... سوى أن ذنبي ثابت ومصحح
وإن رجائي أن عندك غير ما ... يخوض عدوي اليوم فيه ويمرح
أقلني بما بينك وبيني من رضى ... له نحو روح الله باب مفتح
ولا تلتفت قول الوشاة وزورهم ... فكل إناء بالذي فيه يرشح
وقالوا: سيجزيه فلان بذنبه ... فقلت: وقد يعفو فلان ويصفح
ألا إن بطشاً للمؤيد يرتمي ... ولكن حلماً للمؤيد يرجح
وبين ضلوعي من هواة تميمة ... ستشفع لو أن الحمام يجلح
سلام عليه كيف دار به الهوى ... إلي فيدنو أو علي فينزح
ويهنيه إن رمت السلو فإنني ... أموت ولي شوق إليه مبرح ما نصه: ولابن عمار كلمات شهيرة تعالج بمراهمها جراح القلوب، وتعفي على هضبات الذنوب، لولا ما فرغ عنه من القدر المكتوب والأجل المحسوب؛ إلى أن قال: وما كان أجمل بالمعتمد أن يبقي على جان من عبيده، قد مكنه الله من عنقه، لا يؤمل الحصول على أمره، ولا يحذر تعصب قبيله، ولا يزيده العفو عنه إلا ترفعاً وعزة وجلالة وهمة وذكراً جميلاً وأجراً جزيلاً، فلا شيء أمحى للسيئة من الحسنة، ولا أقتل للشر من الخير، ورحم الله الشاعر إذ يقول:
وطعنتهم بالمكرمات وباللها ... في حيث لو طعن القنا لتكسرا وقد تذكرت هنا قول الأديب أبي عبد الله محمد بن أحمد التجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه:
أتعجب إن حطت يد الدهر فاضلاً ... عن الرتبة العليا فأصبح تحتها
стр. 2754
أما هذه الأشجار تحمل أكلها ... وتسقط منه كل ما طاب وانتهى [نكبة أبي جعفر ابن عطية]
وحكى غير واحد من مؤرخي الأندلس أن الكاتب الشهير الوزير أبا جعفر ابن عطية القضاعي (١) لما تغير له عبد المؤمن وتذاكر مع بعض من أهل العلم أبيات ابن عمار السابقة، قال: ما كان المعتمد إلا قاسي القلب حيث لم تعطفه هذه الأبيات إلى العفو، ووقع لابن عطية المذكور مثل قضية ابن عمار، واستعطف فما نفع ذلك وقتل رحمه الله تعالى، ولنلم بذلك فنقول:
كان أبو جعفر هذا من أهل مراكش، وأصله القديم من طرطوشة، ثم بعد من دانية، وهو ممن كتب عن علي بن يوسف بن تاشفين أمير لمتونة، وعن ابنيه تاشفين وإسحاق، ثم استخلصه لنفسه سالب ملكهم عبد المؤمن بن علي، وأسند إليه وزارته، فنهض بأعبائها، وتحبب إلى الناس بإجمال السعي والإحسان فعمت صنائعه، وفشا معروفه، وكان محمود السيرة، مبخت المحاولات، ناجح المساعي، سعيد المآخذ، ميسر المآرب، وكانت وزارته زيناً للوقت، وكمالاً للدولة، وفي أيام توجهه للأندلس وجد حساده السبيل إلى التدبير عليه والسعي به، حتى أوغروا صدر الخليفة عبد المؤمن عليه، فاستوزر عبد السلام بن محمد الكومي، وانبرى لمطالبة ابن عطية، وجد في التماس عوراته، وتشنيع سقطاته، وطرحت بمجلس السلطان أبياتاً منها:
قل للإمام أطال الله مدته ... قولاً تبين لذي لب حقائقه
إن الزراجين (٢) قوم قد وترتهم ... وطالب الثأر لم تؤمن بوائقه
стр. 2755
وللوزير إلى آرائهم ميل ... لذاك ما كثرت فيهم علائقه
فبادر الحزم في إطفاء نارهم ... فربما عاق عن أمر عوائقه
هم العدو ومن والاهم كهم ... فاحذر عدوك واحذر من يصادقه
الله يعلم أني ناصح لكم ... والحق أبلج لا تخفى طرائقه قالوا: ولما وقف عبد المؤمن على هذه الأبيات البليغة في معناها وغر صدره على وزير أبي جعفر، وأسر له في نفسه تغيراً، فكان من أقوى أسباب نكبته.
وقيل: أفضى له بسر فأفشاه، وانتهى ذلك كله إلى أبي جعفر وهو بالأندلس فقلق وعجل الانصراف إلى مراكش، فحجب عند قدومه، ثم قيد إلى المسجد في اليوم بعده حاسر العمامة، واستحضر الناس على طبقاتهم، وقرروا على ما يعلمون من أمره، وما صار إليه منهم، فأجاب كل بما اقتضاه هواه، وأمر بسجنه، ولف معه أخوه أبو عقيل عطية، وتوجه في إثر ذلك عبد المؤمن إلى زيارة تربة المهدي محمد بن تومرت، فاستصحبهما منكوبين بحال ثقاف. وصدرت عن أبي جعفر في هذه الحركة من لطائف الأدب نظماً ونثراً في سبيل التوسل بتربة إمامهم المهدي عجائب لم تجد شيئاً مع نفوذ قدر الله تعالى فيه. ولما انصرف من وجهته أعادهما معه قافلاً إلى مراكش، فلما حاذى تاقمرت أنفذ الأمر بقتلهما بالشعراء المتصلة بالحصن على مقربة من الملاحة هنالك، فمضيا لسبيلهما، رحمهما الله تعالى.
ومما خاطب به الخليفة عبد المؤمن مستعطفاً له من رسالة تغالى فيه فغالته المنية، ولم ينل الأمنية، وهذه سنة الله تعالى فيمن لم يحترم جناب الألوهية، ولم يحرس لسانه من الوقوع فيما يخدش في وجه فضل الأنبياء على غيرهم وعصمتهم، قوله سامحه الله:
" تالله لو أحاطت بي كل خطيئة، ولم تنفك نفسي عن الخيرات بطيئة، حتى سخرت بمن في الوجود، وأنفت لآدم من السجود، وقلت: إن الله تعالى
стр. 2756
لم يوح، في الفلك لنوح، وبريت لقدار ثمود نبلاً، وأبرمت لحطب نار الخليل حبلاً، وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدت مع هامان على الطين، وقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، وافتريت على العذراء البتول فقذفتها، وكتبت صحيفة القطيعة بدار الندوة، وظاهرت الأحزاب بالقصوى من العدوة، وذممت كل قرشي، وأكرمت لأجل وحشي كل حبشي، وقلت: إن بيعة السقيفة، لا توجب إمامة خليفة، وشحذت شفرة غلام المغيرة بن شعبة، واعتقلت من حصار الدار وقتل اشمطها بشعبة، وقلت: تقاتلوا رغبة في الأبيض والأصفر، وسفكوا الدماء على الثريد الأعفر، وغادرت الوجه من الهامة خضيباً، وناولت من قرع سن الحسين قضيباً، ثم أتيت حضرة المعلوم لائذاً، وبقبر الإمام المهدي عائذاً، لقد آن لمقالتي أن تسمع، وتغفر لي هذه الخطيئات أجمع، مع أني مقترف، وبالذنب معترف.
فعفواً أمير المؤمنين فمن لنا ... برد قلوب هدها الخفقان " وكتب مع ابن له صغير آخرة:
عطفاً علينا أمير المؤمنين، فقد ... بان العزاء لفرط البث والحزن
قد أغرقتنا ذنوب كلها لجج ... وعطفة منكم أنجى من السفن
وصادفتنا سهام كلها غرض ... ورحمة منكم أوقى من الجنن
هيهات للخطب أن تسطو حوادثه ... بمن أجارته رحماكم من المحن
من جاء عندكم يسعى على ثقة ... بنصره لم يخف بطشاً من الزمن
فالثوب يطهر عند الغسل من درن ... والطرف ينهض بعد الركض في سنن
أنتم بذلتم حياة الخلق كلهم ... من دون من عليهم لا ولا ثمن
ونحن من بغض من أحيت مكارمكم ... كلتا الحياتين من نفس ومن بدن
وصبية كفراخ الورق من صغر ... لم يألفوا النوح في فرع ولا فنن
стр. 2757
قد أوجدتهم أياد منهم سابقة ... والكل لولاك لم يوجد ولم يكن فوقع عبد المؤمن على هذه القصيدة ﴿الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾ (يونس: ٩١) .
ومما كتب به من السجن:
أنوح على نفسي أم أنتظر الصفحا ... فقد آن أن تنسى الذنوب وان تمحى
فها أنا في ليل من السخط حائر ... ولا أهتدي حتى أرى للرضى صبحا وامتحن عبد المؤمن الشعراء بهجو ابن عطية، فلما أسمعوه ما قالوا، أعرض عنهم، وقال: ذهب ابن عطية وذهب الأدب معه.
وكان لأبي جعفر أخ اسمه عطية قتل معه، ولعطية هذا ابن أديب كاتب، وهو أبو طالب عقيل بن عطية، ومن نظمه في رجل تعشق قينة كانت ورثت من مولاها مالاً فكانت تنفق عليه منه، فلما فرغ المال ملها:
لا تلحه أن مل من حبها ... فلم يكن ذلك من ود
لما رآها قد صفا مالها ... قال: صفا الوجد مع الوجد وكان أبو جعفر ابن عطية من أبلغ أهل زمانه، وقد حكي أنه مر مع الخليفة عبد المؤمن ببعض طرق مراكش، فأطلت من شباك جارية بارعة الجمال فقال عبد المؤمن:
قدت فؤادي من الشباك إذ نظرت ... فقال الوزير ابن عطية مجيزاً له:
حوراء ترنو إلى العشاق بالمقل ... فقال عبد المؤمن:
كأنما لحظها في قلب عاشقها ...
стр. 2758
فقال ابن عطية:
سيف المؤيد عبد المؤمن بن علي ... ولا خفاء أن هذه طبقة عالية.
ومن فصول رسالته التي كتب بها عن أبي حفص، وهي التي أورثته الرتبة العلية السنية، والوزارة الموحدية المؤمنية، قوله (١) :
كتابنا هذا من وادي ماسة بعد ما تجدد من أمر الله الكريم، ونصر الله تعالى المعهود المعلوم ﴿وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم﴾ (آل عمران: ١٢٦) فتح بهر الأنوار إشراقاً، وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقاً، ونبه للأماني النائمة جفوناً وإحداقا، واستغرق غاية الشكر استغراقاً، فلا تطيق الألسن لكنه وصفه إدراكاً ولا لحاقاً، جمع أشتات الطلب والأرب، وتقلب في النعم أكرم منقلب، وملأ دلاء الأمل إلى عقد الكرب:
فتح تفتح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب وتقدمت بشارتنا به جملة، حين لم تعط الحال بشرحه مهلة، كان أولئك الضالون المرتدون قد بطروا عدواناً وظلماً، واقتطعوا الكفر معنى واسماً، وأملى لهم الله تعالى ليزدادوا إثماً، وكان مقدمهم الشقي قد استمال النفوس بخزعبلاته، واستهوى القلوب بمهولاته، ونصب له الشيطان من حبالاته، فأتته المخاطبات من بعد وكثب، ونسلت إليه الرسل من كل حدب، واعتقدته الخواطر أعجب عجب، وكان الذي قادهم إلى ذلك، وأوردهم تلك المهالك، وصول من كان بتلك السواحل ممن ارتسم برسم الانقطاع عن الناس فيما سلف عن الأعوام، واشتغل على زعمه بالقيام والصيام، آناء الليالي والأيام، لبسوا الناموس أثواباً، وتدرعوا الرياء جلباباً، فلم يفتح الله تعالى لهم للتوفيق باباً.
стр. 2759
ومنها في ذكر صاحبهم الماسي (١) المدعي للهداية: فصرع بحمد الله تعالى لحينه، وبادرت إليه بوادر منونه، وأتته وافدات الخطيئات عن يساره ويمينه، وقد كان يدعي أنه بشر بأن المنية في هذه الأعوام لا تصيبه، والنوائب لا تنوبه، ويقول في سواه قولاً كثيراً، ويختلق على الله تعالى إفكاً وزوراً، فلما رأوا هيئة اضطجاعه، وما خطته الأسنة في أعضائه وأضلاعه، ونفذ فيه من أمر الله تعالى ما لم يقدروا على استرجاعه، هزم من كان لهم من الأحزاب، وتساقطوا على وجوههم تساقط الذباب، وأعطوا عن بكرة أبيهم صفحات الرقاب، ولم تقطر كلومهم إلا على الأعقاب، فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم، وآذنت الآجال بانقراض آمادهم، وأخذهم الله تعالى بكفرهم وفسادهم، فلم يعاين منهم إلا من خر صريعاً، وسقى الأرض نجيعاً، ولقي من أمر الهنديات فظيعاً، ودعت الضرورة باقيهم إلى الترامي في الوادي؛ فمن كان يؤمل الفرار ويرتجيه، ويسبح طامعاً في الخروج إلى ما ينجيه، اختطفته الأسنة اختطافاً، وأذاقته موتاً ذعافاً، ومن لج في الترامي على لججه، ورام البقاء في ثبجه، قضى عليه شرقه، وألوى بذقنه غرقه، ودخل الموحدون إلى البقية الكائنة فيه يتناولون قتالهم طعناً وضرباً، ويلقونهم بأمر الله تعالى هولاً عظيماً وكرباً، حتى انبسطت مراقات الدماء، على صفحات الماء، وحكت حمرتها على رزقته حمرة الشفق على زرقة السماء، وجرت العبرة للمعتبر، في جري ذلك الدم جري الأبحر ".
وبالجملة فالرجل كان نسيج وحده رحمه الله تعالى وسامحه، وقضية لسان الدين تشبه قضيته، وكلاهما قد ذاق من الذل بعد العز غصته، وبدل الدهر نصيبه من الوزارة وحصته، بعد أن اقتعد ذروة ومنصته، رحم الله تعالى الجميع، إنه مجيب سميع.
стр. 2760
الباب الثالث
في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتعلق بذلك من
الأخبار الشافية من العلة، ومواعظ المنجية من الأهواء المضلة،
والمناسبات الواضحة البراهين والأدلة
أقول: لا خفاء أن الشيخ لسان الدين رحمه الله تعالى أخذ عن جماعة من أهل العدوة والأندلس عدة فنون، وحدث عنهم بما يصدق الأقوال ويحقق الظنون.
١ - فمن أشياخه رحمه الله تعالى الفقيد الجليل الشريف النبيه الشهير، رئيس العلوم اللسانية بالأندلس، قاضي الجماعة أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الحسني السبتي (١) ، رحمه الله تعالى؛ كان هذا الشريف آية الله الباهرة في العربية والبيان والأدب، ويكفيه فضلاً أنه شرح الخزرجية (٢) ، وافترع هضاب مشكلاتها بفهمه، من غير أن يسبقه أحد إلى استخراج كنوزها، وإيضاح رموزها، وشرح مقصورة أديب المغرب الإمام أبي الحسن حازم بن محمد القرطاجني الأندلسي الذي مدح بها أمير المؤمنين المنتصر بالله أبا عبد الله محمد الحفصي، وسمى هذا الشرح ب " رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة "، وهذا
стр. 2761
الشرح في مجلدين كبيرين، وفيه من الفوائد ما لا مزيد عليه، رأيته بالمغرب، واستفدت منه كثيراً.
ومن فوائد الشريف المذكور أنه قال فيما جاء من الحديث في صفة وضوء رسول الله، ﷺ ، " فأقبل بهما وأدبر " إن أحسن الوجوه في تأويله أن يكون قدم الإقبال تفاؤلاً، ثم فسر بعد ذلك على معنى أدبر وأقبل، قال: والعرب تقدم بكلامها ألفاظاً على ألفاظ أخرى، وتلتزمه في بعض المواضع، كقولهم: قام وقعد ولا تقول: قعد وقام، وكذلك أكل وشرب، ودخل وخرج، وعلى هذا النمط كلام العرب، فتكون هذه المسألة من هذا، قال: ويؤيد ما قلناه - وهو موضع النكتة - تفسيره لأقبل وأدبر في باقي الحديث على معنى أدبر ثم أقبل، ولو كان اللفظ على ظاهره لم يحتج إلى تفسير؛ انتهى.
وحدث رحمه الله تعالى عن جده لأمه قال: كنت بالمشرق، فدخلت على بعض القرائين، فألفيت الطلب يعربون عليه قول امرئ القيس (١) :
كأن أبانا في أفانين ودقه ... كبير أناس في بجاد مزمل (٢) فأنشد ولا أدري هل هي له أو لغيره:
إذا ما الليالي جاورتك بساقط ... وقدرك مرفوع فعنه ترحل
ألم تر ما لاقاه في جنب جاره ... كبير أناس في بجاد مزمل وكان بعض الناس ينشد في هذا المقصد قول الآخر:
عليك بأرباب الصدور، فمن غدا ... مضافاً لأرباب الصدور تصدراً
стр. 2762
وإياك أن ترضى بصحبة ساقط ... فتنحط قدراً من علاك وتحقرا
فرفع أبو من ثم خفض مزمل ... يبين قولي مغرياً ومحذراً وهذا معنى قول الشاعر:
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي وما أحسن قول أبي بحر صفوان بن إدريس المرسي رحمه الله تعالى:
إنا إلى الله من أناس ... قد خلعوا لبسة الوقار
جاورتهم فانخفضت هوناً ... يا رب خفض على الجوار ومن نظم الشريف رحمه الله تعالى:
وأحور زان خديه عذار ... سبى الألباب منظره العجاب
أقول لهم وقد عابوا غرامي ... به إذا لاح للدمع انسكاب
أبعد كتاب عارضه يرجى ... خلاص لي وقد سبق الكتاب ومن الغريب في توارد الخواطر ما وجد بخط الأديب أبي القاسم ابن جزي الكلي رحمهما الله تعالى - وسيأتيان - ما معناه: قلت هذه القطعة:
ومعسول اللمى عادت عذاباً ... على قلبي ثناياه العذاب
وقد كتب العذار بوجنتيه ... كتاباً حظ قارئه اكتئاب
وقالوا لو سلوت فقلت خيراً ... وأنى لي وقد سبق الكتاب ثم عرضتها على شيخنا القاضي أبي القاسم الشريف بعد نظمها بمدة يسيرة فقال لي: قد نظمت هذا المعنى بالعروض والقافية في هذه الأيام اليسيرة، وأنشدني:
وأحور زان خديه عذار ... الأبيات السابقة.
стр. 2763
وهذا يقع كثيراً، ومنه ما وقع لابن الرقام حيث قال: من شعر عمي قوله:
جل في البلاد تنل عزاً وتكرمة ... في أي أرض فكن تبلغ مناك بها
جل الفوائد بالأسفار مكتسب ... والله قد قال " فامشوا في مناكبها " فقال له الفقيه ابن حذلم: مثل هذا وقع لأبي حيان إذ قال:
يا نفس ما لك تهوين الإقامة في ... أرض تعذر كل من مناك بها
أما تلوت وعجز المرء منقصة ... في محكم الوحي " فامشوا في مناكبها " فحصل العجب من هذا الاتفاق الغريب.
ونقلت ممن نقل من خط الفقيه محمد بن علي بن الصباغ العقيلي ما صورته: كان الشريف الغرناطي - رحمه الله تعالى - آية زمانه، وأزمة البيان طوع بنانه، له شرح المقصورة القرطاجية أغرب ما تتحلى به الآذان، وأبدع ما ينشرح له الجنان، إلى العقل الذي لا يدرك، والفضل الذي حمد منه المسلك. حدثني بنادرة جرت بينه وبين مولاي الوالد من أثق به من طلبة الأندلس وأعلامها قال: دخل والدك يوماً لأداء الشهادة عنده، فوجد بين يديه جماعة من الغزاة يؤدون شهادة، فسمع القاضي منهم، وقال لهم: هل من يعرفكم فقالوا: نعم، يعرفنا علي الصباغ، فقال القاضي: أتعرفهم يا أبا الحسن فقال له: نعم يا سيدي، معرفة محمد بن يزيد، فما أنكر عليه شيئاً بل قال لهم: عرف الفقيه أبو الحسن ما عنده، فانظروا من يعرف معه رسم حالكم، فانصرفوا راضين، ولم يرتهن والدي في شيء من حالهم، ولا كشف القاضي لهم ستر القضية.
قال محمد بن علي بن الصباغ: أما قول والدي " معرفة محمد بن يزيد " فإشارة إلى قول الشاعر (١) :
стр. 2764
أسائل عن ثمالة كل حي ... فكلهم يقول وما ثماله
فقلت: محمد بن يزيد منهم ... فقالوا: الآن زدت بهم جهالة فتفطن القاضي رحمه الله تعالى لجودة ذكائه إلى أنه لم يرتهن في شيء من معرفتهم، ممتنعاً من إظهار ذلك بلفظه الصريح، فكنى واكتفى بذكاء القاضي الصحيح، رحمهما الله تعالى؛ انتهى. ومن فوائد الشريف ما حكاه عنه تلميذه الإمام النظار أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى، ونصه: قال لي الشيخ القاضي الكبير أبو القاسم الحسني يوماً وقد جرى ذكر حتى التي للابتداء، وأن معناها التي يقع بعدها الكلام سواء كان ذلك متعلقاً بما قبلها لم يتم دونه أو لا، بل لا يكون الأمر إلا كذلك، قال: وقد حدثني بعض الأصحاب أنه سمع رجلاً يصلي أشفاع رمضان، فقرأ من سورة الكهف إلى قوله تعالى " ثم أتبع سبباً " فوقف هنالك، وركع وسجد، قال: فظننت أنه نسي ما بعد ثم ركع وسجد حتى يتذكر بعد ذلك ويعيد أول الكلام، فلما قام من السجود ابتدأ القراءة بقوله " حتى إذا بلغ " فلما أتم الصلاة قلت له في ذلك، فقال: أليست حتى الابتدائية قال القاضي الشريف المذكور: فيجب أن يفهم أن الاصطلاح في حتى وفي غيرها من حروف الابتداء ما ذكر؛ انتهى. وقال الشاطبي: أنشدني أبو محمد ابن حذلم لنفسه:
شأن المحبين في أشجانهم عجب ... وحالتي بينهم في الحب أعجبها
قد كنت أبعث من ريح الصبا رسلاً ... تأتي فتطفئ أشواقي فتذهبها
والآن أرسل دمعي إثرها ديماً ... فتلتظي نار وجدي حين أسكبها
فاعجب لنار اشتياق في الحشا وقفت ... ألريح (١) تذهبها والماء يلهبها
стр. 2765
ثم قال الشاطبي ما نصه: أخذ هذا المعنى فتممه، من قطعة أنشدناها شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف رحمه الله تعالى عليه؛ أذكر الآن آخر بيت منها وهو:
يا من رأى النار إن تطفأ مخالفة ... فبالرياح، وإن توقد فبالماء وأخذ عن الشريف المذكور رحمه الله تعالى جماعة غير لسان الدين، من أشهرهم العلامة النظار أبو إسحاق الشاطبي، والوزير الكاتب أبو عبد الله ابن زمرك.
قال حفيد السلطان الغني بالله بن الأحمر رحمه الله تعالى في حق ابن زمرك: إنه كان يتردد الأعوام العديدة إلى قاضي الجماعة أبي القاسم الشريف، فأحسن الإصغاء، وبذ الأئمة البلغاء، بما أوجب أن رثاه عند الوقوف على قبره بالقصيدة الفريدة التي أولها:
أغرى سراة الحي بالإطراق ... وقال في موضع آخر (١) : ومما بذ به - يعني ابن زمرك - سبقاً وتبريزاً، وعرضه على نقدة البيان فرأت منه كل مذهبة خلصت إبريزاً، مرثيته للقاضي المعظم الشريف أبي القاسم الحسني من شيوخه، وهي:
أغرى سراة الحي بالإطراق ... نبأ أصم مسامع الآفاق
أمسى به ليل الحوادث داجياً ... والصبح أصبح كاسف الإشراق
فجع الجميع بواحد جمعت له ... شتى العلا ومكارم الأخلاق
هبوا لحكمكم الرصين فإنه ... صرف القضاء فماله من واق
نقش الزمان بصرفه في صفحة ... كل اجتماع مؤذن بفراق
ماذا ترجي من زمانك بعدما ... علق الفناء بأنفس الأعلاق
стр. 2766
من تحسد السبع الطباق علاءه ... عالوا عليه من الثرى بطباق
إن المنايا للبرايا غاية ... سبق الكرام لخصها بسباق
لما حسبنا أن تحول أبؤساً ... كشفت عوان حروبها عن ساق
ما كان إلا البدر طال سراره ... حتى رمته يد الردى بمحاق
أنف المقام مع الفناء نزاهة ... فنوى الرحيل إلى مقام باق
عدم الموافق في مرافقة (١) الدنا ... فنضى (٢) الركاب إلى الرفيق الباقي
أسفاً على ذاك الجلال تقلصت ... أفياؤه وعهدن خير رواق
يا آمري بالصبر، عيل تصبري ... دعني عدتك لواعج الأشواق
وذر اليراع تشي بدمع مدادها ... وشي القريض يروق في الأوراق
واحسرتا للعلم أقفز ربعه ... والعدل جرد أجمل الأطواق
ركدت رياح المعلوات لفقدها ... كسدت به الآداب بعد نفاق
كم من غوامض قد صدعت بفهمها ... خفيت مداركها على الحذاق
كم قاعد في البيد بعد (٣) قعوده ... قعدت به الآمال دون لحاق
لمن الركائب بعد بعدك تنتضى ... ما بين شام ترتمي وعراق
تفلي الفلا بمناسم مفلولة ... تسم الحصى بنجيعها الرقراق
كانت إذا اشتكت الوجى وتوقفت ... يهفو نسيم ثنائك الخفاق
فإذا تنسمت الثناء أمامها ... مدت لها الأعناق في الإعناق
يا مزجي البدن القلاص خوافقاً ... رفقاً بها فالسعي في إخفاق
مات الذي ورث العلا عن معشر ... ورثوا تراث المجد باستحقاق
رفعت لهم رايات كل جلالة ... فتميزوا في حلبة السباق
стр. 2767
علم الهداة وقطب أعلام النهى (١) ... حرم العفاة المجتنى الأرزاق
رقت سجاياه وراقت مجتلى ... كالشمس في بعد وفي إشراق
كالزهر في لألائه، والبدر في ... عليائه، الزهر في الإبراق
مهما مدحت سواه قيد وصفه ... وصفاته حمد على الإطلاق
يا وارثاً نسب النبوة جامعاً ... في العلم والأخلاق والأعراق
يا ابن الرسول وإنها لوسيلة ... يرقى بها أوج المصاعد راقي
ورد الكتاب بفضلكم وكمالكم ... فكفى ثناء الواحد الخلاق
مولاي إني في علاك مقصر ... قد ضاق عن حصر النجوم نطاقي
ومن الذي يحصي مناقب مجدكم (٢) ... عد الحصى والرمل غير مطاق
يهني قبوراً زرتها فلقد ثوت ... منا مصون جوانح وحداق
خط الردى منها سطوراً نصها: ... لا بد أنك للفناء ملاق
ولحقت ترجمة الكتاب وصدره ... وفوائد المكتوب في الإلحاق
كم من سراة في القبور كأنهم ... في بطنها در ثوى بحقاق
قل للسحاب اسحب ذيولك نحوه ... والعب بصارم برقك الخفاق
أودى الذي غيث العباد بكفه ... يزري بواكف غيثك الغيداق
إن كان صوبك بالمياه فدرها ... در يروض ماحل الإملاق
بشر كثير نقد نعوا لما نعي ... قاضي القضاة وغاب في الأطباق
ألبستهم ثوب الكرامة ضافياً ... وأرحت من كد ومن إرهاق
يتفيأون ظلال جاهك كلما ... لفحت سموم الخطب بالإحراق
عدموا المرافق في فراقك وانطوى ... عنهم بساط الرفق والإرفاق
رفعوا سريرك خافضين رؤوسهم ... ما منهم إلا حليف سياق (٣)
стр. 2768
لكن مصيرك للنعيم مخلداً ... كان الذي أبقى على الأرماق
ومن العجائب أن يسرى بحر الندى ... طود الهدى يسري على الأعناق
إن يحملوك على الكواهل طالما ... قد كنت محمولاً على الأحداق (١)
أو يرفعوك على العواتق طالما ... رفعت ظهر منابر وعتاق
ولئن رحلت إلى الجنان فإننا ... نصلى بنار الوجد والأشواق
لو كنت تشهد حزن من خلفته ... لثنى (٢) عنانك كثرة الإشفاق
إن جن ليل جن من فرط الأسى ... وسوى كلامك ما له من راق
فابعث خيالك في الكرى يبعث به ... ميت السرور لثاكل مشتاق
أغليت يا رزء التصبر مثلما ... أرخصت در الدمع في الآماق
إن يخلف الأرض الغمام فإنني ... أسقي الضريح بدمعي المهراق وكانت وفاة الشريف المذكور سنة إحدى وستين وسبعمائة.
قال ابن الخطيب القسمطيني (٣) في وفياته: وفي هذه السنة - يعني سنة ٧٦١ - توفي شيخنا قاضي الجماعة بغرناطة حرسها الله تعالى أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسني، وكتب لي بالإجازة العامة بعد التمتع بمجلسه، وله شعر مدون سماه " جهد المقل " (٤) وله الشرح على الخزرجية في العروض، وأقدم عليها بعد أن عجز الناس عن فكها، وكان إماماً في الحديث والفقه والنحو، وهو على
стр. 2769
الجملة ممن يحصل الفخر بلقاءه، ولم يكن أحد بعده مثله بالأندلس؛ انتهى.
وقال في الإحاطة إن مولد الشريف كان سنة سبع وتسعين وستمائة، وأن وفاته سنة ستين وسبعمائة، وفي وفاته مخالفة لما تقدم، والله أعلم.
وما أحسن قول الشريف أبي القاسم المترجم به:
حدائق أنبتت فيها الغوادي ... دروب النور رائقة البهاء
فما يبدو بها النعمان إلا ... نسبناه إلى ماء السماء [ابنا الشريف]
وكان للشريف أبي القاسم المذكور ابنان نجيبان: أحدهما قاضي الجماعة أبو المعالي، والآخر أبو العباس أحمد (١) ، قال الراعي في كتابه " الفتح المنير في بعض ما يحتاج إليه الفقير " ما نصه: حكاية تتعلق بالانقطاع، نسأل الله تعالى العافية: وقع للسيد الشريف قاضي الجماعة بغرناطة أبي المعالي ابن السيد الشريف أبي القاسم الحسني شارح الخزرجية ومقصورة حازم نفع الله تعالى بسلفهم الكريم، وكانت أم السيد أبي المعالي حسينية (٢) فكان شريفاً من الجهتين، أنه كان قد ترك كبار الوظائف والرياسات، وتجرد للعبادة، ولبس المرقعة، وسلك طريق القوم. وكان من الدين (٣) والعلم والتعظيم في قلوب (٤) أهل الدنيا وأهل الآخرة على جانب عظيم، يشار إله بالأصابع، وكان شيخي وأستاذي أبو العباس أحمد قاضياً بشرقي الأندلس فكان أخوه أبو المعالي المذكور لا يأكل في بيت شقيقه شيئاً لأجل
стр. 2770
ذلك، ولعيشه من خدم السلطان، وكان إذا احتاج إلى الطعام وهو في بيت أخيه أعطاني درهماً من عنده أشتري له به ما يأكل، وأقام على هذه الحلة الحسنة سنين كثيرة، ثم إنه دخل يوماً على الفقراء بزاوية المحروق من ظاهر غرناطة، وكان شيخ الفقراء بها في ذلك الوقت الشيخ أبا جعفر أحمد المحدود، فقال لهم: يا سادتي، إنه كان معي قنديل أستضيء به، فقدته في هذه الأيام، وما بقيت أبصر شيئاً، فقال لهم شيخهم المذكور: يا شريف أول رجل يدخل علينا في هذا المجلس يجيبك عن مسألتك، فدخل عليهم رجل من خيارهم من أهل البادية، فسلم وجلس، فقال له الشيخ: إن الشريف سأل الجماعة، فقلت له: أول رجل يدخل علينا يجيبك، فوفقت أنت، فأجبه عن مسألته، فقال له: ما سؤالك يا شريف فقال: إنه كان لي قنديل أستضيء به ففقدته، وما بقيت أبصر شيئاً، فقال له الفقير: هذا لا يصدر إلا عن سوء أدب، أخبرنا بما وقع منك، فقال له الشريف: ما أعلم أنه وقع مني شيء، غير أن المباشر فلاناً طلبه السلطان للمصادرة، فاستخفى منه، فمررت ببابه يوماً، فناداني من شقة الباب: يا سيدي اجعل خاطرك معي لله تعالى، فقلت له: اذكر الذكر الفلاني، قلت: وأنا أظن أنه أمره بذكر اسمه تعالى اللطيف فإنه سريع الإجابة في تفريج الشدائد والكرب، نص عليه البوني في منتخبه، وهو مجرب في ذلك، وقد رواه لي عن بعض مشايخه السيد الشريف أحمد أخوه، فقال له الفقير: هل كان أذن لك في تلقينه قال: لا. قال له الفقير: لا يعود إليك نورك أبداً؛ لأنك قد أسأت الأدب، فكان كما قال، فانقطع وولي بعده قضاء الجماعة، وعزل عن سخط، وخدم الملوك، وأكل طعامهم، وحالته أولاً وآخراً معروفة بغرناطة، نسأل الله تعالى أن لا يجعلنا من المطرودين عن باب رحمته بمنه وكرمه؛ انتهى كلام الراعي رحمه الله تعالى.
رجع إلى مشايخ لسان الدين. رحمه الله تعالى ورضي عنه وسامحه، فنقول: