من تحسد السبع الطباق علاءه ... عالوا عليه من الثرى بطباق
إن المنايا للبرايا غاية ... سبق الكرام لخصها بسباق
لما حسبنا أن تحول أبؤساً ... كشفت عوان حروبها عن ساق
ما كان إلا البدر طال سراره ... حتى رمته يد الردى بمحاق
أنف المقام مع الفناء نزاهة ... فنوى الرحيل إلى مقام باق
عدم الموافق في مرافقة (١) الدنا ... فنضى (٢) الركاب إلى الرفيق الباقي
أسفاً على ذاك الجلال تقلصت ... أفياؤه وعهدن خير رواق
يا آمري بالصبر، عيل تصبري ... دعني عدتك لواعج الأشواق
وذر اليراع تشي بدمع مدادها ... وشي القريض يروق في الأوراق
واحسرتا للعلم أقفز ربعه ... والعدل جرد أجمل الأطواق
ركدت رياح المعلوات لفقدها ... كسدت به الآداب بعد نفاق
كم من غوامض قد صدعت بفهمها ... خفيت مداركها على الحذاق
كم قاعد في البيد بعد (٣) قعوده ... قعدت به الآمال دون لحاق
لمن الركائب بعد بعدك تنتضى ... ما بين شام ترتمي وعراق
تفلي الفلا بمناسم مفلولة ... تسم الحصى بنجيعها الرقراق
كانت إذا اشتكت الوجى وتوقفت ... يهفو نسيم ثنائك الخفاق
فإذا تنسمت الثناء أمامها ... مدت لها الأعناق في الإعناق
يا مزجي البدن القلاص خوافقاً ... رفقاً بها فالسعي في إخفاق
مات الذي ورث العلا عن معشر ... ورثوا تراث المجد باستحقاق
رفعت لهم رايات كل جلالة ... فتميزوا في حلبة السباق
стр. 2767
علم الهداة وقطب أعلام النهى (١) ... حرم العفاة المجتنى الأرزاق
رقت سجاياه وراقت مجتلى ... كالشمس في بعد وفي إشراق
كالزهر في لألائه، والبدر في ... عليائه، الزهر في الإبراق
مهما مدحت سواه قيد وصفه ... وصفاته حمد على الإطلاق
يا وارثاً نسب النبوة جامعاً ... في العلم والأخلاق والأعراق
يا ابن الرسول وإنها لوسيلة ... يرقى بها أوج المصاعد راقي
ورد الكتاب بفضلكم وكمالكم ... فكفى ثناء الواحد الخلاق
مولاي إني في علاك مقصر ... قد ضاق عن حصر النجوم نطاقي
ومن الذي يحصي مناقب مجدكم (٢) ... عد الحصى والرمل غير مطاق
يهني قبوراً زرتها فلقد ثوت ... منا مصون جوانح وحداق
خط الردى منها سطوراً نصها: ... لا بد أنك للفناء ملاق
ولحقت ترجمة الكتاب وصدره ... وفوائد المكتوب في الإلحاق
كم من سراة في القبور كأنهم ... في بطنها در ثوى بحقاق
قل للسحاب اسحب ذيولك نحوه ... والعب بصارم برقك الخفاق
أودى الذي غيث العباد بكفه ... يزري بواكف غيثك الغيداق
إن كان صوبك بالمياه فدرها ... در يروض ماحل الإملاق
بشر كثير نقد نعوا لما نعي ... قاضي القضاة وغاب في الأطباق
ألبستهم ثوب الكرامة ضافياً ... وأرحت من كد ومن إرهاق
يتفيأون ظلال جاهك كلما ... لفحت سموم الخطب بالإحراق
عدموا المرافق في فراقك وانطوى ... عنهم بساط الرفق والإرفاق
رفعوا سريرك خافضين رؤوسهم ... ما منهم إلا حليف سياق (٣)
стр. 2768
لكن مصيرك للنعيم مخلداً ... كان الذي أبقى على الأرماق
ومن العجائب أن يسرى بحر الندى ... طود الهدى يسري على الأعناق
إن يحملوك على الكواهل طالما ... قد كنت محمولاً على الأحداق (١)
أو يرفعوك على العواتق طالما ... رفعت ظهر منابر وعتاق
ولئن رحلت إلى الجنان فإننا ... نصلى بنار الوجد والأشواق
لو كنت تشهد حزن من خلفته ... لثنى (٢) عنانك كثرة الإشفاق
إن جن ليل جن من فرط الأسى ... وسوى كلامك ما له من راق
فابعث خيالك في الكرى يبعث به ... ميت السرور لثاكل مشتاق
أغليت يا رزء التصبر مثلما ... أرخصت در الدمع في الآماق
إن يخلف الأرض الغمام فإنني ... أسقي الضريح بدمعي المهراق وكانت وفاة الشريف المذكور سنة إحدى وستين وسبعمائة.
قال ابن الخطيب القسمطيني (٣) في وفياته: وفي هذه السنة - يعني سنة ٧٦١ - توفي شيخنا قاضي الجماعة بغرناطة حرسها الله تعالى أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسني، وكتب لي بالإجازة العامة بعد التمتع بمجلسه، وله شعر مدون سماه " جهد المقل " (٤) وله الشرح على الخزرجية في العروض، وأقدم عليها بعد أن عجز الناس عن فكها، وكان إماماً في الحديث والفقه والنحو، وهو على
стр. 2769
الجملة ممن يحصل الفخر بلقاءه، ولم يكن أحد بعده مثله بالأندلس؛ انتهى.
وقال في الإحاطة إن مولد الشريف كان سنة سبع وتسعين وستمائة، وأن وفاته سنة ستين وسبعمائة، وفي وفاته مخالفة لما تقدم، والله أعلم.
وما أحسن قول الشريف أبي القاسم المترجم به:
حدائق أنبتت فيها الغوادي ... دروب النور رائقة البهاء
فما يبدو بها النعمان إلا ... نسبناه إلى ماء السماء [ابنا الشريف]
وكان للشريف أبي القاسم المذكور ابنان نجيبان: أحدهما قاضي الجماعة أبو المعالي، والآخر أبو العباس أحمد (١) ، قال الراعي في كتابه " الفتح المنير في بعض ما يحتاج إليه الفقير " ما نصه: حكاية تتعلق بالانقطاع، نسأل الله تعالى العافية: وقع للسيد الشريف قاضي الجماعة بغرناطة أبي المعالي ابن السيد الشريف أبي القاسم الحسني شارح الخزرجية ومقصورة حازم نفع الله تعالى بسلفهم الكريم، وكانت أم السيد أبي المعالي حسينية (٢) فكان شريفاً من الجهتين، أنه كان قد ترك كبار الوظائف والرياسات، وتجرد للعبادة، ولبس المرقعة، وسلك طريق القوم. وكان من الدين (٣) والعلم والتعظيم في قلوب (٤) أهل الدنيا وأهل الآخرة على جانب عظيم، يشار إله بالأصابع، وكان شيخي وأستاذي أبو العباس أحمد قاضياً بشرقي الأندلس فكان أخوه أبو المعالي المذكور لا يأكل في بيت شقيقه شيئاً لأجل
стр. 2770
ذلك، ولعيشه من خدم السلطان، وكان إذا احتاج إلى الطعام وهو في بيت أخيه أعطاني درهماً من عنده أشتري له به ما يأكل، وأقام على هذه الحلة الحسنة سنين كثيرة، ثم إنه دخل يوماً على الفقراء بزاوية المحروق من ظاهر غرناطة، وكان شيخ الفقراء بها في ذلك الوقت الشيخ أبا جعفر أحمد المحدود، فقال لهم: يا سادتي، إنه كان معي قنديل أستضيء به، فقدته في هذه الأيام، وما بقيت أبصر شيئاً، فقال لهم شيخهم المذكور: يا شريف أول رجل يدخل علينا في هذا المجلس يجيبك عن مسألتك، فدخل عليهم رجل من خيارهم من أهل البادية، فسلم وجلس، فقال له الشيخ: إن الشريف سأل الجماعة، فقلت له: أول رجل يدخل علينا يجيبك، فوفقت أنت، فأجبه عن مسألته، فقال له: ما سؤالك يا شريف فقال: إنه كان لي قنديل أستضيء به ففقدته، وما بقيت أبصر شيئاً، فقال له الفقير: هذا لا يصدر إلا عن سوء أدب، أخبرنا بما وقع منك، فقال له الشريف: ما أعلم أنه وقع مني شيء، غير أن المباشر فلاناً طلبه السلطان للمصادرة، فاستخفى منه، فمررت ببابه يوماً، فناداني من شقة الباب: يا سيدي اجعل خاطرك معي لله تعالى، فقلت له: اذكر الذكر الفلاني، قلت: وأنا أظن أنه أمره بذكر اسمه تعالى اللطيف فإنه سريع الإجابة في تفريج الشدائد والكرب، نص عليه البوني في منتخبه، وهو مجرب في ذلك، وقد رواه لي عن بعض مشايخه السيد الشريف أحمد أخوه، فقال له الفقير: هل كان أذن لك في تلقينه قال: لا. قال له الفقير: لا يعود إليك نورك أبداً؛ لأنك قد أسأت الأدب، فكان كما قال، فانقطع وولي بعده قضاء الجماعة، وعزل عن سخط، وخدم الملوك، وأكل طعامهم، وحالته أولاً وآخراً معروفة بغرناطة، نسأل الله تعالى أن لا يجعلنا من المطرودين عن باب رحمته بمنه وكرمه؛ انتهى كلام الراعي رحمه الله تعالى.
رجع إلى مشايخ لسان الدين. رحمه الله تعالى ورضي عنه وسامحه، فنقول:
стр. 2771
٢ - ومن مشايخ لسان الدين الإمام الرحال شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن جابر الوادي آشي (١) ، ولد بتونس، وهو محمد بن الإمام المحدث معين الدين جابر بن محمد بن قاسم بن أحمد القيسي، شيخ ممتع رحال متقن.
قال الخطيب ابن مرزوق: وعاشرته كثيراً سفراً وحضراً، وسمعت بقراءته وسمع بقراءتي، وقرأت عليه الكثير، وقيدت من فوائده، وأنشدني الكثير، فأول ما قرأت عليه بالقاهرة بمسجد [ ... ] (٢) ، وقرأت عليه بمدينة فاس، وبظاهر قسنطينة، وبمدينة بجاية وبظاهر المهدية، وبمنزلي من تلمسان، وقرأت عليه أحاديث عوالي من تخريج الدمياطي، وفيها الحديث المسلسل بالأولية، وسلسلته عنه من غير رواية الدمياطي بشرطه، ثم قرأت عليه أكثر كتاب " الموطإ " رواية يحيى، وأعجله السفر فاتممته عليه في غير القاهرة، وحدثني به عن جماعة، ومعوله على الشيخين قاضي القضاة أبي العباس ابن الغماز الخزرجي وهو أحمد بن محمد بن حسن والشيخ أبي محمد ابن هارون وهو عبد الله بن محمد القرطبي الطائي الكاتب المعمر الأديب، بحق سماعه لأكثره على الأول وقراءته بأجمعه على الثاني، قال الأول: أخبرنا أبو الربيع ابن سالم بجميع طرقه فيها منها عن ابن مرزوق وأبي عبد الله ابن أبي عبد الله الخولاني عن أبي عمرو عثمان بن أحمد المعافري عن أبي عيسى بسنده، وقال الثاني: أخبرنا أبو القاسم ابن بقي بقرطبة، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الحق عن محمد بن فرج مولى الطلاع عن يونس بتمام سنده.
قال شيخنا: وفي هذا السند غريبتان: إحداهما أنه ليس فيه إجازة، والثانية أن شيخه كلهم قرطبيون.
قال ابن مرزوق: قلت ولا غرابة في اتصال سماع الموطإ وقراءته، فقد
стр. 2772
وقع لي قلة التحصيل متصلاً من طرق ولله الحمد، وقد روته عن قرطبي، وهو أبو العباس ابن العشاء. ثم قرأت عليه كتاب " الشفاء " لعياض، وحدثني به عن أبي القاسم (١) عن أبي عبد الله ابن أبي القاسم الأنصاري المالقي نزيل سبتة ويعرف بها بابن حكم وبابن أخت أبي صالح، عن أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الخزرجي، عن أبي جعفر أحمد بن حكم، عن المؤلف وحدثني به أيضاً عن قاضي الجماعة ابن (٢) أبي الربيع ابن سالم عن أبي جعفر ابن حكم.
ثم قال ابن مرزوق بعد كلام ما صورته (٣) : رويت عنه وأنشدني لأبي محمد ابن هارون:
لا تطمعن في نفع آلك إنه ... ضرر وقل النفع عند الآل
أقصر رويدك إن ما أعلقته ... بالآل من أهل كمثل الآل ولابن هارون المذكور:
أقل زيادة الأحبا ... ب تزدد عندهم قربا
فإن المصطفى قد قا ... ل زر غباً تزد حبا ولابن هارون (٤) أيضاً:
رماني بالنوى زمني ... فشمل الأنس مفترق
وليلي كله فكر ... فقلبي منه محترق
وللآداب أبناء ... ببحر الفقر قد غرقوا
وكل منهم وجل ... بما يلقاه أو فرق
стр. 2773
يغص بريقه منه ... كما في النطق أو شرق
وقد صفرت أكفهم ... فلا ورق ولا ورق
ولطف الله مرتقب ... به العادات تنخرق قال ابن مرزوق: وشعره الفائق لا يحصر، وهو عندي في مجلد كبير، وولد ابن جابر سنة ٦٧ وسمع بمصر على الجماعة، وكتب بخطه كثيراً، وله معرفة بالحديث والنحو واللغة والشعر، وله نظم حسن، وتوفي بتونس سنة ٧٧٩، وأخذ القراءات عن ابن الزيات وغيره، وترجمة الحافظ ابن جابر رحمه الله تعالى واسعة مشهورة، وقد ذكرناه في غير هذا الكتاب بما جمعناه.
[أشعار لبعض شيوخ لسان الدين]
ومما أنشده لسان الدين رحمه الله تعالى لبعض المتصوفة من شيوخه ولم يسمه قوله:
هل تعلمون مصارع العشاق ... عند الوداع بلوعة الأشواق
والبين يكتب من نجيع دمائهم ... إن الشهيد بكم توى بفراق
لو كنت شاهد حالهم يوم النوى ... لرأيت ما يلقون غير مطاق
منهم كئيب لا يمل بكاءه ... قد أحرقته مدامع الآماق
ومحرق الأحشاء أشعل نارها ... طول الوجيب بقلبه الخفاق
وموله لا يستطيع كلامه ... مما يقاسي في الهوى ويلاقي
خرس اللسان فما يطيق عبارة ... ألم ألم وما له من راق
ما للمحب من المنون وقاية ... إن لم يجد محبوبه بتلاق
مولاي عبدك ذاهب بغرامه ... أدرك بفضلك من ذماه الباقي
إني إليك بذلي متوسل ... فاعطف بلطف منك أو إشفاق
стр. 2774
وهذه الأبيات أوردها رحمه الله تعالى في " الروضة " في العشق، بعد أن حده وتكلم عليه، ثم أورد عدة مقطوعات، ثم ذكر منها هذه الأبيات كما ذكر. وأنشد لسان الدين رحمه الله تعالى لبعض أشياخه، وسماه، وأنسيته أنا الآن:
بما بيننا من خلوة معنوية ... أرق من النجوى وأحلى من السلوى
قفي ساعة في ساحة الدار وانظري ... إلى عاشق لا يستفيق من البلوى
وكم قد سألت الريح شوقاً إليكم ... فما حن مسراها علي ولا ألوى وقوله أيضاً:
أنست بوحدتي حتى لو أني ... أتاني الأنس لاستوحشت منه
ولم تدع التجارب لي صديقاً ... أميل إليه إلا ملت عنه وقوله رحمه الله تعالى:
عليك بالعزلة إن الفتى ... من طاب بالقلة في العزلة
لا يرتجي عزلة وال، ولا ... يخشى من الذلة في العزلة ٣ - ومن أكابر شيوخ ابن الخطيب رحمه الله تعالى جدي الإمام العلامة قاضي القضاة بحضرة الخلافة فاس المحروسة أبو عبد الله (١) .
قال في " الإحاطة " محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن القرشي المقري، يكنى أبا عبد الله، قاضي الجماعة بفاس، تلمساني.
أوليته - نقلت من خطه قال: وكان الذي اتخذها من سلفنا قراراً، بعد أن كانت لمن قبله مزاراً، عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي المقري صاحب الشيخ
стр. 2775
أبي مدين، الذي دعا له ولذريته بما ظهر فيهم قبوله وتبين، وهو أبي الخامس فأنا محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن، وكان هذا الشيخ عروي (١) الصلاة، حتى إنه ربما امتحن بغير شيء فلم يؤنس منه التفات، ولا استشعر منه شعور، ويقال: إن هذا الحضور مما أدركه من مقامات شيخه أبي مدين؛ انتهى.
[هل المقري الجد قرشي]
وكتب بعض المغاربة على هامش هذا المحل من الإحاطة ما صورته: القرشي وهم؛ انتهى.
فكتب تحته الشيخ الإمام أبو الفضل ابن الإمام التلمساني رحمه الله تعالى على ما نصه: بل صحيح، نطقت به الألسن والمكاتبات والإجازات وأعربت عنه الخلال الكريمة، إلا أن البلدية يا سيدي أبا عبد الله والمنافسة تجعل القرشية في إمام المغرب أبي عبد الله المقري وهماً، والحمد لله؛ انتهى.
قلت: وممن صرح بالقرشية في حق الجد المذكور ابن خلدون في تاريخه وابن الأحمر في " نثير الجمان " وفي شرح البردة عند قوله:
لعل رحمة ربي حين ينشرها ... والشيخ ابن غازي، والولي الصالح سيدي أحمد رزوق، والشيخ علامة زمانه سيدي أحمد الونشريسي، وغير واحد، وكفى بلسان الدين شاهداً مزكى.
وقد ألف عالم الدنيا ابن مرزوق تأليفاً استوفى فيه التعريف بمولاي الجد سماه " النور البدري في التعريف بالفقيه المقري " وهذا بناء منه على مذهبه أنه
стр. 2776
- بفتح الميم وسكون القاف - كما صرح بذلك في شرح الألفية عند قوله:
ووضعوا لبعض الاجناس علم ... وضبطه غيرهم وهم الأكثرون بفتح الميم وتشديد القاف، وعلى ذلك عول أكثر المتأخرين، وهما لغتان في البلدة التي نسب إليها، وهي مقرة من قرى زاب إفريقية، وانتقل منها جده إلى تلمسان صحبة شيخه ولي الله سيدي أبي مدين ﵁.
رجع إلى تكملة كلام مولاي الجد في حق أوليته:
قال رحمه الله تعالى بعد الكلام السابق في حق جده عبد الرحمن، ما صورته: ثم اشتهرت ذريته على ما ذكر من طبقاتهم بالتجارة، فمهدوا طريق الصحراء بحفر الآبار وتأمين التجار، واتخذوا طبلاً للرحيل، وراية تقدم عند المسير، وكان لد يحيى الذين أحدهم أبو بكر خمسة رجال، فعقدوا الشركة بينهم في جميع ما ملكوه أو يملكونه على السواء بينهم والاعتدال، فكان أبو بكر ومحمد وهما أرومتا نسبي من جميع جهات أمي وأبي بتلمسان، وعبد الرحمن وهو شقيقهما الأكبر بسجلماسة، وعبد الواحد وعلي وهما شقيقاهم الصغيران بإيوالاتن فاتخذوه بهذه الأقطار الحوائط (١) والديار، وتزوجوا النساء، واستولدوا الإماء، وكان التلمساني يبعث إلى الصحراوي بما يرسم له من السلع، ويبعث إليه الصحراوي بالجلد والعاج والجوز والتبر، والسجلماسي كلسان الميزان يعرفهما بقدر الخسران والرجحان، ويكاتبهما بأحوال التجار وأخبار البلدان، حتى اتسعت أموالهم، وارتفعت في الضخامة أحوالهم، ولما افتتح التكرور كورة إيوالاتن وأعمالها أصيبت أموالهم فيما أصيب من أموالها، بعد أن جمع من كان بها منهم إلى نفسه الرجال، ونصب دونها ودون مالهم القتال، ثم اتصل بملكهم فأكرم مثواه،
стр. 2777
ومكنه من التجارة بجميع بلاده، وخاطبه بالصديق الأحب، والخلاصة الأقرب، ثم صرار يكاتب من بتلمسان يستقضي منهم مآربه، فيخاطبه بمثل تلك المخاطبة، وعندي من كتبه وكتب ملوك المغرب ما ينبئ عن ذلك، فلما استوثقوا من الملوك، تذللت لهم الأرض للسلوك، فخرجت أموالهم عن الحد، وكادت تفوت الحصر والعد، لأن بلاد الصحراء قبل أن يدخلها أهل مصر (١) كان يجلب إليها من المغرب ما لا بال له من السلع، فتعاوض عنه بما له بال من الثمن - أي مدبر دنيا ضم جنبا أبي حمو وشمل ثوباه، كان يقول: لولا الشناعة لم أزل في بلادي تاجراً من غير تجار الصحراء الذين يذهبون بخبيث السلع، ويأتون بالتبر الذي كل أمر الدنيا له تبع، ومن سواهم يحمل منها الذهب، ويأتي إليها بما يضمحل عن قريب ويذهب، ومنه ما يغير من العوائد، ويجر السفهاء إلى المفاسد - (٢) ، ولما درج هؤلاء الأشياخ جعل أبناؤهم ينفقون مما تركوا لهم، ولم يقوموا بأمر التثمير قيامهم، وصادفوا توالي الفتن، ولم يسلموا من جور السلاطين، فلم يزل حالهم في نقصان إلى هذا الزمن، فها أنا ذا لم أدرك من ذلك إلا أثر نعمة اتخذنا فضوله عيشاً، وأصوله حرمة، ومن جملة ذلك خزانة كبيرة من الكتب، وأسباب كثيرة تعين على الطلب، فتفرغت بحول الله للقراءة، فاستوعبت أهل البلد لقاء، وأخذت عن بعضهم عرضاً وإلقاء، سواء المقيم القاطن (٣) ، والوارد والظاعن؛ انتهى كلامه في أوليته، وقد نقله لسان الدين في الإحاطة.
وقال مولاي الجد رحمه الله تعالى: كان مولدي بتلمسان أيام أبي حمو موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيان، وقد وقفت على تاريخ ذلك، ولكني
стр. 2778
رأيت الصفح عنه لأن أبا الحسن ابن مؤمن سأل أبا طاهر السلفي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا الفتح ابن زيان عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت علي بن محمد اللبان عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا القاسم حمزة بن يوسف السهمي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا بكر محمد بن عدي المنقري عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا إسماعيل الترمذي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت بعض أصحاب الشافعي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت الشافعي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت مالك بن أنس عن سنه فقال: أقبل على شأنك، ليس من المروءة للرجل أن يخبر بسنه؛ انتهى.
قلت: ولما تذاكرت مع مولاي العم الإمام - صب الله تعالى على مضجعه من الرحمة الغمام - هذا المعنى الذي ساقه مولاي الجد رحمه الله تعالى أنشدني لبعضهم (١) :
احفظ لسانك لا تبح بثلاثة ... سن ومال ما استطعت ومذهب
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة ... بمكفر وبحاسد (٢) ومكذب قال الونشريسي بحق الجد ما نصه: القاضي الشهير الإمام العالم أبو عبد الله محمد بن محمد المقري، التلمساني المولد والمنشأ، الفاسي المسكن، كان رحمه الله تعالى عالماً عاملاً ظريفاً نبيهاً (٣) ذكياً نبيلاً فهماً متيقظاً جزلاً محصلاً؛ انتهى.
وقد وقفت له بالمغرب على مؤلف عرف فيه بمولاي الجد، وذكر جملة من أحواله، وذلك أن طلبه بعض أهل عصره في تأليف أخبار الجد، فألف فيه ما ذكر.
стр. 2779
وقال في الإحاطة في ترجمة مولاي الجد بعد ذكره أوليته ما صورته:
حاله: هذا الرجل مشار إليه بالعدوة الغربية اجتهاداً ودؤوباً (١) وحفظاً وعناية واطلاعاً ونقلاً ونزاهة، سليم الصدر، قريب الغور، صادق القول، مسلوب التصنع، كثير الهشة، مفرط الخفة، ظاهر السذاجة، ذاهب أقصى مذاهب التخلق، محافظ على العمل، مثابر على الانقطاع، حريص على العبادة، مضايق في العقد والتوجه، يكابد من تحصيل النية بالوجه واليدين مشقة، ثم يغافص الوقت فيها ويوقعها دفعة متبعاً إياها زعقة التكبير برجفة ينبو عنها سمع من لم تؤنسه بها العادة بما هو دليل على حسن المعاملة وإرسال السجية، قديم النعمة متصل الخيرية، مكب على النظر والدرس والقراءة، معلوم الصيانة والعدالة، منصف في المذاكرة، حاسر للذراع عند المباحثة، راحب عن الصدر في وطيس المناقشة، غير مختار للقرن ولا ضان بالفائدة، كثير الالتفات متقلب الحدقة، جهير بالحجة بعيد عن المراء والمباهتة (٢) ، قائل بفضل أولي الفضل من الطلبة، يقوم أتم القيام على العربية والفقه والتفسير ويحفظ الحديث ويتهجر بحفظ التاريخ والأخبار والآداب، ويشارك مشاركة فاضلة في الأصلين والجدل والمنطق، ويكتب ويشعر (٣) مصيباً غرض الإجادة، ويتكلم في طريقة الصوفية كلام أرباب المقال ويعتني بالتدوين فيها، شرق وحج ولقي جلة واضطبن (٤) رحلة مفيدة، ثم عاد إلى بلده فأقرأ به واقطع إلى خدمة العلم، فلما ولي ملك المغرب السلطان محالف الصنع ونشيدة الملك وأثير الله من بين القرابة والاخوة أمير المؤمنين أبو عنان اجتذبه، وخلطه بنفسه واشتمل عليه وولاه قضاء الجماعة بمدينة فاس، فاستقل بذلك أعظم الاستقلال، وأنفذ الحق وألان الكلمة وآثر التسديد وحمل الكل وخفض الجناح،
стр. 2780
فحسنت عنه القالة، وأحبته الخاصة والعامة. حضرت بعض مجالسه للحكم فرأيت من صبره على اللدد وتأنيه للحجج ورفقه بالخصوم (١) ما قضيت منه العجب.
دخوله غرناطة - ثم لما أخر عن القضاء استعمل بعد لأي في الرسالة، فوصل الأندلس أوائل جمادى الثانية من عام سبعة وخمسين وسبعمائة، فلما قضى غرض رسالته وأبرم عقد وجهته واحتل مالقه في منصرفه بدا له في نبذ الكلفة واطراح وظيفة الخدمة وحل التقيد إلى ملازمة الإمرة (٢) ، فتقاعد وشهر غرضه وبت في الانتقال طمع من كان صحبته (٣) ، وأقبل على شأنه، فخلي بينه وبين همه، وترك وما انتحله من الانقطاع إلى ربه، وطار الخبر إلى مرسله، فأنف من تخصيص إيالته بالهجرة والعدول عنها بقصد التخلي والعبادة، وأنكر ما حقه الإنكار من إبطال عمل الرسالة، والانقباض قبل الخروج عن العهدة (٤) ، فوغر صدره على صاحب الأمر، ولم يبعد الظنة والمواطأة على النفرة، وتجهزت جملة من الخدام المجلين في مأزق الشبهة المضطلعين بإقامة الحجة، مولين خطة الملام، مخيرين بين سحائب عاد من إسلامه، مظنة إعلاق النقمة، وإيقاع العقوبة، أو الإشادة بسبب إجارته بالقطيعة والمنابذة. وقد كان المترجم به لحق بغرناطة فتذمم بمسجدها، وجأر بالانقطاع إلى الله، وتوعد من يجبره بنكير من يجير ولا يجار عليه سبحانه، فأهم أمره، وشغلت القلوب آبدته، وأمسك الرسل بخلال ما صدرت شفاعة اقتضى له فيها رفع التبعة وتركه إلى تلك الوجهة، ولما تحصل ما تيسر من ذلك انصرف محفوفاً بعالمي (٥) القطر قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني المذكور قبله والشيخ الخطيب أبي البركات ابن الحاج مسلمين لوروده،
стр. 2781
مشلفهين بالشفاعة في غرضه، فانقشعت الغمة وتنفست الكربة، واستصحبا من المخاطبة السلطانية في أمره من إملائي ما يذكر حسبما ثبت في الكتاب المسمى ب " كناسة الدكان بعد انتقال السكان " المجموع بسلا ما صورته:
" المقام الذي يحب (١) الشفاعة ويرعى الوسيلة، وينجز العدة ويتمم الفضيلة، ويضفي مجده المنن الجزيلة، ويعيي حمده الممادح العريضة الطويلة، مقام محل والدنا الذي كرم مجده، ووضح سعده، وصح في الله تعالى عقده، وخلص في الأعمال الصالحة قصده، وأعجز الألسنة حمده، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله سبحانه لوسيلة يرعاها، وشفاعة يكرم مسعاها، وأخلاق جميلة تجيب دعوة الطبع الكريم إذا دعاها، معظم سلطانه الكبير وممجد مقامه الشهير، المتشيع لأبوته الرفيعة قولاً باللسان واعتقاداً بالضمير، المعتمد منه بعد الله على الملجإ الأحمى والولي النصير، فلان. سلام كريم، طيب بر عميم، يخص مقامكم الأعلى، وأبوتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته.
" أما بعد حمد الله الذي جعل الخلق الحميد دليلاً (٢) على عنايته بمن حلاه حلاها، وميز بها النفوس النفيسة التي اختصها بكرامته وتولاها، حمداً يكون كفؤاً للنعم التي أولاها، وأعادها ووالاها، والصلاة على سيدنا محمد عبده ورسوله المترقي من درجات الاختصاص أرفعها وأعلاها، الممتاز من أنوار الهداية بأوضحها وأجلاها، مطلع آيات السعادة يروق مجتلاها، والرضى عن اله وصحبه الذين خبر صدق ضمائرهم لما ابتلاها، وعسل ذكرهم في الأفواه فما أوصافهم على الألسن وأحلاها، والدعاء لمقام أبوتكم حرس الله تعالى علاها، بالسعادة التي يقول الفتح أنا طلاع الثنايا وابن جلاها، والصنائع
стр. 2782
التي تخترق المفاوز بركائبها المبشرات فتفلي فلاها، فإنا كتبنا كتب الله تعالى لكم عزة مشيدة البناء، وحشد على أعلام صنائعكم الكرام جيوش الثناء، وقلدكم من قلائد مكارم الأخلاق ما يشهد لذاتكم منه بسابقة الاعتناء من حمراء غرناطة حرسها الله والود باهر السنا ظاهر السناء، مجدد على الآناء، والتشيع رحب الدسيعة والفناء.
" وإلى هذا - وصل الله تعالى سعدكم، وحرس مجدكم، فإننا خاطبنا مقامكم الكريم في شأن الشيخ الفقيه الحافظ الصالح أبي عبد الله المقري خار الله تعالى لنا وله، وبلغ الجميع من فضله العميم أمله، جواباً عما صدر عن مثابتكم فيه من الإشارة الممتثلة، والمآرب المعملة، والقضايا غير المهملة، نصادركم بالشفاعة، التي مثلها بأبوابكم لا يرد، وظمآها عن منهل قبولكم لا تحلأ ولا تصد، حسبما سنة الأب الكريم والجد، والقبيل الذي وضح منه في المكارم الرسم والحد، ولم نصدر الخطاب حتى ظهر لنا من أحواله صدق المخيلة، وتبلج صبح الزهادة والفضيلة، وجود النفس الشحيحة، بالعرض الأدنى البخيلة، وظهر تخليه عن هذه الدار، واختلاطه باللفيف والغمار، وإقباله على ما يعني مثله من صلة الأوراد ومداومة الاستغفار. وكنا لما تعرفنا إقامته بمالقة لهذا الغرض الذي شهره، والفضل الذي أبرزه للعيان وأظهره، أمرنا أن يعتنى بأحواله، ويعان على فراغ باله، ويجرى عليه سيب من ديون الأعشار الشرعية وصريح ماله، وقلنا ما أتاك من غير مسألة مستند صحيح لاستدلاله، ففر من مالقة على ما تعرفنا لهذا السبب، وقعد بحضرتنا مستور المنتمى والمنتسب، وسكن بالمدرسة بعض الأماكن المعدة لسكنى المتسمين بالخير والمحترفين ببضاعة الطلب، بحيث لم يتعرف وروده ووصوله إلا ممن لا يؤبه بتعريفه، ولم تتحقق زوائده وأصوله لقلة تصريفه.
" ثم تلاحق إرسالكم الجلة فوجبت حينئذ الشفاعة، وعرضت على سوق الحلم والفضل من الاستلطاف والاستعطاف البضاعة، وقررنا ما تحققناه من أمره
стр. 2783
وانقباضه عن زيد الخلق وعمره، واستقباله الوجهة التي من ولى وجهه شطرها فقد آثر أثيراً، ومن ابتاعها بمتاع الدنيا فقد نال فضلاً كبيراً وخيراً كثيراً، وسألنا منكم أن تبيحوا له ذلك الغرض الذي رماه بعزمه، وقصر عليه أقصى همه، فما أخلق مقامكم أن يفوز به طالب الدنيا بسهمه، ويحصل منه طالب الآخرة على حظه الباقي وقسه، ويتوسل الزاهد بزهده والعالم بعلمه، ويعول البريء على فضله ويثق المذنب بحمله، فوصل الجواب الكريم بمجرد الأمان وهو أرب من آراب، وفائدة من جراب، ووجه من وجوه إعراب، فرأينا أن المطل بعد جفاء، والإعادة ليس يثقلها خفاء، ولمجدكم بما ضمنا عنه وفاء، وبادرنا الآن إلى العزم عليه في ارتحاله، وأن يكون الانتقال عن رضى منه من صفة حاله، وأن يقتضي له ثمرة المقصد، ويبلغ طية الإسعاف في الطريق الأقصد، إذ كان الأمان لمثله ممن تعلق بجناب الله من مثلكم حاصلاً، والدين المتين بين نفسه وبين المخافة فاصلاً، وطالب كيمياء السعادة بإعانتكم واصلاً، ولما مدت اليد في تسويغ حالة هديكم عليها أبداً يحرض، وعلمكم يصرخ بمزيتها فلا يعرض، فكملوا أبقاكم الله ما لم تسعنا فيه مشاحة الكتاب، وألحقوا بالأصل حديث هذه الإباحة فهو أصح حديث في الباب، ووفوا غرضنا من مجدكم، وخلوا بينه وبين مراده من ترك الأسباب، وقصد غافر الذنب وقابل التوب بإخلاص المتاب، والتشمير ليوم العرض وموقف الحساب، وأظهروا عليه عناية الجناب، الذي تعلق به أعلق الله به يدكم من جناب، ومعاذ الله أن تعود شفاعتنا من لدنكم غير مكملة الآراب.
" وقد بعثنا من يتوب عنا في مشافهتكم بها أحمد المناب، ويقتضي خلاصها بالرغبة لا بالغلاب، وهما فلان وفلان، ولولا الأعذار لكان في هذا الغرض أعمال الركاب، يسبق أعلام الكتاب، وأنتم تولون هذا القصد من مكارمكم ما يوفر الثناء الجميل، ويربي على التأميل ويكتب على الود الصريح العقد وثيقة التسجيل، وهو سبحانه يبقيكم لتأييد المجد الأثيل، وإنالة الرفد الجزيل، والسلام
стр. 2784
الكريم يخص مقامكم الأعلى، ومثابتكم الفضلى، ورحمة الله تعالى وبركاته، في الحادي والعشرين لجمادى الآخرة من عام سبعة وخمسين وسبعمائة؛ انتهى كلام ابن الخطيب في الإحاطة.
وذكر في الريحانة أنه كتب في هذا الغرض ما نصه:
" وإلى هذا فإننا وقفنا على كتابكم الكريم في شأن الشيخ الصالح الفقيه الفاضل أبي عبد الله المقري وفقنا الله وإياه لما يزلف لديه، وهدانا إلى ما يقرب إليه، وما بلغكم بتقاعده بمالقة، وما أشرتم به في أمره، فاستوفينا جميع ما قررتم، واستوعبنا ما أجملتم في ذلك وفسرتم، وعلموا يا محل والدنا أمتعنا الله ببقائكم الذي في ضمنه اتصال السعادة، وتعرف النعم المعادة أننا لما انصرف عن بابنا هو ومن رافقه عن انشراح صدور، وتكييف جذل بما تفضلتم به وسرور، تعرفنا أنه تقاعد بمالقة عن صحبه، وأظهر الاشتغال بما عند ربه، وصرف الوجه إلى التخلي مشفقاً من ذنبه، واحتج بأن قصده ليس له سبب، ولا تعين له في الدنيا أرب، وأنه عرض عليكم أن تسمحوا له فيما ذهب إليه، وتقروه عليه، فيعجل البدار، ويمهد تحت إيالتكم القرار، فلما بلغنا هذا الخبر، لم يخلق الله عندنا به مبالاة تعتبر، ولا أعددناه فيما يذكر، فكيف فيما ينكر، وقطعنا أن الأمر فيه هين، وأن مثل هذا الغرض لا تلفت إليه عين، فإن بابكم غني من طبقات أولي الكمال، ملي بتسويغ الآمال، موفور الرجال، معمور بالفقهاء العارفين بأحكام الحرام والحلال، والصلحاء أولي المقامات والأحوال، والأدباء فرسان الروية والارتجال، ولم ينقص بفقدان الحصى أعداد الرمال، ولا يستكثر بالقطرة جيش العارض المنثال، مع ما علم من إعانتكم على مثل هذه الأعمال، واستمساككم بإسعاف غرض من صرف وجهه إلى ذي الجلال، ولو علمنا أن شيئاً يهجس في الخاطر من أمر مقامه، لقابلناه بعلاج سقامه.
" ثم لم ينشب أن تلاحق بحضرتنا بارزاً في طور التقلل والتخفيف، خالطاً
стр. 2785
نفسه باللفيف، قد صار نكرة بعد العلمية (١) والتعريف، وسكن بعض مواضع المدرسة منقبضاً عن الناس لا يظهر إلا لصلاة يشهد جماعتها، ودعوة للعباد يخاف إضاعتها، ثم تلاحق إرسالكم الجلة، الذين تحق لمثلهم التجلة، فحضروا لدينا وأدوا المخاطبة الكريمة كما ذكر إلينا، وتكلمنا معهم في القضية، وتنخلنا في الوجوه المرضية، فلم نجد وجهاً أخلص من هذا الغرض، ولا علاجاً يتكفل ببرء المرض، من أن كلفناهم الإقامة التي يتبرك بيمن جوارها، ويعمل على إيثارها، بخلاف ما نخاطب مقامكم بهذا الكتاب الذي مضمنه شفاعة يضمن حباؤكم احتسابها، ويرعى انتماءها إلى الخلوص وانتسابها، ويعيدها قد أعلمت الحظوة أثوابها، ونقصدكم ومثلكم من يقصد في المهمة، فأنتم المثل الذائع في عموم الحلم وعلو الهمة، في أن تصدروا له مكتوباً مكمل الفصول، مقرر الأصول، يذهب الوجل، ويرفع الخجل، ويسوغ من مآربه لديكم الأمل، ويخلص النية ويرتب العمل، حتى يظهر ما لنا عند أبوتكم من تكميل المقاصد، جرياً على ما بذلتم من جميل العوائد، وإذا تحصل ذلك كان بفضل الله إيابه، وأناخت بعقوة (٢) وعدكم الوفي ركابه، ويصل لمقامكم عزه ومجده وثوابه، وأنتم ممن يرعى أمور المجد حق الرعاية، وسيجرى في معاملة الله تعالى على ما أسس من فضل البداية، وتحقق الظنون فيما لديه من المدافعة عن حوزة الإسلام والحماية، هذا ما عندنا أعجلنا به الإعلام، وأعملنا فيه الأقلام، بعد أن أجهدنا الاختيار وتنخلنا الكلام، وجوابكم بالخير كفيل، ونظركم لنا وللمسلمين جميل، والله تعالى يصل سعدكم، والسلام ". انتهى.
قلت: هذه آفة مخالطة الملوك، فإن مولاي الجد المذكور كان نزل عن (٣) القضاء وغيره، فلما أراد التخلي إلى لم يتركه السلطان أبو عنان كما رأيت.
стр. 2786
[شيوخ المقري الجد]
وقد ذكر لسان الدين رحمه الله تعالى في الإحاطة شيوخ مولانا الجد، فلنذكرهم من جزء الجد الذي سماه " نظم اللآلي في سلوك الأمالي " (١) ومنه اختصر لسان الدين ما في الإحاطة في ترجمة مشيخته فنقول: قال مولاي الجد رحمه الله تعالى.
١، - ٢ - فممن أخذت عنه، واستفدت منه، علماها - يعني تلمسان - الشامخان، وعالماها الراسخان: أبو زيد عبد الرحمن، وأبو موسى عيسى، ابنا محمد بن عبد الله ابن الإمام (٢) ، وكانا قد رحلا في شبابهما من بلدهما برشك (٣) إلى تونس فأخذوا بها عن ابن جماعة وابن العطار واليفرني (٤) وتلك الحلبة، وأدركا المرجاني وطبقته من أعجاز المائة السابعة، ثم وردوا في أول المائة الثامنة تلمسان على أمير المسلمين أبي يعقوب وهو محاصر لها، وفقيه حضرته يومئذ أبو الحسن علي بن يخلف التنسي، وكان قد خرج إليه برسالة من صاحب تلمسان المحصورة فلم يعد، وارتفع شأنه عند أبي يعقوب، حتى إنه شهد جنازته، ولم يشهد جنازة أحد قبله، وقام على قبره، وقال: نعم الصاحب فقدنا اليوم؛ حدثني الحاج الشيخ بعباد تلمسان أبو عبد الله محمد بن محمد بن مرزوق العجيسي أن أبا يعقوب طلع إلى جنازة التنسي في الخيل حوالي روضة الشيخ أبي مدين فقال: كيف تتزكون الخيل تصل إلى ضريح الشيخ هلا عرضتم هنالك - وأشار إلى حيث المعراض الآن - خشبة ففعلنا، فلما قتل أبو يعقوب وخرج المحصوران أنكرا ذلك، فأخبرتهما، فأما أبو زيان - وكان السلطان يومئذ - فنزل وطأطأ رأسه ودخل،
стр. 2787
وأما أبو حمو - وكان أميراً - فوثب وخلفها. ولما رجع الملك إلى هذين الرجلين اختصا ابني الأمام، وكان أبو حمو أشد اعتناء بهما، ثم بعده ابنه أبو تاشفين، ثم زادت حظوتهما عند أمير المسلمين أبي الحسن، إلى أن توفي أبو زيد في العشر الأوسط من رمضان عام أحد وأربعين وسبعمائة بعد وقعة طريف بأشهر، فزادت مرتبة أبي موسى عند السلطان، إلى أن كان من أمر السلطان بإفريقيا ما كان في أول عام تسعة وأربعين، وكان أبو موسى قد صدر عنه قبل الوقعة فتوجه صحبة ابنه أمير المسلمين أبي عنان إلى فاس، ثم رده إلى تلمسان، وقد استولى عليها عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان، فكان عنده إلى أن مات الفقيه عقب الطاعون العام.
قال لي خطيب الحضرة الفاسية (١) أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن مالك بن عبد الله الرندي: لما أزمع الفقيه ومن أطلق معه على القفول إلى تلمسان بت على تشييعهم، فرأيتني كأنني نظمت هذا البيت في المنام:
وعند وداع القوم ودعت سلوتي ... وقلت لها بيني فأنت المودع فانتبهت وهو في في، فحاولت قريحتي بالزيادة عليه فلم يتيسر لي مثله.
ولما استحكم ملك أبي تاشفين واستوثق رحل الفقيهان إلى المشرق في حدود العشرين وسبعمائة فلقيا علاء الدين القونوي، وكان بحيث إني لما رحلت فلقيت أبا علي حسين بن حسين ببجاية قال لي: إن قدرت أن لا يفوتك شيء من كلام القونوي حتى تكتب جميعه فافعل، فإنه لا نظير له ولقيا أيضاً جلال الدين القزويني صاحب البيان، وسمعا صحيح البخاري على الحجار، وقد سمعته أنا عليهما، وناظرا تقي الدين بن تميمة، وظهرا عليه، وكان ذلك من أسباب محنته، وكانت له مقالات فيما يذكر (٢) وكان شديد الإنكار على الإمام فخر الدين، حدثني
стр. 2788
شيخي العلامة أبو عبد الله الآبلي أن عبد الله بن إبراهيم الزموري أخبره أنه سمع ابن تيمية ينشد لنفسه (١) :
محصل في أصول الدين حاصله ... من بعد تحصيله علم بلا دين
أصل الضلالة والإفك المبين، فما ... فيه فأكثره وحي الشياطين قال: وكان في يده قضيب، فقال: والله لو رأيته لضربته بهذا القضيب هكذا، ثم رفعه ووضعه.
وبحسبك مما طار لهذين الرجلين من الصيت بالمشرق أني لما حللت بيت المقدس وعرف به مكاني من الطلب، وذلك أني قصدت قاضيه شمس الدين بن سالم ليضع لي يده على رسم أستوجب به هنالك حقاً، فلما أطللت عليه عرفه بي بعض من معه، فقام إلي حتى جلست، ثم سألني بعض الطلبة بحضرته فقال لي: إنكم معشر المالكية تبيحون للشامي يمر بالمدينة أن يتعدى ميقاتها إلى الجحفة، وقد قال رسول الله، ﷺ ، بعد أنم عين المواقيت لأهل الآفاق " هن لهن، ولمن مر عليهن من غير أهلهن " وهذا قد مر على ذي الخليفة وليس من أهله فيكون له، فقلت له: إن النبي، صل الله عليه وسلم، قال " من غير أهلهن " أي من غير أهل المواقيت، وهذا سلب كلي، وإنه غير صادق على هذا الفرد، ضرورة صدق نقيضه وهو الإيجاب الجزئي عليه، لأنه من بعض أهل المواقيت قطعاً، فلما لم يتناوله النص رجعنا إلى القياس، ولا شك أنه لا يلزم أحداً أن يحرم قبل ميقاته وهو يمر به لكن من ليس من أهل الجحفة لا يمر بميقاته إذا مر بالمدينة، فوجب عليه الإحرام من ميقاتها، بخلاف أهل الجحفة، فإنها بين أيديهم، وهم يمرون عليها، فوقعت من نفوس أهل البلد بسبب ذلك، فلما عرفت أتاني آت من أهل المغرب فقال لي: تعلم أن مكانك في
стр. 2789
نفوس أهل هذا البلد مكين، وقدرك عندهم رفيع، وأنا اعلم انقباضك (١) عن ابني الإمام، فإن سئلت فانتسب لهما، فقد سمعت منهما، وأخذت عنهما، ولا تظهر العدول عنهما إلى غيرهما فتضع من قدرك، فإنما أنت عند هؤلاء الناس خليفتهما، ووارث علمهما وأن لا أحد فوقهما (٢) :
وليس لما تبني يد الله هادم ... وشهدت مجلساً بين يدي السلطان أبي تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمو ذكر فيه أبو زيد ابن الإمام أن ابن القاسم مقلد مقيد النظر بأصول مالك، ونازعه أبو موسى عمران بن موسى المشدالي، وادعى أنه مطلق الاجتهاد، واحتج له بمخالفته لبعض ما يرويه ويبلغه عنه لما ليس من قوله، وأتى من ذلك بنظائر كثيرة قال: فلو تقيد بمذهبه لم يخالفه بغيره، فاستظهر أبو زيد نص لشرف الدين التلمساني مثل فيه الاجتهاد المخصوص باجتهاد ابن القاسم بالنظر إلى مذهب مالك والمزني إلى الشافعي، فقال عمران: هذا مثال، والمثال لا تلزم صحته، فصاح به أبو موسى ابن الإمام وقال لأبي عبد الله ابن أبي عمرو: تكلم، فقال: لا أعرف ما قال هذا الفقيه، الذي أذكره من كلام أهل العم انه لا يلزم من فساد المثال فساد الممثل، فقال أبو موسى للسلطان: هذا كلام أصولي محقق، فقلت لهما وأنا يومئذ حديث السن: ما أنصفتما الرجل، فإن المثل كما تؤخذ على جهة التحقيق كذلك تؤخذ على طريق التقريب، ومن ثم جاء ما قاله هذا الشيخ، أعني ابن أبي عمرو، وكيف لا وهذا سيبويه يقول: وهذا مثال ولا يتكلم به، فإذا صح أن المثال قد يكون تقريباً فلا يلزم صحة المثال ولا فساد الممثل لفساده، فهذان القولان من أصل واحد.
стр. 2790
وشهدت مجلساً آخر عند هذا السلطان قرأ فيه عن أبي زيد ابن الإمام حديث لقنوا موتاكم لا إله إلا الله في صحيح مسلم، فقال له الأستاذ أبو إسحاق ابن حكم السلوي: هذا الملقن محتضر حقيقة ميت مجازاً، فما وجه ترك محتضريكم إلى موتاكم، والأصل الحقيقة فأجابه أبو زيد بجواب لم يقنعه، وكنت قد قرأت على الأستاذ بعض التنقيح فقلت: زعم القرافي أن المشتق إنما يكون حقيقة في الحال، مجازاً في الاستقبال، مختلفاً في الماضي، إذا كان محكوماً به، أما إذا كان متعلق الحكم كما هنا فهو حقيقة مطلقاً إجماعاً، وعلى هذا التقرير لا مجاز، فلا سؤال، لا يقال: إنه احتج على ذلك بما فيه نظر، لأنا نقول: إنه نقل الإجماع، وهو أحد الأربعة التي لا يطالب مدعيها بالدليل، كما ذكر أيضاً، بل نقول: إنه أساء حيث احتج في موضع الوفاق، كما أساء اللخمي وغيره في الاحتجاج على وجوب الطهارة ونحوها، بل هذا أشنع، لكونه مما علم من الدين بالضرورة، ثم إنا لو سلمنا نفي الإجماع فلنا أن نقول: إن ذلك إشارة إلى ظهور العلامات التي يعقبها الموت عادة، لأن تلقينه قبل ذلك إن لم يدهش فقد يوحش، فهو تنبيه على وقت التلقين، أي لقنو من تحكمون أنه ميت، أو نقول: إنما عدل عن الاحتضار لما فيه من الإبهام، ألا ترى اختلافهم فيه: هل أخذ من حضور الملائكة، أو حضور الأجل، أو حضور الجلاس، ولا شك أن هذه حالة خفية يحتاج في نصبها دليلاً على الحكم إلى وصف ظاهر يضبطها، وهو ما ذكرناه، أو من حضور الموت، وهو أيضاً مما لا يعرف بنفسه، بل بالعلامات، فلما وجب اعتبارها وجب كون تلك التسمية إشارة إليها، والله تعالى أعلم.
كما كان أبو زيد يقول فيما جاء من الأحاديث من معنى قول ابن أبي زيد وإذا سلم الإمام فلا يثبت بعد سلامه ولينصرف: إن ذلك بعد أن ينتظر بقدر ما يسلم من خلفه، لئلا يمر بين يدي أحد، وقد ارتفع عنه حكمه، فيكون كالداخل مع المسبوق، جمعاً بين الأدلة، قلت: وهذا ملح الفقيه.
стр. 2791
اعترض عند أبي زيد قول ابن الحاجب ولبن الآدمي والمباح طاهر بأنه إنما يقال في الآدمي لبان، فأجاب بالمنع، واحتج بقول النبي، ﷺ ، " اللبن للفحم " وأجيب بأن قول ذلك لتشريكه المباح معه في الحكم؛ لأن اللبان خاص به، وليس موضع تغليب، لأن اللبان ليس بعاقل، ولا حجة على تغليب ما يختص بالعاقل.
تكلم أبو زيد يوماً في مجلس تدريسه في الجلوس على الحرير، فاحتج إبراهيم السلوي للمنع بقول أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فمنع أبو زيد أن يكون إنما أراد باللباس الافتراش فحسب، لاحتمال أن يكون إنما أراد التغطية معه أو وحدها، وذكر حديثاً في تغطية الحصير، فقلت: كلا الأمرين يسمى لباساً، قال الله ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ (البقرة: ١٨٧) وفيه بحث.
كان أبو زيد يصحف قول الخونجي في الجمل والمقارنات التي يمكن اجتماعه معها فيقول: " والمفارقات " ولعله في هذا كما قال أبو عمرو ابن العلاء للأصمعي لما قرأ عليه (١) :
وغررتني وزعمت أنك لابن بالصيف تامر ... فقال:
وغررتني وزعمت أنك لا تني بالضيف تامر ... فقال: أنت في تصحيفك أشعر من الحطيئة، أو كما حكي عمن صلى بالخليفة في رمضان ولم يكن يومئذ يحفظ القرآن، فكان ينظر في المصحف، فصحف آيات: صنعة الله، أصيب بها من أساء، إنما المشركون نحس، وعدها
стр. 2792
أباه، تقية الله خير لكم، هذا أن دعوا للرحمن ولداً، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يعنيه.
سمعت أبا زيد يقول: إن أبا العباس الغماري التونسي أول من أدخل " معالم " الإمام فخر الدين للمغرب، وبسبب ما قفل به من الفوائد رحل أبو القاسم ابن زيتون.
وسمعته يقول: إن ابن الحاجب ألف كتابه الفقهي من ستين ديواناً (١) ، وحفظت من وجادة أنه ذكر عند أبي عبد الله ابن قطرال المراكشي أن ابن الحاجب اختصر " الجواهر " فقال: ذكر هذا لأبي عمرو حين فرغ منه فقال: بل ابن شاس اختصر كتابي، قال ابن قطرال: وهو أعلم بصناعة التأليف من ابن شاس، والإنصاف أنه لا يخرج عنه وعن ابن بشير إلا في الشيء اليسير، فهما أصلاه ومعتمداه، ولا شك أن له زيادات وتصرفات تنبئ عن رسوخ قدمه وبعد مداه.
وكان أبو زيد (٢) من العلماء الذين يخشون الله، حدثني أمير المؤمنين المتوكل أبو عنان أن والده أمير المسلمين أبا الحسن ندب الناس إلى الإعانة بأموالهم على الجهاد، فقال له أبو زيد: لا يصح لك هذا حتى تكنس بيت المال، وتصلي ركعتين كما فعل علي بن أبي طالب، وسأله أبو الفضل ابن أبي مدين الكاتب ذات يوم عن حاله، وهو قاعد ينتظر خروج السلطان، فقال له: أما الآن فأنا مشرك، فقال: أعيذك من ذلك، فقال: لم أرد الشرك في التوحيد، لكن في التعظيم والمراقبة، وإلا فأي شيء جلوسي ههنا
والشيء بالشيء يذكر، قمت ذات يوم على باب السلطان بمراكش فيمن
стр. 2793
ينتظر خروجه، فقام إلى جانبي شيخ من الطلبة، وأنشدني لأبي بكر ابن خطاب (١) رحمه الله تعالى:
أبصرت أبواب الملوك تغص بال ... راجين إدراك العلا والجاه
مترقبين لها فمهما فتحت ... خروا لأذقان لهم وجباه
فأنفت من ذاك الزحام وأشفقت ... نفسي على إنضاء جسمي الواهي
ورأيت باب الله ليس عليه من ... متزاحم، فقصدت باب الله
وجعلته من دونهم لي عدة ... وأنفت من غيي وطول سفاهي يقول جامع هذا المؤلف: رأيت بخط عالم الدنيا ابن مرزوق على هذا المحل من كلام مولاي الجد مقابل قوله " ورأيت باب الله " ما صورته: قلت ذلك لسعته أو لقلة أهله:
إن الكرام كثير في البلاد، وإن ... قلوا، كما غيرهم قل وإن كثروا ﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب﴾ - الآية (المائدة: ١٠٠) انتهى.
رجع إلى كلام مولاي الجد قال رحمه الله تعالى ورضي عنه: وحدثني شيخ من أهل تلمسان أنه كان عند أبي زيد مرة، فذكر القيامة وأهوالها فبكى، فقلت: لا بأس علينا وأنتم أمامنا، فصاح صيحة، واسود وجهه، وكاد يتفجر دماً، فلما سري عنه رفع يديه وطرفه إلى السماء وقال: اللهم لا تفضحنا مع هذا الرجل، وأخباره كثيرة.
وأما شقيقه أبو موسى فسمعت عليه كتاب مسلم، واستفدت منه كثيراً،
стр. 2794
فمما سألته عنه قول ابن الحاجب في الاستلحاق " وإذا استلحق مجهول النسب " إلى قوله " أو الشرع بشهرة نسبه " كيف يصح هذا القسم مع فرضه مجهول النسب فقال: يمكن أن يكون مجهول النسب في حال الاستلحاق، ثم يشتهر بعد ذلك، فيبطل الاستلحاق، فكأنه يقول: ألحقه ابتداء ودواماً، ما لم يكذبه أحد، هذه هي إحدى الحالتين، إلا أ، هذا إنما يتصور في الدوام فقط، ومما سألته عنه أن الموثقين يكتبون الصحة والجواز والطوع على ما يوهم القطع، وكثيراً ما ينكشف الأمر بخلافه، ولو كتبوا مثلاً ظاهر الصحة والجواز والطوع لبرئوا من ذلك، فقال لي: لما كان مبنى الشهادة وأصلها العلم لم يجمل ذكر الظن ولا في معناه احتمال، فإذا أمكن العلم بمضمونها لم يجز أن يحمل على غيره، فإذا تعذر كما ها هنا بني باطن أمرها على غاية ما يسعه فيه الإمكان عادة، وأجري ظاهرة على ما ينافس أصلها، صيانة لرونقها، ورعاية لما كان ينبغي أن تكون عليه لولا الضرورة. قلت: ولذلك عقد ابن فتوح وغيره عقود الجوائح على ما يوهم العلم بالتقدير، مع أن ذلك إنما يدرك بما غايته الظن في الحزر والتخمين، وكانا معاً يذهبان إلى الاختيار وترك التقليد.
٣ - وممن أخذت عنه أيضاً حافظها ومدرسها ومفتيها أبو موسى عمران ابن موسى بن يوسف المشدالي (١) ، صهر شيخ المدرسين أبي علي ناصر الدين (٢) على ابنته، وكان قد فر من حصار بجاية فنزل الجزائر، فبعث فيه أبو تاشفين، وأنزله من التقريب والإحسان بالمحل المكين، فدرس بتلمسان الحديث والفقه والأصلين والنحو والمنطق والجدل والفرائض، وكان كثير الاتساع في الفقه والجدل، مديد الباع فيما سواهما مما ذكر، سألته عن قول ابن الحاجب في
стр. 2795
السهو فإن أخال الإعراض فمبطل عمده فقال: معناه فإن أخال غيره أنه معرض، فحذف المفعول لجوازه، وأقام المصدر مقام المفعولين كما يقوم مقامه ما في معناه من أن وأن، قال الله العظيم ﴿ألم أحسب الناس أن يتركوا﴾ (العنكبوت: ١ - ٢) قلت: وأقوى من هذا أن يكون المصدر هو المفعول الثاني، وحذف الثالث اختصاراً لدلالة المعنى عليه: أي فإن أخال الإعراض كائناً، كما قالوا: خلت ذلك، وقد أعربت الآية بالوجهين، وهذا عندي أقرب، ومن هذا الباب ما يكتب به القضاة من قولهم " أعلم باستقلاله فلان " أي أعلم فلان من يقف عليه بأن الرسم مستقل، فحذفوا الأول، وصاغوا ما بعده المصدر.
سئل عمران وأنا عنده عما صبغ من الثياب بالدم فكانت حمرته منه، فقال: يغسل، فإن لم يخرج شيء من ذلك في الماء فهو طاهر، لأن المتعلق به على هذا التقدير ليس إلا لون النجاسة، وإذا عسر قلعه بالماء فهو عفو، وإلا وجب غسله إلى أن لا يخرج منه شيء، قلت: في البخاري قال معمر: رأيت الزهري يصلي فيما صبغ بالبول من ثياب اليمن، وتفسيره على ما ذكره عمران. وكان قد صاهر لقاضي الجماعة أبي عبد الله ابن هربة على ابنته فلم تزل عنده إلى أن توفي عنها.
٤ - ومنهم مشكاة الأنوار، الذي يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار، الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن حكم السلوي، رحمه الله تعالى. ورد تلمسان بعد العشرين، ثم لم يزل بها إلى أن قتل يوم دخلت على بني عبد الواد، وذلك في الثامن والعشرين من شهر رمضان عام سبعة وثلاثين وسبعمائة.
قال لي الشيخ ابن مرزوق: ابتدأ أمر بني عبد الواد بقتلهم لأبي الحسن السعيد، وكان أسمر لأم ولد تسمى العنبر، وختم بقتل أبي الحسن ابن عثمان إياهم، وهو بصفته المذكورة حذوك النعل بالنعل، فسبحان من دقت حكمته في كل شيء.
стр. 2796
ولما وقف الرفيقان أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري ومجمد بن عبد الرحمن بن الحكيم الرندي في رحلتهما على قبر السعيد بعباد تلمسان تناول ابن الحكيم فحمة ثم كتب بها على جدار هناك:
انظر ففي إليك اليوم معتبر ... إن كنت ممن بعين الفكر قد لحظا
بالأمس أدعى سعيداً، والورى خولي ... واليوم يدعى سعيداً من بي اتعظا قال ابن حكم: كان أول اتصالي بالأستاذ أبي عبد الله ابن آجروم أني دخلت عليه وقد حفظت بعض كتاب المفصل فوجدت الطلبة يعرفون بيت يديه هذا البيت (١) :
عهدي به الحي الجميع وفيهم ... قبل التفرق ميسر وندام وقد عُمي عليهم خبر " عهدي " فقلت له: قد سدت الحال وهي الجملة بعده مسده، فقال لي بعض الطلبة: وهل يكون هذا في الجملة كما كان في قولك: " ضربي زيداً قائماً " قلت له: نعم، قال رسول الله، ﷺ : " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ".
ذكر أبو زيد ابن الإمام يوماً في مجلسه أنه سئل بالمشرق عن هاتين الشرطيتين ﴿ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ (الأنفال: ٢٣) فإنهما تستلزمان بحكم الإنتاج لو علم الله فيهم خيراً لتولوا، وهو محال، ثم أراد أن يرى ما عند الحاضرين، فقال ابن حكم: قال ابن الخونجي: والإهمال بإطلاق لفظ لو وإن في المتصلة، فهاتان القضيتان على هذا مهملتان، والمهملة في قوة الجزئية، ولا قياس عن جزئيتين. فلما اجتمعت ببجاية أبي علي حسين بن حسين وأخبرته بهذا، وبما أجاب به الزمخشري وغيره، مما يرجع إلى انتفاء تكرر الوسط، قال لي: الجوابان في المعنى سواء، لأن القياس على
стр. 2797
الجزئيتين إنما امتنع لانتفاء أمر تكرر الوسط، فأخبرت بذلك شيخنا الآبلي، فقال: إنما يقوم القياس على الوسط، ثم يشترط فيه بعد ذلك أن لا يكون من جزئيتين، ولا سالبتين، إلى ما يشترط، فقلت: ما المانع من كون هذه الشروط تفصيلاً لمجمل ما ينبني عليه من الوسط وغيره، وإلا فلا مانع غير ما قاله ابن حسين، قال الآبلي: وقد أجبت بجواب السلوي، ثم رجعت إلى ما قال الناس لوجوب كون مهملات القرآن كلية لأن الشرطية لا تنتج جزئية، فقلت: هذا فيما يساق منها للحجة، مثل " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا "، أما في مثل هذا فلا.
ولما ورد تلمسان الشيخ الأديب أبو الحسن ابن فرحون نزيل طيبة على تربتها السلام سأل ابن الحكم عن معنى هذين البيتين:
رأت قمر السماء فأذكرتني ... ليالي وصلها بالرقمتين
كلانا ناظر قمراً ولكن ... رأيت بعينها ورأت بعيني ففكر ثم قال: لعل هذا الرجل كان ينظر إليها، وهي تنظر إلى قمر السماء، فهي تنظر إلى القمر حقيقة، وهو لإفراط الاستحسان يرى أنها الحقيقة، فقد رأى بعينها لأنها ناظرة الحقيقة، وأيضاً فهو ينظر إلى قمر مجازاً، وهو لإفراط الاستحسان (١) لها يرى أن قمر السماء هي المجاز، فقد رأت بعينه، لأنها ناظرة المجاز.
قلت: ومن ههنا تعلم وجه الفاء في قوله فأذكرتني، لأنه لما صارت رؤيتها رؤيته، وصار القمر حقيقة إياها، وكان قوله رأت قمر السماء فأذكرتني، بمثابة قوله فأذكرتني، فإن بعض من لا يفهم كلام الأستاذ حق الفهم ينشده " فأذكرتني " فالفاء في البيت الأول مبنية على معنى البيت الثاني، لأنها
стр. 2798
مبنية عليه، وهذا النحو يسمى الإيذان في علم البيان.
ولما اجتمعنا بأبي الوليد ابن هانئ مقدمه علينا من غرناطة سأل ابن حكم عن تكرار من في قوله تعالى " سواء منكم من أسر القول ومن جهر به " دون ما بعدها، فقال: لولا تكررها أولاً لتوهم التضاد بتوهم اتحاد الزمان، فارتفع بتكرار الموضوع، أما الآخر فقد تكرر الزمان، فارتفع توهم التضاد، فلم يحتج إلى زائد على ذلك، فقلت: فهلا اكتفى بسواء على تكرار الموضوع، لأن التسوية لا تقع إلا بين أمرين، وإنما الجواب عندي أنها تكررت أولاً على الأصل لأنهما صنفان يستدعيهما كل واحد منهما أن تقع عليه، ثم اختصرت ثانياً لفهم المراد من التفصيل بالأول مع أمن اللبس، وقد أجاب الزمخشري بغير هذين فانظره.
سألني ابن حكم المذكور عن نسب المجيب في هذا البيت:
ومهفهف الأعطاف قلت له انتسب ... فأجاب ما قتل المحب حرام ففكرت ثم قلت: أراه تميمياً، لإلغائه ما النافية، فاستحسنه مني لصغر سني يومئذ.
تذاكرت (١) يوماً مع ابن حكم في تكملة البدر بن محمد بن مالك ل " شرح التسهيل " لأبيه، ففصلت عليه كلام أبيه، ونازعني الأستاذ، فقلت:
عهود من الآبا توارثها الأبنا ... فما رأيت بأسرع من أن قال:
بنوا مجدها لكن بنوهم لها أبنى ... فبهت من العجب (٢) .
стр. 2799
وتوفي الشيخ ابن مالك سنة اثنتين وسبعين وستمائة، وفيها ولد شيخنا عبد المهيمن الحضرمي، فقيل: مات فيها إمام نحو، وولد فيها إمام نحو.
سألت ابن حكم عن قول فخر الدين في أول المحصل " وعندي أن شيئاً منها غير مكتسب " (١) بمعنى لا شيء ولا واحد، هل له أصل في العربية أو كما قيل من بقايا عجمته فقال لي: بل له أصل، وقد حكى بان مالك مثله عن العرب، فلم يتفق أن أستوقفه عليه، ثم لم أزل أستكشف عنه كل من أظن أن لديه شيئاً منه (٢) ، فلم أجد من عنده أثارة منه، حتى مر بي في باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليها كان من شرح التسهيل قوله فإن تقدم على الاستفهام أحد المفعولين نحو " علمت زيداً أبو من هو " اختير نصبه، لأن الفعل مسلط عليه، فلا مانع، ويجوز رفعه، لأنه والذي بعد الاستفهام شيء واحد في المعنى فكأنه في حيز الاستفهام، والاستفهام مشتمل عليه، وهو نظير قوله: إن أحد إلا يقول ذلك، وأحد هذا لا يقع إلا بعد نفي، ولكن لما كان هنا والضمير المرفوع بالقول شيئاً واحداً في المعنى تنزل منزلة واقع بعد نفي، فعلمت أنه نحى إلى هذا، لأن شيئاً ههنا والضمير المرفوع بمكتسب المنفي في المعنى شيء واحد، فكان شيئاً كأنه وقع بعد غير: أي بعد النفي.
سأل ابن فرحون ابن حكم: هل تجد في التنزيل ست فاءات مرتبة ترتيبها في هذا البيت:
رأى فحب فرام الوصل فامتنعت فسام صبراً فأعيا نيله فقضى
ففكر ثم قال: نعم " فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون - إلى آخره " فمنعت له البناء في " فتنادوا " فقال لابن فرحون: فهل عندك غيره فقال: نعم " فقال لهم رسول الله إلى آخر السورة " فمنع له
стр. 2800
بناء الآخرة لقراءة الواو، فقلت: امنع ولا تسند فيقال لك: إن المعاني قد تختلف باختلاف الحروف، وإن كان السند لا يسمع الكلام عليه، وأكثر ما وجدت الفاء تنتهي في كلامهم إلى هذا العدد، سواء بهذا الشرط وبدونه، كقول نوح ﵇: " فعلى الله توكلت - الآية " وكقول امرئ القيس:
غشيت ديار الحي بالبكرات ... البيتين (١) ، لا يقال: فالجب سابع، لأنا نقول: إنه عطف على عاقل المجرد منها، ولعل حكمة الستة أنها أول الأعداد التامة كما قيل في حكمة خلق السموات والأرض فيها، وشأن اللسان عجيب.
وقوله في هذا البيت فحب لغة قليلة جرى عليها محبوب كثيراً، حتى استغني به عن محب، فلا تكاد تجده إلا في قول عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم ونظيره محسوس من حس والأكثر أحس ولا تكاد تجد محساً، وهذا التوجيه أحسن من قول القرافي في " شرح التنقيح ": إنهم أجروا محسوسات مجرى معلومات لأن الحس أحد طرق العلم.
سمعت ابن حكم يقول: بعث بعض أدباء فاس إلى صاحب له:
ابعث إلي بشيء ... مدار فاس عليه
وليس عندك شيء ... مما أشير إليه فبعث إليه ببطة من مري (٢) ، يشير بذلك إلى الرياء.
стр. 2801
وحدثت (١) أن قاضيها أبا محمد عبد الله بن أحمد بن الملجوم حضر وليمة، وكان كثير البلغم، فوضع بين يديه صهره أبو العباس ابن الأشقر غضاراً من اللون المطبوخ بالمري لمناسبته لمزاجه، فخاف أن يكون قد عرض له بالرياء.
وكان ابن الأشقر يذكر بالوقوع في الناس، فناوله القاضي غضار المقروض، فاستحسن الحاضرون فطنته.
٥ - ومنهم عالم الصلحاء، وصالح العلماء، وجليس التنزيل، وحليف البكاء والعويل، أبو محمد عبد الله بن عبد الواحد بن إبراهيم بن الناصر المجاصي (٢) خطيب جامع القصر الجديد، وجامع خطتي التحديث والتجويد، ويسميه أهل مكة البكاء، ولما قدم أبو الحسن علي بن موسى البحيري سأل عنه، فقيل إليه: لو علم بك أتاك، فقال: أنا آتي من سمعت سيدي أبا زيد الهزميري يقول للأول ما رآه ولم يكن يعرفه قبل ذلك: مرحباً بالفتى الخاشع، أسمعنا من قراءتك الحسنة.
دخلت عليه بالفقيه أبي عبد الله في أيام العيد، فقدم لنا طعاماُ، فقلت: لو أكلت معنا، فرجونا بذلك ما يرفع من حديث " من أكل مع مغفور له غفر له " فتبسم وقال لي: دخلت على سيدي أبو عبد الله الفاسي بالإسكندرية، فقدم طعاماُ، فسألته عن هذا الحديث، فقال: وقع في نفسي منه شيء، فرأيت النبي، ﷺ ، في المنام، فسألته عنه، فقال لي: لم أقله، وأرجو أن يكون ذلك.
وصافحته بمصافحة الشيخ أبا عبد الله الزيان بمصافحته أبا سعيد عثمان بن عطية الصعيدي أبا عباس أحمد الملثم بمصافحته المعمر بمصافحته رسول الله، ﷺ .
стр. 2802
وسمعته يحدث عن شيخه أبي محمد الدلاصي أنه كان للملك العادل مملوك اسمه محمد، فكان يخصه لدينه وعقله بالنداء باسمه، وإنما كان ينعق بمماليكه يا ساقي، يا طباخ يا مزين، فنادى به ذات يوم: يا فراش، فظن ذلك لموجدة عليه، فلما لم ير أثر ذلك، وتصورت له به خلوة، سأله عن مخالفته لعادته معه، فقال: لا عليك، كنت حينئذ جنباً، فكرهت ذكر رسول الله، ﷺ ، في تلك الحالة.
ومما نقلته من خط المجاصي ثم قرأته عليه فحدثني به قال: حدثني القاضي أبو زكريا يحيى أحمد بن محمد بن يحيى بن أبي بكر ابن عصفور قال: حدثني جدي يحيى المذكور، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن التجيبي المقرئ بتلمسان، حدثنا الحافظ أبو محمد - يعني والله أعلم عبد الحق الإشبيلي - أخبرنا (١) أبو غالب أحمد ابن الحسن المستعمل، أخبرنا أبو الفتوح عبد الغافر بن الحسين بن أبي الحسن ابن خلف الألمعي، أخبرنا (٢) أبو نصر أحمد بن إسحاق النيسابوري، أملى علينا أبو عثمان إسماعيل ين عبد الرحمن الصابوني، أخبرنا محمد بن علي بن الحسين العلوي، أخبرنا عبد الله بن إسحاق اللغوي وأنا سألته، أخبرنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، أخبرنا عبد الله بن نافع بن عيسى بن يونس عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله، ﷺ ، قال لي جبريل: ألا أعلمك الكلمات التي قالهن موسى حين انفلق له البحر قلت: بلى، قال قل: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وبك المستغاث، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال ابن مسعود: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله، ﷺ ، ثم تسلسل الحديث عن ذلك، كل أحد من رجاله يقول: ما تركتهن منذ سمعتهن من فلان، لشيخه، وقد سمعت المجاصي
стр. 2803
يكررها كثيراً، وما تركتهن منذ سمعتهن منه.
وأنشدني المجاصي وقال: أنشدني نجم الدين الواسطي، أنشدني شرف الدين الدمياطي، أنشدني تاج الدين الأرموي مؤلف الحاصل، قال: أنشدني الإمام فخر الدين لنفسه (١) :
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة (٣) من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم من رجال رأينا ودولة (٣) ... فبادوا مسرعين جميعاُ وزالوا
وكم من جبال علت شرفاتها ... رجال فماتوا والجبال جبال وتوفي المجاصي في العشر الآخر من شهر ربيع الأول، عام أحد وأربعين وسبعمائة.
٦ - ومنهم الشيخ الشريف القاضي الرحلة المعمر أبو علي الحسن بن يوسف ابن يحيى الحسيني السبتي.
أدرك أبو الحسين ابن أبي الربيع وأبا القاسم العزفي واختص بابن عبيدة وابن الشاط، ثم رحل إلى المشرق فلقي ابن دقيق العيد وحلبته، ثم قفل فاستوطن تلمسان إلى أن مات بها سنة أربع وخمسين، أو ثلاث وخمسين وسبعمائة، قرأ علينا حديث الرحمة وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا الحسن بن علي بن عيسى ابن الحسن اللخمي، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا (٤) علي بن المظفر بن القاسم الدمشقي، وهو أول حديث سمعته منه، أجبرنا أبو الفرج محمد بن عبد الرحمن بن أبي العز الواسطي، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو العز
стр. 2804
عبد المغيث بن زهير، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي، وهو أول حديث سمعته منه. قال الحسن بن علي: وحدثنا أيضاً عالياً الحسن بن محمد البكري، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا ابن الفتوح محمد بن محمد بن محمد بن الجنيد الصوفي، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا زاهر بن طاهر، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي الفضائل عبد الوهاب بن صالح عرف بابن المغرم إمام جامع همذان بها، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو منصور عبد الكريم بن محمد بن حامد المعروف بابن الخيام، وهو أول حديث سمعته عنه، أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك، وهو أول حديث سمعته عنه، حفظاً، أخبرنا أبو الطاهر محمد بن محمد بن مخمش (١) الزيادي، وهو أول حديث سمعته عنه، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن هلال البزاز، وهو أول حديث سمعته عنه، أخبرنا عبد الرحمن بن البشر بن الحكم، وهو أول حديث سمعته عنه، أخبرنا أبو سفيان بن عيينة، وهو أول حديث سمعته عنه، عن عمرو ابن دينار، عن أبي قاموس مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله، ﷺ ، قال: " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ".
(ح) وحدثني الشريف أيضاُ كذلك بطريقه عن السلفي بأحاديثه المشهورة فيه، وهذا الحديث أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قال لي الشريف: قال لي القاضي أبو العباس الرندي: لما قدم أبو العباس ابن الغماز (٢) من بلنسية نزل بجاية، فجلس بها في الشهود مع عبد الحق بن ربيع (٣) ،
стр. 2805
فجاء عبد الحق يوماً وعليه برنس أبيض، وقد حسنت شارته وكملت هيأته، فلما نظر إليه ابن الغماز أنشده:
لبس البرنس الفقيه فباهى ... ورأى أنه المليح فتاها
لو زليخا رأته حين تبدى ... لتمنته أن يكون فتاها وبه أن ابن الغماز جلس لارتقاب الهلال بجامع الزيتونة، فنزل الشهود من المئذنة وأخبروا أنهم لم يهلوه، وجاء حفيد له صغير، فأخبره أنه أهله، فردهم معه، فأراهم إياه، فقال: ما أشبه الليلة بالبارحة، وقع لنا مثل هذا مع أبي الربيع ابن سالم، فأنشدنا فيه:
توارى هلال الأفق عن أعين الورى ... وأرخى حجاب الغيم دون محياه
فلما تصدى لارتقاب شقيقه ... تبدى له دون الأنام فحياه سمعت الشريف يقول: أول زجل عمل في الدنيا:
بالله يا طير مدلل ... مر بي وسط القفار
إياك تجدد لعاده ... ترمي حجيرة في داري ٧ - ومنهم قاضي جماعتها وكاتب خلافتها وخطيب جامعها، أبو عبد الله محمد بن منصور بن علي بن هدية القرشي (١) ، من ولد عقبة بن نافع الفهري، نزلها سلفه قديماً، وخلفه بها إلى الآن، توفي في أواسط سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وشهد جنازته سلطانها يومئذ أبو تاشفين، وولى ابنه أبا علي منصوراً مكانه يومئذ، ولما ثقل لسانه دعا ابنه فقال له: اكتب هذين البيتين فإني نظمتهما على هذه الحالة، فكتب:
إلهي مضت للعمر سبعون حجة ... جنيت بها لما جنيت الدواهيا