← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

وحدثت (١) أن قاضيها أبا محمد عبد الله بن أحمد بن الملجوم حضر وليمة، وكان كثير البلغم، فوضع بين يديه صهره أبو العباس ابن الأشقر غضاراً من اللون المطبوخ بالمري لمناسبته لمزاجه، فخاف أن يكون قد عرض له بالرياء. وكان ابن الأشقر يذكر بالوقوع في الناس، فناوله القاضي غضار المقروض، فاستحسن الحاضرون فطنته. ٥ - ومنهم عالم الصلحاء، وصالح العلماء، وجليس التنزيل، وحليف البكاء والعويل، أبو محمد عبد الله بن عبد الواحد بن إبراهيم بن الناصر المجاصي (٢) خطيب جامع القصر الجديد، وجامع خطتي التحديث والتجويد، ويسميه أهل مكة البكاء، ولما قدم أبو الحسن علي بن موسى البحيري سأل عنه، فقيل إليه: لو علم بك أتاك، فقال: أنا آتي من سمعت سيدي أبا زيد الهزميري يقول للأول ما رآه ولم يكن يعرفه قبل ذلك: مرحباً بالفتى الخاشع، أسمعنا من قراءتك الحسنة. دخلت عليه بالفقيه أبي عبد الله في أيام العيد، فقدم لنا طعاماُ، فقلت: لو أكلت معنا، فرجونا بذلك ما يرفع من حديث " من أكل مع مغفور له غفر له " فتبسم وقال لي: دخلت على سيدي أبو عبد الله الفاسي بالإسكندرية، فقدم طعاماُ، فسألته عن هذا الحديث، فقال: وقع في نفسي منه شيء، فرأيت النبي، ﷺ ، في المنام، فسألته عنه، فقال لي: لم أقله، وأرجو أن يكون ذلك. وصافحته بمصافحة الشيخ أبا عبد الله الزيان بمصافحته أبا سعيد عثمان بن عطية الصعيدي أبا عباس أحمد الملثم بمصافحته المعمر بمصافحته رسول الله، ﷺ .

стр. 2802

وسمعته يحدث عن شيخه أبي محمد الدلاصي أنه كان للملك العادل مملوك اسمه محمد، فكان يخصه لدينه وعقله بالنداء باسمه، وإنما كان ينعق بمماليكه يا ساقي، يا طباخ يا مزين، فنادى به ذات يوم: يا فراش، فظن ذلك لموجدة عليه، فلما لم ير أثر ذلك، وتصورت له به خلوة، سأله عن مخالفته لعادته معه، فقال: لا عليك، كنت حينئذ جنباً، فكرهت ذكر رسول الله، ﷺ ، في تلك الحالة. ومما نقلته من خط المجاصي ثم قرأته عليه فحدثني به قال: حدثني القاضي أبو زكريا يحيى أحمد بن محمد بن يحيى بن أبي بكر ابن عصفور قال: حدثني جدي يحيى المذكور، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن التجيبي المقرئ بتلمسان، حدثنا الحافظ أبو محمد - يعني والله أعلم عبد الحق الإشبيلي - أخبرنا (١) أبو غالب أحمد ابن الحسن المستعمل، أخبرنا أبو الفتوح عبد الغافر بن الحسين بن أبي الحسن ابن خلف الألمعي، أخبرنا (٢) أبو نصر أحمد بن إسحاق النيسابوري، أملى علينا أبو عثمان إسماعيل ين عبد الرحمن الصابوني، أخبرنا محمد بن علي بن الحسين العلوي، أخبرنا عبد الله بن إسحاق اللغوي وأنا سألته، أخبرنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، أخبرنا عبد الله بن نافع بن عيسى بن يونس عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله، ﷺ ، قال لي جبريل: ألا أعلمك الكلمات التي قالهن موسى حين انفلق له البحر قلت: بلى، قال قل: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وبك المستغاث، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال ابن مسعود: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله، ﷺ ، ثم تسلسل الحديث عن ذلك، كل أحد من رجاله يقول: ما تركتهن منذ سمعتهن من فلان، لشيخه، وقد سمعت المجاصي

стр. 2803

يكررها كثيراً، وما تركتهن منذ سمعتهن منه. وأنشدني المجاصي وقال: أنشدني نجم الدين الواسطي، أنشدني شرف الدين الدمياطي، أنشدني تاج الدين الأرموي مؤلف الحاصل، قال: أنشدني الإمام فخر الدين لنفسه (١) : نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة (٣) من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وكم من رجال رأينا ودولة (٣) ... فبادوا مسرعين جميعاُ وزالوا وكم من جبال علت شرفاتها ... رجال فماتوا والجبال جبال وتوفي المجاصي في العشر الآخر من شهر ربيع الأول، عام أحد وأربعين وسبعمائة. ٦ - ومنهم الشيخ الشريف القاضي الرحلة المعمر أبو علي الحسن بن يوسف ابن يحيى الحسيني السبتي. أدرك أبو الحسين ابن أبي الربيع وأبا القاسم العزفي واختص بابن عبيدة وابن الشاط، ثم رحل إلى المشرق فلقي ابن دقيق العيد وحلبته، ثم قفل فاستوطن تلمسان إلى أن مات بها سنة أربع وخمسين، أو ثلاث وخمسين وسبعمائة، قرأ علينا حديث الرحمة وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا الحسن بن علي بن عيسى ابن الحسن اللخمي، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا (٤) علي بن المظفر بن القاسم الدمشقي، وهو أول حديث سمعته منه، أجبرنا أبو الفرج محمد بن عبد الرحمن بن أبي العز الواسطي، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو العز

стр. 2804

عبد المغيث بن زهير، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي، وهو أول حديث سمعته منه. قال الحسن بن علي: وحدثنا أيضاً عالياً الحسن بن محمد البكري، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا ابن الفتوح محمد بن محمد بن محمد بن الجنيد الصوفي، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا زاهر بن طاهر، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي الفضائل عبد الوهاب بن صالح عرف بابن المغرم إمام جامع همذان بها، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو منصور عبد الكريم بن محمد بن حامد المعروف بابن الخيام، وهو أول حديث سمعته عنه، أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك، وهو أول حديث سمعته عنه، حفظاً، أخبرنا أبو الطاهر محمد بن محمد بن مخمش (١) الزيادي، وهو أول حديث سمعته عنه، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن هلال البزاز، وهو أول حديث سمعته عنه، أخبرنا عبد الرحمن بن البشر بن الحكم، وهو أول حديث سمعته عنه، أخبرنا أبو سفيان بن عيينة، وهو أول حديث سمعته عنه، عن عمرو ابن دينار، عن أبي قاموس مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله، ﷺ ، قال: " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ". (ح) وحدثني الشريف أيضاُ كذلك بطريقه عن السلفي بأحاديثه المشهورة فيه، وهذا الحديث أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. قال لي الشريف: قال لي القاضي أبو العباس الرندي: لما قدم أبو العباس ابن الغماز (٢) من بلنسية نزل بجاية، فجلس بها في الشهود مع عبد الحق بن ربيع (٣) ،

стр. 2805

فجاء عبد الحق يوماً وعليه برنس أبيض، وقد حسنت شارته وكملت هيأته، فلما نظر إليه ابن الغماز أنشده: لبس البرنس الفقيه فباهى ... ورأى أنه المليح فتاها لو زليخا رأته حين تبدى ... لتمنته أن يكون فتاها وبه أن ابن الغماز جلس لارتقاب الهلال بجامع الزيتونة، فنزل الشهود من المئذنة وأخبروا أنهم لم يهلوه، وجاء حفيد له صغير، فأخبره أنه أهله، فردهم معه، فأراهم إياه، فقال: ما أشبه الليلة بالبارحة، وقع لنا مثل هذا مع أبي الربيع ابن سالم، فأنشدنا فيه: توارى هلال الأفق عن أعين الورى ... وأرخى حجاب الغيم دون محياه فلما تصدى لارتقاب شقيقه ... تبدى له دون الأنام فحياه سمعت الشريف يقول: أول زجل عمل في الدنيا: بالله يا طير مدلل ... مر بي وسط القفار إياك تجدد لعاده ... ترمي حجيرة في داري ٧ - ومنهم قاضي جماعتها وكاتب خلافتها وخطيب جامعها، أبو عبد الله محمد بن منصور بن علي بن هدية القرشي (١) ، من ولد عقبة بن نافع الفهري، نزلها سلفه قديماً، وخلفه بها إلى الآن، توفي في أواسط سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وشهد جنازته سلطانها يومئذ أبو تاشفين، وولى ابنه أبا علي منصوراً مكانه يومئذ، ولما ثقل لسانه دعا ابنه فقال له: اكتب هذين البيتين فإني نظمتهما على هذه الحالة، فكتب: إلهي مضت للعمر سبعون حجة ... جنيت بها لما جنيت الدواهيا

стр. 2806

وعبدك قد أمسى عليل ذنوبه ... فجد لي برحمى منك، نعم الدوا هيا ولما ورد الأديب أبو عبد الله محمد بن محمد المكودي من المغرب رفع عليه قصيدة أولها: سرت والدجى لم يبق إلا يسيرها ... نسيم صبا لم يحيي القلوب مسيرها وفيها الأبيات العجاب التي سارت سير الأمثال، وهي قوله: وفي الكلة الحمراء حمراء لو بدت ... لثكلى لولى ثكلها وثبورها فما يستوي مثوى لها من سوى القنا ... خيام، ومن بيض الصفاح ستورها وما بسوى صدق الغرام أرومها ... ولا بسوى زور الخيال أزورها فأحسن إليه، وكلم السلطان حتى أرسل جرايته عليه، وقد شهدت المكودي وهذه القصيدة تقرأ عليه. ٨ - ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن أبي عمرو التميمي (١) . أدرك ابن الزيتون، وأخذ عن أبي الطاهر ابن سرور وحلبته، وعنه أخذت شرح المعالم له، وولي القضاء بتلمسان مرات، فلم تستفزه الدنيا، ولا باع الفقر بالغنى. ٩ - ومنهم (٢) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد النور (٣) . قاضي الجماعة بعد ابن أبي عمرو، وكانت له رحلة إلى المشرق، لقي بها

стр. 2807

جلالة الدين القزويني وحلبته، وتوفي بتونس في الوباء العام في حدود الخمسين وسبعمائة. ١٠ - ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن الحسين البروني (١) . قدم عليها من الأندلس، فأقام إلى أن مات. سمعته يقول: البقر العدوية كالإبل المهملة في الصحراء، لا يجوز أن تباع بالنظر إليها، لكن بعد أن تمسك ويستولى عليها. ١١ - ومنهم أبو عمران موسى المصمودي، الشهير بالبخاري. سمعت البروني يقول: كان الشيخ أبو عمران يدرس صحيح البخاري، ورفيق له يدرس صحيح مسلم، فكانا يعرفان بالبخاري ومسلم، فشهدا عند قاض فطلب المشهود عليه الاعتذار فيهما، فقال له أبو عمران: أتمكنه من الإعذار في الصحيحين فضحك القاضي، وأصلح بين الخصمين. سألته عما ضربه ابن هدية عليه من إباحة الاستياك في رمضان بقشر الجوز فقال لي: نعم، ويبلع ريقه، تأول، رحمه الله تعالى، أن الخصال المذكورة في السواك إنما تجتمع في الجوز، فكان يحمل كل ما روى فيه عليه، وهذا غلط فاحش، لأن العرب لا تكاد تعرفه، ونظر إلى ما في البخاري من قوله بعد أن ذكر جواز السواك للصائم " ولا أن يبتلع ريقه " يعني الصائم في الجملة، فحمله على المستاك بالجوز، وكان رحمه الله تعالى قليل الإصابة في الفتيا، كثير المصيبات عليها. ١٢ - ومنهم نادرة الأعصار: أبو عبد الله محمد بن يحيى بن علي بن النجار (٢) .

стр. 2808

قال لي العلامة الآبلي: ما قرأ أحد علي حتى قلت له: لم أبق عندي ما أقول لك غير ابن النجار. سمعت ابن النجار يقول: مر عمل الموقتين على تساوي فضلي ما بين المغرب والعشاء والفجر والشمس، فيؤذنون بالعشاء لذهاب ثماني عشرة درجة، وبالفجر لبقائها، والجاري على مذهب مالك أن الشفق الحمرة، وأن تكون فضلة ما بين العشائين أقصر، لأن الحمرة ثانية الغوارب والطوالع، فتزيد فضلة الفجر بمقار ما بين ابتداء طلوع الحمرة والشمس، فعرضت كلامه هذا على المزاور أبي زيد عبد الرحمن بن سليمان اللجائي، فصوبه. وذكرت يوماً (١) حكاية ابن رشد الاتفاق في الخمر إذا تخللت بنفسها أنها تطهر، واعترضه بما في اعترضه بما في " الإكمال " عن ابن وضاح أنها لا تطهر، فقال لي: لا معتبر بقول ابن وضاح هذا، لأنه يلزم عليه تحريم الخل، لأن العنب لا يصير خلاً حتى يكون خمراً، وفيه بحث. وذكرت يوماً قول ابن الحاجب فيما يحرم من النساء بالقرابة وهي أصول وفصول، وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل وإن علا فقال: إن تركب لفظ التسمية (٢) العرفية من الطرفين حلت، وإلا حرمت، فتأملته فوجدته كما قال، لأن أقسام هذا الضابط أربعة: التركب من الطرفين كابن العم وابنة العم مقابله كالأب والبنت، التركب من قبل الرجل كابنة الأخ والعم مقابله كابن الأخت (٣) والخالة. وأنشدت يوماً عنده على زيادة اللام (٤) : باعد أم عمر من أسيرها ... ...

стр. 2809

فقال لي: وما يدريك أنه أراد العمرة الذي أراده المعري بقوله (١) : وعمر هند كأن الله صوره ... عمرو ابن هند يعني الناس تعنيتا وأضاف اللام إليه كما قالوا: أم الحليس، قلت: ولا يندفع هذا بثبوت كون المعنية تكنى أم عمرو؛ لأن ذلك لا يمنع إرادة المعنى الآخر، فتكون: أم عمرو وأم العمر. قال ابن النجار: بعثت بهذه الأبيات من نظمي إلى القاضي أبي عبد الله ابن هدية فأخرج لغزها: إن حروف اسم من كلفت به ... خفت على كل ناطق بفم سائغة سهلة مخارجها ... من أجل هذا تزداد في الكلم صحفه ثم أقلبن مصحفه ... فعل ذكي مهذب فهم واطلبه في الشعر جد مطلبه ... تجده كالصبح لاح في الظلم (٢) فإن تأملت بت منه على ... علم، ألا فأنت عنه عمي واللغز " سلمان " وموضعه تأملت بت، وتوفي رحمه الله تعالى بتونس أيام الوباء العام. ١٣ - ومنهم الأستاذ المقرئ الراوية الرحلة أبو الحسن علي بن أبي بكر ابن سبع بن مزاحم المكناسي. ورد علينا من المشرق، فأقام معنا أعواماً، ثم رحل إلى فاس، فتوفي بها في الوباء العام، جمعت عليه السبع، وقرأت عليه البخاري والشاطبيتين وغير

стр. 2810

ذلك، فأما البخاري فحدثني به قراءة منه على أحمد بن الشحنة الحجار سنة ثلاثين وسبعمائة، وكان الحجار قد سمعه على ابن الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة، وهذا ما لا يعرف له نظير في الإسلام، وقد قال عبد الغني الحافظ: لا نعرف في الإسلام من وازاه غير عبد الله بن محمد البغوي في قدم السماع، فإنه توفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة، قال ابن خلاد: سمعناه يقول: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني سنة خمس وعشرين ومائتين، وسمعه ابن الزبيدي على أبي الوقت بسنده، قال لي ابن مزاحم: هذا طريق كله سماع. وأما الشاطبيتان فحدثني بهما قراءة عليه لجميعها عن بدر الدين ابن جماعة، بقراءتهما عليه عن أبي الفضل هبة الله بن الأزرق، بقراءتهما عليه عن المؤلف كذلك، وحدثني بتسهيل الفوائد عن ابن جماعة عن المؤلف ابن مالك، وغير ذلك. ١٤ - وممن ورد عليها لا يريد الإقامة بها شيخي وبركتي وقدوتي أبو عبد الله محمد بن حسين القرشي الزبيدي التونسي (١) . حدثني بالصحيحين قراءة لبعضهما ومناولة لجميعها، عن أبي اليمن ابن عساكر لقيه بمكة سنة إحدى وثمانين وستمائة بسنده المشهور، وحدثني أيضاً أن أبا منصور العجمي حدثه بمحضر الشيخين والده حسين وعمه حسن وأثنى عليه ديناً وفضلاً أنه أدخل ببعض بلاد المشرق على المعمر أدخله عليه بعض ولد (٢) ولده، فألفاه ملفوفاً في قطن، وسمع له دوياً كدوي النحل، فقيل له: ألقيت رسول الله، ﷺ ، ورأيته قال: نعم، قلت: ليس في هذا ما يستراب منه إلا الشيخ المعمر، فإنا لا نعرف حاله، فإن صح فحديثنا عنه

стр. 2811

ثلاثي، وقد تركت سنة خمس وأربعين بمصر رجلاً يسمى بعثمان معه تسعون حديثاُ يزعم أنه سمعها من المعمر وقد أخذت عنه، وكتبت منه، فهذا ثنائي، وأمر المعمر غريب، والنفس أميل إلى نفيه. ١٥ - ومنهم إمام الحديث والعربية، وكتاب الخلافة العثمانية والعلوية (١) ، أبو محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي السبتي (٢) . جمع فأوعى، واستوهب أكثر المشاهير وما سعى، فهو المقيم الظاعن، الضارب القاطن، سألني عن الفرق (٣) بين علم الجنس واسم الجنس، فقلت له: زعم الخسر وشاهي أنه ليس بالديار المصرية من يعرفه غيره، وأنا أقول: ليس في الدنيا عالم إلا وهو يعلمه غيره (٤) ؛ لأنه حكم لفظي أوجب تقديره المحافظة على ضبط القوانين كعدل عمر ونحوه، فاستحسن ذلك. وكان ينكر إضافة الحول إلى الله ، فلا يجيز أن يقال بحول الله وقوته قال: لأنه لم يرد إطلاقه، والمعنى يقتضي امتناعه؛ لأن الحول كالحيلة أو قريب منها. وتوفي بتونس أيام الوباء العام. ١٦ - ومنهم الفقيه المحقق الفرضي المدقق أبو عبد الله محمد بن سليمان بن

стр. 2812

علي السطي (١) قرأت عليه كتاب الحوفي علماً وعملاً، قال لي في قول ابن الحاجب والثمن الثلث والسدس من أربعة وعشرين: هذا لا يصح؛ إذ لا يجتمع الثلث والثمن في فريضة، وقد سبقه إلى هذا الوهم صاحب المقدمات، وسألت عنه ابن النجار فقال لي: إنما أراد المقام لأنه يجتمع مع الثلثين، والإنصاف أنه لا يحسن التعبير بما لا تصح إرادة نفسه عن غيره، فكان الوجه أن يقول: والثلثان أو مقام الثلث، ونحو ذلك، لأن الثلث إنما يدخل هنا تقديراُ لا تحقيقاً كما في الجواهر، وانظر باب المدبر من كتاب الحوفي، فإن فيه موافقة السبعة لعدد لا توافقه فهو من باب الفرض، وعليه ينبغي أن يحمل كلام ابن الحاجب. ١٧ - ١٩ - ومنهم الأستاذ أبو عبد الله الرندي، والقاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرزاق الجزولي (٢) ، والقاضي أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي يحيى، في كثير من الخلق، فلنضرب عن هذا. ٢٠ - ومن شيوخي (٣) الصلحاء الذين لقيت بها خطيبها الشيخ أبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن علي الخياط، أدرك أبا إسحاق الطيار، وقد صافحته وأنا صغير، لأنه توفي سنة تسع وعشرين، بمصافحته أباه، بمصافحته الشيخ أبا تميم، بمصافحته أبا مدين، بمصافحته أبا الحسن ابن حرزهم، بمصافحته ابن العربي، بمصافحته الغزالي، بمصافحته أبا المعالي، بمصافحته أبا طالب المكي، بمصافحته أبا محمد الجريري، بمصافحته الجنيد، بمصافحته سرياً، بمصافحته معروفاً، بمصافحته داود الطائي، بمصافحته حبيباً العجمي، بمصافحته الحسن البصري، بمصافحته علي بن أبي طالب، بمصافحته رسول الله ﷺ .

стр. 2813

٢١ - ومنهم خطيبها المصقع أبو عبد الله محمد بن علي بن الجمال، أدرك محمد بن رشيد البغدادي (١) صاحب الزهر والوتريات على حروف المعجم والمذهبة وغيرها، حدثني عنه أنه تاب بين يديه لأول مجلس جلسه بتلمسان سبعون رجلاً. ٢٢، - ٢٣ - ومنهم الشقيقان الحاجان الفاضلان أبو عبد الله محمد، وأبو العباس أحمد (٢) ، ابنا ولي الله أبي عبد الله محمد بن محمد بن أبي بكر ابن مرزوق العجيسي. كساني محمد خرقة التصوف بيده، كما كساه إياها الشيخ بلال بن عبد الله الحبشي خادم الشيخ أبي مدين، كما كساه أبو مدين، قال محمد بن مرزوق: وكان مولد بلال سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وخدم أبا مدين نحواً من خمسة عشر عاماً، إلى أن توفي عام تسعين وخمسمائة، ثم عاش بعده أكثر من مائة سنة، ولبس أبو مدين من يد ابن حرزهم، ولبس ابن حرزهم من يد ابن العربي، واتصل اللباس اتصال المصافحة. ٢٤ - ومنهم أبو زيد عبد الرحمن بن يعقوب بن علي الصنهاجي المكتب، حدثنا عن قاضيها أبي زيد عبد الرحمن بن علي الدكالي أنه اختصم عنده رجلان في شاة ادعى أحدهما أنه أودعها الأخر، وادعى الآخر أنها ضاعت منه، فأوجب اليمين على المودع عنده، أنها ضاعت من غير تضييع، فقال: كيف أضيع وقد شغلتني حراستها عن الصلاة حتى خرج وقتها فحكم عليه بالغرم، فقيل له في

стр. 2814

ذلك، فقال تأولت قول عمر ومن ضيعها لما سواها أضيع. ٢٥ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد الغزموني (١) ، مكتبي الأول، ووسيلتي إلى الله ، قرأ على الشيخين أبي عبد الله القصري وأبي (٢) حريث وحج حجات، وكان عقد بقلبه أنه كلما ملك مائة دينار عيوناً سافر إلى الحج (٣) ، وكان بصيراً بتعبير الرؤيا، فمن عجائب شأنه فيه (٤) أنه كان في سجن أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق فيمن كان فيه من أهل تلمسان أيام محاصرته لها، فرأى أبو جمعة ابن علي التلالسي (٥) الجرائحي منهم كأنه قائم على سانية (٦) دائرة وجميع قواديسها يصب في نقير وسطها، فجاء ليشرب، فلما اغترف الماء إذا فيه فرث ودم فأرسله، ثم اغترف فإذا هو كذلك، ثلاثاً أو أكثر، فعدل عنه، فرأى خصة (٧) ماء وشرب منها، ثم استيقظ وهو النهار فأخبره، فقال: أن صدقت رؤياك فنحن عما قليل خارجون من هذا المكان، قال: كيف قال: السانية والزمان، والنقير السلطان، وأنت جرائحي تدخل يدك في جوفه فينالها الفرث والدم، وهذا الذي لا تحتاج معه، فلم يكن إلا ضحوة الغد، وإذا النداء عليه، فأخرج فوجد السلطان مطعوناً بخنجر، فأدخل يده فنالها الفرث والدم، فخاط جراحته، ثم خرج، فرأى خصة ماء فغسل يديه وشرب، ثم لم يلبث السلطان أن توفي وسرحوا. وتعداد أهل هذه الصفة يكثر، فلنصفح عنهم، ولنختم فصل (٨) من لقيه

стр. 2815

بتلمسان بذكر رجلين هما بقيد الحياة أحدهما عالم الدنيا، والآخر نادرتها. ٢٦ - أما العالم فشيخنا ومعلمنا العلامة أبو عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري الآبلي، التلمساني (١) ، سمع جده لأمه أبا الحسين ابن غلبون المرسي (٢) القاضي بتلمسان، وأخذ عن فقهائها أبي الحسين التنسي وابني الإمام، ورحل في آخر المائة السابعة فدخل مصر والشام والحجاز والعراق، ثم قفل إلى المغرب فأقام بتلمسان مدة، ثم فر أيام أبي حمو موسى بن عثمان إلى المغرب. حدثني أنه لقي أبا العباس أحمد بن إبراهيم الخياط شقيق شيخنا أبي عثمان المتقدم ذكره، فشكا له ما يتوقعه من شر أبي حمو، فقال له: عليك بالجبل، فلم يدر ما قال، حتى تعرض له رجل من غمارة، فعرض عليه الهروب به، قال: فخفت أن يكون أبو حمو قد دسه علي، فتنكرت له، فقال لي: إنما أسير بك على الجبل، فتذكرت قول أبي إسحاق، فوطأته، وكان خلاصي على يده، قال: ولقد وجدت العطش في بعض مسيري به، حتى غلظ لساني واضطربت ركبتاي، فقال لي: أن جلست قتلتك حتى لا أفتضح بك، فكنت أقوي نفسي، فمر على بالي في تلك الحالة استسقاء عمر بالعباس، وتوسله به، فوالله ما قلت شيئاً حتى رفع لي غدير ماء، فأريته إياه، فشربنا ونهضنا. ولما دخل المغرب أدرك أبا العباس ابن البناء، فأخذ عنه، وشافه (٣) كثيراً من علمائه، قال لي: قلت لأبي الحسن الصغير: ما قولك في المهدي فقال: عالم سلطان، فقلت له: قد أبنت عن مرادي. ثم سكن جبال الموحدين، ثم رجع إلى فاس، فلما افتتحت تلمسان لقيته بها، فأخذت عنه، فقال لي الآبلي (٤) :

стр. 2816

كنت يوماً مع القاسم بن محمد الصنهاجي، فوردت عليه طومارة من قبل القاضي أبي الحجاج الطرطوشي فيها: خيرات ما تحويه مبذولة ... ومطلبي تصحيف مقلوبها فقال لي: ما مطلبه فقلت: نارنج. دخل على الآبلي (١) وأنا عنده بتلمسان الشيخ أبو عبد الله الدباغ المالقي المتطبب فأخبرنا أن أديباً استجدى وزيراً بهذا الشطر: ثم حبيب قلما ينصف ... فأخذته فكتبته، ثم قلبته وصحفته، فإذا هو: قصبتا ملف شحمي. ومر الدباغ يوماً علينا بفاس، فدعاه الشيخ، فلباه، فقال: حدثنا بحديث اللظافة، فقال: نعم، حدثني أبو زكريا ابن السراج الكاتب بسلجمانة أن أبا إسحاق التلمساني وصهره مالك بن المرحل، وكان ابن السراج قد لقيهما، اصطحبا في مسير، فآواهما الليل إلى مشجر، فسألا عن طالبه، فدلا، فاستضافاه، فأضافهما، فبسط قطيفة بيضاء، ثم عطف عليهما بخبز ولبن، وقال لهما. استعملا من هذه اللظافة حتى يحضر عشاؤكما، وانصرف، فتحاورا في اسم اللظافة لأي شيء هو منهما حتى ناما، فلم يرع أبا إسحاق إلا مالك يوقظه ويقول: قد وجدت اللظافة، قال: كيف قال: أبعدت في طلبها حتى وقعت بما لم يمر قط على مسمع هذا البدوي فضلاً عن أن يراه، ثم رجعت القهقرى حتى وقعت على قول النابغة: بمخضب رخص كأن بنانه ... عنم يكاد من اللطافة يعقد فسنح لبالي أنه وجد اللطافة، وعليها مكتوب بالخط الرقيق اللين، فجعل

стр. 2817

إحدى النقطتين للطاء فصارت اللطافة اللظافة واللين اللبن وإن كان قد صحف عنم بغنم، وظن أم يعقد جبن، فقد قوي عنده الوهم، فقال أبو إسحاق: ما خرجت عن صوابه، فلما جاء سألاه، فأخبر أنها اللبن، واستشهد بالبيت كما قال مالك. ولا تعجب من مالك فقد ورد فاساً شيخنا أبو عبد الله بن يحيى الباهلي عرف بابن المسفر (١) ، رسولاً عن صاحب بجاية، فزاره الطلبة، فكان فيما حدثهم أنهم كانوا على زمان ناصر الدين يستشكلون كلاماً وقع في تفسير سورة الفاتحة من كتاب فخر الدين، ويستشكله الشيخ معهم، وهذا نصه (٢) : ثبت في بعض العلوم العقلية أن المركب مثل البسيط في الجنس، والبسيط مثل المركب في الفصل، وأن الجنس أقوى من الفصل، فرجعوا به إلى الشيخ الآبلي، فتأمله ثم قال: هذا كلام مصحف، وأصله أن المركب قبل البسيط في الحس، والبسيط قبل المركب في العقل، وأن الحس أقوى من العقل، فأخبروا ابن المسفر، فلج، فقال لهم الشيخ: التمسوا النسخ، فوجدوه في بعضها كما قال الشيخ، والله يؤتي فضله من يشاء. قال لي الآبلي: لما نزلت تازت بت مع أبي الحسن ابن بري وأبي عبد الله الترجالي (٣) ، فاحتجت إلى النوم، وكرهت قطعهما عن الكلام، فاستكشفتهما عن معنى هذا البيت للمعري: أقول لعبد الله لما سقاؤنا ... ونحن بوادي عبد شمس وهاشم فجعلا يفكران فيه، فنمت حتى أصبحا، ولم يجداه، فسألاني عنه، فقلت: معناه أقول لعبد الله لما وهى سقاؤنا، ونحن بوادي عبد شمس: شم لنا برقاً.

стр. 2818

قلت: وفي جواز مثل هذا نظر. سمعت الآبلي يقول: دخل قطب الدين الشيرازي والدبيران على أفضل الدين الخونجي ببلده، وقد تزيا بزي القونوية، فسأله أحدهما عن مسألة، فأجابه، فتعايا على الفهم، وقرب التقرير، فتعايا، فقال الخونجي متمثلاً: علي نحت المعاني من معادنها ... وما علي لكم أن تفهم البقر فقال له: ضم التاء يا مولانا، فعرفهما، فحملهما إلى بيته. قلت: سمعت الشيخ شمس الدين الأصبهاني بخانقاه قوصون بمصر يقول: إن شيخه القطب توفي عام أحد عشر وسبعمائة، وله سبع وسبعون سنة، وهذا يضعف هذه الحكاية عندي. سمعت الآبلي يقول: إن الخونجي ولي قضاء مصر بعد عز الدين بن عبد السلام، فقدم شاهداً كان عز الدين أخره، فعذله في ذلك، فقال: إن مولانا لم يذكر السبب الذي رفع يده من أجله، وهو الآن غير متمكن من ذكره. سمعت الشيخ الآبلي يحدث عن قطب الدين القسطلاني أنه ظهر في المائة السابعة من المفاسد العظام ثلاث: مذهب بان سبعين، وتملك الططر للعراق، واستعمال الحشيشة. سمعت الآبلي يقول: قال أبو المطرف ابن عميرة: فضل الجمال على الكمال بوجهه ... فالحق لا يخفى على من وسطه وبطرفه سقم وسحر قد أتى ... مستظهراً بهما على ما استنبطه عجباً له برهانه بشروطه ... معه فما مقصوده بالسفسطة قال: فأجابه أبو القاسم ابن الشاط فقال: علم التباين في النفوس وأنها ... منها مغلطة وغير مغلطه فئة رأت وجه الدليل وفرقة ... أصغت إلى الشبهات فهي مورطه فأراد جمعهما معاً في ملكه ... هذي بمنتجة وذي بمغلطه

стр. 2819

يعني قولهم في التام: هو ما تحمل فيه البرهان الفصل. وأخبار الآبلي وأسمعتي منه تحتمل كتاباً، فلنقف على هذا القدر منها. ٢٧ - وأما النادرة فأبو عبد الله [محمد] بن أحمد بن شاطر الجمحي المراكشي (١) ، صحب أبا زيد الهزميري كثيراً، وأبا عبد الله ابن تجلات، وأبا العباس ابن البناء وأضرابه من المراكشيين ومن جاورهم، ورزق بصحبة الصالحين حلاوة القبول، فلا تكاد (٢) تجد من يستثقله، وربما سئل عن نفسه فيقول: ولي مفسود. قلت له يوماً: كيف أنت فقال: محبوس في الروح؛ وقال: الليل والنهار حرسيان: أحدهما أسود، والآخر أبيض، وقد أخذا بمجامع الخلق يجرانهم إلى يوم القيامة، وإن مردنا إلى الله تعالى. وسمعته يقول: المؤذنون يدعون أولياء الله إلى بيته لعبادته، فلا يصدهم عن دعائهم ظلمة ولا شتاء ولا طين، ويصرفونهم عن الاشتغال بما لم يبين لهم فيخرجونهم ويغلقون الأبواب دونهم. ووجدته ذات يوم في المسجد ذاكراً، فقلت له: كيف أنت فقال: ﴿فهم في روضة يحبرون﴾ (الروم: ١٥) فهممت بالانصراف، فقال: أين تذهب من روضة من رياض الجنة يقام بها على رأسك بهذا التاج وأشار إلى المنار مملوءاً الله أكبر. مر ابن شاطر يوماً على أبي العباس أحمد بن شعيب الكاتب (٣) وهو جالس

стр. 2820

في جامع الجزيرة، طهره الله تعالى، وقد ذهبت به الكفرة، فصاح به، فلما رفع رأسه إليه قال له: انظر إلى مركب عزرائيل هذا، وأشار إلى نعش هنالك، قد رفع شراعه ونودي عليه الطلوع يا غزي. وأكل يوماً مع أبي القاسم عبد الله بن رضوان الكاتب جلجلاناً، قال له أبو القاسم: إن في هذا الجلجلان لضرباً من طعم اللوز، فقال ابن شاطر: وهل الجلجلان إلا لوزة دقة وسئل عن العلة (١) في نضارة الحداثة، فقال: قرب عهدها بالله، فقيل له: فمم تغير الشيوخ فقال: من بعد العهد من الله، وطول الصحبة مع الشياطين، فقيل له: فبخر أفواههم (٢) فقال: من كثرة ما تفل الشياطين فيها. وكان يسمى الصغير: فأر المصطكي، قال لي ابن شاطر: لقيت عمي ميموناً المعروف بدبير لقرب موته وقد اصفر وجهه وتغيرت حالته، فقلت له: ما بالك وكان قد خدم الصالحين ورزق بذلك القبول، فقال: انسدت الزربطانة فطلع، يعني العذرة، يشير إلى الاحتقان للطبيعة. أنشدني ابن شاطر قال: أنشدني أبو العباس ابن البناء لنفسه: قصدت إلى الوجازة في كلامي (٣) ... الأبيات. وأخبار ابن شاطر عندي تحتمل كراسة، فلنقنع منها بهذا القدر. فصل: ولما دخلت تلمسان على بني عبد الواد تهيأ لي السفر منها، فرحلت

стр. 2821

إلى بجاية، فلقيت بها أعلاماً درجوا فأمست بعدهم خلاء بلقعاً. ٢٨ - فمنهم الفقيه أبو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي، عرف بابن المسفر (١) ، باحثته واستفدت منه، وسألني عن اسم كتاب الجوهري فقلت له: من الناس من يقول الصحاح بالكسر ومنهم من يفتح، فقال: إنما هو بالفتح بمعنى الصحيح، كما ذكره في باب صح، قلت: ويحتمل أن يكون مصدر صح كحنان. وكتب إلى بعض أصحابه بجواب رسالة صدره بهذين البيتين: وصلت صحيفتكم فهزت معطفي ... فكأنما أهدت كؤوس القرقف وكأنها نيل الأمان لخائف ... أو وصل محبوب لصب مدنف ٢٩ - ومنهم قاضيها أبو عبد الله محمد ابن الشيخ أبي يوسف يعقوب الزواوي، فقيه ابن فقيه، كان يقول: من عرف ابن الحاجب اقرأ به المدونة، قال: وأنا أقرأ به المدونة. ٣٠ - ومنهم أبو علي حسين بن حسين إمام المعقولات بعد ناصر الدين. ٣١ - ومنهم خطيبها أبو العباس أحمد بن عمران، وكان قد ورد تلمسان وأورد بها على قول ابن الحاجب في حد العلم " صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض " الخاصة إلا أن يزاد في الحد " لمن قامت به " لأنها إنما توجب فيه تميزاً لا تمييزاً، وهذا حسن. ٣٢، - ٣٣ - ومنهم الشيخان أبو عزيز وأبو موسى ابن فرحان، وغيرهم من أهل عصرهم.

стр. 2822

٣٤ - ثم رحلت إلى تونس فلقيت بها قاضي الجماعة وفقيهها أبا عبد الله ابن عبد السلام (١) ، فحضرت تدريسه، وأكثرت مباحثته، ولما نزلت بظاهر قسمطينة تلقاني رجل من الطلبة، فسألني عن هذه الآية ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (المائدة: ٦٧) فإن ظاهرها أن الجزاء هو الشرط: أي وإن لم تبلغ فما بلغت، وذلك غير مفيد، فقلت: بل هو مفيد، أي: وإن لم تبلغ في المستقبل لم ينفعك تبليغك في الماضي، لارتباط أول الرسالة بآخرها، كالصلاة ونحوها، بدليل قصة يونس، فعبر بانتفاء ماهية التبليغ عن انتفاء المقصود منه، إذ كان إنما يطلب ولا يعتبر بدونه، كقوله ﵊ " لا صلاة إلا بطهور "، ثم اجتمعت بابن عبد السلام بجامع بوقير من تونس، فسألته عن ذلك، فلم يزد على أن قال: هذا مثل قوله ﵊ " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله " وقد علمتم مل قال الشيخ تقي الدين فيه. قلت: كلام تقي الدين لا يعطي الجواب عن الآية، فتأمله. ٣٥ - ٤١ - وقاضي المناكح أبا محمد الأجمي، وهو حافظ فقهائها في وقته، والفقيه أبا عبد الله ابن هارون شارح ابن الحاجب في الفقه والأصول، والخطيب أبا عبد الله ابن عبد الستار، وحضرت تدريسه بمدرسة المعرض، والعلامة أبا عبد الله ابن الجياب الكاتب، والفقيه أبا عبد الله ابن سلمة، والشيخ الصالح أبا الحسن المنتصر وارث طريقة الشيخ أبي محمد المرجاني آخر المذكورين بإفريقية، ورأيت الشيخ ابن الشيخ المرجاني، فحدثني أبو موسى ابن الإمام أنه أشبه به من الغراب بالغراب، وسيدي أبا عبد الله الزبيدي المتقدم ذكره، وأوقفني على خطأ في كتاب الصحاح، وذلك أنه زعم أن السالم جلدة ما بين العين والأنف، قال: وفيه يقول ابن عمر في ابنه سالم (٢) :

стр. 2823

يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين الأنف والعين سالم قال: وهذا أراد عبد الملك حيث كتب إلى الحجاج " أنت مني كسالم " وهذا خطأ فاحش، وكان يلزمه أن يسميها بالعمارة أيضاً، لقوله ﵇ " عمارة جلدة ما بين عيني وأنفي " وإنما يراد بمثل هذا القرب والتحمد (١) . ولقيت بتونس غير واحد من العلماء والصلحاء يطول ذكرهم، ثم قفلت إلى المغرب يسايرني (٢) رجل من أهل قسنطينة يعرف بمنصور الحلبي، فما لقيت رجلاً أكثر أخباراً ولا أظرف نوادر منه، فما حفظته من حديثه أن رجلاً من الأدباء مر برجل من الغرباء، وقد قام بين ستة أطفال، جعل ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن شماله، وأخذ ينشد: ما كنت أحسب أن أبقى كذا أبداً ... أعيش والدهر في أطرافه حتف ساس بستة أطفال توسطهم ... شخصي كأحرف ساس وسطها ألف قال: فتقدمت إليه وقلت: فأين تعريقة السين فقال: طالب ورب الكعبة، ثم قال للآخر من جهة يمينه: قم، فقام يجر رجله كأنه مبطول، فقال: هذا تمام تعريقة السين. ٤١ - ٥٣ - ثم رحلت من تلمسان إلى المغرب، فلقيت بفاس الشيخ الفقيه الحاج أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحيم اليزناسي، والشيخ الفقيه أبا محمد عبد المؤمن الجاناتي، والشيخ الفقيه الصالح أبا زرهون عبد العزيز بن محمد القيرواني، والفقيه أبا الضياء مصباح بن عبد الله اليالصوني، وكان حافظ وقته، والفقيه أبا عبد الله ابن عبد الكريم، وشيخ الشيوخ أبا زيد عبد الرحمن بن عفان الجزولي، والأستاذ أبا العباس المكناسي، وكنت لقيت الأستاذ أبا العباس ابن

стр. 2824

حزب الله، والأستاذ أبا عبد الله ابن القصار بتلمسان، ولقيت غير هؤلاء ممن يكثر عددهم، وكنت قد لقيت بتازى الفقيه أبا عبد الله ابن عطية، والأستاذ أبا عبد الله المجاصي، والشيخ أبا الحسين الجيار، وغيرهم (١) . ٥٣ - ٦٧ - ثم بلغت بالرحلة إلى أغمات، ثم وصلت إلى سبتة (٢) ، فاستوعبت بلاد المغرب ولقيت بكل بلد من لا بد من لقائه من علمائه وصلحائه، ثم قفلت إلى تلمسان فأقمت بها ما شاء الله تعالى، ثم أعملت الرحلة إلى الحجاز، فلقيت بمصر (٣) الأستاذ أثير الدين أبا حيان الغرناطي، فرويت عنه، واستفدت منه وشمس الدين الأصبهاني الآخر، وشمس الدين بن عدلان، وقرأ علي بعض شروحه (٤) لكتب المزني، وناولني إياه، وشمس الدين بن اللبان آخر المذكورين بها، والشيخ الصالح أبا محمد المنوفي فقيه المالكية بها، وتاج الدين التبريزي الأصم، وغيرهم ممن يطول ذكرهم. ثم حججت فلقيت بمكة (٥) إمام الوقت أبا عبد الله ابن عبد الرحمن التوزري المعروف بخليل، وسألته يوم النحر حين وقف بالمشعر الحرام عن بطن محسر لأحرك فيه على الجمل، فقال لي: تمالأ الناس على ترك هذه السنة، حتى نسي بتركها محلها، والأقرب أنه هذا، وأشار إلى ما يلي الجابية التي على يسار المار من المشعر إلى منى من الطريق من أول ما يحاذيها إلى أن يأخذ صاعداً إلى منى، وما رأيت أعلم بالمناسك منه، والإمام أبا العباس ابن رضي الدين الشافعي، وغير واحد من الزائرين والمجاورين وأهل البلد. وبالمدينة أعجوبة الدنيا أبا محمد عبد الوهاب الجبرتي وغيره.

стр. 2825

ثم أخذت على الشام، فلقيت بدمشق شمس الدين بن قيم الجوزية صاحب الفقيه ابن تيمية، وصدر الدين الغماري (١) المالكي، وأبا القاسم ابن محمد اليماني الشافعي، وغيرهم، وببيت المقدس (٢) الأستاذ أبا عبد الله ابن مثبت، والقاضي شمس الدين بن سالم، والفقيه المذكر أبا عبد الله ابن عثمان، وغيرهم. ثم رجعت (٣) إلى المغرب فدخلت سجلماسة ودرعة، ثم قطعت (٤) إلى الأندلس فدخلت الجبل وأصطبونة ومربلة ومالقة وبلش والحامة، وانتهت بي الرحلة إلى غرناطة، وفي علم الله تعالى ما لا أعلم، وهو المسؤول أن يحملنا على الصراط الأقوم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؛ انتهى كلام جدي رحمه الله تعالى في الجزء الذي ألفه في مشيخته، وقد لخصه لسان الدين في الإحاطة. [ترجمة المقري بقلم ابن خلدون] ولنذكر هنا زيادات لا بأس بها، فنقول: ولما ألم ولي الدين ابن خلدون بذكر مولاي الجد في تاريخه الكبير عند تعريفه بنفسه وصفه بأنه كبير علماء المغرب ونص محل الحاجة من تاريخه (٥) : لما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين أقمنا في البحر نحواً من أربعين ليلة، ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر، ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر (٦) على التخت واقتعاد كرسي الملك دون أهله بني قلاوون، وكنا على ترقب ذلك لما كان يؤثر بقاصية البلاد

стр. 2826

من سموه لذلك وتمهيده له، وأقمت بإسكندرية شهراً لتهيئة أسباب الحج، ولم يقدر عامئذ، فانتقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة، فرأيت حضرة الدنيا، وبستان العالم، محشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في أوجه (١) ، وتزهو والخوانق (٢) المدارس بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه، وقد مثل بشاطئ بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء يسقيهم النهل والعلل سيحه، ويجبي إليهم الثمرات والخيرات ثبجه، ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة وأسواقها تزخر بالنعم، وما زلنا نحدث عن هذا البلد، وبعد مداه في العمران، واتساع الأحوال، ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا حاجهم وتاجرهم بالحديث عنه، سألت صاحبنا قاضي الجماعة بفاس وكبير العلماء بالمغرب أبا عبد الله المقري فقلت له: كيف هي القاهة فقال: من لم يرها لم يعرف عز الإسلام، وسألت شيخنا أبا العباس ابن إدريس (٣) كبير العلماء ببجاية مثل ذلك، فقال: كأنما انطلق أهله من الحساب، يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب، وحضرت صاحبنا قاضي العسكر بفاس الفقيه الكاتب أبا القاسم البرجي (٤) بمجلس السلطان أبي عنان منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر وتأدية رسالته النبوية إلى الضريح الكريم سنة خمس وخمسين، وسأله عن القاهرة فقال: أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار: إن الذي يتخيله الإنسان فإن ما يراه دون الصورة التي تخيلها لاتساع الخيال على كل محسوس إلا القاهرة (١) فإنها أوسع من كل ما يتخيل

стр. 2827

فيها، فأعجب السلطان والحاضرون بذلك؛ انتهى كلام ابن خلدون، ولا يخلو عن فائدة زائدة. [فوائد عن المقري الجد] ولا بأس أن نورد من فوائد مولاي الجد ما حضرني الآن: فمن ذلك ما حكاه ابن الرزاق عن ابن قطرال قال (١) : سمع يهودي بالحديث المأثور نعم الإدام الخل فأنكر ذلك، حتى كاد يصرح بالقدح، فبلغ ذلك بعض العلماء، فأشار على الملك أن يقطع عن اليهود الخل وأسبابه سنة، قال: فما تمت حتى ظهر فيهم الجذام. ومنها أنه قال: أنشدني الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد قال: أنشدني الشيخ التقي ابن دقيق العيد لنفسه في معنى لطيف حجازي (٢) : إذا كنت في نجد وطيب نعيمه ... تذكرت أهلي باللوى فمحسر وإن كنت فيهم زدت (٣) شوقاً ولوعة ... إلى ساكني نجد وعيل تصبري فقد طال ما بين الفريقين موقفي ... فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري ومنها ما حاكاه عن عبد الله بن الحق عن ابن قطرال قال (٤) : كنت بالمدينة على ساكنها الصلاة والسلام إذ أقبل رافضي بفحمة في يده، فكتب بها على الجدار هناك: من كان يعلم أن الله خالقه ... فلا يحب أبا بكر ولا عمرا

стр. 2828

وانصرف، فألقي علي من الفطنة وحسن البديهة ما لم أعهد مثله من نفسي قبل، فجعلت مكان يحب يسب ورجعت إلى مجلسي، فجاء فوجده كما أصلحته، فجعل يلتفت يميناً شمالاً، كأنه يطلب من صنع ذلك، ولم يتهمني، فلما أعياه الأمر انصرف. ومنها أنه قال: حدثت أن الزاهد أبا عمرة ابن غالب المرسي نزيل تلمسان وقد لقيت غير واحد من أصحابه، سأله بعض أن يشهد عقد ابنته، فتعذر عليه، فلم يزل به حتى أجاب بعد جهد، فحضر العقد، وطعم الوليمة، ثم لما حضرت ليلة الزفاف استحضره في ركوبها إلى دار زوجها على عادة أهل تلمسان، فأجابه مسرعاً، فقيل له: أين هذا التيسير من ذاك التعسير فقال: من أكل طعام الناس مشى في خدمتهم، أو كما قال. ومنها أنه قال: حدثت أنه الفقيه أبا عبد الله ابن العواد العدل بتونس التقى يوماً مع القاضي أبي علي ابن قداح، وكان ابن العواد شيخاً، فقال له أبو علي: كبرت يا أبا عبد الله فصرت تمشي كل شبر بدينار، يوري بكثرة الفائدة في مشيه إلى الشهادة، فقال له: كنت إذا كنت في سنك أخرج رزقي من الحجر، يعرض لابن القداح بأنه جيار، وكذلك كان هو وأبوه، رحمهم الله تعالى جميعاً، وهذا من مزاح الأشراف، كما جرى بين معاوية والأحنف، انظر صدر أدب الكتاب. ومنها أنه قال: قال لي الحاج أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الواحد الرباطي: كنا عند الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، ففقد أحدنا نعليه، فقال الشيخ: كنا عند العلم التبريزي فدخل عليه رجل يدعى بشيراً فكلمه ثم خرج فلم يجد نعليه، فرجع إلى العلم وأنشده: دخلت إليك يا أملي بشيراً ... فلما أن خرجت خرجت بشرا أعد يائي التي سقطت من اسمي ... فيائي في الحساب تعد عشرا

стр. 2829

وقال رحمه الله تعالى: لما سعى أولاد الشيخ أبي (١) شعيب بالقاضي أبي الحجاج الطرطوشي إلى السلطان وأمر بإشخاصه وكثر إرجاف المتشيعين فيهم من بعده وخرج الأمر على خلاف ما أملوا منه قال في ذلك: حمدت الله في قوم أثاروا ... شروراً فاستحالت لي سرورا وقالوا النار قد شبت فلما ... دنوت لها وجدت النار نورا ومنها (٢) : أنه حكى أن الشيخ أبا القاسم ابن محمد اليمني مدرس دمشق ومفتيها حكى له بدمشق أنه قال له شيخ صالح برباط الخليل ﵇: نزل بي مغربي فمرض حتى طال علي أمره، فدعوت الله أن يفرج عني وعنه بموت أو صحة، فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال: أطعمه الكسكسون، قال: يقول هذا بالنون، فصنعته له، فكأنما جعلت له فيه الشفاء، وكان أبو القاسم يقول فيه كذلك، ويخالف الناس في حذف النون من هذا الاسم، ويقول: لا أعدل عن لفظ رسول الله ﷺ ، ثم قال: قلت: ووجه هذا من الطب أن هذا الطعام مما يعتاده المغاربة ويشتهونه، على كثرة استعمالهم له، فربما نبه منه شهوة أو رده إلى عادة. وقال الجد رحمه الله تعالى: رأيت بجامع الفسطاط من مصر فقيراً عليه قميص إلى جانبه دفاسة قائمة وبين يديه قلنسوة، فذكر لي هنالك (٣) أنهما محشوتان بالبرادة، وأن زنة الدفاسة أربعمائة رطل مصرية، وهي ثلاثمائة وخمسون مغربية، وزنة القلنسوة مائتا رطل مصرية، وهي مائة وخمسة وسبعون مغربية (٤) ، فعمدت إلى الدفاسة فأخذتها إلى طوقها أنا ورجل آخر، فأملناها بالجهد، ثم أقمناها، ولم نصل بها إلى الأرض، وعدت إلى القلنسوة فأخذتها من إصبع كان

стр. 2830

في رأسها فلم أطق حملها فتركتها، وكان يوم الجمعة، فلما قضيت الصلاة مررنا في جملة من أصحابنا بالفقير، فوجدناه لابساُ تلك الدفاسة في عنقه، واضعاُ تلك القلنسوة على رأسه، فقام إلينا وإلى غيرنا، ومشى بهما كما يمشي أحدنا بثيابه، فجعلنا نتعجب، ويشهد بعضنا بعضاً على ما رأى من ذلك، ولم يكن بالعظيم الخلقة. وقال رحمه الله تعالى: كان الأستاذ ابن الحكم قد بعث إلي بمحرر لأبعث به إلى من يعرضه للبيع، ثم بلغه أن أحمالاُ من المتاع التونسي قد وصلت إلى البلد، فكتب إلي: الحمد لله الذي أمر عند كل مسجد بأخذ الخزينة، وصلواته الطيبة، وبركاته الصيبة، على من ختم به شريعته وأكمل دينه، وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه والذين يتبعونه، وبعد ما تعلق به الإعلام، أن تعوضوا المحرر بإحرام (١) ، لا يخفى على مثلكم جنسه ومجانسه، ومن كلام العرب: كل ثوب ولابسه، وإن أربى على ثمن الأول ثمن الثاني، فلست عن الزيادة والحمد لله بالواني. ومن فوائده أنه قال: كتب (٢) في صدر رسالة إلى صاحبنا الشيخ الناسك أبي علي منصور ابن شيخ عصره وفريد دهره ناصر الدين المشدالي الشيخ الخاشع صاحبنا أبو الحسن علي ابن موسى البحيري يذكره شوقه إلى لقائه، لما كان يبلغه عنه، حتى قدر باجتماعهما بوهران أيام قضاء البحيري بها: أوحشتني ولو طلعت على الذي ... لك في فؤادي لم تكن لي موحشا يا محرقاً بالنار قلب محبه ... أنسيت أنك مستكن في الحشا وقال رحمه الله تعالى: أنشدني محمد البلفيقي قال (٣) : أنشدني ابن رشيد قال: أنشدني أبو حفص ابن الخيمي المصري لنفسه:

стр. 2831

لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفاصلنا على وجه جميل (١) وقال رحمه الله تعالى: قال لي محمد بن داود بن المكتب قال لي بلال الحبشي خادم الشيخ ابن مدين (٢) : كان الشيخ كثيراُ ما ينشد هذا البيت: الله قل وذر الوجود وما حوى ... إن كنت مرتاداً بصدق مراد وقال رحمه الله تعالى: دخلت على عبد الرحمن بن عفان الجزولي (٣) ، وهو يجود بنفسه، وكنت قد رأيته قبل ذلك معافى، فسألته عن السبب، فأخبرني أنه خرج إلى لقاء السلطان، فسقط عن دابته، فتداعت أركانه، فقلت: ما حملك أن تتكلف مثل هذا في ارتفاع سنك فقال: حب الرياسة آخر ما يخرج من قلوب الصديقين. وقال رحمه الله تعالى: قال لي محمد بن مرزوق: قال لي بعض أصحاب أبي إسحاق الطيار دفين عباد تلمسان: إن أبا إسحاق أقام خمساً وعشرين سنة لا ينام إلا قاعداً، فسألت ابن مرزوق: لم لقب بالطيار فحدثني عن بعض أصحابه أنه نشر ذات يوم ثوبه في الشمس على بعض السطوح، ثم قعد هنالك، فمر به رجل فقال له: طر، فقال: أعن أمرك قال: نعم، فطار حتى وقع على الأرض وما به من باس، فقال الجد رحمه الله تعالى بعد هذا ما نصه: فقلت: إذا ما صار الحق للعبد سمعاً وبصراُ فسمع به وأبصر أصاخ إلى الأحوال، واجتلى المعاني، فيرى من غير مبصر، ويسمع من غبر ناطق، كما قال الشيخ أبو عبد الله الشوذي (٤) الحلوي دفين تلمسان:

стр. 2832

إذا نطق الوجود أصاخ قوم ... بآذان إلى نطق الوجود وذاك النطق ليس به انعجام ... ولكن دق عن فهم البليد فكن فطناُ تنادى من قريب ... ولا تك من ينادى من بعيد وقال رحمه الله تعالى: حدثت بمصر أن الشيخ سيدي عمر بن الفارض ولع بجمل، فكان يستأجره من صاحبه ليتأنس به، فقيل له: لو اشتريته، فقال: المحبوب لا يملك، فسألت: في أي حال كان هذا منه فقيل لي: في ابتداء أمره، فقلت: وجد اعتبار ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل﴾ (الغاشية: ١٧) فوقفت به رؤية المعنى فيه عليه، فأحبه مدلاً، وطلبه مجلاُ. وقال ﵁: حفظت من خط أبي زيد والد صاحبنا أبي الحسن: قيل للغزالي: ما تقول في الحلاج فقال: وما عسى أن أقول فيمن شرب بكأس الصفاء، على بسط الوفاء، فسكر وعربد، فاستوجب من الله الحد، فكان حده شهادته، ثم قال بعد هذا: قلت عربد الحلاج في الحضرة لما نسي بسكره أوامره، فانتصر الظاهر لنفسه لصحة تعلق اسمه، وسدل الباطن على عذره حجاب الغيرة من إفشاء سره: على سمة الأسماء تجري أمورهم ... وحكمة وصف الذات للحكم أجرت وقال رحمه الله تعالى: سمعت شيخنا ببيت المقدس يقول: تجلى الله بالمسجد الأقصى بالجمال، وعلى المسجد الحرام بالجلال، وعلى مسجد الرسول ﷺ بالكمال، قلت: فذلك يوقف النواظر، وذاك يملأ الخواطر، وهذا يفتح البصائر. وقال رحمه الله تعالى: أخبرني أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عنان فارس

стр. 2833

نصره الله أن جده أمير المسلمين أبا سعيد سأل كاتبه عبد المهيمن الحضرمي عن تهادي أهل الحب التفاح دون الخوخ، وكلاهما حسن المنظر، طيب المخبر، شديد شبه بأخيه، سديد تشبيه الوجنات به لمتوخيه، فقال: ما عند مولانا فقال: أرى ذلك لاشتمال التفاح على الحب الذي يذكر بالحب والهوى، والخوخ على النوى الذي يذكر اسمه صفرة الجوى. وقال رحمه الله تعالى: قال لي أبو حيان بالقاهرة: قال لي عمر بن الخيمي: تجاذبت أنا ونجم الدين بن إسرائيل هذا البيت: يا بارقاُ بأعالي الرقمتين بدا ... لقد حكيت، ولكن فاتك الشنب فتحاكمنا إلى ابن فارض، فأشار بأن ننظم قصيدة نضمنها البيت، فنظم ونظمت: يا مطلباً ليس لي في غيره أرب ... إليك آلى التقضي وانتهى الطلب فقضى به لي (١) . وقال رحمه الله تعالى: حدثت أن أبا زيد الهزميري بعث إلى أبي عمران التسولي، وكان كثير الصلاة، أنه لم يبق وبينك وبين الله حجاب إلا ركيعات، فرجع إليه ما معناه: إن الاتصال كان منها، فلا كان يوم الانفصال عنها، يعني من رزق من باب فليلزمه. وقال رحمه الله تعالى: كنت بجامع تلمسان، وإلى جانبي رجل ينتمي إلى طريقة العرفان، فجعل سائل يشكو الجوع والألم، فتصدق ذلك الرجل عليه بدرهم، وقال: إياك أن تشكو الرحمن إلى من لا يرحم، فقلت: أمره أن

стр. 2834

يسأل عزيزاُ بمولاه، ونهاه أن يشكو ذليلاً إلى سواه. وكان الفارابي كثيراً ما يقول: يا رب إليك المشتكى، حتى إنه يوجد أثناء كلامه في غير موضعه، فيعجب به من لا علم عنده بمنزعه. وقال رحمه الله تعالى: حدثت أن الفخر مر ببعض شيوخ الصوفية، فقيل للشيخ: هذا يقيم على الصنائع ألف دليل، فلو قمت عليه، فقال: وعزته لو عرفته ما استدل عليه، فباغ ذلك الإمام، فقال: نحن نعلم من وراء الحجاب، وهم ينظرون من غير حجاب. وقال رحمه الله تعالى: حدثت أن رجلاُ كان يجلس إلى أبي الحسن الحرالي، وكان يشرب الخمر، فسكر ذات يوم، فسقط على زجاجة، فشج وجهه، فاختفى إلى أن برئ، ثم عاد إلى مجالسة الشيخ، فلما رآه أنشد: أجريح كاسات أرقت نجيعها ... طلب الترات يعز منه خلاص لا تسفكن دم الزجاجة بعدها ... إن الجروح كما علمت قصاص ففهمها الشاب، فتاب. وقال رحمه الله تعالى: كثيراُ ما كنت أسمع أبا محمد المجاصي ينشد هذا البيت: هم الرجال وعيب أن يقال لمن ... لم يتصف بمعاني وصفهم رجل ثم يبكي، وكان أهل البلد يسمونه " البكاء " وبعضهم الخاشع. ووجدت بخط مولاي الجد على ظهر كتابه " القواعد " ما نصه: الحمد لله تعالى جده، قرأت صدر الكتاب " زهرة البساتين " للقاسم بن الطيلسان، ثم سمعت ثلاثة أحاديث من أوله، بل حديثاُ وأثراُ وإنشاداُ من في الشيخ الخطيب الصالح أبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عياش الأنصاري، ثم تناولت منه جميع الكتاب المذكور، وأجازنيه بحق سماعه لبعضه، وتناوله لجميعه من جده

стр. 2835

محمد المذكور، بحق أخذه له عن مؤلفه صهره القاسم المذكور، وذلك بالمسجد الجامع من مالقة المحروسة، قال ذلك وكتبه محمد بن محمد بن أحمد المقري في متم عشرين لشهر ربيع الآخر من عام سبعة وخمسين وسبعمائة. وبخطه رحمه الله تعالى حيث ذكر ما نصه: الحمد لله، مخالف القواعد الشرعية للعوائد العرفية، كإنكار الحشر وفتنة القبر، ونهوهما من الأمر بالمعروف، للركون إلى المشهور المألوف، كالتقليد مع الدليل، الذي ذمه الشرع في محكم التنزيل. وبخطه أيضاً (١) : الحمد لله، قد تتابع صفات العام حتى يصير كأنه أشير به إلى شخص بعينه فيختص، ومن ثم قيل في قوله الله ﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ (القلم: ١٠) إنه الأخنس بن شريق، وفي قوله تعالى ﴿وبل لكل همزة لمزة﴾ (الهمزة: ١) إنه أمية بن خلف، وفي قوله تعالى ﴿ذرني ومن خلقت وحيداً﴾ (المدثر: ١١) إنه الوليد بن مغيرة، انتهى. ووجدت بخطه أيضاً رحمه الله تعالى ما نصه (٢) : الحمد لله، قال لي المتوكل على الله أبو عنان أمير المؤمنين فارس بن علي: كان جدنا أبو يوسف يعقوب ابن عبد الحق يقول: الولايات ست: ثلاث وقفتها على اختياري: الحجابة، والقصبة، والشرطة، وثلاث موكولة إليكم: القضاء، والإمامة، والحسبة. ثم قال رحمه الله تعالى: وهذا تدبير حسن. ومن فوائده: حدثني العدل أبو عبد الله محمد بن أبي زرع عن القاضي أبي عبد الله ابن أبي الصبر أنه أمر الوالي بفاس أن يبني فندق الشماعين، وكان قد خرب، فتوقف حتى يأذن السلطان، فقال له: أسلفني ما أبنيه به، فإن أجاز ذلك السلطان، وإلا رددته عليك، ففعل، فلما طولب ذكر ما قاله له القاضي،

стр. 2836

فغضب السلطان وبعث فيه، فجعل المبعوثون يأتونه واحداً بعد واحد وهو متمهل في وضوئه وإصلاح بذته ومركوبه، ثم جعل يمشي الهوينا، فلقيه ابنه، فقال له: أسرع لقد أكثر السلطان من التوجيه إليك، وهو واجد عليك، فقال له: مسكين أبو يحيى خاف وثبت على حاله، فلما كان في الطريق لقي بعض العلماء فتعرض إليه فقال: قل بخفي لطفك، بلطيف صنعك، بجميل سترك، دخلت في كنفك، تشفعت بنبيك، فحفظه، ثم طلبه فلم يجده، فجعل يقول ذلك، فلما رآه السلطان سكن ما به، ثم سأل عن ذلك برفق، فقال له القاضي: كرهت الخراب بقرب القرويين وبالشماعين الذي هو عين فارس، فسألت الوالي ذلك على أني أغرم إن لم تجز، وقلت له: المرجو من السلطان أن يجعله حبساً، فقال: قد فعلت، ثم بعث إلى الشهود وحبسه على الجامع، وشكر القاضي صنيعه، وصرفه مغبوطاً. وهذا السلطان هو أبو يعقوب يوسف بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني، وتوفي محاصراً لتلمسان في ذي القعدة من عام ستة وسبعمائة، وكان ابتداء حصاره إياها سنة ثمان وتسعين وستمائة، وكان جملة الحصار فيها حدثت ألف شهر (١) ؛ انتهى. ومن فوائد مولاي الجد رحمه الله تعالى ما حكاه تلميذه أبو إسحاق الشاطبي في كتاب " الإنشادات والإفادات " ونصه: إفادة حضرت يوماً مجلساً في المسجد الجامع بغرناطة مقدم الأستاذ القاضي أبي عبد الله المقري، في أواخر ربيع الأول عام سبعة وخمسين وسبعمائة، وقد جمع ذلك المجلس القاضي أبا عبد الله والقاضي أبا القاسم الشريف شيخنا والأستاذ أبا سعيد ابن لب والأستاذ أبا عبد الله البلنسي وذا الوزارتين أبا عبد الله ابن الخطيب وجماعة من الطلبة،

стр. 2837

فكان من جملة ما جرى أن قال القاضي أبا عبد الله المقري: سئلت في مسألة في الأصول لم أجد لأحد فيها نصاً، وهي تخصيص العام المؤكد بمنفصل، فأجبت بالجواز محتجاً بقول الله " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن " فهذا عامل مؤكد، وقد قال رسول الله ﷺ ، " ولم يحل الله من الفواحش إلا مسألة الناسي ". انتهى. ومن (١) الكتاب المذكور ما نصه: إفادة حدثني الشيخ الفقيه القاضي الجليل الشهير الخطير أبو عبد الله محمد بن أحمد المقري رحمه الله تعالى، وأملاه علينا، عن العالم الكبير أبي حيان ابن يوسف بن حيان أنه قال: ورد كتاب من الأستاذ أبي عبد الله ابن مثبت الغرناطي إلى صاحب له يدعى حمزة، وفيه: سئل الشيخ، قال أبو حيان: يعني وجدت على ظهر نسخة من المفصل بخط عتيق سئل ابن الأخضر بمحضر ابن الأبرش: علام انتصب قوله: مقالة أن قد قلت سوف أناله ... فقال: ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي ... فقال: سألتك عن إعراب كلمة، فأجبتني بشطر بيت، فقال ابن الأبرش: قد أجابك لو كنت تفهم، قال أبو حيان: فوقعت عليه للحين: إن هذا الشطر من قول النابغة: أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تصطك منها المسامع مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع يروى مقالة بالرفع، على أنه بدل من أنك لمتني الفاعل، وبالفتح على ذلك إلا أنه بناه لما أضافه إلى مبني.

стр. 2838

ومنه: إفادة حدثني الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى قال: سئل أبو العباس ابن البناء رحمه الله تعالى، وكان رجلاً صالحاً، في قوله تعالى ﴿قالوا إن هذان لساحران﴾ (طه: ٦٣) لم لم تعمل إن في هذان فقال: لما لم يؤثر في المقول لم يؤثر العامل في المعمول، فقال له: يا سيدي هذا لا ينهض جواباً، فإنه لا يلزم من بطلان قولهم بطلان عمل إن، فقال له: إن هذا الجواب نوارة لا تحتمل أن تحك بين الأكف؛ انتهى. ومنه: إفادة قال لنا الشيخ الأستاذ القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى: إن أهل المنطق وغيره يزعمون أن الأسماء المعدولة لا تكاد توجد في كلام العرب، وهي موجودة في القرآن، وذلك قوله ﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ (البقرة: ٦٨) فإن زعم زاعم أن ذلك على حذف المبتدأ، ودخلت لا على الجملة، وتقديره لا هي فارض ولا هي بكر، قيل له: إن كان يسوغ لك ذلك في هذا الموضع فلا يسوغ في قوله تعالى ﴿لا شرقية ولا غربية﴾ (النور: ٣٥) فصح أن الاسم المعدول موجود فصيح في كلام العرب. ومنه: إفادة حدثنا الأستاذ أبو عبد الله المقري، قال: سئل عن قوله تعالى ﴿وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون﴾ (الأنبياء: ٣٣) لم عاد ضمير من يعقل إلى ما لا يعقل فقال بعضهم: لما اشترك مع من يعقل في السباحة وهي العوم عومل لذلك معاملته، قال: وهذل لا ينهض جواباً، فإن السباحة لما لا يعقل كالحوت، وإنما لمن يعقل العوم، لا السباحة، وأيضاً فإلحاقه بما العوم له لازم كالحوت أولى من إلحاقه بما هو غير لازم له، قال: وأجاب الأستاذ أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي السبي بأن الشيء المعظم عند العرب تعامله معاملة العاقل، وإن لم يكن عاقلاً، أعظمه عندهم، وأجبت لأنا بأنه لما عوملت في غير هذا الموضع معاملة من يعقل في نحو قوله تعالى ﴿والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ (يوسف: ٤) لصدور أفعال العقلاء عنها أجرى عليها هنا ذلك الحكم للأنس به في موضعه.

стр. 2839

ومنه: إفادة لقمني الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى لقمة بيده المباركة (١) ، وقال: لقمني الشيخ أبو عبد الله المسفر قال: لقمني أبو زكريا المحياوي قال: لقمني أبو محمد صالح قال: لقمني الشيخ أبو مدين قال: لقمني أبو الحسن ابن حرزهم قال: لقمني ابن العربي قال: لقمني الغزالي قال: لقمني أبو المعالي قال: لقمني أبو طالب المكي قال: لقمني أبو محمد الجريري قال: لقمني الجنيد قال: لقمني السقطي قال: لقمني معروف الكرخي قال: لقمني داود الطائي قال: لقمني حبيب العجمي قال: لقمني الحسن البصري قال: لقمني علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: لقمني رسول الله ﷺ . قلت: وبهذا السند صافحته أيضاً رضي الله تعالى عنه (٢) ؛ انتهى. وللمحدثين في هذا السند كلام مشهور، وانتصر بعضهم للسادة الصوفية رضي الله تعالى عنهم. ومنه: إنشادة أنشدني الشريشي الفقيه أبو عبد الله قال: أنشدني القاضي المقري قال: أنني الرباطي قال: أنشدني ابن دقيق العيد لنفسه من صدر رسالة كتب بها لبعض إخوانه بالحجاز (٣) : يهيم قلبي (٤) طرباً عندما ... أستلمح البرق الحجازيا ويستميل الوجد قلبي (٥) وقد ... أصبح لي ثوب الحجى زيا يا هل أقضي من منى حاجتي ... فأنحر البدن المهاريا وأرتوي من زمزم فهي لي ... ألذ من ريق المها ريا

стр. 2840

ومنه: إفادة حدثنا القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى قال: رأيت لبعض من ألف على كتاب الكشاف للزمخشري فائدة لم أرها لغيره في قوله تعالى " والراسخون في العلم " إذ الناس يختلفون في هذا الموضع اختلافاً كثيراً، فقال قوم: الراسخون في العلم يعلمون تأويله، والوقوف عند قوله " والراسخون في العلم " وقال قوم: أن الراسخون لا يعلمون تأويله، وإنما يوقف (١) عند قوله " وما يعلم تأويله إلا الله " فقال هذا القائل: أن الآية من باب الجمع والتفريق والتقسيم، من أنواع البيان، وذلك لأن قوله تعالى " هو الذي نزل عليك الكتاب " هو جمع، وقوله " منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات " تفريق، وقوله تعالى " فأما الذين في قلوبهم زيغ - إلى قوله تعالى: وابتغاء تأويله " أحد طرفي التقسيم، وقوله تعالى " والراسخون في العلم " الطرف الثاني، وتقديره: وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به، وجاء قوله تعالى " وما يعلم تأويله إلا الله " اعتراضاً بين طرفي التقسيم، قال: وهذا مثل قوله تعالى " وأنا منا المسلمون " فقوله وأنا جمع، وقوله " منا المسلمون ومنا الساقطون " تفريق، وقوله فمن أسلم وأما الساقطون تقسيم، وهو من بديع التفسير، قلت: ومثله أيضاً قوله تعالى " يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه "؛ انتهى. ومنه: إنشادة أنشدنا الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله المقري في القول بالموجب لبعض العلماء في وديعة: إن قال قد ضاعت فصدق أنها ... ضاعت، ولكن منك يعني لو تعي أو قال قد وقعت فصدق أنها ... وقعت، ولكن منه أحسن موقع ومنه: إنشادة أيضاً من القول بالموجب لبعض الحنابلة:
следующие страницы →