← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

وفي الطابع السبي والأحرف (١) التي ... يبين منها النظم كل خفية وفي صنعة الطلسم والكيمياء (٢) وال ... كنوز وتغوير المياه المعينة وفي حرز أقسام المؤدب محرز ... وحزب أصيل الشاذلي وبكرة وفي سيمياء الحاتمي ومذهب اب ... ن سبعين إذ يعزى إلى شر بدعة وفي الملل (٣) الأولى وفي النحل الألى ... بها أوهموا لما تساموا بسنة وفي كل ما في الكون من عجب وما ... حوى الكون إلا ناطقاً بعجيبة فلا سر إلا وهو فيه سريرة ... ولا جهر إلا وهو فيه كحيلة سل الذكر عن إنصاف أصناف ما انبنى (٤) ... عليه الكلام من حروف سليمة وعن وضعها في بعضها وبلوغ ما ... أتت فيه أمضى عدها وتثبت فلا بد من رمز الكنوز لذي الحجى ... ولا ظلم إلا ظلم صاحب حكمة ولولا سلام ساق للأمن خيفتي ... لعاجل مس البرد خوفي لميتي ولو لم تداركني ولكن بعطفها ... درجت رجائي أن نعتني خيبتي ولو لم تؤانسني عنا قبل لم ولم ... قضى العتب مني بغية بعد وحشي ونعم أقامت أمر ملكي بشكرها ... كما هونت بالصبر كل بلية ومن فصل الاعتقال: سرت بفؤادي إذ سرت فيه نظرتي ... وسارت ولم تثن العنان بعطفة وذلك لما أطلع الشمس في الدجى ... محيا ابنة الحيين في خير ليلة يمانية لو أنجدت حين أنجدت ... لما أبصرت عيناك حياً كميت

стр. 2907

لأصحمة في نصحها قدم بنى ... لكل نجاشي بها حصن ذمة ألمت فحطت رحلها ثم لم يكن ... سوى وقفة التوديع حتى استقلت فلو سمحت لي بالتفات وحل من ... مهاوي الهوى والهون جد تفلتي ولكنها همت بنا فتذكرت ... قضاء قضاة الحسن قدماً فصدت أجلت خيالاً إنني لا أجله ... ولم أنتسب منه لغير تعلة على أنني كلي وبعضي حقيقة ... وباطل أوصافي وحق حقيقي وجنسي وفصلي والعوارض كلها ... ونوعي وشخصي والهواء وصورتي وجسمي ونفسي والحشا وغرامه ... وعقلي وروحانيتي القدسية وفي كل لفظ عنه ميل لمسمعي ... وفي كل معنى منه معنى للوعتي ودهري به عيد ليوم عروبة ... وأمري أمري والورى تحت قبضتي ووقتي سهود في فناء شهدته ... ولا وقت لي إلا مشاهد غيبة أراه معي حساً ووهماً وإنه ... مناط الثريا من مدارك رؤيتي وأسمعه من غير نطق كأنه ... يلقن سمعي ما توسوس مهجتي ملأت بأنوار المحبة باطن ... كأنك نور في سرار سريرتي وجليت بالإجلال أرجاء ظاهري ... كأنك في أفقي كواكب زينة فأنت الذي أعفيه عند تستري ... وأنت الذي أبديه في حين شهرتي فته أحتمل، واقطع وأصل، واعل أستفل ... ومر أمتثل، واملل أمل، وارم أثبت فقلبي إن عاتبته فيك لم أجد ... لعتبي فيه الدهر موقع نكتة ونفسي تنبو عن سواك نفاسة ... فلا تنتمي إليك إلا بمنة تعلقت الآمال منك بفوق ما ... أرى دونه ما لا ينال بحيلة وحامت حواليها وما وافقت (١) حمى ... سحائب يأس أمطرت ماء عبرتي فلو فاتني منك الرضى ولحقتني ... بعفو بكيت الدهر فوت فضيلة

стр. 2908

ولو كنت في أهل اليمين منعماً ... بكيت على ما كان من أسبقية وكم من مقام قمت عنك مسائلاً ... أرى كل حي كل حي وميت أتيت بفاراب أبا نصرها فلم ... أجد عنده علماً يبرد غلتي ولم يدر ما قولي ابن سينا سائلاً ... فقل كيف أرجو عنده برء علتي فهل في ابن رشد بعد هذين مرتجى ... وفي ابن طفيل لاحتثاث مطيتي لقد ضاع لولا أن تداركني حمى ... من الله سعي بينهم طول مدتي فقيض لي نهجاً إلى الحق سالكاً ... وأيقظني من نوم جهلي وغفلتي فحصنت أنظار الجنيد جنيدها ... بترك فلي من رغبة ريح رهبة وكسرت عن رجل ابن أدهم أدهماً ... وأنقذته من أسر حب الأسرة وعدت على حلاج سكري بصلبه ... وألقيت بلعام التافتي بهوة فقولي مشكور، ورأيي ناجح ... وفعلي محمود، بكل محلة رضيت بعرفاني فأعليت للعلا ... وأجلسني بعد الرضى فيه جلتي فعشت ولا ضيراً أخاف ولا قلى ... وصرت حبيباً في ديار أحبتي فها أنا ذا أمسي وأصبح بينهم ... مبلغ نفسي منهم ما تمنت ومن نظمه أيضاً ما حكى عنه في الإحاطة إذ قال: وأنشدني قوله في حال قبض، وقيدتها عنه (١) : إليك بسطت الكف أستنزل الفضلا ... ومنك قبضت الطرف أستشعر الذلا وها أنا ذا قد قمت يقدمني الرجا ... ويحجم بي الخوف الذي خامر العقلا أقدم رجلاً إن يضيء برق مطمع ... وتظلم أرجائي فلا أنقل الرجلا ولي عثرات لست آمل إن هوت ... بنفسي أن لا أستقبل وأن أصلى فإن تدركني رحمة أنتعش بها ... وإن تكن الأخرى فأولى بي الأولى

стр. 2909

ومن نظمه رحمه الله تعالى (١) : وجد تسعره الضلو ... ع وما تبرده المدامع هم تحركه الصبا ... بة والمهابة لا تطاوع أمل إذا وصل الرجا ... أسبابه فالموت قاطع بالله يا هذا الهوى ... ما أنت بالعشاق صانع وقال رحمه الله تعالى كما في " الإحاطة ": ومما كتبت به لمن بلغني عنه بعض الشيء (٢) : نحن، إن تسأل بناس، معشر ... أهل ماء فجرته الهمم عرب من بيضهم أرزاقهم ... ومن السمر الطوال الخيم عرضت أحسابهم أرواحهم ... دون نيل العرض وهي الكرم أورثونا المجد حتى إننا ... نرتضي الموت ولا نزدحم ما لنا في الناس من ذنب سوى ... أننا نلوي إذا ما اقتحموا وقال: مما قلته مذيلاً به قول القاضي أبي بكر ابن العربي: أما والمسجد الأقصى ... وما يتلى به نصا لقد رقصت بنات الشو ... ق بين جوانحي رقصا قولي: فأقلع بي إليه هوى ... جناحاً عزمه قصا أقل القلب واستدعى ... على الجثمان فاستعصى فقمت أجول بينهما ... فلا أدنى ولا أقصى

стр. 2910

قال رحمه الله تعالى: ومما قلته في التورية بشأن راوي المدونة: لا تعجبن لظبي قد دها أسداً ... فقد دها أسداً من قبل سحنون ومن نظم مولاي الجد مما لم يذكره في الإحاطة قوله حسبما ألفي بخطه على ظهر نسخة من تأليفه القواعد: ناديت والقلب بالأشواق محترق ... والنفس من حيرة الإبعاد في دهش يا معطشي من وصال كنت آمله ... هل فيك لي فرج إن صحت واعطشي ومن نظمه ما أسنده الونشريسي إليه: خالف هواك وكن لعقلك طائعاً ... تجد الحقيقة عند طرف الناظر ومنه مما نسبه له المذكور، ورأيت من ينسبهما (١) لغيره: لما رأيناك بعد الشيب يا رجل ... لا تستقيم وأمر النفس تمتثل زدنا يقيناً بما كنا نصدقه ... بعد المشيب يشب الحرص والأمل وفي الإحاطة في ترجمة شعره ما صورته قال: ومما قلته من الشعر، وبه نختم الكلام (٢) : أنبت عوداً لنعماء بدأت بها ... فضلاً وألبستها بعد اللحا الورقا فظل مستشعراً مستدثراً أرجاً ... ريان ذا بهجة يستوقف الحدقا فلا تشنه بمكروه الجنى فلكم ... عودته من جميل من لدن خلقا وانف القذى عنه واثر الدهر منبته ... وغذه برجاء واسقه غدقا واحفظه من حادثات الدهر أجمعها ... ما جاء منها على ضوء وما طرقا

стр. 2911

انتهى ما قصدته من ترجمة مولاي الجد على ما اقتضاه الوقت، ولو أرسلت عنان القلم في شأنه لضاق هذا الديوان عن ذلك، ويرحم الله شيخ شيوخ شيوخنا عالم المغرب سيدي أبا العباس الونشريسي ثم التلمساني نزيل فاس صاحب المعيار وغيره إذ قال في تأليفه الذي عرف فيه بمولاي الجد لما سأله بعضهم في ذلك، وذكر ما حضره، ما نصه: ولقد استوفى شيخ شيوخنا المحقق النظار أبو عبد الله ابن مرزوق الحفيد ترجمة المقري في كتاب سماه النور البدري في التعريف بالفقيه المقري وقد تقدمت الإشارة إلى أن اسم هذا التأليف مبني على أن المقري بفتح الميم وسكون القاف، وقد علمت ما في ذلك مما مضى. قلت: وقد ملكت بفاس مجلداً ضخماً بخط مؤلفه، وهو أحد علماء مدينة فاس، ألفه برسم مولاي الجد، والثناء عليه، والتنويه بقدره، وذكر محاسنه، ولم يحضرني الآن لكوني تركته مع جملة كتبي بالمغرب، وقد تعلق بحفظي ما قاله في أوله من جملة أبيات: إذا ذكرت مفاخر أهل فاس ... ذكرنا من أتى من تلمسان وقلنا هل رأيتم في قضاة ... شبيهاً للفقيه العدل ثاني إلى أن قال: ونفس العلم إن شانت لشخص ... ما للمقري في العلم شاني [تلامذة المقري الجد] وقد أخذ عنه رحمه الله تعالى جماعة أعلام مشهورون، منهم لسان الدين ابن الخطيب ذو الوزارتين، والوزير أبو عبد الله ابن زمرك، والأستاذ العلامة أبو عبد الله القيجاطي الآية في علم القراءات، والشيخ الفقيه القاضي الرحال

стр. 2912

الحاج أبو عبد الله محمد بن سعيد بن عثمان بن سعيد الصنهاجي الزموري الدار المعروف بنقشابو، والولي ابن خلدون صاحب التاريخ، وفي بعض المواضع يعبر عنه بصاحبنا، وفي بعضها بشيخنا، والنظار أبو إسحاق الشاطبي، والعلامة أبو محمد عبد الله ابن جزي، والحافظ ابن علاق، وغيرهم ممن يطول تعداده، ولا كالشيخ الشهير الكبير العارف بالله سيدي محمد بن عباد الرندي (١) شارح حكم ابن عطاء الله فإنه ممن يفتخر مولاي الجد رحمه الله تعالى بكون مثله تلميذاً له، ولا بأس أن نورد ترجمته تبركاً به في هذا الكتاب، واو لم تقتضه المناسبة التي راعيناها في هذا التأليف، فكيف وقد اقتضته فنقول: [ترجمة تلميذه ابن عباد الرندي] قال في حقه صاحبه الشيخ أبو زكريا السراج، ما صورته: شيخنا الفقيه الخطيب البليغ الخاشع الخاشي، الإمام العالم المنصف السالك العارف المحقق الرباني ذو العلوم الباهرة، والمحاسن المتظاهرة، سليل الخطباء، ونتيجة العلماء، أبو عبد الله محمد ابن الشيخ الفقيه الواعظ الخطيب البليغ العلم الحظي الوجيه الحسيب الأصيل أبي إسحاق إبراهيم بن أبي بكر بن عباد، كان حسن السمت، طويل الصمت، كثير الوقار والحياء، جميل اللقاء، حسن الخلق والخلق، عالي الهمة متواضعاً، معظماً عند الخاصة والعامة، نشأ ببلده رندة على أكمل طهارة، وعفاف وصيانة، وحفظ القرآن ابن سبع سنين، ثم تشاغل بعد بطلب العوم النحوية والأدبية والأصولية والفروعية، حتى رأس فيها وفهم معانيها، ثم أخذ في طريق الصوفية والمباحثة على الأسرار الإلهية حتى أشير إليه، وتكلم في علوم الأحوال والمقامات والعلل والآفات وألف فيه تواليف عجيبة وتصانيف

стр. 2913

بديعة غريبة (١) ، وله أجوبة كثيرة في مسائل العلوم نحو مجلدين، ودرس كتباً وحفظها أو جلها كشهاب القضاعي والرسالة ومختصري ابن الحاجب وتسهيل ابن مالك ومقامات الحريري وفصيح ثعلب وغيرها، وقوت القلوب؛ أخذ ببلده رندة عن أبيه القرآن وغيره، وعن خاله الشيخ الفقيه القاضي عبد الله الفريسي العربية وغيرها، وعن الشيخ الفقيه الخطيب أبي الحسن علي بن أبي الحسن الرندي حرف نافع، وعرض عليه الرسالة، وبتلمسان وفاس عن السيد الشريف الإمام العالم العلامة المحقق أبي عبد الله التلمساني الحسني جمل الخونجي تفهماً وغيره، وعن الشيخ الفقيه القاضي العالم أبي عبد المقري كثيراً من المختصر الفرعي لابن الحاجب وفصيح ثعلب وبعض صحيح مسلم كلها تفقهاً، وعن الشيخ الفقيه العالم أبي محمد عبد النور العمراني الموطأ والعربية، وعن الإمام العالم أبي عبد الله الآبلي الإرشاد لأبي المعالي وجميع كتاب ابن الحاجب الأصلي وعقيدة ابن الحاجب تفقهاً، وعن الشيخ الفقيه الحافظ أبي الحسن الصرصري بعض التهذيب تفقهاً، وعن الشيخ الأستاذ المقرىء الصالح أحمد بن عبد الرحمن المجاصي شهر بالمكناسي كثيراً من جمل الزجاج وتسهيل ابن مالك، وعن الشيخ الفقيه الصالح أبي مهدي عيسى المصمودي جميع كتاب ابن الحاجب والحاجبية له أيضاً تفقهاً، وتفقه على الفقيه العالم أبي محمد الوانغيلي في كتاب ابن الحاجب الفقهي وأخذ حرف نافع، وعن الشيخ الفقيه الصالح المدرس بالحلفاويين أبي محمد عبد الله الفشتالي كثيراً من التهذيب، وعن قاضي الجماعة وخطيب الحضرة أبي عبد الله محمد بن أحمد الفشتالي كثيراً من التهذيب تفقهاً، وكذا من غيرهم، ولقي بسلا الشيخ الحاج الصالح السني الزاهد الورع أحمد بن عمر بن محمد بن عاشر، وأقام معه ومع أصحابه سنين عديدة، قال: قصدتهم لوجدان السلامة معهم، ثم رحل لطنجة فلقي بها الشيخ الصوفي أبا مروان عبد الملك، قال: لازمته كثيراً

стр. 2914

وقرأت عليه وسمعت منه، وأنشدني من شعره ومن شعر غيره، وترددت بيني وبينه مسائل في إقامته بسلا، وانتفعت به عظيماً في التصوف وغيره، وأجازني إجازة عامة، مولده برندة عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، وتوفي بعد العصر يوم الجمعة ثالث رجب عام اثنين وتسعين وسبعمائة، وحضر جنازته الأمير فمن بعده، وهمت العامة بكسر نعشه تبركاً به، ولم أر جنازة أحفل ولا أكثر خلقاً منها، ورثاه الناس بقصائد كثيرة؛ انتهى كلام السراج. وقال غيره في حقه: محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن مالك بن إبراهيم بن محمد بن مالك بن إبراهيم بن يحيى بن عباد، النفزي نسباً، الرندي بلداً، الشهير بابن عباد، الفقيه الصوفي الزاهد الولي العارف بالله تعالى. وقال في حقه الشيخ ابن الخطيب القسمطيني في كتابه " أنس الفقير وعز الحقير " (١) : هو الخطيب الشهير، الصالح الكبير، وكان والده من الخطباء، الفصحاء النجباء، ولأبي عبد الله هذا عقل وسكون، وزهد بالصلاح مقرون، وكان يحضر معنا مجلس شيخنا الفقيه أبي عمران [موسى] العبدوسي رحمه الله تعالى، وهو من أكابر أصحاب ابن عاشر، ومن خيار تلامذته، وأخذ عنه، وله كلام عجيب في التصوف، وصنف فيه، كما هو الآن يقرأ على الناس مع كتب التذكير، وله في ذلك قلم انفرد به، وسلم له فيه بسببه، ومن تصانيفه شرح كتاب الحكم لابن عطاء الله في سفر، رأيته وعلى ظهر نسخة منه مكتوب: لا يبلغ المرء في أوطانه شرفاً ... حتى يكيل تراب الأرض بالقدم ومن كلامه فيه: الاستئناس بالناس، من علامات الإفلاس، وفتح باب الأنس بالله تعالى الاستيحاش من الناس. ومن كلامه فيه: من لازم الكون وبقي معه وقصر همته عليه ولم تنفتح له طريق الغيوب الملكوتية، ولا خلص بسره إلى

стр. 2915

فضاء مشاهدة الوحدانية، فهو مسجون بمحيطاته، ومحصور في هيكل ذاته. إلى غير ذلك من كلامه، وكان يحضر السماع ليلة المولد عند السلطان، وهو لا يريد ذلك، وما رأيته قط في غير مجلس جالساً مع أحد وإنما حظ من يراه الوقوف معه خاصة، وكنت إذا طلبته بالدعاء احمر وجهه واستحيا كثيراً، ثم يدعو لي، وأكثر تمتعه من الدنيا بالطيب والبخور الكثير، ويتولى أمر خدمته بنفسه، ولم يتزوج ولم يملك أمة، ولباسه في داره مرقعة، فإذا خرج سترها بثوب أخضر أو أبيض، وله تلامذة كلهم أخيار مباركون، وبلغني عن بعضهم أنه تصدق حين تاب على يده بعشرة آلاف دينار ذهباً، وهو الآن إمام جامع القرويين بفاس وخطيبه، وأكثر قراءته في صلاة الجمعة " إذا جاء نصر الله " وأكثر خطبته وعظ، ومثله من يعظ الناس، لأن اتعظ في نفسه، وقد أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵊: يا عيسى، عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني، ذكره الغزالي؛ وعهدي به أنه على صفة البدلاء، الصادقين النبلاء، كثر الله مثله في الإسلام؛ انتهى. قلت: وقد زرت قبره مراراً بفاس، ودعوت الله تعالى عنده، وهو عند أهل فاس بمثابة الشافعي عند أهل مصر، ومن منن الله سبحانه علي أني سكنت محله لما توليت الخطابة والإمامة بجامع القرويين من فاس المحروسة مضافين إلى الفتوى، والدار المعلومة للخطيب بالجامع المذكور إلى الآن تعرف بدار الشيخ ابن عباد، وأقمت على ذلك خمس سنين وأشهراً، ثم قوضت الرحال للمشرق، وها أنا إلى الآن فيها، والله ييسر الخير حيث كان. وقال الشيخ سيدي أحمد زروق في شأن الشيخ ابن عباد: إنه ولد برندة، وبها نشأ في عفاف وصون، ثم رحل لفاس وتلمسان فقرأ بهما الفقه والأصول والعربية، ثم عاد فصحب بمدينة سلا أفضل أهل زمانه علماً وعملاً سيدي أحمد

стр. 2916

ابن عاشر، فأظهر الله تعالى عليه من بركاته ما لا يخفى على متأمل، ثم نقل بعد وفاة الشيخ فجعل خطيباً بجامع القرويين من مدينة فاس، وبقي بها خمس عشرة سنة خطيباً، فتوفاه الله تعالى بها بعد صلاة العصر من يوم الجمعة رابع رجب سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، ودفن بكدية البراطل من داخل باب الفتوح، وكان ﵁ إذا صمت وسمت، وتجمل وزهد، معظماً عند الكافة، معولاً في حل المشكلات على فتح الفتاح العليم: ومن علمه أن ليس يدعى بعالم ... ومن فقره أن لا يرى يشتكي الفقرا ومن حاله أن غاب شاهد حاله ... فلا يدعي وصلاً ولا يشتكي هجرا كذا رأيت بخط من أثق به في تعريفه مختصراً مع زيادة ما تحققت، وكتبه شاهدة بكماله علماً وعملاً، فهي كافية في تعريفه، وكان الذي طلبه في وضع الشرح على الحكم سيدي أبو زكريا السراج الذي أكثر رسائله له وسيدي أبو الربيع سليمان بن عمر؛ انتهى. وقال في موضع آخر: سيدنا العارف المحقق الخطيب البليغ نسيج وحده، ومقدم من أتى بعده، أبو عبد الله، قرأ بفاس وتلمسان العربية والأصول والفقه ككتاب الإرشاد ومختصر ابن الحاجب الفقهي والأصلي وتسهيل ابن مالك، وتوفي بفاس، وقبره بها مشهور، ومزيته معروفة شرقاً وغرباً، وقد كتب مسائل معروفة أكثرها لسيدي يحيى السراج، وله كتب الشرح مع سيدي سليمان بن عمر الذي قال في حقه: إنه ولي بلا شك، بطلبهما لذلك، ورأيت كتاباً في الإمامة سماه " تحقيق العلامة في أحكام الإمامة " فذكرته لشيخنا القوري رحمه الله تعالى، وكان معتنياً بكتبه معولاً عليها في حاله، فقال: أظنه لوالده سيدي إبراهيم، وقد كان خطيباً بالقصبة إذ كانت عامرة، وله خطب عظيمة الفصاحة، حسنة الموقع؛ انتهى. وقال الشيخ أبو يحيى ابن السكاك: أما شيخي وبركتي أبو عبد الله ابن عباد

стр. 2917

رضي الله عنه فإنه شرح الحكم وعقد درر منثورها في نظم بديع، وجمعت من إنشائه مسائل مدارها على الإرشاد إلى البراءة من الحول والقوة، فيها نبذ كأنفاس الأكابر، مع حسن التصرف في طريق الشاذلي، وجودة تنزيله على الصور الجزئية، وبسط التعبير، مع إنهاء البيان إلى أقصى غاياته، والتفنن في تقريب الغامض إلى الأذهان بالأمثلة الوضعية، فقرب بها حقائق الشاذلية تقريباً لم يسبق إليه، كما قرب الإمام ابن رشد مذهب مالك تقريباً لم يسبق إليه، وكان مع ذلك آية في التحقق بالعبودية والبراءة من الحول والقوة وعدم المبالاة بالمدح والذم، بل له مقاصد نفيسة في الإعراض عن الخلق، وعدم المبالاة بهم، وأعظم أخلاقه التي لا يصبر عنها ويضطرب لها غاية الاضطراب أن يحضر حيث ينسى الحق، لا سيما إن كان نسيان الحق بالنسبة إليه، فهو الذي يقلقه، ويضيق صدره على اتساعه ووفور انشراحه عن ذلك، ولقد ذكر بعض من كان من أخص الناس به ومنقطعاً إليه أحوال رجال الرسالة القشيرية والحلية وما منحوا من المواهب، قال: فلما مات الشيخ واستبصرت ما أشاهده منه من أفعال تدل على القطع بصديقيته لاح لي أن لتك الصفات التي يذكر مشخصة فيه، نشاهدها عياناً، ولو لم أر الشيخ لقلت: إنني لم أر كمالاً، وعلى الجملة فهو واحد عصره بالمغرب، ذكر لي عن قطب المعقول بالمغرب والمشرق الآبلي أنه كان يشير إليه في حال قراءته عليه، أعني الشيخ ابن عباد، ويقول: إن هناك علماً جماً لا يوجد عند مشاهير أهل ذلك الوقت، إلا أنه كان لا يتكلم ﵁، وشهد له المقطوع بولايتهم بالتقدم، وأقروا له بالشيخوخة، وتبركوا به، كسيدي سليمان اليازغي (١) وسيدي محمد المصمودي وسيدي سليمان ابن يوسف ابن عمر الأنفاسي (٢) وأمثالهم، وكان شيخه الحجة الورع أحمد ابن عاشر يشيد بذكره، ويقدمه على سائر أصحابه، ويأمرهم بالأخذ عنه، والانتفاع به،

стр. 2918

والتسليم له، ويقول: بان عباد أمة وحده، ولا شك أنه كذلك كان، أعني غريباً فإن العارف غريب الهمة بعيد القصد، لا يجد مساعداً على قصده. وكان الغالب عليه الحياء من الله تعالى، والتنزل بين يدي عظمته، وتنزيله نفسه منزلة أقل الحشرات، لا يرى لنفسه مزية على مخلوق، لما غلب عليه من هيبة الجلال وعظمة المالك وشهود المنة، نظاراً إلى جميع عباد الله تعالى بعين الرحمة والشفقة والنصيحة العامة، مع توفية المراتب حقها، والوقوف مع الحدود الشرعية واعبارهم من حيث مراد الله تعالى بهم، هذا دأبه مع الطائع والعاصي ما لم يظهر له من أحد مخايل حب التعظيم والمدح والتجبر على المساكين ورؤية الحق إذ هي دعوى لا تليق بالعبد، ومن كانت هذه صفته فقد وصل حد الخذلان، بل هي علامة تقارب القطع على أنه شقي مسلم إلى غضب الله تعالى ومقته، أعاذنا الله تعالى منه. وكان من حال هذا السيد تألف قلوب الأولاد الصغار، فهم يحبونه محبة تفوق محبته لآبائهم وأمهاتهم، فينتظرون خروجه للصلاة وهم عدد كثير، يأتون منكل أوب ومن المكاتب البعيدة، فإذا رأوه ازدحموا على تقبيل يده. وكذا كان ملوك زمانه يزدحمون عليه، ويتذللون بين يديه، فلا يحفل بذلك. وذكر لي بعض تلامذته أن أقواله تشبه (١) أفعاله، لما منحه الله تعالى من فنون الاستقامة، مع ما في كلامه من النور والحلاوة التي استفزت ألباب المشارقة، بحيث صار لهم بحث عريض (٢) على تواليفه؛ انتهى كلام ابن السكاك. وله من التواليف: الرسائل الكبرى، والصغرى (٣) ، وشرح الحكم، ونظمها في ثمانمائة بيت من الرجز. وحدث الشيخ أبو مسعود الهراس قال: كنت أقرأ في صحن جامع القرويين

стр. 2919

والمؤذنون يؤذنون بالليل، فإذا أبو عبد الله ابن عباد قد خرج من باب داره، وجاء يطير في الصحن كأنه جالس متربع حتى دخل في البلاط الذي حول الصومعة، ثم مشيت فوجدته يصلي حول المحراب، وسأله السراج عن أبي حامد الغزالي، فقال: هو فوق الفقهاء وأقل من الصوفية. ومما نقل من خطه رحمه الله تعالى ولا يدرى هل هي له أم لا: الحزم قبل العزم فاحزم واعزم ... وإذا استبان لك الصواب فصمم واستعمل الرفق الذي هو مكسب ... ذكر القلوب وجد وأجمل واحلم واحرص وسر واشجع وصل وامنن وصل ... واعدل وأنصف وارع واحفظ وارحم وإذا وعدت فعد بما تقوى على ... إنجازه وإذا اصطنعت فتمم وذكر الشيخ الفقيه الخطيب القاضي الحاج الرحيل أبو سعيد ابن أبي سعيد السلوي أنه رأى في حائط جامع القرويين أبياتاً مكتوبة بفحم بخط الشيخ أبي عبد الله ابن عباد وهي (١) : أيتها النفس إليه اذهبي ... فحبه المشهور من مذهبي مفضض الثغر له نقطة ... من عنبر في خده المذهب أيأسني التوبة من حبه ... طلوعه شمساً من المغرب قال الشيخ أبو سعيد: فاستشكلت هذه الأبيات لما اشتملت عليه من التغزل، وذكر الخال والخد والثغر، ومقام الشيخ ابن عباد يجل عن الاشتغال بمثل هذا، فلقيت يوماً أبا القاسم الصيرفي، فذاكرته بالقصة ووجه الإشكال فيها، فقال لي: مقامك عندي أعلى من أن تستشكل مثل هذا، هذه أوصاف ولي الله القائم بأمر الله المهدي، فشكرته على ذلك؛ انتهى.

стр. 2920

قلت: رأيت بخط الونشريسي إثر هذه الحكاية ما نصه: قلت في صحة هذه الحكاية عن الشيخ نظر، لما احتوت عليه من تعبير الحسن، وقدر الشيخ وورعه أعلى من هذا، فهذان إشكالان، والله أعلم. وحكى (١) أن الشيخ ابن عباد رحمه الله تعالى لما احتضر جعل رأسه في حجر أبي القاسم هذا، وأخذ في قراءة آية الكرسي إلى قوله " الحي القيوم " ثم يقول: يا الله يا حي يا قيوم، فيلقنه من حضر " لا تأخذه سنة ولا نوم " فيمتنع الشيخ من قراءتها ويقول: يا الله يا حي يا قيوم، فلما قربت وفاته سمع منه هذا البيت وكان آخر ما تكلم به: ما عودوني أحبابي مقاطعة ... بل عودوني إذا قاطعتهم وصلوا ولما توفي الشيخ ابن عباد ﵁ في التاريخ المتقدم حضر جنازته السلطان أمير المسلمين أبو العباس أحمد ابن السلطان أبي سالم وأهل البلدتين يعني فاساً الجديد التي هي مسكن السلطان وخواص أتباعه، وفاساً العتيق التي هي محل الأعلام والخاص والعام من الناس في ذلك القطر، إذ هي إذ ذاك حضرة الخلافة وقبة الإسلام في المغرب ويقدم بعده للإمامة والخطبة بجامع القرويين نائبه أيام مرضه الشيخ الصالح الورع أبو زيد عبد الرحمن الزرهوني حسبما قاله الجاديري رحمه الله تعالى. وحكى الونشريسي رحمه الله تعالى أن الشيخ ابن عباد كلم ابن دريدة الوالي في مظلمة، فلم يقبل، فلما كان يوم الجمعة ونزل السلطان أبو العباس الصلاة بجامع القرويين وراء الشيخ ابن عباد، قال الشيخ في خطبته: من الأمور المستحسنة، أن لا يبقى الوالي سنة؛ انتهى. وللشيخ ابن عباد خطب مدونة بالمغرب مشهورة بأيدي الناس، ويقرؤون

стр. 2921

منها ما يتعلق بالمولد النبوي الشريف بين يدي السلطان تبركاً بها، وكذا يقرؤونها في المجتمعات في المواسم، كأول رجب وشعبان ونصفهما والسابع والعشرين منهما، كرمضان، وقد حضرت بمراكش المحروسة سنة عشر وألف قراءة كراسة الشيخ في المولد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام بين يدي مولانا السلطان المرحوم أحمد المنصور بالله الشريف الحسني رحمه الله تعالى، وقد احتفل لذلك المولد بأمور يستغرب وقوعها، جازاه الله تعالى عن نيته خيراً وقد أشرت إلى ذلك في كتابي الموسوم بروضة الآس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس وسردت جملة من القصائد والموشحات في وصف ذلك الصنيع (١) ، ورحمة الله وراء الجميع. رجع إلى مشايخ لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى فنقول: ٤ - ومنهم: الشيخ الفقيه القاضي بمكناسة الزيتون أبو محمد عبد الحق ابن سعيد بن محمد (٢) ، ذكره في نفاضة الجراب وقال: إنه لقيه بمكناسة الزيتون سنة إحدى وستين وسبعمائة، وكان من أهل المعرفة والحصافة (٣) ، قائماً على كتاب أبي عمرو ابن الحاجب في مذهب مالك، وكان ممتازاً به فيما دون تلمسان، قرأه على الشيخين علمي الأفق المغربي أبي موسى وأبي زيد ابني الإمام عالمي تلمسان والمغرب جميعاً قال لسان الدين في النفاضة: وتصدر المذكور لإقراءه الآن، فمل شئت من اضطلاع، ومعرفة واطلاع، وقيد جزءاً نبيلاً على فتوى الإمام القاضي أبي بكر ابن العربي المسماة بالحاكمة، وسماه

стр. 2922

ب " الخادمة (١) على الرسالة الحاكمة " أجاد فيه وأحسن، وقرأت عليه بعضه وأذن في تحمله؛ انتهى. ٥ - ومن أشياخ لسان الدين الذين لقيهم بمكناسة الزيتون الفقيه الفاضل الخير يونس بن عطية الونشريسي، له عناية بفروع الفقه، وولي القضاء بقصر كتامة. ٦ - ومنهم الفقيه الفاضل الخير أبو عبد الله محمد ابن أحمد ابن أبي عفيف (٢) ، المتصدر لقراءة كتاب الشفاء النبوي، لديه جملة حسنة من أصول الفقه أشف بها على كثير من نظرائه قراءة منه إياها على أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل الصباغ، وشاركه في قراءتها على الإمام أبي عبد الله الآبلي. ٧ - ومنهم الفقيه المدرك الأستاذ في فن العربية: أبو علي عمر بن عثمان الونشريسي (٣) ، قال لسان الدين: حضرت مذاكرته في مسألة أعوزت (٤) عليه، وطال عنها سؤاله، وهي قول الشاعر: الناس أكيس من أن يمدحوا رجلاً ... ما لم يروا عنده آثار إحسان وصورة السؤال: كيف [صح] وقوع أفعل بين شيئين لا اشتراك بينهما في الوصف؛ إذ أوقع الشاعر " أكيس " بين الناس وبين أن يمدحوا، وهو مؤول بالمصدر وهو المدح، ولا يوصف بذلك؛ انتهى. قلت: الإشكال مشهور، والجواب عنه بضرب من المجاز ظاهر، وقد

стр. 2923

أشار إليه أبو حيان في الارتشاف وجماعة آخرون في قول بعض المؤلفين كصاحب التلخيص أكثر من أن تحصى ولولا السآمة لذكرت ما قيل في ذلك، وخلاصة ما قالوه أن في الكلام تقديراً، والله أعلم. ٨ - وممن لقيه لسان الدين بمكناسة الزيتون الفقيه العدل الأخباري الأديب المشارك أبو جعفر أحمد بن محمد بن إبراهيم الأوسي الخباز، من أهل الظرف والانطباع والفضيلة، وهو كاتب عاقد للشروط، ناظم ناثر مشارك في فنون من العلم، مؤلف، وقد ذكرنا في غير هذا المحل ما دار بينه وبين لسان الدين من المحاورة والمراجعة، فليراجع، قال لسان الدين رحمه الله تعالى: ناولني المذكور تأليفه الحسن الذي سماه المنهل المورود في شرح المقصد المحمود شرح فيه وثائق الجزيري فأربى بياناً وإفادة وإجادة، وأذن لي في حمله عنه، وهو في ثلاث مجلدات، وأنشدني كثيراً من شعره. ٩ - ومنهم القاضي بها أبو عبد الله ابن أبي رمانة (١) ، قال لسان الدين: لقيته بمكناس، وكان من أهل الحياء والحشمة، وذوي السذاجة والعفة، ثم ذكر ما داعبه به حين تأخر عن لقائه، وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع. ١٠ - وممن لقيه لسان الدين بمكناس الفقيه العدل أبو علي الحسن بن عثمان ابن عطية (٢) الونشريسي، قال: وكان فقيهاً عدلاً من أهل الحساب، والقيام على الفرائض، والعناية بفروع الفقه، ومن ذوي السذاجة والفضل، ويقرض الشعر، وله أرجوزة في الفرائض مبسوطة العبارة مستوفية المعنى؛ انتهى. وقال ابن الأحمر في حقه: هو شيخنا الفقيه المفتي المدرس القاضي الفرضي الأديب، الحاج أبو علي ابن الفقيه الصالح أبي سعيد عثمان التجاني المنعوت

стр. 2924

بالونشريسي، أجازني عامة، أخذ عن الفقيه المفتي الأديب الخطيب المعمر القاضي المحدث الراوية خاتمة المحدثين بالمغرب أبي البركات ابن الحاج البلفيقي؛ انتهى. ومولده في حدود أربع وعشرين وسبعمائة. وذكر صاحب " المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي إفريقية والأندلس والمغرب " جملة من فتاويه وقال في وثائقه، وقد أجرى ذكره، ما صورته: إن بلدينا الشيخ القاضي العلامة أبا علي الحسن وقعت له قضية مع عدول مكناسة، وذلك أم السلطان أبا عنان فارساً كان أمر بالاقتصار على عشرة من الشهود بمدينة مكناسة وكتب اسم الشيخ أبي علي هذا في العشرة، فشق ذلك على بعض شيوخ العدول المؤخرين لحداثة سن أبي علي، فلما علم تشغيبهم صنع رجزاً ورفعه إلى مقام المتوكل على الله أبي عنان نصه: نبدأ أولاً بحمد الله ... ونستعينه على الدواهي ثم نوالي بالصلاة والسلام ... على نبي (١) دونه كل الأنام وبعد ذا نسأل رب العالمين ... أن يهب النصر أمير المؤمنين خليفة الله أبا عنان ... لا زال في خير وفي أمان ملكه الله من البلاد ... من سوس الأقصى إلى بغداد ويسر الحجاز والجهادا ... وجعل الكل له مهادا يا أيها الخليفة المظفر ... دونك أمري إنه مفسر عبدكم نجل عطية الحسن ... قد قيل لا يشهد إلا إن أسن وهو في أمركم المعهود ... من جملة العشرة الشهود نص عليه أمركم تعيينا ... وسنه قارب أربعينا (٢)

стр. 2925

مع الذي ينتسب العبد إليه ... من طلب العلم وبحثه عليه على الفرائض له أرجوزه ... أبرز في نظامها إبريزه ومجلس له على الرساله ... فكيف يرجو حاسد زواله حاشا أمير المؤمنين ذاكا ... وعدله قد بلغ السماكا وعلمه قد طبق الآفاقا ... وحلمه قد جاوز العراقا وجوده مشتهر في كل حي ... قصر عن إدراكه حاتم طي وحكى بعض الحفاظ أنه لما بلغت الأبيات السلطان أمر بإقراره على ذلك، وقد وقفت على رجزه المذكور، وله شرح عليه لم أره، والظاهر أنه ممن تدبج معه لسان الدين، رحم الله الجميع؛ وهو معدود في جملة من لقيه. ١١ - ومن مشايخ لسان الدين ﵀ ذو الكرامات الكثيرة والمقامات الكبيرة، سيدي الحاج أبو العباس أحمد ابن عاشر الصالح (١) المشهور، كان لسان الدين رحمه الله تعالى حريصاً على لقائه بسلا أيام كان بها، وقد لقيه، ولم يتمل منه لشدة نفوره من الناس، خصوصاً أصحاب الرياسة، ولذا قال لسان الدين، لما ذكر أنه لقيه في مفاضة الجراب، ما صورته: يسر الله لقائه على تعذره؛ انتهى. وسنترجم الولي المذكور في نظم لسان الدين حيث وصفه بقوله: بولي الله فابدأ وابتدر ... وقبره الآن بسلا محط رجاء (٢) الطالبين، وكعبة قصد الراغبين، تلوح عليه أنوار العناية، وتستمد منه أنواء الهداية، وهو على ساحل البحر المحيط بخارج مدينة سلا المحروسة، وقد زرته ولله الحمد عند توجهي إلى حضرة مراكش

стр. 2926

سنة ألف وتسعة، والناس يشدون الرحال إليه من أقطار المغرب، نفعنا الله تعالى به، وأعاد علينا من بركاته، بجاه نبينا محمد ﷺ . رجع إلى مشايخ لسان الدين الوزير ابن الخطيب رحمه الله تعالى. ١٢ - ومنهم الأستاذ المحقق العلامة الكبير النحوي الشهير أبو عبد الله محمد بن علي الفخار البيري، رحمه الله تعالى (١) . كان شيخ النحاة بالأندلس غير مدافع، وأخذ عنه خلق كثيرون كالشاطبي أبي إسحاق صاحب شرح الألفية والوزير ابن زمرك وغيرهما، وقد حكى عنه مسائل غريبة تلميذه الشاطبي، وقال لسان الدين في الإحاطة في ترجمة مشيخته ما صورته: ولازمت قراءة العربية والفقه والتفسير والمعتمد عليه العربية على الشيخ الأستاذ الخطيب أبي عبد الله ابن الفخار البيري، الإمام المجمع على إمامته في فن العربية، المفتوح عليه من الله تعالى فيها حفظاً واطلاعاً واضطلاعاً ونقلاً وتوجيهاً بما لا مطمع فيه لسواه؛ انتهى. ولنورد بعض فوائد ابن الفخار فنقول: ومن فوائد ابن الفخار المذكور التي حكاها عن الشاطبي قوله: حدثني أن بعض الشيوخ كان إذا أتي بإجازة يشهد فيها سأل الطالب المجاز عن لفظ إجازة ما وزنه وما تصريفه ثم قال الشاطبي: ولما حدثنا بذلك سألناه عنها فأملى علينا ما نصه: وزن إجازة في الأصل إفعالة، وأصلها إجوازة فأعلت بنقل حركة الواو إلى الجيم حملاً على الفعل الماضي استثقالاً، فتحركت الواو في الأصل وانفتح ما قبلها في اللفظ، فانقلبت ألفاً، فصارت إجازة بألفين فحذفت الألف الثانية، عند سيبويه لأنها زائدة والزائد أولى بالحذف من الأصلي، وحذفت

стр. 2927

الأولى عند الأخفش لأنها لا تدل على معنى وهو المد، وقول سيبويه أولى، لأنه قد ثبت عوض التاء من المحذوف في نحو " زنادقة " والتاء الزائدة، وتعويض الزائد من الزائد أولى من تعويض الزائد من الأصلي، للتناسب، ووزنها في اللفظ عند سيبويه إفعلة وعند الأخفش إفال لأن العين عنده محذوفة؛ انتهى. وقال الشاطبي رحمه الله تعالى: لما توفي شيخنا الأستاذ الكبير، العلم الخطير، أبو عبد الله ابن الفخار سألت الله أن يرينيه في المنام فيوصيني بوصية أنتفع بها في الحالة التي أنا عليها من طلب العلم، فلما نمت في تلك الليلة رأيت كأني أدخل عليه في داره التي كان يسكن بها، فقلن له: يا سيدي أوصني، فقال لي: لا تعترض على أحد، ثم سألني بعد ذلك مسألة من مسائل العربية كالمؤنس لي، فأجبته عنها، ولا أذكرها الآن؛ انتهى. وقال الشاطبي أيضاً ما صورته: حدثنا الأستاذ الكبير الشهير أبو عبد الله محمد بن الفخار شيخنا - رحمه الله تعالى - قال (١) : حدثني بسبتة بعض المذاكرين أن ابن خميس لما ورد عليها بقصد الإقراء بها اجتمع إليه عيون طلبتها، فألقوا عليه مسائل من غوامض الاشتغال، فحاد عن الجواب عنها بأن قال لهم: أنتم عندي كرجل واحد، يعني أن ما ألقوا عليه من المسائل إنما تلقوها من رجل واحد، وهو ابن أبي الربيع، فكأنه إنما يخاطب رجلاً واحداً ازدراء بهم، فاستقبله أصغر القوم سناُ وعلماً بأن قال له: إن كنت بالمكان الذي تزعم فأجبني عن هذه المسائل من باب معرفة علامات الإعراب التي أذكرها لك، فإن أجبت فيها بالصواب لم تحظ بذلك في نفوسنا لصغرها بالنظر إلى تعاطيك من الإدراك والتحصيل، وإن أخطأت فيها لم يسعك هذا البلد، وهي عشر: الأولى أنتم يا زيدون تغزون، والثانية أنتن يا هندات تغزون، والثالثة أنتم يا زويدن ويا هندات تغزون، والرابعة أنتن يا هندات تخشين، والخامسة

стр. 2928

أنت يا هند تخشين، والسادسة أنت يا هند ترمين، والسابعة أنتن يا هندات ترمين، والثامنة أنتن يا هندات تمحون أو تمحين، كيف تقول والتاسعة أنت يا هند تمحين أو تمحون، كيف تقول والعاشرة أنتما تمحوان أو تمحيان، كيف تقول وهل هذه الأفعال كلها مبنية أو معربة أو بعضها مبني وبعضها معرب وهل هي كلها على وزن واحد أو على أوزان مختلفة علينا السؤال وعليك التمييز لنعلم الجواب، فبهت الشيخ، وشغل المحل بأن قال: إنما يسأل عن هذا صغار الولدان، قال له الفتى: فأنت دونهم إن لم تجب، فانزعج الشيخ، وقال: هذا سوء أدب، ونهض منصرفاً، ولم يصبح إلا بمالقة متوجهاً إلى غرناطة حرسها الله تعالى، ولم يزل بها مع الوزير ابن الحكيم إلى أن مات رحمة الله تعالى عليه؛ انتهى. ثم قال الشاطبي: والجواب عن هذه المسائل ما يذكر: أما الجواب عن تغزون الأولى فإنه معرب، ووزنه أصلاً تفعلون، ولفظاً تفعون، وعن الثانية فبني للحاق نون الإناث ووزنه تفعلن، وعن الثالثة على التغليب فعلى رده بالأول يلحق بالأول، وللثاني كالثاني، وأما تخشين من الرابعة فمبني للنون ووزنه تفعلن، وعن الخامسة فمعرب، ووزنه أصلاً تفعلين ولفظاً تفعين، وأما ترمين من السادسة فمعرب، ووزنه أصلاً تفعلين، ولفظاً تفعين، ومن السابعة مبني للنون، ووزنه تفعلن، وأما تمحون وتمحين من الثامنة فهما لغتان، وهما مبنيان للنون، والتاسعة لا يقال إلا تمحين، بالياء خاصة لتتفق اللغتان، ووزنهما تفعين كتخشين، وأما تمحيان من العاشرة فعلى لغة الياء لا إشكال وعلى الواو فيظهر من كلام النحويين أنه لا يجوز إلا بالواو؛ انتهى. وقد أورد هذه الحكاية عالم الدنيا سيدي أبو عبد الله محمد بن مرزوق رحمه الله تعالى في شرحه الواسع العجيب المسمى " تمهيد المسالك إلى شرح ألفية ابن مالك " ونص محل الحاجة منه: وقد حكي أن بعض طلبة سبتة أورد

стр. 2929

على أبي عبد الله ابن خميس عشر مسائل من هذا النوع، وهي: أنتم يا زيدون تغزون، وأنتن يا هندات تغزون، وأنتم يا زيدون ويا هندات تغزون، وأنتن يا هندات تخشين، وأنت يا هند تخشين، وأنت يا هند ترمين وأنتن يا هندات ترمين، وأنتن يا هندات تمحون أو تمحين، كيف تقول وأنت يا هند تمحون أو تمحين، كيف تقول وأنتما تمحوان أو تمحيان، على لغة من قال محوت، كيف تقول وهل هذه الأمثلة كلها مبنية أو معربة أو مختلفة وهل وزنها واحد أو مختلف قالوا: ولم يجب بشيء، قلت ولعله استسهل أمرها، فأما المثال الأول فمعرب، وزنه تفعلون كتنظرون، إذ أصله تغزوون، فاستثقلت ضمة الواو التي هي لا فحذفت، ثم حذفت الواو أيضاً لالتقائها ساكنة مع واو الضمير، وكانت أولى بالحذف لأن واو الضمير فاعل، ولغير ذلك مما تقدم بعضه، وأما الثاني فمبني ووزنه تفعلن كتخرجن، وأما الثالث فكالأول إعراباً ووزناً لأن فيه تغليب المذكر على المؤنث، وأما الرابع فمبني ووزنه تفعلن، مثل تفرحن لأنه لما احتيج إلى تسكين آخر الفعل لإسناده إلى نون جماعة النسوة ردت الياء إلى أصلها لأنها إنما قلبت ألفاً لتحريكها، وانفتاح ما قبلها، والآن ذهبت حركتها لاستحقاقها السكون، وأما الخامس فمعرب ووزنه تفعلين كتفرحين، وأصله تخشيين، فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقائها ساكنة مع ياء الضمير، وترك فتحة الشين دالة على الألف، وأما السادي فمعرب ووزنه تفعلين كتضربين، وأصله ترميين، حذفت كسرة الياء لاستثقالها، ثم حذفت الياء لاجتماعها ساكنة مع ياء الضمير، وأما السابع فمبني ووزنه تفعلن كتضربن، وأما الثامن والتاسع فمضارع محى ورد بالأوزان الثلاثة، فمن قال يمحو قال في المضارع من جماعة النسوة تمحون مثله من غزا بناء ووزناً، ومن قال يمحي قال فيه تمحين كترمين بناء

стр. 2930

ووزناً، ومن قال يمحى قال فيه تمحين كتخشين بناء ووزناً، ويقال المضارع للواحدة في اللغة الأولى تمحين كتدعين، إعراباً ووزناً وتصريفاً، وقد تقدم في كلام المنصف، وعلى الثانية كما يقال لها من رمى إعراباً ووزناً وتصريفاً، وعلى الثالثة كما يقال لها من تخشى أيضاً، وقد تقدما، وليس ما وقع في السؤال كما نقل من خط بعض الشارحين أنه يقال فيها تمحون كتفرحن بشيء، وأمر التثنية ظاهر؛ انتهى بحروفه. وما قاله رحمه الله تعالى في الاعتذار عن ابن خميس هو اللائق بمقامه، فإن مكان ابن خميس من العلوم غير منكر، وقد مدحه ابن خطاب بقوله: رقت حواشي طبعك ابن خميس ... فهفا قريضك لي وهاج رسيسي ولمثله يصبو الحليم ويمتري ... ماء الشؤون به وسير العيس لك في البلاغة، والبلاغة بعض ما ... تحويه من أثر، محل رئيس نظم ونثر لا تبارى فيهما ... عززت ذاك وذا بعلم الطوسي يعني أبا حامد الغزالي. [ترجمة ابن خميس] وقال لسان الدين ابن الخطيب في " عائد الصلة " في حق أبي عبد الله محمد ابن خميس التلمساني المذكور ما صورته (١) : كان رحمه الله تعالى نسيج وحده زهداً وانقباضاً وبأواً (٢) وهمة، حسن الشيبة، جميل الهيئة، سليم الصدر، قليل التصنع، بعيداً عن الرياء، عاملاً على السياحة والعزلة، عارفاً بالمعارف القديمة،

стр. 2931

مضطلعاً بتفاريق النحل، قائماً على العربية والأصلين، طبقة الوقت في الشعر، وفحل الأوان في المطول، أقدر الناس على اجتلاب الغريب، ثم ذكر من أحواله جملة، إلى أن قال: وبلغ الوزير أبا عبد الله ابن الحكيم أنه يروم السفر، فشق ذلك عليه، وكلفه تحريك الحديث بحضرته، وجرى ذلك، فقال الشيخ: أنا كالدم بطبعي أتحرك في كل ربيع؛ انتهى. وقال ابن خاتمة في " مزية المرية على غيرها من البلاد الأندلسية ": إنه نظم في الوزير ابن الحكيم القصائد التي حليت بها لبات الآفاق، وتنفست عنها صدور الرفاق، وكان من فحول الشعراء، وأعلام البلغاء [يصرف العويص] ويرتكب مستصعبات القوافي، ويطير في القريض مطار ذي القوادم الباسقة والخوافي، حافظاً لأشعار العرب وأخبارها، وله مشاركة في العقليات، واستشراف على الطلب، وقعد لإقراء العربية بحضرة غرناطة، ومال بأخرة إلى التصوف والتجوال، والتحلي بحسن السمت وعدم الاسترسال، بعد طي بساط ما فرطه له في بلده من الأحوال. وكان صنع اليدين، حدثني بعض من لقيت من الشيوخ أنه صنع قدحاً من الشمع على أبدع ما يكون في شكله ولطافة جوهره وإتقان صنعه، وكتب بدائرة شفته: وما كنت إلا زهرة في حديقة ... تبسم عني ضاحكات الكمائم فقلبت من طور لطور فها أنا ... أقبل أفواه الملوك الأعاظم وأهداه خدمة للوزير أبي عبد الله ابن الحكيم. وأنشدنا شيخا القاضي أبو البركات ابن الحاج، وحكى لنا قال: أنشدني أبو عبد الله ابن خميس، وحكى لي قال: لما وقفت على الجزء الذي ألفه ابن سبعين وسماه " الفقيرية " كتبت على ظهره: الفقر عندي لفظ دق معناه ... من رامه من ذوي الغايات عناه كم من غبي بعيد عن تصوره ... أراد كشف معماه فعماه

стр. 2932

وأنشدنا شيخنا الأستاذ أبو عثمان ابن ليون غير مرة قال: سمعت أبا عبد الله ابن خميس ينشد، وكان يحسب أنهما له، ويقال: إنهما لابن الرومي: رب قوم في منازلهم ... عرر بها صاروا غررا ستر الإحسان ما بهم ... سترى لو زال ما سترا ثم قال ابن خاتمة: وقد جمع شعره ودونه صاحبنا القاضي أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم الحضرمي في جزء سماه " الدر النفيس في شعر ابن خميس " وعرف به صدره، وقدم ابن خميس المرية سنة ست وسبعمائة فنزل بها في كنف القائد أبي الحسن ابن كماشة من خدام الوزير ابن الحكيم، فوسع له في الإيثار والمبرة، وبسط له وجه الكرامة طلق الأسرة، وبها قال في مدح الوزير المذكور قصيدته التي أولها: العشي تعيا والنوابغ ... عن شكر أنعمك السوابغ (١) ووجه بها إليه [من المرية] وهي طويلة، ومنها: ودسائع ابن كماشة ... مع كل بازغة وبازغ تأتي بما تهوى النغا ... نغ من شهيات اللغالغ ومنها: ما ذاق طعم بلاغة ... من ليس للحواشي ماضغ ويقال: إن الوزير اقترح عليه أن ينظم قصيدة هائية، فابتدأ منها مطلعها، وهو قوله:

стр. 2933

لمن المنازل لا يجيب صداها ... محيت معالمها وصم صداها وذلك آخر شهر رمضان من سنة ثمان وسبعمائة، ثم لم يزد على ذلك إلى أن توفي رحمه الله تعالى، فكان آخر ما صدر عنه من الشعر وقد أشار معناه إلى منعاه، وآذن أولاه بحضور أخراه، وكانت وفاته بحضرة غرناطة قتيلاً ضحوة يوم الفطر مستهل شوال سنة ثمان وسبعمائة، وهو ابن نيف وستين سنة، وذلك يوم مقتل مخدومه الوزير ابن الحكيم، أصابه قاتله بحقده على مخدومه، وكان آخر ما سمع منه " أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله " واستفاض من حال القاتل أنه هلك قبل أن يكمل سنة من حين قتله من فالج شديد أصابه، فكان يصيح ويستغيث: ابن خميس يطلبني، ابن خميس يضربني، ابن خميس يقتلني، وما زال الأمر يشتد به حتى قضى نحبه على تلك الحال، نعوذ بالله من الورطات، ومواقعات العثرات؛ انتهى ملخصاً. وحكى غيره أن بعضهم كتب بعد قوله " لمن المنازل لا يجيب صداها " ما نصه: لابن الحكيم، ومن بديع نظم ابن خميس قوله (١) : تراجع من دنياك ما أنت تارك ... وتسألها العتبى وها هي فارك تؤمل بعد الترك رجع ودادها ... وشر وداد ما تود الترائك حلا لك منها ما حلا لك في الصبا ... فأنت على حلوائه متهالك تظاهر بالسلوان عنها نخوة لا زهادة ... وشعر عذاري أسود اللون حالك وهي طويلة طنانة، وفي آخرها يقول: فلا تدعون غيري لدفع ملمة ... إذا ما دهى من حادث الدهر داهك (٢)

стр. 2934

فما إن لذاك الصوت غيري سامع ... وما إن لبيت المجد بعدي سامك (١) يغص ويشجى نهشل ومجاشع ... بما أورثتني حمير والسكاسك تفارقني الروح التي لست غيرها ... وطيب ثنائي لاصق بي صانك (٢) وماذا عسى ترجو لداتي وأرتجي ... وقد شمطت مني اللحى والأفانك (٣) يعود لنا شرخ الشباب الذي مضى ... إذا عاد للدنيا عقيل ومالك ومما اشتهر من نظمه قوله (٤) : أرق عيني بارق من أثال ... كأنه في جنح ليلي ذبال أثار شوقاً في ضمير (٥) الحشا ... وعبرتي في صحن خدي أسال حكى فؤادي قلقاً واشتعال ... وجفن عيني أرقاً وانهمال جوانح تلفح نيرانها ... وأدمع تنهل مثل الغزال (٦) قولوا وشاة الحب ما شئتم ... ما لذة الحب سوى أن يقال عذراً للوامي (٧) ولا عذر لي ... فزلة العالم ما إن تقال قم نطرد الهم بمشمولة ... تقصر الليل إذا الليل طال وعاطها صفراء ذمية ... تمنعها الذمة من أن تنال كالمسك ريحاً، واللمى مطعماً ... والتبر لوناً، والهوى في اعتدال عتقها في الدن خمارها ... والبكر لا تعرف غير الحجال لا تثقب المصباح (٨) لا واسقني ... على سنا البرق وضوء الهلال

стр. 2935

فالعيش نوم، والردى يقظة ... والمرء ما بينهما كالخيال خذها على تنغيم مسطارها (١) ... بين خوابيها وبين الدوال في روضة باكر وسميها ... أخمل دارين وأنسى أوال (٢) كأن فأر المسك مفتوقة ... فيها إذا هبت صباً أو شمال من كف ساجي الطرف ألحاظه ... مفوقات أبداً للنضال من عاذري والكل لي عاذر ... من حسن الوجه قبيح الفعال من خلبي الوعد كذابه ... لبان لا يعرف غير المطال كأنه الدهر وأي امرئ ... يبقى على الدهر إذا الدهر حال أما تراني آخذاً ناقضاً ... عليه ما سوغني من محال ولم أكن قط له عائباً ... كمثل ما عاتبه قبلي رجال يأبى ثراء المال علمي، وهل ... يجتمع الضدان: علم ومال وتأنف الأرض مقامي بها ... حتى تهاداني ظهور الرحال لولا بنو زيان ما لذ لي ال ... عيش ولا هانت علي الليال هم خوفوا الدهر وهم خففوا ... على بني الدنيا خطاه الثقال لقيت (٣) من عامرهم سيداً ... غمر رداء الحمد جم النوال وكعبة للجود منصوبة ... يسعى إليها الناس من كل بال خذها أبا زيان من شاعر ... مستلمح النزعة عذب المقال يلتقط الألفاظ لقط النوى ... وينظم الآلاء نظم اللآل مجارياً مهيار في قوله ... ما كنت لولا طمعي في الخيال وقصيدة مهيار مطلعها (٤) :

стр. 2936

ما كنت لولا طمعي في الخيال ... أنشد ليلى بين طول الليال ومن نظم ابن خميس قوله (١) : نظرت إليك بمثل عيني جؤذر ... وتبسمت عن مثل سمطبي جوهر عن ناصع كالدر أو كالبرق أو ... كالطلع أو كالأقحوان مؤشر تجري عليه من لماها نطفة ... بل خمرة لكنها لم تعصر لو لم يكن خمراً سلافاً ريقها ... تزري وتلعب بالنهى لم تخطر وكذاك ساجي جفنها لو لم يكن ... فيه مهند لحظها لم يحذر لو عجبت طرفك في حديقة خدها ... وأمنت سطوة صدغها المتنمر لرتعت من ذاك الحمى في جنة ... وكرعت من ذاك اللمى في كوثر طرقتك وهناً والنجوم كأنها ... حصباء در في بساط أخضر والركب بين مصعد ومصوب ... والنوم بين مسكن ومنفر بيضا إذا اعتكرت ذوائب شعرها ... سفرت فأزرت بالصباح المسفر سرحت غلائلها فقلت سبيكة ... من فضة أو دمية من مرمر منحتك ما منعتك يقظاناً فلم ... تخلف مواعدها ولم تتغير وكأنما خافت بغاة وشاتها ... فأتتك من أردافها في عسكر وبجزع ذاك المنحنى أدمانة ... تعطوا (٢) فتسطوا بالهزبر القسور وتحية جاءتك في طي الصبا ... أذكى وأعطر من شميم العنبر جرت على واديك فضل ردائها ... فعرفت فيها عرف ذاك الإذخر هاجت بلابل نازح عن إلفه ... متشوق ذاكي الحشا متسعر وإذا نسيت ليالي العهد التي ... سلفت لنا فتذكريها تذكري

стр. 2937

رحنا تغنينا ونرشف ثغرها ... والشمس تنظر مثل عين الأخزر والروض بين مفضض ومعسجد ... والجو بين ممسك ومعصفر وكان السلطان أمير المؤمنين أبو عنان المريني - رحمه الله تعالى - كثير العناية بنظم ابن خميس وروايته، قال رحمه الله تعالى: أنشدنا القاضي خطيب حضرتنا العلية أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق بقصر المصارة يمنه الله قال: أنشدنا بلفظه شيخ الأدباء وفحل الشعراء، أبو عبد الله ابن خميس لنفسه (١) : أنبت ولكن بعد طول عتاب ... وفرط لجاج ضاع فيه شبابي وما زلت والعلياء تعلي غريمتها ... أعلل نفسي دائماً بمتاب وهيهات من بعد الشباب وشرخه ... يلذ طعامي أو يسوغ شرابي خدعت بهذا العيش قبل بلائه ... كما يخدع الصادي بلمع سراب تقول هو الشهد المشور جهالة ... وما هو إلا السم شيب بصاب وما صحب الدنيا كبكر وتغلب ... ولا ككليب ريء فحل ضراب إذا كعت الأبطال عنها تقدموا ... أعاريب غراً في متون عراب وإن ناب خطب أو تفاقم معضل ... تلقاه منهم كل أصيد ناب تراءت لجساس مخيلة فرصة ... تأتت له في جيئة وذهاب فجاء بها شوهاء (٢) تنذر قومها ... بتشييد أرجام (٣) وهدم قباب وكان رغاء السقب في قوم صالح ... حديثاً فأنساه رغاء سراب فما تسمع الآذان في عرصاتهم ... سوى نوح ثكلى أو نعيب غراب وسل عروة الرحال عن صدق بأسه ... وعن بيته في جعفر بن كلاب وكانت على الأملاك منه وفادة ... إذا آب منها آب غير مآب

стр. 2938

يجير على الحيين قيس وخندف ... بفضل يسار أو بفصل خطاب زعامة مرجو النوال مؤمل ... وعزمة مسموع الدعاء مجاب فمر يزجيها حواسر ظلعاً ... بما حملوها من منى ورغاب إلى فدك والموت أغرب غاية ... وهذا المنى يأتي بكل عجاب تبرض صفو العيش حتى استشفه ... فداف له البراض قشب حباب (١) فأصبح في تلك المعاطف نهزة ... لنهب ضباع أو لنهس ذئاب وما سهمه عند النضال بأهزع ... ولا سيفه عند الصراع (٢) بنابي ولكنها الدنيا تكر على الفتى ... وإن كان منها في أعز نصاب وعادتها أن لا توسط عندها ... فإما سماء أو تخوم تراب فلا ترج من دنياك وداً وإن يكن ... فما هو إلا مثل ظل سحاب وما الحزم كل الحزم إلا اجتنابها ... فأشقى الورى من تصطفي وتحابي أبيت لها، ما دام شخصي، أن ترى ... تمر ببابي أو تطور (٣) جنابي فكم عطلت من أربع وملاعب ... وكم فرقت من أسرة وصحاب وكم عفرت من حاسر ومدجج ... وكم أثكلت من معصر وكعاب إليكم بني الدنيا نصيحة مشفق ... عليكم بصير الأمور نقاب (٤) طويل مراس الدهر جذل مماحك ... عريض مجال الهم حلس ركاب تأتت له الأهوال أدهم سابقاً ... وغصت به الأيام أشهب كابي ولا تحسبوا أني على الدهر عاتب ... فأعظم ما بي منه أيسر ما بي وما أسفي إلا شباب خلعته ... وشيب أبى إلا نصول خضاب

стр. 2939

وعمر مضى لم أحل مه بطائل ... سوى ما خلا من لوعة وتصابي ليالي شيطاني على الغي قادر ... وأعذب ما عندي أليم عذاب عكسنا قضايانا على حكم عادنا ... وما عكسها عند النهى بصواب على المصطفى المختار أزكى تحية ... فتلك التي أعتد يوم حسابي فتلك عتادي أو ثناء أصوغه ... كدر سحاب أو كدر سخاب (١) ومن مشهور نظم ابن خميس قوله (٢) : عجباً لها أيذوق طعم وصالها ... من ليس يأمل أن يمر ببالها وأنا الفقير إلى تعلة ساعة ... منها، وتمنعني زكاة جمالها كم ذاد عن عيني الكرى متألق ... يبدو ويخفى في خفي مطالها يسمو لها بدر الدجى متضائلاً ... كتضاؤل الحسناء في أسمالها (٣) وابن السبيل يجيء يقبس نارها ... ليلاً فتمنحه عقيلة مالها يعتادني في النوم طيف خيالها ... فتصيبني ألحاظها بنبالها كم ليلة جادت به فكأنما ... زفت علي ذكاء وقت زوالها أسرى فعطلها وعطل شهبها ... بأبي شذا المعطار من معطالها وسواد طرته كجنح ظلامها ... وبياض غرته كضوء هلالها دعني أشم بالوهم أدنى لمعة ... من ثغرها واشم مسكة خالها ما راد طرفي في حديقة خدها ... إلا لفتنته بحسن دلالها أنسيب شعري رق مثل نسيمها ... فشمول راحك مثل ريح شمالها وانقل أحاديث الهوى واشرح غري ... ب لغاتها واذكر ثقات رجالها

стр. 2940

وإذا مررت برامة فتوق من ... أطلائها وتمشى في أطلالها وانصب لمغزلها حبالة قانص ... ودع الكرى شركاً لصيد غزالها وأسل جداول بفيض دموعها ... وانضح جوانحها بفضل سجالها أنا من بقية معشر عركتهم ... هذي النوى عرك الرحى بثفالها (١) أكرم بها فئة أريق نجيعها ... بغياً فراق العين حسن مآلها حلت مدامة وصلها وحلت لهم ... فإن انتشوا فبحلوها وحلالها بلغت بهرمس غاية ما نالها ... أحد وناء لها لبعد منالها وعدت على سقراط سورة كأسها ... فهريق ما في الدن من جريانها وسرت إلى فاراب منها نفحة ... قدسية جاءت بنخبة آلها (٢) ليصوغ من ألحانه في حانها ... ما سوغ القسيس من أرمالها وتغلغلت في سهرورد فأسهرت ... عيناً يؤرقها طروق خيالها (٣) فخبا شهاب الدين لما أشرقت ... وخوى فلم يثبت لنور جلالها ما جن مثل جنونه أحد، ولا ... سمحت يد بيضا بمثل نوالها وبت على الشوذي (٤) منها نشوة ... ما لاح منها غير لمعة آلها بطلت حقيقته وحالت حاله ... فيما يعبر عن حقيقة حالها هذي صبابتهم ترق صبابة ... فيروق شاربها صفاء زلالها وهي طويلة. قال السلطان أبو عنان رحمه الله تعالى (٥) : أخبرني شيخنا الإمام العالم العلامة

стр. 2941

وحيد زمانه أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم الآبلي رحمه الله تعالى، قال: لما توجه الشيخ الصالح الشهير أبو إسحاق التنسي من تلمسان إلى بلاد المشرق اجتمع هنالك بقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد، فكان من قوله له: كيف حال الشيخ العالم أبي عبد الله ابن خميس وجعل حيليه بأحسن الأوصاف، ويطنب في ذكر فضله، فبقي الشيخ أبو إسحاق متعجباً، وقال: من يكون هذا الذي حليتموه بهذا الحلي ولا أعرفه ببلده فقال له: هو القائل: عجباً لها أيذوق طعم وصالها ... قال: فقلت له: إن هذا الرجل ليس عندنا بهذه الحالة التي وصفتم، إنما هو عندنا شاعر فقط، فقال له: إنكم لم تنصفوه، وإنه لحقيق بما وصفناه به. قال السلطان: وأخبرنا شيخنا الآبلي المذكور أن قاضي القضاة ابن دقيق العيد كان قد جعل القصيدة المذكورة بخزانة كانت له تعلو موضع جلوسه للمطالعة، وكان يخرجها من تلك الخزانة، ويكثر تأملها والنظر فيها، ولقد تعرفت أنه لما وصلت هذه القصيدة إلى قاضي القضاة تقي الدين المذكور لم يقرأها حتى قام إجلالاً لها؛ انتهى. وكان ابن خميس رحمه الله تعالى - بعد مفارقة بلده تلمسان، سقى الله أرجاءها أنواء نيسان - كثيراً لمشاهدها، ويتأوه من تذكره لمعاهدها، وينشد القصائد الطنانة في ذلك، سالكاً في الحنين إليها المسالك، فمن ذلك قوله (١) : تلمسان لو أن الزمان بها يسخو ... منى النفس لا دار السلام ولا الكرخ وداري بها الأولى التي حيل دونها ... مثار الأسى لو أمكن الحنق اللبخ (٢)

стр. 2942

وعهدي بها والعمر في عنفوانه ... وماء شبابي لا أجين ولا مضخ (١) قرارة تهيام، ومغنى صبابة ... ومعهد أنس لا يلذ به لطخ إذا الدهر مثني العنان منهنه ... ولا ردع يثني من عناني ولا ردخ (٢) ليالي لا أصغي إلى عذل عاذل ... كأن وقوع العذل في أذني صمخ (٣) معاهد أنس عطلت فكأنها ... ظواهر ألفاظ تعمدها النسخ وأربع آلاف عفا بعض آيها ... كما كان يعرو بعض ألواحنا اللطخ فمن يك سكران من الوجد مرة ... فإني منه طول دهري لملتخ (٤) ومن يقتدح زنداً لموقد جذوة ... فزند اشتياقي لا عفار ولا مرخ أأنسى وقوفي لاهياً في عراصها ... ولا شاغل إلا التودع والسبخ (٥) وإلا اختيالي ماشياً في سماطها ... رخياً كما يمشي بطرته الرخ (٦) وإلا فعدوي مثلما ينفر الطلا ... وليداً، وحجلي مثلما ينهض الفرخ كأني فيها أردشير ابن بابك ... ولا ملك لي إلا الشبيبة والشرخ وإخوان صدق من لاتي كأنهم ... جآذر رمل لا عجاف ولا بزخ (٧) وعاة لما يلقى إليهم من الهدى ... وعن كل فحشاء ومنكرة صلخ (٨) هم القوم كل القوم سيان في العلا ... شبابهم الفرعان والشيخة السلخ (٩) مضوا ومضى ذاك الزمان وأنسه ... ومر الصبا والمال والأهل والبذخ

стр. 2943

كأن لم يكن يوماً لأقلامهم بها ... صرير، ولم يسمع لأكعبهم جبخ (١) ولم يك في أرواحها (٢) من ثنائهم ... شميم ولا في القضب من لينهم ملخ (٣) ولا في مححيا الشمس من هديهم سناً ... ولا في جبين البد من طيبهم ضمخ سعيتم بني عمور في شت شملنا ... فما تجركم ربح ولا عيشنا ربخ (٤) دعيتم إلى ما يرتجى من صلاحكم ... فردكم عنه التعجرف والجمخ (٥) تعاليتم عجباً فطم عليكم ... عباب له في رأس عليائكم جلخ وأوغلتم في العجب حتى هلكتم ... جماح غواة ما ينهنههم قفخ (٦) كفاكم بها سجن طويل وإن يكن ... هلاك لكم فيها فهي لكم فخ فكم فئة منا ظفرتم بنيلها ... بأبشارها من حجم أظفاركم برخ (٧) كأنكم من خلفها وأمامها ... أسود غياض وهي ما بينكم أرخ (٨) فللسوق منها القيد إن هي أغربت ... وللهام إن لم تعط ما رعت النقخ (٩) كأن تحتها من شدة القلق القطا ... ومن فوقها من شدة الحذر الفتخ (١٠) وأقرب ما تهذي به الهلك والتى ... وأيسر ما تشكو به الذل والفنخ (١١) فماذا عسى نرجوه من لم شعثها ... وقد حز منها الفرع واقتلع الشلخ (١٢)

стр. 2944

وما يطمع الراجون من حفظ آيها ... وقد عصفت فيها رياحهم النبخ (١) زعانف أنكاد لئام عناكل ... متى قبضوا كفاً على إثره طخوا (٢) ولما استقلوا من مهاوي ضلالهم ... وأوموا إلى أعلام رشدهم زخوا (٣) دعاهم أبو يعقوب للشرف الذي ... يذل له رضوى ويعنو له دمخ (٤) فلم يستجيبوه فذاقوا وبالهم ... وما لامرئ عن أمر خالقه نخ (٥) وما زلت أدعو للخروج عليهم ... وقد يسمع الصم الدعاء إذا أصخوا وأبذل في استئصالهم جهد طاقتي ... وما لظنابيب ابن سابحة قفخ (٦) تركت لمينا سبتة كل نجعة ... كما تركت للعز أهضامها شمخ وآليت أن لا أرتوي غير مائها ... ولو حل بي في غيره المن والمذخ (٧) وأن لا أحط الدهر إلا بعقرها ... ولو بوأتني دار أمرتها بلخ فكم نقعت من غلة تلكم الأضا ... وكم أبرئت من علة تلكم اللبخ (٨) وحسبي منها عدلها واعتدالها ... وأبحرها العظمى وأريافها النفخ وأملاكها الصيد المقاولة الألى ... لعزهم تعنو الطراخمة البلخ (٩) كواكب هدي في سماء رياسة ... تضيء فما يدجو ضلال ولا يضخو (١٠) ثواقب أنوار تري كل غامض ... إذا الناس في طخياء غيهم إلتخوا (١١)

стр. 2945

وروضات آداب إذا ما تأرجت ... تضاءل في أفياء أفنانها الرمخ (١) مجامر ند في حدائق نرجس ... تنم ولا لفح يصيب ولا دخ (٢) وأبحر علم لا حياض رواية ... فيكبر منها النضح أو يعظم النضخ بنوا العزفيين الألى من صدورهم ... وأيديهم تملا القراطيس والطرخ (٣) إذا ما فتى منهم تصدى لغاية ... تأخر من ينحو وأقصر من ينخو رياسة أخيار وملك أفاضل ... كرام لهم في كل صالحة رضخ (٤) إذا ما بدا منا جفاء تعطفوا ... علينا، وإن حلت بنا شدة رخوا نزورهم حذاً نحافاً فننثني ... وأجمالنا دلح وأبداننا دلخ (٥) يربوننا بالعلم والحلم والنهى ... فما خرجنا بز ولا حدنا برخ (٦) وما الزهد في أملاك لخم ولا التقى ... ببدع، وللدنيا لزوق بمن يرخو وإلا ففي رب الخورنق غنية ... فما يومه سر ولا صيته رضخ (٧) تطلع يوماً والسدير أمامه ... وقد نال منه العجب ما شاء والجفخ (٨) وعن له من شيعة الحق قائم ... بحجة صدق لا عبام ولا وشخ (٩) فأصبح يجتاب المسوح زهادة ... وقد كان يؤذي بطن أخمصه النخ (١٠) وفي واحد الدنيا أبي حاتم لنا ... دواء، ولكن ما لأدوائنا نتخ (١١)
следующие страницы →