قال ابن الصباغ: من شعر ابن لب يمدح رسول الله ﷺ :
إذا القلب ثار أثار ادكارا ... لقلبي فأذكى عليه أوارا
تروم جفوني لنار الهوى ... خموداً فتهمي دموعاً غزارا
فماء جفوني يسح انهمالا ... ونار فؤادي تهيج استعارا
أطيل العويل صباحاً مساء ... كئيبا ولست أطيق اصطبارا
رقيت مراقي للحب شتى ... فأفنى مراراً وأحيا مرارا
أحن اشتياقاً لريح سرت ... وأبدي هياماً لبرق أنارا
حنيناً وشوقاً إلى معلم ... حوى شرفاً خالداً لا يجارى
به أسكن الله أسمى الورى ... نبياً كريماً وصحباً خيارا
هو المصطفى المنتقى المجتبى ... أرى معجزات وآياً كبارا
يحق علينا ركوب البحار ... وجوب القفار إليه ابتدارا ومنها:
فيا فوز من فاز في طيبة ... بلثم المغاني جداراً جدارا
وألصق خداً على تربها ... وأكمل حجاً بها واعتمارا
وأهدى السلام لخير الأنام ... على حين وافى عليه مزارا
فيا هادي الخلق دار نعيم ... تناهت جمالاً وطابت قرارا
لأنت الوسيلة والمرتجى ... ليوم يرى الناس فيه سكارى
وما هم سكارى، ولكنهم ... دهتهم دواه فهاموا حيارى
ترى المرء للهول من أمه ... ومن أقربيه يطيل الفرارا
وكل يخاف على نفسه ... فيكسوه خوف الإله انكسارا
فصلى الإله، رسول الهدى، ... عليك، وأبقى هداك منارا
وقدس ربي ثرى روضة ... يعم الجهات سناها انتشارا
стр. 3082
أعبر شذا المسك منها الثرى ... بل المسك منه شذاه استعارا
هنيئاً لمن بهداك اهتدى ... ومغناك وافى، وإياك زارا وقصد رحمه الله تعالى بهذه القصيدة معارضة قصيدة الشبهاب محمود التي نظمها بالحجاز في طريق المدينة الشرفة على ساكنها الصلاة والسلام، وهي طويلة، ومطلعها:
وصلنا السرى وهجرنا الديارا ... وجئناك نطوي إليك القفارا وقد تبارى الشعراء في هذا الوزن وهذا الروي، ومنه القصيدة المشهورة:
أقول وآنست بالحي نارا ... ولابن لب رحمه الله تعالى الفتاوى المشهورة:
وقال في الإحاطة في حقه ما محصله: فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي غرناطي أبو سعيد، من أهل الخير والطهارة والذكاء والديانة وحسن الخلق، رأس بنفسه وبرز بمزية إدراكه وحفظه، فأصبح حامل لواء التحصيل وعليه مدار الشورى وإليه مرجع الفتوى، لقيامه على الفقه وغزارة علمه وحفظه، إلى المعرفة بالعربية واللغة، ومعرفة التوثيق والقيام على القرارات والتبريز في التفسير، والمشاركة في الأصلين والفرائض والأدب، وجودة الحفظ؛ وأقرأ بالمدرسة النصرية في الثامن والعشرين لرحب عام أربعة وخمسين وسبعمائة، معظماً عند الخاصة والعامة، مقروناً اسمه بالتسويد، قعد للتدريس ببلده على وفور الشيوخ، وولي الخطابة بالجامع. قرأ على القيجاطي، والعربية على ابن الفخار، وأخذ عن ابن جابر الوادي آشي، فمن شعره في النسيب (١) :
خذوا للهوى من قلبي اليوم ما أبقى ... فما زال قلبي كله للهوى رقا
стр. 3083
دعوا القلب يصلى في لظى الوجد ناره ... فنار الهوى الكبرى وقلبي هو الأشقى
سلوا اليوم أهل الوجد ماذا به لقوا ... فكل الذي يلقون بعض الذي ألقى
فإن كان عبد يسأل العتق سيداً ... فلا أبتغي من مالكي في الهوى عتقا
بدعوى الهوى يدعو أناس وكلهم ... إذا سئلوا طرق الهوى جهلوا الطرقا
فطرق الهوى شتى ولكن أهله ... يحوزون في يوم السباق بها السبقا
وكم جمعت طرق الهوى بين أهلها ... وكم أظهرت عند السوى بينهم فرقا
بسيما الهوى تسمو معارف أهله ... فحيث ترى سيما الهوى فاعرف الصدقا
فمن زفرة تزجي سحائب عبرة ... إذا زفرة ترقى فلا عبرة ترقا (١)
إذا سكتوا عن وجدهم أعربت به ... بواطن أحوال وما عرفت نطقا وقال في وداع شهر رمضان:
أأزمعت يا شهر الصيام رحيلا ... وقاربت يا بدر الزمان أفولا
جدك قد جدت بك الآن رحلة ... رويدك أمسك للوداع قليلا
نزلت فأزمعت الرحيل كأنما ... نويت رحيلاً إذ نويت نزولا
وما ذاك إلا أن أهلك قد مضوا ... تفانوا فأبصرت الديار طلولا
تفكرت في الأوقات (٢) ناشئة التقى ... أشد به وطأ وأقوم قيلا وهي طويلة.
وكان موجوداً عند تأليف الإحاطة رحمه الله تعالى؛ انتهى بالمعنى.
وقال الحافظ ابن حجر: إنه صنف كتاباً في الباء الموحدة، وأخذ عن شيخنا بالإجازة قاسم بن علي المالقي، ومات سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة؛ انتهى.
وقال تلميذه المنتوري ما نصه: من شيوخي الشيخ الأستاذ الخطيب المقرئ
стр. 3084
المتفنن المفتي أبو سعيد ابن لب، مولده سنة إحدى وسبعمائة، وتوفي ليلة السبت لسبع عشرة ليلة مضت من ذي الحجة عام اثنين وثمانين؛ انتهى.
وهو مخالف لما سبق عن ابن حجر، لكن صاحب البيت أدرى، إذ قال: شيخنا الفقيه الخطيب الأستاذ المقرئ العالم العلم الصدر الأوحد الشهير، كان شيخ الشيوخ وأستاذ الأستاذين بالأندلس، إليه انتهت فيها رياسة الفتوى في العلوم، كان أهل زمانه يقفون عندما يشير إليه، قرأ على أبي علي القيجاطي بالسبع، وتفقه عليه كثيراً في أنواع العلوم، ولازمه إلى أن مات، وأجازه عامة، وعليه اعتمد، وأخذ عن أبي جعفر ابن الزيات، وأبي إسحاق ابن أبي العاصي، وابن جابر الوادي آشي، وقاضي الجماعة أبي بكر، سمع عليه البخاري، وتفقه عليه، وقرأ عليه أكثر عقيدة المقترح تفهماً، وبعض الإرشاد وبعض التهذيب، وعن أبي محمد ابن سلمون، والبركة أبي عبد الله الطنجالي الهاشمي، وأجازه؛ انتهى بمعناه.
وبالجملة فهو من أكابر علماء المالكية بالمغرب حتى قال المواق فيه: شيخ الشيوخ أبو سعيد ابن لب، الذي نحن على فتاويه في الحلال والحرام؛ انتهى.
وقل من لم يأخذ عنه في الأندلس في وقته، فممن أخذ عنه الشاطبي، وابن علاق، وأبو محمد ابن جزي، والأستاذ ابن زمرك، في خلق كثير من طبقتهم، ثم من الطبقة الثانية أبو يحيى ابن عاصم، وأخوه القاضي (١) أبو بكر ابن عاصم، والشيخ أبو القاسم ابن سراج، والمنتوري، في خلق لا يحصون.
وله تواليف، فمنها شرح جمل الزجاجي، وشرح تصريف التسهيل،
стр. 3085
وكتاب " ينبوع عين الثرة (١) في تفريع مسألة الإمامة بالأجرة "، وله فتاوى مدونة بأيدي الناس، وممن جمعها الشيخ ابن طركاط الأندلسي، وله كتابة في مسألة الأدعية إثر الصلوات على الهيئة المعروفة، وقد رد عليه في هذا التأليف تلميذه أبو يحيى ابن عاصم الشهيد في تأليف نبيل انتصاراً لشيخه أبي إسحاق الشاطبي، رحم الله تعالى الجميع.
٢٦ - ومن أشياخ لسان الدين ابن الخطيب أبو القاسم ابن جزي، ففي " الإحاطة " (٢) ما ملخصه: محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن جزي، الكلبي، أبو القاسم، من أهل غرناطة، وذوي الأصالة والنباهة فيها، شيخنا، وأصل سلفه من ولبة من حصن البراجلة، نزل بها أولهم عند الفتح صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي، وعند خلع دولة المرابطين كان لجدهم يحيى رياسة وإفراد بالتدبير، وكان رحمه الله تعالى على طريقة مثلى من العكوف على العلم، والاقتصار على الاقتيات من حر النشب، والاشتغال بالنظر والتقييد والتدوين، فقيهاً حافظاً قائماً على التدريس، مشاركاً في فنون من عربية وفقه وأصول وقراءات وأدب وحديث، حفظة للتفسير، مستوعباً للأقوال، جماعة للكتب، ملوكي الخزانة، حسن المجلس، ممتع المحاضرة، قريب الغور، صحيح الباطن، تقدم خطيباً بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنه، فاتفق على فضله، وجرى على سنن أصالته، قرأ على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير العربية والفقه والحديث والقرآن، وعلى ابن الكماد، ولازم الخطيب أبا عبد الله ابن رشيد وطبقتهم كالحضرمي وابن أبي الأحوص وابن برطال وأبي عامر ابن ربيع الأشعري والولي أبي عبد الله
стр. 3086
الطنجالي وابن الشاط.
وله تواليف منها وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم والأنوار السنية في الكلمات السنية والدعوات والأذكار المخرجة من صحيح الأخبار، والقوانين الفقهية وتلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية وكتاب تقريب الوصول إلى علم الأصول وكتاب النور المبين في قواعد عقائد الدين، وكتاب المختصر البارع في قراءة نافع وكتاب أصول القراء الستة غير نافع وكتاب الفوائد العامة في لجن العامة إلى غير ذلك مما قيده في التفسير والقراءات وغير ذلك، وله فهرسة كبيرة اشتملت على جملة كبيرة من علماء المشرق والمغرب.
ومن شعره قوله في الأبيات الغينية ذاهباً مذهب المعري وابن المظفر والسلفي وأبي الحجاج ابن الشيخ وأبي الربيع ابن سالم وابن أبي الأحوص وغيرهم من علماء المشرق والمغرب:
لكل بني الدنيا مراد ومقصد ... وإن مرادي صحة وفراغ
لأبلغ في علم الشريعة مبلغاً ... يكون به لي للجنان بلاغ
ففي مثل هذا فلينافس أولو النهى ... وحسبي من دار الغرور بلاغ
فما الفوز إلا في نعيم مؤبد ... به العيش رغد والشراب يساغ وقال:
أروم امتداح المصطفى فيردني ... قصوري عن إدراك تلك المناقب
ومن لي بحصر البحر والبحر زاخر ... ومن لي بإحصاء الحصى والكواكب
ولو أن أعضائي غدت ألسناً إذاً ... لما بلغت في المدح بعض مآربي
ولو أن كل العالمين تألفوا ... على مدحه لم يبلغوا بعض واجب
فأمسكت عنه هيبة وتأدباً ... وعجزاً وإعظاماً لأرفع جانب
стр. 3087
ورب سكوت كان فيه بلاغة ... ورب كلام فيه عتب لعاتب وقال:
يا رب إن ذنوبي اليوم قد كثرت ... فما أطيق لها حصراً ولا عددا
وليس لي بعذاب النار من قبل ... ولا أطيق لها صبراً ولا جلدا
فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكنتي ... ولا تذيقنني حر الجحيم غدا
شطر أول ... شطر ثاني وقال:
وكم من صفحة في الشمس تبدو ... فيسلي حسنها قلب الحزين
غضضت الطرف عن نظري إليها ... محافظة على عرضي وديني مولده يوم الخميس تاسع ربيع الثاني عام ثلاثة وتسعين وستمائة، وفقد وهو يحرض الناس يوم الكائنة بطريف ضحوة يوم الاثنين تاسع جمادى الأولى عام أحد وأربعين وسبعمائة، وعقبه ظاهر بين القضاء والكتابة؛ انتهى.
[شعر لابن لؤلؤة]
وأذكرني روي الغين الصعب قول الشيخ أبي عبد الله محمد بن علي بن يوسف السكوني الأندلسي المعروف بابن لؤلؤة رحمه الله تعالى ورضي عنه:
أمن بعد ما لاح المشيب بمفرقي ... أميل لزور بالغرور يصاب
وأرتاح للذات والشيب منذر ... بما ليس عنه للأنام مراغ
ومن لم يمت قبل الممات فإنه ... يراع بهول بعده ويراغ
فيا رب وفقني إلى ما يكون لي ... به للذي أرجوك منه بلاغ توفي المذكور بالطاعون سنة ٧٥٠، وكان خطيباً بحسن قمارش رحمه الله تعالى.
стр. 3088
[من نظم ابن جزي]
ومن نظم ابن جزي المذكور قوله:
أيا من كففت النفس عنه تعففاً ... وفي النفس من شوقي إليه لهيب غرام
ألا إنما صبري كصبر، وإنما ... على النفس من تقوى الإله رقيب لجان وهما من التخيير المعلوم في فن البديع.
وقول لسان الدين رحمه الله تعالى وله عقب ظاهر بين القضاء والكتابة يريد به بنيه البارع أبو بكر والعلامة أبا عبد الله والقاضي أبا محمد عبد الله.
[تراجم أولاد ابن جزي]
ولنذكرهم فنقول: أما أبو بكر أحمد (١) فهو الذي ألف أو أبوه الأنوار السنية وهو من أهل الفضل والنزاهة وحسن السمت والهمة واستقامة الطريقة، غرب في الوقار، ومال إلى الانقباض، وله مشاركة حسنة في فنون من فقه وعربية وأدب وخط ورواية وشعر تسمو ببعضه الإجادة إلى غاية بعيدة، وقرأ على والده ولازمه، واستظهر ببعض تآليفه، وتفقه وتأدب به، وقرأ على بعض معاصري أبيه، ثم ارتسم في الكتابة السلطانية لأول دولة السلطان أبي الحجاج ابن نصر، وولي القضاء ببرجة وبأندرش ثم بوادي آش، مشكور السيرة معروف النزاهة ومن شعره:
أرى الناس يولون الغني كرامة ... وإن لم يكن أهلاً لرفعة مقدار
ويلوون عن وجه الفقير وجوههم ... وإن كان أهلاً أن يلاقى بإكبار
بنو الدهر جاءتهم أحاديث جمة ... فما صححوا إلا حديث ابن دينار
стр. 3089
ومن بديع نظمه الصادر عنه تصديره أعجاز قصيدة امرئ القيس بن حجر الكندي بقوله (١) :
أقول لعزمي أو لصالح أعمالي ... (ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي)
أما واعظي شيب سما فوق لمتي ... (سمو حباب الماء حالاً على حال)
أنار به ليل الشباب كأنه ... (مصابيح رهبان تشب لقفال)
نهاني عن غي وقال منبهاً ... (ألست ترى السمار والناس أحوالي)
يقولون غيره لتنعم برهة ... (وهل يعمن من كان في العصر الخالي)
أغالط دهري وهو يعلم أنني ... (كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي)
ومؤنس نار الشيب يقبح لهوه ... (بآنسة كأنها خط تمثال)
أشيخاً وتأتي فعل من كان عمره ... (ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال)
وتشغفك الدنيا وما إن شغفتها ... (كما شغف المهنوءة الرجل الطالي)
ألا إنها الدنيا إذا ما اعتبرتها ... (ديار لسلمى عافيات بذي خال)
فأين الذين استأثروا قبلنا بها ... (لناموا فما إن من حديث ولا صال)
ذهلت بها غياً فكيف الخلاص من ... (لعوب تنسيني إذا قمت سربالي)
وقد علمت مني مواعد توبتي ... (بأن الفتى يهذي وليس بفعال)
ومذ وثقت نفسي بحب محمد ... (هصرت بغصن ذي شماريخ ميال)
وأصبح شيطان الغواية خاسئاً ... (عليه قتام شيء الظن والبال)
ألا ليت شعري هل تقول عزائمي ... (لخيلي كري كرة بعد إجفال)
فأنزل داراً للرسول نزيلها ... (قليل هموم ما يبيت بأوجال)
فطوبى لنفس جاورت خير مرسل ... (بيثرب أدنى دارها نظر عالي)
ومن ذكره عند القبول تعطرت ... (صباً وشمال في منازل قفال)
جوار رسول الله مجد مؤثل ... (وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي)
стр. 3090
ومن ذا الذي يثني عنان الثرى وقد ... (كفاني، ولم أطلب، قليل من المال)
ألم تر أن الظبية استشفعت به ... (تميل عليه هولة غير مجفال)
وقال لها عودي فقالت له نعم ... (ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي)
فعادت إليه والهوى قائل لها ... (وكان عداء الوحش مني على بال)
رثى لبعير قال أزمع مالكي ... (لقتلني والمرء ليس بفعال)
وثور ذبيح بالرسالة شاهد ... (طويل القرا والروق أخنس ذيال)
وحن إليه الجذع حنة عاطش ... (لغيث من الوسمي رائده خال)
وأصلين من نخل قد التأما له ... (فما احتسبا من لين مس وتسهال)
وقبضة رتب منه ذلت لها الظبى ... (ومسنونة زرق كأنياب أغوال)
وأضحى ابن جحش بالعسيب مقاتلاً ... (وليس بذي رمج وليس بنبال)
وحسبك من سوط الطفيل إضاءة ... (مصباح زيت في قناديل ذبال)
وبذت به العجفاء كل مطهم ... (له حجبات مشرفات على الفال)
ويا خسف أرض تحت باغيه إذ علا ... (على هيكل نهد الجزارة جوال)
وقد أخمدت نار لفارس طالما ... (أصابت غضاً جزلاً وكفت بأجزال)
أبان سبيل الرشد إذ سبل الهدى ... (يقلن لأهل الحلم ضلاً بتضلال)
لأحمد خير العالمين التقيتها ... (ورضت فذلت صعبة أي إذلال)
وإن رجائي أن ألاقيه غداً ... (ولست بمقلي الخلال ولا قالي)
فأدرك آمالي وما كل آمل ... (بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي) ولا خفاء ببراعة هذا النظم، وإحكام هذا النسج، وشدة هذه العارضة.
[قصيدتان لحازم]
قلت: وقد أذكرني هذا التصدير قصيدة الأديب حازم صاحب المقصورة
стр. 3091
إذ صدر قصيدة امرئ القيس قفا نبك ولنذكرها هنا، قال رحمه الله تعالى (١) :
لعينيك قل إن زرت أفضل مرسل ... (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)
وفي طيبة فانزل ولا تغش منزلاً ... (بسقط اللوى بين الدخول فحومل)
وزر روضة قد طالما طاب نشرها ... (لما نسجتها من جنوب وشمأل)
وأثوابك اخلع محرماً ومصدقاً ... (لدى الستر إلا لبسة المتفضل)
لدى كعبة قد فاض دمعي لبعدها ... (على النحر حتى بل دمعي محملي)
فيا حادي الآبال سر بي ولا تقل ... (عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل)
فقد حلفت نفسي بذلك وأقسمت ... (علي آلت حلفة ولم تحلل)
فقلت لها لا شك أني طائع ... (وأنك مهما تأمري القلب يفعل)
وكم حملت في أظهر العزم رحلها ... (فيا عجباً من رحلها المتحمل)
وعاتبت العجز الذي عاق عزمها ... (فقلت لك الويلات إنك مرجلي)
نبي للهدى قد قال للكفر نوره ... (ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي)
تلا سوراً ما قولها بمعارض ... (إذا هي نصته ولا بمعطل)
لقد نزلت في الأرض ملة هديه ... (نزول اليمان ذي العياب المحمل)
أتت مغرباً من مشرق وتعرضت ... (تعرض أثناء الوشاح المفصل)
ففازت بلاد الشرق من زينة بها ... (بشق وشق عندنا لم يحول)
فصلى عليه الله ما لاح بارق ... (كلمع اليدين في حبي مكلل)
نبي غزا الأعداء بين تلائع ... (وبين إكام، بعد ما متأمل)
فكم ملك وافاه في زي منجد ... (بمنجرد قيد الأوابد هيكل)
وكم من يمان واضح جاءه اكتسى ... (بضاف فويق الأرض ليس بأعزل)
стр. 3092
ومن أبطحي نيط منه نجاده ... (بجيد معم في العشيرة مخول)
أزالوا ببدر عن بروجهم العدا ... (كما زلت الصفواء بالمتنزل)
وفادوا ظباهم ولا بفتك فتى ولا ... (كبير أناس في بجاد مزمل)
وفضي جموعاً فدفداً جامعاً بها ... (لنا بطن حقف ذي ركام عقنقل)
وأحموا وطيساً في حنين كأنه ... (إذا جاش فيه جميه غلي مرجل)
ونادوا بنات النبع بالنصر أثمري ... (ولا تبعدينا من جناك المعلل)
وممن له سددت سهمين فاضربي ... (بسهمين في أعشار قلب مقتل)
فما أغنت الأبدان درع بها اكتست ... (ترائبها مصقولة كالسجنجل)
وأضحت لواليها ومالكها العدا ... (يقولون لا تهلك أسى وتجمل)
وقد فر منصاع كما فر خاضب ... (لدى سمرات الحي ناقف حنظل)
وكم قال يا ليل الوغى طلت فانبلج ... (بصبح وما الإصباح منك بأمثل)
فليت جوادي لم يسر بي إلى الوغى ... (وبات بعيني قائماً غير مرسل)
وكم مرتق أوطاس منهم بمسرج ... (متى ما ترق العين فيه تسهل)
وقرطه خرصاً كمصباح مسرج ... (أمال السليط بالذبال المفتل)
فيرنو لهاد فوق هاديه طرفه ... (بناظرة وحش وجرة مطفل)
ويسمع من كافورتين بجانبي ... (أثيث كقنو النخلة المتعثكل)
ترفع أن يعزى له شد شادن ... (وأرخاء سرحان وتقريب تتفل)
ولكنه يمضي كما مر مزبد ... (يكب على الأذقان دوح الكنهبل)
ويغشى العدا كالسهم أو كالشهاب أو ... (كجلمود صخر حط من عل)
جياد أعادت رسم رستم دارساً ... (وهل عند رسم دارس من معول)
وريعت بها خيل القياصر فاختفت ... (جواحرها في صرة لم تزيل)
سبت عرباً من نسوة العرب تستبي ... (إذا ما اسبكرت بين درع ومجول)
وكم من سبايا الفرس والصفر أسهرت ... (نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل)
стр. 3093
وحزن بدوراً من ليالي شعورها ... (تضل العقاس في مثنى ومرسل)
وأبقت بأرض الشام كأنها ... (بأرجائها القصوى أنابيش عنصل)
وما جف من حب القلوب بغورها ... (وقيعانها كأنه حب فلفل)
لخضراء ما دبت ولا نبتت بها ... (أساريع ظبي أو مساويك إسحل)
شدا طيرها في مثمر ذي أرومة ... (وساق كأنبوب السقي المذلل)
فشدت بروض ليس يذبل بعدها ... (بكل مغار الفتل شدت بيذبل)
وكم هجرت في القيظ تحكي ذوارعاً ... (عذارى دوار في ملاء مذيل)
وكم أدلجت والقتر يهفو هزيزه ... (ويلوي بأثواب العنيف المثقل)
وخضن سيولاً فضن باليد بعدما ... (أثرن غباراً بالكديد المركل)
وكم ركزوا رمحاً بدعص كأنه ... (من السيل والغثاء فلكة مغزل)
فلم تبن حصناً خوف حصنهم العدا ... (ولا أطماً إلا مشيداً بجندل)
فهدت بعضب بعد صقاله ... (بأمراس كتان إلى صم جندل)
وجيش بأقصى الأرض ألقى جرانه ... (وأردف أعجازاً وناء بكلكل)
يدك الصفا دكاً ولو مر بعضه ... (وأيسره عالي الستار ويذبل)
دعا النصر والتأييد راياته اسحبي ... (على أثرينا ذيل مرط مرحل)
لواء منير النصل طاو كأنه ... (منارة ممسى راهب متبتل)
كأن دم الأعداء في عذباته ... (عصارة حناء بشيب مرجل)
صحاب بروا هام العداة وكم قروا ... (صفيف شواء أو قدير معجل)
وكم أكثروا ما طاب من لحم جفرة ... (وشحم كهداب الدمقس المفتل)
وكم جبن من غبراء لم يسق نبتها ... (دراكاً ولم ينضج بماء فيغسل)
حكى طيب ذكراهم ومر كفاحهم ... (مداك عروس أو صلابة حنظل)
لأمداح خير الخلق قلبي قد صبا ... (وليس فؤادي عن هواها بمنسل)
فدع من لأيام صلحن له صبا ... (ولا سيما يوم بدارة جلجل)
стр. 3094
وأصبح عن أم الحويرث ما سلا ... (وجارتها أم الرباب بمأسل)
وكن في مديح المصطفى كمدبج ... (يقلب كفيه بخيط موصل)
وأمل به الأخرى ودنياك دع فقد ... (تمتعت من لهو بها غير معجل)
وكن كنبيث للفؤاد منابث ... (نصيح على تعذاله غير مؤتل)
ينادي إلهي إن ذنبي قد عدا ... (علي بأنواع الهموم ليبتلي)
فكن لي مجيراً من شياطين شهوة ... (علي حراص لو يسرون مقتلي)
وينشد دنياه إذا ما تدللت ... (أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل)
فإن تصلي حبلي بخير وصلته ... (وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي)
وأحسن بقطع الحبل منك وبته ... (فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي)
أيا سامعي مدح الرسول تنشقوا ... (نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل)
وروضة حمد للنبي محمد ... (غذاها نمير الماء غير المحلل)
ويا من أبى الإصغاء ما أنت مهتد ... (وما إن أرى عنك الغواية تنجلي)
فلو مطفلاً أنشدتها لفظها ارعوت ... (فألهيتها عن ذي تمائم محول)
ولو سمعته عصم طود أمالها ... (فأنزل منها العصم من كل منزل) وقد عرف بحازم هذا في أزهار الرياض وذكرت جملة من نظمه ومن بارع ما وقع له قوله (١) :
أدر المدامة فالنسيم مؤرج ... والروض مرقوم الرود مدبج
والأرض قد لبست برود جمالها ... فكأنما هي كاعب تتبرج
والنهر مما ارتاح معطفه إلى ... لقيا النسيم عبابه متموج
يمسي الأصيل بعسجدي شعاعه ... أبداً يوشى صفحه ويدبج
وتروم أيدي الريح تسلب ما اكتسى ... فتزيده حسناً بما هي تنسج
فارتح لشرب كؤوس راح نورها ... بل نارها في مائها تتوهج
стр. 3095
واسكر بنشوة لحظ من أحببته ... أو كأس خمر من لماه تمزج
واسمع إلى نغمات عود تطبي ... قلب الخلي إلى الهوى وتهيج
بم وزير يسعدان مثانياً ... ومثالثاً طبقاتها تتدرج
من لم يهيج قلبه هذا فما ... للقلب منه محرك ومهيج
فأجب فقد نادى بألسن حاله ... للأنس دهر للهموم مفرج
طربت جمادات وأفصح أعجم ... فرحاً وأصبح من سرور يهزج
أفيفضل الحي الجماد مسرة ... والحي للسراء منه أحوج
ما العيش إلا ما نعمت به وما ... عاطاك فيه الكأس ظبي أدعج
ممن يروقك منه ردف مردف ... عبل وخصر ذو اختصار مدمج
فإذا نظرت لطرة ولغرة ... ولصفحة منه بدت تتأجج
أيقنت أن ثلاثهن وما غدا ... من تحتها ينآد أو يتموج
ليل على صبح على بدر على ... غصن تحمله كثيب رجرج
كأس ومحبوب يظل بلحظه ... قلب الخلي إلى الهوى يستدرج
يا صاح ما قلبي بصاح عن هوى ... شيئان بينهما المنى تستنتج
وبمهجتي الظبي الذي في أضلعي ... قد حل وهو يشبها ويؤجج
ناديت حادي عيسه يوم النوى ... والعيس تحدى والمطايا تحدج
قف أيها الحادي أودع مهجة ... قد حازها دون الجوانح هودج
لما تواقفنا وفي أحداجها ... قمر منير بالهلال متوج
ناديتهم قولوا لبدركم الذي ... بضيائه تسري الركاب وتدلج
يحيي العليل بلفظة أو لحظة ... تطفي غليلاً في الحشا يتأجج
قالوا نخاف يزيد قلبك لاعجاً ... فأجبتهم خلوا اللواعج تلعج
وبكيت واستبكيت حتى ظل من ... عبراتنا بحر ببحر يمرج
وبقيت أفتح بعدهم باب المنى ... ما بيننا طوراً، وطوراً يرتج
стр. 3096
وأقول يا نفس اصبري فعسى النوى ... بصباح قرب ليلها يتبلج
فترقب السراء من دهر شجا ... والدهر من ضد لضد يخرج
وترج فرجة كل هم طارق ... فلكل هم في الزمان تفرج وتذكرت هنا جيمية ابن قلاقس، وهي (١) :
عرضت لمعترض الصباح الأبلج ... حوراء في طرف الظلام الأدعج
فتمزقت شيم الدجى عن غرتي ... شمسين في أفق وكلة هودج
ووراء أستار الحمول لواحظ ... غازلن معتدل الوشيج الأعوج
من كل مبتسم السنان إذا جرى ... دمع النجيع من الكمي الأهوج
ولقد صحبت الليل قلص برده ... لعباب بحر صباحه المتموج
وكأن منتثر النجوم لالئ ... نظمت على صرح من الفيروزج
وسهرت أرقب من سهيل خافقاً ... متفرداً، وكأنه قلب الشجي
واستعبرت مقل السحاب فأضحكت ... منها ثغور مفوف ومدبج ولنعد إلى ذكر أبي بكر ابن جزي فنقول:
وله تقييد في الفقه على كتاب والده المسمى بالقوانين الفقهية، ورجز في الفرائض، وإحسانه كثير، وتقدم قاضياً للجماعة بحضرة غرناطة ثامن شوال عام ستين وسبعمائة، ثم صرف عنها، لما توفي الأستاذ الخطيب العالم الشهير أبو سعيد فرج بن لب - رحمه الله تعالى - وكان خطيب الجامع الأعظم بغرناطة، ولي عوضاً عنه أستاذاً وخطيباً عام اثنين وثمانين وسبعمائة، فبقي في الخطابة ثلاثة أعوام، ثم توفي، وأظن وفاته آخر عام خمسة وثمانين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 3097
وأما أخوه أبو عبد الله محمد (١) فهو الكاتب المجيد، أعجوبة الزمان، وتوفي بفاس رحمه الله تعالى عام ثمانية وخمسين وسبعمائة، وقيل - وهو الصواب -: إن وفاته آخر شوال من السنة قبلها حسبما ألفيته بخط بعض أكابر الثقات بداره من البيضاء، وهي فاس الجديدة، قرب مغرب يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شوال من عام سبعة وخمسين وسبعمائة، وكان دفنه يوم الأربعاء بعد صلاة العصر وراء الحائط الشرقي الذي بالجامع الأعظم من المدينة البيضاء، وكان مولده في شوال من عام واحد وعشرين وسبعمائة؛ انتهى.
قال الأمير ابن الأحمر في نثير الجمان: أدركته ورأيته، وهو من أهل بلدنا غرناطة، وكان أبوه أبو القاسم محمد أحد المفتين بها عالم الأندلس الطائرة فتياه منها إلى طرابلس، وقتل شهيداً بطريف بعد أن أبلى بلاء حسناً، وأبو عبد الله ابنه هذا كتب بالأندلس في حضرة ابن عم أبينا أمير المسلمين أبي الحجاج يوسف، وله فيه أمداح عجيبة، ولم يزل كاتباً في الحضرة الأحمرية النصرية إلى أن امتحنه أمير المسلمين أبو الحجاج؛ انتهى.
ويعني ابن الأحمر بهذا الامتحان أنه ضربه بالسياط، من غير ذنب اقترفه بل ظلمه ظلماً مبيناً، هكذا ألفيته في بعض المقيدات.
ثم قال ابن الأحمر: فقوض الرحال عن الأندلس، واستقر بالعدوة، فكتب بالحضرة المرينية لأمير المسلمين أبي عنان، إلى أن توفي بها رحمه الله تعالى. وكان رحمه الله تعالى طلع في سماء العلوم بدراً مشرقاً، وسارت براعته مشرقاً ومغرباً، وسما بشعره فوق الفرقدين، كما أربى بنثره على الشعرى والبطين، له باع مديد في التاريخ واللغة والحساب، والنحو والبيان والآداب، بصير بالفروع والأصول والحديث، عارف بالماضي من الشعر والحديث،
стр. 3098
إن نظم أنساك أبا ذؤيب برقته، ونصيباً بمنصبه ونخوته، وإن كتب أربى على ابن مقلة بخطه، وإن أنشأ رسالة أنساك العماد بحسن مساقها وضبطه، وهو رب هذا الشان، وفارس هذا الميدان، ومع تفننه في الشعر فهو في العلوم قد نبغ، وما بلغ أحد من شعراء عصره منه ما بلغ، بل سلموا التقدم فيه إليه، وألقوا زمام الاعتراف بذلك في يديه، ودخلوا تحت راية الأدب التي حمل، إذ ظهر ساطع براعته ظهور الشمس في الحمل، أنشدني لنفسه يمدح أمير المسلمين أبا الحجاج يوسف ابن أمير المسلمين أبا الوليد إسماعيل عم أبينا ابن جدنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج هذه القصيدة البارعة، وحذف منها الراء المهملة (١) :
قسماً بوضاح السنا الوهاج ... من تحت مسدول الذوائب داج
وبأبلج بالمسك خطت نونه ... من فوق وسنان اللاحظ ساجي
وبحسن خد دبجت صفحاته ... فغدت تحاكي مذهب الديباج
وبمبسم كالعقد نظم سلكه ... ولمى حكى الصهباء دون مزاج
وبمنطق تصبو القلوب لحسنه ... أنسى المسامع نغمة الأهزاج
وبمائس الأعطاف تثنيه الصبا ... فيميس كالخطي يوم هياج
ومنعم مثل الكثيب يقله ... مستضعف يشكو من الإدماج
وبموعد للوصل أنجز فجأة ... من بعد طول تمنع ولجاج
وبأكؤس أطلعن في جنح الدجى ... شمس السلافة في سماء زجاج
وحدائق سحب السحاب ذيوله ... فيها وبات لها النسيم يناجي
وجداول سلت سيوفاً عندما ... فجئت بجيش للصبا عجاج
وبأقحوان قد تضاحك إذ بكت ... عين الغمام بمدمع ثجاج
وقدود أغصان يملن كأنها ... تخفي حديثاً بينها وتناجي
وحمائم يهتفن شجواً بالضحى ... فهديلهن لذي الصبابة شاجي
стр. 3099
إن المعالي والعوالي والندى ... والبأس طوع يدي أبي الحجاج
ملك تتوج بالمهابة عندما ... لم يستجز بالدين لبس التاج
وأفاض حكم العدل في أيامه ... فالحق أبلج واضح المنهاج
هو منقذ العني، ومغني المعتفي ... ومذلل العاتي، وغوث اللاجي
ماضي العزيمة، والسيوف كليلة ... طلق المحيا، والخطوب دواجي
علم الهدى، والناس في علياء قد ... ضلوا لوقع الحادث المهتاج
غيث الندى، والسحب تبخل بالحيا ... والمحل يبدي فاقة المحتاج
ليث الوغى، والخيل تزجي بالقنا ... والبيض تنهل في دم الأوداج
يتقشع الإظلام إذ يبدو له ... وجه كمثل الكوكب الوهاج
من آل قيلة من ذؤابة سعدها ... أعلى بني قحطان دون خلاج
حيث العلا ممدودة الأطناب لم ... تخلق معالمها يد الإنهاج
والأعوجيات السوابق تمتطى ... فتظلل الآفاق سحب عجاج
والبيض والأسل العوامل تقتضي ... مهج الكماة بأبلغ الإزعاج
مجد ليوسف جمعت أشتاته ... أعيا سواه بعد طول علاج
مولاي هاك عقيلة تزهو على ... أخواتها كالغادة المغناج
إنشاء عبد خالص لك حبه ... ومن العبيد مداهن ومداجي
آوى إلى أكناف نعماك التي ... ليست إليه صلاتها بخداج
سباق ميدان البلاغة والوغى ... لشعاب كل منهما ولاج
جانبت أخت الزاي منها عامداً ... فأتت من الإحسان في أفواج
فافتح لها باب القبول وأول من ... أهداكها ما يبتغي من حاج ثم قال بان الأحمر: وأنشدني أيضاً لنفسه يمدح أمير المؤمنين المتوكل على الله أبا عنان فارس ملك المغرب (١) :
стр. 3100
إن قلبي لعهدة الصبر ناكث ... عن غزال في عقدة السحر نافث
أضرم النار في فؤادي وولى ... قائلاً لا تخف فإني عابث
ورماني من مقلتيه بسهم ... ثم قال: اصطبر لثان وثالث
كم عذول أتى يناظر فيه ... كان تعذاله على الحب باعث
ويمين آليتها بالتسلي ... فقضى حسنه بأني حانث
جبر الله صدع قلب عميد ... صدعت شمله صروف الحوادث
فهو يهفو إلى البروك ويروي ... عن نسيم الصبا ضعاف الآحاد
سلبته الأشجان إلا بقايا ... من أماني حبالهن رثائث
وبكاء على عهود مواض ... ملأت صدره هموماً حدائث
لست وحدي أشكو بليلة وجد ... إن داء الغرام ليس بحادث
يا مضيع العهود والله يعفو ... عنك أنى ارتضيت خطة ناكث
غرني منك والجمال غرور ... وظبى اللحظ في القلوب عوابث
مقل يقتسمن أعشار قلبي ... بالرضى مني، اقتسام الموارث
كيف غيرت بانتزاحك حالي ... وتغيرت لي، ولست بحارث (١)
فرط حبي وفرط بخلك آلى ... أن عينيك بالفتور نوافث
وندى فارس وحسبك رداً ... قول من قال سد باب البواعث
ملك البأس والندى، فهو بالسي ... ف وبالسيب عائث أوغائث
محرز المجد والثناء، فهذا ... سائر في الورى، وذاك لابث
أوطأ الشهب رجله وترقى ... صاعداً في سموه غير ماكث
فدرار تسري وما لحقته ... ونجوم خلف القصور لوابث
وله المقربات لا بل هي العق ... بان من فوقها الليوث الدلاهث (٢)
стр. 3101
مطلعات من كل نعل هلالاً ... فلهذا تجلو دجى كل حادث
إن ترافقن فالجبال الرواسي ... أو تسابقن فالغيوث الحثائث
والمواضي كأنها قد أعيرت ... حدة الذهن منه عند المباحث
هي نار محرقات الأعادي ... وهي ماء مطهرات الخبائث
فيردن الوغى ذكوراً عطاشاً ... ثم يصدرن ناهلات طوامث
من معانيه قد رأينا عياناً ... كل فضل ينصه من يحادث
خلق كالنسيم مر سحيراً ... بالأزاهير في البطاح الدمائث
في سبيل الإله يقصي ويدني ... ويوالي في ذاته ويناكث
شرف الملك منه سام وحام ... ففدته سام وحام ويافث
هاكها من بنات فكري بكراً ... ليس يسمو لها من الناس طامث
ذات لفظ لا يغتريه اختلال ... ومعان لا تنتحيها المباحث
زعماء القريض أبقوا بقايا ... كنت دون الورى لهن الوارث
من أراد انتقادها فهي هذي ... عرضه البحث فليكن جد باحث ورأيت بخط ابن الصباغ العقيلي (١) على هامش قوله وندى فارس حسبك رداً ... البيت ما نصه: ما أبدع تخلصه للمدح وأطبعه؛ فإنه أشار إلى قول الشاعر راداً عليه بالتبكيت، ومعقباً له بالتعنيت (٢) :
قالوا: تركت الشعر قلت: ضرورة ... باب السماحة والملاحة مغلق
مات الكرام فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق وقيل: إن السلطان أبا عنان أطل من برج يشاهد الحرب بين الثور والأسد على ما جرت بع عادة الملوك، فقال ابن جزي المذكور في وصف الحال:
стр. 3102
لله يوم بدار الملك مر به ... من العجائب ما لم يجر في خلدي
لاح الخليفة في برج العلا قمراً ... يشاهد الحرب بين الثور والأسد ومن بارع نظمه رحمه الله تعالى قوله:
أبا حسن إن شتت الدهر شملنا ... فليس لود في الفؤاد شتات
وإن حلت عن عهد الإخاء فلم يزل ... لقلبي على حفظ العهود ثبات
وهبني سرت مني إليك إساءة ... ألم تتقدم قبلها حسنات وقوله وهو بحال مرض:
إن يأخذ السقم من جسمي مآخذه ... وأصبح القوم من أمري على خطر
فإن قلبي بحمد الله مرتبط ... بالصبر والشكر والتسليم للقدر
فالمرء في قبضة الأقدار مصرفه ... للبرء والسقم أو للنفع والضرر وحكي أن الفقيه الرحال أبا إسحاق إبراهيم الحاج النميري بقي في خلوته جميع شهر رمضان المعظم من عام سبعة وخمسين وسبعمائة، فلما خرج في يوم عيد الفطر أنشده صهره أبو عبد الله ابن جزي المذكور لنفسه:
ما سرار البدور إلا ثلاث ... فلماذا أرى أسرارك شهرا
تعجلته سراراً لعام ... ثم تبقى في سائر العام بدرا وحكي أنه كتب للرئيس صاحب القلم الأعلى والعلامة بفاس أبي القاسم ابن رضوان يطلب منه شراب سكنجبين، وقصد التحيف بقوله: أحسن زان بيتك نجيب تسر به بر مرضي تصحيفه: أحب شراب سكنجبين شربه برء مرضي، قال: فجاوبني ابن رضوان بقوله: إن برك نفيس، تصحيفه مقلوباً: يشفيك ربنا.
ومن نظم ابن جزي المذكور قوله:
стр. 3103
رعى الله عهداً بالمرية ما أرى ... به أبداً ما عشت في الناس بالناسي
وكيف ترى بالله صحبة معشر ... مجاهد بعض منهم وابن عباس وقوله في الزاوية التي أنشأها السلطان أبو عنان:
هذا محل الفضل والإيثار ... والرفق بالسكان والزوار
دار على الإحسان شيدت والتقى ... فجزاؤها الحسنى وعقبى الدار
هي ملجأ للواردين ومورد ... لابن السبيل وكل ركب ساري
آثار مولانا الخليفة فارس ... أكرم بها في المجد آثار
لا زال منصور اللواء مظفراً ... ماضي العزائم سامي المقدار
بنيت على يد عبدهم وخديم با ... بهم العلي محمد بن جدار
في عام أربعة وخمسين انقضت ... من بعد سبع مئين في الإعصار ومن نظمه قوله مورياً:
وما أنسى الأحبة يوم (١) بانوا ... تخوض مطيهم بحر الدموع
وقالوا: اليوم منزلنا الحنايا ... فقلت: نعم، ولكن من ضلوعي وقوله مورياً أيضاً:
ورب يهودي أتى متطبباً ... ليأخذ ثارات اليهود من الناس
إذا جس نبض المرء أودى بنفسه ... سريعاً، ألم تسمع بفتكة جساس وقوله:
من أي أشجاني التي جنت النوى ... أشكو العذاب وهن في تنويع
من وصلي الموقوف أو من هجري ال ... موصول أو من نومي المقطوع
стр. 3104
أو من حديث تولهي وتولعي ... خبراً صحيحاً ليس بالموضوع
يرويه خدي مسنداً عن أدمعي ... عن مقلتي عن قلبي المفجوع وأول هذه (١) القصيدة:
ذهبي حشاشة قلبي المصدوع ... بين السلام ووقفة التوديع وقد ضمن شطرها الفقيه عبيد شارح الحلبة (٢) ، إذ قال من قصيدة مطلعها:
اهمي دموعك ساعة التوديع ... يا مقلتي ممزوجة بفجيع بقوله:
يوم استقلت عيسهم وترحلوا ... ذهبت حشاشة قلبي المصدوع وقوله:
بخدي وجسمي والفؤاد وأدمعي ... شهود بهم دعوى الغرائم تصحح
ومن عجب أن رجع الناي نقلهم ... وكلهم ذو جرحة فيه تقدح
فجسمي ضعيف، والفؤاد مخلط ... ودمعي مطروح، وخدي مجرح وقوله:
يا محياً كتب الحسن به ... أحرفاً أبدع فيها وبرع
ميم ثغر، ثم نون حاجب ... ثم عين هي تتميم البدع
أنا لا أطمع في وصلك لي ... وعلى وجهك مكتوب منع ثم قال ابن الأحمر: ومن إنشائه البارع مورياً بالكتب، ورفعها لأمير المؤمنين
стр. 3105
المتوكل على الله أبي عنان فارس رحمه الله تعالى يهنيه بإبلال ولده ولي عهده الأمير أبي زيان محمد من مرض (١) :
ماذا عسى أدب الكتاب يوضح من ... خصال مجدك وهو الزاهر الزاهي
وما الفصيح بكليات موعبها ... كاف فيأتي بأنباء وإنباه أبقى الله تعالى مولانا الخليفة ولسعادته القدح المعلى، ولزاهر كماله التاج المحلى، تجلى من حلاه نزهة الناظر، ويسير بعلاه المثل السائر، ويتسق من سناه العقد المنظم، ويتضح بهداه القصد الأمم، ولا زالت مقدمات النصر له مبسوطة، ومعونة السعد بإشارته منوطة، وهدايته متكفلة بإحياء علوم الدين، وإيضاح منهاج العابدين، وإرشاده يتولى تنبيهى الغافلين، ويأتي من شفاء الصدور بالنور المبين، وميقات الخدمة ببابه مطمح الأنفس، وملخص الجود من كفه بغية الملتمس، قد حكم أدب الدين والدنيا بأنك سراج الملوك، لما أتت عوارفك بالمشرع السلسل ومعارفك بنظم السلوك، ووضحت معالم مجدك وضوح أنوار الفجر، وزهت بعدلك المسالك والممالك زهو خريدة القصر، فلك في جمهرة الشرف النسب الوسيط، ومن جمل المآثر الخلاصة والبسيط، وسبل الخيرات لها برعايتك تيسير، ومحاسن الشريعة بتحصيلك تحبير، وأنت حجة العلماء، الذي تقصر عن تقصي مآثره فطن الأذكياء، إن انبهم التفسير ففي يديك ملاك التأويل، أو اعتاص تفريع الفقه فعندك فصل البيان له والتحصيل، ولإن تشعب التاريخ فلديك استيعابه، أو تطاول الأدب ففي إيجاز بيانك اقتضابه، وإن ذكر الكلام ففي انتقائك من برهانه المحصول، أو المنطق ففي موجز آمالك لبابه المنخول، وليس أساس البلاغة إلا ما تأتي به من فصل المقال، ولا جامع
стр. 3106
الخير إلا ما حزته من تهذيب الكمال، ولذلك صارت خدمتك غاية المطلوب، وحبك قوت القلوب، ولا غر إن كنت من العلياء درتها المكنونة، فأسلافك الكرام هم جواهرها الثمينة، بحماستهم أصيبت مقاتل الفرسان، وبجود (١) جهودهم تنسى ري الظمآن، وبتسهيل عدلهم وضحت شعب الإيمان، وأنت المنتقى من سمط جمانهم، والواسط في قلائد عقبانهم، عنك تؤثر سيرة الاكتفاء، وعن فروعك السعداء تروي أخبار نجباء الأبناء، فهم لمملكتك العليا بهجة مجالسها، وأنس مجالسها، وقطب سرورها، ومطالع نورها، وولي عهدك درتهم الخطيرة، وذخيرتهم الأثيرة، لا زال كامل سعادته بطول مقامك محكماً، وحرز أمانيه بالجمع بين الصحيحين حبك ورضاك معلماً، وقد وجبت التهنئة بما كان في حيلة برئه من التيسير، وما تهيأ في استقامة قانون صحته من نجح التدبير، ولم يكن إلا بعدت به عنك المسالك، وأعوز نور طرفه تقريب المدارك، وتذكر ما عهده من الإيناس الموطأ جنابه عند فضل مالك، فوري من شوقه سقط الزند، والتهب في جوانحه قبس الوجد، فأمددته من دعائك لصالح بحلية الأولياء، فظفر لما شارف مشارق الأنوار من حضرتك بالشفاء، وقد حاز إكمال الأجر بذلك العارض الوجيز، وكان له كتشبيب الإبريز، وها هو قادم بالطالع السعيد، آيب بالمقصد الأسنى من الفتح والتمهيد، يطلع بين يديك طلوع الشهاب، ويبسم عن مفصل الثناء في الهناء بذلك زهر الآداب، فأعد له تحفة القادم من إحسانك الكامل، واخصصه بالتكملة من إيناسك الشامل، فهو الكوكب الدري المستمد من أنوارك السنية، وفي تهذيب شمائله إيضاح للخلق الكريمة الفارسية، لا زالت تزدان بصحاح مآثرك عيون الأخيار، وتتعطر بنفحة الزهر من ثنائك روضة الأزهار، وتتلى من محامدك الآيات البينات، وتتوالى عليك الألطاف الإلهيات، بمن الله سبحانه وفضله، والسلام الكريم
стр. 3107
يعتمد المقام العلي، ورحمه الله تعالى وبركاته؛ انتهى.
وللمذكور (١) عدة مقطعات يوري فيها أسماء الكتب فمنها قوله:
ظبي هو الكامل في حسنه ... وثغره أبهى من العقد
جماله المدهش لكنما ... أخلاقه تحكي صبا نجد وقوله أيضاً:
لك الله من خل حباني برقعة ... حبتني من آياته بالنوادر
رسالة رمز في الجمال نهاية ... ذخيرة نظم أتحفت بالجواهر وقوله:
قصتي في الهوى المدونة ال ... كبرى وأخبار عشقي المبسوطه
حجتي في الغارم واضحة إذ ... لم تزل مهجتي بوجد منوطه [نماذج من التورية بأسماء الكتب]
وتذكرت بالتورية بأسماء الكتب قول الأرجاني:
لما تألق بارق من ثغره ... جادت دموعي بالسحاب الممطر
فكأن عقد الدر حل قلائد ال ... عقيان منه على صحاح الجوهري وقول لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى:
وظبي لأوضاع الجمال مدرس ... عليم بأسرار المحاسن ماهر
أرى جيده نص المحلى، وقررت ... ثناياه ما ضمت صحاح الجواهر
стр. 3108
وقول ابن خاتمة:
ومعطر الأنفاس يبسم دائماً ... عن در ثغر زانه ترتيب
من لم يشاهد منه عقد جواهر ... لم يدر ما النتقيح والتهذيب وقوله أيضاً:
سفهني عاذلي عليه ... وقال لي وده عليل
فقلت معتل أو صحيح ... يودعه عينه الخليل وقوله أيضاً:
حاز الجمال بصورة قمرية ... تجلو عليك مشارق الأنوار
وحوى الكمال بصورة عمرية ... تتلو عليك مناقب الأبرار وقول الرئيس أبي محمد (١) عبد المهيمن الحضرمي (٢) :
من اغتدى موطأ أسلافه ... صح له التمهيد في أحواله
وقابل استذكاره بالمنتقى ... من رأيه المختار من أعماله
وأضحت المسالك الحسنى له ... تدني تقصياً قصى آماله
وسار من مشارق الأنوار في ... أدنى المدارك إلى إكماله ولما وقف على هذه القطيعة الفاضل أبو علي حسين بن صالح بن أبي دلامة عارضها وزاد ذكر القبس والمعلم (٣) :
стр. 3109
قل للموطإ للورى أكنافه ... بشراه بالتمهيد في الأحوال
وإذا اكتفى بالمنتقى استذكاره ... وفى له المختار في الأعمال
ومسالك الحسنى تؤديه إلى ... أقصى التقصي من قصى الآمال
ويلوح من قبس الهداية رشده ... من معلم التفصيل والإجمال رجع إلى ابن جزي، ومن نظمه:
يا دوحة الأنس من بطحاء واسجة ... هل من سبيل إلى أيامك الأول
إذ نجتلي أواجه الإيناس مسفرة ... ونجتني ثمر اللذات والغزل ومن نظمه رحمه الله تعالى عند خروجه إلى بلاد المغرب، وروى بكتابي " تحفة القادم " و " زاد المسافر " فقال:
وإني لمن قوم يهون عليهم ... ورود المنايا في سبيل المكارم
يطيرون مهما ازور للدهر جانب ... بأجنحة من ماضيات العزائم
وما كل نفس تحمل الذل، إنني ... رأيت احتمال الذل من شأن البهائم
إذا أنا لم أظفر بزاد مسافر ... لديكم فعند الناس تحفة القادم وزاد المسافر لصفوان، والتحفة لابن الأبار.
ومن نظمه قوله:
نصب الحبائل للورى بالحسن إذ ... رفع اللثام وذيله مجرور
وأماله عني العواذل غيلة ... فهو الممال وقلبي المكسور وقوله أيضاً:
تلك الذؤابة ذبت من شوقي لها ... واللحظ يحميها بأي سلاح
يا قلب فانج وما إخالك ناجياً ... من فتنة الجعدي والسفاح
стр. 3110
وقوله أيضاً:
وعاشق صلى ومحرابه ... وجه غزال ظل يهواه
قالوا تعبدت فقلت نعم (١) ... تعبداً يفهم معناه وقوله رحمه الله تعالى:
أيتها النفس قفي عندما ... ألزمت، فعلاً كان أو قولا
فمن يكن يرضى بما ساءه ... أو سره فهو له الأولى
لا يترك العبد وما شاءه ... إلا إذا أهمله المولى وقوله أيضاً:
لولا ثلاث قد شغفت بحبها ... ما عفت في حوض المنية موردي
وهي الراوية للحديث، وكتبه، ... والفقه فيه، وذاك حسب المهتدي وأما أخوهما القاضي أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم بن جزي فهو الإمام العالم العلامة المعمر، رئيس العلوم اللسانية، قال في " الإحاطة " (٢) : هذا الفاضل قريع بيت نبيه، وسلف شهير، وأبوة خير، وأخوة بلغية وخؤولة، أديب حافظ قائم على فن العربية، مشارك في فنون لسانية، ظرف في الإدراك، جيد النظم، مطوتع القريحة، باطنه نبل وظاهره غفلة، قعد للإقراء ببلده غرناطة معيداً ومستقلاً، ثم تقدم للقضاء بجهات نبيهة على زمن الحداثة، أخذ عن والده
стр. 3111
الأستاذ الشهير الشهيد أبي القاسم أشياء كثيرة، وعن القاضي أبي البركات ابن الحاج، وقاضي الجماعة الشريف السبتي، والأستاذ البياني، والأستاذ الأعرف أبي سعيد ابن لب، والشيخ المقرئ أبي عبد الله ابن بيبش، وأجازه رئيس الكتاب أبو الحسن ابن الجياب، وقاضي الجماعة أبو عبد الله [ابن بكر، وأبو محمد ابن سلمون، والقاضي ابن شبرين، والشيخ أبو حيان، وقاضي الجماعة أبو عبد الله] (١) المقري، وأبو محمد الحضرمي، وجماعة آخرون، وشعره نبيل الأغراض، حسن المقاصد؛ انتهى المقصود منه.
وممن أخذ عنه العباس البقني شارح البردة، والقاضي أبو بكر ابن عاصم، وبالإجازة الإمام ابن مرزوق الحفيد، وغيرهم.
وقد عرف ابن فرحون في الديباج المذهب بأبيه الشهيد أبي القاسم وأخيه القاضي أبي بكر دونه، وعرف ابن الخطيب في الإحاطة بأبيه وأخويه أبي بكر وأبي عبد الله، وفيما ذكرنا من أمرهم كفاية.
ومما نسبه الوادي آشي لأبي محمد عبد الله جزي قوله:
يا من أتاني بعده بعدما ... عاملته بالبر واللطف
إني تأملت وقد سرني ... بجملة من سورة الكهف وله أيضاً (٢) :
لقد قطعت قلبي يا خليلي ... بهجر طال منك على العليل
لكن ما عجيب منك هذا ... إذ التقطيع من شأن الخليل رجع إلى مشايخ لسان الدين رحمه الله تعالى.
стр. 3112
٢٧ - ومنهم القاضي الأديب جملة الظرف أبو بكر ابن شبرين (١) :
وقد استوفى ترجمته في الإحاطة وذكره أيضاً في ترجمة ذي الوزارتين ابن الحكيم بأن قال بعد حكايته قتل ابن الحكيم ما صورته (٢) : وممن رثاه شيخنا أبو بكر ابن شبرين رحمه الله تعالى بقوله:
سقى الله أشلاء كرمن على البلى ... وما غض من مقدارها حادث البلا
ومما شجاني أن أهين مكانها ... وأهمل قدراً ما عهدناه مهملا
ألا اصنع بها يا دهر ما أنت صانع ... فما كنت إلا عبدها المتذللا
سفكت دماً كان الرقوء نواله ... لقد جئتما شنعاء فاضحة الملا
بكفي سبنتى (٣) أزرق العين مطرق ... عدا فغدا في غيه متوغلا
لنعم قتيل القوم في يوم عيده ... قتيل تبكيه المكارم والعلا
ألا إن يوم ابن الحكيم مثكل ... فؤادي، فما ينفك ما عشت مثكلا
فقدناه في يوم أغر محجل ... ففي الحشر نلقاه أغر محجلا
سمت نحوه الأيام وهو عميدها ... فلم تشكر النعمى ولم تحفظ الولا
تعاورت الأسياف منه ممدحاً ... كريماً سما فوق السماكين مزحلا
وخانته رجل في الطواف به سعت ... فناء بصدر للعلوم تحملا
وجدل (٤) لم يحضره في الحي ناصر ... فمن مبلغ الأحياء أن مهلهلا
стр. 3113
يد الله في ذاك الأديم ممزقاً ... تبارك ما هبت جنوباً وشمألا (١)
ومن حزني أن لست أعرف ملحداً ... له فأرى للترب منه مقبلا
رويدك يا من قد غدا شامتاً به ... فبالأمس ما كان العماد المؤملا
وكنا نغادي أو نراوح بابه ... وقد ظل في أوج العلا متوقلا
ذكرناه يوماً فاستهلت جفوننا ... بدمع إذا ما أحل العم أخضلا
ومازج منا الحزن طول اعتبارنا ... ولم ندر ماذا منهما كان أطولا
وهاج لنا شجواً تذكر مجلس ... له كان يهدي الحي والملأ الألى
به كانت الدنيا تؤخر مدبراً ... من الناس حتماً أو تقدم مقبلا
لتبك عيون الباكيات على فتى ... كريم إذا ما أسبغ العرف أجزلا
على خادم الآثار تتلى صحائحاً ... على حامل القرآن يتلى مفصلا
على عضد الملك الذي قد تضوعت ... مكارمه في الأرض مسكاً ومندلا
على قاسم الأموال فينا على الذي ... وضعنا لديه كل إصر على علا
وأنى لنا من بعده متعلل ... وما كان في حياتنا متعللا
ألا يا قصير العمر يا كامل العلا ... يميناً لقد غادرت حزناً مؤثلا
يسوء المصلى أن هلكت ولم تقم ... عليك صلاة فيه يشهدنا الملا
وذاك لأن الأمر فيه شهادة ... وسنتها محفوظة لن تبدلا
فيا أيها الكريم الذي قضى ... سعيداً حميداً فاضلاً ومفضلا
لتهنك من رب السماء شهادة ... تلاقي ببشرى وجهك المتهللا
رثيتك عن حب في جوانحي ... فما ودع القلب العميد وما قلى (٢)
ويا رب من أوليته منك نعمة ... وكنت له ذخراً عتيداً وموئلا
تناساك حتى ما تمر بباله ... ولم يدكر ذاك الندى والتفضلا
стр. 3114
يرابض في مثواك كل عشية ... صفيف شواء أو قديراً معجلا (١)
لحى الله من ينسى الأذمة رافضاً ... ويذهل مهما أصبح الأمر مشكلا
حنانيك يا بدر الهدى فلشد ما ... تركت بدور الأفق بعدك أفلا
وكنت لآمالي حياة هنيئة ... فغادرت مني اليوم قلباً مقتلاً
فلا وأبيك الخير ما أنا بالذي ... على البعد ينسى من ذمامك ما خلا
فأنت الذي آويتني متغرباً ... وأنت الذي أكرمتني متطفلا
فآليت لا ينفك قلبي مكمداً ... عليك ولا ينفك دمعي مسبلاً وكتب ابن لسان الدين على هامش هذه القطعة ما صورته: شكر الله وفاءك يا ابن شربين وقدس لحدك، وأين مثلك في الدنيا حسناً ووفاء وعلماً لا كما فعل ابن زمرك في ابن الخطيب مخدومه، قاله علي بن الخطيب؛ انتهى.
٢٨ - ومن أشياخ لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى الشيخ الأستاذ العلامة العلم الأوحد
الصدر المصنف المحدث الأفضل الأصلح الأروع الأتقى الأكمل أبو عثمان سعد ابن الشيخ الصالح التق الفاضل المبرور المرحوم أبي جعفر أحمد بن ليون، التجيبي (٢) ، ﵁ تعالى، وهو من أكابر الأئمة الذين أفرغوا جهدهم في الزهد والعلم والنصح، وله تواليف مشهورة، منها اختصار بهجة المجالس لابن عبد البر، واختصار المرتبة العليا لابن راشد لقفصي، وكتاب في الهندسة، وكتاب في الفلاحة، وكتاب كمال الحافظ وجمال اللافظ في الحكم والوصايا والمواعظ، وكان مولعاً باختصار الكتب، وتواليف تذيد عن المائة فيما يذكر، وقد وقفت منها بالمغرب على أكثر من عشرين.
ومما (٣) حكي عن بعض كبراء المغرب أنه رأى رجلاً طوالاً فقال لمن
стр. 3115
حضره: لو رآه ابن ليون لاختصره، إشارة إلى كثرة اختصاره للكتب.
ومن تواليفه كتاب نفح السحر في اختصار روح الشحر (١) وروح الشعر لابن الجلاب الفهري، ﵀، ومنها كتاب أنداء الديم في الوصايا والمواعظ والحكم وكتاب الأبيات المهذبة في المعاني المقربة وكتاب نصائح الأحباب وصحائح الآداب أورد فيه مائتي قطعة من شعره تتضمن نصائح متنوعة، ولننقح منها نبذة فنقول: منها في التحريض على العلم قوله رحمه الله تعالى:
زاحم أولي العلم حتى ... تعتد منهم حقيقه
ولا يردك عجز ... عن أخذ أعلى طريقه
فإن من جد يعطى ... فيما يحب لحوقه وقوله:
شفاء داء العي حسن السؤال ... فاسأل تنل علماً، وقل لا تبال
واطلب فالاستحياء والكبر من ... موانع العلم فما إن ينال وقوله:
" علمت شيئاً وغابت عنك أشياء " (٢) ... فانظر وحقق فما للعلم إحصاء
للعلم (٣) قسمان: ما تدري، وقولك لا ... أدري، ومن يدعي الإحصاء هذاء وقوله:
من لم يكن علمه في صدره نشبت ... يداه عند السؤالات التي ترد
العلم ما أنت في الحمام تحضره ... وما سوى ذلك التكليف والكمد
стр. 3116
وقوله:
الدرس رأس العلم فاحرص عليه ... فكل ذي علم فقير إليه
من ضيع الدرس يرى هاذياً ... عند اعتبار الناس ما في يديه
فعزة العالم من حفظه ... كعزة المنفق فيما عليه وقال (١) رحمه الله تعالى في غير ما سبق:
ثلاث مهلكات لا محاله ... هوى نفس يقود إلى البطاله
وشح لا يزال يطاع دأباً ... وعجب ظاهر في كل حاله وقال:
اللهو منقصة بصاحبه ... فاحذر مذلة مؤثر اللهو
واللغو نزه عنه سمعك لا ... تجنح له، لا خير في اللغو وقال:
لا تمالىء على صديقك وادرأ ... عنه ما اسطعت من أذى واهتضام
ما تناسى الذمام قط كريم ... كيف ينسى الكريم رعي الذمام
تطعم الكلب مرة فيحامي ... عنك، والكلب في عداد اللئام وقال:
احذر مؤاخاة الدنيء فإنها ... عار يشين ويورث التضريرا
فالماء يخبث طعمه لنجاسة ... إن خالطته ويسلب التطهيرا وقال:
стр. 3117
تحفظ من الناس تسلم ولا ... تكن في تقربهم ترغب
ولا تترك الحزم في كل ما ... تريد، ولا تبغ ما يصعب وقال:
إخوانك اليوم إخوان الضرورة لا ... تثق بهم يا أخي في قول أو فعل
لا خير في الأخ إلا أن يكون إذا ... عرتك نائبة يقيك أو يسلي وقال:
طلب الإنصاف من قل ... ة إنصاف فساهل
لا تناقش وتغافل ... فاللبيب المتغافل
قلما يحظى أخو الإن ... صاف في وقت بطائل وقال:
من خافه الناس عظموه ... وأظهروا بره وشكره
ومن يكن فاضلاً حليماً ... فإنما حظه المضره
فامرر وكن صارماً مبيراً ... يهبك من قد تخاف شره وقال:
إن تبغ عدلاً فما ترضى لنفسك من ... قول وفعل به أعمل في الورى تسد
وكل ما ليس ترضاه لنفسك لا ... تفعله مع أحد تكن أخا رشد وقال:
حسبي الله لقد ضلت بنا ... عن سبيل الرشد أهواء النفوس
عجباً أن الهوى هون وأن ... نؤثر الهون وإذلال الرؤوس
стр. 3118
وقال:
من يخف شره يوف الكرامه ... ويوالى الرعاية المستدامه
وأخو الفضل والعفاف غريب ... يحمل الذل والجف والملامه وقال:
دع من يسيء بك الظنون ولا ... تحفل به إن كنت ذا همه
من لم (١) يحسن ظنه أبداً ... بك فاطرحه تكتفي همه وقال:
نزه لسانك عن قول تعاب به ... وارغب بسمعك عن قيل وعن قال
لا تبغ غير الذي يعنيك واطرح ال ... فضول تحيا قرير العين والبال وقال:
كثرة الأصدقاء كثرة غرم ... وعتاب يعيي وإدخال هم
فاغن بالبغض قانعاً وتغافل ... عنهم في قبيح فعل وذم وقال:
ذل المعاصي ميتة يا لها ... من ميتة لا ينقضي عارها
عز التقى هو الحياة التي ... ذو العقل والهمة يختارها وقال:
لا تسمع يوماً صديقك قولاً ... فيه غض ممن يحب الصديق
إن بر الصديق لا شك منه ... لصديق الصديق أيضاً فريق
стр. 3119
وقال:
للجار حق فاعتمد بره ... واحمل أذاه مغضياً ساترا
فالله قد وصى به فاغتفر ... زله الباطن والظاهرا وقال:
سالم الناس ما استطعت وداري ... أخسر الناس أحمق لا يداري
ضرك الناس ضر نفسك يجني ... لا يقوم الدخان إلا لنار وقال:
النصح عند الناس ذنب فدع ... نصح الذي تخاف أن يهجرك
الناس أعداء لنصاحهم ... فاترك هديت النصح فيمن ترك وقال:
تجري الأمور على الذي قد قدرا ... ما حيلة أبداً ترد مقدرا
فارض الذي يجري القضاء به ولا ... تضجر فمن عدم الرضى أن تضجرا وقال:
أخوك الذي يحميك من الغيب جاهداً ... ويستر ما تأتي من السوء والقبح
وينشر ما يرضيك في الناس معلناً ... ويغضي ولا يألو من البر والنصح وقال:
لا تصحب الأردى فتردى معه ... وربما قد تقتفي منزعه
فالحبل إن يجرر على صخرة ... أبدى بها طريقة مشرعه
стр. 3120
وقال:
ما فات أو كان لا تندم عليه فما ... يفيد بعد انقضاء الحادث الندم
ارجع إلى الصبر تغنم أجره وعسى ... تسلو به فهو مسلاة ومغتنم وقال:
السخط عند النائبات زيادة ... في الكرب تنسي ما يكون من الفرج
من لم يكن يرضى بما يقضى فيا ... لله ما أشقى وأصعب ما انتهج وقال:
إن تبتغ الإخوان ما إن تجد ... أخاً سوى الدينار والدرهم
فلا تهنهما وعززهما ... تعش عزيزاً غير مستهضم وقال:
من يستهن بصديقه ... يعن العدو على أذاته
بر الصديق مهابة ... للمرء تخمل من عدائه
فاحفظ صديقك ولتكن ... تبدي المحاسن من صفاته وقال:
نعوذ بالله من شر اللسان كما ... نعوذ بالله من شر البريات
يجني اللسان على الإنسان ميتته ... كم للسان من آفات وزلات وقال:
من لم يكن مقصده مدحة ... فقد أتى بحبوحة العافيه
محبة المدحة رق بلا ... عتق، وذل يا له داهيه
من لا يبالي الناس مدحاً ولا ... ذماً أصاب العيشة الراضيه