وحكى في مزية المرية من كراماته جملة؛ قال حفيده الشيخ أبو البركات: دخلت على الشيخ الصالح العابد المجتهد الحاج أبي عبد الله محمد بن علي البكري، المعروف بابن الحاج، في منزله بالمرية عائداً قال: أظنه في مرضه الذي مات فيه، فقال حين سألته عن حاله: ادع لي، فقلت له: يا سيدي، بل أنت تدعو لي، فقال لي: شرح الله صدرك، ونور قلبك بنور معرفته! فمن عرف الله لم يذكر غيره، فقد حكى سيدي أبو جعفر ابن مكنون عن جدك قال: كنت مع سيدي أبي إسحاق ابن الحاج بمراكش فقال لي: هل ترى في المنام شيئاً فقلت: نعم، أرى كأني في المرية أمشي من الدار (١) إلى المسجد، ومن كذا إلى كذا، فأعرض عني وقال: ألا ترى إلا الله قال: ثم مر به في أثناء كلامه ابنه محمد، فقال لي: رأيت هذا والله ما أدري أن لي ابناً حتى يمر بي، ولا أذكره إذا غاب عني، ولا أرى إلا الله؛ انتهى.
ومن تآليف أبي البركات رحمه الله تعالى كتاب ذكر فيه أخبار سلفه ﵃، وذكر جملة من كرامات جده سيدي أبي إسحاق المذكور، نفعنا الله به.
ومن شعر جده المذكور قوله:
ألا كرم الله البلاد بخطبة ... هم حسنات الدهر لا نابهم خطب
رعايتهم فرض على كل مسلم ... وحبهم حقاً قد أوجده الرب
إذا ما سألت الله شيئاً فسل بهم ... فتعظيمهم قرب، وغيبتهم حرب وقوله:
شكا فشكا قلبي خبالاً مبرحاً ... على غير علم كان مني بشكواه
وما التقت أسرار إلا بجامع ... من النعت سلطان الحقيقة سواه
стр. 3047
فيا فرحة المجهود إن بات سره ... وسر الذي يهواه مأواه مأواه
ومن أجله قد كان بالبعد راضياً ... فكيف ترى مغناه والقلب مثواه
بدا فبدت أعلام ضدين في الهوى ... هما عجب لولا الدليل وفحواه
برؤيته فارقت موتي لبعده ... ومت بها من أجل علمي ببلواه
فها أما حي ميت بلقائه ... ولم ينج من لم يسعد الفهم نجواه
إذا لم تكن أنت الحبيب بعينه ... رضى وعتاب ضل من قال يهواه
وأكذب ما يلفى الفتى وهو صادق ... إذا لم يحقق بالأفاعيل دعواه وقوله رضي الله تعالى عنه:
الحب في الله نور يستضاء به ... والهجر في ذاته نور على نور
جنب أخا حدث في الدين ذا غير ... إن المغير في نكس وتغيير
حاشا الديانة أن تبنى على خبل ... سبحان خالقنا من قول مثبور
إن الحقائق لا تبدو لمبتدع ... كذا المعارف لا تهدى لمغرور
تالله لو أبصرت عيناه أو ظفرت ... يمناه ما ظل في ظن وتقدير
حقق ترى عجب إن كنت ذا أدب ... ولا يغرنك الجهال بالزور
إن الطريقة في التنزيل واضحة ... وما تواتر من وحي ومشهور
فافهم هديت هدى الرحمن واهد به ... هدى يفيدك يوم النفخ في الصور وقوله صدر رسالة وجه بها إلى ابنه محمد أيام قراءته بإشبيلية:
إذا شئت أن تحظى بوصلي وقربتي ... فجنب قريب السوء واصرم حباله
وسابق إلى الخيرات واسلك سبيلها ... وحصل علوم الدين واعرف رجاله وكان رحمه الله تعالى كثيراً ما يتمثل ببيتي مهيار الديلمي، وهما:
ومن عجب أني أحب إليهم ... وأسأل شوقاً عنهم وهم معي
стр. 3048
وتبكيهم عني وهم في سوادها ... ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي وحدث القاضي أبو البركات حفيده عن ابن خميس التلمساني المتقدم الذكر قال: سمعت بعض الأشياخ يقول: كان الشيخ أبو إسحاق البلفيقي الكبير يقول: اجتمع لنا في الله أربعون ألف صاحب.
وحكى الشيخ أبو البركات عن الشيخ الصالح الصوفي أبي الأصبغ ابن عزرة قال: هذه صلاة على النبي ﷺ أخذتها عن رابك الشيخ الصالح أبي عبد الله محمد بن علي بن الحاج مشافهة، وقال لي: إنها صلاة أبي إسحاق ابن الحاج جدك، وهي: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد صلاة دائمة مستمرة تدوم بدوامك، وتبقى ببقائك، وتخلد بخلودك ولا غاية لها دون مرضاتك، ولا جزاء لقائها ومصليها غير جنتك والنظر إلى وجهك الكريم.
ونقل أبو البركات المذكور عن جده أنه كان يستفتح مجلسه بالمرية بهذا الدعاء: اللهم اجعلنا في عياذ منك منيع، وحصن حصين، وولاية جميلة، حتى تبلغنا آجالنا مستورين محفوظين، مبشرين برضوانك يوم لقائك، قال: وفي وسط الدعاء وآخره: واكفنا عدونا إبليس، وأعداءنا من الجن والإنس بعافيتنا وسلامتنا.
وكان الشيخ ﵁ يواصل أربعين يوماً. ومن مآثره أنه بنى ثمانية عشر جباً في مواضع متفرقة ونحو عشرين مسجداً وبنى أكثر سور حصن بلفيق، كل ذلك من ماله.
وقال ﵁ في بعض رسائله: الصوفي عبارة عن رجل عدل تقي صالح زاهد، غير منتسب لسبب من الأسباب، ولا مخل بأدب من الآداب، قد عرف شأنه وزمانه، وملكت مكارم الأخلاق عنانه، لا ينتصر لنفسه، ولا يتفكر في غده وأمسه، العلم خليله، والقرآن دليله، والحق حفيظه ووكيله
стр. 3049
نظره إلى الخلق بالرحمة، ونظره إلى نفسه بالحذر والتهمة؛ انتهى.
وأحوال هذا الشيخ عجيبة، وكراماته شهيرة، وإنما ذكرنا هذا النزر اليسير تبركاً بذكره ﵁ في هذا الكتاب، وتطفلاً على رب الأرباب أن ينفعنا بأمثاله ويحقق لنا النجاة والمتاب، إنه على ذلك قدير.
رجع إلى أخبار أبي البركات - ولما وقع بينه وبين ابن صفوان ما يقع بين المتعاصرين رد عليه ابن صفوان، فانتصر لأبي البركات بعض طلبته بتأليف شواظ من نار ونحاس يرسل على من لم يعرف قدره وقدر غيره من الناس وهو قدر رسالة الشيخ أو أطول، وألفي على ظهره بخط الشيخ أبي البركات ما صورته:
قد شبع الكلب كما ينبغي ... من حجر صلد ومن مقرع
فإن يعد من بعد ذا الذي ... قد كان منه فهو ممن نعي ومن بديع نظم الشيخ أبي البركات رحمه الله تعالى قوله:
يلومونني بعد العذار على الهوى ... ومثلي في وجدي له لا يفند
يقولون أمسك عنه قد ذهب الصبا ... وكيف أرى الإمساك والخيط أسود وقوله في المجبنات:
ومصفرة الخدين مطوية الحشا ... على الجبن المصفر يؤذن بالخوف
لها بهجة كالشمس عند طلوعها ... ولكنها في الحين تغرب في الجوف وفي هذين البيتين تورية متعددة.
وحدث القاضي أبو البركات أنه لما أراد الانصراف عن سبتة قال هل السيد الشريف أبو العباس رحمه الله تعالى: متى عزمت على الرحيل فأنشد أبو البركات:
стр. 3050
أما الرحيل فدون بعد غد ... فمتى تقول الدار تجمعنا فأنشد الشريف رحمه الله تعالى:
لا مرحباً بغد ولا أهلاً به ... إن كان تفريق الأحبة في غد وحكي أن السيد أبا العباس الشريف المذكور ساير القاضي أبا البركات في بعض أسفاره زمن الشباب ببر الأندلس أعاده الله تعالى فلما انتهينا إلى قرية ترليانة، وأدركهما النصب، واشتد عليهما حر الهجير، نزلا وأكلا على ظهره تحت شجرة مستظلاً بظلها، ثم التفت إلى السيد أبي العباس وقال:
ماذا تقول فدتك النفس في حالي ... يفنى زماني في حل وارتحال وأرتج عليه، فقال لأبي العباس: أجز، فقال بديهاً:
كذا النفوس اللواتي العز يصحبها ... لا ترضي بمقام دون آمال
دعها تسر في الفيافي والقفار إلى ... أن تبلغ السؤل أو موتاً بتجوال
الموت أهون من عيش لدى زمن ... يُعلي اللئيم ويدني الأشرف العالي ولما أوقع الشيخ أبو البركات على زوجه الحرة العربية أم العباس عائشة بنت الوزير المرحوم أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكتاني ثم المغيلي طلقة كتب نسختها بما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وعلى آل محمد، يقول عبد الله الراجي رخمته محمد المدعو بأبي البركات ابن الحاج خار الله له ولطف به: إن الله جلت قدرته لما أنشأ خلقه على طبائع مختلفة وغرائز شتى، ففيهم السخي والبخيل، والشجاع والجبان، والغبي والفطن، والكيس والعاجز، والمسامح والمناقش، والمتكبر والمتواضع، إلى غير ذلك من الصفات المعروفة من الخلق، كانت العشرة لا تستمر بينهم إلا بأحد أمرين: إما بالاشتراك في الصفات أو في
стр. 3051
بعضها، وإما بصبر أحدهما على صاحبه إذا عدم الاشتراك، ولما علم الشارع أن بني آدم على هذا الوضع شرع لهم الطلاق ليستريح إليه من عيل صبره على صاحبه، توسعة عليهم، وإحساناً منه إليهم، فلأجل العمل على هذا طلق كاتب هذا عبد الله محمد المذكور زوجه الحرة العربية المصونة عائشة ابنة الشيخ الوزير الحسيب النزيه الأصيل الصالح الفاضل الطاهر المقدس المرحوم أبي عبد الله محمد المغيلي، طلقة واحدة، ملكت بها أمر نفسها دونه، عارفاً قدره قصد بذلك إراحتها من عشرته، طالباً من الله أن يغني كلاً من سعته، مشهداً بذلك على نفسه في صحته وجواز أمره يوم الثلاثاء أول يوم من شهر ربيع الثاني عام أحد وخمسين وسبعمائة؛ انتهى.
ومن نوادره رحمه الله تعالى أنه لما استناب بعض قضاة المرية الفقيه أبا جعفر المعروف بالقرعة في القضاء بخارج المرية من عمله فاتفق أن جاء بعض الجنانين بفحص المرية يشتكي من جائحة أو أذاية أصابت جنانه، ففسدت غلته لذلك، فأخذ ذلك الجنان قرعة وأشار إليها مشتكياً، وقال: هذه القرعة تشهد بما أصاب جناني، فقال الشيخ أبو البركات عند ذلك: غريبتان في عام واحد: القرعة تقضي، والقرعة تشهد.
وكان له رحمه الله تعالى من هذا النمط كثير.
وقال رحمه الله تعالى: نظمت صبيحة يوم السبت السابع والعشرين لرجب عام خمسة وأربعين وسبعمائة، وقد رأيت في النوم كأني أريد إتيان امرأة لا تحل لي، فيأتي رقيب فيحول بيني وبين ذلك المرة بعد المرة، قولي:
ألا كرم الله الرقيب فإنه ... كفاني أموراً لا يحل ارتكابها
وبالغ في سد الذريعة فاغتدى ... يلاحظني نوماً ليغلق بابها وقال ﵀: أنشدني شيخي أبو عبد الله ابن رشيد عند قراءتي عليه
стр. 3052
شرحه لقوافي أبي الحسن حازم، وقد باحثته يوماً مناقشة في بعض ألفاظ من الشرح المذكور:
تسامح ولا تستوف حقك كله ... وأغض فلم يستوف قط كريم ومن نظم الشيخ أبي البركات قوله:
ألا خل دمع العين يهمي بمقلتي ... لفرقة عين الدمع وقف على الدم
فللماء فيه رنة شجنية ... كرنة مسلوب الفؤاد متيم
وللطير فيه نغمة موصلية ... تذكرني عهد الصبا المتقدم
وللحسن أقمار به يوسفية ... ترد إلى دين الهوى كل مسلم وله رحمه الله تعالى:
ما كل من شد على رأسه ... عمامة يحظى بسمت الوقار
ما قيمة المرء بأثوابه ... السر في السكان لا في الديار وله سامحه الله تعالى:
إذا ما كتمت السر عمن أوده ... توهم أن الود غير حقيقي
ولم أخف عنه السر من ضنة به ... ولكنني أخشى صديق صديقي وله وقد جلس في حلقة بعض المشايخ واستدبر بعض الفضلاء ولم يره، بسبتة:
إن كنت أبصرتك لا أبصرت ... بصيرتي في الحق برهانها
لا غرو أني لم أشاهدكم ... فالعين لا تبصر إنسانها ومما يعجبه ﵀ من قوله، قال في الإحاطة ويحق أن يعجبه:
تطالبني نفسي بما ليس لي به ... يدان فأعطيها الأمان فتقبل
стр. 3053
عجبت لخصم لج في طلباته ... يصالح عنها بالمحال فيفصل ومما أورد له في الإحاطة وذكر نه لو رحل راحل إلى خراسان لما أتى إلا بهما:
رعى الله إخوان الخيانة إنهم ... كفونا مؤونات البقاء على العهد
فلو قد وفوا كنا أسارى حقوقهم ... نراوح ما بين النسيئة والنقد وقد تمثل القاضي أبو البركات في مخاطبة له للسان الدين بقول القائل:
أيتها النفس إليه اذهبي ... فحبه المشهور من مذهبي
أيأسني التوبة من حبه ... طلوعه شمساً من المغرب وحكى غير واحد منهم ابن داود البلوي أن القاضي أبا البركات لما عزم على الرحلة إلى المشرق كتب إليه ابن خاتمة بما صورته:
أشمس الغرب حقاً ما سمعنا ... بأنك قد سئمة من الإقامه
وأنك قد عزمت على طلوعٍ ... إلى شرق سموت به علامه
لقد زلزلت منا كل قلب ... بحق الله لا تقم القيامه قال الحاكي: فحلف أبو البركات أن لا يرحل من إقليم فيه من يقول مثل هذا؛ انتهى. يشير بقوله " لقد زلزلت - إلخ " إلى طلوع الشمس من مغربها.
قلت: ولما عزمت على هذه الرحلة كتب إلي بعض أصحابنا المغاربة بالآبيات المذكورة متمثلاً، ولم أرجع عن العزم، والله غالب على أمره.
قال الوزير لسان الدين رحمه الله تعالى: وما أحسن قول شيخنا أبي البركات معتذراً عن زرقة عينيه:
حزنت عليك العين يا مغنى الهوى ... فالدمع منها بعد بعدك ما رقى
стр. 3054
ولذاك ما ظهرت بلون أزرق ... أوما ترى ثوب المآتم أزرقا قال رحمه الله تعالى: وهو من الغريب.
وقال بعض الشيوخ: كنت أقرأ على الشيخ أبي البركات التفسير، فنسيت ذات ليلة السفر الذي كنت أقرأ فيه بمنزلي، فاتفق أن حضر الجامع الصحيح للبخاري، فقال الشيخ بعد أن أردت القراءة عليه من أوله: افتح في أثناء الأوراق ولا تعين، وما خرج لك من ترجمة لجهة اليمين فاقرأها، فعلت، فإذا غزوة أحد، فقرأت الحديث الأول من الباب، وهو عن عقبة بن عامر، قال: إن رسول الله ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا شهيد عليكم، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكنني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها، قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ ، فقال الشيخ قوله " صلى على قتلى أحد " لفظ الصلاة يطلق لغة على الدعاء، وشرعاً على الأفعال المخصوصة المعلومة، وإذا دار اللفظ بين الشرعي واللغوي فحمله على الشرعي أولى حتى يدل الدليل على خلافه، فقوله " صلى على قتلى أحد " يحتمل الصلاة الشرعية، ويكون ذلك منسوخاً إذا قد تقرر أنه لا يصلى على شهيد المعترك ولا على من قد صلى عليه، ولمن يعارضه أن يقول: إن قتلى أحد متفرقون في أماكن، فلا تتأتى الصلاة الشرعية عليهم، إذ الصلاة الشرعية إنما تتأتى لو كانوا مجتمعين، والجواب أنهم وإن كانوا متفرقين تجمعهم جهة واحدة، وليس بعد ما بينهم بحيث لا تتأتى معه الصلاة عليهم، هذا، وإن احتمل حمله على الصلاة اللغوية، وقوله " كالمودع للأحياء والأموات " أما وداعه للأحياء فلا إشكال فيه، وأما الأموات فمعنى وداعه لهم وداع الدعاء لهم، لأنه إذا مات فقد حيل بينه وبين
стр. 3055
الدعاء لهم، فلا جرم يودعهم بالدعاء لهم قبل أن يحال بينه وبين ذلك، وقوله ﷺ " إني بين أيديكم " أي أتقدم قبلكم، وقوله ﷺ " بين أيديكم فرط " أي متقدم، وبين إذا أضيفت إلى الأيدي تستعمل فيما قبل زمانك وفيما بعده، والمعنى هنا في قوله " بين أيديكم " أي أتقدم قبلكم، وقوله ﷺ " وأنا شهيد عليكم " فيه وجهان، أحدهما: أن يخلق الله في قلبه علماً ضرورياً يميز به بين البر والفاجر، فيشهد بما خلق الله في قلبه من ذلك، إذ لا تكون الشهادة إلا على أمر مشاهد، ومعلوم أنه لم يشاهد ما فعل بعده من أمته فيخلق الله له علماً بذلك، الوجه الثاني: أن يخبره الله تعالى بذلك كما في حديث الحوض: ليذدان عنه أقوام كما يذاد البعير الضال فأقول: ألا هلم، ألا هلم، فيقال: إنهم قد غيروا بعدك، فأقول: فسحقاً فسحقاً فسحقاً، فشهد بما أخبره الله تعالى به، وهو نظير ما روي في تفسير قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً " من أن قوم نوح يقولون: كيف تشهدون علينا وزمانكم متأخر عن زماننا فيقولون: لأن الله تعالى قص علينا أخباركم في كتابه، فقال " إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه - إلى آخره ".
وقوله ﷺ " وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا " نظره ﷺ إلى الحوض فيه وجهان، أحدهما: أن يكون نظره إليه بقلبه، إذا كان قد أطلعه الله عليه ليلة الإسراء، فصار مرتسماً في قلبه، فيكون نظره إليه بعين قلبه، كما يرتسم في قلب أحدنا شكل بيته وما فيه من المتاع والثياب وغير ذلك؛ الثاني: أن يكون الله تعالى قد كشف له عنه، فيكون نظره إليه بعينه مشاهدة، وقوله ﷺ " وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا " إن قيل: كيف قال ذلك وقد ارتد عن الإسلام من ارتد من العرب بعده فالجواب أنه إنما خاطب بذلك من لم يشرك من أصحابه ومن بعدهم من التابعين وغيرهم من أمته، ولم يراع رعاع العرب
стр. 3056
وجهالهم، إذ لا اعتبار بهم لاحتقارهم. وقوله ﵊ " ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها " قد وقع ما خشي منه ﵊ من المنافسة في الدنيا، فكان كما ذكر ﷺ ؛ انتهى.
وحدث الشيخ أبو البركات قال: كنت ببجاية بمجلس الإمام ناصر الدين المشدالي أيام قراءتي عليه، وقد أفاض طلبة مجلسه بين يديه: هل الملائكة أفضل أم الأنبياء فقلت: الدليل لأن الملائكة أفضل أن الله أمرهم بالسجود لآدم، قال: فجعل الطلبة ينظر بعضهم إلى بعض، حتى قال لي بعضهم: استند يا سيدنا، كأنه يقول: استند إلى حائط ليزول هوس رأسك، وكانت عبارتهم في ذلك، وكل منهم يقول لي نحو ذلك إزراء، وقال لي الإمام ناصر الدين: أبصر فإنهم يقولون الحق، وكانت لغته أن يقول: أبصر، قال: فقلت: أتقولون إن أمر الله للملائكة بالسجود لآدم أمر ابتلاء واختبار قالوا: نعم، قلت: أفيختبر العبد بتقبيل يد سيده ليرى تواضعه قالوا: لا، فإن ذلك من شأن العبد دون أن يؤمر، بل السيد يختبر تواضعه بأن يأمر بالسجود للعبد، قلت: فكذا الملائكة، لو أمرت بالسجود لأفضل منها لكان بمنزلة أمر العبد بالسجود لسيده، قال: فكأنما ألقمتهم حجراً.
قال الشيخ أبو البركات: وهذه كحكاية أبي بكر ابن الطيب مع بعض رؤساء المعتزلة، وذلك أنه اجتمع معه في مجلس الخليفة، فناظره في مسألة رؤية الباري، فقال له رئيسهم: ما الدليل أيها القاضي على جواز رؤية الله تعالى قال: قوله تعالى " لا تدركه الأبصار " فنظر بعض المعتزلة إلى بعض وقالوا: جن القاضي وذلك أن هذه الآية هي معظم ما احتجوا به على مذهبهم، وهو ساكت، ثم قال لهم: أتقولون إن من لسان العرب قولك الحائط لا يبصر قالوا: لا، قال: أتقولون أن من لسان العرب الحجر لا يأكل قولوا: لا، قال: فلا يصح إذاً نفي الصفة إلا عما من شأنه صحة إثباتها له، قالوا: نعم، قال: فكذلك قوله تعالى " لا تدركه الأبصار " لولا جواز إدراك الأبصار له لم يصح نفيه عنه
стр. 3057
فأذعنوا لما قال، واستحسنوه.
وقال الشيخ أبو البركات: كنت ببجاية، وقدم علينا رجل من فاس برسم الحج يعرف بابن الحداد، فركب الناس في الأخذ عنه والرواية لما يحمله كل صعب وذلول، مع أنه لم تكن منزلته هناك في العلم، فعجبت لذلك، حتى قلت لبعض الطلبة: لقد أخذتموه بكلتا اليدين، ولم أركم مع من هو أعلى قدراً منه كذلك، فقالوا لي: لأنه قدم علينا ونحن لا نعرفه، وهو في زي حسن، بخادم يخدمه، يظن من يراه أن أباه من أعيان أهل بلده، فسألناه أحي أبوه أم لا قال: بل حي، قلنا: أهو من أهل العلم قال: لا، هو دلال في سوق الخدم، فلذلك آثرناه على من هو فوقه في العلم، قال: فقلت لهم: حق له أن ترتفع منزلته ويعلا صيته لتخلقه وفضله.
وفوائد أبي البركات كثير. ومن تواليفه المؤتمن على أنباء أبناء الزمن كتاب مفيد جداً. وهو ﵁ من ذرية العباس بن المراد السلمي صاحب رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحساب إلى يوم الدين.
وقال الشيخ أبو البركات: ذكر لي أن الفقيه الكاتب أبا الحسن ابن الجياب يحدث عني، ولا أذكر الآن أني قلت ذلك، ولكنني لما سمعته علمت أنه مما من شأني أن أقوله وهو أني قلت: مثل العالم مثل رجل يصب ماء في قفة، إن واظب على صب الماء بقيت القفة ملأى، وإن ترك صب الماء بقيت القفة لا شيء فيها من الماء، فكذلك العالم: إن واظب على طلب العلم بقي العلم لم ينقص منه شيء، وإن ترك الطلب ذهب علمه؛ انتهى.
ونقلت ممن رأى كلام ابن الصباغ في ترجمة أبي البركات ما نصه: لما ورد مدينة فاس في غرض الهناء والعزاء على أمير المسلمين أبي بكر السعيد ابن أمير المؤمنين أبي عنان، وأبصر الدار غاصة بأرباب الدولة الفاسية ولم يعدم منها عدا شخصه، والولد على أريكة أبيه أنشد:
стр. 3058
لما تبدلت المجالس أوجهاً ... غير الذين عهدت من جلسائها
ورأيتها محفوفة بسوى الألى ... كانوا حماة صدورها وبنائها
أنشدت بيتاً سائراً متقدماً ... والعين قد شرقت بجاري مائها
أما القباب فهي كقبابهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها وأظن أنه (١) تمثل بالأبيات بسره، وإلا يبعد أن يقولها في ذلك الحفل لما في ذلك من التعرض للهلك، والله سبحانه أعلم.
وحكى بعضهم أنه كان جالساً في دهليز بيته مع بعض الأصحاب، فدخلت زوجته من الحمام وهي بغير سراويل لقرب الحمام من البيت، فانكشف ساقها، فدخل خلفها مسرعاً، وغاب ساعة ثم خرج وأنشد:
كشفت على ساق لها فرأيته ... متلألئاً كالجواهر البراق
لا تعجبوا إن قام منه قيامتي ... إن القيامة يوم كشف الساق وله في خديم اسمه يحيى احتجم محجمة واحدة:
أراني يحيى صنعة في قفائه ... مهذبة لما تبادر للباب
أرى (٢) الخمس فيها لا تفارق ساعة ... فصور بالموسى بها شكل محراب وتوفي الشيخ القاضي أبو البركات المذكور بشوال سنة ٧٧١ رحمه الله تعالى.
٢٢ - ومن أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى الشيخ الحكيم العلامة التعاليمي، الشاعر البليغ، أعجوبة زمانه في الاطلاع على علوم الأوائل، أبو زكريا يحيى بن هذيل (٣) وقد قال في الإحاطة في حقه (٤) ما ملخصه: يحيى
стр. 3059
ابن أحمد بن هديل التجيبي، أبو زكريا، شيخنا؛ جرى ذكره في التاج المحلى بما نصه: درة بين الناس مغفلة، وخزانة على كل فائدة مقفلة، وهدية من الدهر الضنين لبنيه محتفلة، أبدع من رتب التعاليم وعلمها، وركض في الألواح قلمها، وأتقن من صور الهيئة ومثلها، وأسس قواعد البراهين وأثلها، وأعرف من زوال شكاية، ودفع عن جسم نكاية، إلى غير ذلك من المشاركة في العلوم، والوصول من المجهول إلى المعلوم، والمحاضرة المستفزة للحلوم، والدعابة التي ما خالع العذار فيها بالملوم، فما شئت من نفس عذبة الشيم، وأخلاق كالزهر من بعد الديم، ومحاضرة تتحف المجالس والمحاضر، ومذاكرة يروق النواظر زهرها الناضر، وله أدب ذهب في الإجادة كل مذهب، وارتدى من البلاغة بكل رداء مذهب، والأدب نقطة من حوضه، وزهرة من زهرات روضه، وسيمر له في هذا الديوان ما يبهر العقول، ويحاسن بروائه ورائق بهائه الفرند المصقول، فمن ذلك ما خرجته من ديوانه المسمى بالسليمانيات والعزفيات (١) قوله:
ألا استودع الرحمن بدراً مكملاً ... بفاس من الدرب الطويل مطالعه
ففي فلك الأزرار يطلع سعده ... وفي أفق الأكباد تلفى مواقعه
يصير مرآه منجم مقلتي ... فتصدق في قطع الرجاء قواطعه (٢)
تجسم من ماء الملاحة (٣) خده ... وماء الحيا فيه ترجرج مائعه
تلون كالحرباء في خجلاته ... فيحمر قانيه ويبيض ناصعه
إذا اهتز غنى حليه فوق نحره ... كغصن النقا غنت عليه سواجعه
يؤكد (٤) حتف الصب عامل قدره ... وتعطف من واو العذار توابعه
стр. 3060
أعد الورى سيفاً كسيف لحاظه ... فهذا هو الماضي وذاك مضارعه (١) وقال:
وصالك هذا أم تحية بارق ... وهجرتك أم ليل السليم لتائق
أناديك والأشواق تركض جمرها (٢) ... بصفحة خدي من دموع سوابق
أبارق ثغر من عذيب رضابه ... قضت مهجتي بين العذيب وبارق ومنها:
فلا تتعبن ريح الصبا في رسالة ... ولا تخجل الطيف الذي كان طارقي
متى طعمت عيني الكرى بعد بعدكم ... فإني في دعوى الهوى غير صادق وقال:
بدا بدر فوقه الليل عسعسا ... وجنة أنس في صباح تنفسا
حوى النجم قرطاً والدراري مقلداً ... وأسبل من الذوائب حندسا
كأن سنا الإصباح رام يزورنا ... وخاف العيون الرامقات فغلسا
أتى يحمل التوراة طبياً مزنراً ... لطيف التثني أشنب الثغر ألعسا
وقابل أحبار اليهود بوجهه ... فبارك عليه ربي (٣) وقدسا
فصير دمعي أعيناً شرب سبطه ... وعمري تيهاً والجوانح مقدساً ومنها:
رويت ولوعي عن ضلوعي مسلسلاً ... فأصبحت في علم الغرام مدرسا
نفى النوم عني كي أكون مسهداً ... فأصبحت في صيد الخيال مهندسا
стр. 3061
غزال من الفردوس تسقيه أدمعي ... ويأوي إلى قلبي مقيلاً ومكنسا
طغى ورد خديه بجنات (١) صدغه ... فأضعفه بالآس نبتاً وما أسا وهذا البيت محال على معنى فلاحي، قال أهل الفلاحة: إن الآس إذا اغترس بين شجر الورد أضعفه بالخاصية.
وقال رحمه الله تعالى ورضي عنه (٢) :
نام طفل النبت في حجر النعامى ... لاهتزاز الطل في مهد الخزامى
وسما (٣) الوسيمي أغصان النقا ... فهوت تلثم أفوا الندامى
كحل الفجر لهم جفن الدجى ... وغدا في وجنة الصبح لثاما
تحسب البدر محيا ثمل ... قد سقته راحة الصبح مداما
حوله الزهر (٤) كؤوس قد غدت ... مسكة الليل عليهم ختاما
يا عليل الريح رفقاً علني ... أشف بالسقم الذي حزت سقاما
أبلغن شوقي عريباً باللوى ... همت في أرض بها حلوا غراما
فرشوا فيها من الدر حصى ... ضربوا فيها من المسك خياما
كنت أشفي غلة من صدكم ... لو أذنتم لجفوني أن تنام
واستفدت الروح من ريح الصبا ... لو أتت تحمل من سلمى سلاما وقال منها أيضاً:
نشأت للصب منها زفرة ... تسكب الدمع على الربع سجاما
طرب البرق مع القلب بها ... وبها الأنات طارحن الحماما
стр. 3062
طلل لا تشتفي الأذن به ... وهو للعينين قد ألقى كلاما
ترك الساكن لي من وصله ... ضمة الجدران لئماً والتزاما
نزعات من سليمان بها ... فهم القلب معانيها فهاما
شادن يرعى حشاشات الحشا ... حسب حظي منه أن أرعى الذماما وقال (١) :
أأرجو أماناً منك واللحظ غادر ... ويثبت عقلي (٢) فيك والطرف ساحر ومنها:
أعد سليمان أليم عذابه ... لطائر قلبي فهو للبين صائر (٣)
أشاهد منه الحسن في كل نظرة ... وناظر أفكاري بمغناه (٤) ناظر
دعت للهوى أنصار سحر جفونه ... فقلبي له عن طيب نفس مهاجر
إذا شق عن بدر الدجى أفق زره ... فإني بتمويه العواذل كافر
وفي حرم السلوان طابت خواطري ... وقلبي لما في وجنته مجاور
وقد ينزع القلب المبلى (٥) لسلوة ... كما اهتز من قطر الغمامة طائر
يقابل أغراضي بضد مرادها ... ولم يدر أن الضد للضد قاهر
ونار اشتياقي صعدت مزن أدمعي ... فمضر سري فوق خدي ظاهر
وقد كنت باكي العين والبين غائب ... فقل لي كيف الدمع (٦) والبين حاضر
стр. 3063
وليس النوى بالطبع مراً، وإنما ... لكثرة ما شقت عليه المرائر (١) وقال:
يا بارقاً قاد الخيال فأومضا ... اقصد بطيفك مدنفاً قد غمضا
ذاك الذي قد كنت تعهد نائماً ... بالسهد من بعد الأحبة عوضا
لا تحسبني معرضاً عن طيفه ... لكن منامي عن جفوني أعرضا ومنها:
عجب الوشاة لمهجتي أن لم تذب ... يوم النوى وتشككت فيما مضى
خفيت لهم من سر صبري آية ... ما فهمت إلا سليمان الرضى
لله درك ناهجاً سبل الهوى ... فلمثله أمر الهوى قد فوضا
أمنت نملاً فوق خدك سارحاً ... وسللت سيفاً من جفونك منتضى وقال في المدح:
حريص على جر الذوائب والقنا ... إذا كعت الأبطال والجو عابس
ويعتنق الأبطال، لولا سقوطها ... لقلت: لتوديع أتته الفوارس
إذا اختطفتهم كفه فسروجهم ... مجال، وهم في راحتيه فرائس وقال يمدح السلطان أبا الوليد ابن نصر عند قدومه من فتح أشكر (٢) :
بحيث البنود الحمر والأسد الورد ... كتائب سكان السماء لها جند (٣)
وتحت لواء النصر ملك هو الورى (٤) ... تضيق به الدنيا إذا راح أو يغدو
стр. 3064
تأمنت الأرواح في ظل بنده ... كأن جناح الروح من فوق بند
فلو رام إدراك النجوم لنالها ... ولو هم لانقادت له الهند والسند ومنها:
بعيني بحر النقع تحت أسنة ... تنمنمه وهناً كما نمنم البرد
سماء عجاج والأسنة شهبها ... ووقع القنا رعد إذا وقع الهند
وظنوا أن الرعد والصعق في السما ... محاق به من أيده الصعق والرعد
عجائب أشكال سما هرمس بها ... مهندسة تأتي الجبال فتنهد
ألا إنها الدنيا تريك عجائباً ... وما في القوى منها فلا بد أن (١) يبدو وقال وهو معتقل:
تباعد عني منزل وحبيب ... وهاج اشتياقي والمزار قريب
وإني على قرب الحبيب مع النوى ... يكاد إذا اشتد الأنين يجيب
لقد بعدت عني ديار قريبة ... عجبت لجار الجنب وهو قريب
أعاشر أقواماً تقر نفوسهم ... فللهم فيها عند ذاك ضروب
إذا شعروا من جارهم بتأوه ... أجابته منهم زفرة ونحيب
فلا ذاك يشكوهم هذا تأسفاً ... لكل امرئ مما دهاه نصيب
كأني في غاب الليوث مسالم ... يروعني منه الغداة وثوب
تحكم فيها الدهر والعقل حاضر ... بكل قياس والأديب أديب
ولو مال بالجهال ميلته بنا ... لجاء بعذر: إن ذا لعجيب
رفيق بما لا ينثني عن جريمة ... بطوش بمن ما أوبقته ذنوب
ويطعمنا منه بوارق خلب ... نقول عساه يرعوي فيؤوب (٢)
стр. 3065
إذا ما تشبثنا بأذيال برده ... دهتنا إذا جر الخطوب خطوب
أدار علينا صولجاناً، ولم يكن ... سوى أنه بالحادثات لعوب ومنها:
أيا دهر إني قد سئمت تهدفي ... أجرني فإن السهم منك مصيب
إذا خفق البرق الطروق أجابه ... فؤادي ودمع المقلتين سكوب
وإن طلع الكف الخضيب بسحرة ... فدمعي بحناء الدماء خضيب
تذكرني الأسحار (١) دارا ألفتها ... فيشتد حزني والحمام دروب
إذا علقت نفسي بليت وربما ... تكاد تفيض أو تكاد تذوب
دعوتك ربي والدعاء ضراعة ... وأنت تناجى بالدعا فتجيب
لئن كان عقبى الصبر فوزاً وغبطة ... فإني على الصبر الجميل دروب قال: وبعثت إليه هدية من البادية، فقال يصف منها ديكاً:
أيا صديقاً جعلته سندا ... فراح فيما أحبه وغدا
طلبت منكم سريدكاً (٢) خنثاً ... وجئتم لي مكانه لبدا
صير مني مؤرخاً ولكم ... ظللت من علمه من البلدا
قلت له: آدم أتعرفه ... قال: حفيدي بعصرنا ولدا
نوح وطوفانه رأيتهما ... قال: علونا بفيضه أحدا
فقلت: هل لي بجرهم خبر ... فقال: قومي وجيرتي السعدا
فقلت: قحطان هل مررت به ... قال: نفثنا ببرده العقدا
فقلت: صف لي سبا وساكنها ... فعند هذا تنفس الصعدا
стр. 3066
فقال: كم لي بدجنهم سحراً ... من صرخة لي وللنوم هدا
فقلت: هاروت هل سمعت به ... فقال: ريشي لسهمه نفدا
فقلت: كسرى وآل شرعته ... فقال: كنا بجيشه وفدا
ولوا وصاروا وها أنا لبد ... فهل رأيتم من فوقهم أحدا
ديك إذا ما انثنى لفكرته ... رأى وجوداً طرائقاً قددا
يرفل في طيلسانه ولهاً ... قد صير الدهر لونه كمدا
إذا دجا الليل غاب هيكله ... كأن حبراً عليه قد جمدا
كأنما جلنار لحيته ... برجان جازا من الهواء مدى
كأن حصناً علا بهامته ... أعده للقتال فيه عدا
يرنو بياقوتتي لواحظه ... كأنما اللحظ منه قد رمدا
كأن منجالتي ذوائبه ... قوس سماء من أصله بعدا
وعوسج مد من مخالبه ... طغى بها في نقاده وعدا
فذاك ديك جلت محاسنه ... له صراخ بين الديوك بدا
يطلبني بالذي فعلت به ... فكم فللنا بلبتيه مدا
وجهته محنة لآكله ... والله ما كان ذاك منك سدى ولم نزل بعد نستعدي عليه بإقراره بقتله، ونطلبه بالقود عند تصرفه بالعمل، فيوجه الدية لنا في ذلك رسائل.
وقال في غرض أبي نواس (١) :
طرقنا ديور القوم وهناً وتغليسا ... وقد شرفوا الناسوت إذ عبدوا عيسى
وقد رفعوا الإنجيل فوق رؤوسهم ... وقد قدسوا الروح المقدس تقديسا
فما استيقظوا إلا لصكة بابهم ... فأدهش رهباناً وروع قسيسا
стр. 3067
وقام بها البطريق يسعى ملبياً ... وقد لين الناقوس رفعاً وتأنيسا
فقلنا له أمناً فإنا عصابة ... أتينا لتثليث وإن شئت تسديسا
وما قصدنا إلا الكؤوس وإنما ... لحنا له في القول خبثاً وتدليسا
ففتحت الأبواب بالرحب منهم ... وعرس طلاب المدامة تعريسا
فلما رأى رقي (١) أمامي ومزهري ... دعاني أتأنيساً لحنت وتلبيسا
وقام إلى دن بفض ختامه ... فكبس أجرام الغياهب تكبيسا
وطاف بها رطب البنان مزنر ... فأبصرت عبداً صير الحر مرؤوسا
سلافاً حواها القار لبساً فخلتها ... مثالاً من الياقوت في الحبر مغموسا ومنها:
إلى أن سطا بالقوم سلطان نومهم ... ورأس فتيل (٢) الشمع نكس تنكيسا
وثبت إليه بالعناق فقال لي: ... بحق الهوى هب لي من الضم تنفيسا
كتبت بدمع العين صفحة خده ... فطلس حبر الشعر كتبي تطليسا
فبئس الذي احتلنا وكدنا عليهم ... وبئس الذي قد أضمروا قبل ذا بيسا
فبتنا يرانا الله شر عصابة ... نطيع بعصيان الشريعة إبليسا وقال بديهة في غزالة من النحاس ترمي الماء على بركة:
عنت لنا من وحشة ... جاءت لورد الماء ملء عنانها
وأظنها إذا حددت آذانها ... ريعت بنا فتوقفت بمكانها
حيت بقرني رأسها إذ لم تجد ... يوم اللقاء تحية ببنانها
حنت على الندمان من إفلاسهم ... فرمت قضيب لجينها لحنانها (٣)
لله در غزالة أبدت لنا ... در الحباب تصوغه بلسانها
стр. 3068
لسان الدين: وفلج المذكور، فلزم منزلي لمكان فضله ووجوب حقه، وقد كانت زوجته توفيت، وصحبه عليها وجد، فلما ثقل وقربت وفاته استدعاني وكاد لسانه لا يبين، فأوصاني وقال:
إذا مت فادفني حذاء حليلتي ... يخالط عظمي في التراب عظامها
ولا تدفنني في البقيع فإنني ... أريد إلى (١) يوم الحساب التزامها
ورتب ضريحي كيفما شاءه الهوى ... تكون أمامي أو أكون أمامها
لعل إله العرش يجبر صدعتي ... فيعلي مقامي عنده ومقامها ومات رحمه الله تعالى في الخامس والعشرين لذي قعدة لعام ثلاثة وخمسين وسبعمائة ودفن بحذاء زوجته كما عهد رحمه الله تعالى؛ انتهى.
ومن نظم ابن هذيل:
وظبي زارني والليل طفل ... إلى أن لاح لي منه اكتهال
وألغى الشك من وصل فقلنا ... بليل الشك يرتقب الهلال ٢٣ - ومن أشياخ لسان الدين: الشيخ أبو بكر ابن ذي الوزارتين، وهو - أعني أبا بكر - الوزير
الكاتب الأديب الفاضل المشارك المتفنن المتبحر في الفنون أبو بكر محمد ابن الشيخ الشهير ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم الرندي (٢) ، ومن نظمه قوله (٣) :
تصبر إذا ما أدركتك ملمة ... فصنع إله العالمين عجيب
وما يلحق (٤) الإنسان عار بنكبة ... ينكب فيها صاحب وحبيب
стр. 3069
ففي من مضى للمرء ذي العقل أسوة ... وعيش كرام الناس ليس يطيب
ويوشك أن تهمي سحائب نعمة ... فيخضب ربع للسرور جديب
إلهك يا هذا قريب لمن دعا ... وكل الذي عند القريب قريب قال ابن خاتمة: وأنشدني الوزير أبو بكر مقدمه على المرية غازياً مع الجيش المنصور، قال: أنشدني أبي:
ولما رأيت الشيب حل بمفرقي ... نذيراً بترحال الشباب المفارق
رجعت إلى نفسي فقلت لها انظري ... إلى ما أرى، هذا ابتداء الحقائق [ترجمة أبي عبد الله ابن الحكيم]
وبيتهم بيت كبير، وأخذ عن غير واحد وعن والده، وهو ذو الوزارتين أبو عبد الله محمد (٢) بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى، اللخمي، الرندي، الكاتب البليغ الأديب الشهير الذكر بالأندلس، وأصل سلفه من إشبيلية من أعيانها، ثم انتقلوا إلى رندة في دولة بني عباد، ويحيى جد والده هو المعروف بالحكيم (٢) لطبه، وقدم ذو الوزارتين على حضرة غرناطة أيام السلطان أبي عبد الله محمد بن محمد بن نصر إثر قفوله من الحج في رحلته التي رافق بها العلامة أبا عبد الله ابن رشيد الفهري، فألحقه السلطان بكتابه، وأقام يكتب له في ديوان الإنشاء إلى أن توفي هذا السلطان وتقلد الملك بعده ولي عهده أبو عبد الله المخلوع فقلده الوزارة والكتابة، وأشرك معه في الوزارة أبا سلطان عبد العزيز بن سلطان الداني، فلما توفي أبو سلطان أفرده السلطان بالوزارة، ولقبه ذا الوزارتين،
стр. 3070
وصار صاحب أمره إلى أن توفي بحضرة غرناطة قتيلاً نفعه الله تعالى غدوة يوم الفطر مستهل شوال سنة ثمان وسبعمائة، وذلك لتاريخ خلع سلطانه وخلافة أخيه أمير المسلمين أبي الجيوش مكانه، ومولده برندة سنة ستين وستمائة.
وكان رحمه الله تعالى علماً في الفضيلة والسراوة ومكارم الأخلاق، كريم لنفس واسع الإيثار، متين الحرمة عالي الهمة، كاتباً بليغاً أديباً شاعراً، حسن الخط يكتب خطوطاً على أنواع كلها جميلة الانطباع، خطيباً فصيح القلم زاكي الشيم، مؤثراً لأهل العم والأدب براً بأهل الفضل والحسب، نفقت بمدته للفضائل أسواق، وأشرقت بإمداده للأفاضل آفاق. ورحل للمشرق كما سبق، فكانت إجازته البحر من المرية، فقضى فريضة الحج، وأخذ عمن لقي هنالك من الشيوخ، فمشيخته متوافرة، وكان رفيقه كما مر الخطيب أبا عبد الله ابن رشيد الفهري، فتعاونا على هذا الغرض، وقضيا منه كل نفل ومفترض، واشتركا فيمن أخذا عنه من الأعلام، في كل مقام، وكانت له عناية بالرواية وولوع بالأدب، وصبابة باقتناء الكتب، جمع من أمهاتها العتيقة، وأصولها الرائقة الأنيقة، ما لم يجمعه في تلك الأعصر أحد سواه، ولا ظفرت به يداه، أخذ عنه الخطيب الصالح أبو إسحاق ابن أبي العاصي، وتدبج معه رفيقه أبو عبد الله ابن رشيد وغير واحد، وكان ممدحاً، وممن مدحه الرئيس أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي والرئيس أبو الحسن ابن الجياب، وناهيك بهما.
ومن بديع مدح ابن الجياب له قصيدة رائقة يهنيه فيها بعيد الفطر منها في أولها (١) :
يا قادماً عمت الدنيا بشائره ... أهلا بمقدمك الميمون طائره
ومرحباً بك من عيد تحف به ... من السعادة أجناد تظافره
стр. 3071
قدمت فالخلق في نعمى وفي جذل ... أبدى بك البشر باديه وحاضره
والارض قد لبست أثواب سندسها ... والروض قد بسمت منه أزاهره
حاكت يد الغيث في ساحاته حللاً ... لما سقاها دراكاً منه باكره
فلاح فيها من الأنوار باهرها ... وفاح فيها من النوار عاطره
وقام فيها خطيب الطير مرتجلاً ... والزهر قد رصعت منه منابره
موشي ثوب طواه الدهر آونة ... فها هو اليوم للأبصار ناشره
فالغصن من نشوة يثني معاطفه ... والطير من طرب تشدو مزاهره
وللكمام انشقاق عن أزاهرها ... كما بدت لك من خل ضمائره
لله يومك ما أزكى فضائله ... قامت لدين الهدى فيه شعائره
فكم سريرة فضل فيك قد خبئت ... وكم جمال بدا للناس ظاهره
فافخر بحق على الأيام قاطبة ... فما لفضلك من ند يظاهره
فأنت في عصرنا كابن الحكيم إذا ... قيست بفخر أولي العليا مفاخره
يلتاح منه بأفق الملك نور هدى ... تضاءل الشمس مهما لاح زاهره
مجد صميم على عرش السماك سما ... طالت مبانيه واستعلت مظاهره
وزارة الدين والعلم التي رفعت ... أعلامه والندى الفياض زاخره
وليس هذا ببدع من مكارمه ... ساوت أوائله فيه أواخره
يلقى الأمور بصدر منه منشرح ... بحر وآراؤه العظمى جواهره
راعى أمور الرعايا معملاً نظراً ... كمثل علياه معدوماً نظائره
والملك سير في تدبيره حكماً ... تنال ما عجزت عنه عساكره
سياسة الحلم لا بطش يكدرها ... فهو المهيب وما تخشى بوادره
لا يصدر الملك إلا عن إشارته ... فالرشد لا تتعداه مصايره
تجري الأمور على أقصى إرادته ... كأنما دهره فيه يشاوره
وكم مقام له في كل مكرمة ... أنست موارده فيها مصادره
стр. 3072
ففضلها طبق الآفاق أجمعها ... كأنه مثل قد سار سائره
فليس يجحده إلا أخو حسد ... يرى الصباح فيعشى منه ناظره
لا ملك أكبر من ملك يدبره ... لا ملك أسعد من ملك يوازره
يا عز أمر به اشتدت مضاربه ... يا حسن ملك به ازدانت محاضره
تثني البلاد وأهلوها بما عرفوا ... ويشهد الدهر آتيه وغابره
بشرى لآمله الموصول مأمله ... تعساً لحاضره المقطوع دابره
فالعلم أشرقت نور مطالعه ... والجود قد أسبلت سحاً مواطره
والناس في بشر، والملك في ظفر ... عال على كل عالي القدر قاهره
والأرض قد ملئت أمناً جوانبها ... بيمن من خلصت فيها سرائره
وإلى أياديه من مثنى وموحدة ... تساجل البحر إن فاضت زواخره
فكل يوم تلقانا عوارفه ... كساه أمواله الطولى دفاتره
فمن يؤدي لمن أولاه من نعم ... شكراً ولو أن سحباناً يظاهره
يا أيها العيد بادر لثم راحته ... فلثمها خير مأمول تبادره
وافخر بأن قد لقيت ابن الحكيم على ... عصر يباريك أو دهر تفاخره
ولى الصيام وقد عظمت حرمته ... فأجره لك وافيه ووافره
وأقبل العيد فاستقبل به جذلاً ... واهنأ به قادماً عمت بشائره ومن نثر ذي الوزارتين آخر إجازة ما صورته: وها أنا أجري معه على حسن معتقده، إلى ما رآه بمقتضى تودده، وأجيز له ولولديه أقر الله بهما عينه، وجمع بينهما وبينه، رواية جميع ما نقلته وحملته، وحسن اطلاعه يفصل من ذلك ما أجملته، فقد أطلقت لهم الإذن في جميعه، وأبحت لهم الحمل عني ولهم الاختيار في تنويعه، والله سبحانه يخلص أعمالنا لذاته، ويجعلها في ابتغاء مرضاته، قال هذا محمد بن عبد الرحمن بن الحكيم حامداً لله ، ومصلياً.
стр. 3073
ومن شعر ذي الوزارتين ابن الحكيم قوله (١) :
ما أحسن العقل وآثاره ... لو كان لازم الإنسان إيثاره
يصون بالعقل الفتى نفسه ... كما يصون الحر أسراره
لا سيما إن كان في غربة ... يحتاج أن يعرف مقداره وقوله ﵀ (٢) :
إني لأعسر أحياناً فيلحقني ... يسر من الله إن العسر قد زالا
يقول خير الورى في سنة ثبتت ... " أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا " وهو من أحسن ما قال ﵀.
ومن شعر ذي الوزارتين المذكور قوله (٣) :
فقدت حياتي بالعراق ومن غدا ... بحال نوى عمن يحب فقد فقد
ومن أجل بعدي عن ديار ألفتها ... جحيم فؤادي قد تلظى وقد وقد وقد سبقه إلى هذا القائل:
أواري أواري بالدموع تجلداً ... وكم رمت إطفاء اللهيب وقد وقد
فلا تعذلوا من غاب عنه حبيبه ... فمن فقد المحبوب فقد فقد كذا رواه ابن خاتمة، ورواه غيره هكذا:
أواري أواري والدموع تبينه ... وهو الصواب، قال ابن خاتمة: وأنشدني رئيس الكتاب الصدر البليغ
стр. 3074
الفاضل أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان النجاري، قال: أنشدني رئيس الكتاب الجليل أبو محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي، قال: أنشدني رئيس الكتاب ذو الوزارتين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن الحكيم ﵀:
صح الكتاب وعنه ... واختم على مكنته
واحذر عليه من مخا ... لسة الرقيب بجفنه
واجعل لسانك سجنه ... كيلا ترى في سجنه قال ابن خاتمة: وفي سند هذه القطعة نوع غريب من التسلسل. وحكى أن ذا الوزارتين المذكور لما اجتمع مع الجليل الفقيه الكاتب ابن أبي مدين أنشده ابن أبي مدين (١) :
عشقتكم بالسمع قبل لقاكم ... وسمع الفتى يهوى لعمري كطرفه
وحببني ذكر الجليس إليكم ... فلما التقينا كنتم فوق وصفه فأنشد ذو الوزارتين ابن الحكيم:
ما زلت أسمع عن عيناك كل سناً ... أبهى من الشمس أو أجلى من القمر
حتى رأى بصري فوق الذي سمعت ... أذني فوفق بين السمع والبصر ويعجبني في قريب من هذا المعنى قول الحاج الكاتب أبي إسحاق الحسناوي (٢) ﵀:
سحر البيان بناني صار يعقده ... والنفث في عقده من منطقي الحسن
لا أنشد المرء يلقاني ويبصرني ... أنا المعيدي فاسمع بي ولا ترني رجع - وقال لسان الدين في عائد الصلة في حق ذي الوزارتين ابن الحكيم
стр. 3075
ما صورته (١) : كان ﵀ فريد دهره سماحة وبشاشة ولوذعية وانطباعاً، رقيق الحاشية، نافذ العزمة، مهتزاً للمديح، طلقاً للآمل، كهفاً للغريب، برمكي المائدة مهلبي الحلوى (٢) ، ريان من الأدب، مضطلعاً بالرواية، مستكثراً من الفائدة، يقوم على المسائل الفقهية، ويتقدم الناس في باب التحسين والتقبيح، ورفع راية الحديث والتحديث، نفق بضاعة الطلب، وأحيا معالم الأدب، وأكرم العلم والعلماء، ولم تشغله السياسة عن النظر، ولا عاقة تدبير الملك عن المطالعة والسماع، وأفرط في اقتناء الكتب حتى ضاقت تصوره عن خزائنها، وأثرت أنديته من ذخائرها، قام له الدهر على رجل، وأخدمه صدور البيوتات وأعلام الرياسات، وخوطب من البلاد النازحة، وأمل في الآفاق النائبة؛ انتهى المقصود منه.
ومن أحسن ما رثي به الوزير ابن الحكيم ﵀ قول بعضهم:
قتلوك ظلماً واعتدوا ... في فعلهم حد الوجوب
ورموك أشلاء، وذا ... أمر قضته لك الغيوب
إن لم يكن لك سيدي ... قبر فقبرك في القلوب وقال لسان الدين في الإحاطة في حق رحلة ذي الوزارتين ابن الحكيم ما صورته (٣) : رحل إلى الحجاز الشريف من بلده على فتاء سنه أول عام ثلاثة وثمانين وستمائة، فحج وزار، وتجول في بلاد المشرق منتجعاً عوالي الرواية في مظانها، ومنقراً عنها عند مسني شيوخها، وقيد الأناشيد الغربية والأبيات المرقصة، وأقام بمكة شرفها الله من شهر رمضان إلى انقضاء المسم، فأخذ بها
стр. 3076
عن جماعة، وانصرف إلى المدينة المشرفة، ثم قفل مع الركب الشامي إلى دمشق، ثم كر إلى المغرب، لا يمر بمجلس علم أو نعلم إلا روى أو روى، واحتل رندة حرسها الله أواخر عام خمسة وثمانين وستمائة، فأقام بها عيناً في فرابته، وعلماً في أهله، معظماً لديهم، إلى أن أوقع السلطان بالوزراء من بني حبيب الوقيعة البرمكية وورد رندة في أثر ذلك، فتعرض إليه وهنأه بقصيدة طويلة من أوليات شعره أولها (١) :
هل إلى رد عشيات الوصال ... سبب أم ذاك من ضرب المجال فلما أنشدها إياه أعجب به وبحسن خطه ونصاعة ظرفه، فأثنى عليه، واستدعاه إلى الوفادة على حضرته، فوفد آخر عام ستة وثمانين، فأثبته في خواص دولته، وأحظاه لديه، إلى أن رقاه إلى كتابة الإنشاء ببابه، واستمرت حاله معظم القدر مخصوصاً بالمزية، إلى أن توفي السلطان ثاني الملوك من بني نصر، وتقلد الملك بعده ولي عهده أبو عبد الله، فزاد في إحظائه وتقريبه، وجمع له بين الكتابة والوزارة، ولقبه بذي الوزارتين، وأعطاه العلامة، وقلده الأمر فبعد الصيت وطاب الذكر، إلى أن كان من أمره ما كان؛ انتهى ملخصاً.
وقال في الإحاطة بعد كلام طويل في ترجمته: قال شيخنا الوزير أبو بكر ابن الحكيم ولده: وجدت بخطه رحمه الله تعالى رسالة خاطب بها أخاه الأكبر أبا إسحاق إبراهيم افتتحها بقصيدة أولها (٢) :
ذكر اللوى شوقاً إلى أقماره ... فقضى أسى أو كاد من تذكاره
وعلا زفير حريق نار ضلوعه ... فرمى على وجناته بشراره (٣)
стр. 3077
وقد ذكرناها في غير هذا المحل.
وقال مما يكتب على قوس (١) :
أنا عدة للدين في يد من غدا ... لله منتصراً على أعدائه
أحكي الهلال وأسهمي في رجمها ... لمن اعتدى تحكي رجوم (٢) سمائه
قد جاء في القرآن أني عدة ... إذ نص خير الخلق محكم آيه
وإذا العدو أصابه سهمي فقد ... سبق القضاء بهلكه وفنائه قال لسان الدين (٣) : ومن توقيعه ما نقلته من خط ولده،يعني أبا بكر، في كتابه المسمى بالموارد المستعذبة وكان بوادي آش الفقيه الطرائفي (٤) ، فكتب إلى خاصة والدي أبي جعفر ابن داود، قصيدة على روي السين، يتشكى فيها من مشرف بلدهم إذ ذاك أبي القاسم ابن حسان منها:
فيا صفي أبي العباس كيف ترى ... وأنت أكيس من فيها من أكياس
ولوه إن كان ممن ترتضون به ... فقد دنا الفتح للأشراف في فاس ومنها يستطرد ذكر ذي الوزارتين:
للشرق فضل فمنه أشرقت شهب ... من نورهم أقبسونا كل مقباس فوقع عليها رحمه الله تعالى:
إن أفرطت بابن حسان غوائله ... فالأمر يكوه ثوب الذكر والباس
وإن تزل به في جورة قدم ... كان الجزاء له ضرب على الراس
стр. 3078
فقد أقامني المولى بنعمته ... لبث أحكامه بالعدل في الناس ثم أطال في أمره، إلى أن قال في ترجمه قتله ما صورته (١) : واستولت يد الغوغاء على منازله، شغلهم بها مدبر الفتنة خيفة من أن يعاجلوه قبل تمام أمره، فضاع بها مال لا يكتب، وعروض لا يعلم لها قيمة من الكتب والذخيرة والفرش والآنية والسلاح والمتاع والخرثي، وأخفرت ذمته، وتعدى به عدوه القتل إلى المثلة، وقانا الله مصارع السوء، فطيف بشلوه، وانتهب، فضاع ولم يقبر، وجرت فيه شناعة كبيرة، رحمه الله تعالى؛ انتهى المقصود منه.
رجع:
٢٤ - ومن مشايخ لسان الدين الأستاذ أبو الحسن علي القيجاطي (٢) .
وقال في حقه في الإحاطة ما محصله: علي بن عمر بن إبراهيم بن عبد الله الكناني، القيجاطي، أبو الحسن، أوحد زمانه علماً وتخلقاً وتواضعاً وتفنناً، ورد على غرناطة مستدعى عام اثني عشر وسبعمائة، وقعد بمسجدها الأعظم يقرأ فنوناً من العلم من قراءات وفقه وعربية وأدب، وولي الخطابة، وناب عن بعض القضاة بالحضرة، مشكور المأخذ حسن السيرة عظيم النفع، وقصده الناس وأخذوا عنه، وكان أديباً لوذعياً فكهاً حلواً، وهو أول أستاذ قرأت عليه القرآن والعربية والأدب إثر قراءة المكتب، وله تآليف في فنون وشعر ونثر، فمن شعره قوله (٣) :
روض المشيب تفتح أزهاره ... حتى استبان ثغامه وبهاره
стр. 3079
ودجى الشباب قد استبان صباحه ... وظلامه قد لاح في نهاره
فاتى حمام لا يعاف وقوعه ... ومضى غراب لا يخاف مطاره
والعمر مثل البدر يبدو حسنه ... حيناً ويعقب بعد ذاك سراره
ما للإخاء تقلصت أفياؤه ... ما للصفاء تكدرت آثاره
والحر يصفح إن أخل خليله ... والبر يسمح إن تجرأ جاره
فتراه يدفع إن تمكن جاهه ... وتراه ينفع إن علا مقداره
ولأنت تعلم أنني زمن الصبا ... ما زلت زنداً والحياء سواره
ولأنت تعلم أنني زمن الصبا ... ما زلت ممن عف فيه إزاره
والهجر ما بين الأحبة لم يزل ... ترك الكلام أو السلام مثاره
ولكم تجافى عن جفاء خليله ... فطن، وقد ظفرت به أظفاره
ولكم أصر على التدابر مدبر ... أفضى إلى ندم به إصراره
فأقام كالكسعي بان نهاره ... أو كالفرزدق فارقته نواره
أنكرتم من حق معترف لكم ... بالحق ما لا ينبغي إنكاره
والشرع قد منع التقاطع نصه ... قطعاً، ونقد وردت به أخباره
والسن سن تورع وتبرع ... وتسرع لتشرع تختاره
ما يومنا من أمسنا قدك اتئد ... ذهب الشباب فكيف ينفى عاره
هلا حظرتم أو حذرتم منه ما ... حق عليكم حظره وحذاره
عجباً لمن يجري هواه لغاية ... محدودة إضماره مضماره
يأتي ضحاً ما كان يأتيه دجى ... فكأنه ما شاب منه عذاره
فيعد ما تفنى به حسناته ... ويعيد ما تبقى به أوزاره
فالنفس قد أجرته ملء عنانها ... يشتد في مضمارها إحضاره
والمرء من إخوانه في جنة ... بل جنة تجري بها أنهاره
واليمن قد مدت إليه يمينه ... واليسر قد شدت عليه يساره
стр. 3080
شعر به أشعرت بالنصح الذي ... يهديه من أشعاره إشعاره
ولو اختبرتم نقده بمحكة ... لامتاز بهرجه ولاح نضاله
هذا هدى فبه اقتده تنل المنى ... أو أنت في هذا وما تختاره
وعليكم مني سلام مثلما ... أرجت بروض يانع أزهاره وقال من قصيدة رثائية (١) :
حمام حمام فوق أيك الأسى تشدو ... تهيج من الأشجان ما أوجد الوجد
وذلك شجو في حناجرنا شجاً ... وذلك هزل في ضمائرنا جد
أرى أرجل الأرزاء تشتد نحونا ... وأيديها تسعى إلينا فتمتد
ونحن أولو سهو عن الأمر ما لنا ... سوى أمل إيجابنا عنده جحد
فإن خطرت للمرء ذكرى بخاطر ... فتسبيحة الساهي إذا سمع الرعد
مصاب به قدت قلوب وأنفس ... لدينا إذا في غيره قطعت برد
تلين له الصم الصلاب وتنهمي ... عيون ويبكي عنده الحجر الصلد
فلا مقلة ترنو، ولا أذن تعي ... ولا رائحة تعطو، ولا قدم تعدو
وقد كان يبدو الصبر منا تجلداً ... وهذا مصاب صبرنا فيه ما يبدو مولده عام خمسين وستمائة، وتوفي بغرناطة ضحى السبت في السابع والعشرين لذي الحجة عام ثلاثين وسبعمائة، وحضره السلطان فمن دونه، رحمه الله تعالى؛ وانتهى.
٢٥ - ومنهم العلامة شيخ الشيوخ أبو سعيد فرج بن لب (٢) .
قال في " الإحاطة " في حقه ما محصله: فرج من قاسم بن أحمد بن لب،
стр. 3081
قال ابن الصباغ: من شعر ابن لب يمدح رسول الله ﷺ :
إذا القلب ثار أثار ادكارا ... لقلبي فأذكى عليه أوارا
تروم جفوني لنار الهوى ... خموداً فتهمي دموعاً غزارا
فماء جفوني يسح انهمالا ... ونار فؤادي تهيج استعارا
أطيل العويل صباحاً مساء ... كئيبا ولست أطيق اصطبارا
رقيت مراقي للحب شتى ... فأفنى مراراً وأحيا مرارا
أحن اشتياقاً لريح سرت ... وأبدي هياماً لبرق أنارا
حنيناً وشوقاً إلى معلم ... حوى شرفاً خالداً لا يجارى
به أسكن الله أسمى الورى ... نبياً كريماً وصحباً خيارا
هو المصطفى المنتقى المجتبى ... أرى معجزات وآياً كبارا
يحق علينا ركوب البحار ... وجوب القفار إليه ابتدارا ومنها:
فيا فوز من فاز في طيبة ... بلثم المغاني جداراً جدارا
وألصق خداً على تربها ... وأكمل حجاً بها واعتمارا
وأهدى السلام لخير الأنام ... على حين وافى عليه مزارا
فيا هادي الخلق دار نعيم ... تناهت جمالاً وطابت قرارا
لأنت الوسيلة والمرتجى ... ليوم يرى الناس فيه سكارى
وما هم سكارى، ولكنهم ... دهتهم دواه فهاموا حيارى
ترى المرء للهول من أمه ... ومن أقربيه يطيل الفرارا
وكل يخاف على نفسه ... فيكسوه خوف الإله انكسارا
فصلى الإله، رسول الهدى، ... عليك، وأبقى هداك منارا
وقدس ربي ثرى روضة ... يعم الجهات سناها انتشارا
стр. 3082
أعبر شذا المسك منها الثرى ... بل المسك منه شذاه استعارا
هنيئاً لمن بهداك اهتدى ... ومغناك وافى، وإياك زارا وقصد رحمه الله تعالى بهذه القصيدة معارضة قصيدة الشبهاب محمود التي نظمها بالحجاز في طريق المدينة الشرفة على ساكنها الصلاة والسلام، وهي طويلة، ومطلعها:
وصلنا السرى وهجرنا الديارا ... وجئناك نطوي إليك القفارا وقد تبارى الشعراء في هذا الوزن وهذا الروي، ومنه القصيدة المشهورة:
أقول وآنست بالحي نارا ... ولابن لب رحمه الله تعالى الفتاوى المشهورة:
وقال في الإحاطة في حقه ما محصله: فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي غرناطي أبو سعيد، من أهل الخير والطهارة والذكاء والديانة وحسن الخلق، رأس بنفسه وبرز بمزية إدراكه وحفظه، فأصبح حامل لواء التحصيل وعليه مدار الشورى وإليه مرجع الفتوى، لقيامه على الفقه وغزارة علمه وحفظه، إلى المعرفة بالعربية واللغة، ومعرفة التوثيق والقيام على القرارات والتبريز في التفسير، والمشاركة في الأصلين والفرائض والأدب، وجودة الحفظ؛ وأقرأ بالمدرسة النصرية في الثامن والعشرين لرحب عام أربعة وخمسين وسبعمائة، معظماً عند الخاصة والعامة، مقروناً اسمه بالتسويد، قعد للتدريس ببلده على وفور الشيوخ، وولي الخطابة بالجامع. قرأ على القيجاطي، والعربية على ابن الفخار، وأخذ عن ابن جابر الوادي آشي، فمن شعره في النسيب (١) :
خذوا للهوى من قلبي اليوم ما أبقى ... فما زال قلبي كله للهوى رقا
стр. 3083
دعوا القلب يصلى في لظى الوجد ناره ... فنار الهوى الكبرى وقلبي هو الأشقى
سلوا اليوم أهل الوجد ماذا به لقوا ... فكل الذي يلقون بعض الذي ألقى
فإن كان عبد يسأل العتق سيداً ... فلا أبتغي من مالكي في الهوى عتقا
بدعوى الهوى يدعو أناس وكلهم ... إذا سئلوا طرق الهوى جهلوا الطرقا
فطرق الهوى شتى ولكن أهله ... يحوزون في يوم السباق بها السبقا
وكم جمعت طرق الهوى بين أهلها ... وكم أظهرت عند السوى بينهم فرقا
بسيما الهوى تسمو معارف أهله ... فحيث ترى سيما الهوى فاعرف الصدقا
فمن زفرة تزجي سحائب عبرة ... إذا زفرة ترقى فلا عبرة ترقا (١)
إذا سكتوا عن وجدهم أعربت به ... بواطن أحوال وما عرفت نطقا وقال في وداع شهر رمضان:
أأزمعت يا شهر الصيام رحيلا ... وقاربت يا بدر الزمان أفولا
جدك قد جدت بك الآن رحلة ... رويدك أمسك للوداع قليلا
نزلت فأزمعت الرحيل كأنما ... نويت رحيلاً إذ نويت نزولا
وما ذاك إلا أن أهلك قد مضوا ... تفانوا فأبصرت الديار طلولا
تفكرت في الأوقات (٢) ناشئة التقى ... أشد به وطأ وأقوم قيلا وهي طويلة.
وكان موجوداً عند تأليف الإحاطة رحمه الله تعالى؛ انتهى بالمعنى.
وقال الحافظ ابن حجر: إنه صنف كتاباً في الباء الموحدة، وأخذ عن شيخنا بالإجازة قاسم بن علي المالقي، ومات سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة؛ انتهى.
وقال تلميذه المنتوري ما نصه: من شيوخي الشيخ الأستاذ الخطيب المقرئ
стр. 3084
المتفنن المفتي أبو سعيد ابن لب، مولده سنة إحدى وسبعمائة، وتوفي ليلة السبت لسبع عشرة ليلة مضت من ذي الحجة عام اثنين وثمانين؛ انتهى.
وهو مخالف لما سبق عن ابن حجر، لكن صاحب البيت أدرى، إذ قال: شيخنا الفقيه الخطيب الأستاذ المقرئ العالم العلم الصدر الأوحد الشهير، كان شيخ الشيوخ وأستاذ الأستاذين بالأندلس، إليه انتهت فيها رياسة الفتوى في العلوم، كان أهل زمانه يقفون عندما يشير إليه، قرأ على أبي علي القيجاطي بالسبع، وتفقه عليه كثيراً في أنواع العلوم، ولازمه إلى أن مات، وأجازه عامة، وعليه اعتمد، وأخذ عن أبي جعفر ابن الزيات، وأبي إسحاق ابن أبي العاصي، وابن جابر الوادي آشي، وقاضي الجماعة أبي بكر، سمع عليه البخاري، وتفقه عليه، وقرأ عليه أكثر عقيدة المقترح تفهماً، وبعض الإرشاد وبعض التهذيب، وعن أبي محمد ابن سلمون، والبركة أبي عبد الله الطنجالي الهاشمي، وأجازه؛ انتهى بمعناه.
وبالجملة فهو من أكابر علماء المالكية بالمغرب حتى قال المواق فيه: شيخ الشيوخ أبو سعيد ابن لب، الذي نحن على فتاويه في الحلال والحرام؛ انتهى.
وقل من لم يأخذ عنه في الأندلس في وقته، فممن أخذ عنه الشاطبي، وابن علاق، وأبو محمد ابن جزي، والأستاذ ابن زمرك، في خلق كثير من طبقتهم، ثم من الطبقة الثانية أبو يحيى ابن عاصم، وأخوه القاضي (١) أبو بكر ابن عاصم، والشيخ أبو القاسم ابن سراج، والمنتوري، في خلق لا يحصون.
وله تواليف، فمنها شرح جمل الزجاجي، وشرح تصريف التسهيل،
стр. 3085
وكتاب " ينبوع عين الثرة (١) في تفريع مسألة الإمامة بالأجرة "، وله فتاوى مدونة بأيدي الناس، وممن جمعها الشيخ ابن طركاط الأندلسي، وله كتابة في مسألة الأدعية إثر الصلوات على الهيئة المعروفة، وقد رد عليه في هذا التأليف تلميذه أبو يحيى ابن عاصم الشهيد في تأليف نبيل انتصاراً لشيخه أبي إسحاق الشاطبي، رحم الله تعالى الجميع.
٢٦ - ومن أشياخ لسان الدين ابن الخطيب أبو القاسم ابن جزي، ففي " الإحاطة " (٢) ما ملخصه: محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن جزي، الكلبي، أبو القاسم، من أهل غرناطة، وذوي الأصالة والنباهة فيها، شيخنا، وأصل سلفه من ولبة من حصن البراجلة، نزل بها أولهم عند الفتح صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي، وعند خلع دولة المرابطين كان لجدهم يحيى رياسة وإفراد بالتدبير، وكان رحمه الله تعالى على طريقة مثلى من العكوف على العلم، والاقتصار على الاقتيات من حر النشب، والاشتغال بالنظر والتقييد والتدوين، فقيهاً حافظاً قائماً على التدريس، مشاركاً في فنون من عربية وفقه وأصول وقراءات وأدب وحديث، حفظة للتفسير، مستوعباً للأقوال، جماعة للكتب، ملوكي الخزانة، حسن المجلس، ممتع المحاضرة، قريب الغور، صحيح الباطن، تقدم خطيباً بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنه، فاتفق على فضله، وجرى على سنن أصالته، قرأ على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير العربية والفقه والحديث والقرآن، وعلى ابن الكماد، ولازم الخطيب أبا عبد الله ابن رشيد وطبقتهم كالحضرمي وابن أبي الأحوص وابن برطال وأبي عامر ابن ربيع الأشعري والولي أبي عبد الله