الجور شين به التعمير منقطع ... والعدل زين به التمهيد ينتظم
يا قاتل الله أهل الجور كم خربت ... بهم بلاد وكم بادت بهم أمم وقال:
اليأس أسلى وأغنى ... من نيل ما يتمنى
يسلو أخو اليأس حتى ... يهنا ولا يعنى
لليأس برد فمن لم ... يذقه لم يتهنا وقال:
إذا عظمت نفس امرئ صار قدره ... حقيراً، وحيث احتل فالذل صاحبه
يسود ويعلو ذو التواضع دائماً ... ويحظى كما يرضى وتقضى مآربه وقال:
ود من يصطفيك للنفع زور ... والجميل الذي يريك غرور
إنما الود ود من ليس يخشى ... فيك ممن يلوم أو من يضير وقال:
اشكر لمن والاك معروفا ... تكن بفضل النفس معروفا
شكر أخي المنة عدل فكن ... بالعدل مهما اسطعت موصوفا
من يكفر الإحسان لا بد أن ... يلفى عن الإحسان مصروفا وقال:
حسب الإنسان ماله ... وهو في الدنيا كماله
يضجر الفقر أخا الح ... لم وإن طال احتماله
عزة المرء غناه ... وبه تحسن حاله
стр. 3152
وقال:
لا تصاحب أبداً من ... عقله غير متين
إن نقص العقل داء ... يتقى مثل الجنون
صحبة الأحمق عار ... لاحق في كل حين وقال (١) :
وافق الناس إن أردت السلامه ... إن روح الوفاق روح كرامه
من يوافق يعش هنيئاً قريراً ... آمناً من أذية وملامه
فتوق الخلاف واحذر أذاه ... فركوب الخلاف عمداً ندامه وقال:
ظلمات الخطوب مهما ادلهمت ... يجلها كالصباح فجر انفراج
أرح النفس لا تبت حلف هم ... كم هموم فيها السرور يفاجي وقال:
من لم يكن يقصد أن يحمدا ... يعش هنيئاً وينل أسعدا
من يبتغي المدحة لا بد أن ... يلحقه الذل وأن يجهدا
عيش الفتى في ترك تقييده ... وموته البحت إذا قيدا وقال:
قل لأهل الحاجات مهما ابتغوها ... حسبكم ما أتى من التنبيه
إن تريدوا الحاجات من غير بطء ... فاطلبوها عند الحسان الوجوه
стр. 3153
وقال:
خذ الأمور برفق واتئد أبداً ... إياك من عجل يدعو إلى وصب
الرفق أحسن ما تؤتى الأمور به ... يصيب ذو الرفق أو ينجو من العطب
من يصحب الرفق يستكمل مطالبه ... كما يشاء بلا أين ولاتعب وقال:
من يبتغي السؤدد لا بد أن ... يرهقه الجهد فلا يضجر
يصعب إدراك المعالي فمن ... يرم لحاق بعضها يصبر
لا يحصل السؤدد هيناً ولا ... يظفر بالبغية إلا جري وقال:
عاش في الناس من درى قدر نفسه ... ثم دارى جميع أبناء جنسه
علم الإنسان قدره نبل عقل ... وذكاء يبين عن فضل حدسه وقال:
عظم الناس تنل تعظيمهم ... واجتنب تحقيرهم فهو الردى
من ير الناس بتحقير يكن ... عندهم مؤذى حقيراً أبدا
لا يغرنك إهمال امرئ ... ربما يؤذي الذباب الأسدا وقال:
حب الرياسة يا له من داء ... كم فيه من محن وطول عناء
طلب الرياسة فت أعضاد الورى ... وأذاق طعم الذل للكبراء
إن الرياسة دون مرتبة التقى ... فإذا اتقيت علوت كل علاء
стр. 3154
وقال:
لا تركنن إلى بشر ... إن شئت تأمن كل شر
ذهب الذين إذا ركن ... ت لهم أمنت من الضرر
لم يبق إلا شامت ... أو من يضر إذا قدر وقال:
خل رأي الجهال ما اسطعت واتبع ... رأي أهل الحلوم والتجريب
لا تحد عن مشورة في مهم ... فهي مما تنمي حياة القلوب
رأي أهل الصلاح نور يجلي ... ظلمة الكرب في ليالي الخطوب وقال:
لا يرتضي بالدون إلا امرؤ ... مقصر ذو همة خامله
الموت خير من حياة الفتى ... مهتضماً ذا رتبة سافله
روح حياة المرء من عزه ... من ذل مات الميتة العاجله وقال:
استغن عمن تشاء ... فالله يغنيك عنه
من أمل الناس يشقى ... وليس يقنع منه
فإن ظفرت بحر ... فاحفظ عليه وصنه وقال:
خذ من صديقك قدر ما يعطيكا ... لا تبغ أزيد واحذر أن يجفوكا
من يبغ مقدار الذي يحتاجه ... من أخيه يبق مخيباً متروكا
شأن الألى رزقوا الحجى أن يقنعوا ... فابغ القناعة إنها تغنيكا
стр. 3155
وقال:
هن إذا عز أخوكا ... واخش أن يقرض فيكا
إن من عاند أقوى ... منه قد ضل سلوكا
نقص عقل أن تعادي ... بشراً لا يتقيكا وقال:
تنزه ما حييت عن القبيح ... وخالف من يرى رد النصيح
وخذ بالحزم مهما اسطعت واحذر ... من أن يلقيك حزمك في فضوح
فلا تعدل عن الحق التفاتاً ... لغير الحق من بعد الوضوح وقال:
لا تخف في الحق لوما ... صدقه ينجيك حتما
ينجلي الحق ويبدو ... نوره لا يتعمى
شأن ذي الحق اهتداء ... وأخو الباطل أعمى وقال:
عامل بجد جميع الناس تحظ به ... وجنب الهزل إن الهزل يرديكا
الجد أحسن ما تبديه من خلق ... والجد أشرف ما في الناس يعليكا
من لازم الجد هابته النفوس ومن ... يهزل يكن أبداً في الناس مهتوكا وقال:
كفاك الله شر من اصطفيتا ... وضر من اعتمدت ومن عرفتا
جميع الناس موتى عنك إلا ... معارفك الذين لهم ركنتا
تحفظ من قريب أو صديق ... وكن في الغير دهرك كيف شئتا
стр. 3156
وقال:
من كان يرغب عن أحبابه ويرى ... تقريب أعدائه لا شك يهتضم
يدنى العدو فلا تدنو مودته ... هيهات كل معاد قربه ندم
فاحفظ صديقك واحذر أن تعاديه ... إن الصديق إذا عاديته يصم وقال:
جامل عدوك كي يلين حقده ... فكيف بعض البعض من إيذائكما
واحفظ صديقك ما استطعت فإنه ... أدرى بطرق الضر من أعدائكا وقال:
إذا ظفرت بمن أنحى عليك فخذ ... بالحلم فيه ودع ما منه قد فرطا
إن المسيء إذا جازيته أبداً ... بفعله زدته في غيه شططا
العفو أحسن ما يجزى المسيء به ... يهينه أو يريه أنه سقطا وقال:
قاتل عدوك بالفضائل إنها ... أعدى عليه من السهام النفذ
كسب الفضائل عدة تعليك في ... رتب بها سبل السعادة تحتذي
فاحرص على نيل الفضائل جاهداً ... إن الفضيلة صعبة في المأخذ وقال:
وعد الكريم وفاء ... تجنيه كيف تشاء
ما حال قط كريم ... ولا ثناه التواء
فأنجز الوعد مهما ... وعدت فهو الزكاء
стр. 3157
وقال:
ليس الغنى عن كثرة الغرض ... إن الغنى في النفس إن ترض
رأس الغنى ترك المطامع عن ... زهد بلا ميل ولا غرض
فازهد تعش أغنى البرية في ... عز بلا هم ولا مضض وقال:
زمن الفضائل قد مضى لسبيله ... ولوى بطيب العيش وشك رحيله
ركدت رياح الجد بعد هبوبها ... وعلا فريق الهزل بعد خموله
هيهات ما زمن الكرام وما هم ... ذهبوا وجد الدهر في تحويله وقال:
مروءة المرء ثوبه ... والعري في الناس عيبه
بثوبه المرء يعلو ... قدراً ويحفظ قربه
من لم يصن ثوبه لم ... يصن وإن لاح شيبه وقال:
لا تصخ ما بقيت حياً لقول ... ليس يجني عليك إلا المضره
واطرح ما أتاك منه وجنب ... من يرى بالفضول واتق ضره وقال:
ثقيل تراه النفس في العين كالقذى ... وكالجبل الراسي على الصدر والقلب
تثير غموم المرء رؤية وجهه ... وتشكو جفاه الأرض شكوى ذوي الكرب وقال:
أما ترى الأشجار مصفرة ... أوراقها كالشمس عند المغيب
стр. 3158
ما هي إلا صفرة آذنت ... بأنها ترحل عما قريب وقال:
كل ما تحب وتشتهي ... ودع الطبيب وما يرى
حفظ الغذاء مشقة ... ليست ترد مقدرا
كم عد من متحفظ ... كم صح ممن قصرا
كل التحفظ زائد ... لا بد مما قدرا وقال:
من كان يأكل ما اشتهى ... ويرى مخالفة الطبيب
سيرى مضرة ما أتى ... بطراً ويندم عن قريب
إن التحفظ في الأمو ... ر لشيمة الفطن اللبيب
من لم يكن متحفظاً ... يخطي ويبعد أن يصيب وقال:
وللحمام حاءات إذا ما ... ظفرت بها عثرت على النعيم
فحناء وحكاك مجيد ... وقل حجر يمر على الأديم
وحوض مفعم ماء لذيذاً ... وحجام على النهج القويم
وللحلق الحديدة حين تنمى ... وأطيبها حديث أخ كريم وقال في الغزل، وهي آخر كتابه المذكور:
الله أكبر جلت فتنة البشر ... بنور غرتك المغني عن البصر
شمس تطلع في أفق الجمال لها ... نور تألق في داج من الشعر
ووردة الخد في أبراد سوسنها ... شقائق زانها التغليف بالدرر
стр. 3159
ومسكة الخال فوق الخد شاهدة ... بأن إبداعها إحكام مقتدر وهذه نبذة من كتابه " أنداء الديم في المواعظ والوصايا والحكم " وكل ما فيه كالذي قبله من نظمه رحمه الله تعالى، فمن ذلك قوله ﵀:
العلم نور وهدى ... فكن بجد طالبه
واحرص عليه واعتمد ... فيه الأمور الواجبه
من لازم العلم علا ... على الأنام قاطبه وقال:
خالف النفس عند قصد هواها ... تبق ما عشت سالماً من أذاها
فاتباع الهوى هوان ولكن ... هان للنفس وكي تنال مناها وقال:
من يخالف في شيء الناس يرجع ... هدفاً للسهام من كل راشق
كن مع الناس كيف كانوا، ووافق ... إن من لا يوافق الناس مائق وقال:
أرح النفس تنتفع بحياتك ... واغنم العيش قبل يوم وفاتك
واطرح عيب من سواك، وسالم ... جملة الناس يغفلوا عن أذاتك
واعتبر بالذين بادوا، وبادر ... ما يدانيك من سبيل نجاتك وقال:
سالم الناس ما استطعت، وجامل ... من يعاديك إن أردت السلامه
وتنزه عن القبيح وجنب ... من يرى بالفضول واحذر كلامه
стр. 3160
وقال:
صديقي أنت ما أبقى بخير ... وموتي وغير محتاج إليكا
فإن أحتج إليك فأنت مني ... بريء لا صداقة لي عليكا وقال:
من أنت عنه غني ... كن فيه مثل اعتقاده
فإن يكن منه ود ... فجازه بوداده
وإن يكن منه بعد ... فخله لبعاده وقال:
عليك بنفسك لا تشتغل ... بشيء سواها وخل الفضول
تعش رائح القلب في غبطة ... فلا من يضر ولا من يقول وقال:
اترك الفكر في الأمور ودعها ... فكما قدرت تكون الأمور
كل فكر وكل رأي وحزم ... غير مجد إذا جرى المقدور وقال:
هون عليك خطوب الدهر إن لها ... نهاية والتناهي عنده الفرج
واصبر فإن لحسن الصبر عاقبة ... بصبحها ظلمة المكروب تنبلج وقال:
احذر البخل إنه شر خلق ... يتحلى به وشر طريقه
من يجد غير مسرف فهو في النا ... س موقى تثني عليه الخليقه
стр. 3161
وقال:
الذل في طلب الإفادة عزة ... فاحرص على نيل الإفادة ترشد
إن التعزز في الذي تحتاجه ... كبر، وكبر المرء أقبح مقصد وقال:
دع من عرفت ولا تشدد عليه يداً ... وداره وتحفظ منه ما بقيا
أما ترى البلد الذي نشأت به ... محقراً كلما أصبحت معتليا
وغيره من بلاد الله قاطبة ... يعليك، لا سيما إن كنت متقيا وقال:
ينبغي للذي تحلى بعقل ... أن يرى كالبازي مدة عمره
بين أيدي الملوك أو في فلاة ... خيفة من شرور أبناء دهره وقال:
العزل يضحك ذله ... من تيه سلطان الولايه
فإذا وليت فسر على ... نهج الدماثة والرعايه
واقصد مداراة الورى ... واحذر كيود ذوي السعايه وقال:
لا تقبل الحكم على بلدة ... نشأت فيها، إنه يحقد
رياسة المرء على الأهل وال ... جيران والخلان لا تحمد وقال:
هي الدنيا إذا فكرت فيها ... رأيت نعيمها سماً نقيعا
стр. 3162
فلا تحفل بها واحذر أذاها ... فإن لسمها قتلاً ذريعا
ولا تأسف على ما فات منها ... وبادر في حياتك أن تطيعا وقال:
كن وحيداً ما عشت تحيا بخير ... سالماً من شرور كل البريه
إن من لا يخالط الناس يبقى ... دهره لا تعروه منهم أذيه وقال:
لا تبح ما حييت يوماً بسر ... لصديق ولا لغير صديق
إن سراً يجاوز الصدر فاش ... يدريه العدا ومن في الطريق وقال:
لا تصاحب ما عشت إلا الكبارا ... تنم ذكراً وتعتلي مقدارا
إن من ماشى في طريق حقيراً ... يكتسي منه مهنة واحتقارا
فتحفظ من أن تؤاخي دنياً ... فهو يعديك ذلة وصغارا وقال:
محدثات الأمور أردى الشرور ... فتحفظ من محدثات الأمور
إنما المحدثات غي فدعها ... واجتهد أن ترى مع الجمهور
كل من يتبع الحوادث يشقى ... ويرى نفسه بغير نظير وقال:
من تفضلت عليه ... أنت لا شك أميره
ومن احتجت إليه ... أنت بالرغم أسيره
ومن استغنيت عنه ... أنت في الدنيا نظيره
стр. 3163
وقال:
لم يبق من يطمع في وده ... كلا ولا من ترتضى صحبته
الناس أشباه ذئاب فهل ... يعلم ذئب حسنت عشرته
من يبتغي اليوم صديقاً كما ... يرضى فقد زلت به بغيته وقال:
فاعل الخير موقى كل ما ... يتقي من ضر أو من فتنة
ليس يخشى فاعل الخير أذى ... إن فعل الخير أوقى جنة وقال:
تحفظ من صديقك في أمور ... فربتما يضر بك الصديق
من اعتمد الصديق ولم يبال ... يصبه الضر وهو به خليق وقال:
لا تركنن لمخلوق وكن أبداً ... ممن توكل في الدنيا على الله
ولا تمل لسواه ما حييت فمن ... يرجو سوى الله هاو حبله واهي وقال:
طلب الغاية اتباع غوايه ... فاعتمد في الأمور ترك النهايه
من يكن راضياً بما يتسنى ... عاش عيش الملوك دون أذايه وقال:
لا تعتمد أبداً على مخلوق أن ... تبغ النجاح (١) وتقصد الرشدا
стр. 3164
من يرج غير الله يحرم رشده ... ويذل وهو مخيب قصدا وقال:
سفر المرء قطعة من عذابه ... فيه تخليق جسمه وثيابه
إنما العيش للفتى بين أهل ... هـ وخلانه وفي أحبابه
من يرده بخير الله يكفى (١) ... كرب تجواله وذل اغترابه وقال:
سلم ولا تعترض يوماً على أحد ... إن شئت تسلم من حقد وأضرار
من يعترض يعترض لا شك وهو حر ... بذاك فالشر مقدار بمقدار وقال:
إن الصديق لعون ... في كل ما تبتغيه
فلا تسئ لصديق ... واحذر وقوعك فيه
فالمرء قيل كثير ... بنفسه وأخيه وقال:
افعل الخير ما استطعت تنل ما ... تبتغيه من الثناء الجميل
فاعل الخير آمن ليس يخشى ... صرف دهر ولا حلول جليل وقال (٢) :
بحق الحق حتماً دون شك ... وإن كره المشكك والملد
стр. 3165
صريح الحق قد يخفى، ولكن ... بعيد خفائه لا شك يبدو وقال:
إن شئت عزاً دائماً ... فاسلك سبيل من اقتنع
إن القناعة عزة ... والذل عاقبة الطمع
المرء إن قنع اعتلى ... قدراً وإن طمع اتضع وقال:
استعن في الأمور بالكتمان ... وتحفظ من شر كل لسان
كل ما لا يدرى من أمرك فضل ... ليس فيه شيء من الخسران وقال:
من مال عنك بشبر ... مل أنت عنه بميل
فالله يغنيك عنه ... فمنه كل جميل
فليس في الود خير ... مع ترك حسن القبول وقال:
لا تقطعن صديقاً ... وإن يضق بك صدرا
واحرص عليه وزده ... إن يجف براً وشكرا
فإن قطع صديق ... لا شك يعقب ضرا وقال:
خل التأنق في اللباس وسر على ... نهج الأفاضل في اختصار الملبس
إن التأنق في اللباس يكثر ال ... حساد والأعداء للمتلبس
فالبس كمثل الناس لا تخرج عن ال ... معتاد في شيء فتخطي أو تسي
стр. 3166
وقال:
لا تحقرن عدواً ... ولو يكون كذره
واحذره ما اسطعت واجهد ... أن لا تحرك شره
إن البعوضة تؤذي ال ... ملوك فوق الأسره وقال:
ما أهنأ الإنسان في عيشه ... ما بين أهليه وفي منزله
الذل في الغربة يا كربها ... وكرب من قوض عن معقله
وفي اقتلوا أو اخرجوا شاهد ... ساوى خروج المرء مع مقتله وقال:
المال يستر عيب النرء فاقتنه ... واحفظه تبق موقى مدة الزمن
من ضيع المال أبدى عيبه وجنى ... تمهينه أبداً من كل ممتهن وقال:
سريرة المرء تبديها شمائله ... حتى يرى الناس ما يخفيه إعلانا
فاجعل سريرتك التقوى ترى أملاً ... في كل ما أنت تبغيه وبرهانا وقال:
ما تمت الدنيا لشخص ولا ... أمل ذا فيها سوى من فتن
عادتها الفتك بمن رامها ... وكل من أعرض عنها أمن
فلا تغرنك بلذاتها ... فإن من غر بها قد غبن وقال:
لا يكن عندك الخديم نديماً ... إن قدر الخديم دون النديم
стр. 3167
من ينادم خديمه يتأذى ... ويصير الخديم غير خديم
إنما يصلح الخديم ابتعاد ... واشتغال بشأنه المعلوم وقال:
تثبت في الأمور ولا تبادر ... لشيء دون ما نظر وفكر
قبيح أن تبادر ثم تخطي ... وترجع للتثبت دون عذر وقال:
كن في زمانك كيف يرضى أهله ... لاتعد طورهم ولا تتبدل
فإذا ترى الحمقى تحامق معهم ... وإذا ترى العقلاء فلتتعقل
من لم يكن أبداً كأهل زمانه ... يشقى، ولا يحظى بنيل مؤمل وقال:
الفاضل اليوم غريب بلا ... عون على شيء من الحق
إن غاب لم يحضر وإن قال لم ... يسمع يؤبه بما يلقي
ما أضيع الفاضل يا ويحه ... كأنه ليس من الخلق وقال وهو آخر أنداء الديم:
العز عاقبة التقى ... والذل عاقبة الرياسه
فإذا اتقيت علوت في ... أهل المجادة والنفاسه
وإذا رأست نزلت في ... طرق التخلق والسياسه
فلتختر التقوى ولا ... ترأس فتخطيك الكياسه وكان تاريخ فراغه من كتاب أنداء الديم نصف شعبان عام واحد وثلاثين وسبعمائة.
ولنذكر يعض أناشيده التي كان ينشدها أهل مجلسه ببلد قصبة المرية أعادها
стр. 3168
الله تعالى، فمما أنشده رحمه الله تعالى لأبي العباس أحمد بن العريف صاحب " محاسن المجالس " (١) :
من لم يشاور عالماً بأصوله ... فيقينه في المشكلات ظنون
من أنكر الأشياء دون تيقن ... وتثبت فمعاند مفتون
الكل تذكار لمن هو عالم ... وصوابها بمحالها معجون
والفكر غواص عليها مخرج ... والحق فيها لؤلؤ مكنون وأنشد رحمه الله تعالى من وجادة:
أعوذ بالله من أناس ... تشيخوا قبل أن يشيخوا
احدودبوا وانحنوا رياء ... فاحذرهم إنهم فخوخ وأنشد لنفسه رحمه الله تعالى:
أقلل العشرة تغبط ... إن من أكثر ينحط
وعليك الصدق واحذر ... أن ترى في القول تشتط
والزم الصمت إذا ما ... خفت أن تلحى فتغلط
فعلى الفاضل يلفى ... كل مفضول مسلط وأنشد لنفسه أيضاً:
جنة العالم لا أد ... ري إذا ما احتاج حنه
فإذا ما ترك الجن ... ة بانت فيه جنه
فالزم الجنة تسلم ... إنما الجنة جنه وأنشد للحلاج رحمه الله تعالى (٢) :
стр. 3169
يا بدر يا شمس يا نهار ... أنت لنا جنة ونار
تجنب الإثم فيك إثم ... وخشية العار فيك عار
يخلع فيك العذار قوم ... فكيف من لا له عذار وأنشد مما ينسب للحلاج أيضاً:
سقمي في الحب عافيتي ... ووجودي في الهوى عدمي
وعذاب ترتضون به ... في فمي أحلى من النعم
ما لضر في محبتكم ... عندنا والله من ألم وأنشد لسيدي أبي العباس ابن العريف في محاسن المجالس وهي أحسن ما قيل في طول الليل (١) :
لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى
لو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعي النجوم كنت مخلا
إن العاشقين عن قصر اللي ... ل وعن طوله من الفكر شغلا وأنشد رحمه الله تعالى مما أنشده بعض الوعاظ الغرباء:
عانقت لام صدغها صاد لثمي ... فأرتها المرآة في الخد لصا
فاسترابت لما رأت ثم قالت ... أكتاباً أرى ولم أر شخصا
قلت بالكشط ينمحي، قالت اكشط ... بالثنايا وتابع الكشط مصا
ثم لما ذهبت أكشط قالت ... كان لصاً فصار والله فصا
قلت إن الفصوص تطبع باللث ... م على خد كل من كان رخصا وأنشد لابن خفاجة:
стр. 3170
وأغر كاد لطافة وطلاقة ... ينساب ماء بيننا مسكوبا
قد قام في سطر الندامى فاستوى ... فحسبته ألفاً به مكتوبا
وأكب يشربها وتشرب ذهنه ... فرأيت منه شارباً مشروبا
مشمولة بينا ترى في كفه ... ماء ترى في خده ألهوبا وأنشد لابن عبد ربه صاحب العقد مما نسبه له الفتح في " مطمح الأنفس ومسرح التأنس " (١) :
يا لؤلؤاً يسبي العقول أنيقا ... ورشاً بتقطيع القلوب رفيقا
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... دراً يعود من الحياء عقيقا
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ... ألفيت وجهك في سناه عريقا
يا من تقطع خصره من رقة ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا وأنشد لابن عبد ربه أيضاً:
ودعتني بزفرة واعتناق ... ثم قالت: متى يكون التلاقي
وتصدت فأشرق الصبح منها ... بين تلك الجيوب والأطواق
يا سقيم الجفون من غير سقم ... بين عينيك مصرع العشاق
إن يوم الفراق أفظع يوم ... ليتني مت قبل يوم الفراق وأنشد له أيضاً:
هيج البين دواعي سقمي ... وكسا جسمي ثوب الألم
أيها البين أقلني مرة ... فإذا عدت فقد حل دمي
يا خلي الذرع نم في غبطة ... إن من فارقته لم ينم
ولقد هاج لقلبي سقماً ... حب من لو شاء داوى سقمي
стр. 3171
وأنشد للمصحفي (١) :
صفراء تطرق في الزجاج، فإن سرت ... في الجسم دبت مثل صل لادغ
عبث الزمان بجسمها فتسترت ... عن عينه برداء نور سابغ
خفيت على شرابها فكأنما ... يجدون رياً في إناء فارغ وأنشد لابن شهيد (٢) :
هب من رقدته منكسراً ... مسبل للكم مرخ للردا
يمسح النعسة عن عيني رشاً ... صائد في كل يوم أسدا
شربت أعطافه خمر الصبا ... وسقاه الحسن حتى عربدا
رشأ بل غادة ممكورة ... عممت صبحاً بليل أسودا
أححت (٣) من عضتي في نهدها ... ثم عضت حر وجهي (٤) عمدا
فأنا المجروح من عضتها ... لا شفاني الله منها أبدا وأنشد لصفوان بن إدريس:
حمى الهوى قلبه وأوقد ... فهو على أن يموت أو قد
وقال عنه العذول سال ... قلده الله ما تقلد
وباللوى شادن عليه ... جيد غزال ولحظ فرقد
علله ريقه بخمر ... حتى انتشى طرفه فعربد
لا تعجبوا لانهزام طرفي ... فجيش أجفانه مؤيد
أنا له كالذي تمنى ... عبد، نعم، عبده وأزيد
إن بسملت عينه لقتلي ... صلى فؤادي على محمد
стр. 3172
وأنشد لأبي علي إدريس بن اليماني:
علقته شادناً صغيراً ... وكنت لا أعشق الصغارا
يسفر عن مستنير وجه ... صير جنح الدجى نهارا
لم أر من قبل ذاك ماء ... أضرم فيه الحياء نارا وأنشد للرمادي، أو لابن برد القرطبي (١) :
لما بدا في لازور ... دي الحرير وقد بهر
كبرت من فرط الجما ... ل وقلت: ما هذا بشر
فأجابني: لا تنكروا ... ثوب السماء على القمر وأنشده من وجادة:
يا ذا الذي عذب محبوبه ... أنخت عيس العز مغنى الهوان
لم ينبت الشعر على خده ... بل دب في أصداغه عقربان
رفقاً على نفسك لا تفنها ... فجوهر الأنفس در يصان وأنشد من حديقة ابن يربوع:
غزا القلوب غزال ... حجت إليه العيون
خطت بخديه نون ... وآخر الحسن نون وأنشد من وجادة:
أودع فؤادي حرفاً أو دع ... ذاتك تؤذى، أنت في أضلعي
وارم سهام اللحظ أو كفها ... أنت بما ترمي مصاب معي
موقعها قلبي، وأنت الذي ... مسكنه في ذلك الموضع
стр. 3173
وأنشد من حديقة ابن يربوع:
يخط الشوق شخصك في ضميري ... على بعد التزاور خط زور
وتدنيك الأماني من فؤادي ... دنو البرق من لمح البصير
فلا تذهب فإنك نور عيني ... إذا ما غبت لم تطرف بنور وأنشد للوزير المصحفي:
لعينيك في قلبي على عيون ... وبين ضلوعي للشجون فنون
لئن كنت صباً مخلقاً في يد الهوى ... فحبك غض في الفؤاد مصون
نصيبي من الدنيا هواك، وإنه ... عذابي، ولكني عليه ضنين وأنشد لصالح بن شريف:
أيها العاذل بالله اتئد ... لك قلب في ضلوعي أو كبد
هي أجفاني فذرها تنهمي ... هي أحشائي فدعها تتقد
لا تظن الحب شيئاً هيناً ... ليس في الحب قياس يطرد
أنت خلو وأنا صب شج ... فإذا حدثت عني قل وزد
فاترك اليوم ملامي إنه ... يترك الشيء إذا ما لم يفد
أنا أسلو عن حبيبي ساعة ... يا عذولي، قل هو الله أحد وأنشد له أيضاً:
وافى وقد زانه جمال ... فيه لعشاقه اعتذار
ثلاثة ما لها شبيه: ... الوجه والخد والعذار
فمن رآه رأى رياضاً ... الورد والآس والبهار وأنشد من " حديقة " ابن يربوع:
عليك بإكرام وبر لستة ... من الناس واحذر شرهم وتوقه
стр. 3174
طبيب وحجام وشيخ وشاعر ... وصاحب ديوان ومن يتفقه وأنشد لبعض الصوفية:
ما ترى عند أحمق ... في أمور توسطا
بل تراه في أمره ... مفرطاً أو مفرطا وأنشد لبعض الأدباء (١) :
الصبر أولى بوقار الفتى ... من قلق يهتك ستر الوقار
من لازم الصبر على حالة ... كان على أيامه بالخيار ولنقتصر من ترجمة ابن ليون على هذا القدر، فقد حصلت الإطالة، بل ونكتفي من مشايخ لسان الدين بمن ذكرنا، ولنورد ما في الإحاطة في ترجمة مشيخته وإن تكرر مع ما تقدم، ونصه:
[ثبت عام بشيوخ لسان الدين]
المشيخة (٢) - قرأت كتاب الله على المكتب نسيج وحده في تحمل المنزل حق حمله تقوى وصلاحاً وخصوصية وإتقاناً ونغمة وعناية وحفظاً وتبحراً في هذا الفن واطلاعاً لغرائبه، واستيعاباً لسقطات الأعلام الاستاذ الصالح أبي عبد الله ابن عبد الولي العواد تكتيباً ثم حفظاً ثم تجويداً إلى مقرءات أبي عمرو رحمة الله عليهما، ثم نقلني إلى أستاذ الجماعة ومطية الفنون، ومفيد الطلبة الشيخ الخطيب
стр. 3175
المتفنن أبي الحسن علي القيجاطي فقرأت عليه القرآن والعربية، وهو أول من انتفعت به، وقرأت على الخطيب الحسيب الصدر أبي القاسم ابن جزي رحمه الله تعالى، ولازمت قراءة العربية والفقه والتفسير، والمعتمد عليه العربية، على الشيخ الأستاذ الخطيب أبي عبد الله ابن الفخار البيري الإمام المجمع على إمامته في فن العربية المفتوح عليه من الله فيها حفظاً واطلاعاً ونقلاً وتوجيهاً بما لا مطمع فيه لسواه، وقرأت على قاضي الجماعة الصدر المتفنن أبي عبد الله ابن بكر ﵀، وتأدبت بالشيخ (١) الرئيس صاحب القلم الأعلى الصالح الفاضل أبي الحسن ابن الجياب، ورويت عن الكثير ممن جمعهم الزمان بهذا القطر من أهل الرواية، كالمحدث أبي عبد الله ابن جابر، وأخيه أبي جعفر، والقاضي الشهير (٢) الشيخ بقية السلف شيخنا أبي البركات ابن الحاج، والشيخ المحدث الصالح أبي محمد ابن سلمون، وأخيه القاضي أبي القاسم ابن سلمون، وأبي عمرو ابن الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير، وله رواية عالية، والأستاذ اللغوي أبي عبد الله ابن بيبش، والمحدث الكاتب أبي الحسن التلمساني المسن، والحاج أبي القاسم ابن المهني المالقي (٣) ، والعدل أبي محمد السعدي (٤) ، يحمل عن الإمام ابن دقيق العيد، والقائد الكاتب ابن ذي الوزارتين أبي بكر ابن الحكيم والقاضي المحدث الأديب جملة الظرف أبي بكر ابن شبرين، والشيخ أبي عبد الله ابن عبد الملك، والخطيب أبي جعفر الطنجالي، والقاضي أبي بكر ابن منظور، والراوية أبي عبد الله ابن حزب الله، كلهم من مالقة، والقاضي أبي عبد الله المقري التلمساني، والشريف أبي علي حسن بن يوسف، والخطيب الرئيس أبي عبد الله ابن مرزوق، كلهم من تلمسان، والمحدث الفاضل الحسيب أبي العباس ابن يربوع والرئيس أبي محمد الحضرمي
стр. 3176
السبتيين، والشيخ المقرئ أبي محمد ابن أيوب المالقي آخر الرواة عن ابن أبي الأحوص، وأبي عثمان ابن ليون من أهل المرية، والقاضي أبي الحجاج المنتشافري من أهل رندة، وطائفة كبيرة (١) من المعاصرين تحملاً وتدبجاً ومن أهل العدوة الغربية والمشرق وإفريقية الكثير بالإجازة، وأخذت الطب والتعاليم والمنطق.
وصناعة التعديل عن الإمام أبي زكريا ابن هذيل، ولازمته، هذا على سبيل الإلماع، ولو تفرغت لذكر أفذاذهم (٢) لخرج هذا التأليف (٣) عما وضع له، انتهى كلامه في " الإحاطة ".
وقد ذكرت في هذا الباب زيادة في بعض التراجم على ما في الإحاطة على ما اقتضاه الحال، إذ ذلك لا يخلو من فائدة زائدة، وحكمة بالخير عائدة.
ولو لم يكن في هذا الكتاب غير هذا الباب لكان كافياً، لاشتماله على تصوف وحكم وكرامات وآداب ووصايا وإنشادات وغيرها، مما يغني عن خبره العيان، ويشتاق إلى الوقوف عليه ذوو الملكة في البيان، ولو لم يشتمل إلا على المدائح النبوية التي فيه لتمت محاسنه، والله ينفع به، بجاه سيدنا محمد ﷺ ، وعلى آله وصحبه وتابعيه وحزبه.
انتهى المجلد الخامس
стр. 3177
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الرابع
في مخاطبات الملوك والأكابرالموجهة إلى حضرته العلية، وثناء غير واحد من
أعلام أهل عصره عليه، وصرف القاصدين وجوه التأميل إليه، واجتلائهم
أنوار رياسته الجلية، وكتبهم بعض المؤلفات باسمه، ووقوفهم عند إشارته
ورسمه، وما يضاهي ذلك في حظه وقسمه، وسعيهم بين يديه
اعلم - سلك الله بي وبك الطريق الأقوم الأقوى، وحلى صدور جميعنا بزينة التقوى - أن لسان الدين ذكر في كتبه كالإحاطة ونفاضة الجراب وغيرهما جملة مما خاطبه به الملوك وغيرهم، من تبجيل وتنويه، ولنذكر بعض ذلك من كتبه ومن غيرهما تتميماً للمقصود وتبليغاً لنفوس الناظرين في هذه العجالة ما تؤمله وتنويه.
[١ - ظهير من أبي زيان المريني للسان الدين]
فمن ذلك ما ذكره في " الإحاطة " من إكرام السلطان أبي زيان المريني ابن الأمير أبي عبد الرحمن ابن السلطان أبي الحسن له، وسرد ما كتب له به من قوله: هذا ظهير إلى قوله: أيده الله ونصره، وسنى له الفتح المبين ويسره
стр. 3178
وبعده ما صورته (١) : " للشيخ الفقيه الأجل الأسنى، الأعز الأحظى الأرفع الأمجد الأسمى الأوحد الأنوه الأرقى، والعالم العلم الرئيس الأعرف المتفنن الأبرع المصنف المفيد الصدر الأحفل الأفضل الأكمل أبي عبد الله ابن الشيخ الفقيه الوزير الأجل الأسنى الأعز الأرفع الأمجد الوجيه الأنوه الأحفل الأفضل الحسيب الأصيل الأكمل المبرور المرحوم أبي محمد ابن الخطيب، قابله أيده الله بوجه القبول والإقبال، وأضفى عليه ملابس الإنعام والإفضال، ورعى له خدمة السلف الرفيع الجلال، وما تقرر من مقاصده الحسنة في خدمة أمرنا العال، وأمر في جملة ما نسوغه من الآلاء الوارفة الظلال، الفسيحة المجال، بأن يجدد له حكم ما بيده من الأوامر المتقدم تاريخها المتضمنة تمشية خمسمائة دينار من الفضة العشرية (٢) في كل شهر عن مرتب له ولولده الذي لنظره من مجبى مدينة سلا حرسها الله في كل شهر، ومن حيث جرت العادة أن يتمشى له، ورفع الاعتراض ببابها فيما يجلب من الأدم والأقوات على اختلافها من حيوان وسواه، وفيما يستفيده خدامه (٣) بخارجها وأحوازها من أعناب وقطن وكتان وفاكهة وخضر وغير ذلك، فلا يطلب في شيء من ذلك بمغرم ولا وظيف (٤) ، ولا يتوجه فيه إليه بتكليف، يتصل له حكم جميع ما ذكر في كل عام تجديداً تاماً، واحتراماً عاماً، أعلن بتجديد الحظوة واتصالها، وإتمام النعمة وإكمالها، من تواريخ الأوامر المذكورة إلى الآن، ومن الآن إلى ما يأتي على الدوام، واتصال الأيام، وأن يحمل جانبه فيمن يشركه أو يخدمه محمل الرعي والمحاشاة في السخر مهما عرضت، والوظائف إذا افترضت، حتى يتصل له تالد العناية بالطارف،
стр. 3179
وتتضاعف أسباب المنن والعوارف، بفضل الله، وتحرر له الأزواج (١) التي يحرثها بتالمغت من كل وجيبة (٢) وتحاشى من كل مغرم أو ضريبة، بالتحرير التام بحول الله وعونه، ومن وقف على هذا الظهير الكريم فليعمل بمقتضاه، وليمض ما أمضاه، إن شاء الله، وكتب في العاشر من شهر ربيع الآخر من عام ثلاثة وستين وسبعمائة، وكتب في التاريخ " (٣) ؛ انتهى.
وقوله " وكتب في التاريخ " هو العلامة السلطانية في ذلك الزمان، يكتب بقلم غليظ، وبعض ملوك المغرب يكتب عند العلامة " صح في التاريخ "
[ترجمة أبي زيان المريني]
وقد عرف لسان الدين في " الإحاطة " بهذا السلطان بما نصه: محمد بن يعقوب أبي عبد الرحمن بن علي أمير المسلمين بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق أمير المسلمين بالمغرب إلى هذا العهد، يكنى أبا زيان (٤) ، وصل الله نصره على عدوه الدين، وأرشده إلى سنن الخلفاء المهتدين.
حاله - فاضل سكون منقاد، مشتغل بخاصة نفسه، قليل الكلام، حسن الشكل، درب بركض الخيل، مفوض للوزراء عظيم التأتي لأغراضهم، ووكل الأمور لمن استكفاه منهم، استقدم من أرض النصارى بالأندلس وقد فر
стр. 3180
إليهم خوفاً على نفسه، فسمح به ملك الروم بعد اشتراط واشتطاط، فكان وصوله إلى مدينة الملك بفاس يوم الاثنين الثاني والعشرين لصفر عام ثلاثة وستين وسبعمائة، ودخوله داره مغرب ليلة الجمعة بطالع الثامن من السرطان وبه السعد الأعظم كوكب المشتري من الكواكب السيارة، وقد كان الوزير قيم الأمر والمثل في الكفاية والاضطلاع بالعظيمة عمر بن عبد الله بن علي الياباني (١) لما ثار بعمه السلطان أبي سالم رحمه الله تعالى وأقام الرسم بأخيه المعتوه المدعو بأبي عمر استدعى هذا المترجم به، وقد نازله الأمير عبد الحليم ابن عمهم، وتوجه عنه رسوله أثناء الحصار لما رأى الأمر لا يستقيم بمن نصبه، فتلطف فيه إلى طاغية النصارى، استعان بالسلطان أبي عبد الله ابن نصر، وقد جمعتهما إيالته، فتم له اللحاق بالمغرب، وانصرف الأمير عبد الحليم إلى سجلماسة فتملكها، وتم الأمر للأمير أبي زيان يقوم به عنه وزيره ومستدعيه المذكور مصنوعاً له في خدمته أعانه الله تعالى وأصلح حاله وأحوال الخلق على يديه، ووفدت عليه من محل الانقطاع بسلا وأنشدته قولي (٢) :
لمن علم في هضبة الملك خفاق ... أفاقت به من غشية الهرج آفاق
تقل رياح النصر منه غمامة ... تمد لها أيد وتخضع أعناق
وبيعة شورى أحكم السعد عقدها ... وأعمل إجماع عليها وإصفاق
قضى عمر فيها بحق محمد ... فسجل عهد للوفاء وميثاق
أحلماً ترى عيناي أم هي فترة ... أعندكما في مشكل الأمر مصداق
وفاض (٣) لفضل الله في الأرض تبتغى ... ومجتمعات لا تريب وأسواق
وسرح تهنيه الكلاءة بالكلا ... وفلح لسقي الغيث قام له ساق
стр. 3181
وقد كان طيف الحلم لا يعمل الخطا ... وللفتنة العمياء في الأرض إطباق
وللغيث إمساك وفي الأرض رجة ... وللدين والدنيا وجوم وإطراق
فكل فريق فيه للبغي راية ... وكل طريق فيه للعيث طراق (١)
أجل إنه من آل يعقوب وارث ... يحن له البيت العتيق ويشتاق
له من جناح الروح ظل مسجف ... ومن رفرف العز الإلهي رستاق (٢)
أطل على الدنيا وقد عاد ضوءها ... دجى وعلى الأحداق للذعر إحداق
فأشرقت الأرجاء من نور ربها ... وساح بها لله لطف وإشفاق
فمن ألسن لله بالشكر أعلنت ... وكان لها من قبل همس وإطباق
وليس لأمر أبرم الله ناقض ... وليس لمسعى أنجح الله إخفاق
محمد قد أحييت دين محمد ... وللخلق أذماء تفيض وأرماق
ولو لم تثب غطى على شفق الضحى ... دم لسيوف البغي في الأرض مهراق
فأيمن بمشحون من الفلك سابح ... له باختيار الله حط وإيساق (٣)
أقلك والدأماء (٤) تظهر طاعة ... إليك وصفح الماء أزرق رقراق
إلى هدف السعد آنبرى منه والدجى ... يضل الحجى سهم من السعد رشاق
فخطت لتقويم القوام جداول ... وصحت من التوفيق واليمن أوفاق (٥)
تبارك من أهداك للخلق رحمة ... ومستبعد أن يهمل الخلق خلاق
هو الله يبلوالناس بالخير فتنة ... وبالشر والأيام سم وترياق
سمت منك أعناق الورى لخليفة ... له في مجال السعد وخد وإعناق
стр. 3182
وقالوا بنان ما استقل بكفه ... تفيض على العافين أم هي أرزاق
وأطنب فيك المادحون وأغرقوا ... فلم يجد إطناب ولم يغن إغراق
ألست من القوم الذين أكفهم ... غمام ندى إن أخلف الغيث غيداق
ألست من القوم الذين وجوههم ... بدور لها في ظلمة الروع إشراق
رياض إذا العافي استظل ظلالها ... ففيها جنى ملئ الأكف وإيراق
أبوك ولي العهد لوسالم الردى ... وجدك قد فاق الملوك وإن فاقوا
فمن ذا له جد كجدك أو أب ... لآلئ والمجد المؤثل نساق
وحسب العلا في آل يعقوب أنهم ... هم الأصل في العلياء والناس ألحاق
أسود سروحٍ أوبدور أسرة ... فإن حاربوا راعوا وإن سالموا راقوا
يطول لتحصيل الكمال سهادهم ... فهم للمعالي والمكارم عشاق ومنها:
لئن نسيت إحسان جدك فرقةٌ ... تزر على أعناقهم منه أطواق
أجازت خروج ابن ابنه عن تراثه ... ولم تدر ما ضمت من الذكر أوراق
ومن دون ما راموه لله قدرة ... ومن دون ما أموه للفتح أغلاق
خذ العفووابذل فيهم العرف ولتسع ... جريرة من أبدى لك الغدر أخلاق
فربتما تنبو مهندة الظبى ... وتهفو حلوم القوم والقوم حذاق
وما الناس إلا مذنبٌ وابن مذنبٍ ... ولله إرفاد عليهم وإرفاق
ولا ترج في كل الأمور سوى الذي ... خزائنه ما ضرها قط إنفاق
إذا هوأعطى لم يضر منع مانعٍ ... وإن حشدت طسم وعاد وعملاق
عرفت الردى واستأثرت بك للعدا ... تخوم بمختط الصليب وأعماق
فيسر لليسرى وأحيا بك الورى ... وللروع إرعاد عليك وإبراق
فجاز صنيع الله وازدد بشكره ... مواهب جود غيثها الدهر دفاق
وأوف لمن أوفى وكاف الذي كفى ... فأنت كريم طهرت منك أعراق
стр. 3183
وتهنيك يا مولى الملوك خلافة ... شجتها تباريح إليك وأشواق
فقد بلغت أقصى المنى بك نفسها ... وكم فاز بالوصل المهنإ مشتاق
فلا راع منها السرب للدهر رائع ... ولا نال منها جدة السعد إخلاق
أمولاي راع الدهر سربي وغالني ... فطرفي مذعورٌ وقلبي خفاق
وليس لكسري غيرك اليوم جابر ... ولا ليدي إلا بمجدك أعلاق
ولي فيك ودٌ (١) واعتدادٌ غرسته ... فراقت به من يانع الحمد أوراق
وقد عيل صبري في ارتقابي خليفةً ... تحل به للضر عني أوهاق (٢)
وأنت حسام لله والله ناصر ... وأنت أمين الله والله رزاق
وأنت الأمان المستجار من الردى ... إذا راع خطبٌ أوتوقع إملاق
وأهون ما ترجى لديك شفاعةٌ ... إذا لم يكن عزمٌ حثيث وإرهاق
ودونكما من ذائع الحمد مخلصٍ ... له فيك تقييد يروق وإطلاق
إذا قال أما كل سمعٍ لقوله ... فمصغ وأما كل أنفٍ فنشاق
ودم خافق الأعلام بالنصر كلما ... ذهبت لمسعى لم يكن فيه إخفاق وعدت منه ببر كثير، واحترام شهير.
دخوله غرناطة - لحق بها مفلتاً عند القبض على قرابته وبني عمه وتقريبهم إلى مصارعهم، فكان وصوله في رمضان من عام خمسين وسبعمائة، ثم رابه رائب لحق لأجله بصاحب قشتالة، وأقام في جملته إلى حين استدعائه المتقرر آنفا، وهولهذا العهد أمير المسلمين بالمغرب، أعانه الله تعالى على الخير، وأطلق به يده، وألهمه لما يرضى منه بفضله وكرمه؛ انتهت الترجمة.
ورأيت على هامش هذا المحل من الإحاطة بخط الخطيب الشهير الإمام
стр. 3184
أبي عبد الله ابن مرزوق التلمساني ﵀ ما صورته: توفي يعني السلطان أبا زيان مغتالاً عام ستة وستين على يد مظاهره الخائن عمر بن عبد الله ابن علي الوزير، رداه في بئر، وأشاع أنه أفرط في السكر، وألقى نفسه في البئر المعروفة برياض الغزلان، وبايع لعمه عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن، فسلطه الله عليه، وأخذ حقوق الخلائق على يديه، فقتله غيلة بعد أن كان تغلب عليه فأعمل الحيلة في قتله، واستمر ملك عبد العزيز ظاهراً ظافراً قد جمع بين المغرب إلى أقصاه ويين ملك تلمسان وقد شرد أهلها كل مشرد، فعندما أقبلت الدنياعليه، واستقام ملكه، وكاد يلحق ملك أبيه أويزيد مات رحمه الله تعالى، قيل: مطعونا (١) ، وقيل غير ذلك، وذلك في حدود أربع سبعين، وولي ولده، ثم عزل بابن عمه العباس ابن السلطان أبي سالم، وحاز ملك المغرب إلى حين كتب هذا سنة سبع وسبعين وسبعمائة؛ انتهى ما ألفيته بخط سيدي أبي عبد الله ابن مرزوق.
ورأيت تحته بخط ابن لسان الدين أبي الحسن علي ما صورته: رحمة الله عليك يا عمر بن عبد الله بن علي، فلقد كنت غسلت ملك المغرب من درن كبير، وقمت على ملك لهو وضعف شهير، وشهرت سيف الحق، على الزواكرة الخرق، فابتهج منبر الدين؛ انتهى.
ومراده بهذا الكلام الرد على ابن مرزوق في ذمه للوزير عمر، وقوله " الزواكرة " لفظ يستعمله المغاربة، ومعناه عندهم المتلبس الذي يظهر النسك والعبادة، ويبطن الفسق والفساد، وعند الله تتجمع الخصوم.
стр. 3185
[٢ - رسالة من أبي سالم إلى لسان الدين]
ولنرجع إلى ما كنا بسبيله فنقول:
ومما خوطب به ابن الخطيب رحمه الله تعالى، من قبل سلطان المغرب المستعين بالله إبراهيم أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني ما صورته بعد الصلاة (١) :
" من عبد الله المستعين بالله إبراهيم أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي الحسن ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب ابن عبد الحق أيد الله وأعز نصره، إلى الشيخ الفقيه الأجل الأسنى الأعز الأحظى الأوجه الأنور الصدر الأحفل المصنف البليغ الأعرف الأكمل أبي عبد الله ابن الشيخ الأجل الأعز الأسنى الوزير الأرفع الأنجد الأصيل الأكمل المرحوم المبرور أبي محمد ابن الخطيب، وصل الله عزته ووالى رفعته، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
" أما بعد حمد الله تعالى والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله الكريم المصطفى، والرضى عن آله وصحبه أعلام الإسلام وأئمة الرشد والهدى، وصلة الدعاء لهذا الأمر العلي العزيز المنصور المستعيني بالنصر الأعز والفتح الأسنى، فإذا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لكم بلوغ الأمل، ونجح القول والعمل من منزلنا الأسعد بضفة وادي ملوية يمنه الله، وصنع الله جميل، ومنه جزيل، والحمد لله، ولكم عندنا المكانة الواضحة الدلائل، والعناية المتكفلة برعي الوسائل، ذلكم لما تميزتم به من التمسك بالجناب العلي، المولوي العلوي، جدد الله تعالى عليه ملابس غفرانه، وسقاه غيوث رحمته وحنانه؛
стр. 3186
وما أهديتم إلينا من التقرب لدينا، بخدمة ثراه الطاهر، والاشتمال بمطارف حرمته السامية المظاهر.
" وإلى هذا وصل الله حظوتكم ووالى رفعتكم، فإنه ورد علينا خطابكم الحسن عندنا قصده، المقابل بالإسعاف المستعذب ورده، فوقفنا على ما نصه، واستوفينا ما شرحه وقصه، فآثرنا حسن تلطفكم في التوسل بأكبر الوسائل إلينا، ورعينا أكمل الرعاية حق ذلكم الجناب العزيز علينا، وفي الحين عينا لكمال مطلبكم، وتمام مأربكم، والتوجه بخطابنا في حقكم، والاعتماد بوفقكم، خد يمينا أبا البقاء ابن تاسكورت (١) وأبا زكريا ابن فرقاجة، أنجدهما الله وتولاهما؛ وأمسى تاريخه انفصلا مودعين إلى الغرض المعلوم، بعد التأكيد عليهما فيه، وشرح العمل الذي يوفيه، فكونوا على علم من ذلكم، وابسطوا له جملة آمالكم، وإنا لنرجوثواب الله في جبر أحوالكم، وبرء اعتلالكم، والله يصل مبرتكم، ويتولى تكرمتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ كتب في الرابع والعشرين لرجب عام واحد وستين وسبعمائة ".
[٣ - جواب لسان الدين]
فراجعه ابن الخطيب بما نصه (٢) : مولاي خليفة الله بحق، وكبير ملوك الأرض عن حجة، ومعدن الشفقة والحرمة ببرهان وحكمة، أبقاكم الله تعالى عالي الدرجة في المنعمين، وافر الحظ عند جزاء المحسنين وأراكم ثمرة بر أبيكم في البنين، وصنع لكم في عدوكم الصنع الذي لا يقف عند معتاد، وأذاق العذاب الأليم من أراد في مثابتكم بإلحاد، عبدكم الذي ملكتم رقه،
стр. 3187
وآويتم غربته، وسترتم أهله وولده، وأسنيتم رزقه، وجبرتم قلبه، يقبل موطئ الأخمص الكريم من رجلكم الطاهرة، المستوجبة بفضل الله تعالى لموقف النصر، الفارعة هضبة العز، المعملة الخطوفي مجال السعد، وميسر (١) الحظ ابن الخطيب، من شالة (٢) التي تأكد بملككم الرضي أحترامها، وتجدد برعيكم عهدها وأستبشر بملككم دفينها، وأشرق بحسناتكم نورها.
" وقد ورد على العبد الجواب المولوي البر الرحيم، المنعم المحسن بما يليق بالملك الأصيل والقدر الرفيع والهمة السامية والعزة القعساء، من رعي الدخيل والنصرة للذمام والاهتزاز لبر الأب الكريم، فثاب الرجاء وأنبعث الأمل وقوي العضد وزار اللطف، فالحمد لله الذي أجرى الخير على يدكم الكريمة، وأعانكم على رعي ذمام الصالحين، المتوسل إليكم أولاً بقبورهم ومتعبداتهم وتراب أجداثهم ثم بقبر مولاي ومولاكم ومولى الخلق أجمعين الذي تسبب (٣) في وجودكم، واختصكم بحبه، وغمركم بلطفه وحنانه، وعلمكم آداب الشريعة، وأورثكم ملك الدنيا وهيأتكم دعواته بالاستقامة إلى ملك الآخرة بعد طول المدى وانفساح البقاء، وفي علومكم المقدسة ما تضمنت الحكايات عن العرب من النعرة (٤) عن طائر داست أفراخه ناقة في جوار رئيس منهم، وما انتهى إليه الامتعاض لذلك مما أهينت فيه الأنفس وهلكت الأموال وقصارى من امتعض لذلك أن يكون كبعض خدامكم من عرب تامسنا فما الظن بكم وأنتم الكريم ابن الكريم ابن الكريم فيمن لجأ أولاً الى رحماكم بالأهل والولد عن حسنة تبرعتم بها وصدقة حملتكم الحرية
стр. 3188
على بذلها ثم فيمن حط رحل الاستجارة بضريح أكرم الخلق عليكم دامع العين خافق القلب واهي الفزعة يتغطى بردائه ويستجير بعليائه كأنني تراميت عليهم في الحياة أمام الذعر الذي يذهل العقل ويحجب عن التمييز بقصر داره ومضجع رقاده مامن يوم إلا وأجهر بعد التلاوة: يا ليعقوب يا لمرين (١) نسأل الله تعالى أن لا يقطع عني معروفكم ولا يسلبني عنايتكم ويستعملني ما بقيت في خدمتكم ويتقبل دعائي فيكم.
" ولحين وصول الجواب الكريم نهضت إلى القبر المقدس ووضعته بازائه وقلت يا مولاي يا كبير الملوك وخليفة الله وبركة بني مرين صاحب الشهرة والذكر في المشرق والمغرب عبدك المنقطع إليك المترامي بين يدي قبرك المتوسل إلى الله ثم إلى ولدك بك ابن الخطيب وصله من مولاه ولدك ما يليق بمقامه من رعي وجهك والتقرب إلى الله تعالى برعيك والاشتهار في مشرق الدنيا وغربها ببرك وأنتم من أنتم من إذا صنع صنيعه كملها وإذا من منة تممها وإذا أبدى يداً أبرزها طاهرة بيضاء غير معيبة ولاممنونة ولا منتقضة وأنا بعد تحت ذيل حرمتك وظل دخيلك حتى يتم أملي ويخلص قصدي وتحف نعمتك بي ويطمئن إلي مأملك قلبي.
" ثم قلت للطلبة: أيها السادة بيني وبينكم تلاوة كتاب الله تعالى منذ أيام ومناسبة النحلة وأخوة التأليف بهذا الرباط المقدس والسكنى بين أظهركم فأمنوا على دعائي بإخلاص من قلوبكم واندفعت في الدعاء والتوسل الذي نرجوأن يتقبله الله تعالى ولا يضيعه وخاطب العبد مولاه شاكراً لنعمته مشيدا ًبصنيعته مسروراً بقبوله وشأنه من التعلق والتطارح شأنه حتى يكمل القصد ويتم الغرض معمور الوقت بخدمة يرفعها ودعاء يردده والله المستعان "؛ انتهى.
стр. 3189
[٤ - رسالة من لسان الدين إلى أبي سالم]
وكان تقدم من لسان الدين كتاب للسلطان المذكور وكان ما سبق من كتاب السلطان جواباً له وذلك بعد رجوع لسان الدين من مراكش واستقراره في مدينة سلا برباط شالة مدفن السلاطين من بني مرين ومنهم السلطان أبوالحسن والد السلطان أبي سالم المذكور ونص الكتاب (١) :
" مولاي المرجولإتمام الصنيعة وصلة النعمة وإحراز الفخر أبقاكم الله تعالى تضرب بكم الأمثال في البر والرضى وعلوالهمة ورعي الوسيلة مقبل موطئ قدمكم المنقطع الى تربة المولى والدكم ابن الخطيب من الضريح المقدس بشالة وقد حط رحل الرجاء في القبة المقدسة وتذمم (٢) بالتربة الزكية وقعد بإزاء لحد المولى أبيكم ساعة إيابه من الوجهة المباركة وزيارة الربط المقصودة والترب المعظمة وقد عزم ألا يبرح طوعاً من هذا الجوار الكريم والدخيل المرعي حتى يصله من مقامكم ما يناسب هذا التطارح على قبر هذا المولى العزيز على أهل الأرض ثم عليكم والتماس شفاعته في أمر سهل عليكم لا يجر إنفاد مال ولااقتحام خطر إنما هوإعمال لسان وخط بنان وصرف عزم وإحراز فخر وأجر وإطابة ذكر وذلك أن العبد عرفكم يوم وداعكم أنه ينقل عنكم الى المولى المقدس بلسان المقال ما يحضر مما يفتح الله تعالى فيه ثم ينقل عنه لكم بلسان الحال ما يتلقى عنه من الجواب وقال لي صدر دولتكم وخالصتكم وخالصة المولى والدكم سيدي الخطيب يعني ابن مرزوق سنى الله تعالى أمله من سعادة مقامكم وطول عمركم أنت يا فلان والحمد لله ممن لا ينكر عليه الوفاء بهذين الفرضين وصدر عنكم من البشر والقبول والإنعام ما صدر جزاكم الله تعالى جزاء المحسنين.
стр. 3190
" وقد تقدم تعريف مولاي بما كان من قيام العبد بما نقله إلى التربة الزكية عنكم حسبما أداه من حضر ذلك المشهد من خدامكم والعبد الآن يعرض عليكم الجواب وهوأني لما فرغت من مخاطبته بمرأى من الملأ الكبير والجم الغفير أكببت على اللحد الكريم داعياً ومخاطباً وأصغيت بأذني عند قبره وجعل فؤادي يتلقى ما يوحيه إليه لسان حاله فكأني به يقول لي: قل لمولاك يا ولدي وقرة عيني المخصوص برضاي وبري و [من] ستر حريمي ورد ملكي وصان أهلي وأكرم صنائعي ووصل عملي أسلم عليك وأسأل الله تعالى أن يرضى عنك ويقبل عليك الدنيا دار غرور والآخرة خير لمن اتقى:
وما الناس إلا هالك وابن هالك (١) ... " ولا تجد إلا ما قدمت من عمل يقتضي العفووالمغفرة أوثناء يجلب الدعاء بالرحمة ومثلك من ذكر فتذكر وعرف فما أنكر وهذا ابن الخطيب قد وقف على قبري وتهمم بي وسبق الناس الى رثائي وأنشدني ومجدني وبكاني ودعا لي وهنأني بمصير أمري إليك وعفر وجهه في تربي وأملني لما انقطعت مني آمال الناس فلو كنت يا ولدي حياً لما وسعني أن أعمل معه إلا مايليق بي وأن أستقل فيه الكثير واحتقر العظيم لكن لما عجزت عن جزائه وكلته إليك وأحلته يا حبيب قلبي عليك وقد أخبرني أنه سليب المال كثير العيال ضعيف الجسم قد ظهر في عدم نشاطه أثر السن وأمل أن ينقطع بجواري ويستتر بدخيلي وخدمتي ويرد عليه حقه بخدمتي ووجهي ووجوه من ضاجعني من سلفي ويعبد الله تعالى تحت حرمتك وحرمتي وقد كنت تشوفت الى استخدامه في الحياة حسبما يعلمه حبيبنا الخالص المحبة وخطيبنا العظيم المزية القديم القربة أبوعبد الله ابن مرزوق فاسأله يذكرك