← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

وما أهديتم إلينا من التقرب لدينا، بخدمة ثراه الطاهر، والاشتمال بمطارف حرمته السامية المظاهر. " وإلى هذا وصل الله حظوتكم ووالى رفعتكم، فإنه ورد علينا خطابكم الحسن عندنا قصده، المقابل بالإسعاف المستعذب ورده، فوقفنا على ما نصه، واستوفينا ما شرحه وقصه، فآثرنا حسن تلطفكم في التوسل بأكبر الوسائل إلينا، ورعينا أكمل الرعاية حق ذلكم الجناب العزيز علينا، وفي الحين عينا لكمال مطلبكم، وتمام مأربكم، والتوجه بخطابنا في حقكم، والاعتماد بوفقكم، خد يمينا أبا البقاء ابن تاسكورت (١) وأبا زكريا ابن فرقاجة، أنجدهما الله وتولاهما؛ وأمسى تاريخه انفصلا مودعين إلى الغرض المعلوم، بعد التأكيد عليهما فيه، وشرح العمل الذي يوفيه، فكونوا على علم من ذلكم، وابسطوا له جملة آمالكم، وإنا لنرجوثواب الله في جبر أحوالكم، وبرء اعتلالكم، والله يصل مبرتكم، ويتولى تكرمتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ كتب في الرابع والعشرين لرجب عام واحد وستين وسبعمائة ". [٣ - جواب لسان الدين] فراجعه ابن الخطيب بما نصه (٢) : مولاي خليفة الله بحق، وكبير ملوك الأرض عن حجة، ومعدن الشفقة والحرمة ببرهان وحكمة، أبقاكم الله تعالى عالي الدرجة في المنعمين، وافر الحظ عند جزاء المحسنين وأراكم ثمرة بر أبيكم في البنين، وصنع لكم في عدوكم الصنع الذي لا يقف عند معتاد، وأذاق العذاب الأليم من أراد في مثابتكم بإلحاد، عبدكم الذي ملكتم رقه،

стр. 3187

وآويتم غربته، وسترتم أهله وولده، وأسنيتم رزقه، وجبرتم قلبه، يقبل موطئ الأخمص الكريم من رجلكم الطاهرة، المستوجبة بفضل الله تعالى لموقف النصر، الفارعة هضبة العز، المعملة الخطوفي مجال السعد، وميسر (١) الحظ ابن الخطيب، من شالة (٢) التي تأكد بملككم الرضي أحترامها، وتجدد برعيكم عهدها وأستبشر بملككم دفينها، وأشرق بحسناتكم نورها. " وقد ورد على العبد الجواب المولوي البر الرحيم، المنعم المحسن بما يليق بالملك الأصيل والقدر الرفيع والهمة السامية والعزة القعساء، من رعي الدخيل والنصرة للذمام والاهتزاز لبر الأب الكريم، فثاب الرجاء وأنبعث الأمل وقوي العضد وزار اللطف، فالحمد لله الذي أجرى الخير على يدكم الكريمة، وأعانكم على رعي ذمام الصالحين، المتوسل إليكم أولاً بقبورهم ومتعبداتهم وتراب أجداثهم ثم بقبر مولاي ومولاكم ومولى الخلق أجمعين الذي تسبب (٣) في وجودكم، واختصكم بحبه، وغمركم بلطفه وحنانه، وعلمكم آداب الشريعة، وأورثكم ملك الدنيا وهيأتكم دعواته بالاستقامة إلى ملك الآخرة بعد طول المدى وانفساح البقاء، وفي علومكم المقدسة ما تضمنت الحكايات عن العرب من النعرة (٤) عن طائر داست أفراخه ناقة في جوار رئيس منهم، وما انتهى إليه الامتعاض لذلك مما أهينت فيه الأنفس وهلكت الأموال وقصارى من امتعض لذلك أن يكون كبعض خدامكم من عرب تامسنا فما الظن بكم وأنتم الكريم ابن الكريم ابن الكريم فيمن لجأ أولاً الى رحماكم بالأهل والولد عن حسنة تبرعتم بها وصدقة حملتكم الحرية

стр. 3188

على بذلها ثم فيمن حط رحل الاستجارة بضريح أكرم الخلق عليكم دامع العين خافق القلب واهي الفزعة يتغطى بردائه ويستجير بعليائه كأنني تراميت عليهم في الحياة أمام الذعر الذي يذهل العقل ويحجب عن التمييز بقصر داره ومضجع رقاده مامن يوم إلا وأجهر بعد التلاوة: يا ليعقوب يا لمرين (١) نسأل الله تعالى أن لا يقطع عني معروفكم ولا يسلبني عنايتكم ويستعملني ما بقيت في خدمتكم ويتقبل دعائي فيكم. " ولحين وصول الجواب الكريم نهضت إلى القبر المقدس ووضعته بازائه وقلت يا مولاي يا كبير الملوك وخليفة الله وبركة بني مرين صاحب الشهرة والذكر في المشرق والمغرب عبدك المنقطع إليك المترامي بين يدي قبرك المتوسل إلى الله ثم إلى ولدك بك ابن الخطيب وصله من مولاه ولدك ما يليق بمقامه من رعي وجهك والتقرب إلى الله تعالى برعيك والاشتهار في مشرق الدنيا وغربها ببرك وأنتم من أنتم من إذا صنع صنيعه كملها وإذا من منة تممها وإذا أبدى يداً أبرزها طاهرة بيضاء غير معيبة ولاممنونة ولا منتقضة وأنا بعد تحت ذيل حرمتك وظل دخيلك حتى يتم أملي ويخلص قصدي وتحف نعمتك بي ويطمئن إلي مأملك قلبي. " ثم قلت للطلبة: أيها السادة بيني وبينكم تلاوة كتاب الله تعالى منذ أيام ومناسبة النحلة وأخوة التأليف بهذا الرباط المقدس والسكنى بين أظهركم فأمنوا على دعائي بإخلاص من قلوبكم واندفعت في الدعاء والتوسل الذي نرجوأن يتقبله الله تعالى ولا يضيعه وخاطب العبد مولاه شاكراً لنعمته مشيدا ًبصنيعته مسروراً بقبوله وشأنه من التعلق والتطارح شأنه حتى يكمل القصد ويتم الغرض معمور الوقت بخدمة يرفعها ودعاء يردده والله المستعان "؛ انتهى.

стр. 3189

[٤ - رسالة من لسان الدين إلى أبي سالم] وكان تقدم من لسان الدين كتاب للسلطان المذكور وكان ما سبق من كتاب السلطان جواباً له وذلك بعد رجوع لسان الدين من مراكش واستقراره في مدينة سلا برباط شالة مدفن السلاطين من بني مرين ومنهم السلطان أبوالحسن والد السلطان أبي سالم المذكور ونص الكتاب (١) : " مولاي المرجولإتمام الصنيعة وصلة النعمة وإحراز الفخر أبقاكم الله تعالى تضرب بكم الأمثال في البر والرضى وعلوالهمة ورعي الوسيلة مقبل موطئ قدمكم المنقطع الى تربة المولى والدكم ابن الخطيب من الضريح المقدس بشالة وقد حط رحل الرجاء في القبة المقدسة وتذمم (٢) بالتربة الزكية وقعد بإزاء لحد المولى أبيكم ساعة إيابه من الوجهة المباركة وزيارة الربط المقصودة والترب المعظمة وقد عزم ألا يبرح طوعاً من هذا الجوار الكريم والدخيل المرعي حتى يصله من مقامكم ما يناسب هذا التطارح على قبر هذا المولى العزيز على أهل الأرض ثم عليكم والتماس شفاعته في أمر سهل عليكم لا يجر إنفاد مال ولااقتحام خطر إنما هوإعمال لسان وخط بنان وصرف عزم وإحراز فخر وأجر وإطابة ذكر وذلك أن العبد عرفكم يوم وداعكم أنه ينقل عنكم الى المولى المقدس بلسان المقال ما يحضر مما يفتح الله تعالى فيه ثم ينقل عنه لكم بلسان الحال ما يتلقى عنه من الجواب وقال لي صدر دولتكم وخالصتكم وخالصة المولى والدكم سيدي الخطيب يعني ابن مرزوق سنى الله تعالى أمله من سعادة مقامكم وطول عمركم أنت يا فلان والحمد لله ممن لا ينكر عليه الوفاء بهذين الفرضين وصدر عنكم من البشر والقبول والإنعام ما صدر جزاكم الله تعالى جزاء المحسنين.

стр. 3190

" وقد تقدم تعريف مولاي بما كان من قيام العبد بما نقله إلى التربة الزكية عنكم حسبما أداه من حضر ذلك المشهد من خدامكم والعبد الآن يعرض عليكم الجواب وهوأني لما فرغت من مخاطبته بمرأى من الملأ الكبير والجم الغفير أكببت على اللحد الكريم داعياً ومخاطباً وأصغيت بأذني عند قبره وجعل فؤادي يتلقى ما يوحيه إليه لسان حاله فكأني به يقول لي: قل لمولاك يا ولدي وقرة عيني المخصوص برضاي وبري و [من] ستر حريمي ورد ملكي وصان أهلي وأكرم صنائعي ووصل عملي أسلم عليك وأسأل الله تعالى أن يرضى عنك ويقبل عليك الدنيا دار غرور والآخرة خير لمن اتقى: وما الناس إلا هالك وابن هالك (١) ... " ولا تجد إلا ما قدمت من عمل يقتضي العفووالمغفرة أوثناء يجلب الدعاء بالرحمة ومثلك من ذكر فتذكر وعرف فما أنكر وهذا ابن الخطيب قد وقف على قبري وتهمم بي وسبق الناس الى رثائي وأنشدني ومجدني وبكاني ودعا لي وهنأني بمصير أمري إليك وعفر وجهه في تربي وأملني لما انقطعت مني آمال الناس فلو كنت يا ولدي حياً لما وسعني أن أعمل معه إلا مايليق بي وأن أستقل فيه الكثير واحتقر العظيم لكن لما عجزت عن جزائه وكلته إليك وأحلته يا حبيب قلبي عليك وقد أخبرني أنه سليب المال كثير العيال ضعيف الجسم قد ظهر في عدم نشاطه أثر السن وأمل أن ينقطع بجواري ويستتر بدخيلي وخدمتي ويرد عليه حقه بخدمتي ووجهي ووجوه من ضاجعني من سلفي ويعبد الله تعالى تحت حرمتك وحرمتي وقد كنت تشوفت الى استخدامه في الحياة حسبما يعلمه حبيبنا الخالص المحبة وخطيبنا العظيم المزية القديم القربة أبوعبد الله ابن مرزوق فاسأله يذكرك

стр. 3191

واستخبره يخبرك فأنا اليوم أريد أن يكون هذا الرجل خديمي بعد الممات الى أن نلحق جميعاً برضوان الله تعالى ورحمته التي وسعت كل شيء وله يا ولدي ولد نجيب يخدم ببابك وينوب عنه في ملازمة بيت كتابك وقد استقر بدارك قراره وتعين بأمرك مرتبه ودشاره (١) ، فيكون الشيخ خديم الشيخ والشاب خديم الشاب، هذه رغبتي منك وحاجتي إليك واعلم أن هذا الحديث لابد له أن يذكر ويتحدث به في الدنيا وبين أيدي الملوك والكبار فاعمل مل يبقى لك فخره ويتخلد ذكره وقد أقام مجاوراً ضريحي تالياً كتاب الله تعالى علي منتظراً ما يصله منك ويقرؤه علي من السعي في خلاص ماله والاحتجاج بهذه الوسيلة في جبره وإجراء ما يليق بك من الحرمة والكرامة والنعمة فالله الله يا إبراهيم اعمل ما يسمع عني وعنك فيه ولسان الحال أبلغ من لسان المقال؛ انتهى. " والعبد يا مولاي مقيم تحت حرمته وحرمة سلفه منتظر منكم قضاء حاجته ولتعلموا وتتحققوا أني لوارتكبت الجرائم ورزأت الأموال وسفكت الدماء وأخذت حسائف (٢) الملوك الأعزة ممن وراء النهر من الططر وخلف البحر من الروم ووراء الصحراء من الحبشة وأمكنهم الله تعالى مني من غير عهد بعد أن بلغهم تذممي بهذا الدخيل ومقامي بين هذه القبور الكريمة ما وسع أحداً منهم من حيث الحياء والحشمة من الأحياء والأموات وإيجاب الحقوق التي لا يغفلها الكبار للكبار إلا الجود الذي لا يتعقبه البخل والعفوالذي لا تفسده المؤاخذة فضلاً عن سلطان الأندلس أسعده الله تعالى بموالاتكم فهوفاضل وابن ملوك أفاضل وحوله أكياس ما فيهم من يجهل قدركم وقدر سلفكم لاسيما مولاي والدكم الذي أتوسل به إليكم وإليهم فقد كان يتبنى مولاي أبا الحجاج ويشمله بكنفه وصارخه بنفسه وأمده بأمواله

стр. 3192

ثم صير الله تعالى ملكه إليكم وأنتم من أنتم ذاتاً و؛ وقبيلاً فقد قرت يا مولاي عين العبد بما رأت في هذا الوطن المراكشي من وفور حشودكم وكثرة جنودكم وترادف أموالكم وعددكم زادكم الله تعالى من فضله؛ ولا شك عند عاقل أنكم إن انحلت عروة تأميلكم، وأعرضتم عن ذلك الوطن، استولت عليه يد عدوه. " وقد علم تطارحي بين الملوك الكرام الذين خضعت لهم التيجان، وتعلقي بثوب الملك الصالح والد الملوك الكرام مولاي والدكم، وشهرة حرمة شالة معروفة، وحاش لله أن يضيعها أهل الأندلس، وما توسل إليهم قط بها إلا الآن، وما يجهلون اغتنام هذه الفضيلة الغريبة، وأملي منكم أن يتعين من بين أيديكم خديم بكتاب كريم، يتضمن الشفاعة في رد ما أخذ لي، ويخبر بمثواي متراميا " على قبر والدكم ويقرر ما ألزمكم بسبب هذا الترامي من الضرورة المهمة والوظيفة الكبيرة عليكم وعلى قبيلكم حيث كانوا، وتطلبون منه عادة المكارمة بحل هذه العقدة، ومن المعلوم أني لو طلبت بهذه الوسائل من صلب....ما وسعهم بالنظر العقلي إلا حفظ الوجه مع هذا القبيل وهذا الوطن، فالحياء والحشمة يأبيان العذر عن هذا في كل ملة ونحلة. " وإذا تم هذا الغرض ولا شك في إتمامه بالله تعالى تقع صدقتكم على القبر الكريم بي وتعينوني لخدمة هذا المولى وزيارته وتفقده، ومدح النبي ﷺ ليلة المولد في جواره وبين يديه وهوغريب (١) مناسب لبركم به إلى أن أحج بيت الله بعناية مقامكم، وأعود داعياً مثنياً مستدعياً للشكر والثناء من أهل المشرق والمغرب، وأتعوض من ذمتي بالأندلس ذمة بهذا الرباط المبارك يرثها ذريتي، وقد ساومت في شيء من ذلك منتظراً ثمنه مما يباع بالأندلس بشفاعتكم، ولوظننت أنهم يتوقفون لكم في مثل هذا أو يتوقع فيه وحشة أو جفاء والله ما طلبته، لكنهم أسرى وأفضل، وانقطاعي أيضاً لوالدكم مما لا يسمع مجدكم إلا عمل ما يليق بكم فيه، وها أنا أرتقب جوابكم بما لي عندكم

стр. 3193

من القبول، ويسعني مجدكم في الطلب وخروج الرسول لاقتضاء هذا الغرض، والله سبحانه يطلع من مولاي على ما يليق به، والسلام. وكتب في الحادي عشر من رجب عام أحد وستين وسبعمائة. وفي مدرج الكتاب بعد نثر هذه القصيدة (١) : مولاي ها أنا في جوار أبيكا ... فابذل من البر المقدر فيكا أسمعه ما يرضيه من تحت الثرى ... والله يسمعك الذي يرضيكا واجعل رضاه إذا نهدت كتيبة ... تهدي إليك النصر أوتهديكا واجبر بجبري قلبه تنل المنى ... وتطالع الفتح المبين وشيكا فهو الذي سن البرور بأمه ... وأبيه فأشرع شرعه لبنيكا وابعث رسولك منذراً ومحذراً ... وبما تؤمل نيله يأتيكا قد هز عزمك كل قطر نازح ... وأخاف مملوكاً به ومليكا فإذا سموت إلى مرام شاسع ... فغصونه ثمر المنى تجنيكا ضمنت رجال الله منك مطالبي ... لما جعلتك في الثواب شريكا فلئن كفيت وجوهها في مقصدي ... شطر ورعيتها بركاتها تكفيكا وإذا قضيت حوائجي وأريتني ... أملاً فربك ما أردت يريكا واشدد على قولي يداً فهو الذي ... أملاً فربك ما أردت يريكا مولاي ما استأثرت عنك بمهجتي ... إني ومهجتي التي تفديكا لكن رأيت جناب شالة مغنماً ... يفضي علي العز في ناديكا وفروض حقك لا تفوت فوقتها ... باق إذا استجزيته يجزيكا ووعدتني وتكرر الوعد الذي ... أبت المكارم أن يكون أفيكا أضفى عليك ال ستر عناية ... من كل محذور الطريق يقيكا

стр. 3194

ببقائك الدنيا تحاط وأهلها ... فالله ﷻ يبقيكا فلما وصل الكاتب إلى السلطان أجابه بما مر آنفاً. ورأيت بخط الفقيه الأديب المؤرخ أبي عبد الله محمد بن الحداد الوادي آشي نزيل تلمسان على هامش قول ابن الخطيب في هذه الرسالة: " ولا شك عند عاقل أنكم إن انحلت عروة تأميلكم - إلخ " ما صورته: كذلك وقع آخر الأمر وكان الإستيلاء على مدينة غرناطة آخر ما بقي من بلاد الأندلس للإسلام في محرم عام سبعة وتسعين وثمانمائة، فرحم الله تعالى ابن الخطيب، العاقل اللبيب، وغفر له برحمته؛ انتهى. ومما خاطب به لسان الدين السلطان أبا سالم في الغرض المتقدم قوله: عن باب والدك الرضى لا أبرح ... يأسو الزمان لأجل ذا أويجرح ضربت خيامي في حماه فصبيتي ... تجني الجميم به وبهمي تسرح حتى يراعى وجهه في وجهي ... بعناية تشفي الصدور وتشرح أيسوغ عن مثواه سيري خائباً ... ومنابر الدنيا بذكرك تصدح أنا في حماه وأنت أبصر بالذي ... يرضيه منك فوزن عقلك أرجح في مثلها سيف الحمية ينتضى ... في مثلها زند الحفيظة يقدح وعسى الذي بدأ الجميل يعيده ... وعسى الذي سد المذاهب يفتح [ترجمة أبي سالم المريني] وقد عرف في الإحاطة بالسلطان أبي سالم فقال بعد كلام: أملاك المسلمين، وحماة الدين، وأمراء المغرب الأقصى من بني مرين، غيوث المواهب وليوث العرين، ومعتمد الصريخ وسهام الكافرين، حفظ الله تعالى على الإسلام والمسلمين ظلهم، وزين ببدور الدنيا والدين هالتهم، وأبقى الكلمة فيمن اختاره منهم أو من

стр. 3195

أقاربهم، فما عسى أن يطنب اللسان في مدحهم وأين تقع العبارة وماذا (١) يحصر الوصف إلى أن قال: وفاته وفي ليلة العشرين من ذي القعدة (٢) من عام اثنين وستين وسبعمائة (٣) ثار عليه بدار الملك وبلد الإمارة المعروف بالبلد الجديد من مدينة فاس الخائن الغادر مخلفه عليها عمر بن عبد الله بن علي نسمة السوء، وجملة الشؤم، والمثل البعيد في الجراءة على الله تعالى، وقد اهتبل غيرة انتقاله إلى القصر السلطاني بالبلد القديم متحولاً إليه حذراً من قاطع (٤) فلكي كان يحذر منه، استعجله بضعف نفسه، وأعانه على فرض صحة الحكم به، وسد الباب في وجهه، ودعا الناس إلى بيعة أخيه المعتوه، وأصبح حائراً بنفسه، ويروم ارتجاع أمر ذهب من يده، ويطوف بالبلد يلتمس وجهاً إلى نجاح حيلة، فأعياه ذلك، ورشقت من معه السهام، وفرت عنه الأجناد والوجوه، وأسلمه الدهر وتبرأ منه الجد، وعندما جن عليه الليل فر لوجهه، وقد التف عليه الوزراء، فسفهت حلومهم، وفالت آراؤهم، ولوقصدوا به بعض الجبال المنيعة لولوا أوجههم شطر مظنة الخلاص، واتصفوا بإبلاغ الأعذار، ولكنهم نكلوا عنه، ورجعوا أدراجهم وتسللوا راجعين إلى يد غادر الجملة، قد سلبهم الله سبحانه لباس الحياء والرجولية وتأذن الله تعالى لهم بعد بسوء العاقبة، وقصد بعض بيوت البادية وقد فضحه نهار الغد، واقتفى المتبعة أثره حتى وقعوا عليه، فسيق إلى مصرعه، وقتل بظاهر البلد ثاني اليوم الذي غدر به فيه، جعلها الله تعالى له شهادة ونفعه؛ فلقد كان (٥) بقية البيت وآخر القوم دماثةً وحياء، وبعداً عن

стр. 3196

الشرور، وركوناً للعافية، وأنشدت على قبره الذي ووريت به جثته بالقلعة ظاهر المدينة قصيدة أديت فيها بعض حقه: بني الدنيا بني لمع السراب ... " لدوا للموت وابنوا للخراب " انتهى المقصود من الترجمة. وكان يصف لسان الدين بمقربي وجليسي، كما سبقت الإشارة إليه من كلام لسان الدين فيما خاطب به ابن أبي رمانة والله يسبل على الجميع رداء عفوه سبحانه. وقد تقدم أنه شفع لابن الخطيب عند أهل الأندلس، ولذلك قال يخاطبهم: سمي خليل الله أحييت مهجتي ... وعجالني منك الصريخ على بعد فإن عشت أبلغ فيك نفسي عذرها ... وإن لم أعش فالله يجزيك من بعدي [ثناء المغاربة والمشارقة على لسان الدين] وقال الرئيس الأمير الأديب أبوالوليد إسماعيل ابن الأحمر في حق ابن الخطيب ما صورته (١) : هو شاعر الدنيا، وعلم المفرد والثنيا، وكاتب الأرض، إلى يوم العرض، لا يدافع مدحه في الكتب، ولا يجنح إلى العتب، آخرمن تقدم في الماضي، وسيف مقوله ليس بالكهام إذ هوالماضي، وإلا فانظر كلام الكتاب الأول من العصبة، كيف كان فيهم بالإفادة صاحب القصبة، للبراعة، باليراعة، وبه أسكت صائلهم، وما حمدت بكرهم وأصائلهم، للجزالة المشربة بالحلاوة، الممكنة من مفاصل الطلاوة، وهونفيس العدوتين ورئيس الدولتين، وبالإطلاع على العلوم العقلية، والإمتاع الفهوم النقلية، لكن

стр. 3197

صل لسانه في الهجاء لسع، ونجاد نطاقه في ذلك اتسع، حتى صدمني، وعلى القول فيه أقدمني، بسبب هجوه في ابن عمي ملك الصقع الأندلسي، سلطان ذلك الوطن في النفر الجنسي، المعظم في الملوك بالقول الجني والإنسي، ثم صفحت عنه صفحة القادر، الوارد من مياه الظفر غير القاذر، لأن مثلي لا يليق به إظهار العورات، ولا يجمل له تتبع العثرات، اتباعاً للشرع في تحريم الغيبة، وضرباً عن الكريهة وإثباتاً لحظوظ النقيبة الرغيبة، فما ضره لواشتغل بذنوبه، وتأسف على ما شربه من ماء اللهو بذنوبه (١) ، وقد قال بعض الناس: من تعرض للأعراض، صار عرضه هدفاً لسهام الأغراض؛ انتهى. ومثل هذا في لسان الدين لا يقدح، وما زالت الأشراف تهجى وتمدح (١) ، وعلى تقدير صدور ما يخدش وجه جنابه الرفيع، فالأولى أن ينشد: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع وممن أثنى على لسان الدين ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - بعض أكابر علماء تلمسان، ولم يحضرني الآن اسمه، في تأليف عرف فيه بالشيخ العلامة سيدي أبي عبد الله الشريف التلمساني وابنيه العالمين أبي يحيى وسيدي عبد الله، فقال بعد كلام في حق الشريف ما نصه: وكان علماء الأندلس أعرف الناس بقدره، وأكثرهم تعظيماً له حتى إن العالم الشهير لسان الدين ابن الخطيب صاحب الأنباء العجيبة، والتآليف البديعة، كلما ألف تأليفاً بعثه إليه، وعرضه عليه، وطلب أن يكتب عليه بخطه، وكان الشيخ الإمام الصدر المفتي أبوسعيد ابن لب شيخ علماء الأندلس وآخرهم كلما أشكلت عليه مسألة كاتبه بها، وطلب منه بيان ما أشكل عليه، مقراً له بالفضل؛ انتهى ما نقلته من الكتاب المذكور.

стр. 3198

رجع: وكتب لسان الدين ابن الخطيب متمثلاً بشيخه الأوحد قاضي الجماعة أبي البركات ابن الحاج البلفيقي رحمهما الله تعالى (١) : أيتها النفس إليه اذهبي ... فحبه المشهور من مذهبي أيأسني التوبة من حبه ... طلوعه شمساً من المغرب ويغلب على ظني أنه خاطبه بذلك عند قدومه، أعني لسان الدين، من المغرب إلى الأندلس، والله تعالى أعلم. وكان قاضي القضاة برهان الدين الباعوني الشامي (٢) ، كثير الثناء على لسان الدين رحمه الله تعالى، لأنه تلقى أخباره من قاضي القضاة ابن خلدون حسبما ذكرناه في غير هذا الموضع، ولقد رأيت بخطه على هامش بعض تآليف لسان الدين في الإنشاء ما نصه: هذا بليغ إلى الغاية؛ انتهى. وكتب أثره بعض أكابر علماء المشرق ما نصه: هذا خط العلامة قاضي القضاة برهان الدين الباعوني، وهوشديد الاعتناء والمدح للمصنف ابن الخطيب الأندلسي، معظم له ولإنشائه، وهو خليق بالتعظيم، جدير بمزيد التمجيد والتكريم، وكيف لا وهوشاعر مفلق، وخطيب مصقع، وكاتب مترسل بليغ، لولا ما في إنشائه من الإكثار، الذي لا يكاد يخلومن عثار، والإطناب، الذي يفضي إلى الاجتناب والإسهاب، الذي يقد الإرهاب، ويورث الالتهاب؛ انتهى.

стр. 3199

قلت: وهذا الانتقاد غير مسلم، فإن لسان الدين وإن أطنب وأسهب، فقد سلك من البلاغة أحسن مذهب، ويرحم الله تعالى العلامة البرهان الباعوني المذكور أعلاه، إذ كتب بخطه في آخر بعض تآليف لسان الدين في الإنشاء ما صورته: قال كاتبه إبراهيم بن أحمد الباعوني لطف الله تعالى به: الحمد لله على ما ألهم من البيان وعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم، وقفت على هذا الكتاب من أوله إلى أخره، وعمت من بحر بلاغته في زاخره، وعددته من مناقب مؤلفه ومفاخره، فإنه برز في غاية التبريز، وأتى بما هوأحسن من الذهب الإبريز، لا بل هوأبهى من الجواهر، والنجوم الزواهر، وعجبت من تلك الألفاظ المشبهة لسحر الألحاظ ورقة المعاني، المحكمة المباني؛ انتهى. فأنظر أيدك الله تعالى بعين الإنصاف إلى كلام هذا الفاضل، المنصف الكامل، وقسه مع كلام ذلك المنتقد المتعصب الناقص الحامل، مع أن الكلام الذي تعرض له ذاك بالقدح، هوالذي تصدى له الباعوني بالمدح، وكل إناء بالذي فيه ينضح، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل أهل الفضل، والأمر أجلى من أن، يقام عليه دليل وأوضح. رجع إلى ما كان بصدده: وقال الوزير ابن عاصم عندما أجرى ذكر سلطان ابن الخطيب أمير المسلمين الغني بالله بعد كلام كثير ما صورة محل الحاجة منه: وكان هذا السلطان من نيل الأغراض على أكمل ما يكون عليه مثله ممن نزع غرقاً في قوس الخلافة، حكى لي شيخنا القاضي أبوالعباس الحسني ان كبير ولده الأمير أبا الحجاج طلب من الشيخ ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الخطيب أن يطلب من أبيه الغني بالله أن يبادر بإعذاره، إذ كان قد جاوز سن الإثغار، دون إعذار، لمكان ما لحق والده من التمحيص وغير ذلك من الحوادث المهمة، فأسعده الشيخ بذلك، وقال

стр. 3200

للغني بالله: يا مولانا إن سيدي يوسف وكلني على طلب إعذاره من مولانا نصره الله على ما يليق بك وبه، فقال له الغني بالله: حسبي الله، وسكت سكتة لطيفة تشعر بفصل الكلام بعضه من بعض، ثم قال: ونعم الوكيل! فعدها الأكياس من مدارك نبله، ومحاسن قوله وفعله؛ انتهى. قلت: هذا من السلطان في حق لسان الدين غاية التبجيل، أعني قوله " ونعم الوكيل " فأين هذا من سماع كلام أعدائه فيه بعد، حتى آل أمره إلى النحس بعد ذلك السعد وسقاه دهره بعد الحلاوة ما مر، ولم يكن قتله إلا بتسبب السلطان المذكور كما مر: ثلاثة ليس لها أمان ... البحر والسلطان والزمان [٥ - رسالة ابن خاتمة إلى لسان الدين] وقال لسان الدين رحمه الله تعالى (١) : ولما قضى الله بالإدالة، ورجعنا إلى أوطاننا من العدوة واشتهر عني ما اشتهر من انقباض عن الخدمة والتيه على السلطان والدولة، والتكبر على أعلى رتب الخدمة، وتطارحت على السلطان في استنجاز وعد الرحلة، ورغبت في تبرئة الذمة، ونفرت عن الأندلس بالجملة، خاطبني يعني أبا جعفرابن خاتمة بعد صدر بلغ من حسن الإشارة وبراعة الاستهلال الغاية بقوله: وإلى هذا يا سيدي ومحل تعظيمي وإجلالي، أمتع الله تعالى الوجود بطول بقائكم، وضاعف في العز درجات ارتقائكم، فإنه من الأمر الذي لم يغب عن رأي العقول، ولا اختلف فيه أرباب المعقول، أنكم بهذه الجزيرة شمس أفقها، وتاج مفرقها، وواسطة سلكها، وطراز ملكها وقلادة نحرها، وفريدة دهرها، وعقد جيدها المنصوص، وتمام

стр. 3201

زينتها على العموم والخصوص، ثم أنتم مدار أفلاكها، وسر سياسة أملاكها وترجمان بيانها ولسان إحسانها وطب مارستانها والذي عليه عقد إدارتها وبه قوام إمارتها فلديه يحل المشكل وإليه يلجأ في الأمر المعضل فلا غروأن تتقيد بكم الأسماع والأبصار وتحدق نحوكم الأذهان والأفكار ويزجر عنكم السانح والبارح ويستنبأ ما تطرف عنه العين وتختلج الجوارح استقراء لمرامكم واستطلاعاً لطالع اعتزامكم واستكشافاً عن مرام سهامكم لاسيما مع إقامتكم على جناح خفوق وظهوركم في ملتمع بروق واضطراب الظنون فيكم مع الغروب والشروق حتى تستقر بكم الديار ويلقي عصاه التسيار ولها العذر في ذلك إذ صدعها بفراقكم لم يندمل وسرورها بلقائكم لم يكتمل ولم يبرأ بعد جناحها المهيض ولا جم ماؤها المغيض ولا تميزت من داجيها لياليها البيض ولا استوى نهارها ولا تألفت أنهارها ولا اشتملت نعماؤها ولانسيت غماؤها بل هي كالناقه والحديث العهد بالمكاره يستشعر نفس العافية ويتمسح منكم باليد الشافية فبحنانكم عليها وعظيم حرمتكم على من لديها لا تشوبوا لها عذب المجاج بالأجاج وتفطموها عما عودت من طيب المزاج فما لدائها وحياة قربكم غير طبكم من علاج. " وإني ليخطر بخاطري محبة فيكم وعناية بما يعنيكم ما نال جانبكم صانه الله تعالى بهذا الوطن من الجفاء ثم أذكر ما نالكم من حسن العهد وكرم الوفاء وأن الوطن إحدى المواطن الأظآر التي يحق لهن جميل الاحتفاء وما يتعلق بكم من حرمة أولياء القرابة وأوداء الصفاء فيغلب على ظني أنكم لحسن العهد أجنح وبحق نفسكم عن حق أوليائكم أسمح وللتي هي أعظم قيمةً من فضائلكم أوهب وأسجح وهب أن الدر لا يحتاج في الإثبات إلى شهادة النحور واللبات والياقوت غني في المكان عن مظاهرة القلائد والتيجان أليس أنه أعلى للعيان وأبعد عن مكابرة البرهان تألقها في تاج الملك أنوشروان فالشمس وإن كانت أم الأنوار وجلاء الأبصار مهما أغما مكانها من الأفق

стр. 3202

قيل: " أليل هو أم نهار وكما في علمكم ما فارق ذووالأرحام وأولوالأحلام مواطن استقرارهم وأماكن قرارهم إلا برغمهم واضطرارهم واستبدال دار خير من دارهم ومتى توازن الأندلس بالمغرب أويعوض عنها إلا بمكة أويثرب ما تحت أديمها أشلاء أولياء وعباد وما فوقه مرابط جهاد ومعاقد ألوية في سبيل الله ومضارب أوتاد ثم يبوأ ولده مبوأ أجداده ويجمع له بين طارفه وتلاده أعيذ أنظاركم المسددة من رأيٍ فائل وسعي طويل لم يحل منه بطائل فحسبكم من هذا الإياب السعيد والعود الحميد "؛ وهي طويلة. [٦ - من لسان الدين إلى ابن خاتمة] قال لسان الدين رحمه الله تعالى: فأجبته بقولي (١) : لم في الهوى العذري أو لا تلم ... فالعذل لا يدخل أسماعي شأنك تعنيفي وشأني الهوى ... كل امرئ في شأنه ساعي أهلا بتحفة القادم وريحانة المنادم وذكر الهوى المتقادم لا يصغر الله مسراك فما أسراك لقد جبت إلي من همومي ليلاً وجست رجلا وخيلا ووفيت من صاع الوفاء كيلا وظننت بي الأسف على ما فات فأعملت الالتفات، لكيلا (٢) ، فأقسم لو أن الأمر اليوم بيدي أوكانت اللمة السوداء من عددي ما أفلت ما أشراكي المنصوبة لأمثالك (٣) حول المياه وبين السالك وما علمت هنالك لكنك طرقت حمىً كسعته الغارة العشواء وغيرت

стр. 3203

ربعه الأنواء فخمد بعد ارتجاجه وسكت أذين دجاجه وتلاعبت الرياح الهوج فوق فجاجه وطال عهده بالزمن الأول وهل عند رسم دارس من معول وحيا الله ندباً إلى زيارتي ندبك وبآدابه الحكيمة أدبك: فكان وقد أفاد بك الأماني ... كمن أهدى الشفاء إلى العليل وهي شيمة بوركت من شيمة وهبة الله تعالى قبله من لدن المشيمة ومن مثله في صلة رعي وفضل سعي وقول وعي (١) : قسماً بالكواكب ال ... زهر والزهر عاتمه إنما الفضل ملةٌ ... ختمت بابن خاتمه كساني حلة فضله وقد ذهب زمان التجمل وحملني شكره وكتدي واه عن التحمل ونظرني بالعين الكليلة عن العيب فهلا أجاد التأمل واستطلع طلع نثي (٢) ووالى في مبرك المعجزة حثي ﴿إنما أشكو بثي﴾ ولوترك القطا ليلاً لناما (٣) ... وما حال شمل وتده مفروق وقاعدته فروق وصواع بني أبيه مسروق وقلب قرحه من عضة الدهر دامٍ وجمرة حسرته ذات احتدام هذا وقد صارت الصغرى التي كانت الكبرى لمشيب لم يدع أن هجم لما نجم ثم تهلل عارضه وانسجم: لا تجمعي هجراً علي وغربةً ... فالهجر في تلف الغريب سريع

стр. 3204

نظرت فإذا [الجنب ناب، و] (١) النفس فريسة ظفر وناب والمال أكيلة انتهاب والعمر رهن ذهاب واليد صفر من كل اكتساب وسوق المعاد مترامية والله سريع الحساب: ولونعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لاخيار مع الزمان وهب أن العمر جديد وظل الأمن مديد ورأي الاغتباط بالوطن سديد فما الحجة لنفسي إذا مرت بمطارح جفوتها وملاعب هفوتها ومثاقف قناتها ومظاهر عزاها ومناتها والزمان ولود وزناد الكون غير صلود: وإذا امرؤ لدغته أفعى مرةً ... تركته حين يجر حبلٌ يفرق (٢) ثم إن المرغب قد ذهب والدهر قد استرجع ما وهب والعارض قد اشتهب وآراء الاكتساب مرجوحة مرفوضة وأسماؤه على الجوار مخفوضة والنية مع الله على الزهد فيما بأيدي الناس معقودة والتوبة بفضل الله منقودة والمعاملة سامرية ودروع الصبر سابرية والاقتصاد قد قرت العين بصحبته والله قد عوض حب الدنيا بمحبته فإذا راجعها مثلي من بعد الفراق وقد رقى لدغتها ألف راق وجمعتني بها الحجرة ما الذي تكون الأجرة جل شاني وإن رضي الوامق وسخط الشاني إني إلى الله تعالى مهاجر وللعرض الأدنى هاجرولأظعان السرى زاجر لنجد إن شاء الله تعالى وحاجر لكن دعاني للهوى إلى هذا المولى المنعم هوى خلعت نعلي الوجود وما خلعته وشوقي أمرني فأطعته وغالب ٌ والله صبري فما استطعته والحال أغلب وعسى أن لا يخيب المطلب فإن يسر رضاه فأمر كمل وراحل احتمل وحادٍ أشجى الناقة والجمل وإن كان خلاف ذلك فالزمان جم العلائق والتسليم

стр. 3205

بمقامي لائق: ما بين غمضة عين وانتباهتها ... يصرف الأمر من حال إلى حال وأما تفضيله هذا الوطن ليمن طيره وعموم خيره وبركة جهاده وعمران رباه ووهاده بأشلاء عباده وزهاده حتى لايفضله إلا أحد الحرمين فحقٌ برئ من المين لكنني للحرمين جنحت وفي جوالشوق إليهما سنحت فقد أفضت إلى طريق قصدي محجته ونصرتني والمنة لله تعالى حجته وقصد سيدي أسنى قصد توخاه الحمد والشكر ومعروف عرف به النكر والآمال من فضل الله بعد تمتار والله تعالى يخلق ما يشاء ويختار ودعاؤه بظهر الغيب مدد وعدة وعدد وبره حالي الظعن والإقامة معتمل معتمد ومجال المعرفة بفضله لا يحصره أمد والسلام؛ انتهى. ومن خط ابن الصباغ ما صورته يكفي ابن خاتمة الغاية التي سلمها له إمام الطريقة وواحدها الفذ على الحقيقة حيث قال: إنما الفضل ملةٌ ... ختمت بابن خاتمه ومن نظمه وقد تخلى عن الكتابة وطلب منه أن يعود فأبى وأنشد: تقضى في الكتابة لي زمانٌ ... كشأن العبد ينتظر الكتابه فمن الله من عتقي بما لا ... يطيق الشكر أن يملا كتابه وقالوا هل تعود فقلت كلا ... وهل حر يعود إلى الكتابه فانظر حسن هذه التورية العجيبة؛ انتهى. [رسالة ابن خاتمة إلى ابن جزي] ولابن خاتمة يخاطب ابن جزي: يا أخي الذي سما وده أن يجازى

стр. 3206

وسيدي الذي علا مجده عن أن يوازى وصل الله تعالى لك أسباب الاعتلاء والاعتزاز وكافأ ما لك من الاختصاص بالفضائل والامتياز أما إنه لووسع التخلف عن جواب أخ أعز ولم يجب التكلف عمن قد عجز لغطيت عجزي عن عين تعجيزك ولما تعاطيت المثول بين يدي مناهزك أومجيزك لكنه في حكم الود المكنون المكنوز مما لايحل ولا يجوز فلكم الفضل في الإغضاء عن عاجز دعاه حكم التكلف الى القيام مقام مناجز وإن لم يكن ذلك عند الإنصاف وحميد الأوصاف من السائغ الجائز فعن جهد ما بلغ وليك إلى هذه الأحواز ولم يحصل الحقيقة إلا على المجاز أما ما ذهبتم إليه من تخميس القصيدة التي أعجزت وبلغت من البلاغة الغاية التي عزت مناهضتها وأعوزت فلم أكن لأستهدف ثانية لمضاضة الإعجاز وأسجل على نفسي بالإفلاس والإعواز؛ انتهى. وكتب قبلها قصيدة زائية أجابه بها عن قصيدة زائية التزم فيها ابن جزي ترك الراء لأنه كان ألثغ يبدلها غيناً رحم الله تعالى الجميع. وقال لسان الدين فبترجمة ابن خاتمة المذكور (١) : " إنه الصدر المتفنن المشارك القوي الإدراك السديد النظر الثاقب الذهن الكثير الاجتهاد الموفور الأدوات المعين الطبع الجيد القريحة الذي هوحسنة من حسنات الأندلس أحمد بن علي خاتمة من أهل المرية. [٧ - رسالة من ابن خاتمة إلى لسان الدين] إلى أن قال: ومما خاطبني به بعد إلمام الركب السلطاني ببلده وأنا صحبته، ولقائه إياي بما يلقى به مثله من تأنيس وبر، وتودد وتردد: يا من حصلت على الكمال بما رأت ... عيناي منه من الجمال الرائع

стр. 3207

قمر يروق وفي عطافي برده ... ما شئت من كرم ومجد بارع أشكو إليك من الزمان تحاملاً ... في فض شمل لي بقربك جامع هجم البعاد عليه ضناً باللقا ... حتى تقلص مثل برق لامع فلو أنني ذومذهب لشفاعة ... ناديته يا مالكي يا شافعي " شكواي إلى سيدي ومعظمي أقر الله تعالى بسنائه أعين المجد، وأدر بثنائه ألسن الحمد شكوى ظمآن صد عن القراح العذب لأول وروده، والهيمان رد عن استرواح القرب لمعضل صدوده، من زمان هجم علي بإبعاده، على حين إسعاده، ودهمني بفراقه، غب إنارة أفقي به وإشراقه، ثم لم يكفه ما اجترم في ترويع خياله الزاهر، حتى حرم عن تشييع كماله الباهر فقطع عن توفية حقه، ومنع من تأدية مستحقه، لا جرم أنه أنف لشعاع ذكائه، من هذه المطالع النائية (١) عن شريف الإنارة، وبخل بالإمتاع بذكائه، عن هذه المسامع النائية عن لطيف العبارة، فراجع أنظاره، واسترجع معاره، وإلا فعهدي بغروب الشمس إلى الطلوع، وأن البدر يتصرف بين الإقامة والرجوع، فما بال هذا النير الأسعد، غرب ثم لم يطلع من الغد، ما ذاك إلا لعدوى الأيام وعدوانها، وشأنها في تغطية إساءتها وجه إحسانها، وكما قيل: عادت هيف إلى أديانها، أستغفر الله ألا يعد ذلك من المغتفر، في جانب ما أولت من الأثر، التي أزرى العيان فيها بالأثر، وأربى الخبر على الخبر، فقد سرت متشوفات الخواطر، وأقرت مستشرفات النواظر، بما حوت من ذلكم الكمال الباهر، والجمال الناضر، الذي قيد خطا الأبصار، عن التشوف والاستبصار، وأخذ بأزمة القلوب، عن سبيل كل مأمول ومرغوب، وأنى للعين، بالتحول عن كمال الزين أوبالطرف، بالتنقل عن خلال الظرف أوللسمع من مراد، بعد

стр. 3208

ذلكم الإصدار الأدبي والإيراد، أوللقلب من مراد غير تلكم الشيم الرافلة من ملابس الكرم في حلل وأبراد، وهل هوإلا الحسن جمع في نظام، والبدر طالع لتمام، وأنواع الفضل ضمها جنس اتفاق والتئام، فما ترعى العين منه في غير مرعى ًخصيب، ولا تستهدف الأذن بغير سهم في حدق البلاغة مصيب، ولا تستطلع النفس سوى مطلع له في الحسن والإحسان أوفر نصيب، لقد أزرى بناظم حلاه فيما يتعاطاه التقصير، وانفسح مدى علاه بكل باع قصير، وسفه حلم القائل إن الإنسان عالم صغير، شكراً للدهر على يد أسداها بقرب مزاره، وتحفة أهداها بمطلع أنواره، على تغاليه في ادخار نفائسه وبخله بنفائس ادخاره، لا غروأن يضيق عنا نطاق الذكر، ولا يتسع لنا سوار الشكر، فقد عمت هذه الأقطار بما شاءت من تحف بين تحف وكرامة، واجتنت أهلها ثمار الرحلة في ظل الإقامة، وجرى لهم الأمر في ذلك مجرى الكرامة. " ألا وإن مفاتحتي لسيدي ومعظمي حرس الله تعالى مجده، وضاعف سعده مفاتحة من ظفر من الدهر بمطلوبه، وجرى له القدر على وفق مرغوبه، فشرع له إلى أهله باباً، ورفع له من خجله جلباباً، فهويكلف بالاقتحام، ويأنف من الإحجام، غير أن الحصر عن درج قصده يقيده، والبصر يبهرج نقده فيقعده، فهو يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، ويجدد عزماً ثم لا يتحرى، فإن أبطأ خطابي فلواضح الأعذار، ومثلكم من قبل جليات الأقدار، والله سبحانه يصل لكم عوائد الإسعاد والإسعاف، ويحفظ بكم ما للمجد من جوانب وأكناف، إن شاء الله تعالى. وكتب في عاشر ربيع الأول عام ثمانية وأربعين وسبعمائة "؛ انتهى. ومن خاتمة رسالة من إنشاء ابن خاتمة المذكور: فلنصرف عنان البطالة عن الإطالة، ونسلم على السيادة الطاهرة الأصالة، بأطيب تسليم، ختامه مسك ومزاجه من تسنيم.

стр. 3209

ومن نظم ابن خاتمة المذكور (١) : هو الدهر لا يبقي على عائذ به ... فمن شاء عيشاً يصطبر لنوائبه فمن لم يصب في نفسه فمصابه ... بفوت أمانيه وفقد حبائبه ومنه قوله: ملاك الأمر تقوى الله، فاجعل ... تقاه عدة لصلاح أمرك وبادر نحو طاعته بعزم ... فما تدري متى يقضى بعمرك [٨ - رسالة أخرى من ابن خاتمة إلى لسان الدين] وقال لسان الدين: وكتب إلي يعني ابن خاتمة المذكور عقب انصرافه من غرناطة في بعض قدماته عليها ما نصه (٢) : مما قلته بديهة عند الإشراف على جنابكم السعيد ودخوله مع النفر الذين أتحفتهم سيادتكم بالإشراف عليه، والدخول إليه، وتنعيم الأبصار في المحاسن المجموعة لديه، وإن كان يوماً قد غابت شمسه، ولم يتفق أن كمل أنسه، وأنشدته حينئذ بعض من حضر ولعله لم يبلغكم، وإن كان قد بلغكم ففضلكم يحملني في إعادة الحديث: أقول وعين الدمع نصب عيوننا ... ولاح لبستان الوزارة جانب أهذي سماء أم بناء سما به (٣) ... كواكب غضت عن سناها الكواكب تناظرت الأشكال منه تقابلاً ... على السعد وسطى عقده والحبائب وقد جرت الأمواه فيه مجرة ... مذانبها شهب لهن ذوائب وأشرف من علياه بهو تحفه ... شماسي زجاج وشيها متناسب

стр. 3210

يطل على ماء به الآس دائراً (١) ... كما افتر ثغر أوكما اخضر شارب هنالك ما شاء العلا من جلالة ... بها يزدهي بستانها والمراتب ولما أحضر الطعام هنالك دعي شيخنا القاضي أبو البركات فاعتذر أنه صائم قد بيته من الليل، فحضرني أن قلت: دعونا الخطيب أبا البركات ... لأكل طعام الوزير الأجل وقد ضمنا في نداه جنان ... به احتفل الحسن حتى كمل فأعرض عنا لعذر الصيام ... وما كل عذر له مستقل فإن الجنان محل الجزاء ... وليس الجنان محل العمل وعندما فرغت من الطعام أنشدت الأبيات شيخنا أبا البركات، فقال لي: لوأنشدتنيها وأنتم بعد لم تفرغوا منه لأكلت معكم، براً بهذه الأبيات، والحوالة في ذلك على الله تعالى؛ انتهى. ومن نظم ابن خاتمة المذكور في فران: رب فران جلا صفحته ... لهب الفرن جلاء العسجد يضرم النار بأحشاء الورى ... مثلما يضرم في المستوقد فكأن الوجه منه خبزة ... فوقها الشعر كقدر أسود [أحمد بن صفوان] وقال لسان الدين رحمه الله تعالى (٢) : ولما قدمت مالقة آيباً من السفارة إلى ملك المغرب محفوفا ًبفضل الله تعالى وجميل صنعه، موفى المآرب، مصحباً

стр. 3211

بالإعانة، لقيني على عادته مهيناً، يعني أحمد بن صفوان أحد أعلام مالقة وبقية أدبائها وصدور كتابها، وأنشدني معيداً في الود مبدياً، وضمن غرضاً له تعجل قضاءه والحمد لله تعالى: قدمت بما سر النفوس اجتلاؤه ... فهنيت ما عم الجميع هناؤه قدوماً بخير وافر وعناية ... وعز مشيد بالمعالي بناؤه ورفعة قدر لا يداني محلها ... رفيع وإن ضاهى السماك اعتلاؤه بلغت الذي أملته من صلاحهم ... فأدركت مأمولاً عظيماً جزاؤه فيا واحداً أغنت عن الجمع ذاته ... وقام بأعباء الأمور غناؤه تشوقك الملك الذي بك فخره ... وأنت حقيقاً حسنه وبهاؤه فلا زال مزداناً بحليك جوده ... ولا زال موفوراً عليك اصطفاؤه وخصصت من رب العباد بنعمة ... ينيلكها تخصيصه واحتفاؤه وعشت عزيزاً في النفوس محبباً ... يلبي بتبجيل وبر نداؤه وقد جاءني داعي السرور مؤديا ... لحق هناء فرض عين أداؤه ولي بعد هذا مأرب متوقف ... على فضلك الرحب الجناب قضاؤه هززت له عطف البطرني راجياً ... له النجح فاستعصى وخاب رجاؤه ولم يدر أني من علائك منتض ... حساماً كفيلاً بالنجاح انتضاؤه يصمم إن هزته كفي لمعضل ... فيكفي العنا تصميمه ومضاؤه فحقق له دامت سعودك حرمتي ... لديك يرحني مطلة والتواؤه وشارك محباً خالصاً لك حبه ... قديماً كريماً عهده ووفاؤه وصل بجزيل الرعي حبل ذمامه ... يصلك جزيلاً شكره وثناؤه بقيت وصنع الله يدني لك المنى ... ويوليك من مصنوعه ما تشاؤه بحرمة من حقت سيادته على ... بني آدم والخير منه ابتداؤه

стр. 3212

وجمعت (١) ديوان شعره أيام مقامي بمقالة عند توجهي صحبة الركاب السلطاني إلى إصراخ الخضراء عام أربعة وأربعين وسبعمائة، وقدمت صدره خطبة، وسميت الجزء " بالدررالفاخرة واللجج الزاخرة ". [٩ - إجازة ابن صفوان للسان الدين] وطلبت منه أن يجزيني وولدي عبد الله رواية ذلك عنه، فكتب بخطه الرائق بظهر المجموع ما نصه: الحمد لله مستحق الحمد، أجبت سؤال الفقيه الأجل الأفضل السري الماجد الأوحد الأحفل الأديب البارع الطالع في أفق المعرفة والنباهة، والرفعة المكنية والوجاهة، بأبهى المطالع، المصنف الحافظ العلامة الحائز في فني النظم والنثر، وأسلوبي الكتابة والشعر، رتبة الرياسة والإمامة، محلي جيد العصر بتآليفه الباهرة الرواء، ومجلي محاسن بنيه الرائقة على منصة الإشادة والأنباء أبي عبد الله ابن الخطيب، وصل الله تعالى سعادته، وحرس مجادته، وسنى من الخير الأوفر، والصنع الأبهر، مقصده وإرادته، وبلغه في نجله الأسعد، وابنه الراقي بمحتده الفاضل ومنشئه الأطهر محل الفرقد، أفضل ما يؤمل نحلته إياه من المكرمات وإفادته، وأجزت له ولابنه عبد الله المذكور أبقاهما الله تعالى في عزة سنية الخلال، وعافية ممتدة الأفياء وارفة الظلال، رواية جميع ما تقيد في الأوراق المكتتب على ظهر أول ورقة منها من نظمي ونثري، ما توليت إنشاءه، واعتمدت بالارتجال والرواية اختياره وانتقاءه، أيام عمري، وجميع ما لي من تصنيف وتقييد، ومقطوعة وقصيد، وجميع ما أحمله عن أشياخي رضي الله تعالى عنهم من العلوم، وفنون المنثور والمنظوم، بأي وجه تأدى ذلك إلي، وصح حملي له وثبت إسناده لدي، إجازة تامة في ذلك كله عامة، على سنن الإجازات الشرعي، وشرطها

стр. 3213

المأثور عند أهل الحديث المرعي، والله ينفعني وإياهما بالعلم وحمله، وينظمنا جميعاً في سلك حزبه المفلح وأهله، ويفيض علينا من أنوار بركته وفضله؛ قال ذلك وكتبه بخط يده الفانية العبد الفقير إلى الله الغني به أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صفوان، ختم الله تعالى له بخير، حامداً الله تعالى، ومصلياً ومسلماً على نبيه المصطفى الكريم، وعلى آله الطاهرين ذوي المنصب العظيم، وصحابته البررة أولي الأثرة والتقديم، في سادس ربيع الآخر عام أربعة وأربعين وسبعمائة، وحسبنا الله ونعم الوكيل؛ انتهى. [١٠ - من العذري إلى لسان الدين] وكتب الفقيه أبوجعفر ابن عبد الملك العذري من أهل سبتة إلى لسان الدين رحمه الله تعالى في بعض الأغراض: إني بمجدك لم أزل مستيقنا ... أن لا يهدم بالتغير ما بنى إذ أنت أعظم ماجد يعزى له ... صفح وأكرم من عفا عمن جنى وكتب أيضًا: إن كان دهري قد أساء وجارا ... فذمام مجدك لا يضيع جارا فلأنت أعظم ملجأ ينجي إذا ... ما الدهر أنجد موعداً وأغارا [١١ - رسالة من لسان الدين إلى ابن نفيس] وقال لسان الدين رحمه الله تعالى: خاطبت الشيخ الشريف الفاضل أبا عبد الله ابن نفيس صحبة ثمن مسكن اشتريته منه، وكان قد أهداني فرسًا عتيقاً: جزيت يا ابن رسول الله أفضل ما ... جزى الإله شريف البيت يوم جزى

стр. 3214

إن أعجز الشكر مني منة ضعفت ... عن بعض حقك شكر الله ما عجزا سيدي، أبقى الله شرفك تشهد به الطباع، إذا بعدت المعاهد المقدسة والرباع، وتعترف به الأبصار والأسماع، وإن جحدت عارضها الإجماع، بأي لسان أثني أم أي الأفنان أهصر وأجني أم أي المقاصد الكريمة أعني أمطيت جوادك المبارك، وأسكنت دارك، وأوسعت مطلبي اصطبارك، وهضمت حقك وبوأت جوارك، ووصلت للغرباء إيثارك، أشهد أنك الكريم ابن الكريم، لا أقف في تعدادها عند حد (١) إلى خير جد، فإن أعان الدهر على مجازاة، وإن ترفع كرمك عن موازاة، فحاجة نفس قضيت، وأحكام آمال أمضيت، وإن اتصل العجز فعين على القذى أغضيت، ومناصل عزم ما انتضيت، وعلى كل حال فالثناء ذائع والحمد شائع، واللسان والحمد لله طائع، والله مشتر ما أنت بائع (٢) ، وقد وجهت لمن يحاول لسيدي ثمن ما اكتسبه مجده، وسفر عنه حمده، والعقيدة بعد التراضي، وكمال التقاضي، وحميد الصبر وسعة التغاضي، وكونه الخصم والقاضي، أنه هبة سوغها إنعامه، وأكلة هناها مطعامه، نسأل الله تعالى أن يعلي ذكره، ويتولى شكره، وينمي ماله، ويرفع قدره، والولد جاره الغريب الذي برز إلى مقارعة الأيام عن خبرة قاصرة، وتجربة غير منجدة على الدهر وناصرة، قد جعلته وديعة في كرم جواره، ووضعته في حجر إيثاره، فإن زاغ فيده العليا في تبصيره، ومؤاخذته بتقصيره، ومن نبه مثله نام، ومن استنام إليه بمهمة أكرم بمن إليه استنام، وإن تشوف (٣) سيدي لحال محبه فمطلق للدنيا من عقال، ورافض أثقال، ومؤمل اعتياض بخدمة الله تعالى وانتقال "، انتهى.

стр. 3215

[١٢ - من لسان الدين إلى ابن رضوان] وقال رحمه الله تعالى: مما خاطبت به صدر الفضلاء الفقيه المعظم أبا القاسم ابن رضوان بما يظهر داعيته من فحواه: مرضت فأيامي لديك مريضة ... وبرؤك مقرون ببرء اعتلالها فلا راع تلك الذات للضر رائع ... ولا وسمت بالسقم غر خلالها " وردت علي من فئتي التي إليها في معرك الدهر أتحيز، وبفضل فضلها في الأقدار المشتركة أتميز، سحاءة سرت وساءت، وبلغت من القصدين ما شاءت، أطلع بها سيدي صنيعة وده من شكواه على كل عابث في السويداء، موجب اقتحام البيداء، مضرم نار الشفقة في فؤاد لم يبق من صبره إلا القليل، ولا من إفصاح لسانه إلا الأنين والأليل، ونوى مدت الغير ضرورة يرضاها الخليل، فلا تسأل عن ضنين تطرقت اليد إلى رأس ماله، أوعابد نوزع متقبل أعماله، أوآمل ضويق في فذلكة آماله، لكنني رجحت دليل المفهوم على دليل المنطوق، وعارضت القواعد الموحشة بالفروق، ورأيت الخط يبهر والحمد لله تعالى ويروق، واللفظ الحسن تومض في حبره للمعنى الأصيل بروق، فقلت: ارتفع الوصب، ورد من صحة المغتصب، وآلة الحس والحركة هي العصب، وإذا أشرق سراج الإدراك دل على سلامة سليطه، والروح خليط البدن والمرء بخليطه، وعلى ذلك فلا يقنع بليد احتياطي إلا الشرح، ففيه يسكن الظمأ البرح، وعذراً عن التكليف فهومحل الاستقصاء والاستفسار، والإطناب والإكثار، وزند القلق في مثلها أورى، والشفيق بسوء الظن مغرى، وسيدي هوالعمدة التي سلمت لي الأيام فيها، وقالت: حسب آمالك ويكفيها، فكيف لا أشفق، ومن أنفق من عينه فأنا من عيني لا أنفق، والله لا يحبط سعيي في سؤال عصمتها ولا يخفق، ويرشد إلى شكره على ما وهب منها ويوفق، والسلام الكريم على سيدي البر الوصول

стр. 3216

الذي زكت منه الفروع لما طابت الأصول، وخلص من وده لابن الخطيب المحصول، ورحمة الله تعالى وبركاته ". [١٣ - جواب ابن رضوان] قال: فراجعني حفظ الله سيادته بما نصه: متى شئت ألفي من علائك كل ما ... ينيل من الآمال خير منالها كبرء اعتلال من دعائك زارني ... وعادات بر لم ترم عن وصالها " أبقى الله ذلك الجلال الأعلى متطولاً بتأكيد البر، متفضلاً بموجبات الحمد والشكر، وردتني سحاءته المشتملة على معهود تشريفه، وفضله الغني عن تعريفه، متحفياً في السؤال، عن شرح الحال، ومعلناً بما تحلى به من كرم الخلال، والشرف العال، والمعظم على ما يسر ذلك الجلال الوزاري الرياسي أجراه الله تعالى على أفضل ما عوده، كما أعلى في كل مكرمة يده، ذلك ببركة دعائه الصالح، وحبه المخيم بين الجوانح، والله سبحانه المحمود على نعمه، ومواهب لطفه وكرمه، وهوسبحانه المسؤول أن يهيىء لسيدي قرار الخاطر، على ما يسره في الباطن والظاهر، بمن الله تعالى وفضله، والسلام الكريم على جلاله الأعلى ورحمة الله وبركاته، كتبه المعظم الشاكر الداعي الذاكر المحب ابن رضوان، وفقه الله تعالى، في ذي الحجة ختام عام واحد وستين وسبعمائة؛ انتهى. [١٤ - من لسان الدين إلى الجنان] وقال رحمه الله تعالى: وفاتحته - يعني الشيخ الجنان - محركاً قريحته ومستثيراً ما عنده، بقولي:

стр. 3217

إن كانت الآداب أضحت جنة ... فلقد غدا جنانها الجنان أقلامه القضب اللدان بدوحها ... والزهر ما رقمته منه بنان وذكر بعد البيتين سجعاً بليغاً. [١٥ - جواب الجنان] ثم قال: فراجعني الجنان بما نصه: يا خاطب الآداب مهلاً فقد ... ردك عن خطبتها ابن الخطيب هل غيره في الأرض كفء لها ... وشرطها الكفاة قول مصيب أصبح للشرط بها معرساً ... فاستفت في الفسخ فهل من مجيب أيها السيد الذي يتنافس في لقائه ويتغالى، ويصادم بولائه صرف الزمان ويتعالى، وتستنتج نتائج الشرف بمقدمات عرفانه، وتقتنص شوارد العلوم بروايات كلامه فكيف بمداناة عيانه، جلوت علي من بنات فكرك عقائل نواهد، وأقمت بها على معارفك الجمة دلائل وشواهد، واقتنصت بشرك بديهتك من المعاني أوابد شوارد، وفجرت من بلاغتك وبراعتك حياضاً عذبة الموارد، ثم كلفتني من إجراء ظالعي (١) في ميدان ضليعها، مقابلة الشمس المنيرة بسراج عند طلوعها، فأخلدت (٢) إخلاد مهيض الجناح، وفررت فرار الأعزل عن شاكي السلاح، وعلمت أني إن أخذت نفسي بالمقابلة، وأدليت دلوقريحتي للمساجلة كنت كمن كاف الأيام مراجعة أمسها، أو طلب ممن علته السماء محاولة لمسها وإن رضيت من القريحة بسجيتها، وأظهرت القدر الذي كنت امتحت من ركيتها، أصبحت مسخرة للراوين والسامعين، ونبت عن أسمى دواوينهم

стр. 3218

كما تنبوعن الأشيب عيون العين، ثم إن أمرك يا سيدي لا يحل وثيق مبرمه، ولا يحل نسخ محكمه، فامتثلته امتثال من لم يجد في نفسه حرجاً من قضائك، ورجوت حسن تجاوزك وإغضائك، أبقاك الله تعالى قطباً لفلك المكارم والمآثر، وفصاً لخاتم المحامد والمفاخر، والسلام "؛ انتهى. [ترجمة ابن الجنان] والجنان المذكور (١) مغربي من مكناسة الزيتون، وهوالشيخ الفقيه العدل الأديب الأخباري المشارك، أبوجعفر أحمد بن محمد بن إبراهيم الأوسي، الجنان، من أهل الظرف والانطباع والفضيلة، كاتب عاقل ناظم ناثر مشارك في فنون العلم، له تصنيف حسن في ثلاث مجلدات سماه " المنهل المورود في شرح المقصد المحمود " شرح فيه وثائق أبي القاسم الجزيري المالكي، فأربى على غيره بياناً وإفادة، قال في " نفاضة الجراب ": وناولني إياه، وأذن لي في حملي عنه، وأنشدني كثيراً من شعره، فمن ذلك ما صدر به رسالة يهنىء بها ناقهاً من مرض (٢) : البس الصحة برداً قشيباً ... وارشف النعمة ثغراً شنيبا واقطف الآمال زهراً نضيراً ... واعطف الإقبال غصناً رطيبا إن يكن ساءك وعك تقضى ... تجد الأجر عظيماً رحيبا فانتعش في دهرنا ذا سرور ... يصبح الحاسد منه كئيبا [مقطعات وقصائد تكتب على المباني] وقال أيضاً لسان الدين في النفاضة: قرأت بالدور الخشبي في الدار التي

стр. 3219

نزلت بها بمكناسة الزيتون أبياتاً منقشة استحسنتها لسهولتها فأخبرني أنها من نظمه، وهي: انظر إلى منزل متى نظرت ... عيناك يعجبك كل ما فيه ينبىء عن رفعة لمالكه ... وعن ذكاء الحجى لبانيه يناسب الوشي في أسافله ... ما يرقم النقش في أعاليه كأنه روضة مدبجة ... جاد لها وابل بما فيه فأظهرت للعيون زخرفها ... ووافقتها على تجليه فهوعلى بهجة تلوح به ... ورونق للجمال يبديه يشهد للساكنين أن لهم ... من جنة الخلد ما يحاكيه قلت: قد تذكرت هنا، والشيء بالشيء يذكر، ما رأيته مكتوباً على دائرة مجرى الماء بمدرسة تلمسان التي بناها أمير المسلمين ابن تاشفين الزياني، وهي من بدائع الدنيا، وهو: انظر بعينك بهجتي وسنائي ... وبديع إتقاني، وحسن بنائي وبديع شكلي، واعتبر فيما ترى ... من نشأتي بل من تدفق مائي جسم لطيف ذائب سيلانه ... صاف كذوب الفضة البيضاء قد حف بي أزهار وشي نمقت ... فغدت كمثل الروض غب سماء وما أنشده بعض أهل العصر في المغرب بقصد أن يرسم في الأستار المذهبة المحكمة الصنعة التي جعلها السلطان المنصور أبوالعباس الشريف الحسني رحمه الله تعالى لكي يستر بها النواحي الأربع من القبة الكبيرة بالبديع، وتسمى هذه الستور عند أهل المغرب بالحائطي، ففي الجهة الأولى: متع جفونك من بديع لباسي ... وأدر على حسني حميا الكاس

стр. 3220

هذي الربى والروض من جرعائها ... مما اغتذى (١) بالعارض البجاس أنى لروض أن يروق بهاؤه ... مثلي وأن يجري على مقياس فالروض تغشاه السوام، وإنما ... تأوي إلى كنفي ظباء كناس وعلى الجهة الثانية: من كل حسنا كالقضيب إذا انثنى ... تزري بغصن البانة المياس ولقد نشرت على السماك ذوائبي ... ونظرت من شزر إلى الكناس وجررت ذيلي بالمجرة عابثاً ... فخراً بمخترعي أبي العباس ما نيط مثلي في القبا ولا ازدهت ... بفتى سواه مراتب وكراسي وعلى الجهة الثالثة: ملك تقاصرت الملوك لعزه ... ورماهم بالذل والإتعاس غيث المواهب بحر كل فضيلة ... ليث الحروب مسعر الأوطاس فرد المحاسن والمفاخر كلها ... قطب الجمال أخوالندى والباس ملك إذا وافى البلاد تأرجت ... منه الوهاد بعاطر الأنفاس وعلى الجهة الرابعة: وإذا تطلع بدره من هالة ... يعشي سناه نواظر الجلاس أيامه غرر تجلت كلها ... أبهى من الأعياد والأعراس لا زال للمجد السني يشيده ... ويقيم مبناه على الآساس ما مال بالغصن النسيم وحببت ... درر الندى في جيده المياس وما أنشدنيه بعض العصريين من المغاربة لصاحبنا المرحوم الفقيه الكاتب

стр. 3221

المحقق أبي محمد بن أحمد المسفيوي المراكشي (١) أحد مشاهير الكتاب بباب أمير المؤمنين المنصور بالله أبي العباس الشريف الحسني ملك المغرب، صب الله تعالى على الجميع أمطار الرضوان مما كتب في بعض مباني صاحبنا الوزير العلامة الأجل سيدي عبد العزيز الفشتالي رحمه الله تعالى، وهو: أجل المعلى من قداح سروري ... وأدر كؤوس الأنس دون شرور خلعت على عطف البهاء محاسني ... فكست به الآفاق ثوب حبور وتناسق الوشي المفوف حلتي ... نسق الشذور على نحور الحور شأو القصور قصورها عن رتبة ... لي بالسنا الممدود والمقصور (٢) في المبتنى المراكشي وأفقه ... أزرى على الزوراء والخابور أعلى مقامي البارع الأسمى الذي ... قد حاز سبق النظم والمنثور فإذا أقل بنانه أقلامه ... نفثت (٣) عقود السحر بين سطور عبد العزيز أخ الجلالة كاتب ... سر الخليفة أحمد المنصور لا زال في يمن وأمن ما شدت ... ورق ورق بالندى ممطور وبعضه كتبته بالمعنى من حفظي لطول العهد، والغاية في هذا الباب ما أنشدنيه لنفسه الوزير أبو فارس عبد العزيز الفشتالي المذكور، وهي جملة من قصائد كتبت في المباني الملوكية، المنصورية بالحضرة المراكشية، حاطها الله تعالى، فمنها ما كتب خارج القبة الخمسينية أي التي فيها خمسون ذراعاً بالعمل، وذلك قوله رحمه الله تعالى على لسان القبة (٤) :

стр. 3222

سموت فخر البدر دوني وانحطا ... وأصبح قرص الشمس في أذني قرطا وصغت من الإكليل تاجاً لمفرقي ... ونيطت بي الجوزاء في عنقي سمطا ولاحت بأطواقي الثريا كأنها ... نثير جمان قد تتبعته لقطا وعديت عن زهر النجوم لأنني ... جعلت على كيوان رحلي منحطا وأجريت من فيض السماحة والندى ... خليجاً على نهر المجرة قد غطى عقدت عليه الجسر للفخر فارتمت ... إليه وفود البحر تغرف ما أنطى تنضنض ما بين الغروس كأنه ... وقد رقرقت حصباؤه حية رقطا حواليه من دوح الرياض خرائد ... وغيد تجر (١) من خمائلها مرطا إذا أرسلت لدن الفروع وفتحت ... جنى الزهر لاح في ذوائبها وخطا يرنحها مر النسيم إذا سرى ... كما مال نشوان تشرب إسفنطا يشق رياضاً جادها الجود والندى ... سواء لديها الغيث أسكب أم أخطا وسالت بسلسال اللجين حياضه ... بحاراً غدا عرض البسيط لها شطا تطلع منها وسط وسطاه دمية ... هي الشمس لا تخشى كسوفاً ولا غمطا حكت وحباب الماء في جنباتها ... سنا البدر حل من نجوم السما وسطا إذا غازلتها الشمس ألقى شعاعها ... على جسمها الفضي نهراً بها لطا توسمت فيها من صفاء أديمها ... نقوشاً كأن المسك ينقطها نقطا إذا اتسقت بيض القباب قلادة ... فإني لها في الحسن درتها الوسطى تكنفني بيض الدمى فكأنها ... عذارى نضت عنها القلائد والريطا قدود ولكن زانها الحسن عريها ... وأجمل في تنعيمها النحت والخرطا نمت صعداً تيجانها فتكسرت ... قوارير أفلاك السماح بها ضغطا فيا لك شأواً بالسعادة آهلاً (٢) ... بأكنافه رحل العلا والهدى حطا

стр. 3223

وكعبة مجد شادها العز فانبرت ... تطوف بمغناها أماني الورى شوطا ومسرح غزلان الصريم كناسها ... حنايا قباب لا الكثيب ولا السقطا فلكن به ما طاب لا الأثل والخمطا ... ووسدن فيه الوشي لا السدر والأرطى تراه من المسك الفتيت مدبراً ... إذا مازجته السحب عاد بها خلطا وإن باكرته نسمة سحراً سرى (١) ... إلى كل أنف عرف عنبره قسطا أقرت له الزهراء والخلد وانتقت ... أواوين كسرى الفرس تغبطه غبطا جناب رواق المجد فيه مطنب ... على خير من يعزى لخير الورى سبطا إمام يسير الدهر تحت لوائه ... وترسى سفان للعلا حيثما وطا وفتاح أقطار البلاد بفيلق ... يفلق هامات العدا بالظبى خبطا تطلع من خرصانه الشهب فانثنت ... ذوائب أرض الزنج من ضوئها شمطا كتائب نصر إن جرت لملمة ... جرت قبلها الأقدار تسبقها فرطا إذا ما عقدن راية علوية ... جعلن ضمان الفتح في عقدها شرطا فما للسما تلك الأهلة إنما ... سنابكها أبقت مثالاً بها خطا يطاوع أيدي المعلوات عنانها ... فيعتاض من قبض الزمان بها بسطا يد لأمير المؤمنين بكفها ... زمام يقود الفرس والروم والقبطا أدار جداراً للعلا وسرادقاً ... يحوط جهات الأرض من رعيه حوطا وقوله مما كتب ببهوها بمرمر أسود في أبيض (٢) : لله بهو عز منه نظير ... لما زها كالروض وهو نضير رصفت نقوش حلاه رصف قلائد (٣) ... قد نضدتها في النحور الحور فكأنها والتبر سال خلالها ... وشي وفضة تربها كافور

стр. 3224

وكأن أرض قراره ديباجة ... قد زاد حسن طرازها تشجير وإذ تصعد نده نوءاً ففي ... أنماطه به نور به ممطور شأو القصور قصورها عن وصفه ... سيان فيه خورنقٌ وسدير فإذا أجلت اللحظ في جناباته ... يرتد وهو بحسنه محسور وكأن موج البركتين أمامه ... حركات سجفٍ صافحته دبور صفت بصفتها تماثل فضةٍ ... ملك النفوس بحسنها تصوير فتدير من صفوالزلال معتقاً ... يسري إلى الأرواح منه سرور ما بين آساد يهيج زئيرها ... وأساودٍ يسلي لهن صفير ودحت من الأنهار أرض زجاجةٍ ... وأظلها فلكٌ يضيء منير راقت فمن حصبائها وفواقعٍ ... تطفو (١) عليها اللؤلؤ المنثور يا حسنه من مصنعٍ فبهاؤه ... باهى نجوم الأفق وهي تنور وكأنما زهر الرياض بجنبه ... حيث التفت كواكبٌ وبدور ولدسته الأسمى تخير رصفه ... فخر الورى وإمامها المنصور ملكٌ أناف على الفراقد رتبةً ... وأقله فوق السماك سرير قطب الخلافة تاج مفرق دولة ... رميت بجحفلها اللهام الكور وجرى إلى أقصى العراق لرعيها (٢) ... جيشٌ على جسر الفرات عبور نجل النبي ابن الوصي سليل من ... حقن الدماء وعف وهو قدير بحر الندى لكنه متموجٌ ... سيف العلا لكنه مطرور طودٌ يخف لحلمه ووقاره ... ولجيشه يوم النزال ثبير دامت معاليه ودام مجده ... طوقٌ على جيد العلا مزرور وتعاهدته عن الفتوح بشائرٌ ... يغدو عليه بها المسا وبكور

стр. 3225

ما دام منزل سعده يرقى به (١) ... نصرٌ يرف لواؤه المنشور ومشت (٢) به مرحاً جياد مسرةٍ ... وأدار كأس الأنس فيه سمير وقوله مما كتب بداخل القبة المذكورة (٣) : جمال بدائعي سحر العيونا ... ورونق منظري بهر الجفونا وقد حسنت نقوشي واستطارت ... سناً يعشي عيون الناظرينا وأطلع سمكي الأعلى نجوماً ... ثواقب لا تغور الدهر حينا وجوي من دخان الند ألقى ... على أرضي الغياهب والدجونا علوت دوائر الأفلاك سبعاً ... لذاك الدهر ما ألفت سكونا فصغت من الأهلة والحنايا ... أساور الخلاخل والبرينا تكنفني حياضٌ مائحاتٌ ... أمامي والشمال أو اليمينا يقيد حسنها (٤) الطرف انفساحاً ... ويجري (٥) الفلك فيها والسفينا تدافع نهرها نحوي فلما ... تلاقى البحر في جريٍ دفينا ترى شهب السماء بهن غرقى ... فتحسبها بها الدر المصونا وقد نشر (٦) الحباب على سماها ... لآلىء تزدري العقد الثمينا فخرت وحق لي لما اجتباني ... لمجلسه أمير المؤمنينا هو المنصور حائز خصلٍ سبقٍ ... وباني المجد بنياناً مكينا وليث وغى إذا زأر امتعاضاً ... يروع زئيره هنداً وصينا إذا أمت كتائبه الأعادي ... بعثن برعبه جيشاً كمينا
следующие страницы →