← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

حيث الخيام البيض يرفع لعلا ... والمكرمات طرافها المتهدل حيث الحمى للعز دون مجاله (١) ... ظل أفاءته الوشيج الذبل حيث الكرام ينوب عن نار القرى ... عرف الكباء بحيهم والمندل حيث الجياد أملهن بنو الوغى ... مما أطالوا في المغار وأوغلوا حيث الوجوه الغر قنعها الحيا ... والبشر فوق جبينها يتهل حيث الملوك الصيد والنفر الألى ... عز الجوار لديهم والمنزل وأنشد السلطان ابن عبد الله ابن الحجاج لأول قدومه ليلة الميلاد الكريم عام أربعة وستين وسبعمائة هذه القصيدة (٢) : حي المعاهد كانت قبل تحييني ... بواكف الدمع يرويها ويظميني إن الألى نزحت داري ودارهم ... تحملوا القلب في آثارهم دوني وقفت أنشد صبراً ضاع بعدهم ... فيهم وأسأل رسماً لا يناجيني أمثل الربع من شوق وألثمه ... وكيف والفكر يدنيه ويقصيني وينهب الوجد مني كل لؤلؤة ... ما زال جفني عليها غير مأمون شقت جفوني مغاني الربع بعدهم ... فالدمع وقف على أطلاله الجون قد كان للقلب عن داعي الهوى شغل ... لو أن قلبي إلى السلوان يدعوني أحبابنا هل لعهد الوصل مدكر ... منكم وهل نسمة منكم تحييني ما لي وللطيف لا يعتاد زائره ... وللنسيم عليلاً لا يداويني يا أهل نجد وما نجد وساكنها ... حسناً سوى جنة الفردوس والعين أعندكم أنني ما مر ذكركم ... إلا انثنيت كأن الراح تثنيني أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكم ... شوقاً، ولولاكم ما كان يصبيني

стр. 3362

يا نازحاً والمنى تدنيه من خلدي ... حتى لأحسبه قرباً يناجيني أسلي هواك فؤادي عن سواك وما ... سواك يوماً بحال عنك يسليني ترى الليالي أنستك ادكاري يا ... من لم يكن ذكره الأيام تنسيني ومنها: أبعد مر الثلاثين التي ذهبت ... أولى الشباب بإحساني وتحسيني أضعت فيها نفيساً ما وردت به ... إلا سراب غرور لا يرويني واحسرتي من أمان كلها خدع ... تريش غيي ومر الدهر يبريني ومنها في وصف المشور (١) المبني لهذا العهد: يا مصنعاً شيدت منه السعود حمى ... لا يطرق الدهر مبناه بتوهين صرح يحار لديه الطرف مفتتناً ... فيما يروقك من شكل وتكوين بعداً لإيوان كسرى إن مشورك ال ... سامي لأعظم من تلك الأواوين ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا ... " أشهى إلى القلب من أبواب جيرون " ومنها في التعريض بالوزير الذي كان انصرافه بسببه: من مبلغ عني الصحب الألى جهلوا ... ودي وضاع حماهم إذ أضاعوني أني أويت من العليا إلى حرم ... كادت مغانيه بالبشرى تحييني وأنني ظاعناً لم ألق بعدهم ... دهراً أشاكي ولا خصماً يشاكيني لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذ ... أقلب الطرف بين الخوف والهون سقياً ورعياً لأيامي التي ظفرت ... يداي منها بحظ غير مغبون أرتاد منها ملياً لا يماطلني ... وعداً وأرجو كريماً لا يعنيني

стр. 3363

ومنها: وهاك منها قواف طيها حكم ... مثل الأزاهر في طي الرياحين تلوح إن جليت دراً، وإن تليت ... تثني عليك بأنفاس البساتين عانيت منها بجهدي كل شاردة ... لولا سعودك ما كانت تواتيني يمانع الفكر عنها ما تقسمه ... من كل حزن بطي الصدر مكنون لكن بسعدك ذلت لي شواردها ... فرضت منها بتحبير وتزيين بقيت دهرك في أمن وفي دعة ... ودام ملكك في نصر وتمكين وهوالآن بحالته الموصوفة من الوجاهة والحظوة قد استعمل في السفارة إلى ملك قشتالة فراقه وعرف حقه. مولده بونس في شهر رمضان عام اثنين وثلاثين وسبعمائة؛ انتهى كلام لسان الدين في حق ابن خلدون. [تعليق للمقري والباعوني] قلت: هذا كلام لسان الدين في حق المذكور في مبادئ أمره وأواسطه، فكيف لورأى تاريخه الكبير الذي نقلنا منه في مواضع وسماه ديوان العبر وكتاب المبتدأ والخير في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ورأيته بفاس وعليه خطه في ثماني مجلدات كبار جداً، وقد عرف في آخره بنفسه، وأطال، وذكر أنه لما كان بالأندلس وحظي عند السلطان أبي عبد الله شم من وزيره ابن الخطيب رائحة الانقباض، فقوض الرحال ولم يرض من الإقامة بحال، ولعب بكرته صوالجة الأقدار، حتى حل بالقاهرة المعزينة واتخذها خير دار، وتولى بها قضاء القضاة وحصلت له أمور، رحمه الله تعالى.

стр. 3364

وكان - أعني الولي ابن خلدون - كثير الثناء على لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى. ولقد رأيت بخط العالم الشهير الشيخ إبراهيم الباعوني الشامي فيما يتعلق بابن خلدون ما نص محل الحاجة منه: تقلبت به الأحوال حتى قدم إلى الديار المصرية، وولي بها قضاء قضاة المالكية، في الدولة الشريفة الظاهرية، وصحبته - رحمه الله تعالى - في سنة ٨٠٣ عند قدومه إلى الشام صحبة الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق في فتنة تمرلنك عليه من الله تعالى ما يستحقه، وأكرمه تمرلنك غاية الإكرام، وأعاده إلى الديار المصرية، وكنت أكثر الاجتماع به بالقاهرة المحروسة للمودة الحاصلة بيني وبينه، وكان يكثر من ذكر لسان الدين ابن الخطيب، ويورد من نظمه ونثره ما يشنف به الأسماع، وينعقد على استحسانه الإجماع، وتتقاصر عن إدراكه الأطماع، فرحمة الله تعالى عليهما، وأزكى تحياته تهدى إليهما. ولقد كان ابن خلدون هذا من عجائب الزمان، وله من النظم والنثر ما يزري بعقود الجمان، مع الهمة العلية، والتبحر في العلوم النقلية والعقلية، وكانت وفاته بالقاهرة المعزية٨٠٧، سقى الله تعالى عهده، ووطأ في الفردوس مهده. قاله وكتبه الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن أحمد الباعوني الشافعي، غفر الله تعالى له زلله، وأصلح خلله؛ انتهى. ١٠ - ومن نثر لسان الدين ما ذكره في الإحاطة في ترجمة يحيى بن إبراهيم بن يحيىالبرغواطي من بني الترجمان، ولنذكر الترجمة بجملتها لاشتمالها على ما ذكر وغيره في حق المذكور بعد قوله إنه من بني الترجمان ما صورته: " عزف عنهم وانقطع إلى لقاء الصالحين، وصحبة الفقراء المتجردين، وكان نسيج وحده في طلاقة اللسان، حافظاً لكل غريبة من غرائب الصوفية، يتكلم في مشكلاتهم، حفظ " منازل السائرين " للهروي، وتائية ابن الفارض؛ مليح الملبس، مترفع عن الكدية، حسن الحيدث، صاحب شهرة، ومع ذلك

стр. 3365

فمغضوض منه، محمول عليه، لما جبل عليه من رفض الاصطلاح، واطراح التغافل، مولع بالنقد، والمخالفة في كل ما يطرق سمعه، مرشحاً ذلك بالجدل المبرم، ذاهباً أقصى مذاهب القحة، كثير الفلتات، نالته بسبب هذه البلية محن، ووسم بالرهق في دينه مع صحة العقل، وهوالآن عامر الرباط المنسوب إلى اللجام على رسم الشياخة، عديم التابع، مهجور الفناء، قيد الكثير من الأجزاء منها في نسبة الذنب إلى الذاكر جزء نبيل غريب المأخذ، ومنها فيما أشكل من كتاب أبي محمد ابن الشيخ، وصنف كتاباً كبير الحجم في الاعتقادات جلب فيه كثيراً من الحكايات، رأيت عليه بخط شيخنا أبي عبد الله المقري ما يدل على استحسانه. ومن البرسام الذي يجري على لسانه، بين الجد والقحة والجهالة والمجانة، قوله لبعض خدام باب السلطان وقد ضويق في شيء أضجره منقولاً من خطه - بعد رد كثير منه للإعراب - ما نصه: الله نور السموات من غير نار ولا غيرها، والسلطان ظل له وسراجه في الأرض، ولكل منهما فراش مما يليق به ويتهافت عليه، فهوتعالى محرق فراشه بذاته، مغرقهم بصفاته وسراجه، وظله هوالسلطان محرق فراشه بناره، مغرقهم بزيته ونواله، ففراش الله تعالى ينقسم إلى حافين ومسبحين ومستغفرين وأمناء وشاخصين، وفراش السلطان ينقسمون إلى أقسام لا يشذ أحدهم عنها، وهم وزعة ابن وزغة، وكلب ابن كلب، وكلب مطلقاً، وعار ابن عار، وملعون ابن ملعون، وقط، فأما الوزغة فهوالمغرق في زيت نواله المشغول بذلك عما يليق بصاحب النعمة من النصح وبذل الجهد، والكلب ابن الكلب هوالكيس المتحرز في تهافته من إحراق وإغراق يعطي بعض الحق ويأخذ بعضه، وأما الكلب مطلقاً فهوالمواجه وهوالمشرد للسفهاء عن الباب المعظم القليل النعمة، وأما العار ابن العار فهوالمتعاطي في تهافته ما فوق الطوق، ولهذا امتاز هذا الاسم بالرياسة عند العامة إذا مر بهم جلف أومتعاظم يقولون: هذا العار ابن العار، يحسب نفسه رئيساً، وذلك لقرب المناسبة؛ فهوموضوع لبعض الرياسة، كما ا، الكلب ابن الكلب لبعض الكياسة، وأما الملعون

стр. 3366

ابن الملعون فهوالمغالط المعاند المشارك لربه المنعم عليه في كبريائه وسلطانه، وأما القط فهوالفقير مثلي المستغني عنه لكونه لا تختص به رتبة، فتارة في حجر الملك، وتارة في السنداس (١) ، وتارة في أعلى الرتب، وتارة محسن، وتارة مسيء، تغفر سيئاته الكثيرة بأدنى حسنة، إذ هومن الطواقين، متطير بقتله وإهانته، تياه في بعض الأحايين بعزة يجدها من حرمة أبقاها له الشارع، وكل ذلك لا يخفى. وأما الفراش المحرق فهوعند الدول نوعان: تارة يكون ظاهراً وحصته مسح المصباح وتصفية زيته وإصلاح فتيله وستر دخانه ومسايسة ما يكون من المطلوب منه، ووجود هذا شديد الملازمة ظاهراً، وأما المحرق الباطن فهوالمشار إليه في دولته بالصلاح والزهد والورع فيعظمه الخلق ويترك لما هوبسبيله، فيكون وسيلة بينهم وبين ربهم وخليفته الذي هومصباحهم، فإذا أراد الله تعالى إهلاك المروءة وإطفاء مصباحها تولى ذلك أهل البطالة والجهالة، وكان الأمر كما رأيتم، والكل فراش متهافت، وكل يعمل على شاكلته ". ١١ - قال الوزير لسان الدين: وطلب مني الكتب عليه بمثل ذلك، فكتبت ببعض أوراقه إثارة لضجره، واستدعاء لفكاهة انزعاجه، ما نصه: وقفت ن الكتاب المنسوب لصاحبنا أبي زكريا البرغواطي على برسام محموم، واختلاط مذموم، وانتساب زنج في روم، وكان حقه أن يتهيب طريقاً لم يسلكها، ويتجنب عقيلة لم يملكها، إذ المذكور لم يتلق شيئاً من علم الأصول، ولا نظر في الإعراب في فصل من الفصول، إنما هي قحة وخلاف، وتهاون بالمعارف واستخفاف، وغير أنه يحفظ في طريق القوم كل نادرة، وفيه رجولية ظاهرة، وعنده طلاقة لسان، وكفاية قلما تتأتى لإنسان، فإلى الله تضرع أن يعرفنا مقادير الأشياء، ويجعلنا بمعزل عن الأغبياء، وقد قلت مرتجلاً من أول نظرة، واجتزاء بقليل من كثرة:

стр. 3367

كل جار لغاية مرجوه ... فهوعندي لم يعد حق الفتوه وأراك اقتحمت ليلاً بهيماً ... مولجاً منك ناقة في كوه لا اتباعاً ولا اختراعاً أتتنا ... إذ نظرنا عروسك المجلوه كل ما قلته فقد قاله النا ... س مقالاً آياته متلوه لم تزد غير أن أبحت حمى الإع ... راب في كل لفظة مقروه نسأل الله فكرة تلزم العق ... ل إلى حشمة تحوط المروه وعزيز علي أن كنت يحيى ... ثم لم تأخذ الكتاب بقوه ١٢ - ومن بديع نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما كتبه لسلطان تلمسان إثر قصيدة سينية حازت قصب السبق، ولنثبت الكل ها فنقول: قال الإمام الحافظ عبد الله التنسي نزيل تلمسان رحمه الله تعالى، عندما جرى ذكر أمير المسلمين السلطان أبي حموموسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يغمراسن بن زيان رحمه الله تعالى، ما صورته: وكان الفقيه ذوالوزارتين أبوعبد الله ابن الخطيب كثيراً ما يوجه إليه بالامداح، ومن أحسن ما وجه له قصيدة سينية فائقة، وذلك عندما أحس بتغير سلطانه عليه، فجعلها مقدمة بين يدي نجواه، لتمهد له مثواه، وتحصل له المستقر، إذا ألجأه الأمر إلى المفر، فلم تساعده الأيام، كمما هوشأنها في أكثر الأعلام، وهي هذه (١) : أطلعن في سدف الفروع شموساً ... ضحك الظلام لها وكان عبوسا وعطفن قضباً للقدود نواعماً ... بوئن أدواح النعيم غروسا وعدين عن جهر السلام مخافة ال ... واشي فجئن بلفظه مهموسا وسفرن من دهش الوداع وقوم ... هن إلى الترحل قد أناخوا العيسا وخلسن من خلل الحجال إشارة ... فتركن كل حجالها مخلوسا لم أنسها من وحشة والحي قد ... زجر الحمول وآثر التغليسا

стр. 3368

لا الملتقى من بعدها كشب ولا ... عوج الركائب تسأم التخييسا (١) فوقفت وقفة هائم برحاؤه ... وقفت عليه وحبست تحبيسا ودعوت عيني عاتباً وعيونها ... بعصا النوى قد بجست تبجيسا نافست يا عيني در دموعهم ... فعرضت دراً للدموع نفيسا ما للحمى بعد الأحبة موحشاً ... ولكم تراءى آهلاً مأنوسا ولسربه حول الخميلة نافراً ... عمن يحس به وكان أنيسا ولظله المورود غمر قلبيه ... لا يقتضي ورداً ولا تعريسا حييته فأجابني رجع الصدى ... لا فرق بينهما إذا ما قيسا ما إن يزيد على الإعادة صوته ... حرفاً فيشفي بالمزيد نسيسا (٢) نضب المعين وقلص الظل الذي ... ظلنا عكوفاً عنده وجلوسا نتواعد الرجعى ونغتنم اللقا ... وندير من شكوى الغرام كؤوسا فإذا سألت فلا تسائل مخبراً ... وإذا سمعت فلا تحس حسيسا عهدي به والدهر يتحف بالمنى ... وقد اقتضت نعماه أن لا بوسا والعيش غض الريع والدنيا قد اج ... تليت بمغناه علي عروسا أترى يعيد الدهر عهداً للصبا ... درست مغاني الأنس فيه دروسا أوطان أوطار تعوض أفقها ... من رونق البشر البهي عبوسا هيهات لا تغني لعل ولا عسى ... في مثلها إلا لآية عيسى والدهر في دست القضاء مدرس ... فإذا قضى يستأنف التدريسا تفتن في جمل الورى أبحاثه ... لا سيما في باب نعم وبيسا وسجية الإنسان ليس بناصل ... من صبغها حتى يرى مرموسا يغتر مهما ساعدت آماله ... فإذا عراه الخطب كان يؤوسا

стр. 3369

فلو أن نفساً مكنت من رشدها ... يوماً وقدسها الهدى تقديسا لم تستفز رسوخها النعمى ولا ... هلعت إذا كشرت (١) إليها البوسى قل للزمان إليك عن متذمم ... بضمان عز لم يكن ليخيسا (٢) فإذا استحر جلاده فأنا الذي اس ... تغشيت من سرد اليقين لبوسا وإذا طغى فرعونه فأنا الذي ... من ضره وأذاه عذت بموسى أنا ذا مثواه (٣) من يحمي الحمى ... ليثاً ويعلم بالزئير الخيسا بحمى أبي حمو حططت ركائبي ... لما اختبرت الليث والعريسا أسد الهياج إذا خطا قدماً سطا ... فتخلف الأسد الهزبر فريسا بدر الهدى يأبى الضلال ضياؤه ... أبداً فيجلو الظلمة الحنديسا جبل الوقار رسا وأشرف واعتلى ... وسما فطأطأت الجبال رؤوسا غيث النوال إذا الغمام حلوبة ... مثلت بأيدي الحالبين بسوسا (٤) تلقاه يوم الأنس روضاً ناعماً ... وتراه بأساً في الهياج بئيسا كم غمرة جلى وكم خطب كفى ... إن أوطأ الجرد العتاق وطيسا كم حكمة أبدى وكم قصد هدى ... للسالكين أبان منه دريسا أعلى بني زيان والفذ الذي ... لبس الكمال فزين الملبوسا جمع الندى والبأس والشيم العلا ... والسؤود المتواتر القدموسا والحلم ليس يباين الخلق الرضى ... والعلم ليس يعارض الناموسا والسعد يغني حكمه عن نصبة ... تستخبر التربيع والتسديسا كم راض صعباً لا يراض معاصياً ... كم خاض بحراً لا يخاض ضروسا

стр. 3370

بلغ الذي لا فوقها متمهلاً ... وعلا السها واستسفل البرجيسا (١) يا خير من خفقت عليه سحابة ... لنصر تمطره أجش بجيسا (٢) وأجل من حملته صهوة سابح ... إن كر ضعضع كره الكردوسا قسماً بمن رفع السماء بغير ما ... عمد ورفع فوقها إدريسا ودحا البسيطة فوق لج مزبد ... ما إن يزال على القرار حبيسا حتى يهيب بأهله الوعد الذي ... حشر الرئيس إليه والمرؤوسا ما أنت إلا ذخر دهرك دمت في ال ... صون الحريز ممتعاً محروسا لوساومته الأرض فيك بما حوت ... لرآك مستاماً بها مبخوسا حلف (٣) البرور بها ألية صادق ... ويمين من عقد اليمين غموسا من قاس ذاتك بالذوات فإنه ... جهل الوزان واخطأ التقييسا لا تستوي الأعيان فضل مزية ... وطبيعة فطر الإله وسوسا (٤) لعناية التخصيص سر غامض ... من قبل ذرء الخلق خص نفوسا من أنكر الفضل الذي أوتيته ... جحد العيان وأنكر المحسوسا من دان بالإخلاص فيك فعقده ... لا يقبل التمويه والتلبيسا والمنتمى العلوي عيصك لم تكن ... لترى دخيلاً في بنيه دسيسا بيت البتول ومنبت الشرف الذي ... تحمي الملائك دوحه المغروسا أما سياستك التي أحكمتها ... ورميت بالتقصير أسطاليسا فلو أن كسرى الفرس أبصر بعضها ... ما كان يطمع أن يعدي سوسا (٥) لوسار عدلك في السنين لما اشتكت ... بخساً، ولم يك بعضهن كبيسا

стр. 3371

ولوالجواري الخنس انتسبت إلى ... أقدام عزمك ما خنسن خنوسا (١) قدت الصعاب فكل صعب سامح ... لك بالقياد وكان قبل شموسا تلقى الليوث ولقتام غمامة ... قدح الصفيح وميضها المقبوسا وكأنها تحت الدروع أراقم ... ينظرن من خلل المغافر شوسا ما لابن مامة في القديم وحاتم ... ضرب الزمان بجودهم ناقوسا من جاء منهم مثل جودك كلما ... حسبوا المكارم كسوة أو كيسا أنت الذي افتك السفين وأهله ... إذ أوسعت سبل الخلاص طموسا أنت الذي أمددت ثغر الله بالص ... دمات تبلس كرة إبليسا وأعنت أندلساً بكل سبيكة ... موسومة لا تعرف التدليسا وشحينة البر في سبل الرضى ... والبر قارب قاعها القاموسا إن لم تجر بها الخميس فطالما ... جهزت فيها للنوال خميسا وملأت أيديها وقد كادت على ... حكم القضاء تشافه التفليسا صدقت للآمال صنعة جابر ... وكفيتها التشميع والتشميسا (٢) والحل والتقطير والتصعيد وال ... تخمير والتصويل والتكليسا (٣) فسبكت من آمالها مالاً، ومن ... أوراقها ورقاً، وكن طروسا بهتوا فلما استخبروا لم ينكروا ... وزناً ولا لوناً ولا ملموسا وتدير من قبل السطور سبائكاً ... منها ومن طبع الحروف فلوسا ونحوت نحوالفضل تعضد منه بال ... مسموع ما ألفيت منه مقيسا وجبرت بعد الكسر قومك جاهداً ... تغني العديم وتطلق المحبوسا

стр. 3372

ونشرت راية عزهم من بعد ما ... دال الزمان فسامها تنكيسا أحكمت حيلة برئهم بلطافة ... قد اعجزت في الطب جالينوسا وفللت من حد الزمان وإنه ... أوحى وأمضى من غرار الموسى وشحذت حداً كان قبل مثلماً ... ونعشت جداً كان قبل تعيسا لم ترج إلا الله ﷻ ... في شدة تكفي وجرح يوسى قدمت صبحاً فاستضأت بنوره ... ووجدت عند الشدة التنفيسا ما أنت إلا فالح متيقن ... بالنجح تعمر ممرعاً ويبيسا ومتاجر جعل الأريكة صهوة ... عربية والمتكا القربوسا ما إن تبايع أو تشاري واثقاً ... بالربح إلا المالك القدوسا والعزم يفترع النجوم بناؤه ... مهما أقام على التقى تأسيسا ومقام صبرك واتكالك مذكر ... بحديثه الشبلي أو طاووسا ومن ارتضاه الله وفق سعيه ... فرأى العظيم من الحظوظ (١) خسيسا ما ازددت بالتمحيص إلا جدة ... ونضوت من خلع الزمان لبيسا ولطالما طرق الخسوف أهلة ... ولطالما اعترض الكسوف شموسا ثم انجلت قسماتها عن مشرق ... للسعد ليس بحاذر تتعيسا خذها إليك على النوى سينية ... ترضى الطباق وتشكر التجنيسا إن طوولت (٢) بالدر من حول الطلى ... يوماً تشكت حظها الموكوسا لولاك ما أصغت لخطبة خاطب ... ولعنست في بيتها تعنيسا قصدت سليمان الزمان وقاربت ... في الخطو تحسب نفسها بلقيسا لي فيك ود لم أكن من بعد ما ... أعطيت صفقة عهده لأخيسا كم لي بصحة عقده من شاهد ... لا يحذر التجريح والتدليسا

стр. 3373

يقفوالشهادة باليمين، وإنه ... لمؤمن من أن يعد فسيسا (١) لا يستقر قرار أفكاري إلى ... أن أستقر لدى علاك جليسا وأرى تجاهك مستقيم السير لل ... قصد الذي أعملته معكوسا هي دين أيامي فإن سمحت به ... لم يبق من شيء عليه يوسى لا زال صنع الله مجنوناً إلى ... مثواك يهدي البشر والتأنيسا متتابعاً كتتابع الأيام لا ... يذر التعاقب جمعة وخميسا فلو أنصفتك إيالة الملك التي ... رضت الزمان لها وكان شريسا قرنت بذكرك والدعاء لك الذي ... تختاره التسبيح والتقديسا القلب أنت لها رئيس حياتها ... لم تعتبر مهما صلحت رئيسا ثم قال الحافظ التنسي رحمه الله تعالى بعد سرد هذه القصيدة ما معناه: إن لسان الدين ابن الخطيب حذا في هذه القصيدة السينية حذوأبي تمام في قصيدته التي أولها (٢) : أفشيت ربعهم أراك دريسا ... تقري ضيوفك لوعة ورسيسا واحتلس كثيراً نم ألفاظها ومعانيها؛ انتهى. ووصل لسان الدين هذه القصيدة بنثر بديع نصه: " هذه القصيدة - أبقى الله تعالى المثابة المولوية الموسوية ممتعة بالشمل المجموع، والثناء المسموع، والملك المنصور الجموع - نفثة من باح بسر هواه (٣) ، ولبى دعوة الشوق بلبه وقد ظفر بمن يهدي خبر جواه، إلى محل هواه، ويختلس بعث تحيته، إلى مثير أريحيته، وهي بالنسبة إلى ما يعتقد

стр. 3374

من ذلك الكمال، الشاذ عن الآمال، عنوان من كتاب، وذوارق من أوقار ذات أقتاب، وإلا فمن يقوم بحق المثابة لسانه، أويكافئ إحسانها إحسانه، أويستقل بوصفها يراعه، أوتنهض بأيسر وظيفتها ذراعه ولا مكابرة بعد الاعتراف، والبحر لا ينفد بالاغتراف، لا سيما وذاتكم اليوم، والله تعالى يبقيها، ومن المكاره يقيها، وفي معارج القرب من حضرة القدس يرقيها، ياقوتة اختارها واعتبرها، ثم ابتلاها بالتمحيص واختبرها، وسبيكة أخلصها مسجرها، فخلصها بتسجيره من الشوب، وأبرزها من لباب الذوب (١) ، وقصرت عن هذه الأثمان، وسر بصدق دعواه البهرمان (٢) ، ليفاضل بين الجهام والصيب و " ليميز الله الخبيث من الطيب " الأنفال:٣٧ فأراكم أن لا جدوى للعديد ولا للعدة، وعرفكم بنفسه في حال الشدة، ثم فسح لكم بعد ذلك في المدة، لتعرفوه إذا دال الرخاء، وهبت بعد تلك الزعازع الريح الرخاء، وملأكم من التجارب، وأوردكم من ألطافه أعذب المشارب، ونقلكم بين إمرار الزمان وإحلائه، ولم يسلبكم إلا حقيراً عند أوليائه، وأعادكم المعاد المطهر، وألبسكم من أثواب اختصاصه المعلم المشهر، فأنتم اليوم بعين العناية، بالإفصاح والكتاية، قد وقف الدهر بين يديكم موقف الاعتراف بالجناية، فإن كان الملك اليوم علماً يدرس، وقوانين في قوة الحفظ تغرس، وبضاعة برصد التجارب تحرس، فأنتم مالك دار هجرته المحسوبة، وأصمعي شعوبه المنسوبة، إلى ما حزتم من أشتات الكمال، المربية على الآمال، فالبيت علوي المنتسب، والملك بين الموروث والمكتسب، والجود يعترف به الوجود، والدين يشهد به الركوع والسجود، والبأس تعرفه التهائم والنجود، والخلق يحسده الروض المجود، والشعر يغترف من عذب نمير، ويصدق ما قال: بدئ بأمير وختم بأمير، وإن مملوككم حوم

стр. 3375

من بابكم على العذب البرود، فعاقه الدهر عن الورود، واستقبل أفقه ليحقق الرسد، ولكنه أخطأ القصد، ومن أخطأ الغرض أعاد، ورجا من الزمان الإسعاد، فربما خبئ نصيب، أوكان مع الخواطئ سهم مصيب (١) ، وكان يؤمل صحبة ركاب الحجاز، فانتقلت الحقيقة منه إلى المجاز، وقطعت القواطع التي لم ينلها الحساب، ومنعت الموانع التي خلص منها إلى الفتنة الانتساب، ومن طلب الأيام أن تجري على اقتراحه، وجب العمل على اطراحه، فإنما هي البحر الزاخر، الذي لا يدرك منه الآخر، والرياح متغايرة، والسفينة الحائرة، فتارة يتعذر من المرسى الصرف، وتارة تقطع المسافة البعيدة قبل أن يرتد الطرف، هذا إن سالمها عطبها، وأعفي من الوقود حطبها، ولقد علم الله ﷻ أن لقاء ذلك المقام الكريم عند المملوك تمام المطلوب، ممن يجبر كسر القلوب، فإنه مما انعقد على كماله الإجماع، وصح في عوالي معاليه السماع، وارتفعت في وجود مثاله الأطماع، أخلاقاً هذبها الكرم الوضاح، وسجية كلف بها الكمال الفضاح، وحرصاً على الذكر الجميل وما يتنافس فيه إلا من سمت هممه، وكرمت ذممه، وألفت الخلد رممه، إذ الوجود سراب، وما فوق التراب تراب، ولا يبقى إلا عمل راق، أوذكر بالجميل يسطر في أوراق، حسبما قلت من قصيدة كتبتها على ظهر مكتوب موضوع أشار به من كانت له طاعة، فوفت بمقترحه استطاعة: يمضي الزمان وكل فان ذاهب ... إلا جميل الذكر فهو الباقي لم يبق من إيوان كسرى بعد ذا ... ك الحفل إلا الذكر في الأوراق هل كان للسفاح والمنصور وال ... مهدي من ذكر على الإطلاق أو للرشيد وللأمين وصنوه ... لولا شباة يراعة الوراق رجع التراب إلى التراب بما اقتضت ... في كل خلق حكمة الخلاق

стр. 3376

إلا الثناء الخالد العطر الشذا ... يهدي حديث مكارم الاخلاق والرغبة من مقامكم الرفيع الجناب، أن يمكنها من حسن المناب، فتحظى بحلول ساحته، ثم بلثم راحته، ثم بالإصغاء، ولا مزيد للابتغاء، إلى أن ترتفع الوساطة وتغني عن التركيب البساطة، وينسى الأثر بالعين، ويحسن الدهر قضاء الدين، ونسأل الذي أغرى بها القريحة، ولم يجعل الباعث إلا المحبة الصريحة، أن يبقي تلك المثابة زيناً للزمان، وذخراً مكنوفاً باليمن والأمان، مظللاً برحمة الرحمن، بفضله وكرمه؛ انتهى. ١٣ - ومما كتب به لسان الدين رحمه الله تعالى إلى الشيخ الرئيس الخطيب شيخه أبي عبد الله مرزوق رحمه الله تعالى حين كانت أزمة أمر المغرب بيده أيام السلطان أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني رحم الله تعالى الجميع، ما صورته: سيدي بل ما لكي بل شافعي، ومنتشلي (١) من الهفوة ورافعي، وعاصمي عند تجويد حروف الصنائع ونافعي، الذي بجاهه أجزلت المنازل قراي، وفضلت أولاي والمنة لله تعالى أخراي، وأصبحت وقول الحسن (٢) هجيراي: علقت بحبل من حبال محمد ... أمنت به من طارق الحدثان تغطيت من دهري بظل جناحه ... فعيني أرى دهري وليس يراني فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن نكاني وصلت مكناسة حرسها الله تعالى حداني حدونداك، سحائب لولا الخصال المبرة قلت: يداك (٣) ، وكان الوطن لاغتباطه بجواري، أوما رآه من انتياب زواري،

стр. 3377

أوغر إلى بهت يقطع الطريق، وأطلع يده على التفريق، وأشرق القوافل مع كثرة الماء بالريق، فلم يسع إلا المقام أياماً قعوداً في البر وقياماً، واختياراً لضروب الأنس واعتياماً، ورأيت بلدة معارفها أعلام، وهواؤها برد وسلام، ومحاسنها تعمل فيها ألسنة وأقلام، فحيا الله تعالى سيدي فلكم من فضل أفاد، وأنس أحياه وقد باد، وحفظ منه على الأيام الذخر والعتاد، كما ملكه زمام الكمال فاقتاد، وأنا أتطارح عليه في صلات تفقده، وموالاة يده، بأن يسهمني في فرض مخاطبته مهما خاطب معتبراً بهذه الجهات، ويصحبني من مناصحته بكؤوس مسرة يعمل فيها هاك وهات، فالعز بعزه معقود، والسعد بوجوده موجود، ومنهل السرور بسروره مورود، والله يبقيه بقاء الدهر، ويجعل حبه وظيفة السر وحمده وظيفة الجهر ويحفظ على الأيام من زمنه زمن الزهر، ويصل لنا تحت إيالته العام بالعام والشهر بالشهر، آمين آمين انتهى. ١٤ - ومما خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى صاحب الأشغال بالمغرب أبا عبد الله ابن أبي القاسم بن أبي مدين يهينه بتقلد النممصب من رسالة قوله: تعود الأماني بعد انصراف ... ويعتدل الشيء بعد انحراف فإن كان دهرك يوماً جنى ... فقد جاء ذا خجل واعتراف طلع البشير أبقاك الله تعالى بقبول الخلافة المرينية، والإمامة السنية، خصها الله تعالى ببلوغ الأمنية، على تلك الذات التي طابت أرومتها وزكت، وتأوهت العلياء لتذكر عهدها وبكت، وكاد السرور ينقطع لولا أنها تركت منك الوارث الذي تركت، فلولا العذر الذي تأكدت ضرورته، والمانع الذي ربما تقررت لديكم صورته، لكنت أول مشافه بالهناء، ومصارف لهذا الاعتناء، الوثيق البناء، بنقود الحمد لله والثناء، وهي طويلة. ١٥ - ومما خاطب به رحمه الله تعالى قاضي الجماعة وقد نالته مشقة

стр. 3378

جرها غلط الخدام السوء واشتراك الأسماء، أعتبه عندها السلطان وخلع عليه وأشاد بقدرة بما نصه: تعرفت أمراً ساءني ثم سرني ... وفي صحة الأيام لا بد من مرض تعمدك المحبوب بالذات بعدما ... جرى ضده، والله يكفيه بالعرض في مثلها سيدي يحمد الاختصار، وتقصر الأنصار، وتصرف (١) الأبصار، إذ لم يتعين ظالم، ولم يتبين يقظ ولا حالم، وإنما هي هدية أجر، وحقيقة وصل أعقبت مجاز هجر، وجرح جبار، وأمر ليس به اعتبار، ووقيعة لم يكن فيها إلا غبار، وعثرة القدم لا تنكر، والله سبحانه يحمد في كل حالة ويشكر، وإذا كان اعتقاد الخلافة لم يشبه شائب، وحسن الولاية لم يعبه عائب، والرعي دائب، والجاني تائب، فما هوإلا الدهر الحسود، لمن يسود، خمش بيد ثم سترها، ورمى عن قوس ما أصلحها - والحمد لله - ولا أوترها، إنما باء بشينه، وجنى من مزيد العناية محنة عينه، ولا اعتراض على قدر، أعقب بحظ معتذر، وورد نغص بكدر، ثم أنس بإكرام (٢) صدر، وحسبنا أن نحمد الدفاع من الله تعالى والذب، ولا نقول مع الكظم إلا ما يرضي الرب، وإذا سابق أولياء سيدي في مضمار، وحماية ذمار، واستباق إلى بر وابتدار، بجهد اقتدار، فأنا ولا فخر متناول القصبة، وصاحب الدين من بين العصبة (٣) ، لما بلوت من بر أوجبه الحسب، والفضل الموروث والمكتسب، ونصح وضح منه المذهب، وتنفيق راق منه الرداء المذهب، هذا مجمل وبيانه إلى وقت الحاجة مؤخر، ونبذة شره لتعجيلها يراع مسخر، والله سبحانه يعلم ما أنطوي عليه لسيدي من إيجاب الحق، والسير على أوضح الطرق، والسلام؛ انتهى.

стр. 3379

١٦ - وقال رحمه الله تعالى: خاطبت بعض الفضلاء بقولي مما يظهر من الجملة غرضة: تعرضت قرب الدار ممن احبه ... فكنت أجد السير لولا ضروره لأتلو من آي المحامد سورة ... وأبصر من شخص المحاسن صوره كنت أبقاك الله تعالى لاغتباطي بولائك، وسروري بلقائك، أود أن أطوي إليك هذه المرحلة، وأجدد العهد بلقياك المؤملة، فمنع مانع، وما ندري في الآتي ما الله صانع، وعلى كل حال فشأني قد وضح منه سبيل مسلوك، وعلمه مالك ومملوك، واعتقادي أكثر مما تسعه العبارة، والألفاظ المستعارة، وموصلها ينوب عني في شكر تلك الذات المستكملة شروط الوزارة، المتصفة بالعفاف والطهارة، والسلام. ١٧ - وقال سامحه اله تعالى يخاطب السلطان أبا عبد الله ابن نصر جبره اله تعالى عند وصول ولده من الأندلس: الدهر فسحة من أن يرى ... بالحزن والكمد المضاعف يقطع وإذا قطعت زمانه في كربة ... ضيعت في الأوهام ما لا يرجع فاقنع بما أعطاك ربك واغتنم ... منه السرور وخل ما لا ينفع مولاي الذي له المنن، والخلق الجميل والخلق الحسن، والمجد الذي وضح منه السنن، كتبه عبدك مهنئاً بنعم الله تعالى التي أفاضها عليك، وجلبها إليك، من اجتماع شملك، بنجلك، وقضاء دينك، من قرة عينك، إلى ما تقدم من إفلاتك، وسلامة ذاتك، وتمزق أعدائك، وانفرادك بأودائك، والزمن ساعة في القصر، لا بل كلمح البصر، وكأني بالبساط قد طوي، والتراب على الكل قد سوي، فلا تبقى غبطة ولا حسرة، ولا كربة ولا يسرة، وإذا نظرت

стр. 3380

ما كنت فيه تجدك لا تنال منه إلا أكلة وفراشاً، وكناً ورياشاً، مع توقع الوقائع وارتقاب الفجائع، ودعاء المظلوم وصداع الجائع، فقد حصل ما كان عليه التعب، وأمن الرهب، ووضح الأجر المذهب، والقدرة باقية، والأدعية راقية (١) ، وما تدري ما تحكم به الأقدار، ويتمخض عنه الليل والنهار، وأنت اليوم على زمانك بالخيار، فإن اعتبرت الحال واجتنبت المحال، لم يخف عليك أنك اليوم خير منك أمس، من غير شك ولا لبس، وكان من أملي التوجه إلى رؤية ولدكم ولكن عارضتني موانع، ولا ندري في الآتي ما الله تعالى صانع، فاستنبت هذه في تقبيل قدمه، والهناء بمقدمه، والسلام. ١٨ - وقال رحمه الله تعالى: قلت أخاطب محمد بن نوار، وقد أعرس ببنت مزوار الدار السلطانية، وهومعروف بالوسامة وحسن الصورة: إن كنت في العرس ذا قصور ... فلا حضور ولا دخاله (٢) ينوب نظمي مناب تيس ... والنثر عن قفة النخالة هناكم الله سبحانه دعاء وخبراً، وألبسكم من السرور حبراً، وعوذكم بالخمس، حتى من عين الشمس، فعمري لقد حصلت النسبة، ورضيت هذه المعيشة الحسبة، ومن يكن المزوار ذواقه (٣) ، كيف لا يشق البدر أطواقه، وينشر القبول عليه رواقه، وأنتم أيضاً بركان جمال، وبقية رأس مال، ويمين في الانطباع وشمال، بمنزلكم اليوم بدر وهلال، ولعقد التوفيق بفضل الله تعالى استقلال، فأنا أهنيكم بتسني أمانيكم، والسلام. ١٩ - وقال رحمه اله تعالى مخاطباً عميد مراكش المتميز بالرأي والسياسة

стр. 3381

والهمة وإفاضة العدل وكف اليد والتجافي عن مال الجباية عامر بن محمد بن علي الهنتاني (١) : تقول لي الأظعان والشوق في الحشا ... له الحكم يمضي بين ناه وآمر إذا جبل التوحيد أصبحت فارعاً ... فخيم قرار العين في دار عامر وزر تربة المعلوم إن مزارها ... هو الحج يفضي نحوه كل ضامر ستلقى بمثوى عامر بن محمد ... ثغور الأماني من ثنايا البشائر ولله ما تبلوه من سعد وجهه ... ولله ما تلقاه من يمن طائر وتستعمل الأمثال في الدهر منكما ... بخير مزور أو بأغبط زائر لم يكن همي أبقاك الله تعالى مع فراغ البال، وإسعاف الآمال، ومساعدة الأيام واليال، إذ الشمل جميع، والزمان كله ربيع، والدهر مطيع سميع، إلا زيارتك في جبلك الذي يعصم من الطوفان، ويواصل أمنه بين النوم والأجفان، وأن أرى الأفق الذي طلعت منه الهداية، وكانت إليه العودة ومنه البداية، فلما حم الواقع، وعجز عن خرق الدولة الأندلسية الراقع، وأصبحت ديار الأندلس وهي البلاقع، وحسنت من استدعائك إياي المواقع، وقوي العزم وإن لم يكن ضعيفاً، وعرضت على نفسي السفر بسببك فألفيته خفيفاً، والتمست الإذن حتى لا نرى في قبلة السداد تحريفاً، واستقبلتك بصدر مشروح، وزند للعزم مقدوح، والله سبحانه يحقق السول، ويسهل بمثوى الأماثل المثول، ويهيئ من قبل هنتاتة القبول، بفضله. ٢٠ - وللسان الدين ابن الخطيب مقامة عظيمة بديعة وصف بها الأندلس

стр. 3382

والعدوة، وأتى فيها من دلائل براعته بالعجب العجاب، وقد تركتها مع كتبي بالمغرب، ولم يحضرني منها الآن إلا قوله في وصف مدينة سبتة ما صورته: " قلت: فمدينة سبتة، قال (١) : عروس المجلى، وثنية الصباح الأجلى، تبرجت تبرج العقلية، ونظرت وجهها من البحر في المرآة الصقيلة، واختص ميزان حسناتها بالأعمال الثقيلة، وإذا قامت بيض أسوارها، وكان جبل بنيونش (٢) شمامة أزهارها، والمنارة مناة أنوارها (٣) ، كيف لا ترغب النفوس في جوارها، وتهيم (٤) الخواطر بين أنجادها وأغوارها إلى المينا الفلكية، والمراقي (٥) الفلكية، والركية الزكية، غير المنزورة ولا البكية، ذات الوقود الجزل، المعد للأزل، والقصور المقصورة على الجد والهزل، والوجوه الزهر السحن، المضنون بها عن المحن، دار الناشبة، والحامية المضرمة للحرب المناشبة، والأسطول المرهوب، المحذور الألهوب، والسلاح المكتوب المحسوب، والأثر المعروف المنسوب، كرسي الأمراء والأشراف، والوسيطة، لخامس أقاليم (٦) البسيطة، فلا حظ لها في الانحراف، بصرة علوم اللسان، وصنعاء الحلل الحسان، وثمرة امتثال قوله تعالى " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " النحل:٩٠ الأمينة على الاختزان، القويمة المكيال والميزان، محشر أنواع الحيتان، ومحط قوافل العصير والحرير والكتان، وكفاها السكنى ببنيونش في فصول الأزمان، ووجود المساكن النبيهة بأرخص الأثمان، والمدفن المرحوم، غير المزحوم، وخزانة كتب العلوم، والآثار المنبئة عن أصالة الحلوم، إلا أنها فاغرة أفواه الجنوب، لغيث المصبوب (٧) ، عرضة للرياح ذات

стр. 3383

الهبوب، عديمة الحرث فقيرة من الحبوب، ثغر تنبوفيه المضاجع بالجنوب، وناهيك بحسنة تعد من الذنوب، فأحوال أهلها رقيقة، وتلكفهم ظاهر مهما ظهرت وليمة أوعقيقة، واقتصادهم لا تلتبس منه طريقة، وأنساب نفقاتهم في تقدير الأرزاق عريقة، فهم يمصون البلالة مص المحاجم، ويجعلون الخبز في الوائم بعدد الجماجم، وفتنتهم ببلدهم فتنة الواجم بالبشير الهاجم، وراعي الجديب بالمطر الساجم، فلا يفضون على مدينتهم مدينة، الشك عندي في مكة والمدينة " انتهى. وقد سلك في هذه المقامة وصف بلدان المغرب بالسجع والتفقيه، ووفاها من المدح وضده اكمل توفية، وعكس هذه الطريقة في نفاضة الجراب فوصف فيها الأماكن بكلام مرسل جزلغير مسجع، مع كونه أقطع من السيف إذا بان عنه القراب. ٢١ - فمن ذلك قوله حين أجرى ذكر مدينة مكناسة الزيتون: وأطلت مدينة مكناسة في مظهر النجد، رافلة في حلل الدوح، مبتسمة عن شنب المياه العذبة، سافرة عن اجمل المراد، قد احكم وضعها الذي أخرج المرعى، قيد النص وفذلكة الحسن، فنزلها بها منزلاً لا تستطيع العين أن تخلفه حسناً ووضعاً من بلد دارت به المداشر (١) المغلة، والتفت بسوره الزياتين المفيدة، وراق بخارجه للسلطان المستخلص الذي يسموإليه الطرف، ورحب ساحة والتفاف شجرة ونباهة بنية وإشراف ربوة، ومثلت بإزائها الزاوية القدمى المعدة للوارد (٢) ، ذات البركة النامية، والمئذنة السامية، والمرافق المتيسرة، يصاقبها الخان البديع المنصب الحصين الغلق الخاص بالسابلة والجوابة في الألرض يبتغون من فضل الله

стр. 3384

تعالى، تقابلها غرباً الزاوية الحديثة المربية برونق الشبيبة ومزية الجدة والانفساح وتفنن الاحتفال، إلى أن قال: وبداخلها مدارس ثلاث لبث العم، كلفت بها الملوك الجلة الهمم، وأخذها التنجيد، فجاءت فائقة الحسن، ماشئت من أبواب نحاسية، وبرك فياضة تقذف فيها صافي الماء أعناق أسدية، وفيها جزائن الكتب والجراية الدارة على العلماء والمتعلمين، وتفضل هذه المدينة كثيراً من لداتها بصحة الهواء وتبحر أصناف الفواكه وتعمير الخزائن ومداومة البر لجوار ترابها سليماً من الفساد معافىً من العفن، إذ تقام ساحات منازلها غالباً على أطباق الآلاف من الأقوات تتناقلها المواريث ويصحبها التعمير وتتجافى عنها الأرض، ومحاسن هذه البلدة المباركة جمة، قال ابن عبون من أهلها ولله دره: إن تفتخر فاس بما في طيها ... وبأنها في زيها حسناء يكفيك من مكناسة أرجاؤها ... والأطيبان: هواؤها والماء ويسامتها شرقاً جبل زرهون، المنبجس العيون، الظاهر البركة، المتزاحم العمران، الكثير الزياتين والأشجار، قد جلله سكراً ورزقاً حسناً، فهوعنصر الخير، ومادة المجبى، وفي المدينة دور نبيهة، وبنى أصيلة، والله سبحانه ول من اشتملت عليه بقدرته، وفيها أقول: بالحسن من مكناسة الزيتون ... قد صح عذر الناظر المفتون فضل الهواء وصحة الماء الذي ... يجري بها وسلامة المخزون سحت عليها كل عين ثرة ... للمزن هامية الغمام هتون فاحمر خد الورد بين أباطح ... وافتر ثغر الزهر بين غصون ولقد كفاها شاهداً مهما ادعت ... قصب السباق القرب من زرهون جبل تضاحكت البروق بجوه ... فبكت عذاب عيونه بعيون

стр. 3385

وكأنما هو بربري فاقد (١) ... في لوحه والتين والزيتون حييت من بلد خصيب أرضه ... مثوى أمان أو مناخ أمون وضفت عليك من الإله عناية ... تكسوك ثوبي أمنة وسكون ٢٢ - وقد وصفها في مقامة البلدان على منوال السجع فقال: مكناسة مدينة أصيلة، وشعب للمحاسن وفصيلة، فضلها الله تعالى ورعاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، فجانبها مريع، وخيرها سريع، ووضعها له في فقه الفضائل تفريع، اعتدل فيها الزمان، وانسدل الأمان، وفاقت الفواكه فواكهها ولا سيما الرمان، وحفظ أقواتها الاختزان، ولطفت فيها الأواني والكيزان، ودنا من الحضرة جوارها، فكثر قادها من الوزراء وزوارها، وبها المدارس والفقهاء، ولقصبتها الأبهة والمقاصير والأبهاء. [تعليق للمقري] ويعني بالحضرة مدينة فاس المحروسة لأنها إذ ذاك كرسي الخلافة، ومكناسة مقر الوزارة، وأهل المغرب يعبرون عن المدينة التي فيها كرسي الخلافة بالحضرة. قلت: دخلت مكناسة هذه مراراً عديدة، وقد أبلى الدهر محاسنها التي كانت في زمان لسان الدين (٢) ابن الخطيب جديدة، واستولى عليها الخراب، وتكدر منها بالفتن الشراب، وعاث في ظاهرها الأعراب، وفي باطنها سماسرة الفتنة العائقة عن كثر من الآراب، حتى صار أهلها حزبين، لبس كثير من أهلها ثياب البعد عنهاوالبين، والله تعالى يجبر حالها، ويعقب بالخصب إمحالها، ويرحم الله تعالى ابن جابر إذ قال: لا تنكرن الحسن من مكناسة ... فالحسن لم يبرح بها معروفا ولئن محت أيدي الزمان رسومها ... فلربما أبقت هناك حروفا

стр. 3386

على أن ضواحيها كانت في زمان لسان الدين مأوى للمحاربين واللصوص، ومثوى للأعراب الذين أعضل داؤهم بأقطار المغرب على العموم والخصوص، ولذلك يقول لسان الدين رحمه الله تعالى: مكناسة حشرت بها زمر العدا ... فمدى بريد فيه ألف مريد من واصل للجوع لا لرياضة ... أو لابس للصوف غير مريد فإذا سلكت طريقها متصوفاً ... فانو السلوك بها على التجريد وما أشار إليه رحمه الله تعالى فيما سبق من ذكر الزاوية القدمى والجديدة أشار به إلى زاويتين بناهما السلطان أبوالحسن المريني الكثير الآثار بالمغرب الأقصى والأوسط والأندلس، وكان بنى الزاوية القدمى في زمان أبيه السلطان أبي سعيد والجديدة حين تولى الخلافة، وله في هذه المدينة غير الزاويتين المذكورتين عدة آثار كثيرة جميلة من القناطر والسقايات وغيرها، ومن اجل مآثره بها المدرسة الجديدة، وكان قدم للنظر على بنائها قاضيه على المدينة المذكورة، ولما أخبر السلطان بتمام بنائها جاء إليها من فاس ليراها، فقعد على كرسي من كراسي الوضوء حول صهريجها، وجيء بالرسوم المتضمنة للتنفيذات الازمة فيها، فغرقها في الصهريج قبل أن يطالع ما فيها، وأنشد: لا بأس بالغالي إذا قيل حسن ... ليس لما قرت به العين ثمن وهذا السلطان أبوالحسن اشهر ملوك بني مرين، وأبعدهم صيتاً، وكان قد ملك رحمه الله تعالى المغرب بأسره وبعض الأندلس، وامتد ملكه إلى طرابلس الغرب، ثم حصلت له الهزيمة الشنعاء قرب القيروان حين قاتل أعراب إفريقية، فغدره بنوعبد الواد الذين أخذ من يدهم ملك تلمسان، وانتهزوا الفرصة فيه، وهربوا إلى الأعراب عند المصافة، فاختل مصافه، وهزم أقبح هزيمة، ورجع إلى تونس مغلوباً، وركب البحر في أساطيله، وكانت نحوالستمائة من السفن، فقضى الله تعالى أ، غرقت جميعاً، ونجا على لوح، وهلك من كان معه من أعلام المغرب

стр. 3387

وهم نحو أربعمائة عالم (١) ، منهم السطي شارح الحوفي، وابن الصباغ الذي أملى في مجلس درسه بمكناسة على حديث " يا أبا عمير ما فعل النغير (٢) " أربعمائة فائدة. قال الأستاذ أبوعبد الله ابن غازي رحمه الله تعالى: حدثني بعض أعيان الأصحاب أنه بلغه أن الفقيه ابن الصباغ المذكور سمع بمنصورة تلمسان المحروسة ينشد كالمعاتب لنفسه (٣) : يا قلب كيف وقعت في أشراكهم ... ولقد عهدتك تحذر الأشراكا أرضىً بذل في هوى وصبابة ... هذا لعمر الله قد (٤) أشقاكا ومات رحمه الله تعالى غريقاً في أسطول السلطان أبي الحسن المريني على ساحل تدلس (٥) هو والفقيه السطي والأستاذ الزواوي وغير واحد في نكبة السلطان أبي الحسن المعروفة. ومن نظم ابن الصباغ المذكور في العلاقات المعتبرة في المجاز وفي المرجحات له قوله رحمه الله تعالى: يا سائلاً حصر العلاقات التي ... وضع المجاز بها يسوغ ويجمل خذها مرتبة وكل مقابل ... حكم المقابل فيه حقاً يحمل عن ذكر ملزوم يعوض لازم ... وكذا بعلته بعاض معلل وعن المعمم يستعاض مخصص ... وكذاك عن جزء ينوب المكمل وعن المحل ينوب ما قد حله ... والحذف للتخفيف مما يسهل وعن المضاف إليه ناب مضافه ... والضد عن أضداده مستعمل

стр. 3388

والشبه في صفة تبين وصورة ... ومن المقيد مطلق قد يبدل والشيء يسمى باسم ما قد كانه ... وكذاك يسمى بالبديل المبدل وضع المجاور في مكانة جاره ... وبهذه حكم التعاكس يكمل واجعل مكان آلته وجيء ... بمنكر قصد العموم فيحصل ومعرف عن مطلق وبه انتهت ... ولجلها حكم التداخل يشمل وبكثرة وبلاغة ولزومه ... لحقيقة رجحانه يتحصل انتهى كلام شيخ شيوخ شيوخنا الإمام أبي عبد اله محمد بن غازي رحمه الله تعالى. وقد حكى ابن غازي المذكور عن شيخه القوري عن شيخه ابن جابر أن ابن الصباغ المذكور اعترض على القاضي ابن عبد السلام التونسي، قال: لما لقي ابن الصباغ بتونس اعترض عليه ابن الصباغ أربع عشرة مسألة لم ينفصل عن واحدة منا، بل اقر بالخطإ فيها، إذ ليس ينبغي اتصاف بالكمال، إلا لربي الكبير المتعال؛ انتهى. وذكر الشيخ أبوعبد الله الأبي رحمه الله تعالى في شرح مسلم عند تكلمه على أحاديث العين ما معناه أن رجلاً كان بتلك الديار معروفاً بإصابة العين، فسأل منه بعض الموتورين للسلطان أبي الحسن أن يصيب أساطيله بالعين، وكانت كثيرة نحوالستمائة، فنظر إليها الرجل العائن، فكان غرقها بقدرة الله الذي يفعل ما يشاء، ونجا السلطان برأسه، وجرت عليه محن، واستولى ولده السلطان أبوعنان فارس على ملكه، وكان خلفه بتلمسان، ولم يزل في اضطراب حتى ذهب إلى سجلماسة، ومنها خلص إلى جبل هنتاتة قرب مراكش، فذهب إلى حربه ابنه السلطان أبوعنان فارس بجيوشه، وأناخ على الجبل بكلكله، ولم تحفز أهل هنتاتة جواره لديهم، ولا كبيراهم عامر بن محمد وأخوه، وصبروا على الحصار وخراب الديار، وحرق الأماكن، حتى مات هناك رحمه الله تعالى ونقل بعد إلى شالة سلا مدفن أسلافه، ومن أراد الوقوف على أخباره فعليه بكتاب الخطيب

стр. 3389

ابن مرزوق الذي ألفه فيه وسماه المسند الصحيح الحسن من أحاديث السلطان أبي الحسن ". ولما ذهب لسان الدين ابن الخطيب إلى عامر بن محمد بجبله المشهور زار محل وفاة السلطان المذكور، وقد ألم بذكر ذلك في نفاضة الجراب، إذ قال: وشاهدت بجبل هنتاتة محل وفاة السلطان المقدس أمير المسلمين أبي الحسن رحمه الله تعالى، حيث أصابه طارق الأجل، الذي فصل الخطة، وأصمت الدعوة، ورفع المنازعة، وعاينته مرفعاً عن الابتذال بالسكنى مفترشاً بالحصباء، مقصوداً بالابتهال والدعاء، فلم أبرح يوم زيارة محل وفاته أن قلت (١) : يا حسنها من أربع وديار ... أضحت لباغي الأمن دار قرار وجبال عز لا تذل أنوفها ... إلا لعز الواحد القهار ومقر توحيد وأس خلافة ... آثارها تنبي عن الأخبار ما كنت أحسب أن أنهار الندى ... تجري بها في جملة الأنهار ما كنت أحسب أن أنوار الحجى ... تلتاح في قنن وفي أحجار محت جوانبها البرود، وإن تكن ... شبت بها الأعداء جذوة نار هدت بناها في سبيل وفائها ... فكأنها صرعى بغير عقار لما توعدها على المجد العدا ... رضيت بعيث النار لا بالعار عمرت بجلة عامر واعزها ... عبد العزيز بمرهف بتار فرسا رهان أحرزا قصب الندى ... والبأس في طلق وفي مضمار ورثا عن الندب الكبير أبيهما ... محض الوفاء ورفعة المقدار وكذا الفروع تطول وهي شبيهة ... بالأصل في ورق وفي أثمار أزرت وجوه الصيد من هنتاتة ... في جوها بمطالع الأقمار لله أي قبيلة تركت لها ال ... نظراء دعوى الفخر يوم فخار

стр. 3390

نصرت أمير المسلمين وملكه ... قد أسلمته عزائم الأنصار وارت (١) علياً عندما ذهب الردى ... والروع بالأسماع والأبصار وتخاذل الجيش اللهام واصبح ال ... أبطال بين تقاعد وفرار كفرت صنائعه فيمم دارها ... مستظهراً منها بعز جوار وأقام بين ظهورها لا يتقي ... وقع الردى وقد ارتمى بشرار فكأنها الأنصار لما أنست (٢) ... فيما تقدم غربة المختار أما غدا لحظاً وهم أجفانه ... نابت شفارهم عن الأشفار حتى دعاه الله بين بيوتهم ... فأجاب ممتثلاً لأمر الباري لو كان يمنع من قضاء الله ما ... خلصت إليه نوافذ الأقدار قد كان يأمل أن يكافئ بعض ما ... أولوه لولا قاطع الأعمار ما كان يقنعه لوامتد المدى ... إلا القيام بحقها من دار فيعيد ذاك الماء ذائب فضة ... ويعيد ذاك الترب ذوب نضار حتى تفوز على النوى أوطانها ... من ملكه بجلائل الأوطار حتى يلوح على وجوه وجوههم ... أثر العناية (٣) ساطع الأنوار ويسوغ الأمل القصي كرامها ... من غير ما ثنيا ولا استعصار ما كان يرضى الشمس أو بدر الدجى ... عن درهم فيهم ولا دينار أو أن يتوج أو يقلد هامها ... ونحورها بأهلة ودراري حق على المولى ابنه إيثار ما ... بذلوه من نصر ومن إيثار فلمثلها ذخر الجزاء، ومصله ... من لا يضيع صنائع الأحرار وهو الذي يقضي الديون ويره ... يرضيه في علن وفي إسرار حتى تحج محلة رفعوا بها ... علم الوفاء لأعين النظار

стр. 3391

فيصير منها البيت بيتاً ثانياً ... للطائفين إليه أي بدار تغني قلوب القوم عن هدي به ... ودموعهم تكفي لرمي جمار حييت من دار تكفل سعيها ال ... محمود بالزلفى وعقبى الدار وضفت عليك من الإله عناية ... ما كر ليل فيك إثر نهار ويعني بالمولى ابنه السلطان أبا سالم ابن السلطان أبي الحسن. ومن العجائب أن الرئيس عامر بن محمد الذي جرى في هذه الأبيات ذكره كان يؤمل بإيوائه للسلطان أبي الحسن ونصرته له وعدم إخفار ذمته فيه أن ينال من أولاده الملوك بذلك عزاً مستطيلاً ورياسة زائدة على ما كان فيه، فقضى الله تعالى أن كان حتفه على يد السلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن، إذ نازله بجنوده، وحاصره بمعتقله، حتى استولى عليه وقتله، حسبما استوفى ذلك الشيخ الرئيس قاضي القضاة أبوزيد عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي المغربي نزيل مصر في تاريخه الكبير الذي سماه ب كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر فمن شاء فليراجعه ثمة. وكان الرئيس أبوثابت عامر بن محمد الهنتاتي المذكور خرج على السلطان عبد العزيز بالسلطان المعتمد على الله أبي الفضل محمد ابن أخي السلطان عبد العزيز المذكور، فكان من قتله ما ذكر، والله غالب على أمره. ولنرجع إلى ما كنا فيه من نثر لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى عنه، فنقول: ٢٣ - ومن كلام لسان الدين رحمه الله تعالى في كتابه أعمال الأعلام ما صورته: " وفي غرضي إذا من الله تعالى بانفراج الضيقة الوقتية، ومعاودة الأزمان الهنية، والنصبة النقية، أن نصنف في التايخ كتاباً مبنياً على التطويل، مستوعباً

стр. 3392

للكثير والقليل، نسميه بضاعة المهولين في أساطير الأولين، يكون هذا الكتاب بالنسبة إليه الحصاة من الرمال، والقطرة نم الغيث المنثال، بإعانة ذي القدرة والجلال؛ انتهى. ٢٤ - ومن كلامه رحمه الله تعالى: فما استبعد المرام، من قصد الكرام، وما فقد الإيناس، من أمل الناس؛ انتهى. وقد سلك لسان الدين رحمه الله تعالى ف كثير من كتبه ك الكتيبة الكامنة والتاج المحلي والإكليل الزاهر وغيرها تحلية الأعلام من حملة السيوف والأقلام، بالكلام السمجع الآخذ بحظه من الإتقان على طريقة صاحب القلائد والمطمح أبي نصر الفتح بن عبيد الله المدعوبابن خاقان بليغ الأندلس غير مدافع وعلى نهج مباريه ابن بسام صاحب " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة " وهو كتاب نيبغي أن يراجع، وقد رأيت أن آتي بشيء من كلام لسان الدين فيما ذكر، ونلم بعد تحليته بالتعريف بحال من حلاه من الأعلام، بحسب ما من به ويسيره لي الملك العلام، ، فنقول: ٢٥ - قال لسان الدين رحمه الله تعالى في بعض في وصف بعض من عرف به ما نصه: أني نفس صافية من الكدر، وصدر طيب الورد والصدر، ودوحة عهد تندى أرواقها، ومشكاة فضل يستطلع إشراقها، تمسك برضاع الكأس، يرى ذلك من حسن عهده، وقسم لحظاته بين آس الرياض وورده، فلما حوم حمامه للوقوع، وكاد يقوض رحله عن الربوع، وشعر بحبائل المنية تعتلقه، وسرعان خيل الأجل تزهقه، أقلع عن فنه، وأمر بسفك دنه، ولجأ إلى الله تعالى بأوبته، وضرع إلى الله تعالى في قبول توبته وغفران حوبته، فكان ذلك عنوان الرضى، وعلامة عفوالله تعالى عما مضى، دخلت عليه في مرضه، وأشرت باستعمال الدواء المسمى بلحية التيس عند الأطباء، فاستعمله، فوجد بعض خفة.

стр. 3393

٢٦ - وقال في آخر: كثيف الحاشية، معدود في جنس السائمة والماشية، تليت على العمال به سورة الغاشية، تولى الأشغال السلطانية فذعرت الجباة لولايته، وقامت قيامتهم لطلوع آيته، وقنطوا كل القنوط، وقالوا: جاءت الدابة تكلمنا وهي إحدى الشروط، من رجل صائم الحشوة، بعيد من المصانعة والرشوة، يتجنب الناس، ويقول عند المخاطبة: لا مساس، وعلى مسافة نجه، وتجهم وجهه، فكان خالطاً إساءته بإحسانه، مشتغلاً بشانه، غاضاً من عنان لسانه، عهدي به في الأعمال يقدر فيها ويدبر، ويرجح ويعبر، ويحبط وينبر، وهومع ذلك يكبر، ويحسن من الأزمنة ويقبح، وهويسبح، ولما شرع في البحث والتنقير، والمحاسبة على القطمير والنقير، أتاه قاطع الأجل، فحن ركابه فأقضى العجل، وصدرت عنه أبيات خضم فيها وقضم، وحصل تحت القدر المشترك مع من نظم. ٢٧ - وقال في آخر: كودن حلبة الآداب، وسنور عبد الله بيع بقيراط لما شاب (١) ، هام بوادي الشعر مع من هام، واستمطر منها الجهام، فجاء بأبيات أوهى من بيت العنكبوت نسجاً، ومقاصد لا تبين قصداً ولا نهجاً، وله بيت معمور بقضاة أكابر، فرسان أقلام ومحابر، وعمال قادوا الدهر بأزمة أزمتهم، وفرعوا الزهر بهمتهم، وتكاثرت عليه ﵀ الإحن، وتعاورته المحن، وتصرف آخر عمره في بعض الأعمال المخزنية فتعلل بنزر القوت، إلى الأجل الموقوت. ٢٨ - وقال في آخر: معدود في وقته من أدبائه، ومحسوب في أعيان بلده وحسبانه، كان رحمه الله تعالى من أهل العدالة والخير، سائراً على منهج الاستقامة

стр. 3394

أحسن السير، وله أدب لا يقصر عن السداد، وإن لم يكن بطلاً فمن يكثر السواد، قد أثبت له ما عثرت عليه، مما ينسب الناس إليه. ٢٩ - وقال في آخر: معتر غير قانع، ومنجع كل شهم وخانع، نشأ بلده مالقة أبرع من أورد اليراعة في نقس، وهز غصنها في روضة طرس، إلا ما كان سخافة عقله، وقعوده تحت المثل اخبر تقلة، لا يرتبط إلى رتبة، ولا ينتمي إلى عصبة، ولا يتلبس بسمت، ولا يستقيم من أمت (١) ، أخبرني من عني بخبره، وذكر عبره، من صباه إلى كبره، أنه رشح في بعض الدول، وعرض لاكتساب الخيل والخول، وخلعت عليه كسوة فاخرة، وشارة بزهر الرياض ساخرة، فانقاد طوع حومانه، ونبذ صفقة زمانه، وحمله فرط النهم، على ا، ابتاع في حجره طعاماً كثير الدسم، وأقبل وأذياله منه تقطر، كما اختلفت باللبن الأشطر، فطرد ونبذ، وطرح بعدما جبذ، لقيته بمالقة وقد قلب له زمانه عينيه، وسقط في يديه، فانتابني بأمداحه، وتعاورني بأجاجه وقراحه. ٣٠ - وقال في آخر: أديب نار فكره تتوقد، وأري لا يعترض كلامه ولا ينقد، أما الهزل فهوطريقته المثلى، ركض في ميدانها وجلى، وطلع في أفقها وتجلى، فأصبح علم أعلامها، وعابر أحلامها، إن أخذ بها في وصف الكاس، وذكر الورد والآس، والم بالربيع وفصله، والحبيب ووصله؛ والروض وطيبه، والغمام وتقطيبه، شق الجيوب طرباً، وعلى النفوس شرباً وضرباً، وإن ابتغى لاعتلال العشية، في فرش الربيع الموشية، ثم تعداها إلى وصف الصبوح، وأجهز على الزق المجروح، وأشار إلى نغمات الورق، يرفلن في الحلل الزرق، وقد اشتعلت في عنبر الليل نار البرق، وطلعت بنود الصباح في

стр. 3395

شرفات الشرق، سلب الحليم وقاره، وذكر الخليع وعقاره، وحرك الأشواق بعد سكونا، وأخرجها من وكونها، بلسان يتزاحم على موارد الخيال، ويتدفق من حافاته الأدب السيال، وبيان يقيم أود المعاني، ويشيد مصانع اللفظ محكمة المباني، ويكسوحلل الإحسان جسوم المثالث والمثاني، إلى ناردة لمثلها يشار، ومحاضرة يجنى بها الشهد ويشار، وقد أثبت من شعره المعرب وإن كان لا يتعاطاه إلا قليلاً، ولا يجاور إلا تعليلاً، أبياتاً لا تخلوعن مسحة جمال على صفحاتها، وهبة طيب ينم في نفحاتها. ٣١ - وقال أيضاً في آخر: ظريف السجية، كثير الأريحية، ارتحل من لورقة فتحها الله تعالى، واتخذ المرة داراً، وألف بها استقراراً، إلى أ، دعاه بها داعية، وقام فيها ناعيه. ٣٢ - وقال في وصف آخر: شيخ أخلاقه لينة - ونفسه - كما قيل في نفس المؤمن - هينة، ينظم الشعر عذباً مساقه، محكما اتساقه، على فاقة، وحال ما لها من إفاقة، أنشد المقام الكيرم بظاهر بلده قصيدة استغرب منه منزعها، واستعذب من مثله مشرعها. ٣٣ - وقال في آخر: من أئمة أهل الزمام، خليق برعي المتات والذمام، ذوخط كما تفتح زهر الكمام، وأخلاق أعذب من ماء الغمام، كان ببلده رحمه الله تعالى بدار إشرافه محاسباً، ودرة في لجة الإغفال راسباً، صحيح العمل، يلبس الطروس من براعته حسن الحلل، وله شعر لا باس به، ولا خفاء بفضل مذهبه. ٣٤ - وقال في آخر: خير من استبق إلى داعي الفلاح استباقاً، وانتمى إلى القوم الذين هم في الآخرة أطول أعناقاً، وإن كانوا في الدنيا أضيق أرزاقاً، مردد أذكار، ومسبح أسحار، وعامر مئذنة ومنار، كان ببلده مؤذناً بجامعها

стр. 3396

ومؤقتاً بأم صوامعها، ومعتبراً فيمن كان بها بمن السدنة، ومن مثله قوله: فكأنما قرب بدنة، وله لسان مخيف، وشعر سخيف، توشح بحليته، وجعله وسيلة كديته. ٣٥ - وقال في آخر: عظيم الهيئة حسن اللقاء، أغرب في حسن المداراة من النقاء، استمر عمره للحكم، وصبر على حجج الصم والبكم، وأفرط في هشته وهزته، وتنزل عن نخوة القضاء وعزته، وله سلف في القضاء عالي المراقب، مزاحم للنجم الثاقب، وقد أثبت من شعره ما تيسر إثباته، ونجح بوض هذا المجموع نباته. ٣٦ - وقال في آخر: قاض توارث كل جلالة، عن كلالة، وجمع في العلم الحسب، بين الموروث والمكتسب، أشرق يجيد معم في العشيرة مخول، وألقت عليه مقاليدها من منقول ومتأول، إلى نزاهة لا تغرها البيضاء ولا الصفراء، وحلم لا تستهويه السعاية ولا يستفزه الإغراء، ووقار يستخف الجبال الراسية، ونظر ينظر الظلم الغاشية، تولى قضاء الحضرة فأنفذ الأحكام وأمضاها، وشام سيوف الجزالة وانتضاها، ولبس أثواب النزاهة والانقباض فما نضاها، وسلك الطريق التي اختارها وارتضاها، فاجتمعت الأهوال المفترقة علي، وصرف الثناء أعنة الألسن إليه، ثم كر إلى بلده، واستقر خطيباً بقرارة أهله وولده. ٣٧ - وقال في آخر: منتم إلى معرفة، متصف من الذكاء بأحسن صفة، أقرأ ببلده علم اللسان، وما حاد عن الإحسان، وعانى الشعر فنظم قوافيه، وما تكلف فيه، وعلى غزارة مادته، ووضوح جادته، فشعره قليل البشاشة، ذاهب الحشاشة، وذوالإكثار، كمثل العثار، وله سلف يخوض في الحقائق، وينتحل بعض الكلام الرائق. ٣٨ - وقال في آخر: منتم لدين وعفة، وإلى نفس بالعرض الأدنى

стр. 3397

مستخفة، ممن نزع إلى سلوك ورياضة، ويفيض في طريق القوم بعض إفاضة. ٣٩ - وقال في آخر: ممن يتشوق إلى المعارف والمقالات، ويرتاح إلى الحقائق والمحالات، ويشتمل على نفس رقيقة، ويسير من تعليم القرآن على خير طريقة، ويعاني من الشعر ما يشهد بنبله، ويستظرف من مثله. ٤٠ - وقال في آخر: مشمر في الطلب عن ساق، مثابر على اللحاق بدرجات الحذاق، منتحل للعربية جاد في إحصاء خلافها، ومعاطاة سلافها، وربما شرست في المذاكرة أخلاقه، إذا بهرجت أعلاقه، ونوزع تمسكه بالحجة واعتلاقه، ورحل إلى المغرب فاستجدى بالشعر سلطانه، ثم راجع أوطانه. ٤١ - وقال في آخر: منتم إلى زهد، باذل في التماس الخير الحهد، نظمه لا يخلومن حلاوة، ومعانيه في طريقه عليها بعض طلاوة. ٤٢ - وقال في آخر: كاتب سجلات لا يساجل في صحة فصولها، وتوقيع فروعها على أصولها، وكلما طلب بالنظم القريحة، وأعمل الفكرة الصريحة، مع إقلاقه، وعدم استعماله، أجابت ولبت، وتنسمت رياحها وهبت. ٤٣ - وقال رحمه الله تعالى وسامحه في بعض العدول الصوفية الأخيار، الذين وحدوا الله وفنوا عن سائر الأغيار: خير عدل، وممن له وقار وفضل، متسم بخير، معرض عن غير، مستمل بصفات مرضية، ملم بالنظم في الطريقة الصوفية. ولسان الدين رحمه الله تعالى ركض في هذا الميدان لا يجاري فيه، وثبوت فضل لا يستند إلى دليل جاحده ونافيه. ٤٤ - وقال رحمه الله تعالى في كتابه التاج المحلي في مساجلة القدح:

стр. 3398

المعلى في ترجمة محمد بن عبد اللهبن محمد بن لب الأمي المربي (١) ، ما صورته لج معرفة لا يغيض، وصاحب فنون يأخذ فيها ويفيض، نشأ ببلده مشمراً عن ساعد اجتهاده، وسائراً في قنن العلم ووهاده، حتى أينع روضه، وفهق حوضه، ثم أخذ في راحة ذاته، وشام بارق لذاته، ثم سار في البطالة سير الجموح، وواصل الغبوق بالصبوح، حتى قضى وطره، وسئم بطره، وركب الفلك، وخاض اللجج الحلك، واستقر بمصر على النعمة العريضة، على شك في قضاء حجة الفريضة، وهواليوم بمدرستها الصالحية نبيه المكانة، معدود في أهل العلم والديانة؛ انتهى. وقال في " الإحاطة " في حق المذكور ما نصه: من خط شيخنا أبي البركات في الكتاب " المؤتمن على أنباء أبناء الزمن ": كان سهلاً سلس القياد، لذيذ العشرة، دمث الأخلاق، ميالاً إلى الدعة، نفوراً عن النصب، يركن إلى فضل نباهة وذكاء يحاسب بهما عند التحصيل والدراسة والدؤوب على الطلب؛ من رجل يجري من الألحان على مضمار لطيف، ولم يكن له صوت رخيم يساوق (٢) انطباعه في التلحين، فجبر ذلك بالأوتار، وحاول من ذلك بيده مع أصحابهما لاذ به الظرفاء منهم، واستعمل بدار الأشراف بالمرية، فاحكم تلك الطريقة في أقرب زمان، وجاء زمامه يروق نم ذلك العمل من شأنه، ثم نهضت به همته إلى أرفع من ذلك، فسار إلى غرناطة، فقرأ بها العربية وغيرها، وانخرط في سلك نبهاء الطلبة لأدنى مدة، ثم رحل إلى بلاد المشرق في حدود العشرين وسبعمائة فلم يتجاوز القاهرة لموافقة هوائها علة كان يشكوها، وأخذ في إقراء العربية بها، وعرف بها إلى أن صار يدعى بأبي عبد الله النحوي. قال شيخنا المذكور: ورأى في صغره فارة أنثى فقال: هذه قرينة، فلقب بذلك، وصار هذا اللقب أغلب

стр. 3399

عليه من اسمه ومعرفته. ثم قال لسان الدين في حق المذكور ما ملخصه: إنه قرأ بالحضرة على الخطيب أبي علي القيجاطي وطبقته، وأخذ بالقاهرة عن الأستاذ أبي حيان، وانتفع بجاهه، نقل إلينا الحاج الحافظ أبوجعفر ابن غصن من شعره حسبما قيده عنه بمصر (١) : بعد المزار ولوعة الأشواق ... حكما بفيض مدامع الآماق وخفوق نجدي النسيم إذا سرى ... أذكى لهيب فؤادي الخفاق أمعللي أن التواصل في غد ... من ذا الذي لغد فديتك باقي إن الليالي سبق إن أقبلت ... وإذا تولت لم تنل بلحاق عج بالمطي على الحمى، سقي الحمى ... صوب الغمام الواكف الرقراق فيه لذي القلب السليم ودادة ... قلب سليم ما له من واق قلب غداة فراقهم فارقته ... لا كان في الأيام يوم فراق يا سارياً واليل ساج عاكف ... يفري الفلا بنجائب ونياق عرج على مثوى النبي محمد ... خير البرية ذي المقام الراق ورسول رب العالمين ومن له ... حفظ العهود وصحة الميثاق الظاهر الآيات قام دليلها ... والطاهر الأخلاق والأعراق بدر الهدى وهو الذي آياته ... وجبينه كالشمس في الإشراق الشافع المقبول من عم الورى ... بالجود والإرفاد والإرفاق الصادق المأمون أكرم مرسل ... سارت رسالته إلى الآفاق أعلى الكرام ندىً وأبسطهم يداً ... قبضت عنان المجد باستحقاق وأشد خلق الله إقداماً إذا ... جمي الوطيس وشمرت عن ساق أمضاهم والخيل تعثر في الوغى ... وتجول سبحاً في الدم المهراق

стр. 3400

من صير الأديان ديناً واحداً ... من بعد إشراك مضى ونفاق وأحلنا من حرمة الإسلام في ... ظل ظليل زارف الأوراق لو أن لبدر المنير كماله ... ما ناله كسف ونكس محاق لو أن للبحرين جود يمينه ... أمن السفين غوائل الإيساق لو أن للآساد شدة بأسه ... لثنت عن الإنجاد والإعراق لو أن للآباء رحمة قلبه ... ذابت نفوسهم من الإشفاق ذو العلم والحلم الخفي المنجلي ... والجاه والشرف القديم الباقي آياته شهب وغر بنانه ... سحب النوال تدر بالأرزاق ماجت فتوح الأرض وهو غياثها ... وربت ربى الإيمان وهو الساقي ذو رأفة بالمؤمنين ورحمة ... وهدىً وتأديب بحسن سياق وخصال مجد أفردت بالخصل في ... مرمى الفخار وغاية السباق ذو المعجزات الغر والآي التي ... كم آية فقدت وهن بواقي ثنت المعارض حائراً لما حكت ... فلق الصباح وكان ذا إفلاق يقظ الفؤاد سرى وقد هجع الورى ... لمقام صدق فوق ظهر براق وسما وأملاك السماء تحفه ... حتى تجاوزهن سبع طباق ومنها: يا ذا الذي اتصل الرجاء بحبله ... وانبت من هذا الورى بطلاق حبي إليك وسيلتي وذخيرتي ... إني من الأعمال ذو إملاق وإليك أعملت الرواحل ضمراً ... تختال بين الوخد والإعناق نجباً إذا نشدت حلى تلك العلا ... تطوي الفلا ممتدة الأعناق يحدو بهن من النجيب مردد ... وتقودهن أزمة الأشواق غرض إليه فوقتنا أسهماً ... وهي القسي برين كالأفواق فأنختها بفنائك الرحب الذي ... وسع الورى بالنائل الدفاق
следующие страницы →