← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

لا يعدونه، وحفز (١) إيماؤه من تعداه أووقف دونه، وقد حصل باللحظ واللفظ التساوي، وأنتج المطالب الأربعة هذا اللازم المساوي، ومجلسك قد رجح وقاره برضوى، ومجتلاك قد فضح نوره البدر الأضوا، وقد امتزت عن سواك نم القضاة بمراسم لا تليق بجملتهم معارفها، وتخصصت عنهم بملابس تعج عجيجاً من جذامهم مطارفها (٢) ، بحيث تحد لخلع النعلين حداً لا يتجاوز طواه، وتسد في بعض الأوقات الباب سداً لا ترقع بالمحاجر كواه (٣) ، وتفصل بين الخصمين أحياناً بالنية (٤) دون الكلام ولكل امرئ ما نواه. وهذه أعانك الله تعالى مكملات من العدل في الحكم وقف عياض دون تحقيق مناطها، وأعيت ابن رشد فلم يهتد بيانه ولا تحصيله لاستنباطها، فما بال النازحة (٥) عنك حساً ومعنى، النازلة من تقاضي دينك بمنزلة الممطول المعنى، المعتقلة من ملكة رقك بحيث أقصاها لاعج الشوق، المعذبة من الصبابة فيك بما شب عمره عن الطوق، تتنفس الصعداء مما تشهده منك من مبتدعات الجور، وتردد البكاء على ضياع ما استعار الحسن لصفاتها من النجد والغور، وتقضي العجب مما تسمع من عدلك الذي لم تجتل لمحة من نوره، ومن حلمك الذي أشقاها (٦) فلم تحضر لدكة طوره، وتستصوب أنظار النحاة في منع التهيئة والقطع في العامل، وتستجلب العروضيين في المديد والبسيط دون الطويل والكامل، فهلا راجعت فيها النظر، وأنجزت لها الوعد المنتظر، وكففت من

стр. 3327

عيونها دموعاً مستهلة، واجتليت من جبينها الوضاح ما أخجل بدوراً مشرقة وأهلة، ولم تحوجها إلى أن ينطق قرينها (١) الروحاني بالشعر على لسانها ولسانك، ولم تضطرها في هذه المعاملة إلى ما لا ترتضيه من كفر إحسانك، والعذر أظهر، والبرهان أبهر، وخلافك في العالم أشهر، وأنت إن لم يكن ما يعصم الله تعالى منه لمقتضى الطبيعة أقهر. وقد أدرجت لك في طي هذا ما يصل إلى يدك، وتلهج به في يومك وغدك، منتظرة منك إطفاء الجوى بالجواب، ومحوما سبق من الخطأ بالخطاب، إن شاء الله تعالى، والله تعالى يصل سعادته، ويحفظ مجادته، ومعاد السلام من الشاكر الذاكر ابن عاصم وفقه الله تعالى في أوائل ذي الحجة عام خمسة وأربعين وثمانمائة انتهى، وهومما لم أذكره في أزهار الرياض ". [ظهير بتقديم ابن عاصم للنظر في أمور الفقهاء] ولنذكر هنا الظهير الذي جلبته فيها (٢) بتقديم المذكور لنظر في أمور الفقهاء وغيرهم، ونصه: هذا ظهير كريم إليه انتهت الظهائر شرفاً علياً، وبه تقررت المآثر برهاناً جلياً، وراقت المفاخر قلائد وحلياً، وتميزت الأكابر الذين افتخرت بهم الأقلام والمحابر، اختصاصاً مولوياً. فهووإن تكاثرت المرسومات وتعددت، وتوالت المنشورات وتجددت، أكبر (٣) مرسوم تمم في الاعتقاد نظراً خطيراً، وأحكم في التفويض أمراً كبيراً، وأبرم في الاستخلاص عزماً أبياً. اعتمد بمسطوره العزيز، واختص (٤) بمنشوره الذي تلقاه اليمن بالتعزيز، من لم يزل

стр. 3328

بالتعظيم حقيقاً، وبالإكبار خليقاً، وبالإجلال حرياً. فهوشهير لم يزل في الشهرة سابقاً، هاد لم يزل بالهدى ناطقاً، بليغ لم يزل بالبلاغة درياً، عظيم لم يزل في النفوس معظماً، علم لم يزل في الأعلام مقدماً، كريم لم يزل في الكرام سنياً. اشتملت منه محافل الملك على العقد الثمين، وحلت به المشورة في الكنف المحوط والحرم الأمين، فكان في مشكاة الأمور هادياً، وفي ميدان المراشد جرياً. فإلى مقاماته تبلغ مقامات الإخلاص، وإلى مرتبته تنتهي مراتب الاختصاص، فيمن حاز خصلاً، وزين حفلاً، وشرف ندياً. واستكمل همماً، واستحمل قلماً، واستخدم مشرفياً. فلله ما أعلى قدر هذا الشرف، الجامع بين المتلد والمطرف (١) ، السابق في الفضل أمداً قصياً. الحال من الاصطفاء مظهراً، الفارع من العلاء منبراً، الصاعد من العز كرسياً. حاز الفضل إرثاً وتعصيباً، واستوفى الكمال حقاً ونصيباً، ثناء أرجه كالروض لولم يكن الروض ذابلاً وهدياً. نوره كالبدر لولم يكن البدر آفلاً، ومجد علوه كالسها لولم يكن السها خفياً. فما أشرف الملك الذي اصطفاه، وكمل له حق التقريب ووفاه، وأحله قرارة التمكين، ومن اختصاصه بالمكان المكين، فسبق في ميدان التفويض وشأى (٢) ، ورأى من الأنظار الحميدة ما رأى، صاعداً بالحق إماماً علماً، موضحاً من الدين نهجاً أمماً، هادياً من الواجب صراطاً سوياً. بانياً لمجد صرحاً مشيداً، مشهراً للعدل قولاً مؤيداً، مبرماً للخير سبباً قوياً. فالله تعالى يصل لمقام هذا الملك الذي طلع في سمائه بدراً دونه البدور، وصدراً تلوذ به الصدور، سعداً لا تمطله الأيام في تقاضيه، ونصراً يمضي به نصل الجهاد فلا يزال ماضيه، على الفتح مبنياً. ويوالي له عزاً يذود عن حرم الدين ويمنحه تأييداً (٣) يصبح في أعناق الكفر حديث سيفه قطعياً.

стр. 3329

أمر به مرسوماً عزيزاً لا تبلغ المرسومات إلى مداه، ولا يبدي بآثار الاختصاص مثل ما أبداه عبد الله أمير المسلمين محمد الغالب بالله أيد الله تعالى مقامه، ونصر أعلامه، وشكر إنعامه، ويسر مرامه، لإمام الأئمة وعلم الأعلام، وعماد ذوي العقول والأحلام، وبركة حملة السيوف والأقلام، وقدوة رجال الدين وعلماء الإسلام، الشيخ الفقيه أبي يحيى ابن كبير العلماء، شهير العظماء، حجة الأكابر والأعيان، مصباح البلاغة والبيان، قاضي القضاة وإمامهم، أوحد الجلة وطود شمامهم، الشيخ الفقيه أبي بكر ابن عاصم أبقاه الله تعالى، ومناطق الشكر به فصيحة اللسا، ومواهب الملك به معهودة الإحسان، وقلائد الأيادي منه متقلدة بجيد كل إنسان، فقد تقرر والمفاخر لا تنسب إلا لبنيها، والفضائل لا تعتبر إلا بمن يشيد أركانها ويبنيها، والكمال لا يصفي شربه، إلا لمن يؤمن سربه، أن هذا العلم الكبير، الذي لا يفي بوصفه التعبير، لم بآثاره يقتدى، وبأنظاره يهتدي، وبإشارته يستشهد، وبإدارته يسترشد، إذ لا أمد علو (١) إلا وقد تخطاه، ولا مركب فضل إلا وقد تمطاه، ولا شراقة هدى إلا وقد جلاها، ولا لبة فخر إلا وقد حلاها، والنعمة إلا وقد أسداها، ولا حرمة إلا وقد أبداها، لما له في دار الملك من الخصوصية العظمى، والمانة التي تسوغ النعمى، والرتب التي تسموالعيون إلى مرتقاها، وتستقبها النفوس بالتعظيم وتتلقاها، حيث سر الملك مكتوم، وقرطاسه مختوم، وأمره محتوم، والأقلام قد روضت الطروس وهي ذاوية، وقسمت الأرزاق وهي طاوية، شقت ألسنتها فنطقت، وقطت (٢) أرجلها فسبقت، ويبست أثمرت إنعاماً، ونكست فأظهرت قواماً، وخطت فأعطت، وكتبت فوهبت، ومشقت فرفقت، وأبرمت فأنعمت، فكم يسرت الجبر،

стр. 3330

وعفرت الهزبر، وشنفت المسامع، وكيفت المطامع، وأقلت فيما ارتفع من المواضع، وأحلت لما امتنع من المراضع، فهي تنجز النعم، وتحجز النقم، وتبث المذاهب، وتحث المواهب، وتروض المراد، وتنهض المراد، وتحرس الأكناف، وتغرس الأشراف، مصيخة لنداء هذا العماد الأعلى، طامحة لمكانه الذي سما واستعلى، فيما يلي عليها من البيان الذي يقر له بالتفضيل، الملك الضليل، ويشهد له بالإحسان، لسان حسان، يحكم له ببري القوس (١) ، حبيب بن أوس، ويهيم بما من الأساليب عنده، شاعر كندة، ويستمطر سحبه الثرة، فصيح المعرة، إلى منثور تزيل الفقر فقره، وتدر الرزق درره، لوأنهي إلى قس إباد لشكر في الصنيعة أياديه، واستمطر سحبه وغواديه، أوبلغ إلى سحبان لسحره، وما فارقه عشية ولا سحره، ولورآه الصابي لأبدى إليه من صبوته ما أبدى، أوسمعه ابن عباد لكان له عبداً، أبوبلغ بديع الزمان لهجر بدائعه، واستنزر بضائعه، أوأتحف به البستي لا تخذه بستاناً، أوعرض على عبد الحميد لأحمد من صوبه هتاناً، فأعظم به ومن عال لا ترقى ثنيته، ولا تحاز مزيته، ولا يرجم أفقه، ولا يكتم حقه، ولا ينام له عن اكتساب الحمد ناظر، ولا ينقاس به في الفضل مناظر، وهل تقاس الأجادل بالبغاث، أوالحقائق بالأضغاث ألا وإن بيته هوالبيت الذي طلع في افقه كل كوكب وقاد، ممن وشج به للعلوم اتقاء واتقاد، وترامى به للمدارك ذكاء وانتقاد، فاعظم بهم أعلاماً وصدوراً، وأهلة وبدوراً، خلدت ذكرهم الدواوين المسطرة، وسرت في محامدهم الأنفاس المعطرة، إلى أن نشأ في سمائهم هذا الأوحد، الذي شهرة فضله لا تجحد، فكان قمرهم الأزهر، ونيرهم الأظهر، ووسيطة عقدهم الأنفس، ونتيجة مجدهم الأقعس، فأبعد في المناقب آماده، ورفع الفخر وأقام عماده، وبنى على تلك الأساس المشيدة، وجرى لإدراك تلك الغايات البعيدة،

стр. 3331

فسبق وجلى، وشنف بذكره المسامع وحلى، ورفع المشكل ببيانه، وحرر الملتبس ببرهانه، إلى أن أحله قضاء الجماعة ذروة أفقه الأصعد (١) ، وبوأه عزيز ذلك المقعد، فشرف الخطة، وأخذ على الأيدي المشتطة، لا يراقب إلا ربه، ولا يضمر إلا العدل وحبه، والمجلس السلطاني أسماه الله تعالى يختصه بنفسه، ويفرغ عليه من حلل الاصطفاء ولبسه، ويستمطر فزائده، ويجرب بأنظاره حقوق الملك وعوائده، فكان بين يديه حكماً مقسطاً، ومقسماً لحظوظ الإنعام مقسطاً، إلى أن خصه بالكتابة المولوية، ورأى له ذلك حق الأولوية، إذ كان والده المقدس نعم الله تعالى ثراه، ومنحه السعادة في أخراه، مشرف ذلك الديوان، ومعلي ذلك الإيوان، يحبر رقاع الملك فتروق، وتلوح كالشمس عند الشروق، فحل ابنه هذا (٢) الكبير شرفاً، الشهير سلفاً، مرتبته التي سمت، وافترت به عن السعد وابتسمت، فسحبت به لشرف مطارف، وأحرزت به من الفخر التالد والطارف، فهواليوم في وجهها غرة، وفي عينها قرة، ولله هوفي ملاحظة الحقائق ورعيها، وسمع الحجج ووعيها، فلقد فضل بذلك أهل الاختصاص، وسبقهم في تبيين ما يشكل منها وما يعتاص، إذ المشكلة معه جلية الأغراض، والآراء لديه آمنة من مأخذ الاعتراض، فكم رتبة عمرها بذويها، فأكسبها تشريفاً وتنويهاً، وعلى ذلك فأعلام قضاة الوطن، ومن عبر منهم وقطن، مع أقدارهم السامية، ومعاليهم التي هي للزهر مسامية، إنما رقتهم وساطته التي أحسنت، وزينت بهم المجالس وحسنت، فيه (٣) أمضوا أحكامهم، وأعلموا في الأباطيل احتكامهم، وكتبوا الرسوم، وكتبوا الخصوم، وحلوا دست القضاء، وسلوا سيف المضاء، وفي زمانه تخرجوا،

стр. 3332

وفي بستانه تأرجحوا، ومن خلفه اكتسبوا، وإلى طرقه انتسبوا، وعلى موارده حاموا، وحول فوائده قاموا، ويتعريفه عرفوا، وبتشريفه شرفوا، وبصفاته ملفوا، ويعرفاته وقفوا، فأمنوا مع انسكاب سحب إفادته من الجذب، وقاموا بذلك الفرض بسبب ذلك الندب، وهل العلماء وإن عمت فوائدهم، وانتظمن بجياد الأذهان فرائدهم، إلا من أنواره مستمدون، فبه اجتنيت من أفنان المنابر ثمراتهم، وتأرجت في روضات المعارف زهراتهم، وبه عمروا الحلق، وائتلق من أنوارهم ما أئتلق، إذ كل من اصطناعه محسوب، وإلى بركته منسوب، فهويدرهم الأهدى، وغيثهم الأجدى، وعقدهم المقتنى، وروضهم المجتنى، وبدر منازلهم، وصدر محافلهم. وعلى ما أعلى المقام المولوي من مكانه، وقضى به من استمكانه، واعتمد من إبرامه، وأبرم من اعتماده، ومهد من إكرامه، وكرم من مهاده، واختص من علاه، وأعلى من اختصاصه، واستخلص من حلاه،، وحلا من استخلاصه، ووفى من تكرمه، وكرم من يراعته، وشقق من كتابته، وأنطق من خطابته، وسجل من أنظاره، وعجل من اختياره، فذكا ذكره، وسطا سطره، وأمعن معناه، وأغنى مغناه، أشار أيده الله تعالى باستئناف خصوصيته وتجديدها، وإثبات مقاماته وتحديدها، لتعرف تلك الحدود فلا تتخطى، وتكبر تلك المراتب فلا تستعطى، فأصدر له شكر الله تعالى إصداره، وعمر من مناقبه البديع فراق طيه ونشره، وغدا وفرائد المآثر لديه موجدة مكونه (١) ، وأصبح للمفاخر مالكاً لما أتى به مدونه، وخصه فيه بالنظر المطلق الشروط، الملازم للتفويض ملازمة

стр. 3333

الشرط للمشروط، المستكمل الفروع والأصول، المستوفي الأجناس والفصول، في الأمور التي تختص بأعلام القضاة الأكابر، وكتاب القضاة ذوي الأقلام والمحابر، وشيوخ العلم وخطباء المنابر، وسائر أرباب الأقلام القاكن منهم والعابر، بالحضرة العلية، وجميع البلاد النصرية، تولى الله تعالى جميع ذلك بمعهود ستره، ووصل لديه ما تعود من شفع اللطف ووتره، يحوط مراتبهم التي قطفت من روضاتها ثمرات الحكم وجنيت، ويراعي أمورهم التي أقيمت على العوائد وبنيت، وحقوقهم التي حفظت لهم في المجالس السلطانية ورعيت، ويحل كل واحد منهم في منزلته التي تليق، ومرتبته التي هوبها خليق، على ما يقتضي ما يعلم من أدواتهم، ويخبر من تباين ذواتهم، ويرشح كل واحد إلى ما استحه، ويؤتي كل ذي حق حقه، اعتماداً على أغراضه التي عدلت، وصدحت على أفنانها من الأفواه طيور الشكر وهدلت، واستناداً في ذلك إلى آرائه، وتفويضاً له في هذا الشأن بين خلصاء الملك وظهرائه، وذلك على مقتضى ما كان عليه أعلام الرياسة الذين سبقوا، وانتهضوا بهممهم واستبقوا، كالشيخ الرئيس الصالح أبي الحسن ابن الجياب، والشيخ ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الخطيب، رحمهما الله تعالى. فليقم أبقاه الله تعالى بهذه الأعمال التي سمت واعتزت، ومالت بها أعطاف العدل واهتزت، وسار بها الخبر حثيث السرى، وصار بها الحق مشدود العرى، وعلى جميع القضاة الامضايء، والعلماء الأرضياء، والخطباء الأولياء، والمقرئين الأزكياء، وحملة الأقلام الأحظياء، أن يعتمدوا هذا الولي العماد في كل ما يرجع إلى عوائدهم، ويختص في دار الملك من مرتباتهم وفوائدهم، وما يتعلق بولاياتهم وأمنياتهم، ويليق بمقاصدهم ونياتهم، فهوالذي يسوغهم المشارب، ويبلغهم المآرب، ويستقبل العلي بالعلي، والعاطل بالحلي، والمشكل بالجلي، والمفرق بالتاج، والمقدمة بالإنتاج، وعلى ذلك فهذا المنشور الكريم قد أقرهم على ولاياتهم وأبقاهم، ولقاهم من حفظ المراتب ما رقاهم، فليجروا

стр. 3334

على ماهم بسبيله، وليهتدوا بمرشد هذا الاتناء ودليله، وكتب في صفر عام سبعة وخمسين وثمانمائة؛ انتهى. قلت: وإنما أتيت به لوجوه: أحدها ما يتعلق بلسان الدين إذ وقعت الإشارة إلى مرتبته في آخره، والثاني ما اشتمل عليه من الإنشاء الغريب، والثالث معرفة حال الرئيس أبي يحيى ابن عاصم وتمكنه من الرياسة، لأنا بنينا هذا الكتاب على ذكر ما يناسبه من أنباء أهل المغرب، لكون أهل هذه البلاد المشرقية ليس لهم بها عناية، والرابع أن بعض أكابر شيوخنا ممن ألف في طبقات الملكية لما عرف بأبي يحيى ذكره في نحوأسطر عشرة، وقال: هذا الذي حضرني من التعريف به، والخامس أن ابن عاصم المذكور كما قاله الوادي آشي وغيره كان يدعي في الأندلس بابن الخطيب الثاني، ويعنون بذلك البلاغة والبراعة والرياسة والسياسة. رجع إلى أخبار لسان الدين فنقول: وأما كتب التأليف باسم لسان الدين رحمه الله تعالى، فقد قال في الإحاطة لما أجرى ذكر ذلك ما صورته: وأما ما رفع إلي من الموضوعات العلمية، والوسائل الأدبية، والرسائل الإخوانية، لما أقامني الملك صنماً يعتمد، وخيالاً إليه يستند، صادرة عن الأعلام، وحملة الأقلام، ورؤساء النثار والنظام، فجم يضيق عنه الإحصاء، ويعجز عن ضم نشره الاستقصاء، وربما تضمن هذا الكتاب كتاب الإحاطة منه كثيراً، ومنظوماً أثيراً، ودراً نثيراً، جرى في أثناء الأسماء، وانتمى إلى الإجادة اكرم الانتماء، غفر الله تعالى لي ولقائله، فما كان أولاني وإياه بستر زوره، وإغراء الإضراب بغروره، فأهون بما لا ينفع، وإن ارتفع الكلم الطيب لا يرفع، اللهم تجاوز عنا بفضلك وكرمك؛ انتهى. وقد تقدم في ترجمة أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الكرسوطي الفاسي نزيل مالقة وصاحب العديدة أنه ألف تقييداً على قواعد الإمام القاضي

стр. 3335

أبي الفضل عياض رحمه الله تعالى برسم ولد لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى، وكذلك غير واحد من أهل عصره، قصدوه بالنظم والنثر، وهي سنة الله في عباده، إذ السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق فيها، والله ولي المكافأة، لا رب غيره، ولا مأمول سواه (١) ؛ انتهى.

стр. 3336

الباب الخامس في إيراد جملة من نثره الذي عبق أريج البلاغة من نفحاته، ونظمه الذي تألق نور البراعة من لمحاته وصفحاته، وما يتصل به من أزجاله وموشحاته، ومناسبات رائقة فيفنون الأدب ومصطلحاته اعلم - سلك الله تعالى بي وبك أوضح محجه، وجعلنا ممن انتحى صوب الصواب ونهجه - أن هذا الباب، هوالمقصود بتأليف هذا الكتاب، وغيره كالتبغ له، وها أنا أذكر ما حضرني الآن من بنات أفكار لسان الدين التي هي بالمحاسن متقنعة، ولبدائع منتعلة، فأقول: أما نثره فهوالبحر الزخار، بل الدر الذي به الافتخار، وناهيك أن كتبه الآن في المغرب قبلة أرباب الإنشاء التي إليها يصلون، وسوق دررهم النفسيسة التي يزينون بها صدور طروسهم ويحلون، وخصوصاً كتابه ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب، فإنه، وإن تعددت مجلداته، على فن الإنشاء والكتابة مقصور، وقد اشتمل على السلطايات وغيرها ومخاطباته لأهل المشرق والمغرب على لسان ملوك الأندلس الذين علم بلاغتهم منصور، وقد تركت نسختي منه في المغرب، ولوحضرتني لكفتني عن هذه الفوائد التي أتعبت خاطري في جمعها من مقيداتي التي صبتها معي، وهي قليلة. وقد مر في هذا الكتاب جملة من نثره ونظمه، والذي نجلبه هنا زيادة على ما سبق. وقال رحمه الله تعالى في " الإحاطة " عند ترجمة نثره ما صورته: وأما النثر

стр. 3337

فبحر زاخر، ومدى طوله مستاخر، وإنك لميفخر عليك كفاخر، وقد مر منه في تضاعيف هذا الديوان كثير، ونحن نجلب منه ما يشير إليه مشير؛ انتهى. ١ - فمن ذلك قوله في غرض التحميد مما افتتح به الكتاب في التاريخ المتضمن دولة بني نصر (١) : الحمد لله الذي جعل الأزمنة كالأفلاك، ودول الأملاك كأنجم الأحلاك، تطلعها من المشارق نيرة، وتلعب بها مستقيمة أومتحيرة، ثم تذهب بها غائرة متغيرة، السائق (٢) عجل، وطبع الوجود مرتجل، والحي من الموت وجل، والدهر لا معتذر ولا خجل، بينما ترى الدست عظيم الزحام، والموكب شديد الالتحام، والوزعة تشير، والأبواب يقرعها البشير، والسرور قد شمل الأهل والعشير، والأطراف تلثمها الأشراف، والطاعة يشهرها الاعتراف، والأموال يحوطها العدل أويبيحها الإسراف، والرايات تعقد، والاعطيات تنقد، إذ رأيت الأبواب مهجورة، والدسوت لا مؤملة ولا مزورة، والحركات قد سكنت، وأيدي الإدالة قد تمكنت، فكأنما لم يسمر سامر، ولا نهي ناه، ولا أمر آمر، ما أشبه الليلة بالبارحة، والغادية بالرائحة ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح﴾ (الكهف:٤٥) . ٢ - ومن نثره قوله في استدعاء إمداد وحض على الجهاد: " أيها الناس رحمكم اله تعالى، إخوانكم المسلمون بالأندلس قد دهم العدوقصمه الله تعالى ساحتهم، ورام الكفر خذله الله تعالى استباحتهم، وزحفت أحزاب الطواغيت إليهم، ومد الصليب ذراعيه عليهم، وأيديكم بعزة الله تعالى أقوى، وأنتم المؤمنون أهل البر والتقوى، وهودينكم فانصروه، وجواركم الغريب فلا تحفزوه، وسبيل الرشد قد وضح فلتبصروه، الجهاد الجهاد فقد تعين،

стр. 3338

الجار الجار فقد قرر الشرع حقه وبين، الله الله في الإسلام، الله الله في أمة محمد ﵊، الله الله في المساجد المعمورة بذكر الله، الله اله في وطن الجهاد في سبيل الله، قد استغاث بكم الدين فأغيثوه، قد تأكد عهد الله وحاشاكم أن تنكثوه، أعينوا إخوانكم بما أمكن من الإعانة أعانكم الله تعالى عند الشدائد، جددوا عوائد الخير يصل الله تعالى لكم جميل العوائد، صلوا رحم الكلمة، واسوا أنفسكم وأموالكم تلك الطوائف المسلمة، كتاب الله بين أيديكم، وألسنة الآيات تناديكم، وسنة رسول الله ﷺ قائمة فيكم، والله سبحانه يقول له " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم " الصف: ١٠. ومما صح عنه قوله من اغبرت قدماه في سبيل الل حرمهما الله على النار لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، أدركوا رمق الدين قبل أ، يفوت، بادروا عليل الإسلام قبل أن يموت، احفظوا وجوهكم مع الله تعالى يوم يسألكم عن عباده، جاهدوا في الله بالألسن والأقوال حق جهاده: ماذا يكون جوابكم لنبيكم ... وطريق هذا العذر غير ممهد إن قال لم فرطتم في أمتي ... وتركتموهم للعدوالمعتدي تالله لو أن العقوبة لم تخف ... لكفى الحيا من وجه ذاك السيد اللهم اعطف علينا قلوب العباد، اللهم بث لنا الحمية في البلاد، اللهم دافع عن الحريم والضعيف والأولاد، اللهم انصرنا على أعدائك، بأحبابك وأوليائك، يا خير الناصرين، اللهم أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. انتهى. ٣ - ومن ذلك قوله في صداق أمره السلطان بإنشائه لكبير الشرفاء بفاس في فصل منه تضمن ذكر أوليتهم واستيطانهم لتلك المدينة ما صورته. فضرب بفاس - عمرها الله تعالى - حلته، وأورث منها بالبقعة الزكية

стр. 3339

الرفيعة وجلته، فتبوأوا من ذلك الغور، المعشب الروض الأرج النور، هالة سعد، وأفق برق ورعد، ودست وعيد ووعد، يتناقلون رتب الشرف الصريح كابراً عن كابر، ويروي مسلسل المجد عن بيتهم الرفيع الجد كل حريص على عوالي المعالي مثابر: فالكف عن صلة، والأذن عن حسن ... والعين عن قرة، والقلب عن جابر حيث الأنوف الشم والوجوه الغر، والعزة القعساء والنسب الحر، والفواطم في صدف الصون من لدن الكون كأنهن الدر، آل رسول الله ونعم الآل، والموارد الصادقة إذا كذب الآل، ون إذا لم يصل عليهم في الصلاة حبطت منها الأعمال، طلبة الراكب، ونشدة الطالب، وسراة لؤي بن غالب، وملتقى نور الله تعالى ما بين فاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب. انتهى، وهوطويل لم يحضرني منه الآن سوى ما ذكرته. ٤ - ومن ذلك قوله رحمه الله تعالى: كتبت إلى بعض السادة الفضلاء، وقد بلغني مرضه أيام كان الانزعاج عن الأندلس إلى الإيالة المرينية (١) : وردت علي فئتي التي إليها في معركة الدهر أتحيز، وبفصل فضلها في الأقدار المشتركة اتميز، سحاءة سرت وساءت، وبلغت من القصدين (٢) ما شاءت، أطلع بها سيدي صنيعة وده من شكواه على كل عابث في السويداء، موجب اقتحام البيداء، مضرم نار الشفقة في فؤاد لم يبق من صبره إلا القليل، ولا من إفصاح لسانه إلا الأنين والأليل، ونوى مدت لغير ضرورة يرضاها الخليل، فلا تسأل عن ضنين تطرقت اليد إلى رأس ماله، أوعابد نوزع في تقبل أعماله، أوآمل ضويق في فذلكة آماله، لكني رجحت دليل المفهوم على دليل المنطوق، وعارضت القواعد الموحشة بالفروق، ورأيت الخط يبهر والحمد لله تعالى ويروق،

стр. 3340

واللفظ الحسن تومض في حبره للمعنى الأصيل بروق، فقلت: ارتفع الوصب، ورد من الصحة المغتصب، وآلة الحس والحركة هي العصب، وإذا أشرق سراج الإدراك دل على سلامة سليطه، والروح خليط البدن والمرء بخليطه، وعلى ذلك فبليد احتياطي لا يقنعه إلا الشرح، فيه يسكن الظمأ البرح، وعذراً عن التكليف فهومحل الاستقصاء والاستفسار، والإطناب والإكثار، وزند الفلق في مثلها أورى، والشفيق بسوء الظن مغري، والسلام. ٥ - ومن نثر لسان الدين ما ذكره في " الإحاطة " في ترجمة أبي عبد الله الشديد وهومحمد بن قاسم بن أحمد بن إبراهيم الأنصاري الجياني الأصل ثم المالقي إذ قال ما صورته (١) : " جملة جمال (٢) من خط حسن واضطلاع بحمل كتاب الله، بلبل دوح السبع المثاني، ومائطة عروس أبي الفرج ابن الجوزي، وآية صقعه ونسيج وحده في حسن الصوت وطيب النغمة، اقتحم لذلك دسوت الملوك، وجر أذيال الشهرة (٣) ، عذب الفكاهة، ظريف المجالسة، قادراً على المحاكاة، متسوراً حمى الوقار، ملبياً داعي الانبساط، قلد شهادة الديوان بمالقة فكان مغار حيل الأمانة، شامخ مارن النزاهة، لوحاً للألقاب، وعززت ولايته ببعض الألقاب النبيهة، وهوالآن الناظر في أمور الحسبة ببلده، ولذلك خاطبته برقعة أداعبه بها وأشير إلى أضداده بما نصه: يا أيها المحتسب الجزل ... ومن لديه الجد والهزل يهنيك والشكر لمولى الورى ... ولاية ليس لها عزل كتبت أيها المحتسب، المنتمي إلى النزاهة المنتسب، أهنيك ببلوغ تمنيك، وأحذرك

стр. 3341

من طمع نفس بالغرور تمنيك، فكأنني بك وقد طافت بركابك الباعة، ولزم أمرك السمع والطاعة، وارتفعت في مصانعتك الطماعة، وأخذت أهل الريب بغتة كما تقوم الساعة، ونهضت تقعد وتقيم، وسطوتك الريح العقيم، وين يديك القسطاس المستقيم، ولا بد من شرك ينصب، وجماعة على ذي جاه تعصب (١) ، ودالة يمت بها الجناب الأخصب، فإن غضضت طرفك، أمنت على الولاية صرفك، وإن ملأت ظرفك (٢) ، رحلت عنها حرفك، وإن كففت فيها كفك، حفك العز فيمن حفك، فكن لقالي المجبنة قالياً، ولحوت السلة سالياً، وأبد لدقيق الحواري زهد حواري، وازهد فيما بأيدي الناس من العواري، وسر في اجتناب الحلواء، على السبيل السواء، وارفض في الشواء، دواعي الأهواء (٣) ، وكن على الهراس (٤) وصاحب ثريد الراس شديد المراس، وثب على طبيخ الأعراس ليثاً مرهوب الافتراس، وأدب أطفال الفسوق في السوق، لا سيما من كان قبل البلوغ والبسوق، وصمم على استخراج الحقوق، والناس أصناف فمنهم خسيس يطمع منك في ألة، ومستعد عليك بوكزة أوركلة، وحاسد في مطية تركب وعطية تسكب، فاخفض للحاسد جناحك، وسدد إلى حربه رماحك، واشبع الخسيس منهم مرقة فإنه حنق، ودس له فيها عظماً لعله يختنق، واحفر لشريرهم حفرة عميقة، فإنه العدوحقيقة، حتى إذا حصل، وعلمت أن وقت الانتصار قد اتصل، فأوقع وأوجع ولا ترجع، وأولياءه من الشياطين (٥) فافجع، والحق أقوى، وأن تعفوأقرب لتقوى، سددك اله تعالى إلى غرض التوفيق، وأعلقك

стр. 3342

من الحق بالسبب الوثيق، وجعل قدومك مقروناً برخص اللحم والزيت والدقيق؛ انتهى. ٦ - ومما كتب به لسان الدين إلى علي بن بدر الدين الطوسي بن موسى ابن رحوبن عبد الله بن عبد الحق من مدينة سلا ما نصه: يا جملة الفضل والوفاء ... ما بمعاليك من خفاء عندي بالود فيك عقد ... حفه الدهر باكتفاء ما كنت أقضي حلاك حقاً ... لو جئت مدحاً بكل فاء فأول وجه القبول عذري ... وحسبك (١) الشك في صفاء سيدي الذي هوفصل جنسه، ومزية يومه على أمسه، فإن افتخر الدين من أبيك بدره افتخر منك بشمسه، رحلت على المنشا والقرارة، ومحل الصبوة والفرارة، فلم تتعلق نفسي بذخيرة، ولا عهد جيرة خيرة (٢) ، كتعلقها بتلك الذات التي لطفت لطافة الراح، واشتملت بالمجد الصراح، شفقة أن تصيبها معرة والله تعالى يقيها، ويحفظها ويبقيها، إذ الفضائل في الأزمان الرذلة غوائل، والضد عن ضده منحرف بالطبع ومائل، فلما تعرفت خلاص سيدي من ذلك الوطن، وإلقاءه وراء الفرضة (٣) بالعطن، لم تبق لي تعلة، ولا أحرضتني له علة، ولا أوتي جمعي من قلة، فكتبت أهنئ نفسي الثانية بعد هناء نفسي الأولى، وأعترف للزمان باليد الطولى، فالحمد لله الذي جمع الشمل بعد شتاته، وأحيا الأنس بعد مماته، سبحانه لا مبدل لكلماته، وإياه أسأل أن يجعل العصمة حظ سيدي ونصيبه، فلا يستطيع حادث أن يصيبه، وأنا أخرج له عن بث كمين، ونصح أنا به قمين،

стр. 3343

بعد أن أسبر غوره، وأخبر طوره، وأرصد دوره، فإن كان له في التشريق أمل، وفي ركب الحجاز ناقة وجمل، والرأي فيه قد نجحت منه نية وعمل، فقد غني عن عرف البقرات، بأزكى الثمرات، وأطفأ هذه الجمرات، برمي الجمرات، وتأنس بوصل السرى ووصال السراة، وأنا به إن رضيتني أرضى مرافق، ولواء عزي به خافق، وإن كان على السكون بناؤه، وانصرف إلى الإقامة اعتناؤه، فأمر له ما بعده، والله يحفظ من الغير سعده، والحق أن تحذف الأبهة وتختصر، ويحفظ اللسان ويغض البصر، وينخرط في الغمار، ويخلي عن المضمار، ويجعل من المحظور مداخلة من لا خلاق له، ممن لا يقبل الله تعالى قوله ولا عمله، فلا يكتم سراً، ولا يتطوق من الرجولة زراً، ويرفض زمام السلامة (١) ، وترك العلامة على النجاة علامة، وأما حالي فكما علمتم ملازم كن، ومهبط تجربة وسن، أزجي الأيام، وأروم بعد التفرق الالتئام، خالي اليد، مليء القلب والخلد، بفضل الواحد الصمد، عامل على الرحلة الحجازية التي أختارها لكم ولنفسي، واصل في التماس الإعانة عليها يومي بأمسي، أوجب ما قررته لكم ما أنتم أعلم به من ود قررته الأيام والشهور، والخلوص المشهور، وما أطلت في شيء عند قدومي على هذا الباب الكريم إطالتي فيما يختص بكم من موالاته، وبذل مجهود القول والعمل في مرضاته، وأما ذكركم في هذه الأوضاع فهومما يقر عين المجادة، والوظيفة التي ينافس فيها أولوالسادة، والله يصل بقاءكم، وييسر لقاءكم، والسلام " انتهى. ٧ - ومن نثر لسان الدين ما أثبته في الإحاطة في ترجمة ابن خلدون صاحب التاريخ الذي تكرر نقلنا منه في هذا التأليف: ولنذكر الترجمة بجملتها فنقول: قال رحمه الله تعالى في " الإحاطة " ما نصه: " عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن

стр. 3344

إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي، من ذرية عثمان أخي كريب المذكور في نبهاء ثوار الأندلس، وينسب سلفهم إلى وائل بن حجر، وحاله عند القدوم على رسول الله ﷺ معروفة، انتقل سلفه من مدينة إشبيلية عن نباهة وتعين وشهرة عند الحادثة بها أوقبل ذلك، فاستقر بتونس منهم ثاني المحمدين محمد بن الحسن، وتناسلوا على حشمة وسراوة ورسوم حسنة، وتصرف جد المترجم به في القيادة. وأما المترجم به فهورجل فاضل، حسن الخلق، جم الفضائل، باهر الخصل، رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصي الزي، عالي الهمة، عزوف عن الضيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح لقنن الرياسة، خاطب للحظ، متقدم في فنون عقلية ونقلية، متعدد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التصور، بارع الخط، مغري بالتجلة، جواد حسن العشرة، مبذول المشاركة، مقيم لرسم التعيين، عاكف على رعي خلال الأصالة، مفخر من مفاخر التخوم المغربية. قرأ القرآن ببلده على المكتب ابن برال، والعربية على المقرئ الزواوي وغيره، وتأدب بأبيه، وأخذ عن المحدث أبي عبد الله ابن جابر الوادي آشي، وحضر مجلس القاضي أبي عبد الله ابن عبد السلام، وروى عن الحافظ أبي عبد الله السطي، والرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، ولازم العالم الشهير أبا عبد الله الآبلي وانتفع به، انصرف من إفريقية منشئه بعد أ، تعلق بالخدمة السلطانية على الحداثة، وإقامته لرسم العلامة بحكم الاستنابة، عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وعرف فضله، وخطبه السلطان منفق سوق العلم والأدب أبوعنان فارس بن علي بن عثمان، واستحضره (١) بمجلس المذاكرة فعرف حقه وأوجب فضله، واستعمله على الكتابة أوائل عام ستة وخمسين، ثم عظم عليه حمل الخاصة من طلبة الحضرة لبعده عن حسن التأتي، وشفوفه بثقوب الفهم وجودة الإدراك، فأغروا به

стр. 3345

السلطان إغراء عضده ما جبل عليه عهدئذ من إغفال التحفظ مما يريب ليده، فأصابته شدة تخلصه منها أجله (١) ، كانت مغربة في جفاء ذلك الملك وهناة جواره، وإحدى العوازل لأولي الهوى في القول بفضله وعدم الخشوع وإهمال التوسل وإبادة المكسوب في سبيل النفقة والإرضاخ على زمن المحنة وجار المنزل الخشن، إلى أ، أفضى الأمر إلى السعيد ولده، فأعتبه قيم الملك لحينه، وأعاده إلى رسمه، ودالت الدولة إلى السلطان أبي سالم، وكان له به الاتصال قبل تسوغ المحنة بما أكد حظوته، فقلده ديوان الإنشاء مطلق الجرايات محرر السهام نبيه الرتبة، إلى آخر أيامه. ولما ألقت الدولة مقادها بعده إلى الوزير عمر بن عبد الله مدبر الأمر، وله إليه وسيلة وفي حيله شركة وعنده حق، رابه تقصيره عما ارتمى إليه أمله، فساء ما بينهما بما آل انفصاله عن الباب المريني، وورد على الأندلس في أول ربيع الأول عام أربعة وستين وسبعمائة، واهتز له السلطان، وأركب خاصته لتقليه، وأكرم وفادته، وخلع عليه وأجلسه بمجلسه، ولم يدخر عنه براً ومؤاكلة ومطايبة وفكاهة. ٨ - وخاطبني لما حل بظاهر الحضرة مخاطبة لم تحضرني الآن، فأجبته عنها بقولي (٢) : حللت حلول الغيث في البلد المحل ... على الطائر الميمون والرحب والسهل يميناً بمن تعنو الوجوه لوجهه ... من الشيخ والطفل المهدإ والكهل لقد نشأت عندي للقياك غبطة ... تنسي اغتباطي بالشبيبة والأهل أقسمت بمن حجت قريش لبيته، وقبر صرفت أزمة الأحياء لميته، ونور ضربت الأمثال بمشكاته وزيته، لوخيرت أيها الحبيب الذي زيارته الأمنية السنية، والعارفة

стр. 3346

الوارفة، واللطيفة المطيفة، بين رجع الشباب يقطر ماء ويرف نماء، ويغاز عيون الكواكب فضلاً عن الكواعب إشارة وإيماء، بحيث لا الوخط يلم بسياج لكته، أويقدح ذبالة في ظلمته، أويقوم حواريه في ملته، من الأحابش وامته، وزمانه روح وراح، ومغدى في النعيم ومراح، وقصف صراح، ورقى وجراح، وانتحاب واقتراح، وصدور ما بها إلا انشراح، ومسرات تردفها أفراح، وبين قدومك خليع الرسن، ممتعاً والحمد لله باليقظة والوسن، محكماً في نسك الجنيد أوفتك الحسن، ممتعاً بظرف المعارف، مالئاً أكف الصيارف، ماحياً بأنوار البراهين شبه الزخارف، لما اخترت الشباب وإن راقني (١) زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحائب دمعي دمنه، فالحمد لله الذي رقى جنون اغترابي، وملكني أزمة آرابي، وغبطني بمائي وترابي، ومألف أترابي، وقد أغصني بلذيذ شرابي، ووقع على سطوره المعتبرة إضرابي، وعجلت هذه مغبطة بمناخ المطية، ومنتهى الطية، وملتقى السعود غير البطية، وتهني الآمال الوثيرة الوطية، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ربك، متجملة بزيك، عاقلة خطى مهريك، ومولى مكارمه نشيدة أمثالك، ومظان مثالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع فضل مجدك في التخلف عن الإصحار (٢) ، لا بل اللقاء من وراء البحار، والسلام. ٩ - ولما استقر بالحضرة جرت بيني وبينه مكاتبات أقطعها الظرف جانبه، وأوضح الأدب مذاهبه، فمن ذلك ما خاطبته به وقد تسري جارية رومية اسمها هند صبيحة الابتناء بها: أوصيك بالشيخ أبي بكره ... لا تأمنن في حالة مكره واجتنب الشك إذا جئته ... جنبك الرحمن ما تكره

стр. 3347

سيدي لا زلت تتصف بالوالج، بين الخلاخل والدمالج، وتركض فوقها ركض الهمالج، أخبرني كيف كانت الحال، وهل حطت بالقاع من خير البقاع الرحال، واحكم بمرود المراودة الاكتحال، وارتفع بالسقيا الإمحال، وصح الانتحال، وحصحص الحق وذهب المحال، وقد طولعت بكل بشرى وبشر، وزفت هند منك إلى بشر، فلله من عشية، تمتعت من الربيع بفرش موشية، وأبدلت منها أي آساد حشية، وقد أقبل ظبي الكناس، من الديماس، ومطوق الحمام، من الحمام، وقد حسنت الوجه الجميل التطرية، وأزيلت عن الفرع الأثيث الأبرية، وصقلت الخدود فكأنها الأمرية (١) ، وسلط الدلك على الجلود، وأغريت النورة بالشعر المولود، وعادت الأعضاء يزلق عنها اللمس، ولا تنالها البنان (٢) الخمس، والسحنة يجول في صفحتها الفضية ماء النعيم، والمسواك يلبي من ثنية التنعيم، والقلب يرمي من الكف الرقيم (٣) بالمقعد المقيم، وينظر إلى نجوم الوشوم فيقول: إني سقيم، وقد تفتح ورد الخفر، وحكم لزنجي الضفيرة بالظفر، واتصف أمير الحسن بالصدود المغتفر، ورش بماء الطيب، ثم أعلق بباله دخان العود الرطيب، وأقبلت الغادة، يهديها اليمن وتزفها السعادة، فهي تمشي على استحيا، وقد ذاع طيب الريا وراق حسن المحيا، حتى إذا نزع الخف، وقبلت الأكف، وصخب المزمار وتجاوب الدف، وذاع الأرج، وارتفع الحرج، وتجوز اللوى والمنعرج، ونزل على بشر بزيارة هند الفرج، اهتزت الأرض وربت، وعوصيت الطباع البشرية فأبت، ولله در القائل (٤) : ومرت فقالت: متى نلتقي ... فهش اشتياقاً إليها الخبيث وكاد يمزق سرباله ... فقلت: إليك يساق الحديث

стр. 3348

فلما انسدل جنح الظلام، وانتصفت من غريم العشاء الأخيرة فريضة السلام، وخاطب خيوط المنام عيون الأنام، تأتى دنوالجلسة، ومسارقة الخلسة، ثم عضة النهد، وقبلة الفم والخد، وإرسال اليد من النجد إلى الوهد، وكانت الإمالة القليلة قبل المد، ثم الإفاضة فيما يغبط ويرغب، ثم الإماطة لما يشوش ويشغب، ثم إعمال المسير، إلى السرير (١) : وصرنا إلى الحسنى، ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال وهذا بعد منازعة للأطواق يسيرة، يراها الغيد من حسن السيرة، ثم شرع في التكة، ونرع الشكة (٢) ، وتهيئة الأرض العزاز (٣) عمل السكة، ثم كان الوحي والاستعجال، وحمي الوطيس والمجال، وعلا الجزء الخفيف، وتضافرت الخصور الهيف، وتشاطر الطبع العفيف، وتواتر التقبيل، وكان الأخذ الوبيل، وامتاز الانوك من النبيل، ومنها جاشر وعلى الله قصد السبيل، فيا لها من نعم متداركة، ونفوس في سبيل القحة متهالكة، ونفس يقطع حروف الحلق، وسبحان الذي يزيد في الخلق، وعظمت الممانعة، وكثرت باليد المصانعة، وطال التراوغ والتزاور، وشكي التحاور، وهناكل تختلف الأحوال، وتعظم الأهوال، وتخسر أوتربح الأموال، فمن عصاً تنقلب ثعباناً مبيناً، ونونة (٤) تصير تنيناً، وبطل لم يهمله المعترك الهائل، والوهم الزائل، ولا حال بينه وبين قرنه الحائل، فتعدى فتكة السليك إلى فتكة البراض، وتقلد مذهب الأزارقة من الخوارج في الاعتراض (٥) ، ثم شق الصف، وقد خضبت الكف، بعد أن كان يصيب البوسى

стр. 3349

بطعنته، ويبوء بمقت الله ولعنته: طعنت ابن عبد الله طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها (١) وهناك هدأ القتال، وسكن الخبال، ووقع المتوقع فاستراح البا، وتشوف إلى مذهب الثنوية من لم يكن للتوحيد بمبال، وكثر السؤال عن المبال، بما بال، وجعل الجريح يقول وقد نظر إلى دمه، يسيل على قدمه: إني له عن دمي المسفوك معتذر ... أقول حملته في سفكه تعبا (٢) ومن سنان (٣) عاد عناناً، وشجاع صار جباناً، كلما شابته شائبة ريبه، أدخل يده في جيبه، فانجحرت الحية، وماتت الغريزة الحية، وهناك يزيغ البصر، ويخذل المنتصر، ويسلم الأشر، ويغلب الحصر، ويجف اللعاب، ويظهر العاب (٤) ، ويخفق الفؤاد، ويكبوالجواد، ويسيل العرق، ويشتد الكرب والأرق، وينشأ في محل الأمن الفرق، ويدرك فرعون الغرق، ويقوي اللجاج ويعظم الخرق، فلا تزيد الحال إلا شدة، ولا تعرف تلك الحائجة المؤمنة إلا ردة: إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول (٥) ما يجني عليه اجتهاده فكم مغرى بطول البث، وهومن الخبث، يؤمل الكرة، ليزيل المعرة، ويستنصر الخيال، ويعمل باليد الاحتيال: إنك لا تشكو إلى مصمت ... فاصبر على الحمل الثقيل أو مت (٦)

стр. 3350

ومعتذر بمرض أصابه، جرعه أوصابه، ووجع طرقه، جلب أرقه، وخطيب أرتج عليه أحياناً، فقال: سيحدث الله بعد عسر يسراً وبعد عي بياناً؛ اللهم إنا تعوذ بك من فضائح الفروج إذا استغفلت أقفالها، ولم تتسم بالنجيع أغفالها، ومن معرات الأقذار، والنكول عن الأبكار، ومن النزول عن البطون والسرر، والجوارح الحسنة الغرر، قبل ثقب الدرر، ولا تجعلنا ممن يستحيي من البكر بالغداة، وتعلم منه كلال الأداة، وهو مجال فضحت فيه رجال، وفراش شكيت فيه أوجال، وأعملت رواية وارتجال، فمن قائل: أرفعه طوراً على إصبعي ... ورأسه مضطرب أسفله كالحنش المقتول يلقى على ... عود لكي يطرح في مزبله وقائل: عدمت من أيري قوى حسه ... يا حسرة المرء على نفسه تراه قد مال على أصله ... كحائط خر على أسه وقائل: أيحسدني إبليس داءين أصبحا ... برجلي وراسي دملاً وزكاما فليتهما كانا به وأزيده ... رخاوة أير لا يطيق قياما إذا نهضت للنيك أزباب معشر ... توسد إحدى خصيتيه وناما وقائل: أقول لأيري وهو يرقب فتكة ... به: خبت من أير وعالتك (١) داهية إذا لم يكن للأير بخت تعذرت ... عليه وجوه النيك من كل ناحية وقائل: تعقف فوق الخصيتين كأنه ... رشاء إلى جنب الركية ملتف

стр. 3351

كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسه ... إلى أبويه ثم يدركه الضعف وقائل: تكرش أيري بعدما كان املسا ... وكان غنياً من قواه فأفلسا وصار جوابي للمها إن مررن بي ... مضى الوصل إلا منية تبعث الأسر وقائل: بنفسي من حييته فاستخف بي ... ولم يخطر الهجران يوماً على بالي وقابلني بالغور والنجد بعدما ... حططت به رحلي وجردت سربالي وما أرتجي من موسر فوق تكة ... عرضت له شيئاً من الحشف البالي هموم لا تزال تبكى، وعلل الدهر تشكى، وأحاديث تقص وتحكى، فإن كنت أعزك الله سبحانه من النمط الأول، ولم تقل: وهل عند رسم دارس من معول (١) ... فقد جنيت الثمر، واستطبت السمر، فاستدع الأبواق من أقصى المدينة، واخرج على قومك في ثياب الزينة (٢) واستبشر بالوفود، وعرف المسمع عازفة الجود، وتبجح بصلابة العود، وإنجاز الوعود، واجن رمان النهود، من أغصان القدود، واقطف ببنان اللثم أقاح الثغور وورد الخدود، وإن كانت الأخرى فأخف الكمد، وارض الثمد، وانتظر الأمد، وأكذب التوسم، واستعمل التبسم، واستكتم النسوة، وأفض فيهن الرشوة، وتقلد المغالطة وارتكب، وجئ على قميصه بدم كذب، واستنجد الرحمن، واستعن على أمرك بالكتمان:

стр. 3352

لا تظهرن لعاذل أوعاذر ... حاليك في الضراء والسراء (١) فلرحمة المتفجعين حرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء وانتشق الأرج، وارتقب الفرج، فكم غمام طما " ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " الأنفال:١٧ واملك بعدها عنان نفسك حتى تمكنك الفرصة، وترفع إليك القصة، ولا تشره إلى عمل لا تفيء منه بتمام، وخذ عن إمام، ولله در الحارث بن هشام (٢) : الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا مهري بأشقر مزبد وعلمت أني أقاتل دونهم ... أقتل، ولم يضرر عدوي مشهدي ففررت منهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد واللبانات تلين وتجمح، والمآرب تدنو وتنزح، وتحرن ثم تسمح، وكم من شجاع خام (٣) ، ويقظ نام، ودليل أخطأ الطريق، وأضل الفريق، والله يجعلها خلة موصولة، وشملاً اكنافه بالخير مشمولة، وبنية أركانها لركائب اليمن مأمولة، حتى تكثر خدم سيدي وجواريه، وأسرته وسراريه، وتصفوعليه نعم باريه، ما طورد قنيص، واقتحم عيص، وأدرك مرام عويص، وأعطي زاهد وحرم حريص؛ والسلام. [بقية ترجمة ابن خلدون عن الإحاطة] تواليفه - شرح البردة شرحاً بديعاً دل به على انفساح ذرعه، وتفنن إدراكه

стр. 3353

وغزارة حفظه، ولخص كثيراً من كتب ابن رشد، وعلق للسلطان أيام نظره في العقليات تقييداً مفيداً في المنطق، ولخص محصل الإمام فخر الدين الرازي، وبه داعبته أول لقيه، فقلت له: لي عليك مطالبة فإنك لخصت محصلي، وألف كتاباً في الحساب، وشرع في هذه الأيام في شرح الرجز الصادر عني في أصول الفقه بشيء لا غاية فوقه في الكمال. وأما نثره وسلطانياته السجعية فخلج بلاغة، ورياض فنون، ومعادن إبداع، يفرغ عنها يراعه الجريء، شبيهة البداءات بالخواتم، في نداوة الحروف، وقرب العهد بجرية المداد، ونفوذ أمر القريحة، واسترسال الطبع. وأما نظمه فنهض لهذا العهد قدماً في ميدان الشعر، ونقده باعتبار أساليبه فانثال عليه جوه، وهان عليه صعبه، فأتى منه بكل غريبة. خاطب السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الكريم عام اثنين وستين وسبعمائة بقصيدة طويلة أولها (١) : أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موقف عبرتي ونحيبي وأبين يوم البين وقفة ساعة ... لوداع مشغوف الفؤاد كئيب لله عهد الظاعنين وغادروا ... قلبي رهين صبابة ووجيب غربت ركائبهم ودمعي سافح ... فشرقت بعدهم بماء غروبي (٢) يا ناقعاً بالعتب غلة شوقهم ... رحماك في عذلي وفي تأنيبي يستعذب الصب الملام وإنني ... ماء الملام لدي غير شريب (٣) ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى ... لولا تذكر منزل وحبيب أهفو إلى الأطلال كانت مطلعاً ... للبدر منهم أوكناس ربيب

стр. 3354

عبثت بها أيدي البلى وترددت ... في عطفهها للدهر آي خطوب تبلى معاهدها وإن عهودها ... ليجدها وصفي وحسن نسيبي وإذا الديار تعرضت لمتيم ... هزته ذكراها إلى التشبيب إيه على الصبر الجميل فإنه ... ألوى بدين فؤادي المنهوب لم أنسها والدهر يثني صرفه ... ويغض طرفي حاسد ورقيب والدار مونقة محاسنها بما ... لبست من الأيام كل قشيب يا سائق الأظعان تعتسف الفلا ... وتواصل الإساد بالتأويب (١) متهافتاً عن رحل كل مذلل ... نشوان من أين ومس لغوب تتجاذب النفحات فضل ردائه ... في ملتقاها من صباً وجنوب إن هام من ظمإ الصبابة صحبه ... نهلوا بمورد دمعه المسكوب أو تعترض مسراهم سدف الدجى ... صدعوا الدجى بغرامه المشبوب في كل شعب منية من دونها ... هجر الأماني أولقاء شعوب هلا عطفت صدورهن إلى التي ... فيها لبانة أعين وقلوب فتؤم من أكناف يثرب مأمناً ... تتلو من الآثار كل غريب سر غريب لم يحجبه الثرى ... ما كان سر الله بالمحجوب ومنها بعد تعديد معجزاته ﷺ : يا سيد الرسل الكرام ضراعة ... تقضي مني نفسي وتذهب حوبي (٢) عاقت ذنوبي عن جنابك والمنى ... فيها تعللني بكل كذوب لا كالألى صرفوا العزائم للتقى ... فاستأثروا منها بخير نصيب

стр. 3355

لم يخلصوا لله حتى فرقوا ... في الله بين مضاجع وجنوب هب لي شفاعتك التي أرجو بها ... صفحاً جميلاً عن قبيح ذنوبي إن النجاة وإن أتيحت لامرئ ... فبفضل جاهك ليس بالتسبيب إني دعوتك واثقاً بإجابتي ... يا خير مدعووخير مجيب قصرت في مدحي فإن يك طيباً ... فبما فذكرك من أريج الطيب ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوى ... في مدحك القرآن كل مطيب يا هل تبلغني الليالي زورة ... تدني إلي الفوز بالمرغوب أمحو خطيئاتي بإخلاصي بها ... وأحط أوزاري وإصر ذنوبي في فتية هجروا المنى وتعودوا ... إنضاء كل نجيبة ونجيب يطوي صحائف ليلهم فوق الفلا ... ما شئت من خبب ومن تقريب إن رنم الحادي بذكرك رددوا ... أنفاس مشتاق إليك طروب أو غرد الركب الخلي بطيبة ... حنوا لمغناها حنين النيب ورثوا اعتساف البيد عن آبائهم ... إرث الخلافة في بني يعقوب الطاعنون الخيل وهي عوابس ... يغشى مثار النقع كل سبيب (١) والواهبون المقربات صوافناً ... من كل خوار العنان (٢) لعوب والمانعون الجار حتى عرضهم ... في منتدى الأعداء غير معيب تخشى بوادرهم ويرجى حلمهم ... والعز شيمة مرتجى ومهيب ومنها: سائل به طامي العباب وقد سرى ... تزجى بريح العزم ذات هبوب تهديه شهب أسنة وعزائم ... يصد عن ليل الحادث المرهوب

стр. 3356

حتى انجلت ظلم الضلال بسعيه ... وسطا الهدى بفريقها المغلوب (١) يا ابن الألى شادوا الخلافة بالتقى ... واستأثروك بتاجها المعصوب جمعوا بحفظ الدين آي مناقب ... كرموا بها في مشهد ومغيب لله مجدك طارفاً أو تالداً ... فلقد شهدنا منه كل عجيب كم رهبة أورغبة لك والعلا ... تقتاد بالترغيب والترهيب لا زلت مسروراً بأشرف دولة ... يبدو الهدى من أفقها المرقوب تحيي المعالي غادياً اورائحاً ... وجديد سعدك ضامن المطلوب وقال من قصيدة خاطبه بها عند وصول هدية ملك السودان إليه وفيها الزرافة (٢) : قدحت يد الأشواق من زندي ... وهفت بقلبي زفرة الوجد ونبذت سلواني على ثقة ... بالقرب فاستبدلت بالبعد ولرب وصل كنت آمله ... فاغتصب منه مؤلم الصد لا عهد عند الصبر أطلبه ... إن الغرام أضاع من عهدي يلحى العذول فما أعنفه ... وأقول ضل فأبتغي رشدي وأعارض النفحات أسألها ... برد الجوى فتزيد في الوقد يهدي الغرام إلى مسالكها ... لتعللي بضعيف ما تهدي يا سائق الوجناء معتسفاً ... طي الفلاة لطية الوجد أرح الركاب ففي الصبا نبأ ... يغني عن المستنة الجرد وسل الربوع برامة خبراً ... عن ساكني نجد وعن نجد ما لي تلام على الهوى خلقي ... وهي التي تأبى سوى الحمد لأبيت إلا الرشد مذ وضحت ... بالمستعين معالم الرشد نعم الخليفة في هدى وتقىً ... وبناء عز شامخ الطود

стр. 3357

نجل السراة الغر شأنهم ... كسب العلا بمواهب الوجد ومنها: لله مني إذ تأوبني ... ذكره وهوبشاهق فرد شهم يفل بواتراً قضباً ... وجموع أقيال أولي أيد أوريت زند العزم في طلبي ... وقضيت حق المجد من صدي ووردت عن ظمإ مناهله ... فرويت من عز ومن رفد هي جنة المأوى لمن كفلت ... آماله بمطالب المجد لو لم أعل بورد كوثرها ... ما قلت هذي جنة الخلد من مبلغ قومي ودونهم ... قذف النوى وتنوفة البعد أني أنفت على رجائهم ... وملكت عز جميعهم وحدي ومنها (١) : ورقيمة الأعطاف حالية ... موشية بوشائع البرد وحشية الأنساب ما أنست ... في موحش البيداء بالقرد تسمو بجيد بالغ صعداً ... شرف الصروح بغير ما جهد طالت رؤوس الشامخات به ... ولربما قصرت عن الوهد قطعت إليك تنائفاً وصلت ... إسآدها بالنص والوخد تخدي على استصعابها ذللاً ... وتبيت طوع القن والقد بسعودك اللائي ضمن لنا ... طول الحياة بعيشة رغد جاءتك في وفد الأحابش لا ... يرجون غيرك مكرم الوفد وافوك أنضاءً تقلبهم ... أيدي السرى بالغور والنجد كالطيف يستقري مضاجعه ... أو كالحسام يسل من غمد

стр. 3358

يثنون بالحسنى التي سبقت ... من غير إنكار ولا جحد ويرون لحظك من وفادتهم ... فخراً على الأتراك والهند يا مستعيناً جل في شرف ... عن رتبة المنصور والمهدي جازاك ربك عن خليقته ... خير الجزاء فنعم ما تسدي وبقيت للدنيا وساكنها ... في عزة أبداً وفي سعد وقال يخاطب عمر بن عبد الله مدير ملك المغرب: يا سيد الفضلاء دعوة مشفق ... نادى لشكوى البث خير سميع ما لي وللإقصاء بعد تعلة ... بالقرب كنت لها أجل شفيع وأرى الليالي رنقت لي صافياً ... منها فأصبح في الأجاج شروعي ولقد خلصت إليك بالقرب التي ... ليس الزمان لشملها بصدوع ووثقت منك بأي وعد صادق ... أني المصون وأنت غير مضيع وسما بنفسي للخليفة طاعة ... دون الأنام هواك قبل نزوع حتى انتحاني الكاشحون بسعيهم ... فصددتهم عني وكنت منيعي رعمت أنوفهم بنجح وسائلي ... وتقطعت أنفاسهم بصنيعي وبغوا بما نقموا علي خلائقي ... حسداً فراموني بكل شنيع لا تطمعنهم ببذل في التي ... قد صنتها عنهم بفضل قنوعي أني أضام وفي يدي القلم الذي ... ما كان طيعه لهم بمطيع ولي الخصائص ليس تأبى رتبة ... حسبي بعلمي ذاك من تفريعي قسماً بمجدك وهوخير ألية ... أعتدها لفؤادي المصدوع إني لتصطحب الهموم بمضجعي ... فتحول ما بيني وبين هجوعي عطفاً علي بوحدتي عن معشر ... نفث الإباء صدودهم في روعي أغدو إذا باكرتهم متجلداً ... وأروح أعثر في فضول دموعي حيران أوجس عند نفسي خيفة ... فتسر في الأوهام كل مروع

стр. 3359

أطوي على الزفرات قلباً آده ... جمل الهموم تجول بين ضلوعي ولقد أقول لصرف دهر رابني ... بحوادث جاءت على تنويع مهلاً عليك فليس خطبك ضائري ... فلقد لبست له اجن دروع إني ظفرت بعصمة من أوحد ... بذ الجميع بفضله المجموع وقال يخاطب بعض الوزراء في حال وحشة (١) : هنيئاً بصوم لا عداه قبول ... وبشرى بعيد أنت فيه منيل وهنيتها من عزة وسعادة ... تتابع أعوام بها وفصول سقى الله دهراً أنت إنسان عينه ... ولا مس ربعاً في حماك محول فعصرك ما بين الليالي مواسم ... لها غرر وضاحة وحجول وجانبك المأمول للجود مشرع ... يحوم عليه عالم وجهول عساك وإن ضن الزمان منولي ... فرسم الأماني من سواك محيل أجرني وليس الدهر لي بمسالم ... إذا لم يكن في ذراك مقيل وأوليتني (٢) الحسنى بما أنا آمل ... فمثلك يولي راجياً وينيل ووالله ما رمت الترحل عن قلى ... ولا سخط للعيش فهو جزيل ولا رغبة عن هذه الدار إنها ... لظل على هذا الأنام ظليل ولكن نأى بالشعب عني حبائب ... دعاهن (٣) خطب للفراق طويل يهيج بهن الوجد أني نازح ... وأن فؤادي حيث هن حلول عزيز عليهن الذي قد لقيته ... وأن اغترابي في البلاد يطول توارت بأنبائي البقاع كأنني ... تخطفت أو غالت ركابي غول

стр. 3360

ذكرتك يا معنى الأحبة والهوى ... فطارت بقلبي أنه وعويل وحييت عن شوق رباك كأنما ... يمثل لي نؤي بها وطلول أأحبابنا والعهد بيني وبينكم ... كريم، وما عهد الكريم يحول إذا أنا لم ترض الحمول مدامعي ... فلا قربتني للقاء حمول إلام مقامي حيث لم ترد العلا ... مرادي ولم تعط القياد ذلول أجاذب فضل العمر يوماً وليلة ... وساء صباح بينها وأصيل ويذهب فيما بين يأس ومطمع ... زمان بنيل المعلوات بخيل تعللني منه أمان خوادع ... ويؤيسني ليان منه مطول أما لليال لا ترد خطوبها ... ففي كبدي من وقعهن فلول يروعني من صرفها كل حادث ... تكاد له صم الجبال تزول أداري على رغم العدا لا لريبة ... يصانع واش خوفها وعذول وأغدو بأشجاني عليلاً كأنما ... تجود بنفسي زفرة وغليل وإني وإن أصبحت في دار غربة ... تحيل الليالي سلوتي وتزيل وصدتني الأيام عن خير منزل ... عهدت به أن لا يضام نزيل لأعلم أن الخير والشر ينتهي ... مداه وان الله سوف يديل وأني عزيز بابن ماساي مكثر ... وإن هان أنصار وبان خليل وقال يمدح (١) : هل غير بابك للغريب مؤمل ... أو عن جنابك للأماني معدل هي همة بعثت إليك على النوى ... عزماً كما شحذ الحسام الصقيل متبوأ الدنيا ومنتجع المنى ... والغيث حيث العارض المتهلل حيث القصور الزاهرات منيفة ... تعنى بها زهر النجوم وتحفل

стр. 3361

حيث الخيام البيض يرفع لعلا ... والمكرمات طرافها المتهدل حيث الحمى للعز دون مجاله (١) ... ظل أفاءته الوشيج الذبل حيث الكرام ينوب عن نار القرى ... عرف الكباء بحيهم والمندل حيث الجياد أملهن بنو الوغى ... مما أطالوا في المغار وأوغلوا حيث الوجوه الغر قنعها الحيا ... والبشر فوق جبينها يتهل حيث الملوك الصيد والنفر الألى ... عز الجوار لديهم والمنزل وأنشد السلطان ابن عبد الله ابن الحجاج لأول قدومه ليلة الميلاد الكريم عام أربعة وستين وسبعمائة هذه القصيدة (٢) : حي المعاهد كانت قبل تحييني ... بواكف الدمع يرويها ويظميني إن الألى نزحت داري ودارهم ... تحملوا القلب في آثارهم دوني وقفت أنشد صبراً ضاع بعدهم ... فيهم وأسأل رسماً لا يناجيني أمثل الربع من شوق وألثمه ... وكيف والفكر يدنيه ويقصيني وينهب الوجد مني كل لؤلؤة ... ما زال جفني عليها غير مأمون شقت جفوني مغاني الربع بعدهم ... فالدمع وقف على أطلاله الجون قد كان للقلب عن داعي الهوى شغل ... لو أن قلبي إلى السلوان يدعوني أحبابنا هل لعهد الوصل مدكر ... منكم وهل نسمة منكم تحييني ما لي وللطيف لا يعتاد زائره ... وللنسيم عليلاً لا يداويني يا أهل نجد وما نجد وساكنها ... حسناً سوى جنة الفردوس والعين أعندكم أنني ما مر ذكركم ... إلا انثنيت كأن الراح تثنيني أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكم ... شوقاً، ولولاكم ما كان يصبيني

стр. 3362

يا نازحاً والمنى تدنيه من خلدي ... حتى لأحسبه قرباً يناجيني أسلي هواك فؤادي عن سواك وما ... سواك يوماً بحال عنك يسليني ترى الليالي أنستك ادكاري يا ... من لم يكن ذكره الأيام تنسيني ومنها: أبعد مر الثلاثين التي ذهبت ... أولى الشباب بإحساني وتحسيني أضعت فيها نفيساً ما وردت به ... إلا سراب غرور لا يرويني واحسرتي من أمان كلها خدع ... تريش غيي ومر الدهر يبريني ومنها في وصف المشور (١) المبني لهذا العهد: يا مصنعاً شيدت منه السعود حمى ... لا يطرق الدهر مبناه بتوهين صرح يحار لديه الطرف مفتتناً ... فيما يروقك من شكل وتكوين بعداً لإيوان كسرى إن مشورك ال ... سامي لأعظم من تلك الأواوين ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا ... " أشهى إلى القلب من أبواب جيرون " ومنها في التعريض بالوزير الذي كان انصرافه بسببه: من مبلغ عني الصحب الألى جهلوا ... ودي وضاع حماهم إذ أضاعوني أني أويت من العليا إلى حرم ... كادت مغانيه بالبشرى تحييني وأنني ظاعناً لم ألق بعدهم ... دهراً أشاكي ولا خصماً يشاكيني لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذ ... أقلب الطرف بين الخوف والهون سقياً ورعياً لأيامي التي ظفرت ... يداي منها بحظ غير مغبون أرتاد منها ملياً لا يماطلني ... وعداً وأرجو كريماً لا يعنيني

стр. 3363

ومنها: وهاك منها قواف طيها حكم ... مثل الأزاهر في طي الرياحين تلوح إن جليت دراً، وإن تليت ... تثني عليك بأنفاس البساتين عانيت منها بجهدي كل شاردة ... لولا سعودك ما كانت تواتيني يمانع الفكر عنها ما تقسمه ... من كل حزن بطي الصدر مكنون لكن بسعدك ذلت لي شواردها ... فرضت منها بتحبير وتزيين بقيت دهرك في أمن وفي دعة ... ودام ملكك في نصر وتمكين وهوالآن بحالته الموصوفة من الوجاهة والحظوة قد استعمل في السفارة إلى ملك قشتالة فراقه وعرف حقه. مولده بونس في شهر رمضان عام اثنين وثلاثين وسبعمائة؛ انتهى كلام لسان الدين في حق ابن خلدون. [تعليق للمقري والباعوني] قلت: هذا كلام لسان الدين في حق المذكور في مبادئ أمره وأواسطه، فكيف لورأى تاريخه الكبير الذي نقلنا منه في مواضع وسماه ديوان العبر وكتاب المبتدأ والخير في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ورأيته بفاس وعليه خطه في ثماني مجلدات كبار جداً، وقد عرف في آخره بنفسه، وأطال، وذكر أنه لما كان بالأندلس وحظي عند السلطان أبي عبد الله شم من وزيره ابن الخطيب رائحة الانقباض، فقوض الرحال ولم يرض من الإقامة بحال، ولعب بكرته صوالجة الأقدار، حتى حل بالقاهرة المعزينة واتخذها خير دار، وتولى بها قضاء القضاة وحصلت له أمور، رحمه الله تعالى.

стр. 3364

وكان - أعني الولي ابن خلدون - كثير الثناء على لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى. ولقد رأيت بخط العالم الشهير الشيخ إبراهيم الباعوني الشامي فيما يتعلق بابن خلدون ما نص محل الحاجة منه: تقلبت به الأحوال حتى قدم إلى الديار المصرية، وولي بها قضاء قضاة المالكية، في الدولة الشريفة الظاهرية، وصحبته - رحمه الله تعالى - في سنة ٨٠٣ عند قدومه إلى الشام صحبة الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق في فتنة تمرلنك عليه من الله تعالى ما يستحقه، وأكرمه تمرلنك غاية الإكرام، وأعاده إلى الديار المصرية، وكنت أكثر الاجتماع به بالقاهرة المحروسة للمودة الحاصلة بيني وبينه، وكان يكثر من ذكر لسان الدين ابن الخطيب، ويورد من نظمه ونثره ما يشنف به الأسماع، وينعقد على استحسانه الإجماع، وتتقاصر عن إدراكه الأطماع، فرحمة الله تعالى عليهما، وأزكى تحياته تهدى إليهما. ولقد كان ابن خلدون هذا من عجائب الزمان، وله من النظم والنثر ما يزري بعقود الجمان، مع الهمة العلية، والتبحر في العلوم النقلية والعقلية، وكانت وفاته بالقاهرة المعزية٨٠٧، سقى الله تعالى عهده، ووطأ في الفردوس مهده. قاله وكتبه الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن أحمد الباعوني الشافعي، غفر الله تعالى له زلله، وأصلح خلله؛ انتهى. ١٠ - ومن نثر لسان الدين ما ذكره في الإحاطة في ترجمة يحيى بن إبراهيم بن يحيىالبرغواطي من بني الترجمان، ولنذكر الترجمة بجملتها لاشتمالها على ما ذكر وغيره في حق المذكور بعد قوله إنه من بني الترجمان ما صورته: " عزف عنهم وانقطع إلى لقاء الصالحين، وصحبة الفقراء المتجردين، وكان نسيج وحده في طلاقة اللسان، حافظاً لكل غريبة من غرائب الصوفية، يتكلم في مشكلاتهم، حفظ " منازل السائرين " للهروي، وتائية ابن الفارض؛ مليح الملبس، مترفع عن الكدية، حسن الحيدث، صاحب شهرة، ومع ذلك

стр. 3365

فمغضوض منه، محمول عليه، لما جبل عليه من رفض الاصطلاح، واطراح التغافل، مولع بالنقد، والمخالفة في كل ما يطرق سمعه، مرشحاً ذلك بالجدل المبرم، ذاهباً أقصى مذاهب القحة، كثير الفلتات، نالته بسبب هذه البلية محن، ووسم بالرهق في دينه مع صحة العقل، وهوالآن عامر الرباط المنسوب إلى اللجام على رسم الشياخة، عديم التابع، مهجور الفناء، قيد الكثير من الأجزاء منها في نسبة الذنب إلى الذاكر جزء نبيل غريب المأخذ، ومنها فيما أشكل من كتاب أبي محمد ابن الشيخ، وصنف كتاباً كبير الحجم في الاعتقادات جلب فيه كثيراً من الحكايات، رأيت عليه بخط شيخنا أبي عبد الله المقري ما يدل على استحسانه. ومن البرسام الذي يجري على لسانه، بين الجد والقحة والجهالة والمجانة، قوله لبعض خدام باب السلطان وقد ضويق في شيء أضجره منقولاً من خطه - بعد رد كثير منه للإعراب - ما نصه: الله نور السموات من غير نار ولا غيرها، والسلطان ظل له وسراجه في الأرض، ولكل منهما فراش مما يليق به ويتهافت عليه، فهوتعالى محرق فراشه بذاته، مغرقهم بصفاته وسراجه، وظله هوالسلطان محرق فراشه بناره، مغرقهم بزيته ونواله، ففراش الله تعالى ينقسم إلى حافين ومسبحين ومستغفرين وأمناء وشاخصين، وفراش السلطان ينقسمون إلى أقسام لا يشذ أحدهم عنها، وهم وزعة ابن وزغة، وكلب ابن كلب، وكلب مطلقاً، وعار ابن عار، وملعون ابن ملعون، وقط، فأما الوزغة فهوالمغرق في زيت نواله المشغول بذلك عما يليق بصاحب النعمة من النصح وبذل الجهد، والكلب ابن الكلب هوالكيس المتحرز في تهافته من إحراق وإغراق يعطي بعض الحق ويأخذ بعضه، وأما الكلب مطلقاً فهوالمواجه وهوالمشرد للسفهاء عن الباب المعظم القليل النعمة، وأما العار ابن العار فهوالمتعاطي في تهافته ما فوق الطوق، ولهذا امتاز هذا الاسم بالرياسة عند العامة إذا مر بهم جلف أومتعاظم يقولون: هذا العار ابن العار، يحسب نفسه رئيساً، وذلك لقرب المناسبة؛ فهوموضوع لبعض الرياسة، كما ا، الكلب ابن الكلب لبعض الكياسة، وأما الملعون
следующие страницы →