لحا الله أيام الفراق فكم شجت ... وغادرت الجذلان وهو حزين
وحيا دياراً في ربي أغرناطة ... وإني بذاك القرب منك ضنين
لأرخصت فيها نم شبابي ما غلا ... وعزمي على مال العفاف أمين
خليلي لا أمر بأربعها قفا ... فعندي إلى تلك الربوع حنين
ألم ترياني كلما ذر شارق ... تضاعف عندي عبرة وانين
إذا لم يساعدني أخ منكما فلا ... حدت لخؤون بعد ذاك أمون
أليس عجيباً في البرية من له ... إلى عهد إخوان الزمان ركون
فلا تثقن من ذي وفاء بعهده ... فقد أجن السلسال وهومعين
لقلبي عذر في فراق ضلوعه ... وللدمع في ترك الشؤون شؤون
ومن ترك الحزم المعين فإنه ... لعان بأيدي الحادثات رهين
رعى الله أيامي الوثيق ذمامها ... فإن مكاني في الوفاء مكين
ولم أر مثل الدهر أما عدوه ... فحب (١) ، وأما خله فخؤون
ولولا أبو عمرو وجود بنانه ... لما كان في هذا الزمان معين وقال:
زار الخيال ويالها من لذة ... لكن لذات الخيال منام
ما زلت ألثم مبسماً منظومه ... در ومورده الشهي مدام
وأضم غصن البان من أعطافه ... وأشم مسكاً فض عنه ختام مولده عام ستة وسبعمائة، وتوفي بفاس، وقد تخلفه السلطان كاتب ولده عند توجهه لإفريقية في العشرين من رمضان عام ثمانية وخمسين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 3432
وقد وهم لسان الدين في شهر وفاة المذكور، وإنما الصواب أنه توفي يوم الأحد ثامن شوال، فاعلم ذلك، والله سبحانه أعلم.
رجع:
٦٢ - وقال في " التاج المحلي في مساجلة القدح المعلى " وفي الإكليل الزاهر فيمن فضل عند نظم التاج من الجواهر، وغيرهما مما ثبت في حلى رؤساء الكتاب، وحاملي ألوية الآداب، في ترجمة شيخه ابن الجياب (١) ، ما نصه: صدر الصدور الجلة، وعلم أعلام هذه الملة، وشيخ الكتابة وبانيها، وهاصر أفنان البدائع وجانيها، اعتمدته الرياسة فناء بها على حبل ذراعه، واستعانت به السياسة فدارت أفلاكها على قطب من شباة يراعه، فتفيأ للعناية ظلاً ظلليلاً، وتعاقبت الدول (٢) فلم تر به بديلاً، من ندب على علوة متواضع، وحبر لثدي المعارف راضع، لا تمر مذاكرة (٣) في فن إلا وله فيه التبريز، ولا تعرض جواهر الكلام على محكات الأفهام إلا وكلامه الإبريز، حتى أصبح الدهر راوياً لإحسانه وناطقاً بلسانه، وغرب ذكره وشرق، وأشأم وأعرق، وتجاوز البحر الأخضر والخليج الأزرق، إلى نفس هذبت الآداب شمائلها، وجادت الرياضة خمائلها، ومراقبة لربه، واستنشاق لروح الله من مهبه، ودين لا يعجم عوده، ولا تخلف وعوده، وكل ما ظهر علينا معشر بينه من شارة تجلى بها العين، أوإشارة كما سبك اللجين، فهي إليه منسوبة، وفي حسناته محسوبة، فإنما هي أنفس راضها بآدابه، وأعلقها بأهدابه، وهذب طباعها، كالشمس تلقي على النجوم شعاعها، والصور الجميلة، تترك في الأجسام الصقيلة انطباعها، وما عسى أن أقول
стр. 3433
في إمام الأئمة، ونور الدياجي المدلهمة، والمثل السائر في بعد الصيت، وعلو الهمة، وقد أثبت من عيون قصائده، وأدبه الذي علق الإحسان في مصايده، كل وثيق المعنى، كريم المجنى جامع بين حصافة اللفظ ولطافة المعنى؛ انتهى.
والمذكور له ترجمة في هذا الكتاب في باب مشيخة لسان الدين فلنتراجع.
٦٣ - وقال في الإكليل في حق عمر بن علي بن غفرون الكلبي من أهل منتفريد (١) ما صورته: شيخ خدم، قام له الدهر فيها على قدم، وصاحب تعريض، ودهاء عريض، وفائز من الدول النصرية بأياد بيض، أصله من حصن منتفريد، خدم به الدولة النصرية عند انتزاء أهله، وكان ممن استنزلهم من حزنه إلى سهله، وحكم الأمر الغالبي في يافعه وكهله، فكسب حظوة أرضته، ووسيلة أرهفته وأمضته، حتى عظم جاهه وماله، وبسقت آماله، ثم دالت الدول، وتنكرت أيامه الأول، وتغلب من يجانسه، وشقي بمن كان ينافسه، فجف عوده، والتاثت سعوده، وهلك والخمول يظله، والدهر يقوته من صبابة حرث كان يستغله، وله شعر لم يتقنه النظر، ولا وضحت منه الغرر، توفي في ذي الحجة عام أربعة وأربعين وسبعمائة؛ انتهى.
٦٤ - وقال في الإكليل في حق قاسم بن محمد بن الجد الفهري المري ما صورته: هومن أئمة أهل الزمام، خليق برعي الذمام، ذوحظ كما تفتح زهر الكمام، وأخلاق أعذب من ماء الغمام، كان ببلده حاسباً، ودراً في لجة الإغفال راسباً، صحيح العمل، يلبس الطروس من براعته أسنى الحلل، قال يمدح السلطان:
أرى أوجه الأيام قد أشرقت بشرا ... فقل لي رعاك الله ما هذه البشرى
وما بال أنفاس الخزامى تعطرت ... فأرجت الأرجاء من نفحها عطرا
стр. 3434
ونقبت الشمس المنيرة وجهها ... قصوراً عن الوجه الذي أخجل البدرا وهي طويلة، توفي المذكور عام خمسين وسبعمائة بالطاعون.
٦٥ - وقال في " الإكليل " في حق أبي عثمان سعيد الغساني ما صورته: هوممن يتشوق إلى المعرفة والمقالات، ويتسق إلى الحقائق والمحالات، ويشتمل على نفس رقيقة، ويسير من تعليم القرآن على خير طريقة، ويعاني من الشعر ما يشهد بنبله، ويستظرف من مثله؛ انتهى.
٦٦ - وقال في " الإكليل " في ترجمة أبي الحجاج يوسف بن علي الطرطوشي (١) ما صورته: روض أدب لا تعرف الذواء أزهاره، ومجموع فضل لا تخفى آثاره، كان في فنون الأدب مطلق الأعنة، وفي معاركه ماضي الظبى والأسنة، فإن هزل، وإلى تلك الطريقة اعتزل، أبرم من الغزل ما غزل، وبزل من دنان راحه ما بزل، وإن صرف إلى المغرب غرب لسانه، وأعاره لمحة من إحسانه، أطاعه عاصيه، واستجمعت لديه أقاصيه، ورد على الحضرة الأندلسية والدنيا شابة، وريح القبول هابة، فاجتلى محاسن أوطانها، وكتب عن سلطانها، ثم كر إلى أوطانه وعطف، وأسرع اللحاق كالبارق إذا خطف، وتوفي عن سن علية، وبرود من العمر غالية.
٦٧ - وقال في ترجمة أبي عبد الله محمد بن أحمد بن المتأهل العذري من أهل وادي آش ما صورته (٢) : رجل غليظ الحاشية، معدود في جنس السائمة والماشية، تليت على العمال به سورة الغاشية، ولي الأشغال السلطانية فذعرت الجباة لولايته، وأيقنوا بقيام قيامتهم لطلوع آيته، وقنطوا كل القنوط، وقالوا: جاءت الدابة تكلمنا وهي إحدى الشروط، من رجل صائم الحشوة، بعيد عن المصانعة والرشوة، يتجنب الناس، ويقول عند المخالطة لهم: لا مساس، عهدي
стр. 3435
به في الأعمال يحبط ويتبر، وهويهلل ويكبر، ويحسن ويقبح، وهويسبح، وقال يخاطب بعض أمراء الدولة:
عمادي، ملاذي، موئلي، ومؤملي ... ألا انعم بما ترضاه للمتأهل
وحقق بنيل القصد منك رجاءه ... على نحو ما يرضيك يا ذا التفضل
فأنت الذي في العلم يعرف قدره ... بخير زمان فيه لا زلت تعتلي
فهنيت يا معنى الكمال برتبة ... تقر لكم بالسبق في كل محفل توفي عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة؛ انتهى.
وتذكرت بقوله ويحسن ويقبح، وهويسبح قول الآخر:
قد بلينا بأمير ... ظلم الناس وسبح
فهو كالجزار فيهم ... يذكر الله ويذبح
رجع:
٦٨ - وقال لسان الدين في ترجمة أبي عبد الله ابن باق (١) من " التاج " ما صورته: مدير أكؤس البيان المعتق، ولعوب بأطراف الكلام المشقق، انتحل لأول أمره الهزل من أصنافه، فأبرز در معانيه من أصدافه، وجنى ثمرة الإبداع لحين قطافه، ثم تجاوزه إلى المغرب وتخطاه، فأدار كأسه المترع وعاطاه، فأصبح لفنيه جامعاً، وفي فلكيه شهاباً لا معاً، وله ذكاء يطير شرره، وإدراك تتبلج غرره، وذهن يكشف الغوامض، ويسبق البارق الوامض، وعلى ذلاقة لسانه، وانفساح أمد إحسانه، فشديد الصبابة بشعره، مغل لسعره؛ انتهى.
والمذكور هومحمد بن إبراهيم بن علي باق الأموي، مرسي الأصل، غرناطي النشأة، مالقي الاستيطان.
وقال في عائد الصلة: كان رحمه الله تعالى كاتباً أدبياً ذكياً لوذعياً يجيد
стр. 3436
الخط ويرسل النادرة، ويقدم على العمل، ويشارك في الفريضة، وبذ السباق في الأدب الهزلي المستعمل بالأندلس، غبر زمانه من عمره محارفاً للفاقة يعالج بالأدب الكذبة، ثم استقام له الميسم، وأمكنه البخت من امتطاء غاربه، فأنشبت الحظوة وفيه أناملها بين كاتب وشاهد وحاسب ومدير تجر، فأثرى ونما ماله، وعظمت حاله، عهد عندما شارف الرحيل تناهز الألف من العين، لتصرف في وجوه من البر، فتوهم أنها كانت زكاة أمسك بها؛ انتهى.
وقال أيضاً: اخبرني الكاتب أبوعبد الله ابن سلمة أنه خاطبه بشعر أجابه عنه بقوله في رويه:
أحرز الخصل من بني سلمه ... كاتب تخدم الظبى قلمه
يحمل الطرس من أنامله ... أثر الحسن كلما رقمه
وتمد البيان فكرته ... مرسلاً حيث يممت ديمه
خصني متحفاً بخمس إذا ... بسم الروض فقن مبتسمه
قلت أهدى زهر الربى خضلاً ... فإذا كل زهرة كلمه
أقسم الحسن لا يفارقها ... فأبر انتقاؤها قسمه
خط أسطارها ونمقها ... فأتت كالعقود منتظمه
كاسياً من حلاه لي حللاً ... رسمها من بديع ما رسمه
طالباً عند عاطش نهلاً ... ولديه الغيوث منسجمه
يبتغي الشعر من أخي بله ... أخرس العي والقصور فمه
أيها الفاضل الذي حفظت ... ألسن المدح والثنا شيمه
لا تكلف أخاك مقترحاً ... نشر عار لديه قد كتمه
وابق في عزة وفي دعة ... ضافي العيش وارداً شبمه
ما ثنى الغصن عطفه طرباً ... وشدا الطير فوقه نغمه ورأيت على هامش هذه القصيدة بخط أبي الحسن علي بن لسان الدين ما صورته:
стр. 3437
نعم ما خاطب به شيخنا وبركة أهل الأندلس وصدر صدورهم أبا عبد اله ابن سلمة، ومن لفظه سمعتها بالقاهرة، وإنها لمن النظم العالي المتسق نسق الدر في العقود، رحمه الله تعالى، قاله ابن المؤلف؛ انتهى.
وقرأ ابن باق المذكور على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير والخطيب أبي عثمان ابن عيسى، وتوفي بمالقة في اليوم الثامن والعشرين لمحرم فاتح عام اثنين وخمسين وسبعمائة، وأوصى بعد أن يحفر قبره بين شيخيه الخطيبين أبي عبد الله الطنجالي وأبي عثمان ابن عيسى أن يدفن به، وأن يكتب على قبره هذه الأبيات:
ترحم على قبر ابن باق وحيه ... فمن حق ميت الحي تسليم حيه
وقل آمن الرحمن روعة خائف ... لتفريطه في الواجبات وغيه
قد اختار هذا القبر في الأرض راجياً ... من الله تخفيفاً بقدر وليه
فقد يشفع الار الكريم لجاره ... ويشمل بالمعروف أهل نديه
وإني بفضل الله أوثق واثق ... وحسبي وإن أذنبت حب نبيه انتهى.
٦٩ - وقال لسان الدين في ترجمة أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سالم ابن فضيلة المعافري المري (١) بالنتومن الإكليل ما نصه: شيخ أخلاقه لينة، ونفسه كما قيل هينة، ينظم الشعر سهلاً مساقه، محكماً اتساقه، على فاقة، ما لها من إفاقة، أنشد المقام السلطاني بظاهر بلده قوله:
سرت ريح نجد من ربى أرض بابل ... فهاجت إلى مسرى سراها بلابلي
وذكرني عرف النسيم الذي سرى ... معاهد أحباب سراة أفاضل
فأصبحت مشغوفاً بذكر منازل ... ألفت، فواشوقي لتلك المنازل
فيا ريح هبي بالبطاح وبالربى ... ومري على أغصان زهر الخمائل
وسيري بجسمي للتي الروح عندها ... فروحي لديها من أجل الوسائل
стр. 3438
وقولي لها عني معناك بالنوى ... له شوق معمود وعبرة ثاكل
فيا بأبي هيفاء كالغصن تنثني ... تقد بقد كاد ينقد مائل وهي طويلة.
ومن شعر المذكور قوله من قصيدة:
بهرت كشمس في غلالة عسجد ... وكبدر تم في قضيب زبرجد
ثم انثنت كالغصن هزته الصبا ... طرباً فتزري بالغصون الميد
حوراء بارعة الجمال غريرة ... تزهى فتزري بالقضيب الأملد
إن أدبرت لم تبق عقل مدبر ... أو أقبلت قتلت ولكن لا تدي قال القاضي أبوالبركات ابن الحاج: وابتلي المذكور باختصار كتب الناس، فمن ذلك مختصره المسمى الدرر الموسومة في اشتقاق الحروف المرسومة وكتاب حكايات يسمى دوحة الجنان وراحة الجنان وغير ذلك.
قال أبوالبركات: وسألته عن مولده، فقال: لي اليوم ستون سنة، وقال ذلك ليلة الخميس السابع والعشرين لذي قعدة عام أربعين وسبعمائة، وتوفي آخر رمضان من عام تسعة وأربعين، رحمه الله تعالى؛ انتهى.
رجع:
٧٠ - قال لسان الدين في الإكليل في ترجمة الكاتب صاحب العلامة أبي العباس أحمد بن علي الملياني المراكشي ما نصه: الصارم الفاتك، والكاتب الباتك، أي اضطراب في وقار، وتجهم تحته أنس العقار! اتخذه ملك المغرب صاحب علامته، وتوجه تاج كرامته، وكان يطالب جملة من أشياخ مراكش بثار عمه، ويطوقهم دمه بزعمه، ويقصر على الاستنصار منهم بنات همه، إذ سعوا فيه حتى اعتقل، ثم جدوا في أمره حتى قتل، فترصد كتاباً إلى مراكش
стр. 3439
يتضمن أمراً جزماً، ويشمل من أمور الملك عزماً، جعل فيه الأمر بضرب رقابهم، وسبي أسبابهم، ولما أكد على حامله في العجل، وضايقه في تقدير الأجل، تأنى حتى علم أنه قد وصل، وأن غرضه قد حصل، فر إلى تلمسان وهي بحال حصارها، فاتصل بأنصارها، حالاً بين أنوفها وأبصارها، وتعجب من فراره، وسوء اغتراره، ورجمت الظنون في آثاره، ثم وصلت الأخبار بتمام الحيلة، واستيلاء القتل على أعلام تلك القبيلة، فتركها شنيعة على الأيام، وعاراً في الأقاليم على حملة الأقلام، وأقام بتلمسان إلى أن حل مخنق حصرها، وأزيل هميان الضيقة عن خصرها، فلحق بالأندلس ولم يعدم براً، ورعياً مستمراً، حتى أتاه حمامه، وانصرمت أيامه؛ انتهى.
والمذكور ترجمه في " الإحاطة " (١) بقوله: صاحب العلامة بالمغرب، الكاتب الشهير البعيد الشأوفي اقتضاء الترة، المثل المضروب في الهمة، وقوة الصريمة، ونفاذ العزيمة.
حاله - كان نبيه البيت، شهير الأصالة، رفيع المكانة، على سجية غريبة من الوقار والانقباض والصمت، آخذاً بحظ من الطب (٢) ، حسن الخط، مليح الكتابة، قارضاً للشعر، تذهب نفسه فيه كل مذهب.
وصمته - فتك فتكة شهيرة أساءت الظن بجملة الأقلام على ممر الدهر، وانتقل إلى الأندلس بعد مشقة.
شعره - من شعره الذي يدل على بأوه، وانفساح خطاه في النفاسة وبعد شأوه، قوله:
العز ما ضربت عليه قبابي ... والفضل ما اشتملت عليه ثيابي
стр. 3440
والزهر ما أهداه غصن براعتي ... والمسك ما أبداه نقس كتابي
فالمجد يمنع أن يزاحم موردي ... والعزم يأبى أن يضام جنابي
فإذا بلوت صنيعة جازيتها ... بجميل شكري أوجزيل ثوابي
وإذا عقدت مودة أجريتها ... مجرى طعامي من دمي وشرابي
وإذا طلبت من الفراقد والسها ... ثأراً فأوشك أن أنال طلابي وفاته - توفي بغرناطة يوم السبت تاسع ربيع الآخر عام خمسة عشر وسبعمائة ودفن بجبانة باب إلبيرة، تجاوز الله تعالى عنه؛ انتهى.
رجع إلى نثر ابن الخطيب رحمه الله تعالى:
٧١ - فمن ذلك قوله في الروضة في ترجمة ضخام الغصون من شجرة السر المصون ما صورته: وهي أفاءت الظل الظليل، وزانت المرأى الجميل، وتكلفت لمحاسن الشجرة الشماء بالتكفيل، وتتعدد إلى غصون المحبوبات، وأقسام موضوعاتها المكتوبات، وغصن المحبين، أصنافهم المرتبين، وغصن علامات المحبة، وشواهد النفوس الصبة، وغصن الأخبار المنقولة، عن ذوي النفوس المصقولة، وعند تعين هذه الأغصان المقسومة، كمل شكل الشجرة المرسومة، والسرحة الموصوفة الموسومة، ففاءت الظلال، وكرمت الخلال، فحيي من تفرد وتوحد، واستظل من استهدى واسترشد، ووقف الهائم فخطب وأنشد (١) :
يا سرحة الحي يا مطول ... شرح الذي بيننا يطول
عندي مقال فهل مقام ... تصغين فيه لما أقول
ولي ديون عليك حلت ... لو أنه ينفع الحلول
стр. 3441
ماض من العيش كان فيه ... منزلنا ظلك الظليل
زال وماذا عليه ماذا ... يا سرح لو لم يكن يزول
حيا عن المذنب المعنى ... منبتك القطر والقبول وقال رحمه الله تعالى: فصول في المعرفة تغازل بها عيون الإشارة، إذا قصرت عن تمام المعنى ألسن العبارة، ولله در القائل:
وإذا العقول تقاصرت عن مدرك ... لم تتكل إلا على أذواقها المعرفة اختراق المراتب الحسية، والنفوس الجنسية، والعقول القدسية، والبروز إلى فضاء الأزل، إذا فني من لم يكن وبقي من لم يزل، مع عمران المراتب، ورؤية الجائز في الواجب:
ومن عجب أني أحن إليهم ... وأسأل شوقاً عنهم وهم معي
وتبكيهم عيني وهم في سوادها ... ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي المعرفة مقام يأتلف من جمع مفروق، وأفول وشروق، وسل عروق، ورد مسروق، حتى يذهب الكيف والأين، ويتعين العين، فيجمع العدد ويجمل، وينحى السوى ومع ذلك لا يهمل:
للعدا منك نصيب ... ولك السهم المصيب
إنما يومك يوما ... ن: خصيب وعصيب المعرفة مقام سامي المنعرج، عاطر الأرج، ينقل من السعة إلى الحرج، ومن الشدة إلى الفرج:
طريقك لا تخفى به إن تتبعت ... خطاك ولا يخفى مبيتك فيه
متاعك منشور على كل خيمة ... ورؤياك أمن من ترفع تيه
стр. 3442
المعرفة عين إن لم تبصر أجزاءها، أحسن الله عزاءها، وحقيقة إن لم يجعل الفراق إزاءها، كانت الغيرة (١) جزاءها، فهي دائرة مركزها يجمع؛ ومحيطها في التفريق يطمع، يستقل الملك أجمع، ويرى من يرى ويسمع من يسمع:
بعد المحيط من المحدد واحد ... والكل في حق الوجود سواء
والحق يعرف ذاته من ذاته ... صح الهوى فتلاشت الأهواء المعرفة صعود ونزول، ووقوف ووصول، فلا الوصول عن البداية يقطع، ولا البداية عن النهاية تمنع:
نم له الأمر أجمع ... كل ما شاء يصنع
حصل القصد واستق ... ر فلم يبق مطمع العارف في البداية يشكر الراكع والساجد، ثم يعذر الواجد المتواجد، ثم يرجع المنكر الجاحد، فإذا انتهى ورد العدد إلى الواحد، قال لسان حاله:
من رأى لي نشيدة ... أو على عينها أثر
فله الحكم قل له ... ذهب العين والأثر إلى أن قال: قال الرئيس: العارف هش بش بسام، فيجل الصغير من تواضعه مثلما يجل الكبير، ويبسط من الخامل مثلما يبسط من النبيه، ثم علل فقال: وكيف لا يهش وهوفرحان بالحق، وبكل شيء فإنه يرى فيه الحق، إني لأجد ريح يوسف (٢) :
لمعت نارهم وقد عسعس اللي ... ل وضج الحادي وحار الدليل
فتأملتها وقلت لصحبي ... هذه النار نار ليلى فميلوا
стр. 3443
العارف شجاع، وكيف لا وهوبمعزل عن هيبة الموت، وجواد، وكيف لا وهولمعزل عن صحبة الباخل، وصفاح، وكيف لا ونفسه أكبر من أن تحرجها زلة بشر، ونساء للأحقاد، وكيف لا وذكره مشغول بالحق، وقالوا: من عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله رب العالمين.
الشبلي: ليس لعارف علاقة، ولا لمحب شكوى، ولا لعبد دعوى، من عرف الله سبحانه انقطع، بل خرس وانقمع، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك؛ انتهى.
٧٢ - قال رحمه الله تعالى في بعض تراجم الروضة: الفرع الصاعد إلى الهواء، على خط الاستواء، من رأس العمود القائم، إلى منتهى الوجود الدائم، ويشتمل على قشر لطيف، وجرم شريف، وأفنان ذوات قنوان وغير قنوان، وطلع نضيد، وجنىً سعيد، فالقشر الحدود والرسوم، وخواص العارف الذي هوبالمعروف بها والموسوم، والفنون التي يقوم عليها والعلوم، والجرم ظاهر الخلق المقسوم، وعلاجه كما تعالج الجسوم، وباطنه المجاهدات التي عليها يقوم، وقلبه الرياضة والغصون المقامات فيها المقام المعلوم، ومادتها السلوك الذي تدريج غذائه تبلغ الأفنان والورقات ما تروم، والزهرات اللوائح والطوالع والبواده التي لها الهجوم، والواردات التي تدوم أولا تدوم، ثم الجنى وهوالولاية التي كان الغارس عليها يحوم؛ انتهى.
ثم فصل الكل رحمه الله تعالى فليراجعه من أراده.
٧٣ - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما كتبه على لسان سلطانه للأمير يلبغا الخاصكي (١) ، وهو: إلى الأمير المؤتمن على أمر سلطان المسلمين،
стр. 3444
المقلد بتدبيره السديد قلادة الدين، المثني على رسوم بره لمقامه لسان الحرم الأمين، الآوي من مرضاة الله تعالى ورسوله ﷺ إلى الربوة ذات القرار والمعين، المستعين من اله تعالى على ما تحمله وأمله بالقوي المعين، سيف الدعوة، ركن الدولة، قوام الملة، مؤمل الأمة، تاج الخواص، أسد الجيوش، كافي الكفاة، زين الأمراء، علم الكبراء، عين الأعيان، حسنة الزمان، الأجل المرفع الأسنى الكبير الأشهر الأسمى الحافل الفاضل الكامل المعظم الموقر الأمير الأوحد يبلغا الخاصكي، وصل الله له سعادة تشرق غرتها، وصنائع تسح فلا تشح درتها، وأبقى تلك المثابة قلادة الله تعالى وهو درتها.
" سلام كريم، طيب بر عميم، يخص إمارتكم التي جعل الله تعالى الفضل على سعادتها أمارة، واليسر لها شارة، فيساعد الفلك الدوار مهما أعملت إدارة، وتمتثل الرسوم كلما أشارت إشارة.
" أما بعد حمد الله تعالى الذي هويعلمه في كل مكان، من قاص ودان، وإليه توجه الموجوه وإن اختلفت السير وتباعدت البلادان، ومنه يلتمس الإحسان، وبذكره ينشرح الصدر ويطمئن القلب ويمرح اللسان، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله العظيم الشان، ونبيه الصادق البيان الواضح البرهان، والرضى عن آل وأصحابه وأحزابه أحلاس الخيل، ورهبان الليل، وأسود الميدان، والدعا لإمارتكم السعيدة بالعز الرائق الخبر والعيان، والتوفيق الوثيق البنيان، فإنا كتبناه إليكم - كتب الله تعالى لكم حظاً من فضله وافراً، وصنعاً عن محيا السرور سافراً، وفي جوالإعلام بالنعم الجسام مسافراً - من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى دار ملك الأندلس دافع الله سبحانه عن حوزتها كيد العداة، وأتحف نصلها ببواكر النصر المهداة، ولا رائد إلا الشوق إلى التعارف بتلك الأبواب الشريفة التي أنتم عنوان كتابها المرقوم، وبيت قصيدها المنظوم، والتماس بركتها الثابتة الرسوم، وتقرير المثول في سبيل زيارتها بالأرواح عند تعذره بالجسوم، وإلى هذا فإننا كانت بين سلفنا تقبل الله تعالى جهادهم، وقدس
стр. 3445
نفوسهم، وأمن معادهم، وبين تلك الأبواب كما عرفتم من عدلها وإفضالها، مراسلة ينم عرف الخلوص من خلالها، وتسطع أنوار السعادة من آفاق كمالها، وتلتمح من أسطار طروسها محاسن تلك المعاهد الزاكية المشاهد، وتعرب عن فضل المذاهب وكرم المقاصد، اشتقنا إلى أننجددها بحسن منابكم، ونواصلها بمواصلة جنابكم، ونغتنم في عودها الحميد مكانكم، ونؤمل لها زمانكم، فخاطبنا الأبواب الشريفة في هذا الغرض نخاطبة خجلة من التقصير، وجلة من الناقد البصير، ونؤمل الوصول في خفارة يدكم التي لها الأيادي البيض، والموارد التي لا تغيض، ومثلكم من لا تخيب المقاصد في شمائله، ولا تضحى المآمل في ظل خمائله، فقد اشتهر من حميد سيركم ما طبق الآفاق، وصحب الرفاق، واستلزم الإصفاق، وهذه البلاد مباركة، ما أسلف أحد فيها مشاركة، إلا وجدها في نفسه ودينه وماله وعياله، والله سبحانه أكرم من وفى لامرئ بمكياله، والله يجمع القلوب على طاعته، وينفع بوسيلة النبي ﷺ الذي نعول على شفاعته، ويبقي تلك الأبواب ملجأ للإسلام والمسلمين، وظلاً لله تعالى على العالمين، وإقامة لشعائر الحرم الأمين، ويتولى إعانة إمارتكم على وظائف الدين، ويجعلكم ممن أنعم الله تعالى عليه من المجاهدين، والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛ انتهى.
٧٤ - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى قوله في قضية امتناع بعض الموثقين من أكل طعامه بمدينة سلا، وقد صدر به كتابه المسمى ب مثلى الكريقة في ذم الوثيقة وهذا نصه: أما بعد حمد الله الذي قرر الحكم وأحكمه، وبين الحلال من الحرام بما أوضحه من الأحكام وعلمه، ونوع جنس المعاش وقسمه، وماز كل نوع منه ووسمه، فأثبته متفاوتاً في درجات التفضيل ورسمه، والصلاة والسلام على مولانا محمد رسوله الذي فضله على الأنبياء وقربه وطهر من دنس الشبهات شيمه، فما استعمله في غير طاعته ولا استخدمه، ولا أعمل في سوى
стр. 3446
البر والهدى بنانه ولا قدمه، والرضى عن آل وأصحابه الذين رعوا ذممه، واستمطروا ديمه، وتواصوا من أجله بالبر وتواصلوا بالمرحمة، فهذا كتاب مثل الطريقة في ذم الوثيقة دعا إلى جمعه قلة الإنصاف من المداهن والمعاصر، والمباهت في مدرك النور الباصر، ورضى مظنة النيل منهم بالباع القاصر، والمناضلة عن الحمى الذي لم يؤيده الحق بالولي ولا بالناصر، ولوضعه حكاية، ولنفثته شكاية، إذ معرفة الأشياء بعللها مما يتشوق إليه، ويحرص عليه، وهوأني لما قدمت على مدينة فاس حرسها الله تعالى، مستخلصاً بشفاعة الخلافة، ذات الإناقة، مستدعى برسالة الإيالة، ذات الجلالة، فانسحب والمنة لله الستر، وانفسح الفتر، وشفع من النعم الوتر، واقتدى المرؤوس بالرئيس، وتنافس الأعلام في التأنيس، واتصل الاحتفاء والاستدعاء، وانتخب الموعى والوعاء، وأخذ أعقاب الطيبات الوضوء والطيب والدعاء، تعرفت فيمن جمعته الأخونة، والمداعي المتعينة، برجل من نبهاء موثقيها غرني بمخيلة البشاشة التي يستفز بها الغريب، ويستخلص هوى من لم يعمل التجريب، فأنست بمكانه، واستظهرت على ما يعرض من مكتتب بدكانه، وشأني في الاغتباط بمن عرفت شأني، فلست للمقة بشأني، واسترسالي، حتى لمن أسا لي، طوع عناني:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... ضميري ويتلوه يدي ولساني ولم يك إلا أن حللت بمدينة سلا حرسها الله تعالى مقصود المحل وإن رغم الدهر الذي رمى فأقصد، معتمداً بفتوحات الله تعالى وإن أرتج الباب بزعمه وأوصد، مصحباً بمدد عنايته وإن كمن وأرصد، لا يمر فاضل إلا عرج على مثواي، وأتى من البر فوق هواي، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، وتعرفت عن صاحبي الفاسي أنه قدم علينا من سخر عملية فلا لها الدسر المنهوبة، وتخللها المسبعة المرهوبة، واغتذى الأطعمة التي مرقتها الدموع، ومطبختها الحمى المروع، واستقر بالمدينة بعد أن لان وضرع، وجدل وصرع، نافق البلقلة كاسد الورع
стр. 3447
ونزل بمثوى خمول، ومحط مجهول، وكنف ممقوت، وجوار لا يبخل بغيبة ولا يسمح بقوت، فبادرت استدعاءه بفاضل من الطلبة ممن يتلقى به الوارد، ويقتاد الشارد، وقد أغرب بقراءة الاحتفاء والاحتفال، وأجنب الإغفاء والإغفال، وجهزت السرايا إلى التماس نعم الله تعالى فحلت الأنفال، فلما عرض عليه الدعوة تعجرف ونفر، ولما مسح عطفه بالاستنزال نزا وطفر، حتى بهت الرسول كما بهت الذي كفر، وآب يحمل عذراً بارداً، واحتجاجاً شارداً، فأقطعته جانب شماسه، وخليت بينه وبين وسواسه، ومن الغد قصدني فاعتذر، وأكثر الهذر، ولم ينبت الله النبات الحسن شيئاً مما بذر، وكان جوابي إياه ما نصه:
أبيتم دعوتي إما لبأو ... وتأبى لومه مثلي الطريقه
وبالمختار للناس اقتداء ... وقد حضر الوليمة والعقيقه
وغير غريبة أن رق حر ... على من حاله مثلي رقيقه
وإما زاجر الورع اقتضاها ... ويأبى ذاك دكان الوثيقه
وغشيان المنازل لاختيار ... يطالب بالجليلة والدقيقه
شكرت مخيلة كانت مجازاً ... لكم وحصلت بعد على الحقيقة وذاع خبرها فقلبت عنها الجنوب، وكلف بها الطالب والمطلوب، وهش إلى المراجعة عنها أحد الموثقين بسلا ممن يحوم حول حمى الإدراك، ويروم درجة الاختصاص ببعض الفنون والاشتراك، وله في الأدب مساس، وجلب الباس، بما نصه:
رسولك لم يبن لي عن طريقه ... تقرب من حديقتك الأنيقه
فلا بأولدي ولا إباء ... ولكن ساء في الغرض الطريقه
وهب أني أسأت فكم صديق ... تدلل واعتدى فجفا صديقه
стр. 3448
فلا عجب فديت لرفق حر ... يسكن عند خجلته رفيقه
وإني فيك معتقد، ولكن ... أرى الأيام حاقدة حنيقه
على ذي الود فيمن ود حتى ... يفارقه وإن أضحى رفيقه فراجعته بما نصه لما أسفلته من جزاء مصاعه، وكلت له بصاعه:
من استغضب من هذي الخليقه ... بمغضبة بإنكار خليقه
ولم يغضب فتيس أو حمار ... مجازاً لا، لعمري، بل حقيقه
بعثت بمرسل لك مع عتيقي ... فلم تطع الرسول ولا عتيقه
وطوقت السفير الذنب لما ... عجلت به ولم تبلعه ريقه
إمام جماعة وقريع تقوى ... ومبلغ حجة، وحفيظ سيقه (١)
فبؤت بها علآ الأيام داءً ... عضالاً لا تفيق عليه فيقه
وقد عارضت عذرك باعتراف ... فزدت مذمة تسم الطريقه
وهل بعد اعتراف من نزاع ... وهل بعد افتضال من وثيقه
ومن جهل الحقوق أطاع نفساً ... ببحر الجهل راسبة غريقه
ومنجى نيقة أمر بعيد ... إذا نصب المهندس منجنيقه فأمسك حينئذ وأقصر، وروى الأمر يطول فاختصر، إلا أنه نمي لي عنه قوله: إن دكان الوثيقة إن نافى الورع فبغير بلده، وأذهلته لذة لدده، عما هوبصدده، فارتهنت له أن أنصر الدعوى بما يسلمه المنصف المساهل، وينكره الأرعن الجاهل، وتشد به المنازل والمناهل، والمعالم والمجاهل، مستنداً إلى الحكم الشرعي، والسنن المرعي، والمشاهدة والحس، وشهادة الجن والإنس.
стр. 3449
ولو ترك القطا ليلاً لناما ... والله يجعله موقظاً من السنات، وازعاً عن كثير من الهنات، وينفع فيه بالنية فإنما الأعمال بالنيات، وها أنا أبتدئ وعلى الله الإعانة، وبحوله وقوته الإفصاح والإبانة.
قلت: ينحصر الكلام فيه في سبعة أبواب، الباب الأول: في جواز الإجازة فيها عند العلماء، الباب الثاني: في الشركة المستعملة بين أربابها، الباب الثالث: في محلها من الورع إن سوغها الفقه، الباب الرابع: في منزلتها من الصنائع والمهن، الباب الخامس: في أحوال منحليها من حيث العلم غالباً، الباب السادس: في أحوالهم من جهة استقامة الرزق وانحرافه، الباب السابع: في رد بعض ما يحتج به فيها. انتهت الخطبة المقتطعة من تأليف لسان الدين رحمه الله تعالى.
وهذا التأليف في نحوكراسة، وقال في آخره ما صورته: فإن قيل: ترك الأجر، وقبول العوض في هذا الأمر يدعوإلى تعطيله، فيفقد الناس منفعة هذه الطريقة وغناءها، قلت: الإنصاف فيها اليوم أن لوكان متوليها يرتزق من بيت المال وأموال المصالح والأوقاف التي تسع ذلك، وحال الجماهير في فقدانها والاضطرار إليها ورفع أمورهم بها إلى السلطان، ورغبتهم في نصب من يتولى ذلك حالهم في فقدان أئمة الصلاة في الماسجد الراتبة في جريانه من بيت المال بعلة التزامهم وارتباطهم فقد، حسبما نقل الإجماع فيه القاضي أبوبكر ابن العربي رحمه الله تعالى ومنع الارتزاق من غيره إجماعاً، وقد كان بالمدن المعتبرة من بلاد الأندلس - جبرها الله تعالى - ناس من أولي التعفف والتعين، كبني الجد بإشبيلية وبني الخليل وغيرهم بغيرها، يتعيشون من فضول أملاكهم، ووجائب رباعهم، ويقعدون بدورهم عاكفين على بر، منتابين لرواية وفتيا، يقصدهم الناس في الشهادة فيجاملونهم، ويبركون على صفقاتهم، ويهدونهم إلى سبيل الحق فيها من غير اجر ولا كلفة، إلا الحفظ على المناصب، وما يجريه السلطان من الحرمة
стр. 3450
والتفقد (١) في الضرورة، وما يهديهم الناس من الإطراء والتجلة، والله سبحانه ينيلهم من الأجر والمثوبة، وبلغني اليوم ا، حالها بمدينة سجلماسة ينظر إلى هذا الحال من طرف خفي، ولم يفسد بها كل الفساد، وكذلك لم نزل نتعرف أن الأمر في شأنها بمدينة تونس أقرب، وبعض الشر أهون من بعض، ولوبقيت بحالها لوجب تقرير فضلها وتقريظ منتحلها، فالصدق أنجى، والحق عند الله أحجى، والله يستعملنا فيما يرضيه، ويلطف بنا فيما يجريه علينا من أحكامه وما يقضيه، ويجعلنا ممن ختم له بالحسنى، ويقربنا إلى ما هوأقرب من رحمته وأدنى، وصلوات الله على سيدنا محمد وآل وصحبه؛ انتهى.
وكتب على ظهر الورقة الأولى من هذا التأليف شيخ شيوخ شيوخنا الغمام الكبير المؤلف الشهير سيدي أحمد الونشريسي رحمه الله تعالى ما صورته: الحمد لله، جامع هذا الكلام المقيد هذا بأول ورقة منه كد نفسه في شيء لا يعني الأفاضل، ولا يعود عليه في القيامة ولا ف يالدنيا بطائل، وأفنى طائفة من نفيس عمره في التماس مساوئ طائفة بهم تستباح الغروج، وتملك مشيدات الدور والبروج، وجعلهم أضوكة لذوي الفتك والمجانة، وانتزع جلبات الصدق والديانة، سامحه الله تعالى وغفر له، قال ذلك وخطه بيمنى يديه عبيد ربه أحمد بن يحيى بن محمد بن علي الونشريسي خار الله سبحانه له؛ انتهى ما ألفتيته.
وقد كان لسان الدين رحمه الله تعالى كثيراً ما يعرض ويصرح بهجوبعض أهل سلا أوكلهم حتى قال:
أهل سلا صاحت بهم صائحه ... غادية في دورهم رائحه
يكفيهم من عوز أنهم ... ريحانهم ليست له رائحه والله المرجوللعفوعن الزلات.
٧٥ - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى خطبة كتابه في المحبة الذي ما
стр. 3451
ألف في فنه أجمع منه، ولنوردها فإن فيها دلالة على فضله وعظم قدر الكتاب وهي: اللهم طيب بريحان ذكرك أنفاس أنفسنا الناشقة، وعلل بجريال حبك جوانح أرواحنا العاشقة، وسدد إلى أهداف معرفتك نبال نبلنا الراشقة، واستخدم في تدوين حمدك شبا أقلامنا الماشقة، ودل على حضرة قدسك خطرات خواطرنا الذائقة، وأبن لنا سبل السعادة التي جعلت فيها الكما الأخير لهذه الأنفس الناطقة، وأصرفنا عند سلوكها عن القواطع العائقة، حتى نأمن مخاوف أجبالها الشاهقة، وأحزابها المنافقة، وأوهامها الطارئة الطارقة، برازخها القاسية الغاسقة، فلا تسرق بضائعنا العوائد السارية السارقة، ولا تحجينا عنك العوارض الجسيمة اللاحقة، ولا الأنوار المغلظة البارقة، ولا العقول المفارقة، يا من له الحكمة البالغة والعناية السابقة، وصل على عبدك ورسولك محمد درة عقود أحبابك المتناسقة، وجالب بضائع توحيدك النافقة، المؤيد بالبراهين الساطعة والمعجزات الخارقة، ما أطلعت أفلاك الأدواح زهر أزهارها الرائقة، وحدت قطار السحائب حداة رعودها السائقة، وجمعت ريح الصبا بين قدود أغصانها المتعانقة.
أما بعد فإنه لما ورد على هذه البلاد الأندلسية المحروسة بحدود سيوف الله حدودها، الصادقة بنصر الله للفئة القليلة على الفئة الكثيرة وعودها - وصل الله تعالى عوائد صنعه الجميل لديها، وأبقاها دار إيمان إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها - " ديوان الصبابة (١) " وهوالموضوع الذي اشتمل من أبطال العشاق على الكثير، واستوعب من أقوالهم الحديثة والقديمة كل نظيم ونثير، وأسدى في غزل غزله وألحم، ودل على مصارع شهدائهم من وقف وترحم، فصدق الخبر المخبر، وطمت اللجة التي لا تعبر، وتأرج من مسراه المسك والعنبر، وقالت العشاق عند طلوع قمره: الله اكبر:
مررت بالعشاق قد كبروا ... وكان بالقرب صبي كريم
стр. 3452
فقلت: ما بالهم قال لي: ... ألقي للحب كتاب كريم ولا غروأن أقام بهذه الآفاق، أسواق الأشواق، وزاحم الزفرات في مسالك الأطواق، وأسأل جواهر المدامع من بين أطباق تلك الحقاق (١) ، وفتك نسيمها الضعيف العهد والميثاق بالنفوس الرقاق:
جنى النسيم علينا ... وما تبينت عذره
إذ صير الخلق نجداً ... والأرض أبناء عذره فوقع للحجة المصرية التسليم (٢) ، وقالت ألسنة الأقلام معربة عن ألسنة الأقاليم:
سلمت لمصر في الهوى من بلد ... يهديه هواؤه لدى استنشاقه
من ينكر دعواي فقل عني له ... تكفي امرأة العزيز من عشاقه فغمر المحافل والمجالس، واستجلس الراكب واستركب الجالس، يدعوالأدب إلى مأدبته فلا يتوقف، ويلقي عصا سحره المصري فتتلقف، ما شئت من ترتيب غريب، وتطريب وبنان أريب، يشير إلى الشعر فتنقاد إليه عيونه، ويصيح بالأدب الشريد فتلبيه فنونه، وأنهى خبره للعلوم المقدسة، ومدارك العز الموطدة المؤسسة، سما به الجد صعداً إلى المجلس السلطاني مقر الكمال، ومطمح الأبصار والآمال، حيث رفارف العز قد انسدلت، وموازين القسط قد عدلت، وفصول الفضل قد اعتدلت، وورق أوراق المحامد قد هدلت، مجلس السلطان المجاهد، الفاتح الماهد، المتحلي في ريعان العمر الجديد، والملك السعيد، بحلى القانت الزاهد، شمس أفق الملة، وفخر الخلفاء الجلة، بدر هالات السروج المجاهدة، أسد الأبطال البارزة إلى حومة الهياج الناهدة، معشي الأبصار المشاهدة، مظهر رضى الله تعالى عن هذه الأمة الغريبة عن الأنصار والأقطار، من وراء أمواج (٣)
стр. 3453
البحر الزخار، باختياره لها واعتيامه، وملبسها برود اليمن والأمان ببركة أيامه، ومن أطلع الله تعالى أنوار الجمال من أفق جبينه، وأنشأ أمطار السماح من غمام يمينه، وأجرى في الأرض المثل السائر بحلمه وبسالته ودينه، أمين الله تعالى على عهدة الإسلام بعذا القطر وابن أمينه وابن أمينه، فخر الأقطار والأمصار، ومطمح الأيدي وملمح الأبصار، وسلالة سعد بن عبادة سيد الأنصار، ومن لونطق الدين الحنيفي لحياه وفداه، أوتمثل الكمال صورة ما تعداه، مولانا السلطان الإمام العالم العامل المجاهد أمير المسلمين أبوعبد الله ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد مبتسماً عن شنب نصره، والفتح المبين مذخوراً لعصره، كما قصر آداب الدين والدنيا على مقاصير قصره، وسوغه من أشتات مواهب الكمال ما تعجز الألسن عن حصره، ولا زالت أفنان الأقلام تتحف الأقاليم بجني فنون هصره، فخصته عين استحسانه أبقاه الله تعالى بلحظة لحظ، وما يلقاها إلا ذوحظ، وصدرت إلي منه الإشارة الكريمة بالإملاء في فنه، والمنادمة على بنت دنه، وحسب الشحم من ذي ورم والله سبحانه يجعلني عند ظنه، ومتى قورتن المثري بالمترب، أووزن المشرق بالمغرب شتان بين من تجلى الشمس منه فوق منصتها، وبين من يشره أفقه الغربي لابتلاع قرصتها، لكني امتثلت، ورشت ونثلت، ومكرهاً لا بطلاً مثلت، وكيف يتفرغ للتأليف، ويتبرع للوفاء بهذا التكليف، من حمل الدنيا في سن الكهولة على كاهله، وركض طرف الهوى بين معارفه ومجاهله، واشترى السهر بالنوم، واستنفد سواد الليل وبياض اليوم، في بعث يجهز، وفرصة تنهز، وثغر للدين يسد، وأزر للملك يشد، وقصة ترفع، ووساطة تنفع، وعدل يحرص على بذله، وهوى يجهد في عذله، وكريم قوم ينصف من نذله، ودين تزاح الشوائب عن سبله، وسياسة تشهد للسلطان بنبله وإصابة نبله، ما بين سيف وقلم، وراحة وألم، وحرب وسلم، ونشر علم أوعلم، وجيش يعرض، وعطاء
стр. 3454
يفرض، وقرض حسن لله تعالى يقرض، في وطن توافر العدوعلى حصره، ودار به دور السوار على خصره، وملك قصر الصبر والتوكل على قصره، وعدد نسبته من العدد العظيم الطاقة، الشديد الإضاقة، نسبة الشعرة من جلد الناقة، وبالله نستدفع المكروه، وإليه نمد الأيدي ونصرف الوجوه، وسألت منه - أيده الله تعالى - القنوع بما يسره الوقت، مما لا يناله المقت، والذهاب بهذا الغرض لما يليق بالترب والسن، ويؤمن من اعتراض الإنس والجن، وما كنت ممن آثر على الجد والهزل، واعتاض من الغزل الرقيق الغزل بشيمة الجزل، ولا آنف نم ذكر الهوى بعد أن خضت غماره، واجتنيت ثماره، وأقمتن مناسكه ورميت جماره، وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة، فالهوى أول تميمة قلدتني الداية، والترب التي عرفتها في البداية، وأنا الذي عن عروته نبت، وبعثت إلى الرصافة لأرق فدبت، إلى أن تبين الرشد من الغي، وصار النشر إلى الطي، وتصايح ولدان الحي، كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم كما من علي:
جزى الله عني زاجر الشيب خير ما ... جزى ناصحاً فازت يداي بخيره
ألفت طريق الحب حتى إذا انتهى ... تعوضت حب الله عن حب غيره حال السواد بحال الفؤاد، وصوح المرعى فانقطعت الرواد، ونهاني ازورار خيال الزوراء، واتفات عاذل الشيب عن المقلة الحوراء، وكيف الأمان، وقد طلع منه النذير العريان، يدل على الخبر بخبره، وينذر بهاذم اللذات على أثره، ولله در القائل:
دعتني عيناك نحوالصبا ... دعاء يردد في كل ساعه
فلولا، وحقك عذر المشيب ... لقلت لعينيك: سمعاً وطاعه ولولا أن طيف هذا الكتاب الوارد طرق مضجعي وقد كاد يبدوالحاجب، ويضيع من الفرض الواجب، ويعجب من نوم الغفلة العاجب، لجريت معه في
стр. 3455
ميدانه، وعقدت بناني ببنانه، وتركت شاني وإن رغم الشاني لشانه، وقلت معتذراً عن التهويم في بعض أحيانه:
أهلاً بطيفك زائراً أو عائداً ... تفديك نفسي غائباً أوشاهدا
يا من على طيف الخيال أحالني ... أتظن جفني مثل جفنك راقدا
ما نمت، لكن الخيال يلم بي ... فيجله طرفي فيطرق ساجدا ومن العصمة أن لا تجد، هلا قبل المشيب، ومع الزمن القشيب، وقبل أن تمخض القربة، وتبنى الخانقاه والتربة، وتؤنس باله الغربة، وعلى ذلك فقد أثر، وباء قلبي المعثر، اللهم لا أكثر:
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألق موهناً لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذرا متمنع أركانه
فبدا لينظر كيف لاح، فلم يطق ... نظراً إليه ورددت أشجانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه وجعلت الإملاء على حمل مؤازرته أيده الله تعالى علاوة، وبعد الفراغ من ألوان ذلك الخوان حلاوة، وقلت أخاطب مؤلف كتاب الصبابة بما يعتمده جانب إنصافه، ويغطي على نقص إن وقع فيه كمال أوصافه:
يا من أدار من الصبابة بيننا ... قدحاً ينم المسك من رياه
وأتى بريحان الحديث فكلما ... سمح النديم براحه حياه
أنا لأهيم بذكر من قتل الهوى ... لكن أهيم بذكر من أحياه وعن لي أن أذهب بهذا الحب المذهب المتأدي إلى البقاء، الموصل إلى ذروة السعادة في معارج الارتقاء، الذي غايته نعيم لا نيقضي أمده، ولا ينفذ مدده، ولا يفصل وصله، ولا يفارق الفرع أصله، حب الله المبلغ إلى قربه، المستدعي لرضاه
стр. 3456
وحبه، المؤثر بالنظر إلى وجهه، ويا لها نم غاية، الملقي رحل المتصف به بعد قطع بحار الفناء على ساحل الولاية.
وكنت وقفت من الكتب المؤلفة في المحبة على جملة منها كتاب يشهده العوام ويستخفه الهوام، ورسالة ابن واصل رسالة مهذارة، تطفومن دارة إلى دارة، في مطاردة هر وفارة، وكتاب ابن الدباغ القيرواني (١) كتاب مفرقع، ووجه المقصود منه متبرقع، وكتاب ابن خلصون وهوأعدلها لولا بداوة تسم الخرطوم، وناسب الجمل المخطوم، فكنت بما ذكر لا أقنع، وأقول ما أصنع، فالله يعطي ويمنع:
قلت للساخر الذي ... رفع الأنف واعتلى
أنت لم تأمن الهوى ... لا تعير فتبتلى شعر:
وعذلت أهل العشق حتى ذقنه ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق (٢) ومن المنقول: لا تظهر الشماتة بأخيك، فيعافيه الله ويبتليك.
بلاني الحب فيك بما بلاني ... فشأني أن تفيض غروب شاني أجل بلاني بالغرض الذي هومن القلوب سر أسرارها، ومن أفنان الأذهان بمنزلة أزهارها، ومن الموجودات وأطوارها قطب مدارها؛ ليكون كتابي هذا المقدم على المأزق المهلك، المتشبع بما لا يملك، وأن يقنع الاتصاف، فعسى أن يشفع الإنصاف، والاقتراف، يدرؤه الاعتراف، أنا عند المنكسرة قلوبهم، ولا تجود يد، إلا بما تجد، وكل ينفق مما آتاه الله:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس (٣)
стр. 3457
وعسى الذي أنطق شوقاً، أن ينطق ذوقاً، والذي حرك سفلاً أن يحرك فوقاً، والذي يسره مقالاً، أن يكفيه حالاً.
فأول الغيث طل ثم ينسكب ... الحرب أول ما تكون لجاجة ... وإن الحرب أولها الكلام (١) ... نحمد الله سبحانه على الكلف بهذه الطريقة ﴿وما يلقاها إلا ذوحظ عظيم﴾ (فصلت: ٣٥) وللأرض نصيب من كأس الكريم (٢) :
أليس قليلاً نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل
فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي (٣) وعلى ذلك فذهبت في تربيته أغرب المذاهب، وقرعت في التماس الإعانة باب الجواد الواهب، وأطلعت فصوله في ليل طلوع نجوم الغياهب، وعرضت كتائب العزيمة عرضاً، وأقرضت الله قرضاً، وجعلته شجرة وأرضاً، فالشجرة المحبة مناسبة وتشبيها، وإشارة لما ورد في الكتب المنزلة ونبيهاً، والأرض النفوس التي تغرس فيها، والأغصان أقسامها التي تستوفيها، والأوراق حكاياتها التي تحكيها، وأزهارها أشعارها التي تحييها، والوصول إلى الله تعالى ثمرتها التي ندخرها بفضل الله ونقتنيها، شجرة لعمر الله يانعة، وعلى الزعازع متمانعة، ظلها ظليل، والطرف عن مداها كليل، والفائز بجناها قليل، رست في التخوم، وسمت
стр. 3458
إلى النجوم، وتنزهت عن أعراض الجسوم، والرياح الحسوم، وسقيت بالعلوم، وغذيت بالفهوم، وحملت بالزهر المكتوم، ووفيت ثمرتها بالغرض المروم، فاز من استأثر بجناها، وتعنلاى من عني بلفظها دون معناها، فمن استصبح بدهنها استضاء بسناها، ما أبعدها وما أدناها، عيناً ملأت الأكف بغناها، كم بين أوراقها من قلب مقلب، وفي هوائها من هوى مغلب، وكم فوق أفنانها من صادح، وكمم في التماس سقيطها من كادح، وكم دونها من خطب فادح، ولأربابها من هاج ومادح، تنوعت أسماؤها، ولم تتنوع أرضها ولا سماؤها، فسميت نخلة تهز وتجنى، وزيتونة مباركة يستصبح بزيتها الأسنى، وسدرة إليها ينتهي المعنى، أصلها للوجود أصل، وليس لها كالشجر جنس ولا فصل، وتربتها روح ونفس عقل، وشرفها يعضده بديهة ونقل، يحط بفنائها، ويصعد السالكون حول بنائها، تخترق السبع الطباق ببراقها، وتمحى ظلم الحس بنور إشراقها، فسبحان الذي جعلها قطب الأفلاك، ومدافن الأضواء والاحلاك، ومغرد طيور الأملاك، وسبب انتظام هذه الأسلاك، لم يحل فيها طريد بعيد، ولا اتصف بصفاتها إلا سعيد، ولا اعتلق بأوجها هاوفي حضيض، ولا بمحض برهانها متخبط في شرك نقيض، ولا تعرض لشيم بوارقها متسم بسمة بغيض، الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ومنه نستزيد الاستغراق في بحارها، والاستنشاق لنواسم أسحارها، والاستدلال بذرى أفنانها عليه، والوصول بسبب ذلك إليه، إنه ولي ذلك سبحانه، فطاب لعمري المنبت والنابت، وسما الفرع الباسق ورسا الأصل الثابت، وفاءت الأفنان، وزخرفت الجنان، وتعددت الأوراق والزهرات والأغصان، ولم أترك فنناً إلا جمعت بينه وبين مناسبه، ولا فرعاً إلا ضممته إلى ما يليق به، واستكثرت من الشعر لكونه من الشجرة بمنزلة النسيم الذي يحرك عذبات أفنانها، ويؤدي إلى الأنوف روائح بستانها، وهوالمزمار الذي ينفخ الشوق في يراعته، والعزيمة التي تنطق مجنون الوجد من ساعته، وسعة ألسن العشاق، وترجمان ضمير الأشواق
стр. 3459
ومجتلى صور المعاني الرقاق، ومكامن قنائص الأذواق، به عبر الواجدون عن وجدهم، ومشى المحبون إلى قصدهم، وهورسول الاستلطاف، ومنزل الألطاف، اشتمل على الوزن المطرب، والجمال المعجب المغرب، وكان للأوطان مركباً، ولانفعال النفوس سبباً، فلا شيء أنسب منه للحديث في المحبة، ولا أقرب للنفوس الصبة، واجتلبت الكثير من الحكايات وهي نوافل فروض الحقائق، ووسائل مجالس الرقائق، ومراوح النفوس من كد الأفكار، وإحماض مسارح الأخبار، وحظ جارحة السمع من منح الاعتبار، وبعض الجواذب لنفوس المحبين، والبواعث لهمم السالكين، وحجتها واضحة بقوله تعالى: " وكلا نقص عليك " هود:١٢٠ في القرآن المبين، ونقلت شواهد من الحديث والخبر تجري صحاحها مجرى الزكاة من الأموال، والخواطر من الأحوال، ويجري ما سواها من غير الصحيح مجرى الأمثال، ليكون هذا الكتاب لعموم خيره، مسرحاً للفاره وغيره، ويجد كل ميداناً لسيره، وملتقطاً لطيره، ومحكاً لغيره، فمن فاق كلف بأصوله، ومن قصر قنع بفصوله، ومن وصل حمد الله تعالى على وصوله، وسميته روضة التعريف بالحب الشريف ويحتوي على أرض زكية، وشجرات فلكية، وثمرات ملكية، وعيون غير بكية.
والحب حياة النفوس الموات، وعلة امتزاج المركبات، وسبب ازدواج الحيوان والنبات، وسر قوله ﴿أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به الناس كمن مثله في الظلمات﴾ (الأنعام:١٢٢) ليس كالحب الذي دون المدونون، ولعبت بكرة أقباسه صوالج الجنون، وقاد الهوى أهله بحبل الهون، وساقت فيه المنى لمنون، حين نظرت النفوس من سفلى الجنبتين، ورضيت الأثر عن العين، وباعت الحق بالمين، ولم تحصل إلا على خفي حنين، وارحمنا لعشاق الصور، وسباق ملاعب الهوى والهور، لقد كلفوا بالزخارف الحائنة الحائلة، والمحاسن الزائفة الزائلة، وسلع الجبانة، وبضائع الإهانة، أزمان التمتع بهم قصيرة، والأنكاد عليهم مغيرة، فتراهم ما بين طعين بعامل
стр. 3460
قد، ومضرج بدم خد، وأسير ثغر قد أعوز فداؤه، وسقيم طرف قد أعضل داؤه، وما شئت من لل يسهر، ونداء به يجهر، وجيوب تشق، وبصائر تخطف أبصارها إذا لمع البرق، ونواسم تحمل التحيات، وخلع أيك تتلقى بخلع الأريحيات، وربما اشتد الختل، وأصابت النبل فكان الخبل، قلوب اشتغلت عن الله فشغلها الله بغيره، وهب الحب الجسماني لا تبعث عليه شهوة بهيمية، ولا تدعوإليه قوة وهمية، أليست الداعية مرتفعة، والباعثة منقطعة، وصورة الحسن دائرة، وأجزاؤه المتناظمة متناثرة أليس الجراب العنصري عائداً إلى أصله أليس الجنس مفارقاً لفصله ولله در علي رضي الله تعالى عنه، وقد نظر إلى قدح الماء وقد أراد أن يشرب، وعن الاعتبار أعرب، فقال: كم فيك من خد أسيل، وطرف كحيل! فأواه مكررة مرددة، ووالهفاه معادة مجددة، على قلب أصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها، ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً، وحسبنا مرارة الفراق ذلاً، وفقد النقد قلا، والغفلة عن الله شقاء محتوماً، والكآبة على الفائت شوماً:
صدني عن حلاوة التشييع ... اتقائي مرارة التودريع
لم يقم أنس ذا بوحشة هذا ... فرأيت الصواب ترك الجميع وإن كانت الشهوة فأخسس بها داعية، وإلى الفضيحة ساعية، حسبك من حمار يعلن بنداء المحبة نهاقه، ويقذفه على السباق اهتياجه إلى السفاد واشتياقه، أسير خبال، وصريع مبال، أولى له ثم أولى لوتأمل محاسن الجسوم، ما أكذب رائدها المطري، وأخبث زخرفها المغري، وأقصر مدة استمتاعها، وأكثر المساعي تحت قناعها:
على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب العار لوكان باديا (١) ما ثم إلا أنفاس تركد وتخبث، وعلل تنشأ وتحدث، وزخارف حسن تعاهد ثم
стр. 3461
تنكث، وتركيب يطلبه التحليل بدينه، ويأخذ أثره بعد عينه، وأنس يفقد، واجتماع كأن لم يعقد، وفراق إن لم يكن فكأن قد:
ومن سره أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقدا
منغص العيش لا يأوي إلى دعة ... من كان ذا بلد أو كان ذا ولد
والساكن النفس من لم ترض همته ... سكنى مكان ولم يسكن إلى أحد وقلت وقد مات سكن عزيز علي أيام التغرب بسلا عظم جزعي عليه:
يا قلب كم هذا الجوى والخفوت ... ذماءك استبق لئلا يفوت
فقال لا حول ولا قول لي ... قد كان ما كان فحسبي السكوت
فارقني الرشد وفارقته ... لما تعشقت بشيء يموت والزمان لا يعتبر، وحاصله خبر، والحازم من نظر في العواقب، نظر المراقب، وعرف الإضاعة، ولم يجعل الحلم بضاعة، إنما الحب الحقيق حب يصعدك ويرقيك، ويخلدك ويبقيك، ويطعمك ويسقيك، ويخلصك إلى فئة السعادة مما يشقيك، ويجعل لك الكون روضاً، ومشرب الحق حوضاً، ويجنيك زهر المنى، ويغنيك عن أهل الفقر والغنى، ويخضع التيجان لنعلك، ويجعل الكون متصرف فعلك، ليس إلا الحب، ثم الوصل والقرب، ثم الشهود، ثم البقاء بعدما اضمحل الوجود، فشفيت الآلام، وسقط الملام، وذهبت الأضغاث والاحلام، واختصر الكلام، ومحيت الرسوم وخفيت الأعلام، ولمن الملك اليوم والسلام، فالحذر الحذر، أن يعجل النفس سيرها، ويفارق القفص طيرها، وهي بالعرض الفاني متثبطة، وبنائي الثقيل مرتبطة، وبصحبة الفاني مغتبطة ﴿أن تقول نفس
стр. 3462
يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين. أوتقول لوأن الله هداني لكنت من المتقين. أوتقول حين ترى العذاب لوأن لي كرة فأكون من المحسنين﴾ (الزمر: ٥٦ - ٥٨) وفي ذلك قلت:
أعشاق غير الواحد الأحد الباقي ... جنونكم والله أعيا على الراقي
جننتم بما يفنى وتبقى مضاضة ... تعذب بين البين مهجة مشتاق
وتربط بالأجسام نفساً حياتها ... مباينة الأجسام بالجوهر الراقي
فلا هي فازت بالذي علقت به ... ولا رأس مال كان ينفعها باقي
فراق وقسر وانقطاع وظلمة ... قني ابعد من نيل السعادة يا واقي
كأني بها من بعد ما كشف الغطا ... صريعة أحزان لديغة أشواق
تقلب كفيها بخيط موصل ... رشيقة قد دون سبعة أطباق
فلا تطعموها السم في الشهد ضلة ... فذلك سم لا يداوى بدرياق
بما اكتسبت تسعى إلى مستقرها ... فإما بوفر محسب أو بإملاق
وليس لها بعد التفرق حيلة ... سوى ندم يذري مدامع آماق
ولو كان مرمى الحزن منها إلى مدى ... لهان الأسى ما بين وخد وإعناق
فجدوا فإن الأمر جد، وشمروا ... بفضل ارتياض أوبإصلاح أخلاق
ولا تطلقوا في الحس ثني عنانها ... وشيموا بها للحق لمحة إشراق
ودسوا لها المعنى وريداً وأيقظوا ... بصيرتها من بعد نوم وإغراق
ومهما أفاقت فافتحوا لاعتبارها ... مصاريع أبواب وأقفال أغلاق
وعاقبة الفاني اشرحوا وتلطفوا ... بأخلاقها المرضى تلطف إشفاق
فإن سكرت واستشرفت عند سكرها ... لماهية المسقى ومعرفة الساقي
أطيلوا على روض الجمال خطورها ... إلى أن يقوم الوجد فيها على ساق
وخلوا لهيب الشوق يطوي بها الفلا ... إلى الوجد في مسرى رموز وأذواق
فما هو إلا أن تحط رحالها ... بمثوى التجلي والشهود بإطلاق
стр. 3463
وتفنى إذا ما شاهدت عن شهودها ... وقد فني الفاني وقد بقي الباقي
هنالك تلقى العيش تصفو ظلاله ... وتنعم من عين الحياة برقراق
وما قسم الأرزاق إلا عجيبة ... فلا تطرد السؤال يا خير رزاق وقد أخذ الكلام في هذا الافتتاح حده، وبلغ النهر مده، فلآخذ أثر هذا الذي سردت، في تقرير ما أردت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب؛ فنقول: ينقسم هذا الموضوع إلى أرض، وشجر غض، وكل منها ميسور جدة، وفن على حدة، ما شئت من مرأى ومستمع، فمن شاء أفرد ومن شاء جمع، فلنبدأ بالأرض والفلاحة، والتكسير والمساحة، وتعيين حدود تلك الساحة، ثم نأتي بالشجرة التي نؤمل جناها، وننظر إناها، ونجعل الزاد المبلغ معناها، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هوخير مما يجمعون.
برنامج هذا الكتاب الذي يحصر الأجناس والفصول، ويرد الفروع إلى الأصول، ويسر الباحث عن مسائله بسبب الوصول، بحول الله وقوته:
خطبة الأعراس، وتوطئة الغراس، وتنحصر في جملتين:
الجملة الأولى: في صفة الأرض وأجزائها، وجعل الاختيار بإزائها، وفيها رتب:
الرتبة الأولى - رتبة الأطباق المفروضة، والاعتبارات المعروضة، وفيه مقدمة وأطباق:
المقدمة في تعيين الأرض المذكورة.
الطبق الأول: طيق القلب.
الطبق الثاني: طبق الروح.
الطبق الثالث: طبق النفس.
الطبق الرابع: طبق العقل.
الرتبة الثانية - رتبة العروق الباطنة، والشعب الكامنة، وفيها فصول:
стр. 3464
الفصل الأول: في العروق المعدنية.
الفصل الثاني: في المقررات العينية.
الفصل الثالث: في المدبرات البدنية.
الفصل الرابع: في البحوث البرهانية.
الجملة الثانية: في صفة الفلاحة والعمل، المتكفل فيها بنيل الأمل، وفيها اختيارات:
الاختيار الأول: فيما يصلح للاعتمار من هذه الأرض، وفيه فصول:
الفصل الأول: في أرض النفس المطمئنة.
الفصل الثاني: في أرض النفس الأمارة.
الفصل الثالث: في أرض النفس اللوامة.
الاختيار الثاني: في محركات العزيمة، لاعتمار هذه الأرض الكريمة، وفيه فصول:
الفصل الأول: في الجذب وما يتصل بذلك.
الفصل الثاني: في الوعظ المثمر لليقظة.
الفصل الثالث: في ذم الكسل.
الاختيار الثالث: يشتمل على جلب الماء ليسقي هذه الأرض من عين العلم في جدولي العقل المحرر والنقل المقرر، وفيه مقدمة في فضل العلم وتعدد أجناسه، وفصول:
الفصل الأول: في جدول العقل.
الفصل الثاني: في جدول النقل.
الفصل الثالث: في مقدار الماء المجلوب، للفلح المطلوب.
الفصل الرابع: في غبار التكوين، وسبب التلوين.
стр. 3465
الاختيار الرابع: في الحرث، وإخراج لبن هذه الفلاحة من بين الدم والفرث، وفيه أقسام:
أولها: القليب الأول.
ثانيها: القليب الثاني الذي عليه المعول.
ثالثها: في سكة الازدراع والتعمير، وهومظنة التثمير.
الاختيار الخامس: في تنظيف المعتمرة من الأرض الخبيثة، والجدر المعترضة والشعب المذمومة، وفيه فصول:
الفصل الأول: في إزالة شكوك تسبق إلى المعتقد غالباً.
الفصل الثاني: في قلع الشجر التي تضر بهذه الأرض وتعاديها بالطبع.
الاختيار السادس: في أمور ضرورية تلزم لهذه الفلاحة، وفيه فصول:
الفصل الأول: في أمراض يشرع في علاجها، مما يرجع لطبع الأرض ومزاجها.
الفصل الثاني: في اختيار أنواعها وأجزائها.
الفصل الثالث: في أقوال تليق بأفحاص الفلاح وإصحاره، عند ملاحظة عجائب الكون وآثاره.
الفصل الرابع: في الوقت المختار لغراسة الأسباب، في الحب اللباب، وتنحصر في مقدمة علمية، وجرثومة جرمية: المقدمة العلمية في ترتيب المحبة والمعرفة، الجرثومة الجرمية تنقسم إلى بيان يعطي الصورة، ويشرح الضرورة، وإلى بطن وظهر، وسر وجهر، وباسط، وبرزخ واسط، فالباطن الشرع والنقل، وينقسم إلى أصول:
الأصل الأول: الكلام في النبوة من حيث النقل.
الأصل الثاني: في الإيمان والاعتبار العامي.
الأصل الثالث: فيما يتبع ذلك من اليقظة والتوبة في حق غير المحتاج إلى ذلك.
стр. 3466
الأصل الرابع: في تقرير العناية والتوفيق في حق غير المحتاج إلى ذلك.
الأصل الخامس: في الموعظة والسماع من حيث تهذيب الجميع، والظاهر الطبع والعقل، وينقسم إلى أصول:
الأصل الأول: جزء الفلسفة العلمي والعملي.
الأصل الثاني: سلامة الفطرة في حق المستغني عن ذلك.
الأصل الثالث: في معرفة الجمال والكمال.
الأصل الرابع: في الاعتبار الخاصي.
الأصل الخامس: السلوك بالفكر.
الأصل السادس: في التشبيه بالمبدأ الأول، باسط الذكر الباسط، والبرزخ الواسط، الصاعد من التخوم، إلى النجوم، وهومن أخص الأشياء بباطن الشجرة، وأصولها المعتبرة، ويشتمل على مقدمة وثلاثة أصول:
الأصل الأول: الأدعية والذكار، وله عشر شعب.
الأصل الثاني: أصل الأسماء، وهي أصول الأرض والسماء، وله تسع وتسعون شعبة.
الأصل الثالث: أصل السيمياء، وهوالذي عفن بعضه وبقي الانتفاع ببعضه.
العمود المشتمل على القشر والعود، والجنى الموعود، ينقسم قسمين:
قشر وخشب، ودر مخشلب، والقشر ظاهر يكسر ويخذو، وباطن ينمي ويغذو، فظاهره الذي يكسر ويخذويتضمن الكلام في المحبة وأقسامها من حيث اللسان، لا من حيث نوع الإنسان، وباطنه الذي ينمي، ويغذويتضمن الثناء على المحبة طبعاً وعقلاً، وشرعاً ونقلاً.
الخشب الذي يتخذ منه النشب ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: في الحدود والمعرفات، والأسماء الدالة عليها والصفات.
القسم الثاني: معقول معناها، المتجلي فيه نور سناها.
стр. 3467
القسم الثالث: ارتباطها بالمقامات، واختصاصها فيها بالكرامات.
القسم الرابع: تبيين ضروريتها، وإيضاح مزيتها.
الفرع الصاعد في الهواء، على خط الاستواء، من رأس العمود القائم، إلى منتهى الوجود الدائم، ويشتمل على قشر لطيف، وجرم شريف.
القشر: الحدود للمعرفة والرسوم، وخواص العارف الذي هوالمعروف بها والموسوم، وينقسم إلى فصول:
الفصل الأول: في حدود المعرفة ورسومها وما قيل فيها.
الفصل الثاني: في أوصاف العارف.
الفصل الثالث: في تفضيل العارف.
الفصل الرابع: في علوم العارف.
والجرم الشريف، من الفرع المنيف، ينقسم إلى ظاهر، وباطن، وقلب.
فالظاهر ينقسم إلى أقسام: الكلام في الأخلاق ومنشئها وطباعها بحسب القوى النفسانية وإفراطها وتفريطها واعتدالها وعلاجها، وفيه المجاهدات.
والباطن يتضمن الكلام في أ، النظر إلى وجه الله تعالى هوالسعادة الكبرى بكل نظر واعتبار.
والقلب قلب الغصن يتضمن الرياضة والسلوك على المقامات كلها، ويتفرع منه عشرة غصون.
الغصن الأول: غصن فروع البدايات.
الغصن الثاني: غصن فروع الأبواب.
الغصن الثالث: غصن فروع المعاملات.
الغصن الرابع: غصن فروع الأخلاق.
الغصن الخامس: غصن فروع الأصول.
الغصن السادس: غصن فروع الأدوية.
стр. 3468
الغصن السابع: غصن فروع الأحوال.
الغصن الثامن: غصن فروع الولايات.
الغصن التاسع: غصن فروع الحقائق.
الغصن العاشر: غصن فروع النهايات، ولكل فروع أوراق، ويلحق به صورة السلوك بالذكر حتى يتأتى الوصول، وعلى المقصود الحصول، والكلام على زهرات الطوالع واللوائح والبواده والواردات، ونختم بالجنى، المقترن بنيل المنى، وهي الولاية.
تفرع ضخام الغصون، من شجرة السر المصون، وهي:
غصن المحبوبات وأقسامها، وتنقسم إلى أربعة أفنان:
الفن الأول: فن الرب المحبوب.
الفن الثاني: فن العبد المحبوب.
الفن الثالث: فن الدنيا المحبوبة.
الفن الرابع: فن الآخرة المحبوبة.
غصن المحبين، وأصنافهم المرتبين، ينقسم إلى مقدمة بيان، وستة أفنان:
الفن الأول: في رأي الفلاسفة الأقدمين.
الفن الثاني: في رأي أهل الأنوار والإشراقيين.
الفن الثالث: في رأي الحكماء الإسلاميين.
الفن الرابع: في رأي المكلمين بزعمهم المتممين.
الفن الخامس: في أهل الوحدة المطلقة من المتوغلين.
الفن السادس: في الصوفية سادة المسلمين.
غصن علامات المحبة، وشواهد النفوس الصبة، وينقسم إلى ثلاثة أفنان:
الفن الأول: فيما يرجع إلى حقوق المحبوب.
الفن الثاني: فيما يرجع إلى باطن المحب.
стр. 3469
الفن الثالث: فيما يرجع إلى ظاهره.
غصن اختيار المحبين في ميدان جهادهم، وتباين أحوال أفرادهم، وهوثلاثة أفنان: الفن الأول: فن المجاهد الصريح.
الفن الثاني: فن المنبت الجريح.
الفن الثالث: فن الصريع الطريح.
جوائح الشجرة، ومضار فلاحتها المعتبرة، وينقسم إلى جوائح من نسبتها، بالنظر إلى مائها وتربتها، وإلى ما هوراجع إلى الخواطر - وهي على عدد الرياح - وإلى ما سببه غفلة الفلاح، عذر الطائر الصادح، على فرض القادح، ووجود الهاجب والمادح.
صورة الشجرة ذات الحسن الباهر، والجنى والأزاهر، وآثارها للحسن الظاهر، بفضل المريد القاهر، لا إله إلا هوسبحانه له الحمد؛ انتهت الخطبة التي تدل على ما وراءها.
وقال رحمه الله تعالى في آخر هذا الكتاب ما نصه: ونختم الكلام في هذه الشجرة والاستدلال على شرف هذه الفلاحة الضمنية بهذه الأبيات:
فلاحتنا لها القدح المعلى ... وسرحتنا الضمنية للنجاح
ألست ترى منادي الخمس نادى ... بمختلف الجهات أو النواحي
يردد في الأضان لكل واع ... على الآذان حي على الفلاح وهذا طائر على الشجرة صادح، ولاحق كادح، ومعتذر إن قدح قادح، وتعارض هاج وما دح. قال المؤلف: ولا بد لنا من دري صادح على هذه الأفنان، وشاد يهيج أشجان الجنان، ويثير شجوالرأفة والحنان، ويبين مجال الضرورة لذوي الاتصاف، بكرم الأوصاف، والناظرين إلى الهنات بعيون الإنصاف، فيرحم من قد كان شره النقد، ويعذر من تشوف لاستضعاف هذا القصد
стр. 3470
والأعذار التي تقرر عنا هذا الطائر عديدة، ومبدئه في الصدق معيدة، وقريبة من الحق لا بعيدة، فمنها أن هذا الفرض اليوم بأكثر الأرض، ميدان عدم فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله من يجيل (١) كما يحب جواداً، ونفير لا يجيبه إلا من يكثر سواداً، قد طمست الأعلام، وسقط الحمد والملام، وما لجرح بميت إيلام، فمدلول هذا الفن بهذه التخوم عنقاء مغرب، وإكسير يحدث عنه غير واصل ولا مجرب، إنما يرجع فيه إلى كتب مقفلة، وأغراض مغفلة، وما عسى أ، يعول المسكين مثلي على قاصر إدراكه، مع اقتسام باله واشتراكه قصر العلم والعمل، فاختلط المرعي والهمل، وأخفق المسعى وخاب الأمل، ومنها شواغل الدنيا التي اختطفت من المكاتب، وموهت بالمراتب، ولقبت بالوزير والكاتب، وأقامت العبد الذي لا يملك شيئاً مقام العاتب، ومن كان بهذه المثابة وإن عد يقظاً حازماً، ونحريراً خالماً، فإنما هوغريق، وتائه لا يبدوله طريق، ولا ينساغ له ريق، ولا يطفأ ببرد اليقين منه حريق، ولا يربع عليه من قصاد الله تعالى فريق، ونستغفر الله، فالذي ألهم لهذه العيوب، يتكفل بإصلاح القلوب، ومكاشفة الغيوب، وإن كانت النفوس للحق جاحدة، فما أمري إلا واحدة:
لا تعجبن لطالب نال العلا ... كهلاً وأخفق في الزمان الأول
فالخمر تحكم في العقول مسنة ... وتداس أول عصرها بالأرجل ومنها الاشتغال بالهذر، عن اعلم والنظر، منذ أزمان عديدة، ومدد مديدة، فلم يبق مما حصل، وإليه مما في الزمان الديم توصل، إلا رسم بلقع، وسمل (٢) ما له مرقع، ومنها أنني لم أنتدب إلى هذا الوظيف الذي قل من يتعاطاه، ويثير قطاه، ويقتعد مطاه، من تلقاء نفس جاهلة ببعد مداه، ومطل جداه، ومطالبة مدعيه بما كسبت منه يداه، فلا يتجاوز طوره ولا يتعداه، وإن طالب الحق من شرط وصوله، سلب فصوله، وحالة موته، وانقطاع حسنه فضلاً عن صوته،