← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

الأصل الرابع: في تقرير العناية والتوفيق في حق غير المحتاج إلى ذلك. الأصل الخامس: في الموعظة والسماع من حيث تهذيب الجميع، والظاهر الطبع والعقل، وينقسم إلى أصول: الأصل الأول: جزء الفلسفة العلمي والعملي. الأصل الثاني: سلامة الفطرة في حق المستغني عن ذلك. الأصل الثالث: في معرفة الجمال والكمال. الأصل الرابع: في الاعتبار الخاصي. الأصل الخامس: السلوك بالفكر. الأصل السادس: في التشبيه بالمبدأ الأول، باسط الذكر الباسط، والبرزخ الواسط، الصاعد من التخوم، إلى النجوم، وهومن أخص الأشياء بباطن الشجرة، وأصولها المعتبرة، ويشتمل على مقدمة وثلاثة أصول: الأصل الأول: الأدعية والذكار، وله عشر شعب. الأصل الثاني: أصل الأسماء، وهي أصول الأرض والسماء، وله تسع وتسعون شعبة. الأصل الثالث: أصل السيمياء، وهوالذي عفن بعضه وبقي الانتفاع ببعضه. العمود المشتمل على القشر والعود، والجنى الموعود، ينقسم قسمين: قشر وخشب، ودر مخشلب، والقشر ظاهر يكسر ويخذو، وباطن ينمي ويغذو، فظاهره الذي يكسر ويخذويتضمن الكلام في المحبة وأقسامها من حيث اللسان، لا من حيث نوع الإنسان، وباطنه الذي ينمي، ويغذويتضمن الثناء على المحبة طبعاً وعقلاً، وشرعاً ونقلاً. الخشب الذي يتخذ منه النشب ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: في الحدود والمعرفات، والأسماء الدالة عليها والصفات. القسم الثاني: معقول معناها، المتجلي فيه نور سناها.

стр. 3467

القسم الثالث: ارتباطها بالمقامات، واختصاصها فيها بالكرامات. القسم الرابع: تبيين ضروريتها، وإيضاح مزيتها. الفرع الصاعد في الهواء، على خط الاستواء، من رأس العمود القائم، إلى منتهى الوجود الدائم، ويشتمل على قشر لطيف، وجرم شريف. القشر: الحدود للمعرفة والرسوم، وخواص العارف الذي هوالمعروف بها والموسوم، وينقسم إلى فصول: الفصل الأول: في حدود المعرفة ورسومها وما قيل فيها. الفصل الثاني: في أوصاف العارف. الفصل الثالث: في تفضيل العارف. الفصل الرابع: في علوم العارف. والجرم الشريف، من الفرع المنيف، ينقسم إلى ظاهر، وباطن، وقلب. فالظاهر ينقسم إلى أقسام: الكلام في الأخلاق ومنشئها وطباعها بحسب القوى النفسانية وإفراطها وتفريطها واعتدالها وعلاجها، وفيه المجاهدات. والباطن يتضمن الكلام في أ، النظر إلى وجه الله تعالى هوالسعادة الكبرى بكل نظر واعتبار. والقلب قلب الغصن يتضمن الرياضة والسلوك على المقامات كلها، ويتفرع منه عشرة غصون. الغصن الأول: غصن فروع البدايات. الغصن الثاني: غصن فروع الأبواب. الغصن الثالث: غصن فروع المعاملات. الغصن الرابع: غصن فروع الأخلاق. الغصن الخامس: غصن فروع الأصول. الغصن السادس: غصن فروع الأدوية.

стр. 3468

الغصن السابع: غصن فروع الأحوال. الغصن الثامن: غصن فروع الولايات. الغصن التاسع: غصن فروع الحقائق. الغصن العاشر: غصن فروع النهايات، ولكل فروع أوراق، ويلحق به صورة السلوك بالذكر حتى يتأتى الوصول، وعلى المقصود الحصول، والكلام على زهرات الطوالع واللوائح والبواده والواردات، ونختم بالجنى، المقترن بنيل المنى، وهي الولاية. تفرع ضخام الغصون، من شجرة السر المصون، وهي: غصن المحبوبات وأقسامها، وتنقسم إلى أربعة أفنان: الفن الأول: فن الرب المحبوب. الفن الثاني: فن العبد المحبوب. الفن الثالث: فن الدنيا المحبوبة. الفن الرابع: فن الآخرة المحبوبة. غصن المحبين، وأصنافهم المرتبين، ينقسم إلى مقدمة بيان، وستة أفنان: الفن الأول: في رأي الفلاسفة الأقدمين. الفن الثاني: في رأي أهل الأنوار والإشراقيين. الفن الثالث: في رأي الحكماء الإسلاميين. الفن الرابع: في رأي المكلمين بزعمهم المتممين. الفن الخامس: في أهل الوحدة المطلقة من المتوغلين. الفن السادس: في الصوفية سادة المسلمين. غصن علامات المحبة، وشواهد النفوس الصبة، وينقسم إلى ثلاثة أفنان: الفن الأول: فيما يرجع إلى حقوق المحبوب. الفن الثاني: فيما يرجع إلى باطن المحب.

стр. 3469

الفن الثالث: فيما يرجع إلى ظاهره. غصن اختيار المحبين في ميدان جهادهم، وتباين أحوال أفرادهم، وهوثلاثة أفنان: الفن الأول: فن المجاهد الصريح. الفن الثاني: فن المنبت الجريح. الفن الثالث: فن الصريع الطريح. جوائح الشجرة، ومضار فلاحتها المعتبرة، وينقسم إلى جوائح من نسبتها، بالنظر إلى مائها وتربتها، وإلى ما هوراجع إلى الخواطر - وهي على عدد الرياح - وإلى ما سببه غفلة الفلاح، عذر الطائر الصادح، على فرض القادح، ووجود الهاجب والمادح. صورة الشجرة ذات الحسن الباهر، والجنى والأزاهر، وآثارها للحسن الظاهر، بفضل المريد القاهر، لا إله إلا هوسبحانه له الحمد؛ انتهت الخطبة التي تدل على ما وراءها. وقال رحمه الله تعالى في آخر هذا الكتاب ما نصه: ونختم الكلام في هذه الشجرة والاستدلال على شرف هذه الفلاحة الضمنية بهذه الأبيات: فلاحتنا لها القدح المعلى ... وسرحتنا الضمنية للنجاح ألست ترى منادي الخمس نادى ... بمختلف الجهات أو النواحي يردد في الأضان لكل واع ... على الآذان حي على الفلاح وهذا طائر على الشجرة صادح، ولاحق كادح، ومعتذر إن قدح قادح، وتعارض هاج وما دح. قال المؤلف: ولا بد لنا من دري صادح على هذه الأفنان، وشاد يهيج أشجان الجنان، ويثير شجوالرأفة والحنان، ويبين مجال الضرورة لذوي الاتصاف، بكرم الأوصاف، والناظرين إلى الهنات بعيون الإنصاف، فيرحم من قد كان شره النقد، ويعذر من تشوف لاستضعاف هذا القصد

стр. 3470

والأعذار التي تقرر عنا هذا الطائر عديدة، ومبدئه في الصدق معيدة، وقريبة من الحق لا بعيدة، فمنها أن هذا الفرض اليوم بأكثر الأرض، ميدان عدم فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله من يجيل (١) كما يحب جواداً، ونفير لا يجيبه إلا من يكثر سواداً، قد طمست الأعلام، وسقط الحمد والملام، وما لجرح بميت إيلام، فمدلول هذا الفن بهذه التخوم عنقاء مغرب، وإكسير يحدث عنه غير واصل ولا مجرب، إنما يرجع فيه إلى كتب مقفلة، وأغراض مغفلة، وما عسى أ، يعول المسكين مثلي على قاصر إدراكه، مع اقتسام باله واشتراكه قصر العلم والعمل، فاختلط المرعي والهمل، وأخفق المسعى وخاب الأمل، ومنها شواغل الدنيا التي اختطفت من المكاتب، وموهت بالمراتب، ولقبت بالوزير والكاتب، وأقامت العبد الذي لا يملك شيئاً مقام العاتب، ومن كان بهذه المثابة وإن عد يقظاً حازماً، ونحريراً خالماً، فإنما هوغريق، وتائه لا يبدوله طريق، ولا ينساغ له ريق، ولا يطفأ ببرد اليقين منه حريق، ولا يربع عليه من قصاد الله تعالى فريق، ونستغفر الله، فالذي ألهم لهذه العيوب، يتكفل بإصلاح القلوب، ومكاشفة الغيوب، وإن كانت النفوس للحق جاحدة، فما أمري إلا واحدة: لا تعجبن لطالب نال العلا ... كهلاً وأخفق في الزمان الأول فالخمر تحكم في العقول مسنة ... وتداس أول عصرها بالأرجل ومنها الاشتغال بالهذر، عن اعلم والنظر، منذ أزمان عديدة، ومدد مديدة، فلم يبق مما حصل، وإليه مما في الزمان الديم توصل، إلا رسم بلقع، وسمل (٢) ما له مرقع، ومنها أنني لم أنتدب إلى هذا الوظيف الذي قل من يتعاطاه، ويثير قطاه، ويقتعد مطاه، من تلقاء نفس جاهلة ببعد مداه، ومطل جداه، ومطالبة مدعيه بما كسبت منه يداه، فلا يتجاوز طوره ولا يتعداه، وإن طالب الحق من شرط وصوله، سلب فصوله، وحالة موته، وانقطاع حسنه فضلاً عن صوته،

стр. 3471

لكني خضت على عدم السباحة غمراً، وامتثلت مع سقوط الاستطاعة أمراً، وجئت بما في وسعي اقياداً وامتثالاً، ومثلت مثالاً، فضرورتي بفضل الله تعالى مشروحة، والدعوى عن كتفي مطروحة، وعلى ذلك فقد علم الذي يعلم الأسرار، ويقرب الأبرار، ويقيل العثار، ويقبل الأعذار، أن مدة الاشتغال به لم تجاوز شهرين اثنين، بين كتب وكتم، وابتداء وختم، مع ما يتخلل الزمان من حمل لورمي به رضوى لتدعدع، أوأنزل على ثبير لخشع من خشية الله تعالى وتصدع: مداراة عدوقد تكالب على الإسلام، وسياسة سواد صم عن الملام، وتعدى حدود النهي والأحلام، وارتقاب هجوم جيش الآجال وراية الشيب من الأعلام، وقد أنذر بالفجر انقشاع الظلام، وكاد يصعد الخطيب فينقطع الكلام، جعلت لنقله حصة من جنح الظلام الغاسق، والليل الواسق، وعاطيت حمياه نديم الغارق (١) ، وتعرضت لاقتناص خياله الطارق، وسرقته من أيدي الشواغل والليل معين السارق، ولم يعمل فيه عبد القيس (٢) نظراً معاداً، ولا أنجز من تصحيحه علم الله تعالى ميعاداً، إنما هوكراس يفرغ من تسويده رجراج الحبر، مختلط الترب بالتبر، فيدفع ملوم الماسخ، إلى يد الناسخ، وكلفة المتثاقل، إلى كف الناقل، وتقذف صحيفته من الزبرة إلى لاصاقل، إذ كان الآمر - أيده الله تعالى ونفعه - حريصاً على تعجيل المعارضة، ومتحرياً سبيل الشرع في هذه المصارفة والمقارضة، والجفن المشرق يعلن بالتبريح، وينتظر مساعدة الريح، فمن وقف عليه من فاضل أنار الله بصيرته، وجبل على الإنصاف سيرته، أومن كان من أهل الله الذي يعلم أن ما سوى الله تعالى ظل وفيء، ويتحقق معنى قوله " ليس لك من الأمر شيء "، فقد أوجب الإنصاف أن يمحواقترافي باعترافي، ويغطي أوصافي بإنصافي، والرحماء يرحمهم الرحمن، وقد عذر القنبرة سليمان، ومع

стр. 3472

الاستسلام الأمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولا بأس أن يعرض بتلك لاأخونة الخصيبة المثوى والمروج، والحمل والفروج، وفي السماء البروج، وفي الأرض الفروج، والأعرج يستندر منه العروج، ونمد الأيدي المستعملة في التقصير، إلى الولي النصير والناقد البصير. اللهم استر بسترك فضائحنا المخلفة، وقبائحنا المجمعة المؤلفة، فهوكله تحويم حول حماك، ودندنة يا كريم بباب رحماك، وزند أنت قدحته، وتألق بارق أنت ألحته، فصل السبب يا واصل الأسباب، واجعلنا ممن تذكر فنفعته الذكرى وما يتذكر إلا أولوالألباب، اللهم دل نفوسنا الحائرة على عين الخبر، واجذبها إلى المؤثر بزمام الأثر، اللهم اجبر الضالة المثقلة الظهر، وارفع عنها ملكة القهر، وحيطة الدهر، والسفر من بلد السر إلى بلد الجهر، اللهم أعلق بعروة الحق أيدينا الخابطة، وأظفر بعدوالهوى عزائمنا المرابطة، اللهم أوصل سببنا بسببك، واحملنا إليك بك، لا إله إلا أنت، وصل على عبدك ونبيك محمد خاتم النبيين والمرسلين وآل والصحابة أجمعين انتهى. وقال - رحمه الله تعالى - آخر بعض تراجم هذا الكتاب ما صورته: خاتمة تشتمل على إشارات، وتختال من الحق في شارات، قال بعض من يطأ بمطية السلوك، حمى الملوك، وينقض زوايا الغيوب، عن المطلوب، ببصر بصائر القلوب: شهدت أصناف المحبين والعشاق، على اختلاف البلاد وتباين الآفاق، لا أدري أقال كشفاً وشهوداً أووجوداً أويقظة أوهجوداً، وقد ركضوا مطايا الأشواق، وضربوا آباطها بعصي المشارب والأذواق، وتزودوا أزواد الحقائق، وودعوا أحباب العوائد والعلائق، وتساهلوا في المحبوب اعتراض العوائق، وتفاضلوا في اختيار الجواد واقتحام المضايق، والطرق إلى اله تعالى عدد أنفاس الخلائق، فمن خابط عشواء، ومسقط أهواء، يقول: يا ليت أني أوقد النارا ... فإن من يهواك قد حارا (١)

стр. 3473

فيجيبه الصدى: ومن طلب الوصول لدار ليلى ... بغير طريقها وقع الضلال ومثبت بحيث لا يبدوعلم، ولا يقتص خف ولا قدم، في مفازة وجود من حلها عدم، وهويصيح: بأبي وأمي والذي ملكت يدي ... أفدي الذي يهدي الطريق اللاحبا ثم يقول: ولقد سريت إليك لكن حين لم ... يكن الدليل أجل قصد السالك ومن طاونفذ زاده، وفرغ مزاده، قد استسلم، وعجز أن يتلكم، ولسان حاله ينشد: إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً ... ندمت على التفريط في زمن البذر وراكض يقطع الدو، ويعرف بالجو، يثبت الأعلام الخافية، ويقصد الموارد الصافية والظلال الضافية، حاديه أمله، ودليله علمه والراحلة عمله، ينشد بأعلى صوته: قرب اللقاء فكيف لا ترتاح ... للقاء سكان الحمى الأرواح وفرانق يركض البريد، ويصحب التفريد، بلغ الطية، وأناخ المطية، قبل وصول الرفقة البطية: سرى سلخ شهر في فواق حلوبة ... فلله ما أنأى سراه وما أدنى ﴿لوطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولمئلئت منهم رعباً﴾ (الكهف: ١٨) . وقلت: نهضوا وقد جن الدجى وتخالفت ... سبل الردى فمسددون وضلل

стр. 3474

سلني عن المنبت حين تقطعت ... أسبابه تيهاً ولا من يسأل قوم سطت بهم السباع، وفرقة ... عطشوا، وأين من الظلماء المنهال لفح الهجير وجوههم بسعيره ... فتهافتوا ببلالة وتعللوا وجماعة ركبوا المفاوز دائماً ... عثروا على أثر فشط المنزل وركائب جعلوا الدليل أمامهم ... وسروا ففازوا بالذي قد أملوا والليل متلفة، ومدرجة الهوى ... لا يستقل بها المطي الذلل والواصلون هم القليل وكيف تقحموا ... خطر النوى وعلى الشدائد عولوا طارت بهم أشواقهم فعقولهم ... معقولة عن شأنها لا تعقل عذراً لكم يا أهل عذرة شأنكم ... سلمت فيه لكم فقولوا وافعلوا حتى إذا خرجوا إلى قضاء القدر المشترك، وأفلت من أفلت من الشرك، وسلم من قتيل المعترك، وأشرفوا بركاب الآمال، على ثنية الجمال، زعقوا بإزاء الباب، ونادوا من وراء الحجاب: كل كنى عن شوقه بلغاته ... ولربما أبكى الفصيح الأعجم وأوصلوا رقاع شكواهم، بسر هواهم، وبرزوا صفاً، واستظهروا بشفعائهم التي ظنوا أنها لا تخفى ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (الزمر:٣) وقد تعينت الأوصاف وتميزت، وانتبذت الأصناف وتحيزت، والعشاق نجت وسلمت، مذ علمت، منهم الصفوة والمجان، والحرافيش والبهلوان، ممن يعول على ذراعه، وملء كمته وصواعه، وطول باعه، وصلابة طباعه، وسلاطة لسانه، وامتزاج إساءته بإحسانه، شأنه البحث عن المحبوب، مع الشروق والغروب، والتوصل إلى وصله المطلوب، بالحركة الرشيقة واللفظ الخلوب، ومن اتسم بإذاعة الأسرار، وصحبة الشرار

стр. 3475

واللسان المهذار، حسب من الأغيار، ونمهم بذاة، ليس لهم إلا المنادمة أدة، تعذر عليهم تميز المحبوب فغلظوا، وعكفوا على تنزيهه فأفرطوا: ربما ضر عاشق معشوقا ... ومن البر ما يكون عقوقا وغلبت على سجيتهم السلامة، ولم تنلهم لعدم الموصل والمعرف الملامة، وليس لقبول عليهم علامة؛ ومنهم من شعاره الحشمة، ولزيمه العاف والعصمة، أولوالحياء والوقار، والكتم للأسرار، ومخالطة الأبراب، والتوسل إلى المحبوب بالافتقار، وصفاء الضمائر من الأكدار، لا تختلجهم الشواغل، ولا يطرق شرابهم الواغل (١) ، أغنتهم الشواهد عن الدعوى، وأصمتهم الرضى عن الشكوى، وتقسمت معاملاتهم الآداب، وصح منهم إلى مراتب المراقبة الانتداب، والناقد بصير، وكلام النيات قصير؛ ونمهم المغلوب الحال، المحمول من فوق الرحال، رقص وشطح، وسكر فافتضح، فهوبلخ الرفقة، وملوع الحرقة، دعني وعبدي بلخ، فإنه يضحكني سبع مرات في اليوم؛ ومنهم من لم يأخذه نعت، ولا تعين له فوق ولا تحت، ولا حمد ولا مقت، ولا حين ولا وقت، لونطق لقال: أنا المعدوم الموجود، والشاهد المشهود ﴿ألا بعد لمدين كما بعدت ثمود﴾ (هود:٩٥) . قضى وصلها لي، وابتلاكم بحبها ... وهل يأخذ الإنسان غير نصيبه ولم يكن إلا أن خرجت الرقاع، وفضلت البقاع ﴿ووفيت كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون﴾ (آل عمران: ٢٥) . فكان في رقعة طائفة: أعود بالله من الشيطان الرجيم ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً، أومن وراء حجاب، أويرسل رسولاً

стр. 3476

فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ (الشورى: ٥١) قلدتم العقل وله طور، ورأيتم الحركات لا يتناهى لها دور، وعالم الجزئيات لا يسبر له غور، وحور المعاد في بعض الفروض لا يكون له كور (١) ، ويا شر ما أصبحتم في المعاد الأول تعتقدونه، أن جعلتم التصرف في عالم الملك لمن دونه، قفوا مكانكم، ولوموا أنفسكم ودعوا شأنكم (٢) . وكان في أخرى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً " الحديد:١٣ أساطين الحكمة المشرقية، وفراش الأنوار الحقيقية، دعونا من استكثار الأنوار، واحتشاد الأطوار، الحق نور إرشاد لا يطيق حسن ذاته، إلا من ركب ظهر شتاته، فارفعوا الكلف، واذكروا مجرى من تقدم وسلف. وكان في أخرى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " الأنعام: ٩١ لم تتركوا البراهين على أصلها، ولا ناسبتم جنس هذه الموضوعات بفصلها، وأثرتم شغباً طويلاً، وأوسعتم المتشابه تأويلاً، ولم تعتمدوا من العقل دليلاً، ولا وقفتم في مجازات العقول قليلاً، وهولتم باصطلاح غيركم تهويلاً، وادعيتم الشهود ولم يجعل اله تعالى في الاحتجاج به إلا لأنبياء سبيلاً، وبنيتم الحقائق على قياس ونظر، من غير عين للعقل والنقل ولا أثر: رب خل أدار فيّ اعتقاداً ... لم أكن قبله عرفت بفنه حكمت نفسه على علم غيبي ... جعل الله باطني عند ظنه وعسى أن تكونوا ممن أخطأ في اجتهاده فأثيب، واستغفر فسمع " لا

стр. 3477

تثريب "، فثمرتكم صحيحة، والمقاصد من التبعة مريحة، إذا كانت صريحة، ولولا الافتيات، لوضحت في ميدان السبق لكم الشيات، لكن شأنكم الهذيان، وقلبت منكم بضعفائكم من المتأخرين الأعيان، كابن قسي وابن برجان (١) ، فتبرأوا من أتباعكم المطيفة، وأحزابكم المخيفة، وأخلصوا فعل الأنصار يوم قتال بني حنيفة، وحبذا الحكم المقتدي، ومن يهد الله فهوالمهتدي، واكبحوا الألسن عن طلاقتها وذلاقتها، ولا تكلفوا العقول فوق طاقتها، فلا بد من توقيف وتسليم، وفوق كل ذي علم عليم، وإذا محيتم فاثبتوا، أونطق إنسان فاسكتوا، ولا ترضوا أن تكتبوا مع الذين كبتوا، ولكم الحظ السني، والوصل الهني. وكان في أخرى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق " الأنبياء:١٦ ذهب بوجودكم العدم، وابتلع حدوثكم القدم، ورضيتم بالإشراف، في الاستشراف، والتوغل لزيم الانحراف، ومن جعل الحس وهماً، فقد كابر العيان ظلماً، والعقل الذي غلطكم هوآلة حكمكم، وأداة علمكم، والعوالم أوثق من أنتكون تمويه راقش، والوجود المطلق أبسط من أن تصير أبا براقش (٢) ، ثم ما لكم والتبجح والتشبع (٣) ، والتعقب والتتبع، ولم يغن العراك، ووقع في ثمرتكم الاشتراك، فالفيلسوف يتحد بالعلة القريبة من الخلق، ثم يتلاشى في ذات الحق، والحكيم يجوز إلى عين الحق رتبة الفناء المطلق، والمتشرع قد

стр. 3478

عضده ونصره، كنت سمعه وبصره، وإن كان معظم القول الهذر، ففيكم بعد نظر. وكان في أخرى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين " العنكبوت: ٦٩ أنتم الأحباب، ولكم يفتح من الجنان (١) الأبواب، ركبتم ظهور الأعمال، وركب غيركم ظهور الآمال، وفزتم بسحب الأذيال، ومن دونكم يحوك عناكب الخيال، فبدايتكم الأساس الوثيق، الذي يبنى عليه التحقيق، ونهايتكم إليها ينتهي الطريق، وبها يحط فريق الله تعالى ونعم الفريق، أولكم المقرب المدرب، وأوسطكم الفرد المعرب، وآخركم الولي المقرب، حضرتم بذكر محبوبكم حتى غبتم، فهينئاً لكم طبتم، حواس مسدودة، وخيوط أفكار كلها ممدودة، ومشاهد مشهودة، ومغلطات تتجاوز حراسها، وقواطع معترضة بحل مراسها، إلى أن لا توجد تقية، ولا تبقى بقية، عند تجلي المعالم الخفية، لواشتمل العلم على عملكم، لكان الكل من هملكم، بحيث تتعين المراتب وتتميز، وتتقرر المشارب وتتحيز، لا يعترض قاطع إلا وقد علم شأنه، وتعين وقته ومكانه، ولا تمثل غاية إلا ودرجها محدودة، ومراحلها معدودة، ومشاهدها قبل دخول الطريق مشهودة، فهناك تطوى المراحل، ويلوح في اللمحة القريبة الساحل، ويأمن طول الطريق الواصل. وكان في رقعة المحبين الذين قربوا قبل هذا اليوم وأدخلوا من بعد ما تخيروا للاصطفاء وانتخلوا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض،

стр. 3479

والله سميع عليم " آل عمران:٣٣، ٣٤ أنتم الأحباب، ولباب الألباب، وبوساطتكم اتصلت بين النفوس وبين الحق الأسباب، لولاكم لم يفتح الباب، فلا يصل إلا من أوصلتم، ولا يحجب إلا من قطعتم وفصلتم، أنتم الرعاة والخلق الهمل، وأنتم الدعاة لمن يريد نيل الأمل، مهدت لكم سرر القرب تمهيداً، وبعثتم إلى الناس ليوحدوا الله توحيداً " ولتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً " البقرة: ١٤٣ فطوبى لمن أصاخ منكم إلى ندا، واستضاء بنور هدى، صلوات الله عليكم أبداً، أنتم أولوالألوية المعقودة، والعساكر المحشورة المحشودة، ورؤساء أهل المحبة، وأدلاء مبتغي الوسيلة والقربة، ومسالككم قد بينتها الصحف المنزلة، والملائكة المرسلة، ودخلت على العذارى خدورها، وعمت السماء وبدورها، وأغنت عن تقرير نحلها المكاتب المائجة بالصبيان، والسنن المعقودة لها حلق التبيان، والقواعد المفترضة على الأعيان، والخزائن المرصوصة بعلوم الأديان " اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً " المائدة:٣ وقيل لأتباعهم من الجمهور، وأقطاب فلكهم المشهور: على قدر أتباعكم، مناقل أبواعكم، وبحسب اقتدائكم، يكون سماع ندائكم، والمهاد لمن وثره " ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره " الزلزلة:٧ وتأخيركم في التوقيع هوالتقديم، و " ساقي القوم آخرهم شربا " مثل قديم؛ قال المخبر: فرأيت وجوههم قد تهللت، ونواسم المسرات نحوهم قد أقبلت؛ ومن سواهم من خالص وزائف، بين راج وخائف. وسمعت أن طائفة استدعيت بحث حفي وأدخلت من باب خفي، قيل لهم: هم أصحاب الخبر المكتوم، وأرباب المقام غير المعلوم، جعلنا الله تعالى منهم برحمته: ولولا الحب ما قطعوا الفيافي ... ولولا الحب ما قطعوا البحارا فدعهم والذي ركبوا إليه ... وبحثاً عن خلاصك واختبارا

стр. 3480

فلا تشغل بحب ديار ليلى ... ولكن حب من سكن الديارا (١) وقال قبل هذه الخاتمة بعد كلام كثير ما نصه: وقد أتينا على ما شرطنا من تقرير ما أمكن من هذه الآراء، وهم ما بين سابق للخيرات ومقتصد وظالم لنفسه، ومع ذلك مخبون، وعلى آثار الحبيب مكبون، ما كل طريق توصل، ولا كل تجارة على الربح تحصل، ومن العشاق مهجور ومطرود، وموصل وموعود، ومغبوط ومحسود، ومحروم ومجدود، ومرحوم ومردود: يا غايتي، ولكل شيء غاية، ... والحب فيه تأخر وتقدم قل لي بأي وسيلة يحظى بما ... يرجوه غيري من رضاك وأحرم ورقة: ولكل دائرة مفروضة، وهالة حول قمر الحق معروضة، تعود الخطوط من محيطها المسدد، إلى مركزها المحدد: فالفيلسوف يروم التشبث بالعلة الأولى، ويعني بها ذات الحق، أوأن يتحد بالثانية، وهي مرآة وجه الحق؛ والإشراقي يروم التجوهر بنور الأنوار المعبر عنه بالحق، والاتصال به إما بواسطة من الحق أوبغير واسطة من الحق؛ والحكيم أن يؤديه فكره إلى الحق، ثم يفنى في الحق، ثم يبقى بالحق، والمتشرع أن يجن في جنة الحق، ويحصل على جوار الحق، وينظر إلى جوار الحق؛ وصاحب الوحدة المطلقة أن يكون المتفرق عين الحق، فسبحان الحق، المعبود بالحق، الموجد الجمع في الفرق، لا إله إلا هو. وزيد في هذا المحض الذي كثر في قربه الدعداع (٢) ، وطال على الرؤوس منه الصداع، ما تفرد له المقالة المختصرة، والعناية الميسرة، بحول من لا حول ولا قوة إلا به. انتهى. وقال رحمه الله تعالى في عد ما عدد من فرق الاعتزال ما نصه:

стр. 3481

الحب حركهم لكل جدال ... والحب أقحمهم على الأهوال والحب قاطع بينهم وأضلهم ... عن نيل ما راموه كل ضلال والحب أنشأ فيهم عصبية ... بالقيل أضرم نارها والقال وإنما استكثرنا من ذكرهم عبرة لمن تأمل حركات هذا الفراش المختلف الآراء عن ذبال الحق، يبتغون إليه الوسيلة، قوم بالطاعة، وقوم بالمعصية، وما منهم إلا مدع في المحبة متهالك، حريص على السعادة بزعمه " وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة " الغاشية:٢ ممن قصد الحق فأخطأه، وأراد الصواب فضل عنه، واشتهر بالحكمة بعد في الملة الإسلامية جماعة بالمشرق والأندلس، فمن المشارقة: أبوالفرج (١) ، ويعقوب الكندي، وحنين بن إسحاق، وثابت بن قرة، فكان عندهم مباشرتها من حيث الترجمة والمزاولة، إلى أ، قال: ومن أهل الأندلس: محمد بن مسعدة السرقسطي، وأحمد بن طاهر الطرطوشي، ويحيى بن عمران القرطبي، وطفيل بن عاصم، وكليب بن همام البياسي، والحسن بن حرب الداني، وابن مسرة، ومسلمة المجريطي، وأبوبكر ابن الصائغ، وأوبكر ابن طفيل، وأبوالوليد ابن رشد (٢) ، وكل هؤلاء المتقدمين والمتأخرين محب عاشق مستهلك، قال الشاعر: وعلي أن أسعى ولي ... س علي إدراك النجاح حيارى يميد بهم شجوهم ... كأنهم ارتضعوا الخندريسا

стр. 3482

إذا لم يكن عون من الله للفتى ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد (١) " ولوشاء شربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " هود:١١٨ " فريقاً هدى، وفريقاً حق عليهم الضلالة " الأعراف:٣٠ " قل سيروا الحجة البالغة، فلوشاء لهداكم أجمعين " الأنعام:١٤٩ والخلق قد مدوا أبصارهم وآمالهم، وتحركوا طوعاً وكرهاً يعشون إلى نور الله تعالى، فمن أعمى أصم لا يسمع ولا يبصر، وأعمى فقط يجتزئ عن العيان بالمخبر، وأحول يبصر الشيء شيئين، والواحد اثنين، كما قال الشاعر: أحوى الجفون له رقيب أحول ... الشيء في إدراكه شيئان فيلوح في عيني منه واحد ... ويلوح في عينيه منه اثنان يا ليته ترك الذي أنا مبصر ... وهو المخير في الحبيب الثاني وضعيف لا يبصر من بعيد، وأجهر لا يبصر من قريب، وأعشى تكثر في عينيه الأشعة، وربما تندر، وزرقاء اليمامة: سبحان من قسم الحظو ... ظ فلا عتاب ولا ملامه (٢) أعشى وأعمى، ثم ذو ... بصر، وزرقاء اليمامه لولا استقامة من هدا ... هـ لما تبينت العلامه ومجاور الغرر المخي ... ف له البشارة بالسالمة أقام سبحانه الحجة، وفرق بين الأمر والإرادة، وأعطى الكفاية من القدرة ﴿فمنهم مهتد، وكثير منهم فاسقون﴾ (الحديد:٢٦) اقتصرنا من هذا البحر

стр. 3483

على نقطة، ومن هذا الودق على فطرة: ومن يسد طريق العارض الهطل (١) ... عد الحصى والقطر ليس يرام ... وذكرنا الرسل والأنبياء والأتباع ذكراً من غير تبويب ولا تعيين، لشياع آرائهم، والعلم بمقاصد مللهم، وأغراض دعواتهم، من توحيد الله تعالى وتنزيه وصفاته وأسمائه، وكيف يحشر الناس ليوم لا ريب فيه " ولتجزى كل نفس بما كسبت " الجاثية:٢٢ وتعليم طرق النجاة، وإيضاح سبيل الله تعالى، والتحذير من الغفلة عمن إليه الرجعى، وله الآخرة والأولى، والتخويف من كل ما يقطع عنه، والترغيب فيما يوصل إليه وشأن الرياضة والتدريج في أحوالها حتى تنتقل من الظواهر إلى البواطن، وتسري في الخلف من السلف، والندب إلى الاقتصار على الضرورة والقناعة بالبلاغ، وتبين الرسم فيها، والتعيين لحدودها، قد تضمنت ذلك كله آيات الله الاتي تكفل بحفظها، وسنة رسوله التي قيض مناخل الصدق لتصحيح نقلها، فالمكاتب - والمنة لله تعالى - مائجة، والمدارس حافلة، فما لنا والإطالة في الموجود الذائع، والمشهور الشائع: والشمس تكبر عن حلي وعن حلل ... فهي الدراري في التقليد بالدرر ... ما أغنى الشمس عن مدح المادح، تحصيل الحاصل عناء ﴿هوالذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولوكره المشركونؤ (التوبة:٣٣) . فلنذكر بعض أرباب الآراء من قريب وبعيد، وخلق جديد، على صورة

стр. 3484

المثال المفروض وليكون كعرض الحبوب الذي تجزئ منه الفنة عن الجفنة، والقربة عن القرية (١) ، ونقتصر على اليسير لإقامة الترتيب، وإحكام التبويب، وليرى الواقف عليه أننا قد نفضنا الزوايا، ورشفنا الروايا، وامتككنا العظام (٢) ، واستقصينا النظام، حرصاً على نشيدة الحق أن تعقل، وعلى الطباع أ، تنقل، وعلى المراثي الصدئة أن تصقل، وعلى صورة النجاة أن تمقل، ونسأل الله تعالى هذاية توصل إليه، لا إله إلا هوالرحمن الرحيم؛ انتهى. وقال رحمه الله تعالى فيما قبل هذا الكلام بكلام ما صورته: غصن المحبين، وأصنافهم المرتبين، ويتمل على مقدمة بيان، وستة أفنان. فالمقدمة ... فنقول: أصناف المحبين والعشاق كثير، وهباء نثير، وجراد أثارها مثير، بحيث يشق إحصاؤهم، ولا يتأتى استقصاؤهم: فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى: ... قتيلك، قالت: أيهم فهم كثر (١) ثم مد النفس بما لا يقتضي المقام الاختصاري ذكره في هذا الموضع. وقال رحمه الله تعالى ف يبعض تراجم الروضة، وهي الخاتمة التي تنبه النفوس الصقبة، على حكم المحبة " ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة " الأنفال:٤٢ بعد كلام ما صورته: فقر في معنى هذه الخاتمة فيها حكم تنثال، وتجري مجرى الأمثال: المحبة بحر بعيد الشط، وخط والفناء منتهى الخط " إنا عرضنا الأمانة - إلخ " الاحزاب:٧٢. المحبة مهوى بعيد، ومجال وعد ووعيد، مرجل يغلي، ثم خيال يولي، وليس له حد عليه يعول. المحبة ظهر لا يركبه، من يرى الموت فيتنكبه، ولا يعلوه، من يأتي

стр. 3485

إلى وادي الفناء فيسلوه " إن الله مبتليكم بنهر " البقرة: ١٤٩ كم قمصت المحبة من ظهر، وكم سر صيرت إلى جهر، أولها العار المشهور، وآخرها الطي المنشور، ثم الموت ثم النشور ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب﴾ (الزمر: ٦٩) . المحبة أنس يستدرج، ثم شوق يلجم ويسرج، ثم فناء يزعج، عن الوجود ويخرج: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... المحبة كاس، كم جردت من كاس، وآس، من شمه لم يجد من آس: متى أرتجي يوماً شفائي من الضنى ... إذا كان من يجني علي طبيبي تزاحم أنفاس المحبين على خطرات الصبا، تزاحم الهباء على مطارح شعاع الدبا، فلولا بلهيلها لالتهبت، وتعليل عليها لتلك الأرماق لذهبت: عليلة في حواشي مرطها بلل ... يهدى لكل عليل منه إبلال المحبة رقة، ثم فكرة مسترقة، ثم ذوق، يطير به شوق، ثم وجل لا يبقى معه طوق، ثم لا تحت ولا فوق: أينما كنت لا أخلف رحلاً ... من رآني فقد رآني ورحلي الهوى هوان، وحمام له ألوان، دمع ساجم، ووجد هاجم، وهيام لا يبرح، ثم وراءه ما لا يشرح: قال: بمن جن وهل في الورى ... ما يبعث الخبل سوى حبه من اقتحم بحر الهوى، هوى. لا تدخل في بحر الهوى حتى تشاور صبرك، وتجاور قبرك، فإن كنت منا أوفرح بسلام. الهوى طريق، ولسلوكه فريق. الزاد مكتوم، ووفاء معلوم.

стр. 3486

وللميادين أبطال لها خلقوا ... وللداووين حساب وكتاب الحب حج ثان، لا يثني نفس المريد عنه ثان، طريقه التجريد، وزاده الذكر، وطوافه المعرفة، وإفاضته الفناء " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم، وإن كنتم من قبله لمن الضالين. " البقرة:١٩٨٧. الغرام، صعب المرام، والدخول فيه حرام، ما لم يكن فيه شروط كرام. من عرف ما أخذ، هان عليه ما ترك " وربك يخلق ما يشاء ويختار " القصص:٦٨ ظهر الهوى طريقاً سهلاً، فكثر التائهون جهلاً: إذا لم يكن عون من الله للفتى ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد (١) والعكس: قد يخبأ المحبوب في مكروهها ... من يخبا المكروه في المحبوب (٢) وقال الشيخ (٣) : هو الحب بالحشا ما الهوى سهل ... فما اختاره مضني به وله عقل وعش خالياً فالحب راحته عناً ... وأوله سقم وآخره قتل نصحتك علماً بالهوى والذي أرى ... مخالفتي، فاختر لنفسك ما يحلو فمن لم يمت في حبه لم يعش به ... ودون اجتناء النحل ما جنت النحل طريق القوم مبنية على الموت، وإليه الإشارة بقوله " موتوا قبل أن تموتوا ". بيدي لا بيد عمرو، وقال بعضهم: رأيت رب العزة فقلت: يا رب بم أصل إليك قال: فارق نفسك وتعال:

стр. 3487

رفض السوى فرض على العين ... لا تخلصن الحق بالمين والأين والكيف سوى ظاهر ... فاستغن عن كيف وعن أين الخشب، الذي يتخذ منه النشب، ينقسم إلى أقسام، وأجزاء جسام: القسم الأول: في الحدود والمعرفات، والأسماء الواقعة والصفات (١) . وللسان الدين رحمه الله تعالى في المواعظ اليد الطولى؛ قال في الروضة في الفصل الثاني في محركات العزيمة - وهي اليقظة - ما نصه: قلت: والمحركات المشتركات في باعث اليقظة كثيرة: منها الوعظ السائق بمقود الشارد عن الله تعالى إلى مربط التوبة، ومحرك العزيمة يردد أذانه على نوام أهل الكهف، وقد ضرب نوم الغفلة على آذانهم، حتى يحول بينهم وبين أذانهم، ويركبهم ظهر الرياضة التي تلحقهم بالمجذوبين من إخوانهم، ولما كان حب الدنيا هوالمانع عن الشروع في إطلاق العمل، والقاطع به بعده لم يجد أساة خبل الهوى وجنون الكسل أنجع من رقي العذل والتأنيب، وتقبيح المحبوب، سيما إذا انزعجت نبال نبله عن حنيات ضلوع الصدق، وقال بعضهم: الكلام إذا خرج من القلب دخل القلب: أوقد النار من رسالة ليلى ... واحذر السيل بعدها من دموعي ولا تعدل الوعظ البليغ باللسان الفصيح، والقلب القريح، فإذا رأيت الأرض قد اهتزت وربت، وهضاب القلوب القاسية قد تقلبت، فشمر للغراس والزراع عن الذراع، واغتنم السراع والإسراع: إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل عاصفة سكونا حفر لها ماء يريها بدأة ... واضمن لها حوضاً وإن لم تحفر واربأ بنفسك عن تسامح بائع ... واغنم إذا سامتك شهوة مشتري قالوا: الوعظ يضرب وجه النفس عن الثبط في بساط اللذات، وينقل

стр. 3488

خطواتها عن الخطوفي ملعب الخطيئات، ويمثل لها الصبر عياناً، ويبين العواقب المحجوبة بياناً، وينشئ سحاب الحزن في أجواف أجزائها، ويذكرها بمآلها وانتهائها، ويعرض عليها مصارع فنائها، وخراب بنائها، وفراق حبائبها وأبنائها، عند نزول هاذم اللذات بفنائها، فترجع إلى الله تعالى بحكم الاضطرار أفكارها، وتخشع من خيفة الله تعالى وجلاله أبصارها. والوعظ يكون بلسانين، ويوجد فنين: لسان حال، ولسان مقال، وربما كان لسان الحال أبلغ، وهويسمع من القبور الموحشة، والقصور الخالية، والعظام البالية، وفيه حكايات وأخبار، ولسان المقال كقوله " وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، وتبين لكم كيف فعلنا بهم، وضربنا لكم الأمثال " إبراهيم " ٤٥ وهوسبيل الله تعالى التي بعث بها النبيين، وضمن فصولها الكتاب المبين، والسوط الذي يحمل على الأوبة، ويسوق ذود المتطهرين إلى غدير التوبة، ونحن نجعله هيمنة بين يدي الفراسة، لتزكيه النفوس إن صدق حكم الفراسة، فمن ذلك ما صدر عني على لسان واعظ: الحمد لله الولي الحميد، المبدئ المعيد، البعيد في قربه من العبيد، القريب في بعده فهوأقرب من حبل الوريد، كحيي ربوع العارفين بتحيات حياة التوحيد، ومغني نفوس الزاهدين بكنوز احتقار الافتقار إلى العرض الزهيد، ومخلص خواطر المحققين من سجون دجون التقييد، إلى فسح التجريد، نحمده وله الحمد المنتظمة درره في سلوك الدوام وسموط التأبيد، حمد من نزه أحكام وحدانيته، وأعلام فردانيته، عن مرابط التقليد، ومخابط الطبع البليد، ونشكره شكر من افتتح بشكره أبواب المزيد، ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هوشهادة نتخطى بها معالم الخلق إلى حضرة الحق على كبد التفريد، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله قلادة الجيد المجيد، وهلال العيد، وفذلكة الحساب وبيت القصيد، المقصود بمنشور الإدلال

стр. 3489

وإقطاع الكمال، بين مقام المراد ومقام المريد، الذي جعله السبب الأوصل في نجاة الناجي، وسعادة السعيد، وخاطب الخلائق على لسانه الصادق بحجتي الوعد والوعيد، فكان مما أوحى به إليه، وأنزل الملك به عليه، من الذكر الحميد، ليأخذ بالحجز والأطواق من العذاب الشديد " ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " ق:١٦. إلى قوله حديد، صلى الله عليه وعلى آل صلاة تقوم ببعض حقه الأكيد، وتسري إلى تربته الزكية من ظهور المواجد الجائية على البريد (١) : قعدت لتذكير ولوكنت منصفاً ... لذكرت نفسي فهي أحوج للذكرى إذا لم يكن مني لنفسي واعظ ... فيا ليت شعري كيف أفعل في الأخرى آه! أي وعظ بعد وعظ الله تعالى يا أحبابنا يسمع وفي ماذا وقد تبين الرشد من الغي يطمع يا من يعطي ويمنع، إذا لم تقم الصنيعة فماذا نصنع اجمعنا بقلوبنا با من يفرق ويجمع، ولين حديدها بنار خشيتك فقد استعاذ نبيك ﷺ من قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، اعلموا - رحمكم الله - أن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها من الأقوال والأحوال، ومن الجماد والحيوان، وما أملاه الملوان (٢) ، فغن الحق نور لا يضره أن يصدر من الخامل، ولا يقصر بمحموله احتقار الحامل، وأنتم تدرون أنكم في أطوار سفر لا تستقر لها دون الغاية رحلة، ولا تتأتى معها إقامة ولا مهلة، من الأصلاب إلى الأرحام، إلى الوجود، إلى القبور، إلى النشور، إلى إحدى داري البقاء، أفي الله شك فلو أبصرتم مسافراً في البرية يبني ويفرش، ويمهد ويعرش، ألم تكونوا تضحكون من جهله، وتعجبون من ركاكة عقله

стр. 3490

ووالله ما أموالكم ولا أولادكم وشواغلكم عن الله التي فيها اجتهاد إلا بقاء سفر في قفر، أوإعراس في ليلة نفر، كأنكم بها مطرحة تعبر فيها المواشي، وتنبوالعيون عن خبرها المتلاشي " إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم " الأنفال:٢٨. ما بعد المقيل إلا الرحيل ولا بعد الرحيل إلا المنزل الكريم أوالمنزل الوبيل، وإنكم تستقبلون أهوالاً سكرات الموت بواكر حسابها، وعتب أبوابها، فلوكشف الغطاء عن ذرة منها لذهلت العقول وطاشت الألباب، وما كل حقيقة يشرحها الكلام " يا أيها الناس إن وعد الله حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور " فاطر:٥. أفلا أعددتم لهذه الورطة حيلة، وأظهرتم للاهتمام بها مخيلة أتعويلاً على عفوه مع المقاطعة وهوالقائل في مقام التهديد " إن عذابي لشديد " إبراهيم " ٧ أأمناً من مكره مع المنابذة " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " الأعراف:٩٩ أطمعاً في رحمته مع المخالفة وهويقول " فسأكتبها للذين يتقون " الاعراف " ١٥٦ أمشاقة ومعاندة " ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب " الحشر:٤ أشكاً في الله فتعالوا نعيد الحساب، ونقرر العقد ونتصف بدعوة الحق أوغيرها، من اليوم تفقد عقد العقائد عند التساهل بالوعيد، فالعامي يدمي الإصبع الوجعة، والعارف يضمد لها مبدأ العصب: هكذا هكذا يكون التعامي ... هكذا هكذا يكون الغرور " يا حسرة على العباد، ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون " يس:٣٠ وما عدا عما بدا ورسولكم الحريص عليكم الرؤوف الرحيم يقول لكم الكيس من نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني فعلام بعد هذا المعول وماذا يتأول اتقوا الله سبحانه في نفوسكم وانصحوها، واغتنموا فرص الحياة واربحوها " أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وإن كنت لمن الساخرين "

стр. 3491

الزمر:٥٦ وتنادي أخرى " هل إلى مرد من سبيل " الشورى: ٤٤ وتستغيث أخرى " يا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل " الأعراف:٥٣ وتقول أخرى " رب ارجعون " المؤمنون:٩٩ فرحم الله من نظر لنفسه، قبل غروب شمسه، وقدم لغده من أمسه، وعلم أ، الحياة تجر إلى الموت، والغفلة تقود إلى الفوت، والصحة مركب الألم، والشبيبة سفينة تقطع إلى ساحل الهرم. وإن شاء قال بعد الخطبة: إخواني، ما هذا التواني، والكلف بالوجود الفاني عن الدائم الباقي والدهر يقطع الأماني، وهاذم اللذات قد شرع في نقض المباني ألا معتبر في عالم هذه المعاني ألا مرتحل عن مغابن هذه المغاني ألا أذن تصغي إلي سميعة ... أحدثها بالصدق ما صنع الموت مددت لكم صورتي فأواه حسرة ... على ما بدا منكم فلم يسمع الصوت هوالقدر الآتي على كل أمة ... فتوبوا سراعاً قبل أن يقع الفوت يا كلفاً بما لا يدوم، يا مفتوناً (١) بغرور الوجود المعدوم، يا صريع جدار الأجل المهدوم، يا مشتغلاً ببنيان الطرق قد ظهر المناخ وقرب القدوم، يا غريقاً في بحار الأمل ما عساك تعوم، يا معلل الطعام والشراب ولمع السراب، لا بد أن تهجر المشروب وتترك المطعوم. دخل سارق الأجل بيت عمرك فسلب النشاط وأنت تنظر، وطوى البساط وأنت تكرب، واقتلع جواهر الجوارح وقد وقع بك النهب، ولم يبق إلا أن يجعل الوسادة على أنفك ويقعد: لو خفف الوجد عني ... دعوت طالب ثاري ﴿كلا إنها كلمة هوقائلها﴾ (المؤمنون: ١٠٠) كيف التراخي والفوت مع الأنفاس ينتظر كيف الأمان وهاجم الموت لا يبقي ولا يذر كيف الركون إلى الطمع الفاضح وقد صح الخبر من فكر في كرب الخمار تنغصت عنده

стр. 3492

لذة النبيذ، من أحس بلغط الحريق فوق جداره لم يصغ بصوته لنغمة العود، من تيقن بذل العزلة هان عليه ترك الولاية: ما قام خيرك يا زمان بشره ... أولى لنا ما قل منك وما كفى أوحى الله سبحانه إلى موسى صوات الله وسلامه عليه أن ضع يدك على متن ثور، فبعدد ما حاذته من شعره تعيش سنين، قال: يا رب وما بعد ذلك قال: تموت، قال يا رب فالآن: رأى الأمر يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولا إذا شعرت نفسك بالميل إلى شيء فاعرض عليها غصة فراقه " ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة " الانفال:٤٢ فالمفروح به هوالمحزون عليه، أين الأحباب مروا، فيا ليت شعري أين استقروا؛ استكانوا والله واضطروا، واستغاثوا بأوليائهم فروا، وليتهم إذ لم ينفعوا ما ضروا، فالمنازل من بعدهم خالية خاوية، والعروش ذابلة ذاوية، والعظام من بعد التفاضل متشابهة متساوية، والمساكن تندب في أطلالها الذئاب العاوية: صحت بالربع فلم يستجيبوا ... ليت شعري أين يمضي الغريب وبجنب الدار قبر جديد ... منه يستسقي المكان الجديب غاض قلبي فيه عند التماحي ... قلت هذا القبر فيه الحبيب لا تسل عن رجعتي كيف كانت ... إن يوم البين يوم عصيب باقتراب الموت عللت نفسي ... بعد إلفي كل آت قريب أين المعمر الخالد أين الولد أين الوالد أين الطارف أين التالد أين المجادل أين المجالد " هل تحس منهم من أحد أوتسمع لهم ركزاً " مريم:٩٨ ودوه علاهن الثرى، وصحائف تفض، وأعمال على الله تعرض. بحث الزهاد

стр. 3493

والعباد، والعارفون والأوتاد، والأنبياء الذي يهدي بهم العباد، عن سبب الشقاء الذي لا سعادة بعده، فلم يجدوا إلا البعد عن الله تعالى، وسببه حب الدنيا لن تجتمع أمتي على ضلالة: هجرت حبائبي من أجل (١) ليلى ... فما لي بعد ليلى من حبيب وماذا أرتجي من وصل ليلى ... ستجزي بالقطيعة عن قريب وقالوا: ما أورد النفس الموارد وفتح عليها باب الحتف إلا الأمل، كلما قومتها مثاقف الحدود فتح لها أركان الرخص، كلما عقدت صوم العزيمة أهداها طرف الغرور في أطباق: حتى، وإذا، ولكن، وربما، فأفرط القلب في تقبيلها حتى أفطر: ما أوبق الأنفس إلا الأمل ... وهو غرور ما عليه عمل يفرض منه الشخص وهماً ما له ... حال ولا ماض ولا مستقبل ما فوق وجه الأرض نفس حية ... إلا قد انقض عليها الأجل لو أنهم من غيرها قد كونوا ... لامتلأ السهل بهم والجبل ما ثم إلا لقم قد هيئت ... للموت، وهوالآكل المستعجل والوعد حق والورى في غفلة ... قد خودعوا بعاجل وضللوا أين الذين شيدوا واغترسوا ... ومهدوا وافترشوا وظللوا أين ذوو الراحات زادت حسرة ... إذ جنبوا إلى الثرى وانتقلوا لم تدفع الأحباب عنهم غير أن ... بكوا على فراقهم وأعولوا الله في نفسك أولى من له ... ذخرت نصحاً وعتاباً يقبل لا تتركنها في عمى وحيرة ... عن هول ما بين يديها تغفل حقر لها الفاني وحاول زهدها ... وشوقها إلى الذي تستقبل وفد إلى الله بها مضطرة ... حتى ترى السير عليها يسهل

стр. 3494

هو الفناء والبقاء بعده ... والله عن حكمته لا يسأل يا قرة العين ويا حسرتها ... يوم يوفى الناس ما قد عملوا يا طرداء المخالفة، إنكم مدركون فاستبقوا باب التوبة، فإن رب تلك الدار يجير ولا يجار عليه، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما هداكم، يا طفيلية الهمة، دسوا أنفسكم بزمر التائبين وقد دعوا إلى دعوة الحبيب، فإن لم يكن أكل فلا أقل من طيب الوليمة، قال بعض العارفين: إذا عقد التائبون الصلح مع الله تعالى انتشرت رعايا الطاعة في عمالة الأعمال " وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب " الزمر:٦٩. معاني هذا المجلس والله نسيم سحر، إذا استنشقه مخمور الغفلة أفاق، سعوط هذا الوعظ ينغص إن شاء الله زكمة البطالة، إن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، إكسير هذا الكتاب يقلب بحكمة جابر القلوب المنكسرة عين من كان له قلب " إنما يستجيب الذين يسمعون، والموتى يبعثهم الله " الأنعام:٣٦ إلهي دلنا من حيرة يضل فيها - إلا إن هديت - الدليل، وأجرنا من غمرة وكيف إلا بإعانتك السبيل نفوس صدئ على مر الأزمان منها الصقيل، ونبا بجنوبها عن الحق المقيل، وآذان أنهضها القول الثقيل، وعثرات لا يقيلها إلا أنت يا مقيل العثار يا مقيل، أنت حسبنا ونعم الوكيل؛ انتهى. ومن مواعظ لسان الدين ﵀ سبحانه ما أورده في الروضة إثر ما سبق، إذ قال: إخواني صمت الآذان والنداء جهير، وكذب العيان والمشار إليه شهير، أين الملك وأين الظهير أين الخاصة أين الجماهير أين القبيل والعشير أين كسرى بن أردشير صدق والله الناعي وكذب البشير، وغش المستشار واتهم المشير، وسئل عن أكل فأشار إلى التراب المشير: خذ من حياتك للمما الآتي ... وبدار ما دام الزمان مواتي لا تغترر فهوالسراب بقيعة ... قد خودع الماضي به والآتي

стр. 3495

يا من يؤمل واعظاً ومذكراً ... يوماً ليوقظه من الغفلات هلا اعتبرت ويا لها من عبرة ... بمدافن الآباء والأمات قف بالبقيع وناد في عرصاته ... فلكم بها من جيرة ولدات درجوا ولست بخالد من بعدهم ... متميز عنهم بوصف حياة والله ما استهللت حياً صارخاً ... إلا وأنت تعد في الأموات لا فوت عن درك الحمام لهارب ... والناس صرعى معرك الآفات كيف الحياة لدارج متكلف ... سنة الكرى بمدارج الحيات أسفاً علينا معشر الأموات لا ... ننفك عن شغل بهاك وهات ويغرنا لمع السراب فتغتذي ... في غفلة عن هاذم اللذات والله ما نصح أمرءاً من غشه ... والحق ليس بخافت المشكاة يا من إذا وراح، وألف المراح، يا من شرب الراح، ممزوجة بالعذب القراح، وقعد لعيان صروف الزمان مقعد الأفراح، كأنك والله باختلاف الرياح، وسماع الصياح، وهجوم غارة الاجتياح، فأديل الخفوت من الارتياح، ونسيت أصوات الغناء برنات الرياح، وعوضت عرر النوب القباح، من غرر الوجوه الصباح، وتناولت الجسوم الناعمة أيدي الأطراح، وتنوسيت العهود الكريمة بمر المساء عليها والصباح، وأصبحت كماة النطاح، من تحت البطاح، وخملت المهندة والرماح، ذليلة من بعد الجماح: ولو كان هول الموت لا شيء بعده ... لهان علينا الأمر واحتقر الهول ولكنه حشر ونشر وجنة ... ونار، وما لا يستقل به القول يا مشتغلاً بداره ورم جداره، عن إسراعه إلى النجاة وبداره، يا من صاح بإنذاره شيب عذاره، يا من طرف (١) عين اعتذاره بأقذاره، يا من قطعه بعد مزاره وثقل أوزاره، يا معتلفاً (٢) ينتظر هجوم جزاره، يا مختلساً للأمانة

стр. 3496

يرتقب مفتش ما تحت إزاره، يا من أمعن في خمر الهوى خف من إسكاره، يا من خالف مولى رقه توق من إنكاره، يا كلفاً بعارية ترد، يا مفتوناً بأنفاس تعد، يا معولاً على الإقامة والرحال تشد، كأني بك وقد أوثق الشد، وألصق بالوسادة الخد، والرجل تقبض والأخرى تمد، واللسان يقول ﴿يا ليتنا نرد﴾ (الأنعام: ٢٧) : إنا إلى الله وإنا له ... ما أشغل الإنسان عن شانه يرتاح للأثواب يزهى بها ... والخيط مغزول لأكفانه ويخزن الفلس لوارثه ... مستنفداً مبلغ أكوانه قوض عن الفاني رحال امرئ ... مد إليه عين عرانه ما ثم إلا موقف زاهد ... قد وكل العدل بميزانه مفرط يشقى بتفريطه ... ومحسن يجزى بحسانه يا هذا خفي عليك مرض اعتقادك فالتبس الشحم بالورم، جهلت قيم (١) المعادن فبعت الشبه بالذهب، فسد حس (٢) ذوقك فتفكهت بحنظله، أين حرصك من أجلك أين قولك من عملك يدركك الحياء من الطفل فتتحامى حمى الفاحشة في البيت بسببه، ثم تواقعها بعين خالق العين، ومقدر الكيف والأين، تالله ما فعل فعلك بمعبوده، من قطع بوجوده " ما يكون من نجوى ثلاثة - إلى عليم " المجادلة:٧ تعود عليك مساعي الجوارح التي سخرها لك بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فتبخل منها في سبيله بفلس، وأحد الأمرين لازم: إما التكذيب، وإما الحماقة، وجمعك بين الحالتين عجيب، يرزقك السنين العديدة من غير حق وجب لك، وتسيء الظن به في يوم؛ توجب الحق، وتعتذر بالغفلة، فما بال التمادي تعترف بالذنب فما

стр. 3497

الحجة في الإصرار والبلد الطيب يخرج نياته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً " الأعراف " ٥٨ يا مدعي النسيان ماذا فعلت بعد التذكير يا معتذراً بالغفلة أين ثمرة التنبيه يا من قطع بالرحيل أين الزاد يا ذبابة الحرص كم ذا تلجج في ورطة الشهد يا نائماً ملء عينيه حذار الأجل قد أنذر، يا ثمل الاغترار قرب خمار الندم، تدعي الحذق بالصنائع وتجهل هذا القدر، تبذل النصح لغيرك وتغش نفسك هذا الغش، اندمل جرح توبتك على عظم، قام بناء عزمتك على رمل، نبتت خضراء دعوتك على دمن، عقدت كفك من الحق على قبضة ماء " أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء " فاطر:٨ إذا غام جوهذا المجلس، وابتدأ رش غمام الدموع، قالت النفس الأمارة: حوالينا لا علينا، فدالت رياح الغفلة، وسحاب الصيف هفاف، كلما شد طفل العزيمة على درة التوبة صانعته ظئر الشهوة عن ذلك بعصفور، إذا ضيق الخوف فسحة المهل سرق الأمل حدود الجار، قال بعض الفضلاء: كانوا إذ فقدوا قلوبهم، تفقدوا مطلوبهم، ولوصدق الواعظ الأثر، اللهم لا أكثر: طبيب يداوي الناس وهوعليل ... والخطب جليل، والمتفكن قليل، فهل إلى الخلاص سبيل اللهم انظر إلينا بعين رحمتك التي وسعت الأشياء، وشملت الأموات والأحياء، يا دليل الحائرين دلنا، يا عزيز ارحم ذلنا، يا ولي من لا ولي له كن لنا كلنا، إن أعرضت عنا فمن لنا نحن المذنبون وأنت غفار الذنوب، فقلب قلوبنا با مقلب القلوب، واستر عيوبنا يا ستار العيوب، يا أمل الطالب ويا غاية المطلوب؛ انتهى. ومن كلام لسان الدين رحمه الله تعالى في المواعظ ما خاطب به بعض من استدعى منه الموعظة، ونصه:

стр. 3498

إذا لم أنح يوماً على نفسي التي ... بجرائها أحببت كل حبيب وقد صح عندي أن عادية الردى ... تدب لها والله كل دبيب فمنذا الذي يبكي عليها بأدمعي ... إذا كنت موصوفاً برأي لبيب كم قد نظررت إلى حبيب تغار من إرسال طرفك بكتاب الهوى إلى إنسانه، وقد ذبلت بالسقم نرجسة لحظه، وذوت وردة خده، واصفرت لمغيب الفراق شمس حسنه، وهويجود بنفسه التي كان يبخل منها بالنفس، يخاطب بلسان حاله مترجماً: وليت الفجل يهضم نفسه، وأنت على أثر مسحبه إلى دست الحكم " وما أدري ما يفعل بي ولا بكم " الأحقاف:٩. ومنها: تالله لولم يكن المخبر صادقاً لنشب بحلق العيش بعده شوكة الشك: ولو أنا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيء فالحازم من بتر الآمال طوعاً، وقال: بيدي لا بيد عمرو ﴿يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ (فاطر: ٥) . وقال أمير الوعاظ رحمه الله تعالى: وبضدها تتبين الأشياء (١) ... يا مقتولاً ما له طالب ثار، بريد الموت مطلق الأعنة في طلبك، وما يحميك حصن، ثوب حياتك منسوج من طاقات أنفاسك، والأنفاس تستلب ذرات ذاتك، وحركات الزمان قوية في النسج الضعيف، فيا سرعة التمزق، يا رابطاً مناه بخيط الأمل، إنه ضعيف القتل، صياد التلف قد بث الصقور، وأرسل العقبان، ونصب الاشراك، وقطع المواد، فكيف السلامة تهيأ

стр. 3499

لسرعة الموت وأشد منها قلب القلب، ليت شعري لما يؤول الأمر فوالله لا أدري أيغلبني الهوى ... إذا جد جد البين أم أنا غالبه فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه مركب الحياة يجري في بحر البدن برخاء الأنفاس، ولا بد من عاصف قاصف بفلكه ويغرق الركاب: فاقضوا مآربكم عجالاً إنما ... أعماركم سفر من الأسفار (١) وقال: كأنك بحرب التلف قد قامت على ساق، وانهزمت جنود الأمل، وإذا بملك الموت قد بارز الروح يجذبها بخطاطيف الشدائد من قنان العروق، وقد شد كتاف الذبيح، وحار البصر لشدة الهول، وملائكة الرحمة عن اليمين قد فتحوا أبواب الجنة، وملائكة العذاب عن اليسار قد فتحوا أبواب النار، وجميع المخلوقات تستوكف الخبر، والكون كله قد فاء على صيحة: سعد فلان، أوشقي فلان، فهنالك تنجلي أبصار الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري، ويحك! تهيأ لتلك الساعة، حصل زاداً قبل الفوت: تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار مثل لعينيك سرعة الموت، وما قد عزمت أن تفعل حينئذ في وقت الأسر فافعله في وقت الإطلاق، وقال أبوالعتاهية (٢) : خانك الطرف اتئد (٣) ... أيها القلب الجموح فدواعي الخير والشر ... دنو ونزوح كيف إصلاح قلوب ... إنما هن قروح

стр. 3500

أحسن الله بنا ... أن الخطايا لا تفوح فإذا المشهور منا ... بين ثوبيه فضوح كم رأينا من عزيز ... طويت عنه الكشوح صاح منه برحيل ... طائر الدهر الصدوح موت بعض الناس في الأر ... ض على بعض فتوح سيصير المرء يوماً ... جسداً ما فيه روح بين عيني كل حي ... علم الموت يلوح كلنا في غفلة وال ... دهر يغدو ويروح لبني الدنيا من الدن ... يا غبوق وصبوح رحن في الوشي وأصبح ... ن عليهن المسوح كل نطاح من الده ... ر له يوماً نطوح نح على نفسك يا مس ... كين إن كنت تنوح لتنوحن ولوعم ... رت ما عمر نوح وقال في المعنى (١) : لمن طلل أسائله ... معطلة مناهله غداة رأيته تنعى ... أعاليه أسافله وكنت أراه مأهولاً ... ولكن باد أهله وكل الاعتساف الده ... ر معرضة مقاتله وما متملك (٢) إلا ... وريب الدهر شامله فيصرع من يصارعه ... وينضل من يناضله ينازل من يهم به ... وأحياناً يخاتله

стр. 3501

وأحياناً يؤخره ... وتارات يعاجله كفاك به إذا نزلت ... على قوم كلاكله وكم قد عز من ملك ... تحف به قبائله (١) ويثني عطفه مرحاً ... وتعجبه شمائله فلما أن أتاه الحق ... ولى عنه باطله فخفض (٢) عينه للمو ... ت واسترخت مفاصله فما لبث السياق به ... إلى أن جاء غاسله فجهزه إلى جدث ... سيكثر فيه خاذله ويصبح شاحط المثوى ... مفجعة ثواكله مخمشة نوادبه ... مسلبة حلائله وكم قد طال من أمل ... فلم يدركه آمله رأيت الحق لا يخفى ... ولا تخفى شواكله لا فانظر لنفسك أيل ... زاد أنت حامله لمنزل وحدة بين ال ... مقابر أنت نازله قصير السمك قد رضمت (٣) ... عليك به جنادله بعيد تجاوز الجيرا ... ن ضيقة مداخله أأيتها المقابر في ... ك من كنا ننازله ومن كنا نتاجره ... ومن كنا نعامله ومن كنا نعاشره ... ومن كنا نداخله ومن كنا نشاربه ... ومن كنا نؤاكله

стр. 3502

ومن كنا نفاخره ... ومن كنا نطاوله ومن كنا نراقبه ... ومن كنا نزايله ومن كنا نكارمه ... ومن كنا نجامله ومن كنا له إلفاً ... قليلاً ما نزايله (١) ومن كنا له بالأم ... س إخواناً نواصله (٢) فحل محلة من حل ... ها صرمت حبائله ألا أن المنية من ... هل والخلق ناهله أواخر من ترى تفنى ... كما فنيت أوائله لعمرك ما استوى في الأ ... رض عالمه وجاهله ليعلم كل ذي عمل ... بأن الله سائله فأسرع فائزاً بالخي ... ر قائله وفاعله ثم قال لسان الدين رحمه الله تعالى، بعد ما سبق، ما صورته: وهذا الغرض بحر، ويكفي من خزائنه عرض، ومن بيت ماله قرض، إن شاء الله تعالى. ثم قال: تنبيه يشتمل على سؤالين: أحدهما أن يقال: الوعظ غير مناسب للمحبة، إذا لا يحصل إلا بعد الفراغ واليقظة، الثاني: أن يقال: عظمتم الحسرة لفراق عالم الحس، وأطلتم في قشور، فنجيب عن الأول: إنا لم نجلب الوعظ إلا بين يدي تأميل حضور المحبة، فكأنه يجري مجرى الأسباب، فإن الغرض به وجهة النفس من جوالسرور، واللعب بالزور، إلى جوالحزن والارتماض، ومن هنالك تأخذ بخطامها أيدي الاضطرار، فتحصل اليقظة ثم التوبة، ومنها يستقيم الطريق في منازل السائرين إلى الحق:

стр. 3503

والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع (١) وعند ذلك يطوى بساط الزجر والوعظ (٢) ، ويمد بساط الاعتبار والحب، إن شاء الله تعالى، فإنها كالثكلى بطبعها لما فارقته من عنصر نور الله تعالى والعوالم الروحانية التي هي الشعار والدثار، والأمل والدار، والحياة والجمال، والوجود والكمال، وإن كانت لا تشعر بالسبب، ولا تستحضر ذكر العلة، فإذا ذكر الفراق أنت، أوتنوشدت الآثار حنت، ويطرقها الحزن عند الألحان الشجية، وتحس بعض الأحيان بالمواجد العشقية: وقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك (٣) فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك وعن الثاني: إن كثيراً من النفوس لا تشعر بوجود عالم الحس، فضلاً عن النظر فيه، وإن شعرت بذلك عد منها نبلاً، ومن كان بهذه المثابة لا سبيل لندائه إلا من باب القشور " أولئك ينادون من مكان بعيد " فصلت:٤٤ إلى أن يتأتى النداء من باب الله تعالى بفضل الله تعالى، فالنفوس الشخصية غير متساوية، وهي بهوى الهوى هاوية، فالقريب منها يجذب بالأنامل، والبعيد بالجزل الكوامل، وعلى قدر المحمول تكون قوة الحامل: يضع الهناء مواضع النقب (٤) ... يكفي اللبيب إشارة مكتومة ... وسواه يدعى بالنداء العالي وسواهما بالزجر من قبل العصا ... ثم العصا هي رابع الأحوال

стр. 3504

وقال رحمه الله تعالى في فصل ذم الكسل، ما صورته: ونحن نجلب بعض الأمثال في ذمه، مما يسهل حفظه، ويجب لحظه، فمن ذلك: الكسل مزلقة الربح، ومسخرة الصبح. إذا رقدت النفس في فراش الكسل استغرقها نوم الغفلة " لوكنا نسمع أونعقل ما كنا في أصحاب السعير " الملك:١٠. الندامة في الكسل كالسم في العسل، الكسل آفة الصنائع، وأرضة في البضائع. العجز والكسل، يفتحان الخمول ولا تسل. الفلاح إذا مل الحركة، عدم البركة: ظهران لا يبلغان المرء إن ركبا ... باب السعادة: ظهر العجز، والكسل وفي اغتنام الأيام: من أضاع الفرصة، تجرع الغصة. إن كان لك من الزمان شيء فالحال، وما سواه فمحال. تارك أمره إلى غد، لا يفلح للأبد. الإنسان ابن ساعته، فليحطها من إضاعته. التسويف سم الأعمال، وعدوالكمال. لم يحرم المبادر، إلا في النادر. ما درجت أفراخ ذل إلا من وكر طماعة، ولا بسقت فروع ندم إلا من جرثومة إضاعة. العزم سوق، والتاجر الجسور مرزوق. من وثق بعهد الزمان، علقت يداه بحبل الحرمان. الريح في ضمن الجسارة، والمضيع أولى بالخسارة. ومن أمثالهم - في نظر الإنسان لنفسه، قبل غروب شمسه - قولهم: اعلم أن كل حكيم صانع إذا فكر في أمره ونظر في العواقب علم أنه لا بد يوماً أن يخرب دكانه الذي هومحل بضاعته، وتنحل أنقاضه، وتكل أدواته، وتضعف قوته، وتذهب أيام شبابه، فمن بادر واجتهد قبل خراب الدكان، واستغنى عن السعي، فإنه لا يحتاج بعد ذلك إلى دكان آخر، ولا إلى أدوات مجددة، فليتجر بما اقتناه ويشتغل بالانتفاع والالتذاذ بما كسبت يداه، وهذه حالة النفس بعد خراب الجسد، فبادر واجتهد واحرص واستعجل، وتزود قبل

стр. 3505

خراب دكانك وهدم بنيته، فإن خير الزاد التقوى، قال حسان (١) : إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... وأبصرت بعد اليوم من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله ... ولم تترصد مثل ما كان أرصدا قال أبوالفرج ابن الطيب البغدادي (٢) في اغتنام الوقت في كتابه في السياسة والآراء الفاضلة: يجب أن تعيد وتمثل، فإن الفكر مضطرب متشوش بكثرة نوازع النفس واختلاف قواها، والعمى في بعض الأوقات، فإذا سنح لنفس وقت فاضل بصفاء جوهرها، وأبرمت قانوناً أوصورة متوسطة فاضلة، يجب أ، يقيد بذلك وقت سعد ربما لا يعاود أويعاود؛ انتهى. ٧٦ - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما كتب به على لسان سلطانه إلى شيخ الموحدين بتونس ابن تافراجين، يخبره بالتمحيص الجاري عليه، ونصه: من أمير المسلمين أيده الله ونصره، وأعلى أمره وأظهره، إلى ولينا في الله تعالى الذي له القدم الرفيع المناصب، والمجد السامي الذوائب، والسياسة التي أخبارها سمر الركبان وحد الركائب، الشيخ الجليل الكبير، الشهير الخطير، الهمام الأمضى، الرفيع الأعلى، الأمجد الأوحد، الأسعد الأصعد، الأوفى الظاهر الطاهر الفاضل الباسل الأرضى الأنقى المعظم الموقر المبرور، علم الأعلام، سلالة أكابر أصحاب الإمام، معيد دولة التوحيد إلى الانتظام، أبي محمد عبد الله ابن الشيخ الجليل الكبير الشهير الماجد الخطير الرفيع الأسعد
следующие страницы →