بدت إليك الغرب شدة بأسه ... وإنعامه للمعتفين وما أولى
فبادره بالصلح خوف فواته ... وسالمه إذ كان ذاك به أولى
فكان بحمد الله صلحاً مهنّأ ... به طابت الدّنيا وجزنا به السبلا
له في المعالي رتبة لا ينالها ... سواه وكتب في فضائله تتلى
لطاعته كلّ الأنام تبادرت ... فيا سعد من وافى ويا ويح من ولّى
أحسّاده موتوا فإنّ قلوبكم ... بدمر الغضا ممّا بها أبداً تصلى
لقد جبر الله البلاد بملكه ... به ملئت أمناً، به ملئت عدلا
فلا زال هذا الملك فيه مخلداً ... وصارمه الأمضى وخادمه الأعلى وممّا مدحت به تلمسان قول الإمام الصوفي أبي عبد الله محمد بن خميس الذي قدمنا ذكره في هذا الكتاب وبعض ما يتعلّق به، وذكرنا أيضاً فيما مرّ بعض أمداحه لها (١) :
تلمسان جادتك السحاب الروائح (٢) ... وأرست بواديك الرياح اللواقح
وسحّ على ساحات باب جيادها ... ملثّ يصافي تربها ويصافح
يطير فؤادي كلّما لاح لامعٌ ... وينهل دمعي كلّما ناح صادح
ففي كل شفرٍ من جفوني مائع ... وفي كلّ شطر من فؤادي قادح
فما الماء إلا ما تسحّ مدامعي ... ولا النار إلا ما تجنّ الجوانح
خليليّ لا طيف لعلوة طارق ... بليل ولا وجه لصبحي لائح
نظرت فلا ضوء من الصبح ظاهر ... لعيني ولا نجم إلى الغرب جانح
بحقّكما كفّا الملام وسامحا ... فما الخلّ كلّ الخلّ إلاّ المسامح
ولا تعذلاني واعذراني فقلّما ... يردّ عناني من عليّة ناصح
стр. 3817
كتمت هواها ثم برّح بي الأسى ... وكيف أطيق الكتم والدمع فاضح
لساقية الروميّ عندي مزيّة ... وإن رغمت تلك الرواسي الرواشح
فكم لي عليها من غدوٍّ ورحةٍ ... تساعدني فيها المنى والمنائح
فطرف على تلك البساتين سارحٌ ... وطرفٌ إلى تلك الميادين جامح
تحار بها الأذهان وهي ثواقب ... وتهفو بها الأحلام وهي بوارح
ظباء مغانيها عواطٍ عواطف ... وطير مجانيها شوادٍ صوادح
تقتّلهم فيها عيونٌ نواظر ... وتبكيهم منهم عيون نواضح
على قرية العبّاد منّي تحيّة ... كما فاح من مسك اللطيمة فائح
وجاد ثرى تاج المعارف ديمة ... تغصّ بها تلك الرّبى والأباطح
إليك شعيب بن الحسين قلوبنا ... نوازع لكنّ الجسوم نوازح
سعيت فما قصّرت عن نيل غاية (١) ... فسعيك مشكور وتجرك رابح
نسيت وما أنسى الوريط ووقفة ... أنافح فيها روضة وأفاوح
مطلاً على ذاك الغدير وقد بدت ... لإنسان عيني من صفاه صفائح
أماؤك أم دمعي عشية صدّقت ... عليّة فينا ما يقول المكاشح
لئن كنت ملآناً بدمعي طافحاً ... فإني سكران بحبّك طافح
وإن كان مهري في تلاعك سائحاً ... فذاك غزالي في عبابك سابح
قراح أتى ينصبّ من رأس شاهق ... بمثل حلاه تستحثّ القرائح
أرق من الشوق الذي أنا كاتم ... وأصفى من الدمع الذي أنا سافح
أما وهوى من لا أسميّه إنّني ... لعرضي كما ق النصيح لناصح
أبعد صيامي واعتكافي وخلوتي ... يقال فلان ضيّق الصدر بائح
لبعت رشادي فيه بالغيّ ضلّةً ... وكم صالح مثلي غدا وهو طالح
وأيّ مقام ليس لي فيه حاسد ... وأيّ مقالٍ ليس لي فيه مادح
стр. 3818
ألا قل لفرسان البلاغة أسرجوا ... فقد جاءكم منّي المكافي المكافح
أيخمل ذكري عندهم وهو نابهٌ ... ويغمط شجوي عندهم وهو شائح
بدور إذا جنّ الظّلام كوامل ... وأسدٌ إذا لاح الصباح كوالح
تركت سوق البزّ لا عن تهاونٍ ... وكيف وظبيٌ سانحٌ فيك بارح
وإنّي وقلبي في ولائك طامعٌ ... وناظر وهمي في سماطك طامح
أيا أهل ودّي والعشير مؤمّن ... أتقضي ديوني أم غريمي فالح
وهل ذلك الظبي النصاحيّ للذي ... يقطّع من قلبي بعينيه ناصح
كنيت بها عنه حياءً وحشمةً ... ووجه اعتذاري في القضيّة واضح [تعريف بتلمسان]
وتلمسان هذه هي مدينتتنا التي علّقت بها التمائم، وقد نزلها من سلفنا عبد الرحمن بن أبي بكر المقرّي بن علي صاحب السيخ ابن مدين، الذي دعا له ولذريته بما ظهر فيهم قبوله وتبين، وهو الأب الخامس كما سبق في ترجمة أخبارهم، وهي من أحسن مدائن المغرب ماء وهواء، حسبما ق ابن مرزوق:
يكفيك منها ماؤها وهواؤها ... وقال الكاتب أبو زكريا يحيى بن خلدون في كتابه بغية الرواد في أخبار بني عبد الواد وأيام أبي حمّو الشامخة الأطواد بعد كلام في شأن البربر، ما صورته (١) : ودار ملكهم وسط بين الصحراء والتل تسمى بلغة البربر تلمسن، كلمة مركبة من تلم ومعناه تجمع، وسن ومعناه اثنان: أي الصحراء والتل فيما ذكره شيخنا العلامة أبو عبد الله الآبلي، رحمه الله تعالى، وكان
стр. 3819
حافظاً بلسان القوم، ويقال تلمشان، وهو أيضاً مركّب من " تلم " (١) ومعناه لها، وشان أي لها شأن، وهي مدينة عريقة في التمدن، لذيذة الهواء، عذبة الماء، كريمة المنبت، اقتعدت بسفح جبل، ودوين (٢) رأسه بسيط أطول من شرق إلى غرب، عروساً فوق منصّة، والشماريخ مشرفة عليها إشراف التاج على الجبين ويطل منها (٣) على فحص أفيح معد للفلاحة تشق ظهوره الأسلحة عن مثل أسنمة المهاري، وتبقر في بطونه عند تدميث الغمائم بطون العذارى (٤) ، وبها للملك قصور زاهرات اشتملت على المصانع الفائقة، والصروح الشاهقة، والبساتين الرائقة، ممّا زخرفت عروشه، ونمقت غروسه، ونوسبت أطواله وعروضه، فأزرى بالخورنق، وأخجل الرصافة، وعبث بالسّدير. وتنصبّ إليها من عل أنهار من ماء غير آسن، تتجاذبه أيدي المذانب والأسراب المكفورة (٥) خلالها، ثم ترسله بالمساجد والمدارس والسقايات بالقصور وعلية الدور والحمامات، فيفعم الصهاريج، ويفهق الحياض، ويسقي ريعه (٦) خارجها مغارس الشجر ومناب الحب، فهي التي شحرت الألباب رواء، وأصبت النّهى جمالاً (٧) ، ووجد المادحون فيها المقال فأطالوا وأطابوا، إلى أن قال: فأنا أنشد ساكنها قول ابن خفاجة لاستحقاقها إيّاه عندي (٨) :
ما جنّة الخلد إلا في منازلكم ... وهذه كنت لو خيّرت أختار
стр. 3820
لا تتّقوا بعدها أن تدخلوا سقراً ... فليس تدخل بعد الجنّة النار وتوسطت قطراً ذا كورٍ عديدة تعمرها أمشاج البربر والعرب، مريعة الجنبات، منجبة للحيوان والنبات، كريمة الفلاحة، زاكية الإصابة، فربما انتهت في الزّوج الواحد منها إلى أربعمائة مد كبير؛ ثم أطال في ذلك ابن خلدون المذكور بما يوقف عليه في الكتاب المذكور.
وممّا يُنسب للسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى في وصفها ما صورته: تلمسان مدينة جمعت بين الصحراء والريف، ووضعت في موضع شريف، كأنّها ملك على رأسه تاجه، وحواليه من الدوحات حشمه وأعلاجه، عبّادها يدها وكهفها كفها، وزينتها زيانها، وعينها أعيانها، هواها المقصور بها فريد، وهواؤها الممدود صحيح عتيد، وماؤها برود صريد، حجبتها أيدي القدرة عن الجنوب، فلا نحول فيها ولا شحوب؛ خزانة زرع، ومسرح ضرع، فواكهها عديدة الأنواع، ومتاجرها فريدة الانتفاع، وبرانسها رقاق رفاع، إلاّ أنّها بسبب حب الملوك، مطمعة للملوك، ومن أجل جمعها الصّيد في جوف الفرا، مغلوبة للأمرا، أهلها ليست عندهم الراحة، إلاّ فيما قبضت عليه الراحة، ولا فلاحة، إلا لمن أقام رسم الفلاحة، ليس بها لسع العقارب، إلا فيما بين الأقارب، ولا شطارة، إلا فيمن ارتكب الخطارة؛ انتهى.
وقد كنت بالمغرب نويت أن أجمع في شأنها كتاباً ممتعاً أسميّه بأنواء نيسان في أنباء تلمسان وكتبت بعضه، ثم حالت بيني وبين ذلك العزم الأقدار، وارتحلت منها إلى حضرة فاس حيث ملك الأشراف ممتدّ الرّواق، فشغلت بأمور الإمامة والفتوى والخطابة وغيرها، ثم ارتحلت بنية الحجاز، وجعلت إلى الحقيقة المجاز، وها أنا ذا إلى الآن في البلاد المصرية، وفي علم الله تعالى ما لا نعلم، والتسليم لأحكام الأقدار أسلم، والله تعالى يختم لنا بالحسنى بجاه نبيّه ومصطفاه ﷺ .
стр. 3821
وبها ولدت أنا وأبي وجدي وجد جدي، وقرأت بها ونشأت إلى أن ارتحلت عنها في زمن الشبيبة إلى مدينة فاس سنة تسع وألف، ثم رجعت إليها آخر عام عشرة وألف، ثم عاودت الرجوع إلى فاس سنة ثلاث عشرة وألف، إلى أن ارتحلت عنها للمشرق أواخر رمضان سنة سبع وعشرين وألف، ودخلت مصر برجب من عام ثمانية وعشرين وألف، والشام بشعبان عام سبعة وثلاثين وألف، وأبت منها إلى مصر أواخر شوّال من العام، وشرعت في هذا المؤلف بالقعدة من العام.
[ترجمة أبي مدين]
وقد تخرّج بتلمسان من العلماء والصلحاء ما لا ينضبط، ويكفيها افتخاراً دفن وليّ الله سيدي أبي مدين بها، وهو شعيب بن الحسين الأندلسي، شيخ المشايخ، وسيد العارفين، وقدوة السالكين، قال الشيخ أبو عبد الله محمّد ابن التلمساني في كتابه النجم الثاقب فيما لأولياء الله تعالى من المناقب: كان (١) الشيخ سيدي أبو مدين فرداً من أفراد الرجال، وصدراً من صدور الأولياء الأبدال، جمع الله له علم الشريعة والحقيقة، وأقامه ركن الوجود هادياً وداعياً للحق، فقصد بالزيارة من جميع الأقطار، واشتهر بشيخ المشايخ، وذكر التادلي وغيره أنّه خرج على يده ألف شيخ من الأولياء أولي الكرامات، وقال أبو الصبر كبير مشايخ وقته: كان أبو مدين زاهداً فاضلاً عارفاً بالله تعالى، خاض بحار الأحوال، ونال أسرار المعارف، خصوصاً مقام التوكّل، لا يشق غباره، ولا تجهل آثاره، قال التادلي: كان مبسوطاً بالعلم، مقبوضاً بالمراقبة، كثير الالتفات بقلبه إلى الله تعالى حتى ختم له بذلك، أخبرني من شهد وفاته أنّه رآه
стр. 3822
في آخر الرمق يقول: الله الحق. وكان من أعلام العلماء، وحفّاظ الحديث، خصوصاً جامع الترمذي، وكان يقوم عليه، ورواه عن شيوخه عن أبي ذر، وكان يلازم كتاب الإحياء ويعكف عليه، وترد عليه الفتاوى في مذهب مالك فيجيب عنها في الوقت، وله مجلس وعظ يتكلّم فيه، فتجتمع عليه الناس من كل جهة، وتمر به الطيور وهو يتكلّم فتقف تسمع، وربما مات بعضها، وكثيراً ما يموت بمجلسه أصحاب الحب، تخرّج عليه جماعة كثيرة من العلماء والمحدثين وأرباب الأحوال، وكان شيخه أبو يعزى يثني عليه جميلاً، ويخصّه بين أصحابه بالتعظيم والتبجيل، قرأ بفاس بعد قدومه من الأندلس على الشيخ الحافظ أبي الحسن ابن حرزهم، وعلى الفقيه الحافظ العلامة أبي الحسن ابن غالب.
وذكر عنه أنّه قال: كنت في أوّل أمري وقراءتي على الشيوخ إذا سمعت تفسير آية أو معنى حديث قنعت به وانصرفت لموضع خال خارج فاس أتخذه مأوى للعمل بما فتح به عليّ، فإذا خلوت به تأتيني غزالة تأوي إليّ وتؤنسني (١) ، وكنت أمرّ في طريقي بكلاب القرى المتصلة بفاس، فيدورون حولي، ويبصبصون لي، فبينا أنا يوماً بفاس إذا برجل من معارفي بالأندلس سلّم علي، فقلت: وجبت ضيافته، فبعث ثوباً بعشرة دراهم، فطلبت الرجل لأدفعها له، فلم أجده هنالك، فخليتها معي، وخرجت لخلوتي على عادتي، فمررت بقريتي، فتعرض لي الكلاب، ومنعوني الجواز، حتى خرج من القرية من حال بيني وبينهم، ولمّا وصلت لخلوتي جاءتني الغزالة على عادتها، فلمّا شمّتني نفرت عنّي، وأنكرت علي، فقلت: ما أوتي علي إلاّ من أجل هذه الدراهم التي معي، فرميتها، فسكنت الغزالة، وعادت لحالها معي، ولمّا رجعت لفاس جعلت الدراهم معي، ولقيت الأندلسي، فدفعتها إليه، ثم مررت بالقرية في خروجي للخلوة، فدار بي كلابها وبصبصوا على عادتهم، وجاءتني الغزالة فشمتني من
стр. 3823
مفرقي لقدمي، وأنست بي كعادتها، وبقيت كذلك مدّة، وأخبار سيدي أبي يعزى ترد عليّ، وكراماته يتداولها الناس وتنقل إليّ، فملأ قلبي حبّه، فقصدته مع جماعة الفقراء، فلمّا وصلنا إليه أقبل على الجماعة دوني، وإذا حضر الطعام منعني من الأكل معهم، وبقيت كذلك ثلاثة أيام، فأجهدني الجوع، وتحيرت من خواطر ترد عليّ، ثم قلت في نفسي: إذا قام الشيخ من مكانه أمرغ وجهي في المكان، فقام، ومرغت وجهي فقمت وأنا لا أبصر شيئاً، وبقيت طول ليلتي باكياً، فلمّا أصبح دعاني وقرّبني، فقلت له: يا سيدي، قد عميت ولا أبصر شيئاً، فمسح بيده على عيني، فعاد بصري، ثم مسح على صدري، فزالت عني تلك الخواطر، وفقدت ألم الجوع، وشاهدت في الوقت عجائب من بركاته، ثم استأذنته في الانصراف بنية أداء الفريضة، فأذن لي وقال: ستلقى في طريقك الأسد فلا يرعك فإن غلب خوفه عليك فقل له: بحرمة يدنور (١) إلا انصرفت عني، فكان الأمر كما قال. فتوجّه الشيخ أبو مدين للشرق وأنوار الولاية عليه ظاهرة، فأخذ عن العلماء واستفاد من الزهاد والأولياء، وتعرّف في عرفة بالشيخ سيدي عبد القادر الكيلاني، فقرأ عليه في الحرم الشريف كثيراً من الحديث، وألبسه خرقة الصوفية، وأودعه كثيراً من أسراره، وحلاه بملابس أنواره، فكان أبو مدين يفتخر بصحبته، ويعدّه أفضل مشايخه الأكابر.
وعن بعض الأولياء قال: رأيت في النوم قائلاً يقول: قل لأبي مدين: بثّ العلم ولا تبالِ، ترتع غداً مع العوالي، فإنّك في مقام آدم أبي الذراري، فقصصتها عليه فقال لي: عزمت على الخروج للجبال والفيافي حتى أبعد عن العمران، ورؤياك هذه تعدل بي عن هاذ العزم، وتأمرني بالجلوس، فقولك ترتع غداً مع العوالي إشارة لحديث حلق الذكر مراتع أهل الجنّة، والعوالي: أصحاب عليين، ومعنى قوله أبي الذراري أن آدم أعطي قوّة على النكاح
стр. 3824
وأمر به، ولم يجعل له قوّة على كون ذريته مطيعين مؤمنين، وكذا نحن أعطانا الله العلم وأمرنا ببثّه وتعليمه، ولا قدرة لنا على كون أتباعنا موفّقين.
وكان يقول: كرامات الأولياء نتائج معجزات نبينا ﷺ ، وطريقتنا هذه أخذناها عن أبي يعزى بسنده عن الجنيد عن سري السقطي عن حبيب العجمي بالسند إلى رب العزة ﷻ .
وعن العارف عبد الرحيم المغربي قال: سمعت سيدي أبا مدين يقول: أوقفني ربي بين يديه وقال لي: يا شعيب ماذا عن يمينك قلت: يا رب عطاؤك، قال: وعن شمالك قلت: يا رب قضاؤك، فقال: يا شعيب قد ضاعفت لك هذا، وغفرت لك هذا، فطوبى لمن رآك أو رأى من رآك.
وعن سيدي أبي العباس المرسي: جلت في ملكوت الله تعالى، فرأيت سيدي أبا مدين متعلّقاً بساق العرش وهو يومئذ أشقر أزرق، فقلت له: وما علومك وما مقامك فقال: علومي أحد وسبعون علماً، وأما مقامي فرابع الخلفاء، ورأس السبعة الأبدال.
وسئل ﵁ عمّا خصّه الله تعالى به، فقال: مقامي العبودية، وعلومي الألوهية، وصفاتي مستمدة من الصفات الربانية، ملأت علومه سرّي وجهري، وأضاء بنوره برّي وبحري، فالمقرب من كان به عليماً، ولا يسمو إلاّ من أوتي قلباً سليماً، الذي يسلم ممّا سواه، ولا يكون في الوعاء إلاّ مما جعل فيه مولاه، فقلب العارف يسرح في الملكوت بلا شك " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السّحاب " النمل: ٨٨.
وسئل عن الحياء، فقال: أوّله دوام الذكر، وأوسطه الأنس بالمذكور، وأعلاه أن لا ترى شيئاً سواه.
واختلف أهل مجلسه: هل الخضر ولي أم نبي فرأى رجل صالح منهم معروف بالولاية النبيّ ﷺ تلك الليلة فقال ﷺ : الخضر نبي، وأبو مدين ولي.
стр. 3825
وذكر التادلي (١) وغيره أن رجلاً جاءه ليعترض عليه، فجلس في الحلقة، فأخذ صاحب الدولة في القراءة، فقال له أبو مدين: أمهل قليلاً، ثم التفت للرجل، وقال له: لم جئت فقال: لأقتبس من نورك، فقال له: ما الذي في كمك قال له: مصحف، فقال له: افتحه واقرأ في أوّل سطر يخرج لك، ففتحه وقرأ أوّل سطر فإذا فيه " الّذين كذّبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها، الذين كذّبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين " الأعراف: ٩٢ فقال له أبو مدين: أما يكفيك هذا فاعترف الرجل وتاب وصلح حاله.
وذكر صاحب الروض عن الشيخ الزاهد أبي محمد عبد الرزاق أحد خواص أصحابه قال: مر شيخنا أبو مدين في بعض بلاد المغرب، فرأى أسداً افترس حماراً وهو يأكله، وصاحبه جالس بالبعد على غاية الحاجة والفاقة، فجاء أبو مدين وأخذ بناصية الأسد، وقال لصاحب الحمار: أمسك الأسد واستعمله في الخدمة موضع حمارك، فقال له: يا سيدي أخاف منه، فقال: لا تخف، لا يستطيع أن يؤذيك، فمرّ الرجل يقوده والناس ينظرون إليه، فلمّا كان آخر النهار جاء الرجل ومعه الأسد للشيخ وقال له: يا سيدي هذا الأسد يتبعني حيث ذهبت، وأنا شديد الخوف منه، لا طاقة لي بعشرته، فقال الشيخ للأسد: اذهب ولا تعد، ومتى آذيتم بني آدم سلطتهم عليكم.
ومن مشهور كراماته أنّه كان ماشياً يوماً على ساحل، فأسره العدوّ، وجعلوه في سفينة فيها جماعة من أسرى المسلمين، فلمّا استقرّ في السفينة توقفت عن السير، ولم تتحرّك من مكانها، مع قوّة الريح ومساعدتها، وأيقن الروم أنهم لا يقدرون على السير، فقال بعضهم: أنزلوا هذا المسلم فإنّه قسيس، ولعلّه من أصحاب السرائر عند الله تعالى، وأشاروا له بالنزول، فقال: لا أفعل إلاّ إن أطلقتم جميع من في السفينة من الأسارى، فعلموا أن لا بد لهم من ذلك،
стр. 3826
فأنزلوهم كلّهم، وسارت السفينة في الحال.
ومن كراماته أنّه لمّا اختلف طلبة بجاية في حديث إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنّة وأشكل عليهم ظاهره: إذ يموت مؤمنين يستحقان كل الجنّة، فجاءوا إليه وهو يتكلّم على رسالة القشيري، فكاشفهم في الحال بلا سؤال، وقال لهم: المراد أنّه يعطى نصف جنته هو، فيكشف له عن مقعده ليتنعم به وتقر عينه، ثم النصف الآخر يوم القيامة.
وكان أولياء وقته يأتونه من البلدان للاستفتاء فيما يعرض لهم من المسائل.
وذكر تلميذه الصالح سيدي عبد الخالق التونسي عنه أنّه قال: سمعت برجل يسمى موسى الطيار يطير في الهواء ويمشي على الماء، وكان رجل يأتيني عند صدع الفجر فيسألني عن مسائل لا يفهمها الناس، فوقع ليلة في نفسي أنّه موسى الطيار الذي سمعت به، وطال عليّ الليل في انتظاره، فلمّا طلع الفجر نقر الباب رجل، فإذا هو الذي يسألني، فقلت له: أنت موسى الطيار فقال: نعم، ثم سألني وانصرف، ثم جاءني مع رجل آخر فقال لي: صلّينا الصبح ببغداد، وقدمنا مكة فوجدناهم في صلاة الصبح (١) ، فأعدنا معهم، وجلسنا (٢) حتى صلينا الظهر، وأتينا القدس فوجدناهم في الظهر، فقال لي صاحبي هذا: نعيد معهم، فقلت: لا، فقال لي: ولم أعدنا الصبح بمكّة فقلت له: كذلك كان شيخي يفعل، وبه أمرنا، فاختلفنا وأتيناك للجواب، فقال أبو مدين: فقلت لهم: أمّا إعادة الصبح بمكة فلأنّها بها عين اليقين، وببغداد علم اليقين، وعين اليقين أولى من علم اليقين، وصلاتكم الظهر بمكة - وهي أم القرى - فلذلك لا تعاد في غيرها، قال: فقنعا به وانصرفا.
وكان استوطن بجاية ويقول: إنّها معينة على طلب الحلال، ولم يزل بها
стр. 3827
يزداد حلاه على مر الليالي رفعة، ترد عليه الوفود وذوو الحاجات من الآفاق، ويخبر بالوقائع والغيوب، إلى أن وشى به بعض علماء الظاهر عند يعقوب المنصور، وقال له: إنّا نخاف منه على دولتكم، فإن له شبهاً بالإمام المهدي، وأتباعه كثيرون بكل بلد، فوقع في قلبه وأهمّه شأنه، فبعث إليه في القدوم عليه ليختبره، وكتب لصاحب بجاية بالوصيّة به والاعتناء، وأن يحمل خير محمل، فلمّا أخذ في السفر شق على أصحابه وتغيروا وتكلّموا (١) ، فسكتهم وقال لهم: إن منيتي قربت، وبغير هذا المكان قدرت، ولا بد لي منه، وأ، اشيخ كبير ضعيف (٢) ، لا قدرة لي على الحركة، فبعث الله تعالى من يحملني إليه برفق، ويسوقني إليه أحسن سوق، وأنا لا أرى السلطان ولا يراني، فطابت نفوسهم، وذهب بوسهم، وعلموا أنه من كراماته، فارتحلوا به على أحسن حال، حتى وطئوا به حوز تلمسان، فبدت له رابطة العباد، فقال لأصحابه: ما أصلحه للرقاد، فمرض مرض موته، فلمّا وصل وادي يسر اشتد به المرض، ونزلوا به هناك، فكان آخر كلامه: الله الحق.
وتوفّي رحمه الله تعالى سنة أربع وتسعين وخمسمائة، فحمل إلى العباد، مدفن الأولياء الأوتاد، وسمع أهل تلمسان بجنازته، فكانت من المشاهد العظيمة، والمحافل الكريمة، وفي ذلك اليوم تاب الشيخ أبو علي عمر الحباك، وعاقب الله تعالى السلطان، فمات بعده بسنة أو أقل.
ونقل المعتنون بأخباره أن الدعاء عند قبره مستجاب، وجربه جماعة، وقد زرته مئين من المرات، ودعوت الله تعالى عنده بما أرجو قبوله.
وقد أطال في ترجمته التادلي في كتابه " التشوّف لرجال التصوّف " (٣) وقد
стр. 3828
أفردها ابن الخطيب القسمطيني بتأليف سمّاه أنس الفقير.
ومن كلامه: من رزق حلاوة المناجاة زال عنه النوم، ومن اشتغل بطلب الدنيا ابتلي فيها بالذل، ومن لم يجد من قلبه زاجراً فهو خراب.
وقوله: بفساد العامّة تظهر ولاة الجور، وبفساد الخاصّة تظهر دجاجلة الدين الفتّانون.
وقوله: من عرف نفسه لم يغترّ بثناء الناس عليه، ومن خدم الصالحين ارتفع، ومن حرمه الله تعالى احترامهم ابتلاه الله بالمقت من خلقه، وانكسار العاصي خير من صولة المطيع.
وقوله: من علامة الإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحق.
وسئل عن المحو والشيخ، فقال: المحو من شهدت له ذاتك بالتقديم، وسرك بالاحترام والتعظيم، والشيخ من هداك بأخلاقه، وأيدك بإطراقه، وأنار باطنك بإشراقه، إلى غير ذلك من كلامه النيّر، وهو بحر لا ساحل له.
وله نظم كثير مشهور بأيدي الناس، وممّا يُنسب له قوله:
بكت السحاب فأضحكت لبكائها ... زهر الرياض وفاضت الأنهار
وقد أقبلت شمس النّهار بحلّة ... خضرا، وفي أسرارها أسرار
وأتى الربيع بخيله وجنوده ... فتمتعت في حسنه الأبصار
والورد نادى بالورود إلى الجنى ... فتسابق الأطيار والأشجار
والكأس ترقص والعقار تشعشعت ... والجوّ يضحك والحبيب يزار
والعود للغيد الحسان مجاوب ... والطار أخفى صوته المزمار
لا تحسبوا الزمر الحرام مرادنا ... مزمارنا التّسبيح والأذكار
وشرابنا من لطفه، وغناؤنا ... نعم الحبيب الواحد القهار
والعود عادات الجميل، وكأسنا ... كأس الكياسة، والعقار وقار
стр. 3829
فتألفوا وتطيبوا واستغنموا ... قبل الممات فدهركم غدّار
والله أرحم بالفقير إذا أتى ... من والديه فإنّه غفّار
ثمّ الصلاة على الشّفيع المصطفى ... ما رنّمت بلغاتها الأطيار وإنّما ذكرت ترجمة سيدي الشيخ أبي مدين للتبرك به، ولكونه شيخ جدي، فأنا في بركته لقول جدّي: إنّه دعا له ولذريته بما ظهر قبوله، ولأنا ذكرنا في هذا التأليف كثيراً من أنباء أبناء الدنيا، فأردنا كفّارة ذلك بذكر الصالحين، والله الموفّق بمنّه وكرمه، آمين.
стр. 3830
الباب السابع
ذكر بعض تلامذته الآخذين عنه المستهدين به على المنهاج، المتلقّين أنواع
العلوم منه والمقتبسين أنوار الفهوم من سراجه الوهاج
اعلم أن تلامذة لسان الدين رحمه الله تعالى كثيرون، إلاّ أنه لم يرزق السعادة في كثير منهم، بل بارزوه بالعداوة واجتهدوا في إيصال المكروه إليه.
١ - فمن أشهرهم الوزير الكاتب أبو عبد الله ابن زمرك (١) ، وارث مرتبته من بعده، ومقتعد أريكة سعده، وقد ألمع به في الإحاطة وكان إذ ذاك من جملة أتباعه، إذ قال ما محصله: محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف الصريحي يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن زمرك.
أصله من شرقي الأندلس، وسكن سلفه ربض (٢) البيازين من غرناطة، وبه ولد ونشأ، وهو من مفاخره.
حاله - هذا الفاضل صدر من صدور طلبة الأندلس وأفراد نجبائها، مختصر مقبول هش خلوب، عذب الفكاهة حلو المجالسة، حسن التوقيع خفيف الروح
стр. 3831
عظيم الانطباع شره المذاكرة، فطن بالمعاريض حاضر الجواب، شعلة من شعل الذكاء تكاد تحتدم جوانبه، كثير الرقة فكه غزل مع حياء وحشمة، جواد بما في يده مشارك لإخوانه، نشأ عفّاً طاهراً، كلفاً بالقراءة عظيم الدّؤوب، ثاقب الذهن، أصيل الحفظ ظاهر النّبل، بعيد مدى الإدراك جيد الفهم، فاشتهر فضله وذاع أرجه وفشا خبره، واضطلع بكثير من الأغراض وشارك في كثير من الفنون، وأصبح متلقف كرة البحث وصارخ الحلقة [وسابق الحلبة] ومظنة الكمال، ثم ترقى في درج المعرفة والاضطلاع وخاض لجة الحفظ، وركض قلم التقييد والتسويد والتعليق، ونصب نفسه للناس متكلماً فوق الكرسي المنصوب، وفوق (١) المحفل المجموع، مستظهراً بالفنون التي بعد فيها شأوه من العربية والبيان [واللغة] وما يقذف به في لج النقل من الأخبار والتفسير، متشوفاً مع ذلك إلى السلوك مصاحباً للصوفية آخذاً نفسه بارتياض ومجاهدة، ثم عانى الأدب فكان أملك به، وأعمل الرحلة في طلب العلم والازدياد، فترقى إلى الكتابة عن ولد السلطان أمير المسلمين بالمغرب أبي سالم إبراهيم ابن أمير المسلمين أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب، ثم عن السلطان، وعرف في بابه بالإجادة.
ولمّا جرت الحادثة على السلطان صاحب الأمر بالأندلس، واستقر بالمغرب، أنس له وانقطع إليه، وكر في صحبة ركابه إلى استرجاع حقه، فلطف منه محله وخصه بكتابة سره، وثابت الحال ودالت الدولة وكانت له الطائلة، فأقره على رسمه معروف الانقطاع والصاغية كثير الدالّة، مضطلعاً بالخطة خطّاً وإنشاء ولسناً ونقداً، فحسن منابه واشتهر فضله وظهرت مشاركته وحسنت وساطته، ووسع الناس تخلقه، وأرضى للسلطان حمله، وامتد في ميدان النظم والنثر باعه، فصدر عنه من المنظوم في أمداحه قصائد بعيدة الشأو في مدى الإجادة، وهو بحاله الموصوفة إلى هذا العهد، أعانه الله تعالى وسدده.
стр. 3832
شيوخه - قرأ العربية على الأستاذ رحلة المغرب في فنها أبي عبد الله ابن الفخار، ثمّ على القاضي الشريف إمام الفنون اللسانية أبي القاسم محمد بن أحمد الحسني، والفقه والعربية على الأستاذ المفتي أبي سعيد ابن لب، واختص بالفقيه الخطيب الصدر المحدث أبي عبد الله ابن مرزوق فأخذ عنه كثيراً من الرواية، ولقي القاضي الحافظ (١) أبا عبد الله المقّري عندما قدم على الأندلس وذاكره، وقرأ الأصول الفقهية على أبي علي منصور الزواوي، ويروي عن جملة منهم القاضي أبو البركات ابن الحاج، والمحدث أبو الحسين ابن التلمساني، والخطيب أبو عبد الله ابن اللوشي، والمقرىء أبو عبد الله ابن بيبش، وقرأ بعض الفنون العقلية بمدينة فاس على الشريف الرحلة الشهير أبي عبد الله العلّوني (٢) التلمساني، واختص به اختصاصاً لم يخل فيه من استفادة مران وحنكة في الصنعة.
شعره - وشعره مترام إلى هدف الإجادة، خفاجي النزعة، كلف بالمعاني البديعة والألفاظ الصقيلة، غزير المادة، فمن ذلك ما خاطبني به، وهو من أول ما نظمه قصيدة مطلعها:
أما وانصداع النور من مطلع الفجر ... وهي طويلة.
ومن بدائعه التي عقم عن مثلها قياس قيس، واشتهرت بالإحسان اشتهار الزهد بأويس (٣) ، ولم يحل مجاريه ومباريه إلاّ بويح وويس، قوله في إعذار الأمير ولد سلطانه المنوه بمكانه، وهي من الكلام الذي عنيت الإجادة بتذهيبه وتهذيبه، وناسب الحسن بين مديحه ونسيبه:
стр. 3833
معاذ الهوى أن أصحب القلب ساليا ... وأن يشغل اللوّام بالعذل باليا
دعاني أعط الحبّ فضل مقادتي ... ويقضي عليّ الوجد ما كان قاضيا
ودون الذي رام العواذل صبوة ... رمت بي في شعب الغرام المراميا
وقلب إذا ما البرق أومض موهناً ... قدحت به زنداً من الشوق واريا
خليليّ إني يوم طارقة النّوى ... شقيت بمن لو شاء أنعم باليا
والخيف يوم النفر يا أمّ مالك ... تخلّفت قلبي في حبالك عانيا
وذي أشرٍ عذب الثنايا مخصّرٍ ... يسقّي به ماء النّعيم الأقاحيا
أحوم عليه ما دجا الليل ساهراً ... وأصبح دون (١) الورد ظمآن صاديا
يضيء ظلام الليل ما بين أضلعي ... إذا البارق النجديّ وهناً بدا ليا
أجيرتنا بالرمل والرمل منزل ... مضى العيش فيه بالشبيبة حاليا
ولم أر ربعاً منه أقضى لبانة ... وأشجى حمامات، وأحلى مجانيا
سقت ظلّه الغرّ الغوادي ونظّمت ... من القطر في جيد الغصون لآليا
أبثّكم أني على النأي حافظ ... ذمام الهوى لو تحفظون ذماميا
أناشدكم والحر أوفى بعهده ... ولن يعدم الأحسان والخير جازيا
هل الود إلاّ ما تحاماه كاشحٌ ... وأخفق في مسعاه من جاء واشيا
تأوّبني واللّيل يذكي عيونه ... ويسحب من ذيل الدّجنّة ضافيا
وقد مثلت زهر النجوم بأفقه ... حباباً على نهر المجرّة طافيا
خيال على بعد المزار ألمّ بي ... فأذكرني من لم أكن عنه ساليا
عجبت له كيف اهتدى نحو مضجعي ... ولم يبق مني السقم والشّوق باقيا
رفعت له نار الصبابة فاهتدى ... وخاض لها عرض الدّجنّة ساريا
وممّا أجدّ الوجد سربٌ على النّقا ... سوانح يصقلن الطّلى والتراقيا
стр. 3834
نزعن عن الألحاظ كلّ مسدّد ... فغادرن أفلاذ القلوب دواميا
ولما تراءى السّرب قلت لصاحبي ... وأيقنت أنّ الحبّ ما عشت دانيا
حذارك من سقم الجفون فإنّه ... سيعدي بما يعيي الطلبيب المداويا
وإنّ أمير المسلمين محمداً ... ليعدي نداه الساريات الهواميا
تضيء النجوم الزاهرات خلاله ... وينفث في روع الزمان المعاليا
معال إذا ما النّجم صوّب طالباً ... مبالغها في العزّ حلّق وانيا
يسابق علويّ الرياح إلى النّدى ... ويفضح جدوى راحتيه الغواديا
ويغضي عن العوراء إغضاء قادر ... ويرجح في الحلم الجبال الرواسيا
همام يروع الأسد في حومة الوغى ... كما راعت الأسد الظباء الجوازيا
إذا استبق الأملاك يوماً لغاية ... أبيت وذاك المجد إلا التناهيا
بهرت فأخفيت الملوك وذكرها ... ولا عجب فالشمس تخفي الدراريا
جلوت ظلام الظلم من كلّ معتدٍ ... ولا غرو أن تجلو البدور الدياجيا
هديت سبيل الله من ضلّ رشده ... فلا زلت مهدياً إليه وهاديا
أفدت وحيّ الملك ممّا أفدته ... وطوّقت أشراف الملوك الأياديا
وكان أبو زيّان جيداً معطّلاً ... فزينته حتى اغتدى بك حاليا
لك الخير لم تقصد بما قد أفدته ... جزاء ولكن همّة هي ما هيا
فما تكبر الأملاك غيرك آمراً ... ولا ترهب الأشراف غيرك ناهيا
ولا تشتكي الأيام من داء فتنة ... فقد عرفت منك الطبيب المداويا
وأندلساً أوليت ما أنت أهله ... أوردتها ورداً من الأمن صافيا
تلافيت هذا الثغر وهو على شفاً ... وأصبحت من داء الحوادث شافيا
ومن بعد ما ساءت ظنون بأهلها ... وحاموا على ورد الأماني صواديا
стр. 3835
فما يأملون العيش إلاّ تعلّلاً ... ولا يعرفون الأمن إلاّ أمانيا
عطفت على الأيام عطفة راحمٍ ... وألبستها ثوب امتنانك ضافيا
فآنس من تلقائك الملك رشده ... ونال بك الإسلام ما كان راجيا
فرأيٌ كما اشنقّ الصباح، وعزمة ... كما صقل القين الحسام اليماناي
وكانت رماح الخطّ خمصاً ذوابلاً ... فأنهلت منها في الدماء صواديا
وأوردت صفح السيف أبيض ناصعاً ... فأصدرته في الروع أحمر قانيا
لك العزم تستجلي الخطوب بهديه ... ويلفى إذا تنبو الصوارم ماضيا
إذا أنت لم تفخر بما أنت أهله ... فما الصبح وضّاح المشارق عاليا
ويهنيك دون العيد عيد شرعته ... نبث به في الخافقين التهانيا
أقمت به من فطرة الدين سنّة ... وجددت من رسم الهداية عافيا
صنيع تولّى الله تشييد فخره ... وكان لما أوليت فيه مجازيا
تودّ النجوم الزهر لو مثلت به ... وقضّت من الزلفى إليك الأمانيا
ومازال وجه اليوم بالشمس مشرقاً ... سروراً به والليل بالشهب حاليا
على مثله فليعقد الفخر تاجه ... ويسمو به فوق النجوم مراقيا
به تغمر الأنواء كلّ مفوّه ... ويحدو به من كان بالقفر ساريا
ويوسف فيه بالجمال مقنّع ... كأنّ له من كل قلب مناجيا
وأقبل ما شاب الحياء مهابةً ... يقلّب وجه البدر أزهر باهيا
وأقدم لا هيّابة الحفل واجماً ... ولا قاصراً فيه الخطا متوانيا
شمائل فيه من أبيه وجدّه ... ترى العزّ فيها مستكنّاً وباديا
فيا علقاً أشجى القلوب لو أنّنا ... فديناك بالأعلاق ما كنت غاليا
جريت فأجريت الدموع تعطّفاً ... وأطلعت فيها للسرور نواشيا
وكم من وليٍّ دون بابك مخلصٍ ... يفدّيه بالنّفس النفيسة واقيا
стр. 3836
وصيدٍ من الحيّين أبناء قيلةٍ ... تكفّ الأعادي أو تبيد الأعاديا
بها ليلُ غرٌّ إن أعدّوا لغارة ... أعادوا صباح الحيّ أظلم داجيا
فوالله لولا أن توخيت سنّةً ... رضيت بها أن كان ربّك راضيا
لكان بها للأعوجيّات جولة ... تشيب من الغلب الشباب النواصيا
وتترك أوصال الوشيج مقصدّاً ... وبيض الظّبي حمر المنون دواميا
ولمّا قضى من سنّة الله ما قضى ... وقد حسدت منه النجوم المساعيا
أفضنا نهنّي منك أكرم منعم ... أبى لعميم الجود إلاّ تواليا
فيهني صفاح الهند والبأس والندى ... وسمر العوالي والعتاق المذاكيا
ويهني البنود الخافقات فإنّها ... سيعقدها في ذمّة النصر غازيا
كأنّي به يشقي الصوارم والظّبي ... ويحطم في اللأم الصلاب العواليا
كأني به قد توّج الملك يافعاً ... وجمّع أشتات المكارم ناشيا
وقضّى حقوق الفخر في ميعة الصِّبا ... وأحسن من دين الكمال التقاضيا
وما هو إلآّ السعد إن رمت مطلعاً ... وسدّدت سهماً كان ربّك راميا
فلا زلت يا فخر الخلافة كافلاً ... ولا زلت يا خير الأئمّة كافيا
ودمت قرير العين منه بغبطة ... وكان له رب البريّة واقيا
نظمت له حرّ الكلام تمائماً ... جعلت مكان الدرّ فيها القوافيا
لآلٍ بها تبأى (١) الملوك نفاسةً ... وجلّت لعمري أن تكون لآليا
أرى المال يرميه الجديدان بالبلى ... وما إن أرى إلاّ المحامد باقيا وورد على السلطان أبي سالم ملك المغرب رحمة الله تعالى عليه وفد الأحابيش بهدية من ملك السودان، ومن جملتها الحيوان الغريب المسمّى بالزرافة، فأمر من يعاني الشعر من الكتّاب بالنظم في ذلك الغرض، فقال وهي من بدائعه:
стр. 3837
لولا تألق بارق التذكار ... ما صاب واكف دمعي المدرار
لكنّه مهما تعرّض خافقاً ... قدحت يد الأشواق زند أواري
وعلى المشوق إذا تذكّر معهداً ... أن يغري الجفان باستعبار
أمذكّري غرناطةً حلّت بها ... أيدي السحاب أزرّة النوّار
كيف التخلّص للحديث وبيننا (١) ... عرض الفلاة وطافح الزّخّار
هذا على أنّ التغرّب مركبي ... وتولّج الفيح الفساح (٢) شعاري
فلكم أقمت غداة زمّت عيسهم ... أبغي القرار ولات حين قرار
وطفقت أستقري المنازل بعدهم ... يمحو البكاء مواقع الآثار
إنّا بني الآمال تخدعنا المنى ... فنخادع الآمال بالتسيار
نتجشم الأهوال في طلب العلا ... ونروع سرب النوم بالأفكار
لا يحرز المجد الخطير سوى امرىءٍ ... يمطي (٣) العزائم صهوة الأخطار
إمّا يفاخر بالعتاد ففخره ... بالمشرفيّة والقنا الخطّار
مستبصر مرمى العواقب واصل ... في حمله (٤) الإيراد بالإصدار
فأشدّ ما قاد الجهول إلى الردى ... عمه البصائر لا عمى الأبصار
ولربّ مربدّ الجوانح مزبد ... سبح الهلال بلجّه الزخّار
فتقت كمائم جنحه عن أنجمٍ ... سفرت زواهرهنّ عن أزهار
مثلت على شاطي المجرّة نرجساً ... تصطف منه على خليج جاري
وكأنّما بدر التمام بجنحه ... وجه الإمام بجحفلٍ جرّار
وكأنّما خمس الثريّا راحة ... ذرعت مسير الليل بالأشبار
أسرجت من عزمي مصابيحاً بها ... تهدي السراة لها من الأقطار
стр. 3838
وارتاع من بازي الصباح غرابه ... لمّا أطلّ فطار كلّ مطار ومنها:
وغريبةٍ قطعت إليك على الونى ... بيداً تبيد بها هموم الساري
تنسيه طيّته التي قد أمّها ... والركب فيها ميّت الأخبار
يقتادها من كلّ مشتمل الدجى ... وكأنّما عيناه جذوة نار
تشدو بحمد المستعين حداتها ... يتعلّلون به على الأكوار
إن مسّهم لفح الهجير أبلّهم ... منه نسيم ثنائك المعطار
خاضوا بها لجج الفلا فتخلّصت ... منها خلوص البدر بعد سرار
سلمت بسعدك من غوائل مثلها ... وكفى بسعدك حامياً لذمار
وأتتك يا ملك الزمان غريبة ... قيد النواظر نزهة الأبصار
موشيّة الأعطاف رائقة الحلى ... رقمت بدائعها يد الأقدار
راق العيون أديمها فكأنه ... روض تفتّح عن شقيق بهار
ما بين مبيضٍّ وأصفر فاقعٍ ... سال اللجين به خلال نضار
يحكي حدائق نرجس في شاهق ... تنساب فيه أراقم الأنهار
تحدو (١) قوائم كالجذوع وفوقها ... جبل أشم بنوره متوار
وسمت بجيدٍ مثل جذع مائل ... سهل التعطف ليّن خوّار
تستشرف الجدران منه ترائباً ... فكأنّما هو قائم بمنار
تاهت بكلكلها وأتلع جيدها ... ومشى بها الإعجاب مشي وقار
خرجوا لها الجمّ الغفير، وكلهم ... متعجب من لطف صنع الباري
كلٌّ يقول لصحبه قوموا انظروا ... كيف الجبال تقاد بالأسيار
ألقت ببابك رحلها ولطالما ... ألقى الغريب به عصا التسيار
علمت ملوك الأرض أنك فخرها ... فتسابقت لرضاك في مضمار
стр. 3839
يتبوأون به وإن بعد المدى ... من جاهك الأعلى أعزّ جوار
فارفع لواء الفخر غير مدافعٍ ... واسحب ذيول العسكر الجرّار
واهنأ بأعياد الفتوح مخوّلاً ... ما شئت من نصر ومن أنصار
وإليكها من روض فكري نفحةً ... شفّ الثناء بها على الأزهار
في فصل منطقها ورائق رسمها ... مستمتع الأسماع والأبصار
وتميل من أصغى لها فكأنّني ... عاطيته منها كؤوس عقار وأنشد السلطان في ليلة ميلاد رسول الله ﷺ عقب ما فرغ من البنية الشهيرة ببابه رحمه الله تعالى:
تأمّل أطلال الهوى فتألّما ... وسيما الجوى والسقم منها تعلّما
أخو زفرة هاجت له نار ذكرة ... فأنجد في شعب الغرام وأتهما وسرد لسان الدين هذه القصيدة بطولها، وهي تقارب التسعين بيتاً، ثم ق ما نصه: وأنشد السلطان في وجهه للصيد أعملها، وأطلق أعنّة الجياد في ميادين ذلك الطراد وأرسلها، قوله:
حيّاك يا دار الهوى من دار ... نوء السّماك بديمةٍ مدرار
وأعاد وجه رباك طلقاً مشرقاً ... متضاحكاً بمباسم النوّار
أمذكّري دار الصبابة والهوى ... حيث الشباب يرفُّ غصن (١) نضار
عاطيتني عنها الحديث كأنّما ... عاطيتني عنها كؤوس عقار
إيه وإن أذكيت نار صبابتي ... وقدحت زند الشوق بالتذكار
يا زاجر الأظعان وهي مشوقة ... أشبهتها في زفرة وأوار
حنّت إلى نجد وليست دارها ... وصبت إلى هنديّه والغار
شاقت به برق الحمى واعتادها ... طيف الكرى بمزارها المزوار (٢)
стр. 3840
هل تبلغ الحاجات إن حمّلتها ... إنّ الوفاء سجيّة الأحرار
عرّ بذكري في الخيام وقل ... إذا جئت العقيق مبلّغ الأوطار
عار بقومك يا ابنة الحبين أن ... تلوي الديون وأنت ذات يسار
أمنعت ميسور الكلام أخا الهوى ... وبخلت حتى بالخيال الساري
وأبان جاري الدمع عذر هيامه ... لكن أضعت له حقوق (١) الجار
هذا وقومك ما علمت خلالهم ... أوفى الكرام بذمةٍ وجوار
الله في نفس شعاع كلّما ... هبّ النسيم تطير كلّ مطار
بالله يا لمياء ما منع الصَّبا ... أن لا تهبّ بعرفك المعطار
يا بنت من تشدو الحداة بذكره ... متعلّلين به على الأكوار
ما ضرّ نسمة حاجرٍ لو أنها ... أهدت لنا خبراً من الأخبار
هل بانُهُ من بعدنا متأوّد ... متجاوبٌ مترنّمُ الأطيار
وهل الظباء الآنسات كعهدنا (٢) ... يصرعن أسد الغاب وهي ضوار
يفتكن من قاماتها ولحاظها ... بالمشرفيّة والقنا الخطّار
أشعرت قلبي حبّهنّ صبابةً ... فرمينني من لوعتي بجمار
وعلى الكثيب سوانح حمر الحلي ... بيض الوجوه يصدن بالأفكار
أدنى الحجيج مزارهنّ ثلاثةً ... بمنى لو أنّ منىً ديار (٣) قرار
لكنّ يوم النّفر جدن لنا بما ... عوّدننا من جفوةٍ ونفار
يا ابن الألى قد أحرزوا خصل (٤) العلا ... وسموا بطيب أرومةٍ ونجار
وتنوب عن صوب الغمام أكفهم ... وتنوب أوجههم عن الأقمار
من آل سعد رافعي علم الهدى ... والمصطفين لنصرة المختار
стр. 3841
أصبحت وارث مجدهم وفخارهم ... ومشرّف الأعصار والأمصار
وجهٌ كما حسر الصباح نقابه ... ويد تمدّ أناملاً ببحار
جدّدت دون الدين عزمة أروعٍ ... جدّدت منها سنّة الأنصار
حطت البلاد ومن حوته ثغورها ... وكفى بسعدك حامياً لذمار
لله رحلتك التي نلنا بها ... أجر الجهاد ونزهة الأبصار
أوردتنا فيها لجودك مورداً ... مستعذب الإيراد والإصدار
وأفضت فينا من نداك مواهباً ... حسنت مواقعها على التكرار
أضحكت ثغر الثغر لمّا جئته ... وخصصته بخصائص الإيثار
حتى الفلاة تقيم يوم وردتها ... سنن القرى بثلاثة الأثوار (١)
وسرت عقاب الجوّ تهديك الذي ... تصطاد من وحش ومن أطيار
والأرض تعلم أنك الغوث الذي ... تضفي عليها واقي الأستار
همل المسارح لا يراع قيصه ... إلاّ لنبأة فارس مغوار
سرحت عنان الريح فيه وربما ... ألقت بساحته عصا التسيار
باكرته والأفق قد خلع الدجى ... مسحاً ليلبس حلّة الإسفار
وجرى به نهر النهار كمثل ما ... سكب النديم سلافةً من قار
عرضت به المستنفرات (٢) كأنها ... خيل عراب جلن في مضمار
أتبعتها غرر الجياد كواكباً ... تنقض رجماً في سماء غبار
والهاديات يؤمّها عبل الشّوى (٣) ... متدفّق كتدفّق التيّار
стр. 3842
أزجيتها شقراء رائقة الحلى ... فرميته منها بشعلة نار
أثبتّ فيه الرمح ثمّ تركته ... خضب الجوانح بالدم الموّار
حامت عليه الذابلات كأنّها ... طير أوت منه إلى أوكار
طفقت أرانبه غداة أثرتها ... تبغي الفرار ولات حين فرار
هل ينفع الباع الطويل وقد غدت ... يوم الطّراد قصيرة الأعمار
من كلّ منحفزٍ بلمحة بارق ... فاتت خطاه مدارك الأبصار
وجوارحٍ سبقت إليه طلابها ... فكأنّما طالبنه بالثّار
سود وبيض في الطّراد تتابعت ... كالليل طارده بياض نهار
ترمي بها وهي الحنايا ضمّراً ... مثل السهام نزعن عن أوتار
ظنّت بأن ينجو لها، كلاّ ولو ... أغريته بأرانب الأقمار
وبكل فتخاء الجناح إذا ارتمت ... فكأنها نجم السماء السّاري
زجل الجناح مصفق كمن الردى ... في مخلبٍ منه وفي منقار
أجلى الطريد من الوحوش وإن رمى ... طيراً أتاك به على مقدار
وأريتنا الكسب الذي أعداده ... ملأت جمالاً أعين النّظّار
بيض وصفر خلت مطرح سرحها ... روضاً تفتّح عن شقيق بهار
من كلّ موشيّ الأديم مفوّفٍ ... رقمت بدائعه يد الأقدار
خلط البياض بصفرة في لونه ... فترى اللّجين يشوب ذوب نضار
أو أشعلٍ راق العيون كأنّه ... غلس يخالط سدفةً بنهار
سرحت بمخضرّ الجوانب يانعٍ ... تنساب فيه أراقم الأنهار
قد أرضعته الساريات لبانها ... وحللن فيه أزرّة النوّار
أخذت سعودك حذرها فلحكمةٍ ... أغرت جفون المزن باستعبار
لما أرتك الشمس صفرة حاسدٍ ... لجبينك المتألّق الأنوار
نفثت عليك السحب نفث معوّذ ... من عينها المتوقّع الإضرار
فارفع لواء الفخر غير مدافع ... واسحب ذيول العسكر الجرّار
стр. 3843
واهنأ بمقدمك السعيد مخوّلاً ... ما شئت من عزٍّ ومن أنصار
قد جئت دارك محسناً ومؤمّلاً ... متّعت بالحسنى وعقبى الدار
وإليكها من روض فكري نفحةً ... شفّ الثناء بها على الأزهار ومن شعره في غير المطولات قوله (١) :
لقد زادني وجداً وأغرى بي الجوى ... ذبالٌ بأذيال الظلام قد التفتا
تشير وراء الليل منه بنانة ... مخضّبة والليل قد حجب الكفّا
تلوح سناناً حين لا تنفح الصّبا ... وتبدي (٢) سواراً حين تثني له العطفاي
قطعت به ليلاً يطارحني الجوى ... فآونةً يبدو وآونة يخفى
إذا قلت لا يبدو أشال لسانه ... وإن قلت لا يخفى الضياء به كفّا
إلى أن أفاق الصبح من غمرة الدجى ... وأهدى نسيم الروض من طيبه عرفا
لك الله يا مصباح أشبهت مهجتي ... وقد شفّها من لوعة الحبّ ما شفّا وممّا ثبت له صدر رسالة:
أزور بقلبي معهد الأنس والهوى ... وأنهب من أيدي النسيم رسائلا
ومهما سألت البرق يهفو من الحمى ... يبادره دمعي مجيباً وسائلا
فيا ليت شعري والأماني تعلّلٌ ... أيرعى لي الحيّ الكرام الوسائلا
وهل جيرتي الأولى كما قد عهدتهم ... يوالون بالإحسان من جاء سائلا ومن أبياته الغراميات:
قيادي قد تملّكه الغرام ... ووجدي لا يطاق ولا يرام
ودمعي دونه صوب الغوادي ... وشجوي فوق ما يشكو الحمام
стр. 3844
إذا ما الوجد لم يبرح فؤادي ... على الدنيا وساكنها السلام وفي غرض يظهر من الأبيات:
ومشتمل بالحسن أحوى مهفهف ... قضى رجع طرفي من محاسنه الوطر
فأبصرت أشباه الرياض محاسناً ... وفي خدّه جرح بدا منه لي أثر
فقلت لجلاّسي خذوا الحذر إنما ... به وصبٌ من أسهم الغنج والحور
ويا وجنةً قد جاورت سيف لحظه ... ومن شأنها تدمى من اللمح بالبصر
تخيّل للعينين جرحاً وإنما ... بدا كلفٌ منه على صفحة القمر وممّا يرجع إلى باب الفخر، ولعمري لقد صدق:
ألائمةً في الجود والجود شيمة ... جبلت على إيثارها يوم مولدي
ذريني فلو أنّي أُخلّد بالغنى ... لكنتُ ضنيناً بالذي ملكت يدي وقال:
لقد علم الله أني امرؤ ... أجرّر ذيل العفاف القشيب
فكم غمّض الدهر أجفانه ... وفازت قداحي بوصل الحبيب
وقيل رقيبك في غفلةٍ ... فقلت أخاف الإله الرقيب وفي مدح كتاب " الشفاء " [وقد] طلبه الفقيه أبو عبد الله ابن مرزوق عندما شرع في شرحه:
ومسرى ركاب للصّبا قد ونت به ... نجائب سحب للتراب نزوعها
تسلُّ سيوف البرق أيدي حداتها ... فتنهل خوفاً من سطاها دموعها
تعرّضن غرباً يبتغين معرّساً ... فقلت لها: مرّاكشٌ وربوعها
لتسقي أجداثاً بها وضرائحاً ... عياضٌ إلى يوم المعاد ضجيعها
стр. 3845
وأجدر من تبكي عليه يراعةٌ ... بصفحة طرس، والمداد نجيعها
فكم من يدٍ في الدين قد سلفت له ... يرضّي رسول الله عنه صنيعها
ولا مثل تعريف الشفاء حقوقه ... فقد بان فيه للعقول جميعها
بمرآة حسنٍ قد جلتها يدُ النّهى ... فأوصافه يلتاح فيه بديعها
نجوم اهتداء، والمداد يجنّها ... وأسرار غيبٍ، واليراع تذيعها
لقد حزت فضلاً يا أبا الفضل شاملاً ... فيجزيك عن نصح البرايا شفيعها
ولله ممّن قد تصدّى لشرحه ... فلبّاه من غرّ المعاني مطيعها
فكم مجملٍ فصّلتَ منه وحكمةٍ ... إذا كتم الإدماج منه تشيعها
محاسن والإحسان يبدو خلالها ... كما افترّ عن زهر البطاح ربيعها
إذا ما أجلت العين فيها تخالها ... نجوماً بآفاق الطروس طلوعها
معانيه كالماء الزلال لذي صدىً ... وألفاظه درٌّ يروّي نصيعها
رياضٌ سقاها الفكر صوب ذكائه ... فأخصب للورّاد منها مريعها
تفجّر عن عين اليقين زلالها ... فلذ لأرباب الخلوص شروعها
ألا يا ابن جار الله يا ابن وليّه ... لأنت إذا عدّ الكرام رفيعها
إذا ما أصول المرء طابت أرومة ... فلا عجب أن أشبهتها فروعها
بقيت لأعلام الزمان تنيلها ... هدىً، ولأحداث الخطوب تروعها مولده رابع عشر شوال من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة؛ انتهى كلام لسان الدين في الإحاطة في تعليقات ابن لسان الدين على ترجمة ابن مزدك ترجمة تلميذه أبي عبد الله ابن زمرك.
قلت: ورأيت بخط أبي الحسن علي بن لسان الدين - رحمهما الله تعالى - على هامش هذه الترجمة من الإحاطة كلاماً في حق ابن زمرك رأيت أن أذكره بجملته الآن، وإن تقدم بعضه في هذا الكتاب:
فمن ذلك أنه كتب على حاشية أول الترجمة ما صورته: أتبعه الله تعالى خزياً، وعامله بما يستحقه، فبهذا ترجمه والدي مولاه الذي رفع من قدره فيه، ولم
стр. 3846
يقتله أحد غيره، كفانا الله تعالى شر من أحسنّا إليه؛ انتهى.
وكتب على قوله نشأ عفّاً طاهراً - إلى آخره ما نصه: هذا الوغد ابن زمرك من شياطين الكتّاب، ابن حداد بالبيازين، قتل أباه بيده، أوجعه ضرباً فمات من ذلك، وهو أخس عباد الله تربية، وأحقرهم صورة وأخملهم شكلاً، استعمله أبي في الكتابة السلطانية، فجنينا أيام تحولنا عن الأندلس منه كل شر، وهو كان السبب في قتل أبي مصنف هذا الكتاب الذي رباه وأدبه واستخدمه، حسبما هو معروف، وكفانا الله تعالى شر من أحسنّا إليه وأساء إلينا؛ انتهى.
وكتل على قول والده فترقى إلى الكتابة - إلى آخره ما صورته: على يد سيدي أبي عبد الله ابن مرزوق، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله؛ انتهى.
وكتب على قول معاذ الهوى أن أصحب القلب ساليا - إلى آخره ما نصه: هذه القصيدة نظم له مولاي الوالد تغمّده الله تعالى برحمته منها النسيب كله، وهكذا جرت عادته معه في الأمداح السلطانية حضرة الملك (١) ، والله المطلع على ذلك، قاله ابن المصنف علي بن الخطيب؛ انتهى.
وكتب على قوله لولا تألّق بارق التذكار - إلى آخره ما صورته: هذا الرجس الشيطان كثيراً ما ينظم في هذا الوزن، ويتبع حمارة هذه الراء، حتى لا يتركها جملة، إذ الرجل ابن حمّار مكاري حداد، فالنفس تميل بالطبع؛ انتهى.
وكتب على قوله حيّاك يا دار الهوى من دار - إلى آخره ما صورته: انظر إلى كثرة تحريكه لحمارة هذه الراء، علقت له بها ما لخوليا؛ انتهى.
وكتب على قوله وجوارح سبقت إليه طلابها إلى آخره ما صورته: سرق طردية إبراهيم بن خفاجة، فانظرها تجده سرق المعاني والألفاظ، مع أن
стр. 3847
والدي نظم له أكثرها على حسب عادته معه، قاله علي بن الخطيب؛ انتهى.
وكتب على قوله يا مصباح ما نصه: كان يحب صبيّاً اسمه مصباح، وهو الآن مجنون العقل بتونس يحترف بالحياكة؛ انتهى.
وكتب على قوله ألائمتي في الجود - إلى آخره ما صورته: كذبت يا نجس، من أين الفخر لك أو لبيتك لست والله من الجود في شيء، نعم سخنة عين الجود؛ انتهى.
وكتب على قوله لقد علم الله أني امرؤ - إلى آخره ما معناه: لا والله، فأنت مشهور بكذا، يا قرد، فمن أين العفاف وأنت بالأندلس كذا وكذا إلى أن قال: وأنحسهم بيتاً؛ قاله مولاك الذي ربيت في نعمته ونعمة الله علي بن الخطيب بالقاهرة؛ انتهى.
وقد نسبه إلى ما لا يليق، فالله أعلم بحقيقة الأمر.
وكتب غيره على قول ابن زمرك أزور بقلبي - الأبيات المتقدمة عند قوله سائلاً في موضعين: هما من السؤال، فحصل على الإيطاء المذموم؛ انتهى.
قلت: أما ما ذكره ابن لسان الدين من أن أباه كان ينظم لابن زمرك فذلك والله أعلم كان في ابتداء أمره، وإلا فقد جاء ابن زمرك في آخر أيام لسان الدين وبعد موته بالبدائع التي لا تنكر، كما سنذكره، وأما كونه سعى في قتل لسان الدين مع إحسانه إليه فقد جوزي من جنس عمله، وقتل بمرأى من أهله ومسمع، وأزهقت معه روح ابنيه، حسبما نذكره، وهذا قصاص الدنيا، وعفو الله تعالى في الآخرة منتظر للجميع.
ولنذكر ترجمة ابن زمرك من كلام ابن السلطان ابن الأحمر في مجلد ضخم رأيته بالمغرب جمع فيه شعر ابن زمرك وموشحاته، وعرّف به في أوله، إذ ق ما نصه: أما بعد ما يجب من حمد الله تعالى في كل حال، وشكره على ما
стр. 3848
أولى ويسر من صلاح الأحوال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صفوة الأنبياء وسيد الأرسال (١) ، والرضى عمّن له من صحبٍ وأنصار وآل، فإن من المعلوم أن الأدب له بالنفس علاقة تؤديه إلى الاستحسان، وتؤثر من اشتهر به بالملاحظة بلحظ الحظ مع تعاقب الأحيان، ولا خفاء أن أيام مولانا الجد المقدس الغني بالله - تولاّه الله تعالى برضوانه - كانت غرراً في وجوه الأيام، ومواسم تجمع الطّم والرّم من الرؤساء الأعلام، الآخذين بأعنّة الكلام، السابقين في حلبة النثار والنظام، وأن الفقيه الرئيس المدرك، الناظم الناثر أبا عبد الله محمد بن يوسف ابن زمرك، عفا الله تعالى عنه، وحسبك بمن ارتضاه مولانا الجد رحمه الله تعالى لكتابته، وصرّفه في الوجوه المتعددة من رسالته وحجابته، وكان بذلك خليقاً، لما جمع من أدوات الكمال علماً وتحقيقاً، وإدراكاً ونبلاً وفقهاً وأصولاً وفروعاً وأدباً وتحصيلاً، وبياناً وتفسيراً ونظماً وترسيلاً - لما كان قد أخفت الأيام سنا صبحه، وخابت وسائل نصحه، وعادت بعدوانها بعد فوز قدحه، وعثر بين أقدام أقوام لا يعرفون أيّ ذخر فقدوا، ولا أيّ مطلق من تصريفاته الجميلة قيدوا، مستبصرين بالجهل في دياجي غيّهم، معجبين بما ارتكبوه من جياد بغيهم جميعهم يلحظه بمقل دامية، وألفاظ حامية، يصابحونه بأوجهٍ خلت عن الوجاهة سيماها الحسد، وضميرها السخط بما قدره الواحد الصمد:
فخرّ على الألاءة لم يوسّد ... كأنّ جبينه سيف صقيل (٢) فيا لله من أشلاء هنالك ضائعة، وأعلاق غير مصونة، ووسائل مخفورة، وأذمّة قطعت أرحامها، ولم يرع ذمامها، وعاثت الأيدي الفاتكة حينئذ على بنيه، وارتكبوها شنعاء في أهله وذويه:
стр. 3849
هل كان إلاّ حياً تحيا العباد به ... هل كان إلاّ قذىً في عين ذي عور
إن قال قولاً ترى الأبصار خاشعةً ... لما يخبّر من وحيٍ ومن أثر
يا لهف قلبي لو قد كنت حاضره ... غداة جرّعه أدهى من الصبر
لما تركت له شلواً بمضيعة ... ولا تولّى صريع الناب والظّفر
وكان ما كان ممّا لست أذكره ... فظنّ خيراً ولا تسأل عن الخبر وإن سأل سائلٌ عن الخبر الذي ألمعنا بذكره، وضمّنّا هذا البيت ذرواً (١) من فظيع أمره، فذلك عندما نسب صاحب الأمر إليه ما راب، وتلّه وابنيه للجبين معفّرين بالتراب، وصدمه في جنح الليل والمصحف بين يديه يتوسل بآياته، ويتشفّع بعظيم بركاته، فأخذته السيوف، وتعاورته الحتوف، وأذهبه سليباً قتيلاً، مصيّراً مصراع منزله كثيباً مهيلاً، وكنا على بعد من هذه الآزفة التي أورثت القلوب شجناً طويلاً، وذكّرتنا بعناية مولانا الجد الغني بالله لجانبه أعظم ذكرى، فأغرينا برثائة خلداً وفكرا، وارتجلنا عند ذكره الآن هذه الأبيات إشارةً مقنعة، وكناية في السلوان مطمعة، وأرضينا بالشفقة أو داءه، وأرغمنا بتأبينه أعداءه، ولما تبلج الصبح لذي عينين، وتلقينا راية الفرج بالراحتين، عطفتنا على أبنائه عواطف الشفقة، وأطلقنا لهم ما عاثت الأيدي عليه صلةً لرحمٍ طالما أضاعها من جهل الأذمّة، وأخفر عهود تخدّمه لمن سلف من الأئمة، وصرفنا للبحث والتفتيش وجوه آمالنا، وجعلنا ضمّ ما نثرته الحوادث من منظوماته من أكيد أعمالنا، وكان تعلّق بمحفوظنا جملة وافرة من كلامه، مشتملة على ما راق وحسن من نثاره ونظامه، فأضفنا ذلك إلى ما وقع عليه اجتهادنا من رقاعه الحائلة المنتهبة بأيدي النوائب، الدائرة المستلبة بتعدي النواصب، فخلص من الجملة قلائد عقيان، وعقود در ومرجان، ترتاح
стр. 3850
النفوس النفيسة لإنشادها، وتحضر الأبصار والأسماع (١) عند إيرادها، إلى ما يتخللها من تخليد مآثر سلفنا، والإشارة بعظيم ملكنا، فشرعنا في تقييد أوابدها الشاردة، وإحياء رسومها البائدة، كلفاً بالأدب لوضوح فضله، وتأدية لما يجب من رعاية أهله. ولنبدأ بالتعريف بحال هذا الرئيس المنبه عليه، ونظهر ما كنا نضمره من الميل إليه، في كل ما له أو عليه، فنقول:
هو الفقيه الكاتب الفذ الأوحد، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن يوسف الصريحي، ويعرف بابن زمرك.
أصله من شرق الأندلس، وسكن سلفه بالبيازين من غرناطة، وبها ولد، فنشأ ضئيلاً كالشهاب يتوقّد، مختصر الجرم والأعين بإطالة فواضله تشهد، ومكتب الفئة القرآنية يؤثره بالجناب الممهد، فاشتغل أول نشأته بطلب العلم والدؤوب على القراءة، وأخذ نفسه بملازمة حلقات التدريس، ولم يبلغ حد وجوب المفترضات إلاّ وهو متحمل الرواية، وملتمس لفوائد الدراية، ومصابح كل يوم أعلام العلوم، ومستمدّ بمصابيح الحدود العلمية والرسوم، فافتتح أبواب الكتب النحوية بالإمام أبي عبد الله ابن الفخار الآية الكبرى في فنّ العربية، وتردد الأعوام العديدة إلى قاضي الجماعة أبي القاسم الشريف فأحسن الإصغاء، وبذ النحاة البلغاء، بما أوجب رثاءه (٢) عند الوقوف على ضريحه بالقصيدة الفريدة التي أولها:
أغرى سراة الحيّ بالإطراق ... واهتدى في طريق الخطبة ومناهج الصوفية بالخطيب المعظم أبي عبد الله ابن مرزوق الوافد على مولانا الجدّ أبي الحجاج، رضي الله تعالى عنه، في عام ثلاثة
стр. 3851
وخمسين وسبعمائة، وإليه جنح، وإياه قصد عند تغربه إلى المغرب في دولة السلطان أبي سالم، فتوجه بالعمامة التي ارتجل بين يديه فيها:
توّجتني بعمامه ... توّجت تاج الكرامه
فروض حمدك يزهى ... مني بسجع الحمامه وأخذ علم الأصلين عن الحافظ الناقد أبي علي منصور الزواوي، وبرع في الأدب أثناء الانقطاع وأوّل الطلب لأبي عبد الله ابن الخطيب، ولكن لم يحمد بينهما المآل، واقتدى في العلوم العقلية بالشريف أبي عبد الله التلمساني قدوة الزمان، وحصلت له الإجازة والتحديث بقاضي الجماعة وشيخ الجملة أبي البركات ابن الحاج وبالخطيب البليغ أبي عبد الله اللوشي، وبالخطيب الورع أبي عبد الله ابن بيبش (١) العبدري، رضي الله تعالى عنه وعن جميعهم، وبواجب محافظتنا على عهدهم، إذ نحن وردنا بالإجازة التامة عذب وردهم، وصل سبينا بهم الكثير من شيوخنا مثل الإمام المعظم أبي محمد عبد الله بن جزي، ومعلمنا الثقة المجتهد أبي عبد الله الشريشي، والقاضي الإمام أبي عبد الله محمد بن علي بن علاق، وغيرهم، رحمة الله تعالى عليهم، لذلك صار صدراً في نوادي طلبة الأندلس وأفراد نجبائها، فما شاءه المحاضر يجده في خضله (٢) ، ويتلقاه من باهر فضله، فكاهة ومجالسة أنيقة ممتعة ومحادثة أريضة مزهرة، وجواباً مطبقاً للمفصل (٣) ، وذهناً سابقاً لإيضاح المشكل، مع انقياد الطبع، وإرسال الدمعة في سبيل الخشوع والرقة، ورشح الجبين عند تلقّي الموعظة، وصون الوجه بجلباب الحياء، ومقابلة الناظر إليه بالاحتشام والمبادرة للاستدعاء، على طهارة وبذل وسع وكرم نفس، لم يعهد أجمعل مشاركة منه لإخوانه، ولا أمتع منه بجاهه، إلى مبالغة في الهشّة
стр. 3852
والمبرّة والإيثار بما منح، وجنوحٍ إلى حبّ الصالحين، وذلك بالانضواء إلى شيخ الفرق الصوفية الولي أبي جعفر ابن الزيات، وأخيه الفاضل الناسك شيخنا أبي مهديّ، قدس الله تعالى مغناه، وسواهما من أهل الاندلس والعدوة، وحمله أشد الحمل على كل ملبّس (١) كأبي زكريا البرغواطي وسواه. ومن تنديراته - زعموا - على أبي الحسن المحروق لميله عنه:
ولد الفقر والرباط ولكن ... نفسه للسلوك ذات افتقار وخطب الأدب يافعاً وكهلاً، وحاز علمه إدراكاً ونهلاً، ولما كانت الحادثة على مولانا الجد - رحمه الله تعالى - واجتاز إلى المغرب كما تقرر في غير هذا، كلف به وأنس إليه، لحلاوة منطق ورفع استيحاش ومراوضة خلق، ثمّ كرّ في صحبة ركابه فعلت منزلته ولطف محله.
وقفنا على رقعة من رقاعه وهو يبدىء فيها ويعيد، ويقول: خدمته سبعاً وثلاثين سنة: ثلاثاً بالمغرب، وباقيها بالأندلس، أنشدته فيها ستّاً وستين قصيدة في ستة وستين عيداً، وكلّ ما في منازله السعيدة من القصر والرياض والدشار (٢) والسبيكة من نظم رائق، ومدح فائق، في القباب والطاقات والطرز وغير ذلك فهو لي، وكنت أواكله وأواكل ابنه مولاي أبا الحجاج، وهما كبيراً ملوك أهل الأرض، وهنأته بكذا وكذا قصيدة، وفوّض لي في عقد الصلح بين الملوك بالعدوتين، وصلح النصارى عقدته تسع مرات، ألخسّة فوّض إليّ ذلك
قلنا: صدق في جميع ما ذكره، والعقود بذلك شاهدة له. وخصّه عام ثلاثة وسبعين بكتابة سره، واستعمله بعد أعوام في السفارة بينه وبين ملوك عصره، فحمد منابه، ونمت أحواله ورغد جنابه، وكان هنالك بعض تقوّلات تشين
стр. 3853
وجه اجتهاده، وتومىء بما احتقبه من سوء مقاصده وماصرفه من قبيح أغراضه، وهاجت الفتنة، فكانت سفارته أعظم أسبابها.
وعند الأشدّ من عمره عرضت لأفكاره تقلبات، وأقعدته عن قداح السياسة آفات مختلفات، وأشعرته حدة ذهنه أن يتخبط (١) في أشراك وقعات، فقعد بجامع مالقة ثمّ بمسجد الحمراء ملقياً على الكرسي فنوناً جمة، وعلوماً لم يزل يتلقاها عن أولياء التعظيم والتجلة، فانحاز إلى مادة (٢) أمم بمالقة طما منهم البحر، وتراءى لأبصارهم وبصائرهم الفخر، وكان التفسير أغلب عليه لفرط ذكائه، وما كان قيده وحصله أيام قراءته وإقرائه، فما شئت من بيان، وإعجاز قرآن، وآيات توحيد وإخلاص، ومناهج صوفية تؤذن بالخلاص، يوم الأخذ بالنواص، ومراراً عدة سمع ما يلقيه وليّ الأمر، ويا شدة البلوى التي أذاقه مرّها، وأمطاه إلى طيّة الهلاك ظهرها، ويا قرب ما كان الفوت، والحسام الصّلت، من متباعد هذه القرب التي ألغيت (٣) .
قلنا: لقد جمح جواد القلم فأطلقنا (٤) ونحن نشير إلى هذا الرئيس (٥) وتبدل طباعه، بعد انقضاء أعوام شاهدة باضطلاعه، وإحراز شيم أدت إلى علوّ مقداره، واستقامة مداره، فآل عمر مولانا جدنا إلى النفاد، ورمت رئيس كتّابه هذا أسهم الحساد، فظهر الخفيّ، وسقط به الليل على سرحان، وقد طالما جرّب الوفيّ والصفيّ. وكان من شأنه الاستخفاف بأولياء الأمر من حجّاب الدولة، والاسترسال في الرد عليهم بالطبع والجبلّة، مع الاستغراق في غمار الفتن أندلساً وغرباً، ومراعاة حظوظ نفسه استيلاء وغصباً، أما الجراءة فانتضى سيوفها،
стр. 3854
وأما إكفاء السماء على الأرض فقواصم نوّع صنوفها، وأما المجاهرة فوقف بميدان الاعتراض صفوفها، وأما المجاملة فنكّر معروفها، أداه هذا النبأ العظيم إلى سكنى المعتقل بقصبة المرية، وعلى الأثر كان الفرج قريباً، وسطور المؤاخذة قد أوسعها العفو تضريباً، ونالته هذه المحنة عند وفاة مولانا الجد الغني بالله، وكانت وفاته غرة شهر صفر عام ثلاثة وتسعين وسبعمائة، لأسباب يطول شرحها أظهرها شراسة في لسانه، واغترار بمكانه، وتضريب بين خدام السلطان وأعوانه، فكبا لليدين والفم، إلى أن منّ الله تعالى بسراحه، وأعاده إلى الحضرة في أول شهر رمضان المعظم من عام أربعة وتسعين وسبعمائة، فكان ما كان من وفاة مولانا الوالد رحمه الله تعالى، وقيام أخينا محمد مقامه بالأمر، فاستمر الحال أياماً قلائل، وقدم للكتابة الفقيه ابن عاصم لمدة من عام، ثمّ أعاد المذكور إلى خطته وقد دمثت بعض أخلاقه، وخمدت شراسته وحلا بعض مذاقه، فما كان إلاّ كلا وليت وإذا به قد ساء مشهداً وغيباً، وأوسع الضمائر شكاً وريباً، وغلبت الإحنُ عليه، وغلت مراجلها لديه، فصار يتقلب على جمر الغضا، ويتبرّم بالقضا، ويظهر النصح وفي طيّه التشفّي، ويسم نفسه بالصلاح، ويعلن بالخشوع، ويشير بأنّه الناصح الأمين، ويتلو قوله تعالى " ولكن لا تحبّون الناصحين " الأعراف: ٧٩ ورتب على المشتغلين كبيرهم وصغيرهم ذنوباً لم يقترفوها، ونسب إليهم نسباً من التضييع لم يعرفوها، وأنهم احتجنوا الأموال، وأساءوا الأعمال والأقوال، فلم يظفر من ذلك بكبير طائل، ولا حصل على تفاوت أعداده على حاصل، هذا على قلة معرفته بتلك الطريقة الاشتغالية، وعدم اضطلاعه بالأمور الجبائية، فمن نفس يروّع سربها، ويكدر بالامتحان والامتهان شربها، ومن ضارعة خاشعة لله تعالى سلبت، وطولبت بغير ما اكتسبت، وتعدت الأيدي إلى أقوام جلّة سعدوا بشقائه، وامتخنوا وهم المبرّأون من تزويره واعتدائه، وسيسألون يوم لا يغني مال ولا بنون.
стр. 3855
وصار يصرف أغراضه، ويظهر أحقاده، بين إفصاح بما كان الإعجام خيراً من إلقائه، وإن عمر المسكين المستضعف لا حاجة في طول بقائه، إلى مجاهرة عهد منه أيام شبيبته نقيضها، وانعكس في شاخته تصريحها المنغص وتعريضها، لا يريح نفسه من جهد، ولا يقف من اللجلجة عند حد، وقد كان ثقل سمعه فساءت إجابته، وطغت أخلاقه فسئم الناس وساطته، وربما استحلف فلم يكن بين اللازمة واللازمة إلاّ الحنث عن قصد وغير قصد، ودعا على نفسه وأبنائه بإنجاز وعد، وأن يقيض الله له ولهم قاتل عمد، فسبحان القاهر فوق عباده، الرحيم بهذا الشخص وبالأموات من شيعته وأولاده، فاستمرّ على ذلك إلى إحدى الليالي، فهلك في جنح الليل في جوف داره على يد مخدومه، تلقّاه - زعموا - عند الدخول عليه، وهو بالمصحف رافع يديه (١) ، فجدلته السيوف، وتناولته الحتوف، فقضي عليه، وعلى من وجد من خدامه وابنيه، كل ذلك بمرأى عين من أهله وبناته، ولم يتقوا الله فيه حقّ تقاته، فكانت أنكى الفجائع، وأفظع الوقائع، وساءت القالة، وعظم المصاب، وكل شيء إلى أجل نافذ وكتاب. انتهى كلام ابن الأحمر في مقدمة كتابه (٢) .
وقد اطلعت منه على تصاريف أحوال ابن زمرك، وقتله على الوجه الذي يعلم منه أن ثأر لسان الدين ابن الخطيب لديه لا يترك، بل قتلته أفظع من قتلة لسان الدين، لأن هذا قتل بين عياله وأهله، وقتل معه ابناه ومن وجد من خدمه، ولسان الدين رحمه الله تعالى خنق بمفرده، وعند الله تجتمع الخصوم، وهو العفوّ الغفور.
وقد فهم من مضمون ما سبق أن قتل ابن زمرك بعد عام خمسة وتسعين وسبعمائة، ولم أقف من أمره على غير ما تقدم.