وخمسين وسبعمائة، وإليه جنح، وإياه قصد عند تغربه إلى المغرب في دولة السلطان أبي سالم، فتوجه بالعمامة التي ارتجل بين يديه فيها:
توّجتني بعمامه ... توّجت تاج الكرامه
فروض حمدك يزهى ... مني بسجع الحمامه وأخذ علم الأصلين عن الحافظ الناقد أبي علي منصور الزواوي، وبرع في الأدب أثناء الانقطاع وأوّل الطلب لأبي عبد الله ابن الخطيب، ولكن لم يحمد بينهما المآل، واقتدى في العلوم العقلية بالشريف أبي عبد الله التلمساني قدوة الزمان، وحصلت له الإجازة والتحديث بقاضي الجماعة وشيخ الجملة أبي البركات ابن الحاج وبالخطيب البليغ أبي عبد الله اللوشي، وبالخطيب الورع أبي عبد الله ابن بيبش (١) العبدري، رضي الله تعالى عنه وعن جميعهم، وبواجب محافظتنا على عهدهم، إذ نحن وردنا بالإجازة التامة عذب وردهم، وصل سبينا بهم الكثير من شيوخنا مثل الإمام المعظم أبي محمد عبد الله بن جزي، ومعلمنا الثقة المجتهد أبي عبد الله الشريشي، والقاضي الإمام أبي عبد الله محمد بن علي بن علاق، وغيرهم، رحمة الله تعالى عليهم، لذلك صار صدراً في نوادي طلبة الأندلس وأفراد نجبائها، فما شاءه المحاضر يجده في خضله (٢) ، ويتلقاه من باهر فضله، فكاهة ومجالسة أنيقة ممتعة ومحادثة أريضة مزهرة، وجواباً مطبقاً للمفصل (٣) ، وذهناً سابقاً لإيضاح المشكل، مع انقياد الطبع، وإرسال الدمعة في سبيل الخشوع والرقة، ورشح الجبين عند تلقّي الموعظة، وصون الوجه بجلباب الحياء، ومقابلة الناظر إليه بالاحتشام والمبادرة للاستدعاء، على طهارة وبذل وسع وكرم نفس، لم يعهد أجمعل مشاركة منه لإخوانه، ولا أمتع منه بجاهه، إلى مبالغة في الهشّة
стр. 3852
والمبرّة والإيثار بما منح، وجنوحٍ إلى حبّ الصالحين، وذلك بالانضواء إلى شيخ الفرق الصوفية الولي أبي جعفر ابن الزيات، وأخيه الفاضل الناسك شيخنا أبي مهديّ، قدس الله تعالى مغناه، وسواهما من أهل الاندلس والعدوة، وحمله أشد الحمل على كل ملبّس (١) كأبي زكريا البرغواطي وسواه. ومن تنديراته - زعموا - على أبي الحسن المحروق لميله عنه:
ولد الفقر والرباط ولكن ... نفسه للسلوك ذات افتقار وخطب الأدب يافعاً وكهلاً، وحاز علمه إدراكاً ونهلاً، ولما كانت الحادثة على مولانا الجد - رحمه الله تعالى - واجتاز إلى المغرب كما تقرر في غير هذا، كلف به وأنس إليه، لحلاوة منطق ورفع استيحاش ومراوضة خلق، ثمّ كرّ في صحبة ركابه فعلت منزلته ولطف محله.
وقفنا على رقعة من رقاعه وهو يبدىء فيها ويعيد، ويقول: خدمته سبعاً وثلاثين سنة: ثلاثاً بالمغرب، وباقيها بالأندلس، أنشدته فيها ستّاً وستين قصيدة في ستة وستين عيداً، وكلّ ما في منازله السعيدة من القصر والرياض والدشار (٢) والسبيكة من نظم رائق، ومدح فائق، في القباب والطاقات والطرز وغير ذلك فهو لي، وكنت أواكله وأواكل ابنه مولاي أبا الحجاج، وهما كبيراً ملوك أهل الأرض، وهنأته بكذا وكذا قصيدة، وفوّض لي في عقد الصلح بين الملوك بالعدوتين، وصلح النصارى عقدته تسع مرات، ألخسّة فوّض إليّ ذلك
قلنا: صدق في جميع ما ذكره، والعقود بذلك شاهدة له. وخصّه عام ثلاثة وسبعين بكتابة سره، واستعمله بعد أعوام في السفارة بينه وبين ملوك عصره، فحمد منابه، ونمت أحواله ورغد جنابه، وكان هنالك بعض تقوّلات تشين
стр. 3853
وجه اجتهاده، وتومىء بما احتقبه من سوء مقاصده وماصرفه من قبيح أغراضه، وهاجت الفتنة، فكانت سفارته أعظم أسبابها.
وعند الأشدّ من عمره عرضت لأفكاره تقلبات، وأقعدته عن قداح السياسة آفات مختلفات، وأشعرته حدة ذهنه أن يتخبط (١) في أشراك وقعات، فقعد بجامع مالقة ثمّ بمسجد الحمراء ملقياً على الكرسي فنوناً جمة، وعلوماً لم يزل يتلقاها عن أولياء التعظيم والتجلة، فانحاز إلى مادة (٢) أمم بمالقة طما منهم البحر، وتراءى لأبصارهم وبصائرهم الفخر، وكان التفسير أغلب عليه لفرط ذكائه، وما كان قيده وحصله أيام قراءته وإقرائه، فما شئت من بيان، وإعجاز قرآن، وآيات توحيد وإخلاص، ومناهج صوفية تؤذن بالخلاص، يوم الأخذ بالنواص، ومراراً عدة سمع ما يلقيه وليّ الأمر، ويا شدة البلوى التي أذاقه مرّها، وأمطاه إلى طيّة الهلاك ظهرها، ويا قرب ما كان الفوت، والحسام الصّلت، من متباعد هذه القرب التي ألغيت (٣) .
قلنا: لقد جمح جواد القلم فأطلقنا (٤) ونحن نشير إلى هذا الرئيس (٥) وتبدل طباعه، بعد انقضاء أعوام شاهدة باضطلاعه، وإحراز شيم أدت إلى علوّ مقداره، واستقامة مداره، فآل عمر مولانا جدنا إلى النفاد، ورمت رئيس كتّابه هذا أسهم الحساد، فظهر الخفيّ، وسقط به الليل على سرحان، وقد طالما جرّب الوفيّ والصفيّ. وكان من شأنه الاستخفاف بأولياء الأمر من حجّاب الدولة، والاسترسال في الرد عليهم بالطبع والجبلّة، مع الاستغراق في غمار الفتن أندلساً وغرباً، ومراعاة حظوظ نفسه استيلاء وغصباً، أما الجراءة فانتضى سيوفها،
стр. 3854
وأما إكفاء السماء على الأرض فقواصم نوّع صنوفها، وأما المجاهرة فوقف بميدان الاعتراض صفوفها، وأما المجاملة فنكّر معروفها، أداه هذا النبأ العظيم إلى سكنى المعتقل بقصبة المرية، وعلى الأثر كان الفرج قريباً، وسطور المؤاخذة قد أوسعها العفو تضريباً، ونالته هذه المحنة عند وفاة مولانا الجد الغني بالله، وكانت وفاته غرة شهر صفر عام ثلاثة وتسعين وسبعمائة، لأسباب يطول شرحها أظهرها شراسة في لسانه، واغترار بمكانه، وتضريب بين خدام السلطان وأعوانه، فكبا لليدين والفم، إلى أن منّ الله تعالى بسراحه، وأعاده إلى الحضرة في أول شهر رمضان المعظم من عام أربعة وتسعين وسبعمائة، فكان ما كان من وفاة مولانا الوالد رحمه الله تعالى، وقيام أخينا محمد مقامه بالأمر، فاستمر الحال أياماً قلائل، وقدم للكتابة الفقيه ابن عاصم لمدة من عام، ثمّ أعاد المذكور إلى خطته وقد دمثت بعض أخلاقه، وخمدت شراسته وحلا بعض مذاقه، فما كان إلاّ كلا وليت وإذا به قد ساء مشهداً وغيباً، وأوسع الضمائر شكاً وريباً، وغلبت الإحنُ عليه، وغلت مراجلها لديه، فصار يتقلب على جمر الغضا، ويتبرّم بالقضا، ويظهر النصح وفي طيّه التشفّي، ويسم نفسه بالصلاح، ويعلن بالخشوع، ويشير بأنّه الناصح الأمين، ويتلو قوله تعالى " ولكن لا تحبّون الناصحين " الأعراف: ٧٩ ورتب على المشتغلين كبيرهم وصغيرهم ذنوباً لم يقترفوها، ونسب إليهم نسباً من التضييع لم يعرفوها، وأنهم احتجنوا الأموال، وأساءوا الأعمال والأقوال، فلم يظفر من ذلك بكبير طائل، ولا حصل على تفاوت أعداده على حاصل، هذا على قلة معرفته بتلك الطريقة الاشتغالية، وعدم اضطلاعه بالأمور الجبائية، فمن نفس يروّع سربها، ويكدر بالامتحان والامتهان شربها، ومن ضارعة خاشعة لله تعالى سلبت، وطولبت بغير ما اكتسبت، وتعدت الأيدي إلى أقوام جلّة سعدوا بشقائه، وامتخنوا وهم المبرّأون من تزويره واعتدائه، وسيسألون يوم لا يغني مال ولا بنون.
стр. 3855
وصار يصرف أغراضه، ويظهر أحقاده، بين إفصاح بما كان الإعجام خيراً من إلقائه، وإن عمر المسكين المستضعف لا حاجة في طول بقائه، إلى مجاهرة عهد منه أيام شبيبته نقيضها، وانعكس في شاخته تصريحها المنغص وتعريضها، لا يريح نفسه من جهد، ولا يقف من اللجلجة عند حد، وقد كان ثقل سمعه فساءت إجابته، وطغت أخلاقه فسئم الناس وساطته، وربما استحلف فلم يكن بين اللازمة واللازمة إلاّ الحنث عن قصد وغير قصد، ودعا على نفسه وأبنائه بإنجاز وعد، وأن يقيض الله له ولهم قاتل عمد، فسبحان القاهر فوق عباده، الرحيم بهذا الشخص وبالأموات من شيعته وأولاده، فاستمرّ على ذلك إلى إحدى الليالي، فهلك في جنح الليل في جوف داره على يد مخدومه، تلقّاه - زعموا - عند الدخول عليه، وهو بالمصحف رافع يديه (١) ، فجدلته السيوف، وتناولته الحتوف، فقضي عليه، وعلى من وجد من خدامه وابنيه، كل ذلك بمرأى عين من أهله وبناته، ولم يتقوا الله فيه حقّ تقاته، فكانت أنكى الفجائع، وأفظع الوقائع، وساءت القالة، وعظم المصاب، وكل شيء إلى أجل نافذ وكتاب. انتهى كلام ابن الأحمر في مقدمة كتابه (٢) .
وقد اطلعت منه على تصاريف أحوال ابن زمرك، وقتله على الوجه الذي يعلم منه أن ثأر لسان الدين ابن الخطيب لديه لا يترك، بل قتلته أفظع من قتلة لسان الدين، لأن هذا قتل بين عياله وأهله، وقتل معه ابناه ومن وجد من خدمه، ولسان الدين رحمه الله تعالى خنق بمفرده، وعند الله تجتمع الخصوم، وهو العفوّ الغفور.
وقد فهم من مضمون ما سبق أن قتل ابن زمرك بعد عام خمسة وتسعين وسبعمائة، ولم أقف من أمره على غير ما تقدم.
стр. 3856
ولا بأس أن نلم بشيء من نظمه البارع ممّا كنت انتقيته بالمغرب من تأليف ابن الأحمر المذكور، وأوردت كثيراً منه في أزهار الرياض.
فمن ذلك قوله في ذكر غرناطة العلية، وتهنئة سلطانه الغني بالله ببعض المواسم العيدية، ووصف كرائم جياده، وآثار ملكه وجهاده:
يا من يحنّ إلى نجد وناديها ... غرناطة قد ثوت نجد بواديها
قف بالسبيكة وانظر ما بساحتها ... عقيلة والكثيب الفرد جاليها (١)
تقلّدت بوشاح النهر وابتسمت ... أزهارها وهي حليٌ في تراقيها
وأعين النرجس المطلول يانعة ... ترقرق الطلّ دمعاً في مآقيها
وافترّ ثغر أقاحٍ من أزاهرها ... مقبّلاً خدّ ورد من نواحيها
كأنّما الزهر في حافاتها سحراً ... دراهم والنسيم اللّدن يجبيها
وانظر إلى الدّوح والأنهار تكنفها ... مثل الندامى سواقيها سواقيها
كم حولها من بدورٍ تجتني زهراً ... فتحسب الزهر قد قبّلن أيديها
حصباؤها لؤلؤ قد شفّ جوهرها ... والنهر قد سال ذوباً من لآليها
نهر المجرّة والزّهر المطيف به ... زهر النجوم إذا ما شئت تشبيها
يزيد حسناً على نهر المجرّة قد ... أغناه درّ حباب عن دراريها
يدعى المنجّم راثيه وناظره ... مسميّات أبانتها أساميها
إن الحجاز مغانيه بأندلس ... ألفاظها طابقت منها معانيها
فتلك نجد سقاها كلّ منسجمٍ ... من الغمام يحيّيها فيحييها
وبارق وعذيب كل مبتسم ... من الثغور يجلّيها مجلّيها
وإن أردت ترى وادي العقيق فرد ... دموع عشاقها حمراً جواريها
وللسبيكة تاج فوق مفرقها ... تودّ درّ الدراري لو تحلّيها
стр. 3857
فإنّ حمراءها والله يكلؤها ... ياقوتة فوق ذاك التاج يعليها
إنّ البدور لتيجان مكلّلة ... جواهر الشهب في أبهى مجاليها
لكنّها حسدت تاج السبيكة إذ ... رأت أزاهره زهراً يجلّيها
بروجها لبروج الأفق مخجلة ... فشهبها في جمالٍ لا تضاهيها
تلك القصور التي راقت مظاهرها ... تهوي النجوم قصوراً عن معاليها
لله لله عينا من رأى سحراً ... تلك المنارة قد رقّت حواشيها
والصبح في الشرق قد لاحت بشائره ... والشهب تستنّ سبقاً في مجاريها
تهوي إلى الغرب لمّا غالها سحر ... وغمّض الفجر من أجفان واشيها وساجع العود في كف النديم إذا ما استوقفت ساجعات الطير يغريها (١)
يبدي أفانين سحرٍ في ترنّمه ... يصبي العقول بها حسناً ويسبيها
يجسّه ناعم الأطراف تحسبها ... لآلئاً وهي نورٌ في تلاليها
مقاتلٌ بلحاظ قوس حاجبها ... ترمي القلوب بها عمداً فتصميها
فباكر الروض والأغصان ماثلة ... يثني النفوس لها شوقاً تثنّيها
لم يرقص الدوح بالأكمام من طربٍ ... حتى شدا من قيان الطير شاديها
وأسمعتها فنون السحر مبدعة ... ورق الحمام وغنّاها مغنّيها
غرناطة آنس الرحمن ساكنها ... باحت بسرّ معانيها أغانيها
أعدى نسيمهم لطفاً نفوسهم ... فرقّة الطبع طبعٌ منه يعديها
فخلّدَ الله أيام السرور بها ... صفراً عشيّاتها بيضاً لياليها
وروّض المحل منها كلّ منبجسٍ ... إذا اشتكت بغليل الجدب يرويها
يحكي الخليفة كفّاً كلّما وكفت ... بالجود فوق موات الأرض يحييها
تغنى العفاة وقد أمّت مكارمه ... عن السؤال وبالإحسان يغنيها
стр. 3858
لها بنانٌ فلا غيث يساجلها ... جوداً ولا سحبه يوماً تدانيها
فإن تصب سحبه بالماء حين همت ... بعسجد ولجين صاب هاميها
يا أيها الغيث أنت الغوث في زمنٍ ... ملوكه تلفت لولا تلافيها
إنّ الرعايا جزاك الله صالحةً ... ملكت شرقاً وغرباً من يراعيها
إن الخلائق في الأقطار أجمعها ... سوائم أنت في التحقيق راعيها
فكل مصلحة للخلق تحكمها ... وكل صالحةٍ في الدين تنويها
إذا تيممت أرضاً وهي مجدبة ... فرحمة الله بالسقيا تحييّها
يا رحمةً بثّت الرحمى بأندلسٍ ... لولاك زلزلت الدنيا بمن فيها
في فضل جودك قد عاشت مشيختها ... في ظل أمنك قد نامت ذراريها
في طول عمرك يرجو الله آملها ... بنصر ملكك يدعو الله داعيها
عوائد الله قد عوّدت أفضلها ... لتبلغ الخلق ما شاءت أمانيها
سلّ السعود وخلّ البيض مغمدةً ... واضرب بها فرية التثليث تفريها
لله أيّامك الغرّ التي اطردت ... فيها السعود بما ترضى ويرضيها
لله دولتك الغراء إنّ لها ... لكافلاً من إله العرش يكفيها
هيهات أن تبلغ الأعداء مأربةً ... في جريها وجنود الله تحميها
هذي سيوفك في الأجفان نائمة ... والمشركون سيوف الله تفنيها
سريرة لك في الإخلاص قد عرفت ... حسنى عواقبها حتى أعاديها
لم يحجب الصبح شهب الأفق عن بصرٍ (١) ... إلاّ وهديك للأبصار يبديها
يا ابن الملوك وأبناء الملوك إذا ... تدعو الملوك إلى طوعٍ تلبّيها
أبناء نصرٍ ملوك عزّ نصرهم ... وأوسعوا الخلق تنويهاً وترفيها
هم المصابيح نور الله موقدها ... تضيء للدين والدنيا مشاكيها
هم النجوم وأفق الهدي مطلعها ... فوزاً لمهديّها عزّاً لهاديها
стр. 3859
هم البدور، كمالٌ ما يفارقها ... هم الشموس، ظلامٌ لا يواريها
قضت قواضبها أن لا انقضاء لها ... وأمضت الحكم في الأعدا مواضيها
وخلّدت في صفاح الهند سيرتها ... وأسندت عن عواليها معاليها
وأورثتك جهاداً أنت ناصره ... والأجر منك يرضّيها ويحظيها
كم موقف ترهب الأعداء موقعه ... والخيل تردي ووقع السّمر يرديها
ثارت عجاجته واليوم محتجب ... والنقع يؤثر غيماً من دياجيها
وللأسنّة شهبٌ كلما غربت ... في الدارعين تجلّت من عواليها
وللسيوف بروق كلما لمعت ... تزجي الدماء وريح النصر يزجيها
أطلعت وجهاً تريك الشمس غرته ... تبارك الله ما شمسٌ تساميها
من أين للشمس نطقٌ كله حكمٌ ... يفيدها كلّ حين منك مبديها
لك الجياد إذا تجري سوابقها ... فللرياح جيادٌ ما تجاريها
إذا انبرت يوم سبق في أعنّتها ... ترى البروق طلاحاً لا تباريها
من أشهبٍ قد بدا صبحاً تراع له ... شهب السماء فإنّ الصبح يخفيها
إلاّ التي في لجامٍ منه قيّدها ... فإنّه سامها عزّاً وتنويها
أو أشقرٍ مرّ عن (١) شقر البروق وقد ... أبقى لها شفقاً في الجوّ تنبيهاً
أو أحمرٍ جمره في الحرب متّقدٌ ... يعلو لها شرر من بأس مذكيها
لون العقيق وقد سال العقيق دماً ... بعطفه من كماةٍ كرّ يدميها
أو أدهم ملء (٢) صدر الليل تنعله ... أهلّة فوق وجه الأرض يبديها
إن حارت الشهب ليلاً في مقلّدة ... فصبح غرّته بالنور يهديها
أو أصفر بالعشيّات ارتدى مرحاً ... وعرفه بتمادي الليل ينبيها (٣)
стр. 3860
مموّه بنضارٍ تاه من عجبٍ ... فليس يعدم تنويهاً ولا تيها
وربّ نهر حسام رقّ رائقه ... متى ترده نفوس الكفر يرديها
تجري الرؤوس حباباً فوق صفحته ... وما جرى غير أنّ البأس يجريها
وذابل من دم الكفّار مشربُهُ ... يجني الفتوح وكفّ النصر تجنيها
وكم هلالٍ لقوس كلما نبضت ... ترى النجوم رجوماً في مراميها
أئمّة الكفر ما يمّمت ساحتها ... إلاّ وقد زلزلت قسراً صياصيها
يا دولة النصر هل من مبلغٍ دولاً ... مضين أنّك تحييها وتنسيها
أو مبلغٍ سالف الأنصار مألُكةً ... والله بالخلد في الفردوس يجزيها
أنّ الخلافة أعلى الله مظهرها ... أبقت لنا شرفاً والله يبقيها
يا ابن الذين لهم في كلّ مكرمةٍ ... مفاخرٌ ولسان الدهر يمليها
أنصار خير الورى، مختار هجرته ... جيران روضته، أكرم بأهليها
سمّتهم الملّة السّمْحاء تكرمةً ... أنصارها، وبهم عزّت أواليها
ففي حنين وفي بدر وفي أحدٍ ... تلفي مفاخرهم مشهورة فيها
ولتسأل السّير المرفوع مسندها ... فعن مواقفهم تروى مغازيها
مآثرٌ خلّد الرحمن أثرتها ... ينصّها من كتاب الله قاريها
ماذا يجيد بليغ أو ينمّقه ... من الكلام ووحي الله تاليها
له الجهاد به تسري الرياح إلى ... ممالك الأرض من شتى أقاصيها
تحدى الركاب إلى البيت العتيق به ... فمكّة عمرت منه نواديها
بشائر تسمع الدنيا وساكنها ... إذا دعا باسمك الأعلى مناديها
كفى خلافتك الغراء منقبةً ... أنّ الإله يوالي من يواليها
وقد أفاد بنيه الدهر تجربةً ... أنّ السّعود تعادي من يعاديها
إذا رميت سهام العزم صائبةً ... فما رميت، بل التوفيق راميها
شكراً لمن عظمت منّا مواهبه ... وإن تعدّ فليس العد يحصيها
стр. 3861
عمّا قريب ترى الأعياد مقبلة ... من الفتوح ووفد النصر حاديها
وتبلغ الغاية القصوى بشائرها ... فقد أظلّت بما ترضى مباديها
فاهنأ بما شئت من صنعٍ تسرّ به ... وانو الأمانيّ فالأقدار تدنيها
مولاي خذها كما شاءت بلاغتها ... ولو تباع لكان الحسن يشريها
أرسلتها حيثما الأرواح مرسلة ... نوادراً تنشر البشرى أماليها
جاءت تهنّيك عيد الفطر معجبة ... بحسنها ولسان الصدق يطريها
البشر في وجهها، واليمن في يدها ... والسحر في لفظها، والدر في فيها
لو رصّع البدر منها تاج مفرقه ... لم يرض درّ الدراري أن تحلّيها
فإن تكن بنت فكري وهو أوجدها ... نعماك في حجره كانت تربيها
في روض جودك قد طوّقتني منناً ... طوق الحمام فما سجعي موفّيها
ولو أعرت لسان الدهر يشكرها ... لكان يقصر عن شكر يوفّيها
بقيت للدين والدّنيا إمام هدىً ... مبلّغ النّفس ما ترجو أمانيها
والسعد يجري لغايات تؤمّلها ... ما دامت الشّهب تجري في مجاريها وقال رحمه الله تعالى شاكراً لنعمٍ وصلته من المذكور في عاشوراء:
مولاي يا ابن السابقين إلى العلا ... والرافعين لواءها المنشورا
إن لوحظوا في المعلوات فإنهم ... طلعوا بآفاق العلاء بدورا
أو فوخروا في المكرمات فإنهم ... نظموا بأسلاك الفخار شذورا
أبناء أنصار النّبيّ وصحبه ... في الذكر أصبح فخرهم مذكورا
والمؤثرين، وربّنا أثنى بها ... في الحشر خلّد وصفهم مسطورا (١)
فاضت علينا من نداك غمائم ... وتفجّرت من راحتيك بحورا
من كفّ شفّاف الضياء تخاله ... لصفاء جوهره تجسّد نورا
стр. 3862
نعمٌ منوّعةٌ تعدّد وفرها ... أعجزت عنها شكري الموفورا
في موسمٍ للدين قد جدّدته ... وأقمت فينا عيده المشهورا
أضعاف ما أهديتنا من منّة ... تُهدي إليك ثوابها عاشورا
وعلى الطريق بشائر محمودة ... ألقاك جذلاناً بها مسرورا وقال يصف زهر القرنفل الصعب الاجتناء بجبل الفتح، وقد وقع له السلطان الغني بالله المذكور بذلك، فارتجل قطعاً منها:
أتوني بنوّارٍ يروق نضارة ... كخدّ الذي أهوى وطيب تنفّسه
وجاءوا به من شاهقٍ متمنّعٍ ... تمنع ذاك الظبي في ظلّ مكنسه
رعى الله مني عاشقاً متقنعاً ... بزهرٍ حكى في الحسن خدّ مؤنسه
وإن هبّ خفّاق النسيم بنفحةٍ ... حكت عرفه طيباً قضى بتأنسه ومنها:
رعى الله زهراً ينتمي لقرنفلٍ ... حكى عرف من أهوى وإشراق خدّه
ومنبته في شاهقٍ متمنّعٍ ... كما امتنع المحبوب في تيه صدّه
أميل إذا الأغصان مالت بروضةٍ ... أعانق منها القضب شوقاً لقدّه
وأهفو لخفّاق النّسيم إذا سرى ... وأهوى أريج الطيب من عرف ندّه ومنها:
يقرّ بعيني أن أرى الزهر يانعاً ... وقد نازع المحبوب في الحسن وصفه
وما أبصرت عيني كزهر قرنفٍ ... حكى خدّ من يسبي الفؤاد وعرفه
تمنّع في أعلى الهضاب لمجتنٍ ... تمنّعه منّي إذا رمت إلفه
وفي جبل الفتح اجتنوه تفاؤلاً ... بفتحٍ لباب الوصل يمنح عطفه
وما ضرّ ذاك الغصن وهو مرنّح ... إذا ما ثنى نحو المتيّم عطفه
стр. 3863
قال ابن الأحمر في الكتاب المذكور فيما مر: ومن القصائد التي يود الصبح سناها، والنسيم اللدن رقة معناها، يهنىء مولانا الجد رضي الله تعالى عنه عند وصول خالصة مقامه، وكبير خدامه، القائد خالد رحمه الله تعالى من تلمسان بالهدية، وتجديد المقاصد الودّيّة، ووافق استئناف (١) راحة من الذات العلية، ومن بعض فروع دوحتها (٢) الزكية:
أدرها ثلاثاً من لحاظك واحبس ... فقد غال منها السكر أبناء مجلس
إذا ما نهاني الشيب عن أكؤس الطلا ... تدير عليّ الخمر منها بأكؤس
عذيري من لحظِ ضعيفٍ وقد غدا ... يحكّم منّا في جسومٍ وأنفس
وروض شاب ماس غصن قوامه ... وفتح فيه اللحظ أزهار نرجس
وما زال ورد الخدّ وهو مضعّف ... يعير أقاح الثغر طيب تنفس
وكم جال طرف الطّرف في روض حسنه ... يقيّده فيه العذار بسندس
أما وليالي الوصل في روضة الصّبا ... ومألف أحبابي وعهد تأنّسي
لئن نسيت تلك العهود أحبتي ... فقلبي عهد العامريّة ما نسي
وحاشا لنفسي بعدما افترّ فودها ... من الشيب عن صبحٍ به متنفس
وألبسها ثوب الوقار خليفة ... به لبس الإسلام أشرف ملبس
وجدّد للفتح المبين مواسماً ... أقام بها الإيمان أفراح معرس
وأورثه العلياء كل خليفة ... نماه إلى الأنصار كلّ مقدّس
فيا زاجر الأظعان وهي ضوامرٌ ... بغير الفلا والوحش لم تتأنّس
إذا جئت من دار الغنيّ بربّه ... مناخ العلا والعزّ فاعقل وعرّس
فإن شئت من بحر السماحة فاغترف ... وإن شئت من نور الهداية فاقبس
стр. 3864
أمولاي إنّ السعد منك لآيةٌ (١) ... أنارت بها الأكوان جذوة مقبس
إذا شئت أن ترمي القصيّ من المنى ... تدور لك الأفلاك مرفوعة القسي
فترمي بسهم من سعودك صائب ... سديد لأغراض الأماني مقرطس
أهنيك بالإبلال ممّن شفاؤه ... شفاؤك فاشكر من تلافى وقدّس
ودعني أرد يمناك فهي غمامة ... تبخّل صوب العارض المتبجّس
أقبّل منها راحةً إثر راحةٍ ... أتتك بها الركبان من بيت مقدس
ومن نسب الفتح المبين ولادة ... إليه بغير الفخر لم يتأسّس
فيا أيها المولى الذي بكماله ... خلائف هذا العصر في الفخر تأتسي
لآمنت موسى من عوادي سميّه ... ولولاك لم يبرح بخيفة موجس
بعثت بميمون النقيبة في اسمه ... خلود لعزّ ثابتٍ متأسّس
فجاءك بالمال العريض هديّةً ... بها الدين أثواب المسرّة يكتسي
وشفّعها بالصافنات كأنّها ... وقد راق مرآها جآذر مكنس
تنص من الإشراف جيد غزالةٍ ... وترنو من الإيجاس عن لحظ أشوس
لك الخير موسى مثل موسى، كلاهما ... بغير شعار الودّ لم يتلبّس
فلا زلت في ظلّ النّعيم وكلّ من ... يعاديك لا ينفك يشقى بأبؤس
عليك سلام مثل حمدك عاطرٌ ... تنفّس وجه الصبح عنه بمعطس وقال في مولد عام سبعة وستين وسبعمائة وألمّ في أخرياتها بوصف المشور الأسنى، الرفيع المبنى:
زار الخيال بأيمن الزوراء ... فجلا سناه غياهب الظّلماء
وسرى مع النسمات يسحب ذيله ... فأتت تنمّ بعنبر وكباء
هذا وما شيء ألذّ من المنى ... إلاّ زيارته مع الإغفاء
стр. 3865
بتنا خيّالين التحفنا بالضنى ... والسقم ما نخشى من الرقباء
حتى أفاق الصبح من غمراته ... وتجاذبت أيدي النّسيم ردائي
يا سائلي عن سرّ من أحببته ... السر عندي ميّت الأحياء
تالله لا أشكو الصبابة والهوى ... لسوى الأحبة أو أموت بدائي
يا دين قلبي لست أبرح عانياً ... أرضي بسقمي في الهوى وعنائي
أبكي وما غير النجيع مدامع ... أذكي، ولا ضرم سوى أحشائي
أهفو إذا تهفو البروق، وأنثني ... لسرى النواسم من رُبى تيماء
بالله يا نفس الحمى رفقاً بمن ... أغريته بتنفّس الصّعداء
عجباً له يندى على كبدي وقد ... أذكى بقلبي جمرة البرحاء
يا ساكني البطحاء أيّ إبانة ... لي عندكم يا ساكني البطحاء
أترى النوى يوماً تخيب قداحها ... ويفوز قدحي منكم بلقاء
في حيّكم قمرٌ فؤادي أفقه ... تفديه نفسي من قريب نائي
لم تنسني الأيام يوم وداعه ... والركب قد أوفى على الزّوراء
أبكي ويبسم والمحاسن تجتلي ... فعلقت بين تبسمٍ وبكاء
يا نظرة جاذبته (١) أيدي النّوى ... حتى استهلّت أدمعي بدماء
من لي بثانيةٍ تنادي بالأسى ... " قدك اتّئد أسرفت في الغلواء " (٢)
ولربّ ليل بالوصال قطعته ... أجلو دجاه بأوجه الندماء
أنسيت فيه القلب عادة حلمه ... وحثثت فيه أكؤس السرّاء
وجريت في طلق التصابي جامحاً ... لا أنثني لمقادة النصحاء
أطوي شبابي للمشيب مراحلاً ... برواحل الإصباح والإمساء
стр. 3866
يا ليت شعري هل أرى أطوي إلى ... قبر الرسول صحائف البيداء
فتطيب في تلك الربوع مدائحي ... ويطول في ذاك المقام ثوائي
حيث النبوّة نورها متألّقٌ ... كالشمس تزهي في سناً وسناء
حيث الرسالة في ثنيّة قدسها ... رفعت لهدي الخلق خير لواء
حيث الضريح ضريح أكرم مرسلٍ ... فخر الوجود وشافع الشفعاء
المصطفى والمرتضى والمجتبى ... والمنتقى من عنصر العلياء
خير البريّة مجتباها ذخرها ... ظلّ الإله الوارف الأفياء
تاج الرسالة ختمها وقوامها ... وعمادها السامي على النّظراء
لولاه للأفلاك ما لاحت بها ... شهب تنير دياجي الظّلماء
ذو المعجزات الغرّ والآي الألى ... أكبرن عن عدّ وعن إحصاء
وكفاك ردّ الشمس بعد مغيبها ... وكفاك ما قد جاء في الإسراء
والبدر شقّ له وكم من آيةٍ ... كأنامل جاءت (١) بنبع الماء
وبليلة الميلاد كم من رحمةٍ ... نشر الإله بها ومن نعماء
قد بشر الرسل الكرام ببعثه ... وتقدّم الكهّان بالأنباء
أكرم بها بشرى على قدم سرت ... في الكون كالأرواح في الأعضاء
أمسى بها الإسلام يشرق نوره ... والكفر أصبح فاحم الأرجاء
هو آية الله التي أنوارها ... تجلو ظلام الشّكّ أيّ جلاء
والشمس لا تخفى مزيّة فضلها ... إلاّ على ذي المقلة العمياء
يا مصطفى والكون لم تعلق به ... من بعد أيدي الخلق والإنشاء
يا مظهر الحقّ الجليّ ومطلع ال ... نور السنيّ السّاطع الأضواء
يا ملجأ الخلق المشفّع فيهم ... يا رحمة الأموات والأحياء
يا آسي المرضى ومنتجع الرضى ... ومواسي الأيتام والضعفاء
стр. 3867
أشكو إليك وأنت خير مؤمّل ... داء الذنوب وفي يديك دوائي
إنّي مددت يدي إليك تضرّعاً ... حاشا وكلاّ أن يخيب رجائي
إن كنت لم أخلص إليك فإنّما ... خلصت إليك محبتي وندائي
وبسعد مولاي الإمام محمّدٍ ... تعد الأماني أن يتاح لقائي
ظلّ الإله على البلاد وأهلها ... فخر الملوك السادة الخلفاء
غوث العباد وليث مشتجر القنا ... يوم الطعان وفارج الغمّاء
كالدّهر في سطواته وسماحه ... تجري صباه بزعزعٍ ورخاء
رقّت شجاياه وراقت مجتلى ... كالنّهر وسط الروضة الغنّاء (١)
كالزهر في إبراقه، والبدر في ... إشراقه، والزّهر في لألاء
يا ابن الألى إجمالهم وجمالهم ... فلق الصباح وواكف الأنواء
أنصار دين الله حزب رسوله ... والسّابقون بحلبة العلياء
يا ابن الخلائف من بني نصرٍ ومن ... حاطوا ذمار الملّة السّمحاء
من كلّ من تقف الملوك ببابه ... يستمطرون سحائب النعماء
قوم إذا قادوا الجيوش إلى الوغى ... فالرعب رائدهم إلى الأعداء
والعز مجلوب بكلّ كتيبةٍ ... والنصر معقود بكلّ لواء
يا وارثاً عنها مناقبها التي ... تسمو مراقيها على الجوزاء
يا فخر أندلس وعصمة أهلها ... يجزيك عنها الله خير جزاء
كم خضت طوع صلاحها من مهمه ... لا تهتدي فيه القطا للماء
تهدي بها حادي السرى بعزائمٍ ... تهدي نجوم الأفق فضل ضياء
فارفع لواء الفخر غير مدافعٍ ... واسحب ذيول العزة القعساء
واهنأ بمبناك السعيد فإنّه ... كهف ليوم مشورة وعطاء
стр. 3868
لله منه هالة قد أصبحت ... حرم العفاة ومصرع الأعداء
تنتابها طير الرجاء فتجتني ... ثمر المنى من دوحة الآلاء
لله منه قبة مرفوعة ... دون السماء تفوت لحظ الرائي
راقت بدائع وشيها فكأنها ... وشيُ الربيع بمسقط الأنداء
عظّمت ميلاد النبيّ محمّد ... وشفعته باللّيلة الغرّاء
أحييت ليلك ساهراً فأفدتنا ... قوت القلوب بذلك الإحياء (١)
يا أيها الملك الهمام المجتبى ... فاتت علاك مدارك العقلاء
من لي بأن أحصي مناقبك التي ... ضاقت بهنّ مذاهب الفصحاء
وإليك مني (٢) روضةً مطلولةً ... أرجت أزاهرها بطيب ثناء
فافسح لها أكناف صفحك إنها ... بكر أتت تمشي على استحياء قال ابن الأحمر: ومن إعذاريات ابن زمرك المحكمة نسقاً ورصفاً، المتناهية في كل فن حسن تحلية غريبة ووصفاً - حسبما اقتضته ملاحظة النسبة الرفيعة مولانا رحمة الله تعالى عليه واحتفاله المناسب لعز ملكه من تعميم الخلق بالجفلى في دعواهم، واستدعاء أشراف الأمم من أهل المغرب وسواهم، تفنناً في مكارم متعددة أيامها عن أصالة المجد معربة، وإغراء لهمم الملك بما لتتميم الأنس من أوضاع مغرية، ومباهاة بعرض الجيوش والكتائب للعدو الكافر، وتكاثراً من مماليك دولته بالعدد الوافر، ممّا ألجم اللسن الذكي عيّاً، وغادر الإعذار الذنّونّي منسيّاً، كافأ الله سبحانه أبوّته المولوية عنّا وعن آبائنا، وتلقى بالقبول الكفيل بتجديد الرضوان ما يصل له من خالص دعائنا، إنه منعم جواد - قوله في الصنيع المختص من ذلك بمولانا الوالد قدّس الله تعالى روحه، وذلك سنة أربع وستين وسبعمائة:
стр. 3869
معاذ الهوى أن أصحب القلب ساليا ... القصيدة، وقد تقدمت بتمامها فراجعها.
ثمّ قال: ومن ذلك ما أنشد في الصنيع الثاني المخصوص بعمينا السيدين الأميرين سعد ونصر، رحمة الله تعالى عليهما، وأجاد في وصف الجند والجرد والطلبة وغرائب الأوضاع:
أللمحةٍ من بارق متبسّم ... أرسلته دمعاً تضرّج بالدم
وللمحةٍ تهفو ببانات اللوى ... يهفو فؤادك عن جوانح مغرم
هي عادة عذرية من يوم أن ... خلق الهوى تعتاد كلّ متيّم
قد كنت أعذل ذا الهوى من قبل أن ... أدري الهوى، واليوم أعذل لوّمي
كم زفرة بين الجوانح ما ارتقت ... حذر الرقيب ومدمع لم يسجم
إن كان واشي الدمع قد كتم الهوى ... هيهات واشي السقم لمّا يكتم
ولقد أجدّ هواي رسم دارس ... قد كاد يخفي عن خفيّ توهّم
وذكرت عهداً في حماه قد انقضى ... فأطلت فيه تردّدي وتلوّمي
ولربما أشجى فؤادي عنده ... ورقاء تنفث شجوها بترنّم
لا أجدب الله الطلول فطالما ... أشجى الفصيح بها بكاء الأعجم
يا زاجر الأظعان يحفزها السرى ... قف بي عليها وقفة المتلوّم
لترى دموع العاشقين برسمها ... حمراً كحاشية الرداء المعلم
دمنٌ عهدت بها الشبيبة والهوى ... سقياً لها ولعهدها المتقدّم
وكتيبة للشوق قد جهّزتها ... أغزو بها السّلوان غزو مصمّم
ورفعت فيها القلب بنداً خافقاً ... وأريت للعشاق فضل تهمّمي
فأنا الذي شاب الحماسة بالهوى ... لكنّ من أهواه ضايق مقدمي
فطعنت من قدّ القوام بأسمر ... ورميت من غنج اللحاظ بأسهم
стр. 3870
يا قاتل الله الجفون فإنها ... مهما رمت لم تخط شاكلة الرمي
ظلمت قتيل الحبّ ثمّ تبيّنت ... للسّقم فيها فترة المتظلّم
يا ظبيةً سنحت بأكناف الحمى ... سقي الحمى صوب الغمام المسجم
ما ضرّ إذ أرسلت نظرة فاتك ... أن لو عطفت بنظرة المترحّم
فرأيت جسماً قد أصيب فؤاده ... من مقلتيك وأنت لم تتأثّمي
ولقد خشيت بأن يقاد بجرحه ... فوهبت لحظك ما أحلّك من دمي
كم خضت دونك من غمار مفازة ... لا تهتدي فيها الليوث لمجثم
والنجم يسري من دجاه بأدهمٍ ... رحب المقلّد بالثريّا ملجم
والبدر في صفح السماء كأنّه ... مرآة هند وسط لجّ ترتمي
والزهر زهر والسماء حديقة ... فتقت كمائم جنحها عن أنجم
والليل مربدّ الجوانح قد بدا ... فيه الصباح كغرة في أدهم
فكأنما فلق الصباح وقد بدا ... مرأى إبن نصر لاح للمتوسم
ملك أفاض على البسيطة عدله ... فالشاة لا تخشى اعتداء الضيغم
هو منتهى آمال كلّ موفق ... هو مورد الصادي وكنز المعدم
لاحت مناقبه كواكب أسعد ... فرأت ملامح نوره عين العمي
ولقد تراءى بأسه وسماحه ... فأتى الجلال من الجمال بتوأم
مثل الغمام وقد تضاحك برقه ... فأفاد بين تجهّم وتبسّم
أنسى سماحة حاتمٍ، وكذاك في ... يوم اللقاء ربيعة بن مكدّم
سير تسير النيّرات بهديها ... وتعير عرف الروض طيب تنسم
فالبدر دونك في علاً وإنارة ... والبحر دونك في ندى وتكرّم
ولك القباب الحمر ترفع للندى ... فترى العمائم تحتها كالأنجم
يذكى الكباء بها كأنّ دخانه ... قطع السحاب بجوّها المتغيّم
ولك العوالي السمر تشرع للعدى ... فتخرّ صرعى لليدين وللفم
стр. 3871
ولك الأيادي البيض قد طوقتها ... صيد الملوك ذوي التلاد الأقدم
شيمٌ يقرّ الحاسون بفضلها ... والصبح ليس ضياؤه بمكتّم
ورث السماحة عن أبيه وجدّه ... فالأكرم ابن الأكرم ابن الأكرم
نقلوا المعالي كابراً عن كابرٍ ... كالرمح مطّرد الكعوب مقوّم
وتسنّموا رتب العلاء بحقها ... ما بين جد في الخلافة وابنم
يا آل نصر أنتم سرج الهدى ... في كلّ خطبٍ قد تجهّم مظلم
الفاتحون لكلّ صعبٍ مقفل ... والفارجون لكلّ خطب مبهم
والباسمون إذا الكماة عوابس ... والمقدمون على السواد الأعظم
أبناء أنصار النبيّ وحزبه ... وذوي السوابق والجوار الأعصم
سل عنهم أحداً وبدراً تلقهم ... أهل الغناء بها وأهل المغنم
وبفتح مكة كم لهم في يومه ... بلواء خير الخلق من متقدم
أقسمت بالحرم الأمين ومكة ... والركن والبيت العتيق وزمزم
لولا مآثرهم وفضل علاهم ... ما كان يعزى الفضل للمتقدم
ماذا عسى أثني وقد أثنت على ... عليائهم آي الكتاب المحكم
يا وارثاً عنها مآثرها التي ... قد شيّدت للفخر أشرف معلم
يا فخر أندلس لقد مدّت إلى ... علياك كف اللائذ المستعصم
أمّا سعودك في الوغى فتكفّلت ... بسلامة الإسلام فاخلد واسلم
وافيت هذا الثغر وهو على شفاً ... فشفيت معضل دائه المستحكم
ورعيته بسياسة دارت على ... مختطه دور السوار بمعصم
كم ليلة قد بتّ فيها ساهراً ... تهدي الأمان إلى العيون النوّم
يا مظهر الألطاف وهي خفيّة ... ومهبّ ريح النصر للمتنسم
لله دولتك التي آثارها ... سير الركاب لمنجد أو متهم
ما بعد يومك في المواسم بعدما ... أتبعت عيد الفطر أكرم موسم
стр. 3872
وافتك أشراف البلاد ليومه ... من كلّ ندب للعلا متسنم
صرفوا إليك ركابهم وتيمّموا ... من بابك المنتاب خير ميمّم
وتبوّأوا منه بدار كرامة ... فالكل بين مقرّب ومنعّم
ودّت نجوم الأفق لو مثلت به ... لتفوز فيه برتبة المستخدم
والروض مختالٌ بحلية سندس ... من كلّ موشيّ الرقوم منمنم
ورياحه نسمت بنشر لطيمة ... وأقاحه بسمت بثغر ملثّم (١)
وأريتنا فيه عجائب جمّة ... لم تجر في خلد ولم تتوهّم
أرسلت سرعان الجياد (٢) كأنها ... أسراب طير في التنوفة (٣) حوّم
من كلّ منحفز بخطفة بارقٍ ... قد كاد يسبق لمحة المتوهم
طرفٌ يشك الطّرف في استثباته ... فكأنّه ظنّ بصدر مرجّم
ومسافر في الجوّ تحسب أنّه ... يرقى إلى أوج السماء بسلّم
رام استراق السمع وهو ممنّع ... فأصيب من قضب العصيّ بأسهم
رجمته من شهب النصال حواصب (٤) ... لولاى تعرّضه لها لم يرجم
ومدارة الأفلاك أعجز كنهها ... إبداع كلّ مهندس ومهندم
يمشي الرجال بجوفها وجميعهم ... عن مستوى قدميه لم يتقدّم
ومنوّع الحركات قد ركب الهوا ... يمشي على خطّ به متوهّم
فإذا هوى من جوّه ثمّ استوى ... أبصرت طيراً حول (٥) صورة آدم
стр. 3873
يمشي على فنن الرشاء كأنّه ... فيه مساور ذابل أو أرقم
وإليك من صون العقول عقيلة ... وقفت ببابك وقفة المسترحم
ترجو قبولك وهو أكبر منحةٍ ... فاسمح به خلّدت من متكرّم
طاردت فيها وصف كلّ غريبةً ... فنظمت شارده الذي لم ينظم
ودعوت أرباب البيان أريهم ... " كم غادر الشعراء من متردم " (١)
ما ذاك إلاّ بعض أنعمك التي ... قد علّمتنا كيف شكر المنعم ثمّ قال: وأنشد من ذلك في الصنيع المخصوص بعمنا الأمير أبي عبد الله - رحمة الله تعالى عليه - وأطنب في وصف دار الملك وغير ذلك من ضخامة آثار مولانا رضي الله تعالى عنه:
سل الأفق بالزهر الكواكب حاليا ... فإني قد أودعته شرح حاليا
وحمّلت معتلّ النّسيم أمانةً ... قطعت بها عمر الزمان أمانيا
فيا من رأى الأرواح وهي ضعيفة ... أحمّلها ما يستخف الرواسيا
وساوس كم جدّت وجد بي الهوى ... فعدّ به القلب المقلّب هازيا
ومن يطع الألحاظ في شرعة الهوى ... فلا بدّ أن يعصي نصيحاً ولاحيا
عدلت بقلبي عن ولاية حكمه ... غداة ارتضى من جائر اللحظ واليا
وما الحب إلاّ نظرة تبعث الهوى ... وتعقب ما يعيي الطبيب المداويا
فيا عجباً للعين تمشي طليقة ... ويصبح من جرّائها القلب عانيا
ألا في سبيل الله نفس نفيسة ... يرخّص منها الحبّ ما كان غاليا
ويا ربّ عهدٍ للشباب قضيته ... وأحسنت من دين الوصال التقاضيا
خلوت بمن أهواه من غير رقبة ... ولكن عفافي لم أكن عنه خاليا
стр. 3874
ويوم بمستنّ الظباء شهدته ... أجدّ وصالاً بالياً فيه باليا
ولم أصح من خمر اللحاظ وقد غدا ... به الجوّ وضّاح الأسرّة صاحيا
وجرّد من غمد الغمامة صارماً ... من البرق مصقول الصفيح يمانيا
تبسّم فاستبكى جفوني غمرةً (١) ... ملأت بدرّ الدمع منها ردائيا
وأذكرني ثغراً ظمئت لورده ... ولا والهوى العذريّ ما كنت ناسيا
وراح خفوق القلب مثلي كأنما ... ببرق الحمى من لوعة الحب ما بيا
وليلة بات البدر فيها مضاجعي ... وباتت عيون الشهب نحوي روانيا
كرعت بها بين العذيب وبارق ... بمورد ثغر بات بالدرّ حاليا
رشفت به شهد الرضاب سلافة ... وقبّلت في ماء النعيم الأقاحيا
فيا برد ذاك الثغر روّيت غلّتي ... ويا حرّ أنفاسي أذبت فؤاديا
وروضة حسن للشباب نضيرة ... هصرت بغصن البان فيها المجانيا
وبت أسقّي (٢) وردة الخدّ أدمعي ... فأصبح فيها نرجس اللحظ ذاويا
ومالت بقلبي مائلات قدودها ... فما للقدود المائلات وما ليا
جزى الله ذاك العهد عوداً فطالما ... أعاد على ربعي الظباء الجوازيا
وقل لليالٍ في الشباب نعمتها ... وقضّيتها أنساً: سقيت لياليا
ويا وادياً رفّت عليّ ظلاله ... ونحن ندير الوصل قدّست (٣) واديا
رمتني عيون السّرب فيه وإنما ... رمين بقلبي في الغرام المراميا
فلولا اعتصامي بالأمير محمّدٍ ... لما كنت من فتك اللواحظ ناجيا
فقل للذي يبني على الحسن شعره ... عليه مع الإحسان لا زلت بانيا
فكم من شكاة في الهوى قد رفأتها ... ورفّعتها بالمدح إذ جاء تاليا
стр. 3875
وكم ليلة في مدحه قد سهرتها ... أباهي بدرّ النّظم فيه الدراريا
ولاح عمود الصبح مثل انتسابه ... رفعت عليه للمديح المبانيا
إمام أفاد المكرمات زمانه ... وشاد له فوق النجوم المعاليا
وجاوز قدر البدر نوراً ورفعةً ... ولم يرض إلاّ بالكمال مواليا
هو الشمس بثت في البسيطة نفعها ... وأنوارها أهدت (١) قريباً وقاصياً
هو البحر بالإحسان يزخر موجه ... ولكنه عذبٌ لمن جاء عافيا
هو الغيث مهما (٢) يمسك الغيث سحبه ... يروّ بسحب الجود من كان صاديا
شمائل لو أنّ الرياض بحسنها ... لما صار فيها زهرها الغضّ ذاويا
فيا ابن الملوك الصّيد من آل خزرج ... وذا نسب كالصبح عزّ مساميا
ألست الذي ترجو العفاة نواله ... فتخجل جدواه السحاب الغواديا
ألست الذي تخشى البغاة صياله ... فتوجل (٣) علياه الصعاب العواديا
وهديك مهما ضلت الشّهب قصدها ... تولته في جنح الدجنّة هاديا
وعزمك أمضى من حسامك في الوغى ... وإن كان مصقول الغرارين ماضيا
فكم قادح في الدين يكفر ربّه ... قدحت له زند الحفيظة واريا
وما راعه إلاّ حسام وعزمة ... يضيئان في ليل الخطوب الدواجيا
فلولاك يا شمس الخلافة لم يبن ... سبيل جهاد كان من قبل خافيا
ولولاك لم ترفع سماء عجاجة ... تلوح بها بيض النصول دراريا
ولولاك لم تنهل غصون من القنا ... وكانت إلى ورد الدماء صواديا
فأثمر فيها النصل نصراً مؤزراً ... وأجنى قطاف الفتح غضّاً ودانيا
ومهما غدا سفّاح سيفك عارياً ... يغادر وجه الأرض بالدم كاسيا
стр. 3876
قضى الله من فوق السموات أنه ... على من أبى الإسلام في الأرض قاضيا
فكم معقلٍ للكفر صبّحت أهله ... بجيش أعاد الصبح أظلم داجيا
رقيت إليه والسيوف مشيحة ... وقد بلغت فيه النفوس التراقيا
ففتّحت مرقاه الممنّع عنوة ... وبات به التوحيد يعلو مناديا
وناقوسه بالقسر أمسى معطّلاً ... ومنبره بالذكر أصبح حاليا
عجائب لم تخطر ببال وإنّما ... ظفرنا بها عن همّةٍ هي ما هيا
فمنك استفاد الدهر كلّ عجيبة ... يباهي بها الأملاك أخرى لياليا
وعنك يروّي الناس كلّ غريبةً ... تخطّ على صفح الزمان الأماليا
ولله مبناك الجميل فإنّه ... يفوق على حكم السعود المبانيا
فكم فيه للأبصار من متنزّه ... تجدّ به نفس الحليم الأمانيا
وتهوى النجوم الزّهر لو ثبتت به ... ولم تك في أفق السّماء جواريا
ولو مثلت في سابقيه (١) لسابقت ... إلى خدمة ترضيك منها الجواريا
به البهو قد حاز البهاء وقد غدا ... به القصر آفاق السماء مباهيا
وكم حلّة جلّلته بحليّها ... من الوشي تنسي السابريّ اليمانيا
وكم من قسيّ في ذراه ترفّعت ... على عمد بالنور باتت حواليا
فتحسبها الأفلاك دارت قسيّها ... تظل عمود الصبح إذ بات (٢) باديا
سواري قد جاءت بكلّ غريبة ... فطارت بها الأمثال تجري سواريا
به المرمر المجلو قد شف نوره ... فيجلو من الظّلماء ما كان داجيا
إذا ما أضاءت بالشعاع تخالها ... على عظم الأجرام منها لآليا
به البحر دفّاع العباب تخاله ... إذا ما انبرى وفد النّسيم مباريا
إذا ما جلت أيدي الصّبا متن صفحه ... أرتنا دروعاً أكسبتنا الأياديا
стр. 3877
وراقصة في البحر طوع عنانها ... تراجع ألحان القيان الأغانيا (١)
إذا ما علت في الجوّ ثمّ تحدرت ... تحلّي بمرفضّ الجمان النواحيا
بذوب لجين سال بين جواهر ... غدا مثلها في الحسن أبيض صافيا
تشابه جارٍ للعيون بجامد ... فلم أدر أيّاً منهما كان جاريا
فإن شئت تشبيهاً له عن حقيقة ... تصيب بها المرمى وبوركت راميا
فقل أرقصت منها البحيرة متنها (٢) ... كما يرقص المولود من كان لاهيا
أرتنا طباع الجود وهي وليدة ... ولم ترض في الإحسان إلاّ تغاليا
سقت ثغر زهر الروض عذب برودها ... وقامت لكي تهدي إلى الدهر (٣) ساقيا
كأن قد رأت نهر المجرّة ناضباً ... فرامت بأن تجري إليه السواقيا
وقامت بنات الدوح فيه مواثلاً ... فرادى ويتلو بعضهنّ مثانيا
رواضع في حجر الغرام ترعرعت ... وشبّت فشبّت حبّها في فؤاديا
بها كل ملتفّ الغدائر مسبل ... تجيل به أيدي النسيم مداريا
وأشرف جيد الغصن فيها معطّلاً ... فقلّدت النّوّار منه التراقيا
إذا ما تحلّت درّ زهر غروسه ... يبيت لها النّمّام بالطيب واشيا
مصارفه النقدين فيها بمثلها ... أجاز بها النقدين منها كما هيا (٤)
فإن ملأت كفّ النّسيم بمثلها (٥) ... دراهم نور ظلّ عنها مكافيا
فيملأ حجر الروض حول غصونها ... دنانير شمس تترك الروض حاليا
تغرّد في أفنانها الطير كلّما ... تجسّ به أيدي القيان الملاهيا
تراجعها سجعاً فتحسب أنها ... بأصواتها تملي عليها الأغانيا
стр. 3878
فلم ندر روضاً منه أنعم نضرةً ... وأعطر أرجاءً، وأحلى مجانيا
ولم نر قصراً منه أعلى مظاهراً ... وأرفع آفاقاً، وأفسح ناديا
معاني من نفس الكمال انتقيتها ... وزينت منها بالجمال المغانيا
وفاتحت مبناه بعيد شرعته ... تبث به في الخافقين التهانيا
ولمّا دعوت الناس نحو صنيعه ... أجابوا لهم من جانب الغور داعيا
وأمّوه من أقصى البلاد تقرّباً ... وما زال منك السعد يدني الأقاصيا
وأذكرت يوم العرض جوداً ومنعةً ... بموقف عرض كنت فيه المجازيا
جزيت به كلاّ على حال سعيه ... فما غرست بمناه أصبح جانيا
وأطلعت من جزل الوقود هوادجاً ... تذكّر يوم النفر من كان ساهيا
وحين غدا يذكى ببابك للقرى ... فلا غرو أن أجريت فيه المذاكيا
وطامحة في الجوّ غير مطالة ... يرد مداها الطرف أحسر عانيا
تمدّ لها الجوزاء كفّ مسارعٍ (١) ... ويدنو لها بدر السماء مناجيا
ولا عجب أن فاتت الشهب بالعلا ... وأن جاوزت منها المدى المتناهيا
فبين يدي مثواك قامت لخدمة ... ومن خدم الأعلى استفاد المعاليا
وشاهد ذا أني ببابك واقف ... وقد حسدت زهر النجوم مكانيا
وقد أرضعت ثدي الغمائم قبلها ... بحجر رياض كنّ فيه نواشيا
فلمّا أبينت عن قرارة أصلها ... أرادت إلى مرقى الغمام تعاليا
وعدّت لقاء السحب عيداً وموسماً ... لذاك اغتدت بالزّمر تلهي الغواديا
فأضحكت البرق الطروب خلالها ... وباتت لأكواس الدراري معاطيا
رأت نفسها طالت فظنّت بأنها ... تفوت على رغم اللحاق المراميا
стр. 3879
فخفّت إليها الذابلات (١) كأنها ... طيورٌ إلى وكر أطلن تهاويا
حكت شبهاً (٢) للنحل والنحل حوله ... عصيّ إلى مثواه تهوي عواليا
فمن مثبت منها الرميّة مدرك ... ومن طائشٍ في الجوّ حلّق وانيا
وحصن منيع في ذراها قد ارتقى ... فأبعد في الجوّ الفضاء المراقيا
كأن بروق الجوّ غارت وقد أرت ... بروج قصور شدتهنّ سواميا
فأنشأت برجاً صاعداً متنزلاً ... يكون رسولاً بينهنّ مداريا
تطوّر حالات أتى في ضروبها ... بأنواع حليٍ تستفزّ الغوانيا
فحجل برجليها وشاح بخصرها ... وتاجٌ إلى ما حلّ منها الأعاليا
وما هو إلاّ طير سعد بذروة ... غدا زاجراً من أشهب الصبح بازيا
أمولاي يا فخر الملوك ومن به ... سيبلغ دين الله ما كان راجيا
بنوك على حكم السعادة خمسة ... وذا عددٌ للعين مازال واقيا
تبيت لهم كفّ الثريا معيذة ... ويصبح معتلّ النواسم راقيا (٣)
أسام عليها للسعادة ميسم ... ترى العزّ فيها مستكنّاً وباديا
جعلت أبا الحجاج فاتح طرسهم ... وقد عرفت منك الفتوح التواليا
وحسبك سعد ثمّ نصرٌ يليهم ... محمد الأرضى، فلا زلت راضيا
أقمت به من فطرة الدين سنّةً ... وجددت من رسم الهداية عافيا
وجاءوا به ملء العيون وسامةً ... يقبّل وجه الأرض أزهر باهيا
فيا عاذراً (٤) ما كان أجرأ مثله ... فمثلك لا يدمي الأسود الضواريا
وجاءتك من مصر التحايا كرائماً ... فما فتقت أيدي التّجار الغواليا
стр. 3880
ووافتك من أرض الحجاز تميمة ... تتمم صنع الله لا زال باديا
وناداك بالتمويل (١) سلطان طيبة ... فيا طيب ما أهدى إليك مناديا
وقام وقد وافى ضريح محمد ... لسلطانك الأعلى هنالك داعيا
سريرتك الرحمى جزاك بسعيها ... إله يوفّي بالجزاء (٢) المساعيا
فوالله لولا سنّة نبويّة ... عهدناه مهديّاً إليها وهاديا
وعذر من الإعذار قرر حكمه ... من الشرع أخبار رفعن عواليا
لراعت بها للحرب (٣) أهوال موقف ... تشيب بمبيض النصول العواليا
لك الحمد فيه من صنيع تعدّه ... فثالثه في الفخر عزز ثانيا
تشدّ له الجوزاء عقد نطاقها ... لتخدم فيه كي تنال المعاليا
وهنّيت بالأمداح فيه وقد غدا ... وجودك فيه بالإجادة وافيا
ودونك من بحر البيان جواهراً ... كرمن فما يشرين إلاّ غواليا
وطاردت فيها وصف كل غريبة ... فأعجزت من يأتي ومن كان ماضيا
فيا وارث الأنصار لا عن كلالة ... تراث جلال يستخف الرواسيا
بأمداحه جاء الكتاب مفصّلاً ... يرتّله في الذكر من كان تاليا
لقد عرف الإسلام ممّا أفدته ... مكارم أنصارية وأياديا
عليك سلام الله فاسلم مخلّداً ... تجدّد أعياداً وتبلي أعاديا ثمّ قال: ومن ذلك في الصنيع المختص بالأمراء الجلّة: أخينا المعز لدولتنا أبي الحسن، وأخينا أبي العباس، وابن عمنا أبي عبد الله، وصل الله تعالى سعودهم. ولقد أبدع في تشييده وتأسيسه، وبسط يد الحسن من براعته وتخميسه (٤) ، وذلك
стр. 3881
إلى (١) عودة مولانا رحمة الله تعالى عليه من سبتة لما عادت إلى ملكه:
أرقت لبرقٍ مثل جفني ساهرا ... ينظّم من قطر الغمام جواهرا
فيبسم (٢) ثغر الروض عنه أزاهرا ... وصبحٍ حكى وجه الخليفة باهرا تجسّم من نور الهدى وتجسدا ...
شفاني معتل النّسيم إذا انبرى ... وأسند عن دمعي الحديث الذي جرى
وقد فتق الأرجاء مسكاً وعنبرا ... كأنّ الغني بالله في الروض قد سرى فهبّت به الأرواح عاطرة الرّدا ...
عذيري من قلب إلى الحسن قد صبا ... تهيّجه الذكرى ويصبو إلى الصّبا
ويجري جياد اللهو في ملعب الصّبا ... ولولا ابن نصر ما أفاق وأعتبا رأى وجهه صبح الهداية فاهتدى ...
إليك أمير المسلمين شكاية ... جنى الحسن فيها للقلوب جناية
وأعظم فيها بالعيون نكاية ... وأطلع في ليل من الشّعر آية محيّا جميلاً بالصباح قد ارتدى ...
بهديك تهدى اليّرات وتهتدي ... وأنواؤها جدوى يمينك تجتدي
وعدلك للأملاك أوضح مرشد ... بآثاره في مشكل الأمر تقتدي فما بال سلطان الجمال قد اعتدى ...
تحكّم منّا في نفوس ضعيفة ... وسل سيوفاً من جفون نحيفة
ألم يدر أنّا في ظلال خليفة ... ودولة أمن لا تراع منيفة بها قد رسا دين الهوى وتمهّدا ...
стр. 3882
خذوا بدم المشتاق لحظاً أراقه ... وبرقاً بأعلام الثنيّة شاقه
وإن كلفوه فوق ما قد أطاقه ... يبث حديثاً ما ألذ مساقه خليفتنا المولى الإمام محمّدا ...
تقلّد حكم العدل ديناً ومذهبا ... وجور الليالي قد أزاح وأذهبا
فيا عجباً للشوق أذكى وألهبا ... وسلّ صباحاً صارم البرق مذهبا وقد بات في جفن الغمامة مغمدا ...
يذكّرني ثغراً لأسماء أشنبا ... إذا ابتسمت تجلو من الليل غيهبا
كعزم أمير المسلمين إذا احتبى ... وأجرى به طرفاً من الصبح أشهبا وأصدر في ذات الإله وأوردا ...
فسبحان من أجرى الرياح بنصره ... وعطّر أنفاس الرياض بشكره
فبرد الصّبا يطوى على طيب نشره ... ومهما تجلّى وجهه وسط قصره ترى هالةً بدر السماء بها بدا ...
إمامٌ أفاد المعلوات زمانه ... فما لحقت زهر النجوم مكانه
ومدّ على شرق وغرب أمانه ... ولا عيب فيه غير أنّ بنانه تغرّق مستجديه في أبحر الندى ...
هو البحر مدّ العارض المتهلّلا ... هو البدر لكن لا يزال مكمّلا
هو الدهر لا يخشى الخطوب ولا ولا ... هو العلم الخفّاق في هضبة العلا هو الصارم المشهور في نصرة الهدى ...
أما والذي أعطى الوجود وجوده ... وأوسع من فوق البسيطة جوده
لقد أصحب النصر العزيز بنوده ... ومدّ بأملاك السماء جنوده وأنجز للإسلام بالنصر موعدا ...
стр. 3883
أمولاي قد أنجحت رأياً وراية ... ولم تبق في سبق المكارم غاية
فتهدي سجايا كابن رشد نهاية ... وإن كان هذا السعد منك بداية سيبقى على مرّ الزمان مخلّدا ...
سعودك تغني عن قراع الكتائب ... وجودك يزري بالغمام السواكب
وإن زاحمتها شهبها بالمناكب ... ووجهك بدر المنتدى والمواكب وقد فسحت في الفخر أبناؤك المدى ...
بنوك كأمثال الأنامل عدّة ... أعدّت لما يخشى من الدهر عدّة
وزيد بهم برد الخلافة جدّة ... أطال لهم في ظلّ ملكك مدّة إله يطيل العمر منك مؤبّدا ...
بدور بأوصاف الكمال استقلّت ... غمام بفيّاض النّوال استهلّت
سيوف على الأعداء بالنصر سلّت ... نجوم بآفاق العلاء تجلّت ولاحت كما شاءت سعودك أسعدا ...
وإنّ أبا الحجاج سيفك منتضى ... وبدرٌ بآفاق الجمال تعرّضا
بنورك يا شمس الخلافة قد أضا ... وراقت على أعطافه حلل الرضى فحلّ محلاًّ من علاك (١) ممهّدا ...
مليك له تعنو الملوك جلالة ... يجرّر أذيال الفخار مطالةً
وترفق أسد الغاب منه بسالة ... وترضاه أنصار الرسول سلالة فأبناؤه طابوا فروعاً ومحتدا ...
أزاهر في روض الخلافة أينعت ... زواهر في أفق العلاء تطلّعت
стр. 3884
جواهر أغيت في الجمال وأبدعت ... وعن قيمة الأعلاق قدراً ترفعت يسر بها الإسلام غيباً ومشهدا ...
بعهد وليّ العهد كرّم عهده ... وأنجز في تخليد ملكك وعده
تنظّم منهم تحت شملك عقده ... وأورثهم فخراً أبوه وجدّه فأعلى عليّاً حين أحمد أحمدا ...
تحوط بهم ملكاً عزيزاً وملّة ... وتلحظ عين السّعد منهم أهلّة
ستبدو على أفق العلا مستقلّةً ... وسحباً بفيّاض العلا مستهلّة تفجّر بحراً للسماحة مزبدا ...
ونجلك نصر يقتفي نجل رسمه ... أمير يزين العقل راجح حلمه
أتاك بنجل يستضاء بنجمه ... لحب رسول الله سمّاه باسمه وباسمك في هذي الموافقة اقتدى ...
أقمت بإعذار الإمارة سنّة ... وطوقت من حلي بفخرك منّة
وأسكنتها في ظل برّك جنّة ... وألحفتها برد امتنانك جنّةً وعمّرت منها بالتلاوة مسجدا ...
فلله عينا من رآهم تطلّعوا ... غصوناً بروض الجود منك ترعرعوا
وفي دوحة العلياء منك تفرّعوا ... ملوك بجلباب الحياء تقنّعوا أضاء بهم من أفق قصرك منتدى ...
وقد أشعروا الصبر الجميل نفوسهم ... وأضفوا به (١) فوق الحليّ لبوسهم
قد زيّنوا بالبشر فيه شموسهم ... وعاطوا كؤوس الأنس فيه جليسهم وأبدوا على هول المقام تجلّدا ...
стр. 3885
شمائل فيهم من أبيهم وجدّهم ... تفصّل آي الفخر فيها بحمدهم
وتنسبها الأنصار قدماً لسعدهم ... تضيء بها نوراً مصابيح سعدهم ولم لا ومن صحب الرسول توقّدا ...
فوالله لولا سنّة قد أقمتها ... وسيرة هدي للنّبيّ علمتها
وأحكام عدلٍ للجنود رسمتها ... لجالت بها الأبطال تقصد سمتها وتترك أوصال الوشيج مقصّدا ...
ويا عاذراً أبدي لنا الشرع عذره ... طرقت حمىً قد عظّم الله قدره
وأجريت طيباً يحسد الطيب نشره ... لقد جئت ما تستعظم الصّيد أمره وتفديه إن يقبل خليفتها فدا ...
رعى الله منها دعوةً مستجابة ... أفادت نفوس المخلصين إنابةً
ولم تلف من دون القبول حجابة ... وعاذرها لم يبد عذراً مهابة فأوجب عن نقص كمالاً تزيّدا ...
فنقص كمال (١) المال وفر نصابه ... وما السيف إلاّ بعد مشق ذبابه
وما الزّهر إلاّ بعد شقّ إهابه ... بقطع يراع الخطّ حسن كتابه وبالقص يزداد الذبال توقدا ...
ولما قضوا عن سنة الشرع واجبا ... ولم نلق من دون الخلافة حاجبا
أفضنا نهنّي منك جذلان واهبا ... أفاض علينا أنعماً ومواهبا تعوّد بذل الجود فيما تعوّدا ...
هنيئاً هنيئاً قد بلغت مؤمّلا ... وأطلعت نوراً يبهر المتأملا
стр. 3886
وأحرزت أجر المنعمين مكمّلا ... تبارك من أعطى جزيلاً وأجملا وبلّغ فيك الدين والملك مقصدا ...
ألا في سبيل العزّ والفخر موسم ... يظل به ثغر المسرّة يبسم
وعرف الرضى من جوّه يتنسّم ... وأرزاق أرباب السعادة تقسم ففي وصفه ذهن الذكيّ تبلّدا ...
وجلّلت في هذا الصنيع مصانعا ... تمنى بدور التمّ منها مطالعا
وأبديت فيها للجمال بدائعا ... وأجريت للإحسان فيها مشارعا يود بها نهر المجرّة موردا ...
وأجريت فيها الخيل وهي سوابق ... وإن طلبت في الروع فهي لواحق
نجومٌ وآفاق الطّراد مشارق ... يفوت التماح الطّرف منها بوارق إذا ما تجاري الشهب تستبق المدى ...
وتطلع في ليل القتام كواكبا ... وقد وردت نهر النهار مشاربا
تقود إلى الأعداء منها كواكبا ... فترسم من فوق التراب محاربا تحور رؤوس الروم فيهنّ سجدّا ...
سوابح بالنصر العزيز سوانح ... وهنّ لأبواب الفتوح فواتح
تقود إليك النصر والله مانح ... فما زلت باب الخير والله فاتح وما تمّ شيء (١) قد عدا بعد ما بدا ...
رياح لها مثنى البروق أعنّة ... ظباء فإن جنّ الظلام فجنّة
تقيها من البدر المتمّم جنّة ... وتشرع من زهر النجوم أسنّة فتقذف شهب الرّجم في أثغر العدا ...
стр. 3887
فأشهب من نسل الوجيه إذا انتمى ... جرى فشأى شهب الكواكب في السما
وخلف منها في المقلّد أنجما ... تردّى جمالاً بالصباح وربما يقول له الإصباح: نفسي لك الفدا ...
وأحمر قد أذكى به البأس جمرة ... وقد سلب الياقوت والورد حمرة
أدار به ساق من الحرب خمرة ... وأبدى حباباً فوقها الحسن غرّة يزين بها خدّاً أسيلاً مورّدا ...
وأشقر مهما شعشع الركض برقه ... أعار جواد البرق في الأفق سبقه
بدا شفقاً قد جلّل الحسن أفقه ... ألم تر أنّ الله أبدع خلقه فسال على أعطافه الحسن عسجدا ...
وأصفر قد ودّ الأصيل جماله ... وقد قدّ من برد العشيّ جلاله
إذا أسرجوا جنح الظلام ذباله ... فغرّته شمس (١) تضيء مجاله وفي ذيله ذيل الظلام قد ارتدى ...
وأدهم في مسح الدجى متجرد ... يجيش بها بحر من اللّيل مزبد
وغرّته نجم به تتوقّد ... له البدر سرج والنجوم مقلّد وفي فلق الصبح المبين تقيّدا ...
وأبيض (٢) كالقرطاس لاح صباحه ... على الحسن مغداه وفيه مراحه
وللظّبيات الآنسات مراحه ... تراه كنشوانٍ أمالته راحه وتحسبه وسط الجمال معربدا ...
стр. 3888
وذاهبة في الجوّ ملء عنانها ... وقد لفعتها السحب برد عنانها
يفوت ارتداد الطّرف لمح عيانها ... وختّمت الجوزاء سبط بنانها وصاغت لها حلي النجوم مقيّدا ...
أراها عمود الصبح علو المصاعد ... وأوهمها قرب المدى المتباعد
ففاتته سبقاً في مجال الرواعد ... وأتحفت الكفّ الخضيب بساعد فطوقت الزّهر النجوم بها يدا ...
وقد قذفتها للعصيّ حواصب ... قد انتشرت في الجوّ منها ذوائب
تزاور منها في الفضاء حبائب ... فبينهما من قبل ذاك مناسب لأنهما في الروض قببل تولّتدا ...
بنات لأمّ قد حبين لروحها ... دعاها الهوى من بعد كتم لبوحها
فأقلامها تهوي لخطّ بلوحها ... فبالأمس كانت بعض أغصان دوحها فعادت إليها اليوم من بعد عوّدا ...
ويا ربّ حصن في ذراها قد اعتلى ... أنارت بروج الأفق في مظهر العلا
بروج قصور شدتها متطولا ... فأنشأت برجاً صاعداً متنزلا يكون رسولاً بينها مترددا ...
وهل هي إلاّ هالةٌ حول بدرها ... يصوغ لها حلياً يليق بنحرها
تطوّر أنواعاً تشيد بفخرها ... فحجلٌ برجليها وشاح بخصرها وتاج بأعلى رأسها قد تنضدا (١) ...
стр. 3889
أراد استراق السمع وهو ممنّع ... فقام بأذيال الدجى يتلفّع
وأصغى لأخبار السما يتسمّع ... فأتبعه منها ذوابل شرّع لتقذفه بالرّعب مثنى وموحدا ...
وما هو إلاّ قائمٌ مدّ كفّه ... ليسأل من ربّ السموات لطفه
لمولىً تولاه وأحكم رصفه ... وكلّف أرباب البلاغة وصفه وأكرم منه القانت المتهجدا ...
ملاقي ركبٍ من وفود النواسم ... مقبّل ثغر للبروق البواسم
مختّم كفّ بالنّجوم العواتم ... مبلّغ قصد من حضور المواسم تجدده مهما صنيع تجدّدا ...
ومضطرب في الجوّ أثبت قامةً ... تقدم يمشي في الهواء كرامةً
تطلّع في غصن الرشاء كمامةً ... وتحسبه تحت الغمام غمامةً يسيل على أعطافها عرق النّدى ...
هوى واستوى في حالة وتقلّبا ... كخاطف برق قد تألّق خلّبا
وتحسبه قد دار في الأفق كوكبا ... ومهما مشى واستوقف العقل معجبا تقلّب فيه العين لحظاً مرددا ...
لقد رام يرقى للسماء بسلّم ... فيمشي على خطّ به متوهم
أجل في الذي يبديه فكر توسّم ... ترى طائراً قد حلّ صورة آدمي وجنّاً بمهواة الفضاء تمرّدا ...
ومنتسب للخال سمّوه ملجما ... له حكمات حكمها فاه ألجما
تخالف جنساً والداه إذا انتمى ... كما جنسه أيضاً تخالف عنهما عجبت له إذ لم يلد وتولّدا ...
стр. 3890
ثلاثتها في الذكر جاءت مبينّة ... من اللاء سمّاها لنا الله زينة
وأنزل فيها آيةً مستبينة ... وأودع فيها للجهول سكينة وآلاءه فيها على الخلق بدّدا ...
كسوه من الوشي اليمانيّ هودجا ... يمدّ على ما فوقه الظلّ سجسجا
وكم صورة تجلى به تبهر الحجى ... وجزل وقود ناره تصدع الدجى وقلب حسود غاظ مذكيه موقدا ...
وما هي إلاّ مظهر لجهاده ... أرتنا بها الأفراح فضل اجتهاده
ملاعبها هزّت قدود صعاده ... وأذكرت الأبطال يوم طراده فما ارتبت فيه اليوم صدّقته غدا ...
ألا جدّد الرحمن صنعاً حضرته ... ودوح الأماني في ذراه هصرته
بقصر طويل الوصف فيه اختصرته ... يقيّد طرف الطرف مهما نظرته " ومن وجد الإحسان قيداً تقيّدا " (١) ...
دعوت له الأشراف من كلّ بلدة ... فجاءوا بآمال لهم مستجدّة
وخصّوا بألطاف لديه معدّة ... أيادٍ بفيّاض الندى مستمدّة فكلّهم من فضله قد تزوّدا ...
وجاءتك من آل النبيّ عصابةٌ ... لها في مرامي المكرمات إصابة
أحبّتك حبّاً ليس فيه استرابة ... ولبّت دواعي الفوز منها إجابة وناداهم التخصيص فابتدروا الندا ...
أجازوا إليك البحر والبحر يزخر ... لبحر سماحٍ مدّه ليس يجزر