Полный текст (4 204 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
غير أن الرحيل، عن الربع المحيل، فصل بين الشائق والمشوق وحيل:
وقفنا بربع الحب والحب راحل نحاول رجعاه لنا ويحاول
وألقت دموع العين فيه مسائلا لها عن عبارات الغرام دلائل
وبالسفح منها كما سقيت لبانها فميلته والسفح للبان مائل
إذا نسمة الأحباب منها تنسمت تطيب بها أسحارنا والأصائل
تثير شجوني ساجعات غصونها فمنها على الحالتين هاجت بلابل
مرابع ألا في مراتع لذتي مطالع أقماري بها والمنازل
فحياها الله من منازل ذات مراتع أقمار سائرة فيها، ومنازه لا يحصى الواصف محاسنها وأمداح أهلها ولا يستوفيها:
حلوا عقود اصطباري عندما رحلوا وفي الخمائل حلوا مثل أمطار
إن المنازل قد كانت منازه إذ باتوا بها وهي أوطاني وأوطاري
ورعى الله من بان، وشاق حتى الرند والبان:
بانوا لعيني أقماراً تقلهم لدن الغصون فلما آنسوا بانوا
عهودهم لست أنساها، وكيف وقد رثى لبيني عنها الرند والبان
وفي مثل هذا الموطن تذوب القلوب الرقاق، كما قال حائز قصب السبق بالاستحقاق، الأديب الأندلسي الشهير بابن الزقاق:
وقفت على الربوع ولي حنين لساكنهن ليس إلى الربوع
стр. 37
ولو أني حننت إلى مغاني أحبائي حننت على ضلوعي
وكما قال بعض من له في هذه الفجاج مسير:
دخولك من باب الهوى إن لو أردته يسير، ولكن الخروج عسير
وأين من له صفاة لا يطمع الدهر القوي في نحتها، وجنات دنيوية لا تجري أنهار الفراق من تحتها:
فسقى رضيع النبت من ذاك الحمى بحيا تدور على الربى كاساته
سفح سفحت عليه دمعي في ثرى كالمسك ضاع من الفتاة فتاته
ولم أزل بعد انفصالي عن الغرب يقصد الشرق، واتصافي في أثر ذلك الجمع بالفرق:
أحن إذا خلوت إلى زمان تقضي لي بأفنية الربوع
وأذكر طيب أيام تولت لنا فتفيض من أسف دموعي
وأتوق وقد اتسع من البعد الخرق، وخصوصا إذا شدا صادح أو أومض برق، إلى ديار لا يعدوها اختيار:
وأربع أحباب إذا ما ذكرتها بكيت، وقد يبكيك ما أنت ذاكر
بطاح وأدواح يروقك حسنها بكل خليج نمنته الأزاهر
فما هو إلا فضة في زبرجد تساقط فيه اللؤلؤ المتناثر
بحيث الصبا والترب والماء والهوى عبير وكافور وراح وعاطر
وما جنة الدنيا سوى ما وصفته وما ضم منه الحسن نجد وحاجر
بلادي التي أهلي بها وأحبتي وقلبي وروحي والمنى والخواطر
стр. 38
تذكرني أنجادها ووهادها عهوداً مضت لي وهي خضر نواضر
إذ العيش صاف والزمان مساعد فلا العيش مملول ولا الدهر جائر
بحيث ليالينا كغض شبابنا وأيامنا سلك ونحن جواهر
ليالي كانت للشبيبة دولة بها ملك اللذات ناه وآمر
سلام على تلك العهود فإنها موارد أفراح تلتها مصادر
وأتذكر تلك الأيام، التي مرت كالأحلام، فأتمثل بقول بعض الأكابر الأعلام:
يا ديار السرور لا زال يبكي فيك إذ تضحك الرياض غمام
رب عيش صحبته فيك غض وعيون الفراق عنا نيام
في لياليٍ كأنهن أمانٍ في زمانٍ كأنه أحلام
وكأن الأوقات فيك كؤوس دائرات وأنسهن مدام
زمن مسعد وإلف وصول ومنى تستلذها الأوهام
وبقول الحائك الأمي، عندما يكثر شجوي وغمي:
لم أنس أياماً مضت وليالينا سلفت وعيشاً بالصريم تصرما
إذ نحن لا نخشى الرقيب ولم نخف صرف الزمان ولا نطيع اللوما
والعيش غض والحواسد نوم هنا وعين البين قد كحلت عمى
في روضة أبدت ثغور زهورها لما بكى فيها الغمام تبسما
مد الربيع على الخمائل نوره فيها فأصبح كالخيام مخيما
تبدو الأقاحي مثل ثغر أشنبٍ أضحى المحب به كئيباً مغرما
وعيون نرجسها كأعين غادةٍ ترنو فترمي باللواحظ أسهما
وكذلك المنثور منثور بها لما رأى ورد الخدود منظما
والطير تصدح في فروعها فنونها سحراً فتوقظ بالهديل النوما
стр. 39
وأميل، إلى بلاد محياها جميل:
كساها الحيا برد الشباب فإنها بلاد بها عق الشباب تمائمي
ذكرت بها عهد الصبا فكأنما قدحت بنار الشوق بين الحيازم
ليالي لا ألوي على رشد ناصحٍ عناني، ولا أثنيه عن غي لائم
أنال سهادي من عيون نواعس وأجني مرادي من غصون نواعم
وليل لنا بالسد بين معاطف من النهر ينساب انسياب الأراقم
تمر إلينا ثم عنا كأنها حواسد تمشي بيننا بالنمائم
وبتنا ولا واشٍ نخاف كأنما حللنا مكان السر من صدر كاتم
وأهفو إلى قصور ذات بهجة، وصروح توضح معالمها للرائد نهجه:
ورياض تختال منها غصون في برود من زهرها وعقود
فكأنما الأدواح فيها غوان تتبارى زهواً بحسن القدود
وكأن الأطيار فيها قيان تتغنى في كل عود بعود
وكأن الأزهار في حومة الرو ض سيوف تسل تحت بنود
وأصبو إلى بطاح وأدواح، تروح النفوس والأرواح:
سقياً لها من بطاح خزٍ ودوح زهر بها مطل
إذ ترى غير وجه شمسٍ أطل فيه عذار ظل
وأنهارٍ جارية، وأزهار نواسمها سارية، وأربع وملاعب، تزيح
стр. 40
عن بصرها المتاعب:
تلك المنازل والملا عب لا أراها الله محلا
أوطنتها زمن الصبا وجعلت فيها لي محلا
حيث التفت رأيت ماءً سائحاً ورأيت ظلا
والنهر يفصل بين وه؟ ر الروض في الشطين فصلا
كبساط وشيٍ جردت أيدي القيون عليه نصلا
وإلى منازل، يستفز حسنها الرائق الجاد والهازل، ويشفي منظرها عليلا، ويكفي مخبرها للمستفهم دليلا:
وجنان ألفتها حين غنت حولها الورق بكرةً وأصيلا
نهرها مسرعاً جرى وتمشت في رباها الصبا قليلاً قليلا
وأتمثل إن ذكرت حال وداعي، بقول الشاعر الأديب الوداعي:
الغرب خير وعند ساكنه أمانة أوجبت تقدمه
فالشرق من نيريه عندهم يودع ديناره ودرهمه
وبقول غيره، إشارة لفضل الغرب وخيره:
أشتاق للغرب وأصبو إلى معاهدٍ فيه وعصر الصبا
يا صاحبي نجواي والليل قد أرخى جلابيب الدجى واختبا
لا تعجبا من ناظر ساهرٍ بات يراعي أنجماً غبيا
القلب في آثارها طائر لما رآها تقصد المغربا
стр. 41
وأهيم كلما حللت من غيران أرضي بمكان، وقد صير السائق جد السير معمولاً ل؟ ((كان)) ، بقول قاضي القضاة العالم الكبير الشمس ابن خلكان:
أي ليلٍ على المحب أطاله سائق الظعن يوم زم جماله
يزجر العيس طاوياً يقطع المه؟ مه عسفاً سهوله ورماله
أيها السائق المجد ترفق بالمطايا فقد سئمن الرحاله
وأنخها هنيهةً وأرحها إذ براها السرى وفرط الكلاله
لا تطل سيرها العنيف فقد بر ح بالصب في سراها الإطالة
وارث للنازح الذي إن رأى رب؟ عاً ثوى فيه نادباً أطلاله
يسأل الربع عن ظباء المصلى ما على الربع لو أجاب سؤاله
ومحال من المحيل جواب غير أن الوقوف فيه علاله
هذه سنة المحبين يبكو ن على كل منزل لا محاله
يا ديار الأحباب لا زالت الأء ين في ترب ساحتيك مذاله
وتمشي النسيم وهو عليل في مغانيك ساحباً أذياله
أين عيش مضى لنا فيك؟ ما أس؟ رع عنا ذهابه وزواله
حيث وجه الزمان طلق نضير والتداني غصونه مياله
ولنا فيك طيب أوقات أنسٍ ليتنا في المنام نلقى مثاله
وأردد قول الذي سحر الألباب، منادياً من له من الأحباب:
أحبابنا لو لقيتم في إقامتكم من الصبابة ما لاقيت في الظعن
لأصبح البحر من أنفاسكم يبساً والبر من أدمعي ينشق بالسفن
стр. 42
وقوله:
وما تغيرت عن ذاك الوداد، ولا حالت بين الحال في عهدي وميثاقي
درسي غرامي بكم دهري أكرره وقد تفقهت في وجدي وأشواقي
وقول المجد بن شمس الخلافة، معلماً أنه لا يريد بدل معهده وخلافه:
يا زمان الهوى عليك السلام وعلي السلو عنك حرام
أي عيش قطعته لو دا م وهل يرتجي لظل دوام
كنت حلماً والعيش فيك خيالاً وسريعاً ما تنقضي الأحلام
لهف على ليالٍ تقضت سلبتني برودها الأيام
فطمتني الأقدار عنها وليداً وشديد على الوليد الفطام
لا تلمني على البكاء من بكى شجوه فليس يلام
وقول أبي طاهر الخطيب الموصلي:
حي نجداً عني ومن حل نجدا أربعاً هجن لي غراماً ووجدا
واقر عني السلام آرام ذاك ال؟ شعب والأجراع الخصيب الفردا
وابك عني حتى ترنح بالوج؟ د أراكاً به وباناً ورندا
فلكم وقفةٍ أطلت على الضا ل بدمعٍ أذاع سري وأبدى
وعلى ألبان كم من البين أذري؟ ت لآلي للدمع مثنى ووحدا
آه والهفتي على طيب عيشٍ كنت قطعته وصالاً ووداً
стр. 43
حيث عود الشباب غض نضير ويد المكرمات بالجود تندى
والخليل الودود ينعم إسعا فاً وصرف الزمان يزداد بعدا
والليالي مساعدات على الوص؟ ل وعين الرقيب إذ ذاك رمدا
كم بها من لبانة لي وأوطا ر تقضت وجازت الحد حدا
فاستعاد الزمان ما كان أعطى خلسة لي ببخله واستردا
وقول بعضهم:
سلام على تلك المعاهد، إنها شريعة وردي أو مهب شمالي
ليالي لم نحذر حزون قطيعة ولم نمش إلا في سهول وصال
فقد صرت أرضى من نواحي جنابها بخلب برقٍ أو بطيف خيال
وقول الجرجاني:
للمحبين من حذار الفراق عبرات تجول بين المآقي
فإذا ما استقلت العيس للبي؟ ن وسارت حداتها بالرفاقِ
استهلت على الخدود انحداراً كانحدار الجمان في الاتساقِ
كم محب يرى التجلد ديناً فهو يخفي من الهوى ما يلاقي
أزدهاه النوى فأعرب بالوج؟ د لسان عن دمعه المهراقِ
وانحدار الدموع في موقف البي؟ ن على الخد آية العشاق
هون الخطب لست أول صبٍ فضحته الدموع يوم الفراق
وقول الخطيب الحصكفي الشافعي:
стр. 44
ساروا وأكبادنا جرحى وأعيننا قرحى وأنفسنا سكرى من القلقِ
تشكو بواطننا من بعدهم حرقاً لكن ظواهرناتشكو من الغرقِ
كأنهم فوق أكوار المطي وقد سارت مقطرةً في حالك الغسقِ
درارئ الزهر في الأبراج زاهرةً تسير في الفلك الجاري على نسقِ
يا موحشي الدار مذ بانوا كما أنست بقربهم لا خلت من صيبٍ غدقِ
إن غبتم لم تغيبوا عن ضمائرنا وإن حضرتم حملناكم على الحدقِ
وما أحسن قول بعضهم في هذا المعنى، الذي كررنا ذكره وبه ألمعنا:
سلام على أهل الوداد وعهدهم إذ الأنس روض والسرور فنون
رحلنا فشرقنا وراحوا فغربوا ففاضت لروعات الفراق عيون
وكم أنشدت وليالي النوى عاتمة، قول الأندلسي ابن خاتمة:
أيامنا بالحمى ما كان أحلاك كم بت أرعاه إجلالاً وأرعاك
لا تنكري وقفتي ذلاً بمغناك يا دار لولا أحبائي ولولاك
لما وقفت وقوف الهائم الباكي
فهل لهم عطفه من بعد دلهم تالله ما تسمح الدنيا بمثلهم
آهاً لقلبي على تبديد شملهم ما كان أحلاك يا أيام وصلهم
ويا ليالي الرضا ما كان أضواك
يا بدر تمٍ تناءت عنه أربعنا ولم تزل تحتويه الدهر أضلعنا
ما للنوى البين توجعنا إذا تذكرت دهراً كان يجمعنا
تفطرت كبدي شوقاً لمرآكِ
стр. 45
أحباب أنفسنا كم ذا النوى وكم ويا معاهد نجوانا بذي سلم
تالله ما شبت دمعاً للأسى بدم ولا لئمت تراب الأرض من كرم
إلا مراعاة خل ظل يرعاكِ
عل التعلل يدني منهم وعسى فيعمر القرب ما بالبين قد درسا
كم ذا أنادي مبربعٍ بالنوى طمسا يا قلب صبراً فإن الصبر عاد أسى
ويا منازل سلمى أين سلماكِ
وقول بعض من اشتد به الهيام، فخاطب جيرته مادحاً ليالي القرب وذاماً تقلب الأيام:
أيام أنسي قد كانت بقربكم بيضاً، فحين نأيتم أصبحت سودا
ذممت عيشي مذ فارقت أرضكم من بعد ما كان مغبوطاً ومحسودا
وقول صاحب مصارع العشاق، وقد شاقه من الهوى ما شاق:
بانوا فأدمع مقلتي وجداً عليهم تستهل
وحدا بهم حادي الفرا ق عن المنازل فاستقلوا
قل للذين ترحلوا عن ناظري والقلب حلوا
ما ضرهم لو أنهلوا من ماء وصلهم وعلوا
وقوله حين زحزحته يد الفراق، عن أطاون العراق:
قد فلت والعبرات تس؟ فحها على الخد المآقي
стр. 46
حين انحدرت إلى الجزي؟ رة وانقطعت عن العراق
وتخبطت أيدي الرفا ق مهامه البيد الرقاق
يا بؤس من سل الزما ن عليه سيفاً للفراق
وقوله أيضاً:
يا منزل الحي بذات النقا سقاك دمع مذ نأوا ما رقا
هل سلوة؟ هيهات! لا سلوة قد بلغ الزبى وارتقى
وأنت يا يوم النوى عاجلاً أدال منك الله يوم اللقا
وقولي موطئاً للثالث، وقد تغير لي فيمن حارث
لم أنس معهدنا والشمل مجتمع والعيش غض وروض الأنس معطار
فها أنا بعد بعدٍ عنه قلق وقد نبت بي أرجاء واقطار
تمضي الليالي وأشواقي مجددة وما انقضت لي من الأحباب أوطار
وكلما مررت بمرأى يروق، لمعت لي من ناحية المغنى بالمنى بروق، فتذكرت قول بعض من له على غير من يهوى طروق:
ما نظرت عيني سواك منظراً مستحسناً إلا عرضت دونه
وما تمنيت لقاء غائبٍ إلا سألت الله أن تكونه
وربما رمت انتحائي مذهب السلو وانتحالي، خلال أحوال إقامتي وارتحالي، فلم يتنقل عن تلك الصفات حالي، وأني وجيدي بقلائد البتات حالي:
стр. 47
والشوق أعظم أن يحيط بوصفه قلم وأن يطوى عليه كتاب
والله ما أنا منصف إن كان لي عيش يطيب وجيرتي غياب
وكيف ولآماقي صب، ولأتواقي زيادة إذا سرى نسيم أو هب:
شربت حميا البين صرفاً، وطالما جلوت محيا الوصل وهو وسيم
فميعاد دمعي أن تنوح حمامة وميقات شوقي أن يهب نسيم
فإن لاح سنا بارق شاقني، أو ترنم شادٍ حدا بي إلى الهيام وساقني، أو رنا ظبي فلاة راعني وراقني:
وإني ليصيبني سنا كل بارقٍ وكل حمامٍ في الأرك ينوح
وأرتاع من ظبي الفلاة إذا رنا وأرتاح للتذكار وهو سنوح
ولم يك ذاك الأمر من حيث ذاته ولكن لمعنى في الحبيب يلوح
ولا أستطيع الإعراب عن أمري العجيب، لما بي من النوى المذهل والجوى المدهش والوجيب:
ولا تسألوا عما أجن فليس لي لسان يؤدي ما الغرام يقول
يطارحني البرق الأحاديث كلما أضاء كأن البرق منه رسول
وما بال خفاق النسيم يميلني هل الريح راح والشمال شمول
إذ دموع شؤوني عند الذكرى لا ترقا، وجفوني ليس لها عن الأرق مرقى، وشجوني تنمو إذا صدحت بفننها ورقا:
رب ورقاء في الدياجي تنادي إلفها في غصونها المياده
فتثير الهوى بلحن عجيب يشهد السمع أنها عواده
كلما رجعت توجعت حزناً فكأنما في وجدنا نتباده
стр. 48
فيا لها من ذات طوق، مثيرة لكامن شوق، جالبة له من يمين وشمال وفوق:
ذكرتني الورقاء أيام أنسٍ سالفات فبت أذري الدموعا
ووصلت السهاد شوقاً لحبي وغراماً وقد هجرت الهجوعا
كيف يخلو قلبي من الذكر يوماً وعلى حبهم حنيت الضلوعا
كلما أولع العذول بعتبي في هواهم يزداد قلبي ولوعا
وربما أتخيل قول من قال إنها بالحزن بائحة، وعلى فقد الإلف نائحة، فأنشد قول خليل، وهو بالحب مدنف وعليل:
ورب حمامة في الدوح باتت تجيد النوح فناً بعد فن
أقاسمها الهوى مهما اجتمعنا فمنها النوح والعبرات مني
ولا غرو إن ظهر بائح، فباكٍ مثلي من الشجو نائح:
فرجعت بعد فراق أيام الهوى أصف الصبابة للمحب المولع
دامي الجفون إذا الحمامة غردت من فوق خوط البانة المترعرع
أسقي الديار - وقد تباعد أهلها عنها - عزالي الدموع الهمع
ونواعب الأطلال ليس يجيبني ما بينهن سوى الصدى بتوجع
وهواتف فوق الغصون يجيبني منهن تغريد الحمام السجع
ناحت على عذب الفروع وإلفها منها بمرأى فوقها وبمسمع
ما فارقت إلفاً كما فارقته كلا ولا أجرت سواكب أدمعي
على أوان عيون سعوده روان، وزمان معمور بأماني وأمان، وآمال دوان، وتهان ما بين بكرٍ وعوان، وفي عذر من طال ليله فاضطرب فيه لولوعه، وسكن جواه بجوانحه وضلوعه:
стр. 49
إن طال ليلي بعدهم فلطوله عذر، وذاك لما أقاسي منهم
لم تسر فيه نجومه لكنها وقفت لتسمع ما أحدث عنهم
فأرقي، الزائد في حرقي، أظهر المكنون وأبان، ووجدي بمن نأى وبان، لم يجد فيه تعلل برندٍ وبان:
تنبهي يا عذبات الرند كم ذا الكرى؟ هب نسيم نجد
فلست مثلي في جوى أو أرقٍ وحرفة من فرقة أو صد
عوفيت مما حل بي من جيرةٍ في الغرب لم يرثوا لفرط وجدي
أعلل القلب ببان رامة وهل ينوب غصن عن قد
بانوا فلا مغنى السرور بعدهم مغنى، ولا عهد الرضا بعهد
آهاً من البعد ومن لم يدره لم يشجه تأوهي للبعد
وفي شغل من أبكته الربوع والطلوع، وذهبت برهة من زمانه بين الترحل والحلول، فركب من الأخطار الصعب والذلول، وحافظ على العهود ولم يسلك سبيل الغادر الملول:
سقاها الحيا من أربع وطلول حكت دنفي من بعدهم ونحولي
ضمنت لها أجفان عينٍ قريحةٍ من الدمع مدرار الشؤون همول
ومن الغريب، الذي ينكره غير الأريب، أن الحادي إن سر القلب بكشف رين، فقد تسبب في اجتماع متنافيين متنافرين:
ترنم حاد بالصريم فشاقني إلى ذكر من باتت ضلوعي تضمه
стр. 50
فسر وسار النفس شجواً فربما كلفت به من حيث صرت أذمه
وارتجلت حين مللت من طول السرى، مضمناً ذكر ما أروم له تيسرا، وقد أكثر الرفاق عند رؤية ما لم يألفوه من الآفاق تلهفاً وتحسرا:
قلت لما طال النوى عن بلادي ولأهل النوى جوى وعويل
هل أرى للفراق آخر عهدٍ إن عمر الفراق عمر طويل
ثم قلت مضمناً:
لائمي في ذكر أحباب نأوا لا تلم من أضعف الشوق قواه
إن يوماً جامعاً شملي بهم ذاك عيدي، ليس لي عيد سواه
ثم قلت مضمناً أيضاً:
لك الله من صب أضر به النوى وليس له غير اللقاء طبيب
وإن صباحاً نلتقي بمسائه صباح إلى قلبي المشوق حبيب
ثم عدت إلى التبصر، بعد إمعان النظر والتدبر:
وإني لأدري أن في الصبر راحةً ولكن إنفاقي على الصبر من عمري
فلا تطف نار الشوق بالشوق طالباً سلواً، فإن الجمر يسعر بالجمر
ثم سلكت منهج التفويض والتسليم، منشداً قول ابن قطرال المغربي في مقام النصح والتعليم، ووجهت القصد إلى سكان الضمير بذلك التكليم:
إن أيام الرضا معدودة والرضا أجمل شيء بالعبيد
стр. 51
لا تظنوا لي عنكم سلوةً ما على شوقي إليكم من مزيد
راجعوا أنفسكم تستيقنوا أنكم في الوقت أقصى ما أريد
إن يوماً يجمع الله بكم فيه شملي ذاك عندي يوم عيد
وقول بعض من ندم على البعد عن المعاهد، وأمل العود - والعود أحمد - إلى الشاهد، وغفر للدهر ذنبه إن عاد، وتلهف أن لم يعامله بغير الإبعاد:
لئن عاد جمع الشمل في ذلك الحمى غفرت لدهري كل ذنب تقدما
وإن لم يعد منيت نفسي بعودة وماذا عسى تجدي الأماني وقلما
يحق لقلبي أن يذوب صبابةً وللعين أن تجري مدامعها دما
على زمنٍ ماضٍ بهم قد قطعته لبست به ثوب المسرة معلما
وقول آخر يخاطب أحبابه، ويذكر فواصل بحر النوى الطويل وأسبابه:
أعيذكم من لوعتي وشجوني ونار جوىً تذكى بماء شؤوني
وبرح أسى لم يبق في بقيةً سوى حركات تارةً وسكون
أرى القلب أضحى بعد طارقة الأسى أسير صبابات رهين شجون
وكيف سبيل القرب منكم ودونكم رمال زرودٍ والأجارع دوني؟
سلوا مضجعي هل قر من بعد بعدكم وهل عرفت طعم الرقاد جفوني
سهرنا بنعمانٍ، ونمتم ببابلٍ، فيا لعيون ما وفت لعيون
وفي بعض الأحيان، أتسلي بقول الأندلسيين الأعيان:
لا تكرث بفراق أوطان الصبا فعسى تنال بغيرهن سعودا
فالدر ينظم عند فقد بحاره بجميل أجياد الحسان عقودا
وقول غيره:
فعسى الليالي أن تمن بنظمنا عقداً كما كنا عليه وأكملا
стр. 52
فلربما نثر الجمان تعمداً ليعاد أحسن في النظام وأجملا
وأرغب لمن أطال ذيول الغربة أن يقلصها، وأطلب ممن أجال النفوس في سيول الكربة أن يخلصها:
فنلتقي وعوادي الدهر غافلة عما نروم وعقد البين محلول
والدار آنسة، والشمل مجتمع، والطير صادحة، والروض مطلول
وأضرع إليه - سبحانه - في تيسير العود إلى أوطاني، ومعهدي الذي مطايا العز أوطاني، وأن يلحقني بذلك الأفق الذي خيره موفور، وحق من فيه معروف لا منكر ولا مكفور:
إذا ظفرت من الدنيا بقربهم فكل ذنب جناه الدهر مغفور
وكأني بعاتب يقول: ما هذا التطويل؟ فأقول له: جوابي قول ابن أبي الإصبع الذي عليه التعويل:
أكثرت عذلي كأني كنت أول من بكى على مسكن أو حن للسكن
لا تلح إن من الإيمان عند ذوي ال إيمان منا حنين النفس للوطن
على أنني أقول: اللهم يسر لي ما فيه الخيرة لي بالمشارق أو بالمغارب، وجد لي من فضلك حيث حللت بجميع ما فيه رضاك من المآرب، بجاه نبينا وشفيعنا المبعوث رحمة للأحمر والأسود والأعاجم والأعارب، عليه أفضل صلاة وأزكى سلام، وعلى آله وأصحابه الأعلام، والتابعين لهم بإحسان ما ذر شارق وتعاقب طالع وغارب.
стр. 53
[ركوب البحر وبلوغ مصر]
ثم جد بنا السير في البر أياماً، ونأينا عن الأوطان التي أطنبنا في الحديث حباً لها وهياماً، وكنا عن تفاعيل وصلها نياما، إلى أن ركبنا البحر، وحللنا منه بين السحر والنحر، وشاهدنا من أهواله، وتنافي أحواله، ما لا يعبر عنه، ولا يبلغ له كنه:
البحر صعب المرام جداً لا جعلت حاجتي إليه
أليس ماء ونحن طين فما عسى صبرنا عليه
فكم استقبلتنا أمواجه بوجه بواسر، وطارت إلينا من شراعه عقبان كواسر، قد أزعجتها أكف الريح من وكرها، كما نبهت اللجج من سكرها، فلم تبق شيئاً من قوتها ومكرها، فسمعنا للجبال صفيراً، وللرياح دوياً عظيماً وزفيراً، وتيقنا أنا لا نجد من ذلك إلا فضل الله مجيراً وخفيراً، (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه) (الإسراء: ٦٧) وأيسنا من الحياة، لصوت تلك العواصف والمياه، فلا حيا الله ذلك الهول المزعج ولا بياه، والموج يصفق لسماع أصوات الرياح فيطرب بل ويضطرب، فكأنه من كأس الجنون يشرب أو شرب، فيبتعد ويقترب، وفرقه تلتطم وتصطفق، وتختلف ولا تكاد تتفق، فتخال الجو يأخذ بنواصيها، وتجذبها أيديه من قواصيها، حتى كاد سطح الأرض يكشف من خلالها، وعنان السحب يخطف في استقلالها، وقد أشرفت النفوس على التلف من خوفها واعتلالها، وآذنت الأحوال بعد انتظامها باختلالها، وساءت الظنون، وتراءت في صورها المنون، والشراع في قراع مع جيوش الأمواج
стр. 54
التي أمدت منها الأفوج بالأفواج، ونجن قعود، كدود على عود، ما بين فرادي وأزواج، وقد نبت بنا من القلق أمكنتنا، وخرست من الفرق ألسنتنا، وتوهمنا أنه ليس في الوجود، أغوار ولا نجود، إلا السماء والماء وذلك السفين، ومن في قبر جوفه دفين، مع ترقب هجوم العدو، في الرواح والغدو، لاجتيازه على عدة من بلاد الجرب، دمر الله سبحانه من فيها وأذهب بفتحها عن المسلمين الكرب، لاسيما مالطة الملعونة، التي يتحقق من خلص من معرتها أنه أمد بتأييد إلهي ومعونة، فقد اعرتضت في لهوات البحر الشامي شجا، وقل من ركبه فأفلت من كيدها ونجا، فزادنا ذلك الحذر، الذي لم يبق ولم يذر، على ما وصفناه من هول البحر قلقاً، وأجرينا إذ ذاك في ميدان الإلقاء باليد إلى التهلكة طلقاً، وتشتت أفكارنا فرقاً، وذبنا أسى وندماً وفرقاً، إذ البحر وحده لا كمى يقارعه، ولا قوي يصارعه، ولا شكل يضارعه، ولا يؤمن على حالٍ، ولا يفرق بين عاطل وحالٍ، ولا بين أعزل وشاكٍ، ومتباك وباكٍ:
ثلاثة ليس لها أمان البحر والسلطان والزمان
فكيف وقد انضم إليه خوف العدو الغادر الخائن، والكافر الحائن، إلى أن قضى الله بالنجاة ما أراد فهو الكائن، وإن نهى عنه وأخطأ المائن، فرأينا البر وكأنما قبل لم نره، وشفيت به أعيننا من المره، وحصل بعد الشدة الفرج، وشممنا من السلامة أطيب الأرج، فيا لها من نعمة كشفت عن وجهها النقاب، يقل شكراً لها صوم الأحقاب وعتق الرقاب، وجعلنا الله بآياته معتبرين، وعلى طاعته مصطبرين؛ ولم نخل في البر من معاناة خطوب، ومداراة وجوه للمتاعب ذات تجهم وقطوب، فكم جبنا منه مهامه فيحاً، ومسحنا
стр. 55
بالخطا منها أثيراً وصفيحاً، وفلينا الفجاج، وقرأنا من الطرق خطوطاً ذات استقامة واعوجاج، وقلوب الرفقة من الفرقة في اضطراب وارتجاج، وربما عميت على المجتهد الأدلة التي يحصل بها على المذهب الاحتجاج، فترى الأنفاس تعثر في زفرة الأشواق، والأجسام قد زرت عليها من التعب الأطواق، هذا والليل بصفحة البدر مرتاب، وقد شدت رحال وأقتاب، وزمت ركاب ورفعت أحداج، وفريت من الدعة بمدية النصب أوداج، وتساوي في السير نهار مشرق وليل مقمر أو داج، وأديم التأويب والإسآد، وحمل الغربة قد أثقل وآد، ثم وصلنا بعد خوض بحار، يدهش فيها الكفار ويحار، وجوب فياف مجاهل، يضل فيها القطا عن المناهل، إلى مصر المحروسة فشفينا برؤيتها من الأوجاع، وشاهدنا كثيراً من محاسنها التي تعجز عن وصفها القوافي والأسجاع، وتمثلنا في بدائعها التي لا نستوفيها، بقول ابن ناهض فيها:
شاطئ مصر جنة ما مثلها في بلد
لا سيما مذ زخرفت بنيلها المطرد
وللرياح فوقه سوابغ من زرد
مسرودة ما مسها داودها بمبرد
سائلة وهو بها يرعد عاري الجسد
والفلك كالأفلاك بي؟ ن حادر ومصعد
стр. 56
وبقول آخر:
انظر إلى النيل الذي ظهرت به آيات ربي
فكأنه في فيضه دمعي وفي الخفقان قلبي
وبقول أبي المكارم ابن الخطير المعروف بابن مماتي في جزيرتها:
جزيرة مصرٍ، لا عدتك مسرة ولا زالت اللذات فيك اتصالها
فكم فيك من شمس على غصن قامة يميت ويحيي هجرها ووصالها
مغانيك فوق النيل أضحت هوادجاً ومختلفات الموج فيك حبالها
ومن أعجب الأشياء أنك جنة تمد على أهل الضلال ظلالها
لعله أراد بأهل الضلال اليهود والنصارى المستولين إذ ذاك على الدولة وتذكرت في مصر قول القاضي الفاضل:
بالله قل للنيل عني إنني لم أشف من ماء الفرات غليلا
وسل الفؤاد فإنه لي شاهد إن كان طرفي بالبكاء بخيلا
يا قلب كم خلفت ثم بثينةً وأظن صبرك أن يكون جميلا
стр. 57
وقول أحمد بن فضل الله العمري:
لمصر فضل باهر بعيشها الرغد النضر
في سفح روض يلتقي ماء الحياة والخضر
وقول آخر:
كأن النيل ذو فهم ولبٍ لما يبدو لعين الناس منه
فيأتي حين حاجتهم إليه ويمضي حين يستغنون عنه
وقول آخر:
ولله مجرى النيل منه إذا الصبا أرتنا به من مرها عسكراً مجرا
بشطٍ يهز السمهرية ذبلاً وموج يهز البيض هنديةً بترا
إذا مد حاكي الورد لوناً، وإن صفا حكى ماءه لوناً ولم يحكه مرا
وقول آخر:
واهاً لهذا النيل؛ أي عجيبة بكرٍ بمثل حديثها لا يسمع
يلقى الثرى في الماء وهو مسلم حتى إذا ما مال عاد يودع
مستقبل مثل الهلال فدهره أبداً يزيد كما يزيد ويرجع
وقول ابن النقيب:
стр. 58
الصب من بعدهم مفرد ودمعه النيل وتعليقه
وخده لما بكاهم دماً مقياسه، والدمع تخليقه
وقول الصفدي:
سقياً لمصر وما حوت من أنسها وأناسها
ومحاسن في مقسها تبدو وفي مقياسها
ومسرة كاساتها تجلى على أكياسها
وسطور قرط خطها ال؟ باري على قرطاسها
ودمى كنائسها، ولا تنسى ظباء كناسها
ولطافة بجلالةٍ تبدو على جلاسها
ونواسمٍ كل المنى للنفس في أنفاسها
ومراكب لعبت بها ال؟ أمواج في وسواسها
وقول ابن جابر الأندلسي:
ما زلت أسند من محاسن أرضها خبراً صحيحاً ليس بالمقطوع
كم مرسلٍ من نيلها ومسلسل ومدبجٍ من هضبها المرفوع
стр. 59
وقول إبراهيم بن عبدون:
والنيل بين الجانبين كأنما صدثت بصفحته صفيحة صيقل
يأتيك من كدر الزواخر مده بممسك من مائه ومصندل
فكأنما ضوء البدر في تمويجه برق تموج في سحابٍ مسبل
وكأن نور السرج من جنباته زهر الكواكب تحت ليل أليل
مثل الرياض مفتقاً أنواره تبدو لعين مشبه وممثل
وقول ابن الصاحب:
فرح الأنام بنيلهم إذ صار أحمر كالسقيق
وتبركوا بشروقه فكأنه وادي العقيق
وقول آخر:
احمر للنيل خد حتى غدا كالشقيق
وقد ترنمت فيه إذ صار وادي العقيق
[زيارة مكة والمدينة]
ثم شمرت عن ساعد العزم بعد الإقامة بمصر مدة قليلة، إلى المهم الأعظم والمقصد الأكبر الذي هو سر المطالب الجليلة، وهو رؤية الحرمين الشريفين، والعلمين المنيفين، زادهما الله تنويها، وبلغ النفوس ببركة من شرفا به مآرب لم تزل تنويها؛ فسافرت في البحر إلى الحجاز، راجياً من الله سبحانه في الأجر الانتجاز، إلى أن بلغت جدة، بعد مكابدة خطوب اتخذت لها من الصبر عدة، فحين حصل القرب، واكتحلت العين بإثمد تلك الترب، ترنمت بقول من
стр. 60
قال، محرضاً على الوخد والإرقال:
بدا لك الحق فاقطع ظهر بيداء واهجر مقالة أحباب وأعداء
واقصد على عزمه أرض الحجاز تجد بعداً عن السخط في نزل الأوداء
وقل إذا نلت من أم القرى أرباً وهو الوصول بإسرار وإبداء
يا مكة الله قد مكنت لي حرماً مؤمناً لست أشكو فيه من داء
فمذ رأى النازح المسكين مسكنه في قطرك الرحب لم ينكب بأرزاء
شوق الفؤاد إلى مغناك متصل شوق الرياض إلى طلٍ وأنداء
ثم أنشدت، عندما بدت أعلام البيت الحرام، قول بعض من غلب عليه الشوق والغرام، وقد بلغ من أمانيه الموجبة بشائره وتهانيه المرام:
وافي الحجيج إلى البيت العتيق وقد سجا الدجى فرأوا نوراً به بزغا
عجوا عجيجاً وقالوا: الله أكبر ما للجو مؤتلقاً بالنور قد صبغا
قال الديلي: ألا عاتوا بشارتكم فمن نوى كعبة الرحمن قد بلغا
نادوا على العيس بالأشواق وانتحبوا وحن كل فؤاد نحوها وصغا
وكل من ذم فعلاً نال محمدةً في مكة ومحا ما قد جنى وبغى
ولما وقع بصري على البيت الشريف كدت أغيب عن الوجود، واستشعرت قول العارف بالله الشبلي لما وفد إلى حضرة الجود:
قلت للقلب إذ تراءى لعيني رسم دارٍ لهم فهاج اشتياقي
هذه دارهم وأنت محب ما احتباس الدموع في الآماق
стр. 61
والمغاني للصب فيها معاني فهي تدعى مصارع العشاق
حل عقد الدموع واحلل رباها واهجر الصبر وارع حق الفراق
ثم أكملت العمرة، ودعوت الله أن أكون ممن عمر بطاعة ربه عمره، وذلك أوائل ذي القعدة من عام ثمانية وعشرين وألف من الهجرة السنية، وأقمت هنالك منتظراً وقت الحج الشريف، ومتفيئاً ذلك الظل الوريف، ومقتطفاً ثمار القرب الجنية، إلى أن جاء الأوان، فأحرمت بالحج من غير توان، وحين حللت مما به أحرمت، نويت الإقامة هنالك وأبرمت، فحال من دون ذلك حائل، وكنت حرياً بأن أنشد قول القائل:
هذي أباطح مكة حولي وما جمعت مشاعرها من الحرمات
أدعو بها لبيك تلبية امرئٍ يرجو الخلاص بها من الأزمات
نلت المنى بمنىً لأني لم أخف بالخيف من ذنب أحال سماتي
وعرفت في عرفات أني ناشق للعفو عرفاً عاطر النسمات
وأن أتمثل في المطاف، إذ حفتني الألطاف، بقول من ربعه بالتقوى مشيد، البغدادي الشهير بابن رشيد:
على ربعهم لله بيت مبارك إليه قلوب الناس تهوي وتهواه
يطوف به الجاني فيغفر ذنبه ويسقط عنه جرمه وخطاياه
وكم لذةٍ أو فرحة لطوافه فلله ما أحلى الطواف وأهناه
ثم قصدنا بعد قضاء تلك الأوطار، لطيبة الشريفة التي لها الفضل على الأقطار، واستشعرت قول من أنشد وطير عزمه عن أوكاره قد طار:
حمدت مرادي إذ بلغت مرادي بأم القرى مستمسكاً بعمادي
ومذ رويت من ماء زمزم غلتي فلست بمحتاجٍ لماء ثماد
стр. 62
فلله سبحانه الحمد على نعمه التي جلت، ومننه التي نزلت بها النفوس مواطن التشريف وحلت:
من يهده الرحمن خير هدايةٍ يحلل بمكة كي يتاح المقصدا
وإذا قضى من حجه الفرض انثنى يشفي برؤية طيبة داء الصدى
وكان حظي في هذه الحال تذكر قول بعض الوشاحين من الأندلسيين الذين كان لهم ارتحال إلى تلك المعاهد الطاهرة، والمشاهد الزاهرة، التي تشتد إليها الرحال:
يا من لعبدٍ به افتقار إلى أيادٍ له جسام
فضلك مدنٍ لخير مدن حل بها سيد الأنام
لم يهف قلبي لحب ليلى ولا سعادٍ ولا الرباب
لاقى شجوناً ونال ويلا من هام في ذلك الجناب
بل مال مني الفؤاد ميلا لمن له الحب لا يعاب
قلبي والله مستطار مذ حل في بيته الحرام
ذا الحجر والركن خير ركن وزمزم الخير والمقام
ذابت قلوب المطي عشقاً وركبها واستوى المراد
إلى حبيب القلوب حقا الحي والميت والجماد
إلى الذي ليس فيه يشقى من حبه داخل الفؤاد
شكوا وقد طالت السفار هم ومطاياهم السقام
فهي قسي من التثني والقوم من فوقها سهام
ولست من سكرتي مفيقا حتى أرى حجرة الرسول
فإن يسهل لي الطريقا فذاك أقصى منىً وسول
стр. 63
متى ترى عيني العقيقا ويفرح القلب بالوصل
كم قلت والصبر مستعار للركب إذ غادروا المنام
ونسمة الشوق حركتني وزاد بي الوجد والغرام
قواموا فقد طال ذا الجلوس وبادروا زورة الحبيب
تاقت إلى طيبة النفوس لا عيش من دونها يطيب
لا حبذا دونها الغروس والماء والشادن الربيب
وحبذا الرمل والقفار والعرب في تلكم الخيام
وأم غيلان ظلتني والأيك والأثل والثمام
يا طيبة حزت كل طيب بسيد فيك ذي حلول
نداء مستضعف غريب في غر أمداحه يقول
وهو من السامع المجيب لمدحه يسأل يسشأل القبول
أنت الغني لي فلا افتقار وأنت عزي فلا أضام
مستمسك منك حسن ظني بعروة ما لها انفصام
بسيد العالمين أجمع بأحمد المجتبي الرسول
ومن هو الشافع المشفع في موقف المحشر المهول
إذ لا كلام هناك يسمع للغير والناس في ذهول
إذ السماء لها انفطار والشهب منثورة النظام
كذا الجبال انثنت كعهنٍ سريعة المر كالغمام
يا أول الرسل في الفضيله وإن تأخرت في الزمن
стр. 64
شفاعة نلت مع وسيله فمن يضاهي علاك من
علت بك الرتبة الجليله وطبت في السر والعلن
فأنت من خيرهم خيار فمن يضاهيك في المقام
والرسل نالت بك التمني وأنت بدر لهم تمام
الوجد قد قر في فؤادي فما لصبر به قرار
ولا عجبي صاعد اتقاد ودمع عيني له انهمار
وها أنا جئت من بلادي لطيبة أبتغي الجوار
فحبذا تلكم الديار والمصطفى مسكة الختام
عليه أزكى الصلاة مني وصحبه الغر، والسلام
وقول أبي جعفر الرعيني الغرناطي - رحمه الله تعالى - وهو من التشريع أحد أنواع البديع:
يا راحلا يبغي زيارة طيبة نلت المنى: بزيارة الأخيار
حي العقيق إذا وصلت وصف لنا وادي منى: يا طيب الأخبار
وإذا وقفت لدى المعرف داعيا زال العنا: وظفرت بالأوطار
ولما من الله تعالى علينا بالحلول في المشاهد التي قام بها وظهر، والمعاهد التي بان الحق فيها واشتهر، والمواطن التي هزم الله تعالى حزب الشيطان فيها
стр. 65
وقهر، ونصرت النبوة وعضدت، وقطعت غصون الكفر وحصدت، ورصت قواعد التوحيد ونضدت، وقرت العيون، وقضيت الديون، أنشد لسان الحال، قول بعض من جيده بمحاسن طيبة حال:
يا من طيبة طابت حلى وعلى ومن بتشريفه قد شرف العرب
يا أحمد المصطفى قد جئت من بلدٍ قاصٍ ولي خلد قاسٍ ولي أرب
وقد دهتني ذنوب قلت إذ عظمت لله منها وطه المرتجى الهرب
ونسينا بمشاهدة ذلك الجناب ما كنا فيه، وسبق الدمع الذي لا يعارض الفرح ولا ينافيه:
أيها المغرم المشوق هنيئاً ما أنالوك من لذيذ التلاقي
قل لعينيك تهملان سروراً طالما أسعداك يوم الفراق
واجمع الوجد والسرور ابتهاجاً وجميع الأشجان والأشواق
وأمر العين أن تفيض انهمالاً وتوالي بدمعها المهراق
هذه دارهم وأنت محب ما بقاء الدموع في الآماق
وملنا عن الأكوار، وثملنا من عرف تلك الأنجاد والأغوار، وتملينا من هاتيك الأنوار، وتخلينا عن الأغيار، وتحلينا بحلى الأخيار، وكيف ولا وطيبة مركز للزوار:
إذا لم تطب في طيبة عند طيب به طيبة طابت فأين تطيب
وإن لم يجب في أرضها ربنا الدعا ففي أي أرض للدعاء يجيب
أيا ساكني أكناف طيبة كلكم إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
стр. 66
وما أحسن قول عالن الأندلس المالكي اللبيب، عبد الملك السلمي المشهور بابن حبيب:
لله در عصابةٍ صاحبتها نحو المدينة تقطع الفلوات
ومهامهٍ قد جبتها ومفاوزٍ ما زلت أذكرها بطول حياتي
حتى أتينا القبر قبر محمدٍ خص الإله محمداً بصلاة
خير البرية والنبي المصطفى هادي الورى لطرائق الجنات
لما وقفت بقربه لسلامه جادت دموعي واكف العبرات
ورأيت حجرته وموضعه الذي قد كان يدعو فيه في الخلوات
مع روضة قد قال فيها: إنها مشتقة من روضة الجنات
وبمنزل الأنصار وسط قبابهم بيت الهداية كاشف الغمرات
وبطيبةٍ طابوا ونالوا رحمةً مغنى الكتاب ومحكم الآيات
وبقبر حمزة والصحابة حوله فاضت دموع العين منهمرات
سقياً لتلك معاهداً شاهدتها وشهدتها بالخطو واللحظات
لا زلت زواراً لقبر نبينا ومدينة زهراء بالبركات
صلى الإله على النبي المصطفى هادي البرية كاشف الكربات
وعلى ضجيعيه مردداً ما لاح نور الحق في الظلمات
стр. 67
وقول كمال الدين ناظر قوص:
أنخ، هذه والحمد لله يثرب فبشراك قد نلت الذي كنت تطلب
فعفر بهذا الترب وجهك، إنه أحق به من كل طيبٍ وأطيب
وقبل ربوعاً حولها قد تشرفت بمن جاورت، والشيء يحبب
وسكن فؤاداً لم يزل باشتياقه إليها على جمر الغضا يتقلب
وكفكف دموعاً طالما قد سفحتها وبرد جوى نيرانه تتلهب
وقول الرعيني الغرناطي:
هذه روضة الرسول فدعني أبذل الدمع في الصعيد السعيد
لا تلمني على انسكاب دموعي إنما صنتها لهذا الصعيد
ولما سلمت على سيد الأنام، عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام، ذبت حياء وخجلا، لما أنا عليه من ارتكاب ما يقتضي وجلا، غير أني توسلت بجاهه ﷺ في أن أكون ممن وضح له وجه الصفح وجلا:
إليك أفر من زللي فرار الخائف الخجل
وكان مزار قبرك بال؟ مدينة له نفسي بلا خلل
فخذ بيدي غريقٍ في بحار القول والعمل
стр. 68
وهب لي منك عارفة تعرفت ما تنكر لي
وتهديني إلى رشدي وتمنعني من الزلل
وتحملني على سننٍ يؤمني من الوجل
فأنت دليل من عميت عليه مسالك السبل
وإنك شافع بر وموئلنا من الوهل
وإنك خير مبتعث وإنك خاتم الرسل
فيا أزكى الورى شرفاً وشافيهم من العلل
ويا أندى الأنام يداً وأكرم ناصرٍ وولي
نداء مقصر وجلٍ بثوب الفقر مشتمل
على جدواك معتمدي فأنقذني من الدخل
وألحقني بجناتٍ لدى درجاتها الأول
بصديقٍ وفاروقٍ وعثمان الرضى وعلي
فأنت ملاذ معتصمٍ وأنت عماد متكل
عليك صلاة ربك ج؟ ل في الغدوات والأصل
ومذ شممنا من أرج تلك الأرجاء الذاكية، واستضأنا بسرج تلك الأضواء الزاكية، ظهر من الشوق ما كان بطن، ولم يخطر ببالنا سكن ولا وطن، ويا سعادة من اقام بتلك البقاع الشريفة وقطن:
مر النسيم بربعهم فتلذذا حتى كأن النشر صار له غذا
فصحا وصح وصاح لا أشكو أذى قل للصبا ماذا حملت من الشذا
أمسست طيباً أم علاك عبير
стр. 69
يا أيها الحادي الذي من وسمه قصد الحبيب وأن يلم برسمه
هذي منازله فزمزم باسمه بأبي الذي لم تذو زهرة جسمه
لكنه غض الجمال نضير
لله شوق قد تجاوز حده أوفى على الصبر المشيد فهده
يا ناشق الكافور لا تتعده طوبى لمشتاق يعفر خده
في روضة الهادي إليه يشير
فهناك يبذل في التوسل وسعه ويصيخ نحو خطيب طيبة سمعه
ويريق فوق حصى المصلي دمعه ويرى معالم من يحب وربعه
ومحمد للعالمين بشير
صلى عليه الله خير صلاته وحبا معاليه جليل صلاته
ما حن ذو الأشواق في حالاته وأتى مغانيه على علاته
فأتيح حسن الختم وهو قرير
ووقفنا بباب طلب الآمال خاشعين، وتوسلنا إلى الله بذلك المقام العلي خاضعين، وغبطنا قوماً سكنوا هنالك فكانوا لحدودهم متى شاءوا على تلك الأعتاب واضعين:
أكرم بعبد نحو طيبة مسند متوسل مستشفع مسترشد
يفلي الفلاة لها بعزم أيد وافي إلى قبر النبي محمد
ولربعه الأسمى يروح ويغتدي
стр. 70
أزجاه صادق حبه المتمكن وحداه سائق عزمه المتعين
فحكى لدى شجوٍ حمام الأغصن هزجاً يردد فيه صوت ملحن
ويمد للإطراب صوت المنشد
ويقول جئت بعزمةٍ نزاعةٍ ونهضت والدنيا تمر كساعةٍ
لمحل أحمد قائلا بإذاعةٍ هذا النبي المرتجي لشفاعةً
يوم القيامة بين ذاك المشهد
هذا الرؤوف بجاره ونزيله هذا سراج الله في تنزيله
هذا الذي لا ريب في تفضيله هذا حبيب الله وابن خليله
هذا ابن باني البيت أول مسجد
عذا الذي اصطفت النبوة خيمه هذا الذي إعتام الهدى تقديمه
هذا الذي نسقي غداً تسنيمه هذا الذي جبريل كان خديمه
في حضرة التشريف أزكى مصعد
هذا الذي شهد الوجود بخصه بمزية التفضيل من مختصه
وأبانه من وحيه في نصه هذا الذي ارتفع البراق بشخصه
في ليلة الإسراء أشرف مشهد
هذا الذي غدت الطلول حديقةً بجواره وغدت تروق أنيقةً
هذا المكمل خلقةً وخليقةً هذا الذي سمع النداء حقيقةً
ودنا ولم يك قبل ذاك بمبعد
فهناك كم رسلٍ به تتوسل وعلى حماه لدى المعاد يعول
يا ارحم الرحماء أنت الموئل يا خاتم الإرسال أنت الأول
فترق في أعلى المكارم واصعد
стр. 71
الله رفع في سراه مناره وأبان في السبع العلا أنواره
فقفت ملائكة السما آثاره واراه جنته هناك وناره
فمؤبد ومخلد لمخلد
كم ذاد من وجلٍ وجلى ظلمةً وامتن بالرحمى ومتن حرمةً
لما دجى أفق الضلالة دهمةً بعث الإله به ليرحم أمةً
لولاه كانت بالضلالة ترتدي
حاز الشفوف فكل خلق دونه فالغيث يسأل إذ يسيل يمينه
والشمس تستهدي الشروق جبينه والله فضله وأظهر دينه
ووفى لنا فيه بصدق الموعد
نطقي يغادي ذكره ويراوح وبه ينافج مسكةً وينافح
تعيي اللسان محامد وممادح طوبى لمن قد عاش وهو يكافح
عنه يناضل باللسان وباليد
هو صفوة العرب الأولى أحسابهم أسيافهم قرنت بها أسبابهم
فهم لباب المجد وهو لبابهم من آل بين لم تزل أنسابهم
تنبي لهم عن طيب عنصر مولد
شرف النبوة قد رسا في أهلها وسما على الزهر العلا بمحلها
ساق السوابق للفخار برسلها نطق الكتاب كما علمت بفضلها
وقضى به نص الحديث المسند
فوق السماك توطنت وتوطدت وتفردت بالمصطفى وتوحدت
فهي الخلاصة صفيت فتجردت من معدن فيه الرسالة قد بدت
من عصر آدمنا لعصر محمد
стр. 72
طالوا فلم يبقوا لمجد مصعدا صالوا ففي أيمانهم حتف العدا
سالوا فهم لعفاتهم غيث الجدا أهل السقاية والرفادة والندى
والكعبة البيت الحرام المقصد
المطعمون وقد طوى المري الطوى الناهضون إذا الصريخ لهم نوى
العاطفون إذا الطريق بهم ثوى أهل السدانة والحجابة واللوا
أهل المقام وزمزم والمسجد
المصلحون إذا الجموع تخاذعت المنجحون إذا المساعي دافعت
الدافعون إذا الأعادي قارعت المؤثرون إذا السنون تتابعت
وفد الحجيج بنيل كل تفقد
لا يقرب الخطب الملك منيعهم لا يطرق الكرب المخيف قريعهم
والله شرف بالنبي جميعهم من نال رتبتهم وحاز صنيعهم
نال الشفوف وحاز معنى السؤدد
حلوا من الطود الأشم بمنعةٍ في خير معتصم وأسمى رفعةٍ
فهم بمنة في هجعةٍ الله خصصهم بأشرف بقعةٍ
محجوبة محفوفةٍ بالأسعد
لما أتيت لرامة أصل السرى من بعد قصدي مكةً أم القرى
أنشدت جهراً فيه أنثر جوهرا وإليكما يا خير من وطيء الثرى
عذراء تزري بالعذارى الخرد
стр. 73
كل الحسان لحسنها قد أدهشا ما مثلها في تربها شادٍ نشا
سفرت بعزمٍ ما أجد وأطيشا نشأت بطي القلب وارتوت الحشا
زهراء من يرها يهل ويسجد
أمتك تشأى في مداها الألسنا وتري إجادتها المجيد المحسنا
تغدو ولا تثني العنان عن الثنا وأتتك تمرح كالقضيب إذا انثنى
مترنحاً بين الغصون الميد
قد أعلمت في المدح ثاقب ذهنها ترجو الحلول لدى قرارة أمنها
وعسى إذا غذيت بتربة عدنها يجلو لك الإحسان بارع حسنها
والحسن يجلوها وإن لم تنشد
مدحي لخير العالمين عقيدتي ومطيتي بل وطيبتي ونشيدتي
ونتيجتي وهدى اليقين مفيدتي ولئن مدحت محمداً بقصيدتي
فلقد مدحت قصيدتي بمحمد
يا خير خلق الله دعوة حائر يشكو إليك صروف دهر جائر
والله يعلم في هواك سرائري وهو الذي أرجو لعفو جرائري
متوسلاً بجنابك المتأطد
لولا حقوق عينت بمغارب بمكثت عندك كي تتاح مآربي
ويكون في الزرقاء عذب مشاربي حتى أحلي من ثراك ترائبي
وأنال دفناً في بقيع الغرقد
وعليك من ربٍ حباك صلاته وسلامه وهباته وصلاته
ما أم بابك من هدته فلاته لعلاك حتى زحزحت علاته
فأتيح حسن الختم دون تردد
стр. 74
ثم ودعته ﷺ والقلب من فراقه صقيم، ووقعت من البعد عن تلك المعاهد في المقعد المقيم، وأنا أرجو أن يكون شكل منطقي غير عقيم، وأن أحشر في زمرة من سلك الصراط المستقيم:
يا شفيع العصاة أنت رجائي كيف يخشى الرجاء عندك خيبه
وإذا كنت حاضراً بفؤادي غيبة الجسم عنك ليست بغيبه
ليس بالعيش في البلاد انتفاع أطيب العيش ما يكون بطيبه
[زيارة بيت المقدس]
ثم عدت إلى مصر، وقد زال عني ببركته ﷺ الإصر، وذلك في محرم سنة ١٠٢٩، ثم قصدت زيارة بيت المقدس في شهرة ربيع من هذا العام، وقد شملتني بفضل الله جوائز الإنعام، وتذكرت عند مشاهدة تلك المسالك الصعبة، قول حافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله تعالى - وهو مما زادني في هذه الزيارة رغبة:
إلى البيت المقدس جئت أرجو جنان الخلد نزلاً من كريم
قطعنا في مسافته عقاباً وما بعد العقاب سوى النعيم
فلما دخلت المسجد الأقصى، وأبصرت بدائعه التي لا تستقصي، بهرني جماله الذي تجلى الله به عليه، وسألت عن محل المعراج الشريف فأرشدت إليه وشاهدت محلاً أم فيه ﷺ الرسل الكرام الهداة، وكان حقي أن أنشد هنالك ما قاله بعض الموقفين وهو مما ينبغي أن تزمزم به الحداة:
стр. 75
إن كنت تسأل أين قد ر محمدٍ بين الأنام
فاصخ إلى آياته تظفر بريك في الأوام
أكرم بعبد سلمت تقديمه الرسل الكرام
في حضرة للقدس وا فاها بعز واحترام
صفوا وصلوا خلفه إن الجماعة بالإمام
للشهب نور بين والفضل للقمر التمام
سلك النبوة باهر وبأحمد ختم النظام
هذا الكتاب دلالة تبقى إلى يوم القيام
شهدت له من بعد عج؟ زٍ ألسن اللد الخصام
خير الورى وأجل آيات له خير الكلام
فعليه من رب الورى أزكى صلاةٍ مع سلام
وربما يقول من يقف على سرد هذه الأمداح النبوية: إلى متى وهذا الميدان تكل فيه فرسان البديهية والروية؟ فأنشده في الجواب، قول بعض من أم نهج الصواب:
لأديمن مديح المصطفى فعل من في الله قوى طمعه
فعسى أنعم في الدنيا به وعسى يحشرني الله معه
وإذا كان القريض في بعض الأحيان كذباً صراحاً، والموفق من تركه والحالة هذه رغبة عنه وله اطراحا، فخير ما كان حقاً وهو مدح الله ورسوله، وبذلك يحصل للعبد منتهى سوله:
ليس كل القريض يقبله السم؟ ع وتصغي لذكره الأفهام
إن بعضاً من القريض هراء ليس شيئاً، وبعضه أحكام
следующие страницы →