وأطيلوا مع ذلك التنقير عنهم والتنقيب، ولا تغفلوا عن التعهد بالبحث البعيد منهم والقريب، ومن عثرتم له على منكر من استباحة دم أو مال، وإضاعة للحقوق وإهمال، فخذلوا على يده، وجازوه بفاسد مقصده، وأنزلوه بالمنزل الأقصى، وعاملوه معاملة من أوصيَ بتقوى الله فما استوصى.
واصرفوا نظركم إلى القضاة فإن مدار الشريعة إنّما هو على ما يستند إليهم، ويقصر من الأحكام عليهم، فإذا كانوا من أهل العلم والديانة، وذوي النزاهة والصيانة، أمسكهم الورع بزمامه، وبلغ العهد بهم غاية تمامه، وإذا كانوا بضدّ هذا قبلوا الرشوة، وأوطأوا العشوة، وأطالوا النشوة، وأحلّوا من الدماء والفروج محرمها، وطمسوا من السنّة بالميل والمين معلمها، وحكموا بالهوادة والهوى، وطووا من الحق ما انتشر ونشروا من الباطل ما انطوى، فانتقوهم فهم أولى بالانتقاء، وشرّ جاسرهم وجاهلهم أحق بالاتقاء، ولا تقدموهم ولا غيرهم بالشفاعات والوسائل، ولكن قدموهم بتورعهم في القضايا وعلمهم بالمسائل.
وممّا نؤكد عليهم فيه أمر الشهود؛ فإن شهادة الزور هي الداء العضال، والظلمة التي يتستر بها الظّلمة والضّلاّل، والحجة الداحضة التي بها يحلّل الحرام ويحرم الحلال، وقد كثر في هذا الزمان أهل الشهادة الفاسدة، ونفقت بهم سوق الأباطيل الكاسدة، فتقدموا إلى القضاة وفقهم الله تعالى أن لا يقبلوا إلاّ مشهوراً بزكاء وعدل، موفوراً حظّه من رجاحة وعقل، ومن كان مغموزاً عليه في أحواله، منبوزاً بالاسترابة في شهادته وأقواله، فلتردّ شهادته على أدراجها، وليبطل ما يكون من حجاجها. وأكدوا عليهم عند تعارض العقود في الترجيح، والنظر في التعديل والتجريح، لتجري أمور المسلمين على مستوى الحقّ المستبين، وتبدو المعدلة مشرقة الغرّة مؤتلفة الجبين.
وممّا نأمركم به أن تبحصوا عن العمال، ولا تولّوا منهم إلا الحسن الطريقة المرضيّ الأعمال، ومن لم يكن منهم جارياً على القوانين المرعية، ناصحاً لبيت المال
стр. 4097
رفيقاً بالرعية، وكان في أمانته حائداً عن الجادة السوية، قائلاً كما قال قبله ابن اللتبية (١) ، فليعوّض منه غيره، وليرفع عن الجانبين ضيره، فإنّه ما كانت الخيانة قط في شيء إلا أهلكته، ولا وضعت في إنسان طبيعة سوء إلا ملكته.
وإنّما هو مال الله تعالى الذي يرزق منه الحماة، وبه تسد الثغور المهمات، فينبغي أن يختار له محتاط في اقتضائه وقبضه، حافظ لدينه ومروءته في كلّه وبعضه، فخذوا في انتقاء هذه الأصناف المسمين، واطلبوا بهذه الأوصاف المصرفين والمولين، واجمعوا من الاجتهاد الحميد والقصد والاعتماد الأثر والعين، وأنصفوا منهم إن تظلّم من أحدهم متظلم، واشفوا شكوى كل متشك وألم كل متألم، واعلموا أن حرمة الأموال بحرمة الدماء لاحقة، وأن إحدى القضيتين للأخرى مساوية ولاحقة، ومن أكبر ما ورد في ذلك وأعظمه، قول رسول الله ﷺ : " حرمة مال المسلم كحرمة دمه ".
وليكن الناس في الحق سواء لا محاباة ولا مفاضلة، ولا مجاوزة في تغليب قوي على ضعيف ولا محاولة، إن هذه أمتكم أمّة واحدة، وإن دلائل الشرع بمراد الله لشاهدة، ولا يؤخذن أحد بجريرة أحد، ولا يجني ولد على والد ولا والد على ولد، فكتاب الله تعالى أولى بالاتباع وأحرى، لقول الله " ولا تزر وازرة وزر أخرى " (الأنعام: ١٦٤) (٢) اللهم إلاّ من آوى محدثاً فإنه مأخوذ بما أجرم، ومعلون على لسان رسول الله ﷺ .
فارفعوا - أعاننا الله تعالى وإياكم - للعدل بكل علم مناراً، واتخذوا الرفق بالإمامة شعاراً، فقد قال: قال رسول الله ﷺ " إن الرفق لا يكون
стр. 4098
في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلاّ شانه " وقد نصّ الكتاب والسنّة على مواضع اللين والاشتداد، ونبها على منازع المقاربة والسّداد، فلا غضب لأمر إلاّ بما غضب له الله ، ولا رضىً به إلا إذا استقر فيه رضى الله تعالى وحل، قال رسول الله ﷺ " الذي يجلد فوق ما أمر الله تعالى به يقول له الله : عبدي، لم جلدت فوق ما أمرتك به فيقول: رب غضبت لغضبك، فيقول: أكان ينبغي لغضبك أن يكون أشد من غضبي ثم يؤتى بالمقصر فيقول: عبدي، لم قصرت عمّا أمرتك به فيقول: ربّ رحمتهن فيقول: أكان ينبغي لرحمتك أن تكون أوسع من رحمتي " قال: فيأمر فيهما بشيء قد ذكره لم يحفظه الراوي، إلا أنّه قال: صيروهما إلى النّار، أعاذنا الله تعالى منها بفضله ورحمته! فليوقف بالقضايا حيث وقف بها الشرع، ويحفظ الأصل من هذه الوصايا والفرع، واحتاطوا في الرعية فإنّه رأس المال، والأمانة التي لا ينبغي أن يكون فيها شيء من الإهمال، ومع توفيقكم لما سطرناه، في هذا الكتاب وشرحناه، من أبواب الخير المسعد في المآب والمآل، فاستوفوا ضروب الصالحات واستقصوها، واعملوا أعمال البر وخصوها، واذكروا آلاء الله وقصوها، " وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها " إبراهيم: ٣٤ واشتدوا في تغيير المنكرات كلّها، واحسموا أدواءها من أصلها، ورغّبوا الناس في الطاعات واندبوهم إليها، ووضحوا لهم أعمالهم وحرّضوهم عليها، وانتهوا في كل سعي ناجح، ورأي راجح، إلى أفضل ما ينتهي إليه المنتصحون، " ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " آل عمران: ١٠٤.
وخذوا بعمارة مساجد الله التي هي بيوت الأتقياء، ومحلّ مناجاة ذي العظمة والكبرياء، إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين.
ومروهم بأن يعلّموا أولادهم كتاب الله تعالى فإن تعليمه للصغار يطفىء غضب
стр. 4099
الرّب، ونعم الشفيع يوم القيامة، والمتوسل فيما يتوج القارىء وأباه تاج الكرامة، وأرشدوا للخير ما استطعتم، واتبعوا سبيله فهو أشرف ما اتبعتم، والله ولي التوفيق والإرشاد، والملجىء بالهداية إلى طريق الفوز والسداد.
وهذه أوامرنا إليكم امتثلنا أمر الله تعالى فامتثلوها، وأحضروها في خواطركم مع كل لحظة ومثلوها، وإنّا لما يكون منكم فيها لمستمعون، ولآثاركم فيما يوفيها لمتطلعون، وقد خرجنا لكم عن عهدة لزمتنا في التذكير، ونهجنا لكم منها التقديم والتأخير، والله تعالى يعلم أنّا إنّما قصدنا ما نرجو الخلاص به يوم الحساب، وأردنا رضاه فيما أوردناه من هذا الحظر والإيجاب، لنرعى حقّه سبحانه فيمن استرعانا، ونسعى في صلاح الأمّة عسى الله تعالى أن ينجح فيه مسعانا.
اللهم عبدك يضرع إليك، ويخضع بين يديك، في أن تلهمه إلى ما يجمل قصداً ومعتمداً، وتهب له من لدنك رحمة وتهيىء له من أمره رشداً، اللهم منك المعونة على ما وليت، ولك الشكر على ما أوليت، فالمهديّ من هديت، والخير كلّه فيما قضيت. اللهم من أعاننا على مرضاتك فكن له معيناً، وأورده من توفيقك عذباً معيناً، إنّك الولي النصير، العلي الكبير.
وإذا وصلكم كتابنا هذا فقصّوه (١) على الناس مفصلاً ومجملاً، وأظهروا مضمونه لهم قولاً وعملاً، واسلكوا بهم من مراشده سنناً مستجملاً، إن شاء الله تعالى، والله سبحانه يديم علاكم، ويصل إادتكم في كل محمد وإبداكم، ويجزل حظوظكم من السعادة وأنصباكم، بمنّه وكرمه لا ربّ سواه. والسّلام الأكرم الأزكى يخصّكم، ورحمة الله تعالى وبركاته.
وكتب في الرابع والعشرين لجمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ انتهى.
стр. 4100
[ترجمة ابن الجنان]
وهذا ابن الجنان (١) له الباع المديد في النظم والنثر، ومن شعره رحمه الله تعالى في مرضه الذي توفي فيه، وهو آخر كلامه:
جهل الطبيب شكايتي، وشكايتي ... أنّ الطبيب هو الذي هو ممرضي
فإن ارتضى برئي تدارك فضله ... وإن ارتضى سقمي رضيت بما رضي
ما لي اعتراض في الذي يقضي به ... لكن لرحمته جعلت تعرضي ومن نظمه رحمه الله تعالى ملغزاً في بطيخة:
وحبلى بأبناء لها قد تمخّضوا ... بأحشائها من بعد ما ولدوها
كسوها غداة الطلق برداً معصفراً ... على يقق أزرارها عقدوها
ولمّا رأوها قد تكامل حسنها ... وأبدر منها طالع حسدوها
فقدّوا قميص البدر بالبرق واجتلوا ... أهلّتها من بعد ما فقدوها
ولو أنصفوا ما أنصفوا بدر تمّها ... ولا أعدموا الحسناء إذ وجدوها وقال أيضاً ملغزاً في الميل، وهو المرود:
مسترخص السوم غال ... عال له أيّ حظوه
ما جاوز الشبر قدراً ... لكنّه ألف خطوه وهذا استخدام ما به باس، لأنّه اكتسى من الحسن خير لباس، وكم لهذا
стр. 4101
الكاتب من محاسن، ماؤها غير آسن.
وقد عرّف لسان الدين في الإحاطة بابن الجنان، وأطال في ترجمته، ونشير إلى بعض ذلك باختصار.
وهو محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري من أهل مرسية، أبو عبد الله ابن الجنان.
كان محدثاً راوية ضابطاً، كاتباً بليغاً شاعراً بارعاً، رائق الخط، ديناً فاضلاً، خيراً ذكيّاً، استكتبه بعض أمراء الأندلس فكان يتبرم من ذلك ويقلق (١) منه، ثم خلصه الله تعالى منه، وكان من أعاجيب الزمان في إفراط القماءة، حتى يظن رائيه الذي استدبره أنّه طفل ابن ثمانية أعوام أو نحوها، متناسب الخلقة، لطيف الشمائل وقوراً، خرج من بلده حين تمكن العدوّ من قبضته سنة ٦٤٠، فاستقرّ بأربولة إلى أن دعاه إلى سبتة الرئيس أبو علي ابن خلاص (٢) ، فوفد عليه، فأجلّ وفادته، وأجزل إفادته، وحظي عنده حظوة تامّة، ثم توجّه إلى إفريقية، فاستقر ببجاية، وكانت بينه وبين كتّاب عصره مكاتبات ظهرت فيها براعته، وروى ببلده وغيره عن أبي بكر ابن خطاب وأبي الحسن سهل بن مالك وابن قطرال وأبي الربيع ابن سالم وأبي عيسى ابن أبي السداد وأبي علي الشلوبين وغيرهم، وكان له في الزهد ومدح النبي ﷺ بدائع، ونظم في المواعظ للمذكرين كثيراً؛ انتهى مختصراً، وإلا فترجمته في الإحاطة متسعة، رحمه الله تعالى.
ولمّا كتب له أبو المطرف ابن عميرة برسالته الشهيرة التي أوّلها تحييك الأقلام تحية كسرى، وتقف دون مداك حسرى وهي طويلة، أجابه بما
стр. 4102
نصّه: ما هذه التحية الكسروية وما هذا الرأي وهذه الروية أتنكيت من الأقلام أو تبكيت من الأعلام أو كلا الأمرين توجّه القصد إليه، وهو الحق مصدقاً لما بين يديه وإلاّ فعهدي بالقلم يتسامى عن عكسه (١) ، ويترامى للغاية البعيدة بنفسه، فمتى لانت أنابيبه للعاجم، ودانت أعاريبه للأعاجم واعجبا لقد استنوق الجمل، واختلف القول والعمل، لأمر ما جدع أنفه قصير (٢) ، وارتد على عقبه الأعمى أبو بصير، أمس أستسقي من سحابه فلا يسقيني، وأستشفي بأسمائه فلا يشفيني، واليوم يحلّني محلّ أنوشروان، ويشكو مني شكوى الزيدية من بني مروان (٣) ، ويزعم أنّي أبطلت سحره ببئر ذروان (٤) ، ويخفي في نفسه ما الله مبديه (٥) ، ويستجدي بالأثر (٦) ما عند مستجديه، فمن أين جاءت هذه الطريقة المتبعة، والشريعة المبتدعة أيظن أن معمّاه لا ينفك، وأنّه لا ينجلي هذا الشك هل ذلك منه إلا إمحاض التّيه، وإحماض تفتّيه، ونشوة من خمر الهزل، ونخوة من ذي ولاية آمن من العزل تالله لولا محلّه من القسم، وفضله في تعليم النّسم، لأسمعته ما ينقطع به صلفه، وأودعته ما ينصدع به صدفه، وأشرت بطرف المشرفي وحدّه، وأشرت إلى تعاليه عن اللعب بجدّه، ولكن هو القلم الأوّل، فقوله على أحسن الوجوه يتأوّل، ومعدود في تهذيبه، كل ما لسانه يهذي به، وما أنساني إلا الشيطان أياديه أن أذكرها (٧) ، وإنّما أقول:
стр. 4103
ليت التحية كانت لي فأشكرها (١) ... ولا عتب إلاّ على الحاء، المبرحة بالبرحاء، فهي التي أقامت قيامتي في الأندية، وقامت عليّ قيام المتعدية، يتظلم وهو عين الظالم، ويلين القول وتحته سم الأراقم، ولعمر اليراعة وما رضعت، والبراعة وما صنعت، ما خامرني هواها (٢) ، ولا كلفت بها دون سواها، ولقد عرضت نفسها عليّ مراراً، فأعرضت عنها اوزراراً، ودفعتها عني بكل وجه، تارة بلطف وأخرى بنجه (٣) ، وخفت منها السآمة، وقلت: انكحي أسامة، فرضيت مني بأبي جهم (٤) وسوء ملكته، وابن أبي سفيان وصعلكته (٥) ، وكانت أسرع من أم خارجة للخطبة، وأسمع من سجاح (٦) في استنجاح تلك الخطبة.
ولقد كنت أخاف من انتقال الطباع في عشرتها، واستثقال الاجتماع من عترتها، وأرى من الغبن والسفاه، أخذها وترك بنات الأفواه والشفاه (٧) ، إذ هي أيسر مؤونة، وأكثر معونة، فغلطني فيها أن كانت بمنزل تتوارى صوناً عن الشمس، ومن نسوة خفرات لا ينطقن إلا بالهمس، ووجدتها أطوع من البنان للكف، والعنان للكفّ (٨) ، والمعنى للاسم، والمغنى للرسم، والظل للشخص، والمستدل للنص، فما عرفت منها إلاّ خيراً أرضاه، وحسبتها من الحافظات
стр. 4104
للغيب بما حفظ هـ، فعجبت لها الآن كيف زلت نعلها، ونشزت فنسرت ما استكتمها بعلها، واضطربت في رأيها اضطراب المختار بين أبي عبيد (١) ، وضربت في الأرض تسعى عليّ بكل مكر وكيد، وزعمت أن الجيم خدعها، وألان أخدعها، وأخبرها أن سيبلغ بخبرها الخابور (٢) ، وأحضرها لصاحبها كما أحضر بين يدي قيصر سابور (٣) .
فقد جاءت إفكاً وزوراً، وكثرت من أمرها منزوراً، وكانت كالقوس أرنّت وقد أصمت القنيص، والمراودة قالت " ما جزاء " وهي التي قدّت القميص (٤) ، وربما يظن بها الصدق وظن الغيب ترجيم، ويقال: لقد خفضت الحاء بالجوار لهذا الجيم، وتنتصر لها التي خيمت بين النرجسة والريحانة، وختمت السورة باسم جعلت ثانيه أكرم نبي على الله سبحانه، فإن امتعضت لهذه التكلمة، تلك التي سبقت بكلمتها بشارة الكلمة، فأنا ألوذ بعدلها، وأعوذ بفضلها، وأسألها أن تقضي قضاء مثلها، وتعمل بمقتضى " فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها " النساء: ٣٥.
على أن هذه التي قد أبدت مينها، ونسيت الفضل بيني وبينها، إن قال الحكمان: منها كان النشوز، عادت حرورية (٥) العجوز، وقالت التحكيم في دين الله تعالى لا يجوز، فعند ذلك يحصحص الحق، ويعلم من الأولى بالحكم والأحق، ويصيبها ما أصاب أروى، من دعوة سعدية حين الدعوى، ويا ويحها أرادت أن تجني عليّ فجنت لي، وأناخت لي مركب السعادة وما ابتغت إلا ختلي، فأتى شرها بالخير، وجاء النفع من طريق ذلك الضير، أتراها علمت
стр. 4105
بما يثيره اعوجاجها، وينجلي عنه عجاجها، فقد أفادت عظيم الفوائد، ونظيم الفرائد، ونفس الفخر، ونفيس الدر، وهي لا تشكر أن كانت من الأسباب، ولا تذكر إلا يوم الملاحاة والسباب.
وإنّما يستوجب الشكر جسيماً، والثناء الذي يتضوع نسيماً، الذي شرف إذ أهدى أشرف السحاءات، وعرف بما كان من انتحاء تلك الحاء المذمومة في الحاءات، فإنّه وإن ألمّ بالفكاهة، بما أملّ من البداهة، وسمّى باسم السابق السّكيت، وكان من أمر مداعبته كيت وكيت، وتلاعب في الصفات تلاعب الصفاح والصّبا بالبانة، والصّبا بالعاشق ذي اللّبانة، فقد أغرب بفنونه، وأغرى القلوب بفتونه، ونفث بخفية الأطراف، وعبث من الكلام المشقّق بالأطراف، وعلم كيف يمحض البيان، ويخلص العقيان، فمن الحق شكره على أياديه البيض، وإن أخذ لفظة من معناه في طرف النقيض.
" تالله أيها الإمام الأكبر، والغمام المستمطر، والحبر الذي يشفى سائله، والبحر الذي لا يرى ساحله، ما أنا المراد بهذا المسلك، ومن أين حصل ذلك النور لهذا الحلك، وصح أن يقاس بين الحداد والملك إنّه لتواضع الأعزّة، وما يكون عند الكرام من الهزّة، وتحريض الشيخ للتلميذ، وترخيص في إجازة الوضوء بالنبيذ، لو حضر الذي قضي له بجانب الغربيّ أمر البلاغة، وارتضى ما له في هذه الصناعة، من حسن السبك لحليها والصياغة، وأطاعته فيما أطلعته طاعة القوافي الحسان، واتبعته فيما جمعته لكن بغير إحسان، لأذعن كما أذعنت، وظعن عن محل الإجادة كما ظعنت، وأنّى يضاهى لفرات بالنغبة، ويباهى بالفلوس من أوتي من الكنوز ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة، وأي حظ للكلالة بالنشب، وقد اتصل للورثة عمود النسب، هيهات والله المطلب، وشتان الدر والمخشلب، وقد سيم الغلب، ورجع إلى قياده السلب.
" وإن كنّا ممّن تقدّم لشدة الظمإ إلى المنهل، كمن أقدم إلى عين تبوك بعد النهي للعلل والنهل، فقد ظهرت بعد ذلك المعجزة عياناً، وملأ ما هنالك جناناً
стр. 4106
وما تعرضنا بإساءة الأدب واللوم، ولكن علمنا أن آخر الشّرب ساقي القوم، وإن أسهبنا فما نلنا رتبة ذلك الإيجاز، وإن أعرقنا فهوانا في الحجاز، فلكم قصيرات الحجال، ولنا قصيرات الخطا في هذا المجال، وإكثارنا في قلّة، وجارنا من الفقر في فقر وذلة، ومن لنا بواحدة يشرق ضياؤها، ويخفي النّجوم خجلها منها وحياؤها إن لم تطل فلأنّها للفروع كالأصل، وفي الجموع كليلة الوصل، فلو سطع نورها الزاهر، ونورها الذي تطيب منه الأنوار الأزاهر، لسجدت النيران ليوسف ذلك الجمال، ووجدت نفحات ريّاها في أعطاف الجنوب والشمال، وأسرعت نحوها النفوس إسراع الحجيج يوم النّفر. وسار خبرها وسرى فصار حديث المقيمين والسّفر، وما ضرّ تلك الساخرة في تجليها، الساحرة بتجنيها، أن كانت بمنزلة ربيبتها بل ربيئتها، هذه التي سبقتني لما سقتني بسيئتها (١) ، ووجدت ريحها لما فصلت من مصر عيرها، وحين وصلت لم يدلني على ساريها إلا عبيرها، وكم رامت أن تستتر عني بليل حبرها في هذه المغاني (٢) ، فأغراني بهاؤها (٣) وكل مغرم مغرى ببياض صبح الألفاظ والمعاني، وهل كان ينفعها، تلفحها بمرطها وتلفعها إذ نادتها المودة، قد عرفناك يا سودة، فأقبلت على شم نشرها وعرفها، ولثم سطرها وحرفها، وقريتها الثناء الحافل، وقرأتها فزينت بها المحافل، ورمت أمر الجواب، فعزني في الخطاب، لكن رسمت هذه الرقعة التي هي لديكم بعجزي واشية، وإليكم مني على استحياء ماشية، وإن رقّ وجهها فما رقت لها حاشية، فمنوا بقبولها على عللها، وانقعوا بماء سماحتكم حرّ غللها، فإنّها وافدة من استقر قلبه عندكم وثوى، وأقر بأنّه يلقط في هذه الصناعة ما يلقى للمساكين من النوى، بقيتم سيدي للفضل والإغضاء، ودمتم غرة في جبين السمحة البيضاء، واقتضيتم السعادة
стр. 4107
المتصلة مدة الاقتضاء، بيمن الله سبحانه انتهى.
ومن نثر ابن الجنان رحمه الله تعالى في شرف المصطفى ﷺ : لمحمد خير الأنام، ولبنة التمام، عليه أفضل الصّلاة والسلام، خيرة المفاخر، يتضاءل لعظمتها المفاخر، والمعالي، يتصاغر لعزّتها المعالي، والمكارم، يعجز عن مساجلتها المكارم، والمناقب، لا تضاهي سناها النجوم الثواقب، والمحامد، لا يبلغ مداها الحامد، والمماجد، لا يتعاطى رتبهن المماجد، والمناسب، سمت بجلالهن المناصب، والعناصر، طيّبها الشرف المتناصر، والفضائل، تفجرت في أرجائهن الفواضل، والشمائل، تأرّجت بعرفهن الجنائب والشمائل، فلا مجاري لسيد البشر، الآتي بالنذارات والبشر، فيما حباه الله تعالى به وخصّه، وقصّه علينا من خلقه العظيم ونصّه، عند رسم مدائحه يوجد المعوّل، وفي الثناء عليه يستقصر الكلام المطوّل، هو الآخر في ديوان الرسالة والأوّل، وله في الفضيلة، وقبول الوسيلة، النص الذي لا يؤوّل، نوره صدع الظلم، وظهوره رفع لدين الله تعالى العلم، بدأه الوحي وهو بحراء، وأسرّ إليه سر تقدم الإسراء، حتى إذا نصب له المعراج، وتوقد في منارة السماء ذاك السراج، ناجى الحبيب حبيبه، وجلا عن وجه الجلاء جلابيبه، فتلقى ما تلقى، لما علا وترقى، ثم صدر عن حضرة القدس، وجبين هدايته يبهر سنا الشمس، فشق لمعجزاته القمر، ونهى بأمر ربّه وأمر، وأزال الجهالة، وأزاح الضلالة، وكسر منصوب الأوثان، ونصر من قال واحد أ؛ د على من قال ثالث ثلاثة أوثان، وبنى الملّة على قواعدها الخمس، وأحيا دين إبراهيم وكان رفاتاً بالرمس، فرفلت الحنيفية البيضاء في بردة الجدّة، وبيضت بيضاء غرتها أوجه الأيام المسودّة، وانتشرت الرحمة بنبيها، ومطرت المرحمة من سحب حيها، وافتنت الآيات الباقيات البينات في مساقها واتساقها، وإشراقها في آفاقها وائتلاقها.
وشهد الحجر والشجر، والماء من بين البنان يتفجر، والظبية والضب، والجذع المشاق الصب، والشاة والبعير، والليث إذ هدأ أو سمع من الزئير
стр. 4108
والحي والجماد، والقصعة والزاد، بأن محمداً رسول الملك الحق، والمبلغ عنه بواسطة الملك إلى الخلق، وصاحب اللواء المعقود، والمقام المحمود، والحوض المورود، والقول المسموع، والذكر المرفوع، والصدر المشروح، والفخر الباهر الوضوح، والأنوار المتناقلة، والآثار المتداولة، والنبوّة التي عهدها تقادم، من قبل خلق آدم، والمزية المعروف قدرها الجليل، المقبول فيها ما دعا به الخليل، والرتبة التي استشرف إليها الكليم، حتى قال له " وكن من الشاكرين " الأعراف: ١٤٤ ربّه الكريم، والبشارة التي كان بها يصيح حين يسيح، روح الله تعالى وكلمته عيسى المسيح، والشفاعة التي يرجوها الرسل والأمم، ويقرع بها الباب المرتج المبهم، فما لنبينا المختار، من علوّ المقدار، واصطفاء الجبار، والاختصاص بالأثرة، والاستخلاص للحضرة، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً.
" وحسب هذا الوجود من الفضل الرباني والجود الذي لم يزل عظيماً، أن بعث الله تعالى فيه رسولاً رؤوفاً بالمؤمنين رحيماً، عزيزاً على ربّه الكريم كريماً، بسرّه سجدت الملائكة لآدم تعظيماً، وبذكره بنظم سلك المادح لحضرته العلية تنظيماً، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً صلاة تتصل ما دار كأس محبته على أحبّته فكان مزاجه تسنيماً، وسلاماً ينزل دار دارين فيرسل ببضائعها إلى روضة الرضى نسيماً ".
ومن خطبه المرتجلة قوله سامحه الله تعالى:
" الحمد لله الذي حمده من نعمائه، وشكره على آلائه من آلائه، أحمده حمد عارف بحق سنائه، واقف عند غاية العجز عن إحصاء ثنائه، عاكف على رسم الإقرار بالافتقار إليه والاستغناء به في كل آنائه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتوحّد بعظمته وكبريائه، المتقدس عمّا يقوله الملحدون في أسمائه. وأصلي على سيد ولد آدم ونخبة أنبيائه، محمد المفضل على العالمين باجتبائه
стр. 4109
واصطفائه، المنتقى من صميم الصميم وصريح الصريح بجملة (١) آبائه، المرتضى الأمانة والمكانة بإبلاغ أمر الله وأدائه، أرسله الله للناس كافة عموماً لا يتخصص باستثنائه، وفضّله بالآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة على أمثاله من المرسلين ونظرائه، ورقّاه إلى الدرجات العلا وأنهاه إلى سدرة المنتهى ليلة إسرائه، وحباه بالخصائص التي لا يضاهى بها بهاء كمله وكمال بهائه، وردّاه رداء العصمة فكانت عناية الله تكنفه عن يمينه وشماله وأمامه وورائه (٢) ، ووفاه من حظوظ البأس والندى ما شهد بمزيته على الليث والغيث في إبائه وانهمائه، صلى الله عليه وعلى آله مصابيح الهدى ونجوم سمائه، صلاة تتصل ما سمح البدر بائتلاق أنواره والقطر باندفاق أنوائه، وسلّم تسليماً ".
ومن نثره رحمه الله تعالى رسالة كتب بها من الأندلس إلى سيد الكونين ﷺ ، وهي:
السلام العميم الكريم، والرحمة التي لا تبرح ولا تريم، والبركة التي أوّلها الصلاة وآخرها التسليم، على حضرة الرسالة العامة الدعوة والنبوة، المؤيدة بالعصمة والأيد والقوة، ومثابة البر والتقوى فهي لقلوب الطيبين صفاً ومروة، مقام سيد العالمين طرّاً، وهاديهم عبداً وحرّاً، ومنقذهم من أشراك الهلاك وقد طالما ألفوا العيش ضنكاً والدهر مرّاً، ومقر الأنوار المحمدية، والبركات السرمدية، أمتع الله تعالى الإسلام والمسلمين بحراسة أضوائها، وكلاءة ظلالها العلية وأفيائها، وأقر عين عبدها بلثم ثراها، والانخراط في سلك من يراها.
" السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا أبا القاسم، سلام من يمدّ إليك يد الغريق، ويرجو الإنقاذ ببركتك من نكد المضيق، ويتقطع أسفاً ويتنفس صعداً كلّما ازدلف إليك فريق، وعمرت نحوك طريق،
стр. 4110
ولا يفتر صلاة عليك له لسان ولا يجف ريق.
كتبته يا رسول الله وقد رحل المجدون وأقمت، واستقام المستعدون وما استقمت، وبيني وبين لثم ثراك النبوي، ولمح سناك المحمدي، مفاوز لا يفوز بقطعها إلا من طهر دنس ثوبه، بماء توبه، وستر وصم عيبه، بظهر غيبه، فكلّما رمت المتاب رددت، وكلّما يممت الباب صددت، وقد أمرنا الله تعالى بالمجيء إليك، والوفادة عليك، ومن لي بذلك يا رسول الله والآثام تنئي وتبعد، والأيام لا تدني ولا تسعد، وبين جنبي أشواق لا يزال يهزني منها المقيم المقعد، ولئن كنت ممّن خلّفته عيوبه، وأوبقته ذنوبه، ولم يرض للوفادة وهو مدنس، على ذلك المقام وهو المطهر المقدس، فعندي من صدق محبتك، وحبّ صحبتك، والاعتلاق بذمتك، ما يقدمني وإن كنت مبطئاً، ويقربني وإن كنت مخطئاً.
" فاشفع لي يا رسول الله في زيارتك فهي أفضل المنى، وتوسل لي إلى مولىً بيّن فضيلتك، وتقبّل وسيلتك، في النقلة من هناك إلى هنا، واقبلني وإن كنت زائفاً، وأقبل عليّ وإن أصبحت إلى الإثم متجانفاً، فأنت عماد أمتك جميعاً وأشتاتاً، وشفيعهم أحياء وأمواتاً. ومن نأت به الدار، وقعدت بعزمه الأقدار، ثم زار خطّه ولفظه، فقد عظم نصيبه من الخير وحظّه، وإن لم أكن سابقاً فعسى أن أكون مصلّياً، وإن لم أعدّ مقبلاً فلعلي أعد مولياً، ووحقك وهو الحق الأكيد، والقسم الذي يبلغ به المقسم ما يريد، ما وخدت إليك ركاب، إلا وللقلب إثرها التهاب، وللدمع بعدها سحّ وانسكاب، ويا ليتني ممّن يزورك معها ولو على الوجننتين، ويحييك بين ركبها ولو على المقلتين، وما الغنى دونك إلا بؤس وإقلال، ولا الدنيا وإن طالت إلا سجون وأغلال، والله تعالى يمن على كتابي بالوصول والقبول، وعلي بلحاقي ببركتك ولو بعد طول.
ثم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته عليك يا سيد الخلق، وأقربهم من الحق، ولمولاه بإحراز قصب السّبق، ومن طهّر الله تعالى مثواه وقدّسه، وبناه على
стр. 4111
التقوى والرضوان وأسسه، وآتاه من كل فضل نبوي أعلاه وأسناه وأنفسه، وعلى ضجيعيك السابقين لمهاجريك وأنصارك، الفائزين بصحبتك العلية وجوارك، وعلى أهل بيتك المطهرين أوائل وأواخر، الشهيرين مناقب ومفاخر، وصحابتك الذين عزروك ووقروك، وآووك ونصروك، وقدموك على الأنفس والأموال والأهل وآثروك، وأقرئك سلاماً تنال بركته من مضى من أمّتك وغبر، ويخص بفضل الله تعالى وجاهك من كتب وسطر، إن شاء الله تعالى.
كتبه عبدك المستمسك بعروتك الوثقى، اللائذ بحرمك الأمنع الأوقى، المتأخر جسماً المتقدم نطقاً، فلان، والسلام عليك يا رسول الله ﷺ تسليماً كثيراً ورحمة الله تعالى وبركاته ".
وله من خطبة طويلة: ونشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الصوفة المجتبى، الكريم أمّاً طاهرة وأبا، المختار من الطيبين مباركاً طيبا، المصطفى نبيّاً إذ كان آدم بين الماء والطين متقلّبا، المتقدم بمقام تأخّر عنه مقام الملائكة المقربين، انتخبه الله وانتجبه، وأظهره على غيب عن غيره حجبه، وشرفه في الملإ الأعلى وأعلى رتبه، وخطّ اسمه على العرش سطراً وكتبه، فهو وسيلة النبيين، والمرشّح أوّلاً لإمامة المرسلين، بعثه ربّه لختم الرسالة، ونعته بنعت الشرف والجلالة، وأيده بالحجّة البالغة والدلالة، وجعله نوراً صادعاً لظلام الضلالة، وأثنى في ذكره الحكيم، على خلقه العظيم، فما عسى أن يبلغ بعد ثناء المثنين، بفضله التصريح وإليه الإشارة، وبه سبقت من إبراهيم الدعوة ومن عيسى البشارة، وعليه راقت من صفة الرؤوف الرحيم الحلية والشارة، وهو المخيّر بين الملك والعبودية فاختار العبودية بعد الاستخارة والاستشارة، فبتواضعه حل بمكان عند ذي العرش مكين أسرى به ربه إليه، ووفد أكرم وفادة عليه، وأدناه قاب قوسين لديه، ووضع إمامة الرسالة العظمى في يديه، وقال له " اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين " الحجر: ٩٤ فصدع بأمر الله
стр. 4112
صدعاً، وأوتي من المثاني سبعاً، ومن الآيات البينات آلافاً وإن كان أوتي موسى تسعاً.
فما مشي الشجر إليه يجر عروقه إلا كرجوع العصا حية تسعى، وما تفجر الحجر بالماء بأعجب من بنانه نبعت بالعذب الفرات نبعا، فارتوى منه خمسمائة وقد كان يكفي آلافاً فكيف المئين، وكم له ﵊ من معجزة تبهر، وآية هي من أختها أكبر، رجعت له الشمس وانشقّ القمر، وكلّمه الضب وأخبر به الذئب وسلّم عليه الشجر والحجر، وكان للجذع عند فراقه إعلاناً بوجده واشتياقه أنّة وحنين، أعطي من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر، وكانت له في الغار آيات بيّنات خفي بها على القوم الأثر، وارتج لمولده إيوان كسرى وخمدت نار فارس وكان ضرمها يتسعر، وأتته أخبار السماء فما عمي في الأرض الخبر، فحدث عن الغيوب وما هو على الغيب بضنين، وجعل له القرآن معجزة تتلى، يبلى الزمان وهي لا تبلى، وتعلو كلماتها على الكلم ولا تعلى، وتجلى آياتها في عين آيات الشمس حين تهجلى، فيتوارى منها بالحجاب حاجب وجبين، بهر إعجاز التنزيل العلي، وظهر به صدق النبي العربي، فكم نادى لسان عزّه في النّديّ، بأهل البديهة من الفصحاء والروي: قل فأتوا بسورة من مثله فلم يكونوا لها مستطيعين.
لقد خص نبينا ﵇ بالآيات الكبر، والدلالات الواضحة الغرر، والمقامات السامية المظهر، والكرامات المخلّدة للمفخر، فهو سيد الملإ النبوي والمعشر، وحامل لوواء الحمد في المحشر، وصاحب المقام المحمود والكوثر، والشفيع المشفّع يوم يقوم الناس لرب العالمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، وذريته المباركين، وصحابته الأكرمين، وأزواجه أمهات المؤمنين، صلاةً موصولة تتردد إلى يوم الدين، وتصعد إلى السموات العلا فتكون كتاباً في علّيّين، وسلّم تسليماً.
ومن نثره في خطبة قوله: أيّها الناس، رحمكم الله تعالى، أصيخوا
стр. 4113
أسماعكم لمواعظ الأيام، واعتبروا بأحاديثها اعتبار أولي النهى والأحلام، وأحضروا لفهم موادّها أوعى القلوب وأصحّ الأفهام، وانظروا آثارها بأعين المستيقظين ولا تنظروا بأعين النّوام، ولا تخدعنكم هذه الدنيا الدنية بتهاويل الأباطيل وأضغاث الأحلام، ولا تنسينكم خدعها المموّهة وخيالاتها الممثلة ما خلا من مقالاتها في الأنام، فهي دار انتياب النوائب، ومصاب المصائب، وحدوث الحوادث وإلمام الآلام؛ دار صفوها أكدار، وسلمها حرب تدار، وأمنها خوف وحذار، ونظمها تفرق وانتشار، واتصالها انقطاع وانصرام، ووجودها فناء وانعدام، وبناؤها تضعضع وانهدام، ينادي كل يوم بناديها منادي الحمام، فلا قرار بهذه الغرّارة (١) ولا مقام، ولا بقاء لساكنيها ولا دوام.
فبئست الدار داراً لا تدارى، ولا تقيل لعاثرها عثارا، ولا تقبل لمعتذر اعتذارا، ولا تقي من جورها حليفاً ولا جارا، وليس لها من عهد ولا ذمام، كم فتكت بقوم غافلين عنها نيام، كم نازلت بنوازلها من قباب وخيام، كم بدلت من سلامة بداء ومن صحة بسقام، كم رمت أغراض القلوب بمصميات (٢) السّهام، كم جردت في البرايا للمنايا من حسام، كم بددت بأكف النائبات الناهبات من عطايا جسام، كم أبادت طوارق حوادثها من شيخ وكهل وغلام. لا تبقي على أحد، ولا ترثي لوالد ولا ولد، ولا تخلد سروراً في خلد، ولا يمتد فيها لآمل أمد، بينا يقال قد وجد، إذ قيل قد فقد. بعداً لها قد طبعت على نكد وكمد، فالفرح فيها ترح، والحبرة عبرة، والضحك والابتسام، بكاء وأدمع سجام. تفرق الأحبة بعد اجتماعهم، وتسكن الوحشة مؤنس رباعهم، وتبيح بالحمام حمى الأعزّة فلا سبيل إلى امتناعهم، وتستحثّ ركائب الخلائق على اختلاف أنواعهم، إلى مصيرهم إلى الله وارتجاعهم،
стр. 4114
فيسيرون طوع الزمام، ويلقون مقادة التذلل والاستسلام، حتى يلجأوا بالرغام، وينزلوا بطون الرجام، ويحلّوا الوهد بعد المقام السام، فلا نناج من خطبها العظيم ولا سليم، يتساوى في حكم المنية الأغر والبهيم، والأعز والمضيم.
ولو أنّه ينجو من ذلك مجد صميم، وجدّ كريم، وحظ عظيم، ومضاء وعزيم، ومزية وتقديم، وحديث في الفضل وقديم، وشرف لسمك السّموات مُسام، وعلىً على ساق العرش المجيد ذو ارتسام، لنجا حبيب الملك العلام، وسيّد السادات الأعلام، وصفوة الصفوة الكرام، وخاتم الأنبياء ولبنة التمام، وصباح الهدى ومصباح الظلام، والأبيض المستسقى به غيث الغمام، ثمال الأرامل وعصمة الأيتام، عليه أفضل الصلاة والسلام، لكن مع قدره الجليل وفضله الجلي، أقدم الموت على جانبه العلي، وتقدم ملك الموت لقبض روحه القدسي وتغيب في الثرى جمال ذلك الوجه البهي، وتغيض ماء السّماء والندى، لملك السماحة النبويّة والندى، وأصيب المسلمون وأعظم بها مصيبة بنبيّهم العربي، الهاشمي القرشي، فيا له وللإسلام، من مصاب أسلمنا للحزن أيّ إسلام، وأسال مياه الدموع عن احتراق للضلوع واضطرام، وأرانا أن الأسى في رزية لخير البرية واجب وأن التأسي حرام.
وهل يسوغ الصبر الجميل، في فقيد بكنه الملائكة وجبريل، وكثر له في السموات السبع النحيب والعويل انقطع به عن الأرض الوحي الحكيم والتنزيل، وعظمت الرزية به أن يؤدي حقيقتها الوصف (١) والتمثيل، غداة أقفر منه الرّبع المحيل، وأوحش من أنسه السفح والنخيل، وكان من تلك الروح الطاهرة الوداع والرحيل، وقامت البتول تندب أباها بقلب قريح وجفن دام، وتنادت الأمّة مات الرسول ففي كل بيت بكاء وانتحاب ونوح والتزام، وحارت الألباب والعقول فلا صبر هنالك لقد زلّت عن الصبر الأقدام. ولمّا نعيت إليه صلى الله عليه
стр. 4115
وسلّم نفسه، وآن أن تأفل من تلك المطالع شمسه، آذن آمّته بالفراق وأعلمهم، وناشدهم في أخذ القصاص وكلّمهم، مخافة أن يمضي إلى الملك الحق، وعليه تباعة لأحد من الخلق، وحاشاه ﵊، من صفات جائر للأمّة ظلاّم، ولكنّه تعريف من نبي الرحمة بما يجب وإعلام، ثم استمر به صلوات الله وسلامه عليه وتمادى، وزاد به السقم المنتاب وتهادى، حتى واراه ملحده، وخلا منه ربعه ومسجده، فعمّ الحزن والاكتئاب، وتوارى النور فأظلم الجناب، وعاد الأصحاب، وكأنّما دموعهم السحاب، فقالت فاطمة وقد رابها من دفن أبيها الكريم ما راب: أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب فكأن كلامها للقلوب المفجعة كلام، وللعيون المفجرة بالدموع انسفاح وانسجام.
وفي مثل هذا الشهر شهر ربيع، المشيد بذكر الأشجان المذيع، كانت وفاة هذا النبي الهادي الشفيع، وانتقاله إلى الملإ الأعلى والرفيق الرفيع، هحين ناداه ربّه إلى قربه، فلبى بشوق قلبه تلبية المهطع المطيع، وحنّ إلى حضرة القدس فانتظم حين حل بها ما كان من شمله الصديع، وانتظر من صنع الرب جميل الصنيع، وإنجاز وعد الشفيع في الجميع، إذ أعطي لواء الحمد وقام محمود المقام، ووقف على الحوض ينادي: هلموا إليّ أروكم من العطش والأوام.
اللهم اسقنا من حوضه المورود، وشرّفنا بلوائه المعقود، وشفّعه فينا في اليوم المشهود، وارحمنا به إذا صرنا تحت أطباق اللّحود، اللهم اعجعله لنا تعزية من كل مفقود، وأوجد لنا من بركاته أشرف موجود، وجازه عنّا بما أنت أهله من فضل وإحسان وجود، وانفعنا بمحبته ومحبة آله وصحابته الرّكّع السّجود، واجعلنا معهم في الجنّة دار الخلود ودار السلام. واخصصهم عنّا بأكرم تحيّة وأفضل سلام، وصلّ عليهم صلاة تستلم أركان رضوانك أيّ استلام، وتنتظم له كرامات إحسانك أيّ انتظام.
فصلوات الله عليه، وأطيب تحياته ورحمته تتوالى لديه، وأجزل بركاته
стр. 4116
ما تجدد في ربيع ذكر وفاته، وتمهد كهف القبول لطالبي فضله وعفاته، وتعزى به كل مصاب في مصيباته، وترجّى شفاعته كل محب فيه متبع لهداياته، وتوفرت للمصلين عليه والمسلمين على جنباته، حظوظ من برّ الله تعالى وأقسام " إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً " الأحزاب: ٥٦ اللهم صلّ عليه من نبي لم يزل بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، اللهم صلّ عليه من نبي أوجبت حبه وعظّمته تعظيماً، اللهم صلّ عليه من نبي صليت عليه تجلة وتكريماً، وأمرتنا بالصلاة عليه إرشاداً وتعليماً، فلنا بأمرك اقتداء وائتمام، وبحمدك على ما هديتنا افتتاح واختتام، وكلامك يا ربّنا أشرف الكلام، ولوجهك وحده البقاء والدوام " كلّ من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام " الرحمن: ٢٧ " هو الحيّ لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين، والحمد لله ربّ العالمين " غافر: ٦٥ انتهى.
وترجمة ابن الجنان واسعة جدّاً، وكلامه في النبويات نظماً ونثراً جليل، رحمه الله تعالى.
وقال لسان الدين في الإحاطة بعد أن عرف به وأورد له الرسالة من صورته: ومحاسنه عديدة، وآماده بعيدة، ثم قال: إنّه انتقل إلى بجاية فتوفّي بها في عشر الخمسين وستمائة؛ انتهى.
وقال صاحب عنوان الدراية في حق ابن الجنّان المذكور ما ملخصه (١) : الفقيه الخطيب، الكاتب البارع الأديب، أبو عبد الله ابن الجنان، من أهل الرواية والدراية والحفظ والإتقان، وجودة الخط وحسن الضبط، وهو في الكتابة من نظراء الفاضل أبي المطرف ابن عميرة المخزومي، وكثيراً ما كانا يتراسلان بما يعجز عنه الكثير من الفصحاء، ولا يصل إليه إلا القليل من البلغاء، ونثره ونظمه
стр. 4117
كلّه حسن، ونظمه غزير، وأدبه كثير، ومن ذلك قصيدته الدالية التي مطلعها:
يا حادي الركب قف بالله يا حادي ... وارحم صبابة ذي نأي وإبعاد وله أيضاً:
ترك النزاهة عندنا ... أدى إلى وصف النزاهه
ما ذاك إلا أنّها ... تدعو الوقور إلى الفكاهه
وإذا امرؤ نبذ الوقا ... ر فقد تلبّس بالسفاهه
[مخمسات من المدائح النبوية]
ومن بديع نظم ابن الجنان رحمه الله تعالى هذا التخميس في مدح سيد الوجود، ﷺ ، وشرف وكرم (١) :
الله زاد محمداً تكريما ... وحباه فضلاً من لدنه عظيما ... واختصّه في المرسلين كريما ...
ذا رأفة بالمؤمنين رحيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما جلّت معاني الهاشميّ المرسل ... وتجلّت الأنوار منه لمجتلي ... وسما به قدر الفخار المعتلي ...
فاحتلّ في أفق السّماء مقيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما
стр. 4118
حاز المحامد والممادح أحمد ... وزكت مناسبه وطاب المحتد ... وتأثلت علياؤه السؤدد ...
مجداً صميماً حادثاً وقديما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما شمس الهداية، بدرها الملتاح ... قطب الجلالة، نورها الوضّاح ... غيث السماحة للندى يرتاح ...
يروي بكوثره الظماء الهيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما تاج النبوّة، خاتم الأنباء ... صفو الصريح، خلاصة العلياء ... نجل الذبيح، سلالة العلماء ...
بشرى المسيح، دعاء إبراهيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما فخر لآدم قد تقادم عصره ... من قبل أن يدريى ويجرى ذكره ... سرّ طواه الطين فهّم نشره ...
معنى السجود لآدم تفهيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما لله فضل المصطفى المختار ... ما إن له في المكرمات مجاري ... ولا مبارٍ باختصاص الباري ...
بالحقّ قدّم مجده تقديما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما
стр. 4119
أوصاف سيّدنا النبيّ الهادي ... ما نالها أحد من الأمجاد ... فالرسل في هدي وفي إرشاد ...
قد سلّموا لنبيّنا تسليما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما آياته بهرت سنا وسناء ... وأفادت القمرين منه ضياء ... وعلت بأعلام الظهور لواء ...
فهدى به الله الصراط قويما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما دنت النجوم الزّهر يوم ولادته ... ورأت حليمة آيةً لسيادته ... وتحدثت سعد بذكر سعادته ...
فتفاءلوا نعم اليتيم يتيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما لمّا ترعرع جاءه الملكان ... بالطست فيها حكمة الرحمن ... فاستخرجا القلب العظيم الشان ...
منه وطهّر ثمّ عاد سليما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما كرمت مناشي أحمد خير الورى ... وجرى له القلم العليّ بما جرى ... ما كان ذلكم حديثاً يفترى ...
لكنّه الحقّ الجليّ رسوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما
стр. 4120
ما زال برهان النبيّ يلوح ... يغدو به الإعجاز ثمّ يروح ... حتى أتاه بعد ذاك الروح ...
يوحي له وحي الإله حكيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما شهدت له بمزية التفضيل ... سور وآيات من التّنزيل ... وصلاة خالقه أدلّ دليل ...
فافهمه واسمع قوله تعظيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما إنّ الرسول المعتلي المقدار ... لمؤيدٌ من ربّه القهّار ... بالمعجزات جلت عمى الأبصار ...
وشفت من ادواء الضلال سقيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما كم شاهد لمحمّد بنبوّته ... في أيد تأييد الإله وقوّته ... فبذاك أعلى الله دعوة حجّته ...
فمضت حساماً صارماً وعزيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما البدر شقّ له ليظهر صدقه ... والشمس قد وقفت تعظّم حقّه ... والمزن أرسل إذ توسّل ودقه ...
فاخضرّ ما قد كان قبل هشيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما
стр. 4121
والماء بين بنانه قد سالا ... عذباً معيناً سائغاً سلسالا ... كنداه يمنح رفده من سالا ...
وينيل راجيه النوال جسيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما بركاته أربت على التعداد ... كم أطعمت من حاضرين وبادي ... من قصعة أو حثية من زاد ...
رزقاً كريماً للجيوسش عميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما سجد البعير له سجود تذلل ... وشكا إليه بحرقة وتململ ... والشاة قال ذراعها: لا تأكل ...
منّي فإنّي قد ملئت سموما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما والغصن جاء إليه يمشي مسرعا ... والصغر أفصح بالتحيّة مسمعا ... والظبية العجماء فيها شفّعا ...
والضبّ كلّم أحمداً تكليما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما والجذع حنّ له حنين الوال ... يبدي الذي يخفيه من بلباله ... أفلا يحنّ متيّم بجماله ...
يشتاق وجهاً للنبيّ وسيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما
стр. 4122
ما بالنا نسلو وحبّ حبيبنا ... يقضي ببثّ غرامنا ونحيبنا ... لو صح في الإخلاص عقد قلوبنا ...
لم ننس عهداً للرسول كريما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما أين الدموع نفيضها هتّانا ... أين الضلوع نقضّها أشجانا ... حتى نقيم على الأسى برهانا ...
لمتمم إرشادنا تتميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما أوليس هادينا إلى سبل الهدى ... أوليس منقذنا من اشراك الردى ... أوليس أكرم من تعمّم وارتدى ...
أولم يكن أزكى البريّة خيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ذاك الشفيع مقامه محمود ... ولواؤه بيد العلا معقود ... فإذا توافت للحساب وفود ...
قالوا: تقدّم بالأنام زعيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما فيقوم بالباب العليّ ويسجد ... ويقول: يا مولاي آن الموعد ... فيجاب: قل يسمع إليك محمد ...
ونريك منّا نضرةً ونعيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما
стр. 4123
أعظم بعزّ محمّد وبجاهه ... أكرم به متوسلاً لإلهه ... شربت كرام الرّسل فضل مياهه ...
فغدت تعظّم حقّه تعظيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما يا سامعي أخباره ومفاخره ... ومطالعي آثاره ومآثره ... ومؤملي وافي الثواب ووافره ...
إن شئتم فوزاً بذاك عظيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما قلت: وكثيراً ما كنت أنشد هذه القصيدة بالمغرب في مجالس التدريس، وأضيف إليها قبلها أخرى لبعض أهل المغرب الذين لهم في منازل الأمداح النبوية مقيل وتعريس، وهي قصيدة ميلادية كأنّما لم ينظمها مؤلفها إلاّ مقدّمة لهذه القصيدة الفريدة، وهي:
اسمع حديثاً قد تضمّن شرحه ... روضاً من الإيناس أينع دوحه
فيه الشفاء لمن تكاثر برحه ... وافى ربيع قد تعطّر نفحه أذكى من المسك الفتيق نسيما ...
شهر حوى بوجود أحمد أسعدا ... بالمصطفى بين الشّهور تفرّدا
يا ما أجلّ سنا علاه وأمجدا ... لولادة المختار أحمد قد غدا يزهو به فخراً تراه عظيما ...
يا من بأدمع مقلتيه يغتذي ... كم ذا تنادي حسرة: من منقذي
وتقول للزفرات: هل من منفذ ... بشرى بشهر فيه مولده الذي سر (١) الزمان علوّه تعظيما ...
стр. 4124
يا ليلة رفعت بأحمد حجبها ... لمّا دنا بعد التباعد قربها
وتطلعت للسعد فينا شهبها ... ضاءت لها شرق البلاد وغربها وتأنّقت أرجاؤها تنعيما ...
أسدى إليك الدهر حسن صنيعه ... وحباك من غضّ الجنى ببديعه
وافى هلال محمد بربيعه ... فاعتزّ أمر الله عند طلوعه وغدا به دين الإله قويما ...
نظم الزمان بجيد عمرك درّه ... فاشكر مآثره وواصل برّه
وافاك بالسرّ المصون فسرّه ... واعرف لهذا الشهر حقّاً قدره فلقد غدا بين الشهور كريما ...
يا صاح جاءت بالأماني أسعد ... وأطلّ بالبشرى الكريمة مولد
هذا ربيع فيه أنجز موعد ... شهر كريم جاء فيه محمد صلّوا عليه وسلّموا تسليما ... ثم قلت أنا عند ختم درس " الشفا "، موطّئاً لقصيدة ابن الجنان المذكور ولعذب براعتها مرتشفا، ما نصه والأعمال بالنيات:
انشق أزاهر عن فنون رياض ... للعلم واكرع من عذاب حياض
واسق الرياض بذكره الفيّاض ... واحفظ كلاماً للإمام عياض قد تممت أقسامه تتميما ...
لله روض منه أينع دوحه ... يجنى به من الكريم ومنحه
فهو الشفاء لمن تكاثر برحه ... مسك الختام به تعطر نفحه فشذاه في الأرجاء صار شميما ...
стр. 4125
فاضت علينا من هداه عوارف ... زهر وأنوار وظلّ وارف
ونمارق مصفوفة ومطارف ... يا حسن ما أبداه فذّ عارف درّاً بأسلاك الحديث نظيما ...
لم لا وبالملك الشّفيع تشرّفا ... خير البريّة ركن أرباب الصفا
من أسعد الراجي وقصداً أسعفا ... طه النبيّ الهاشمي المصطفى صلّوا عليه وسلّموا تسليما ... وقد رأيت بعد وصولي إلى هذا الموضع من هذا الكتاب أن أذكر قصدية ابن الجنان المذكور في رويّ تلك القصيدة غير مخمسة مستقلة بنفسها، وهي قوله رحمه تعالى:
صلّوا على خير البريّة خيما ... وأجلّ من حاز الفخار
صلوا على من شرّفت بوجوده ... أرجاء مكّة زمزماً وحطيما
صلوا على أعلى قريش منزلاً ... بذراه خيّمت العلا تخييما
صلوا على نور تجلّى صبحه ... فجلا ظلاماً للضلال بهيما
صلّوا على هاد أرانا هديه ... نهجاً من الدين الحنيف قويما
صلّوا على هذا النبيّ فإنّه ... من لم يزل بالمؤمنين رحيما
صلّوا على الزاكي الكريم محمد ... ما مثله في المرسلين كريما
ذاك الذي حاز المكارم فاغتدت ... قد نظّمت في سلكه تنظيما
من كان أشجع من أسامة في الوغى ... ولدى الندى يحكي الحيا تجسيما
طلق المحيّا ذو حياء زانه ... وسط النّديّ وزاده تعظيما
حكمت له بالفضل كلّ حكيمة ... في الوحي جاء بها الكتاب حكيما
وبدت شواهد صدقه قد قسّمت ... بدر الدّجى لقسيمه تقسيما
والشمس قد وقفت له لمّا رأت ... وجهاً وسيماً للنبي وسيما
كم آية نطقت تصدّق أحمدا ... حتى الجماد أجابه تكليما
стр. 4126
والجذع حنّ حنين صبّ مغرم ... أضحى للوعات الفراق غريما
جلّت مناقب خاتم الرّسل الذي ... بالنّور ختّم والهدى تختيما
وسمت به فوق السماء مراتب ... بمقام صدق عزّ فيه مقيما
فله لواء الحمد غير مدافع ... وله الشفاعة إذ يكون كليما
نرجوه في يوم الحساب، وإنّما ... نرجو لموقفه العظيم عظيما
ما إن لنا إلاّ وسيلة حبّه ... وتحية تذكو شذاً وشميما
ولخير ما أهدى امرؤ لنبيّه ... أرج الصلاة مع السلام جسيما
يا أيّها الراجون منه شفاعةً ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما وهذه قصيدة بديعة مخمسة من كلام الشيخ الأستاذ أي العلاء إدريس بن موسى القرطبي (١) في مدح رسول الله ﷺ ، وقف عليها أبو عبد الله ابن الجنان المذكور وقرّظها بما سنذكره بعدها قريباً، وهي:
أهلاً بكم يا أهل هذا النادي ... أهل اعتقاد الوعد والميعاد
أهدوا الصلاة إلى النبي الهادي ... وصلوا السلام له مع الآياد يندى نسيماً مذكراً تسنيما ...
هو أول الشفعاء يوم المحشر ... وسواه بين تقدّم وتأخّر
بهت الحضور لهول ذاك المحضر ... والكلّ في الخطب العميم الأكبر قد هيّمت ألبابهم تهييما ...
ذاك المقام الأشهر المحمود ... هو للنبيّ محمّد موعود
فيه الشفاعة ذخرها موجود ... درك المراد وحوضه المورود فضل الكليم به وإبراهيما ...
стр. 4127
عيسى وموسى والخليل مروّع ... من هول مطّلع هنالك يفظع
فيقال أحمد قل فإنك تسمع ... فيقوم يحمد ربّه فيشفّع فضلاً من الرب العظيم عظيما ...
يا أمّة المختار أنتم أمّه ... والهول قد عمّ البسيطة يمه
والأنبياء سواه كلّ همّه ... تخليص مهجته وليس يهمّه من كان في الدنيا عليه كريما ...
صلى الإله على الذي صلى عليه ... عشراً بواحدة يزكّيها لديه
وأراه في الدارين قرّة ناظريه ... يا قاصدين إلى وصولكم إليه راجين من أرج القبول نسيما ...
لولا وصيّة صاحب التنزيل ... أن لا يقال له غلوّ القيل
قول الغلاة لصاحب الإنجيل ... لغلوت في التعظيم والتبجيل عظم المكانة يوجب التعظيما ...
طوبى لقلب قد تلالا إذ صفا ... بالسرّ منه قد تثبت إذ هفا
خطّت به آيات حبّ المصطفى ... فغدا لصاحبه بذلك مصحفا يهدي إلى نهج النّجاة قويما ...
فاقت عللا ذكراه إذ راقت حلى ... ملأ النبوّة أمهم حين اعتلى
في ليلة الإسراء أعلى معتلى ... كتب الإله له التقدم في العلا وعليهم التفويض والتسليما ...
وكذاك يسلم في الشفاعة كلّهم ... ومحلّهم عند الإله محلهم
ظلّ النبيّ محمد هو ظلهم ... يمشون تحت لوائه فيدلهم يندى عليهم بهجة ونعيما ...
стр. 4128
أوصافه من كل حسن أبهج ... العرف ينفح والسنا يتبلّج
فتأرج الأرجاء منه وتبهج ... فاق الزواهر نورها يتوهّج والزهر نفّاح النسيم وسيما ...
طلق المحيّا منهل للنائل ... أنحى على الدنيا بزهد كامل
هو مثّل الدنيا بظلّ زائل ... لم ترضه حال النّعيم الحائل ما حاول الترفيه والتنعيما ...
ما ورّث المختار مال مؤمّل ... إلا جواهر في الكتاب المنزل
أشهى لقلب الناظر المتأمّل ... وأقرّ إعجاباً لعين المجتلي من كلّ قيمة مقتضٍ تقويما ...
وفّقت يا من لم يخالف نصّه ... حزت الكمال وليس تخشى نقصه
نهج الهدى قول النبيّ اقتصّه ... بالوحي شرّفه الإله وخصّه شرفاً على شرف السناء صميما ...
سبحان موحٍ لا يحدّ له الكلام ... من قال ذات كلام خلاق الأنام
خلقٌ فذلك آثم كلّ الأثام ... ذاك الذي في الدين ليس له ذمام إلا ذمام لا يزال ذميما ...
ضلّ الذي يبغي الهدى ممّا سواه ... وهوى به في كلّ مهواة هواه
من فارق الفاروق قد تبّت يداه ... حيران لم يهد السبيل إلى هداه لا يعرف التحليل والتحريما ...
بالمدح مجد المصطفى يمّمته ... من حلي أوصاف له نظمته
لم أبلغ المعشار إذ أحكمته ... بعضاً نسيت وبعضه ألهمته قلّدته جيد الزمان نظيما ...
стр. 4129
لو فزت بالإحسان من حسّان ... وسحبت أذيالي على سحبان
أو أيدتني لسن كلّ زمان ... من كلّ ذي زعم عظيم الشان ما كنت بالمعشار منه زعيما ...
إدريس حفّتك الحقوق حفوفا ... هلاّ خففت إلى الرسول خفوفا
وقريت بالعزم الهموم ضيوفا ... وشدوت أن هال الزمان صروفا مهلاً كفاك معلّمي التعليما ...
ثقة بفضل الواحد القهّار ... ملك الملوك مصرّف الأعصار
جعل النبي مكرم الآثار ... وأمدّه بالنصر والأنصار وأتمّ نعمته له تتميما ...
هل أجلون بصري بكحل سناه ... يا سعد من كحلت به عيناه
ظفرت يداه، وساعدته مناه ... لله ذاك الأفق ما أسناه كرم المحلّ فيقتضي التكريما ... ونصّ تقريظ ابن الجنان على هذه القصيدة هو قوله:
ما زال كلّ حليف ... لله أضحى وليّا
وللعلوم خليلاً ... وعن سواها خليّا
يصوغ عقيان مدحٍ ... للهاشميّ حليّا
ويوجب الحقّ فيه ... إيجابه الأوليّا
ويقتفي في رضاه ... نهجاً جليلاً جليّا
والكلّ أحظاه حظّ ... فالفوز يلفى مليّا
لكنّ إدريس منهم ... حاز المكان العليّا ولا يخفاك أنّه التزم في هذه القطعة ما لا يلزم من اللام قبل الياء، رحمه الله تعالى.
стр. 4130
ولا بأس أن نورد هنا ما حضر من التخميسات الموافقة لتخميس ابن الجنان المذكور السابق أولاً في البحر والروي والمنحى الذي لا يضل قاصده، وكيف لا وهو مدح (١) الجناب الرفيع العظيم النبوي.
فمن ذلك قول أبي إسحاق إبراهيم بن سهل الإسرائيلي الإشبيلي، فإن بعضاً ذكر أنّها من قوله لما أظهر الإسلام، وهي لا تقتضي رفع الريبة فيه والاتهام (٢) :
جعل المهيمن حبّ أحمد شيمةً ... وأتى به في المرسلين كريمةً ... فغدا هواه على القلوب تميمةً ...
وغدا هداه لهديهم تتميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما أبدى جبين أبيه شاهد نوره ... سجعت به الكهّان قبل ظهوره ... كالطير غرّد معرباً بصفيره ...
عن وجه إصباح يطلّ نسيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما أنس الرسالة بعد شدّة نفرةٍ ... منجى البرية وهي في يد غمرةٍ ... محيي النبوّة والهدى عن فترةٍ ...
فكأنّما كفل الرشاد يتيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما
стр. 4131
الله أوضح فضله فتوضّحا ... والله بيّن حبّه في " والضحى " ... والجذع حنّ له هوىً فترنّحا ...
والماء فاض بكفّه تسنيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ريّا الرواية عن علاه زكية ... نجواه ربّانية ملكية ... أوصافه علويّة فلكية ...
فإخال شعري عندها تنجيما (١) ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما احتثّ في السبع الطباق براقه ... والأرض واجمة تخاف فراقه ... سبحان من أدنى سراه فساقه ...
شخصاً على ملك الملوك كريما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما فاشتمّ ريحان القلوب الطيّبا ... ودنا فأسمع يا محمد مرحبا ... إنّي جعلتك جار عرشي الأقربا ...
إن كنت قبلك قد جعلت كليما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما يا ليلة يجري الزمان فتسبق ... الحجب فيها والأرائج تفتق ... ما كان مسك الليل قبلك يعبق ...
стр. 4132
بشرى محمد استفاد نسيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما حتى إذا اقتعد البراق لينزلا ... نادته أسرار السموات العلا ... يا راحلاً ودّعته لا عن قلى ...
ما كان عهدك بالغيوب ذميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صعد النجود وسار في الأغوار ... سمك السما طوراً وبطن الغار ... متقسّماً في طاعة الجبّار ...
ما أشرف المقسوم ولاتقسيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما الشافع المتوسل المتقبّل ... القانت المدّثّر المزّمّل ... وافى وظهر الأرض داج ممحل ...
فجلا البهيم به وأروى الهيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما دفعت كرامته الزنوج عن الحرم ... ودعاه جبريل المنزه في الحرم ... وعزت له آيات نون والقلم ...
خلقاً به شهد الإله عظيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما طاوٍ يفيض الزاد في أصحابه ... غيث ولكن كان يستصحى به ... طابت ضمائر قلبه وترابه ...
стр. 4133
منه بسرّ لم يكن مكتوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما يا شوقي الحامي إلى ذاك الحمى ... فمتى أقضيه غراماً مغرما ... ومتى أعانقه صعيداً مكرما ...
بضمير كلّ موحّد ملثوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ومن ذلك قول بعض الوعاظ، وأظنه من أهل المشرق:
جلّ الذي بعث الرسول رحيما ... ليردّ عنّا في المعاد جحيما ... وبه نرجّي جنةً ونعيما ...
أضحى على الباري الكريم كريما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ما ضلّ عن وحي الإله وما غوى ... حاشا رسول الله ينطق عن هوى ... الصادق الثقة الأمين بما روى ...
قد نال من رب السماء علوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما وافى له الروح الأمين مبشّرا ... نادى به يا خير من وطىء الثرى ... أجب المهيمن يا محمد كي ترى ...
ملكاً كريماً في السماء عظيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما فأجابه المختار حين دعا به ...
стр. 4134
ربّ السموات العلا لخطابه ... ركب البراق وقد أتى لجنابه ...
أمسى له الروح الأمين نديما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما فمتى أرى الحادي يبشّر باللّقا ... ويضمّه بان المحصّب والنّقا ... وأرى ضريح المصطفى قد أشرقا ...
مولى حليماً لن يزال رحيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما وأقول للزوّار قد نلت المنى ... يهنيكم طيب المسرة والهنا ... فاستبشروا من بعد فقرٍ بالغنى ...
فالله زادكم به تكريما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ثمّ الرضى عن آله الكرماء ... وكذاك عن أصحابه الخلفاء ... فهواهم ديني وعقد ولائي ...
قوماً تراهم في المعاد نجوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ومنها قول بعض فضلاء المغاربة رحمه الله تعالى:
يا أمة الهادي المبارك أحمد ... يهنيكم نيل الأماني في غد ... بمحمدٍ فزتم ومن كمحمد ...
إن شئتم أن تدركوا التتميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما
стр. 4135
صلّوا على البدر المنير الزاهر ... صلّوا على المسك الفتيق العاطر ... صلّوا على الغصن البهيّ الناضر ...
وتنعّموا بصلاتكم تنعيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من بالنبوّة زيّنا ... صلّوا على من بالكمال تمكّنا ... بمحمّد فزنا بإدراك المنى ...
فضلاً منحنا حادثاً وقديما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على البدر المنير اللائح ... صلّوا على الهادي الحبيب الناصح ... صلّوا على المسك الفتيق الفائح ...
للرشد فهّمَ والهدى تفهيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من مجده قد أسسا ... والماء بين بنانه قد بجّسا ... وأتت إليه سرحةٌ حتى اكتسى ...
بفروعها إذ خيمت تخييما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من كان يبصر من قفا ... وعليه سلّمت الجنادل والصّفا ... والذئب قال صدقت أنت المصطفى ...
وشكا إليه بازل قد ضيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما