← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

ومن فوائده: أنّه لما أنشد في طراز اعلحلة قول سعد الدين محمد بن عربي في ابن مالك: إنّ الإمام جمال الدين فضّله ... إلى آخره قال ما ملخصه: ولما أورده الصفدي في فض الختام قال: هذا في غاية الحسن لو كان الكتاب المذكور يسمى الفوائد وإنّما هو تسهيل الفوائد فذكر المضاف إليه دون المضاف، وهي تورية ناقصة، قلت: ابن مالك له كتابان: أحدهما الفوائد صنعه أولاً ثم صنع تسهيل الفوائد بعده، وكأنّه سهّل فيه كتاب الفوائد، وكنت وقفت على هذا الكتاب المسمّى بالفوائد ببلدنا غرناطة، فلمّا وصلنا إلى هذه البلاد بحثنا عنه فلم نجده، وتمادى الأمر على ذلك إلى سنة ٧٦٠، فوجدناه في حلب، وهو الآن عندنا، وهو عزيز الوجود، ولذلك خفي على القاضي صلاح الدين؛ انتهى وبعضه بالمعنى. وقال أبو جعفر أحمد المترجم به: كتبت إلى صاحبنا الشيخ بدر الدين خليل الناسخ: مددت النوى وقصرت اللّقا ... أرتضى بهبذا وأ، ت الخليل وتترك أحمد ذا وحشة ... لديك وأنت له ابن جليل وقال: قد كان لي أنسٌ بطيب حديثكم ... والآن صار حديثكم برسول ولقد مددت من النوى مقصوره ... إنّ الخليل يراه غير جميل وله رحمه الله تعالى: ما للنوى مدّت وأنت خليلنا ... ولقبل قد قصرت برغم الكاشح أتبعت في ذا مذهباً لا يرتضى ... أبداً وليس الرأي فيه بصالح

стр. 4062

وله: ولمّا رأى الحساد منك التفاتة ... إلى جانب اللهو الذي كان مرفوضا أضافوا إلى علياك كلّ نقيصة ... حقيق لدينا بالإضافة مخفوضا وله: حسنك ما بين الورى شائع ... قد عرّف الآن بلام العذار فجاء منه متبداً للهوى ... خبره الآس مع الجلّنار ولنقتصر على هذا المقدار إلى هنا. رجع إلى أولاد لسان الدين رحمهم الله تعالى: وقد قدمنا أن علي بن لسان الدين كان نديم السلطان وخاصّته، كما ذكرنا في مخاطبته لابن مرزوق في الباب الخامس قوله: فالسلطان يرعاه الله تعالى يوجب ما فوق مزية التعظيم، والولد هداهم الله تعالى قد أخذوا بحظ قلّ أن ينالوه بغير هذا الإقليم، والخاصة والعامة تعامل بحسب ما بلته من نصح سليم وترك لما بالأيدي وتسليم، وتدبير عاد على عدوّها بالعذاب الأليم، إلا من أبدى السلامة وهو من إبطان الحسد بحال السليم؛ انتهى. ولقد صدق رحمه الله تعالى فيما ذكره من النصح وغيره. ومن نصائحه رحمه الله تعالى ما كتب به على لسان السلطان، ونصّه: من عبد الله أمير المسلمين محمد وصل الله تعالى سعده، وبلّغه من فضله العميم قصده، إلى أوليائنا المخصوصين منّا ومن سلفنا بذمام الجوار القريب، والمساكنة التي لا يتطرق إلى حقّها الذي بني استرابة المستريب، المعتمدين إذا عدّت الرعايا، وذكرت المزايا، بمزيد الاعتناء والتقريب، من الأشياخ الجلّة الشرفاء والعلماء، والصّدور الفقهاء، والعدول الأذكياء، والأعيان

стр. 4063

الوزراء، والحماة المدافعين عن الأرجاء، والأمناء الثّقات الأتقياء، والكافة الذين نصل إيهم عوائد الاعتناء، ونسير فيهم بإعانة الله تعالى على السبيل السّواء، من أهل حضرتنا غرناطة المرحوسة بفضل الله تعالى وربضها، شرح الله تعالى لقبول الحكمة والموعظة الحسنة صدورهم، وكنف بنتائج الاستقامة سرورهم، وأصلح بعنايته أمورهم، واستعمل فيما يرضيهم أميرهم ومأمورهم: سلام كريم عليكم أجمعين ورحمة الله تعالى وبركاته. أمّا بعد حمد الله الذي إذا رضي عن قوم جعل لهم التوقى لباساً، والذكرى لبناء المتاب أساساً، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الذي هدانا إلى الفوز العظيم ابتغاء لرحمته والتماساً، والرضى عن آله الذين اختارهم له ناساً، وجعلهم مصابيح من بعده اقتداء واقتباساً، فإنّا كتبناه إليكم - كتب الله تعالى إعزازكم وحرس أحوازكم؛ وجعل للعمل الصالح اهتزازكم؛ وبقبول النصائح امتيازكم - من مستقرنا بمحروسة الحمراء، حماها الله سبحانه، ولا متعرف بفضل الله تعالى إلا هداية تظهر على الأقوال والأعمال، وعناية تحفّ من اليمين والشمال، وتوكّل على الله يتكفل لنا ببلوغ الآمال، وأنتم أولياؤنا الذين لا ندّخر عنهم نصحاً، ولا نهمل في تدبيرهم ما يثمر نجحاً، وبحسب هذا الاعتقاد لا نغفل عن نصيحة ترشدكم إذا غفلتم، وموعظة نقصّها عليكم إذا اجتمعتم في بيوت الله واختلفتم، وذب عنكم تارة بسلم نعقدها، ومطاولة نسدّدها، وتارة بسيوف في سبيل الله تعالى نحدّدها، وعمارة للشهادة نرددها، ونفوس بوعد الله نعدها، ونرضى بالسهر لتنام أجفانكم، وبالكدّ لتّتّدع صبيانكم وولدانكم، وباقتحام المخاوف ليتّصل أمانكم، ولو استطعنا أن نجعل عليكم وقاية كوقاية الوليد لجعلنا، أو أمكننا أن لا تفضلكم رعية بصلاح دين أو دنيا لفعلنا، هذا شغل زماننا منذ عرفناه، ومرمى همّنا مهما استهدفناه، وقد استرعانا الله تعالى جماعتكم، وملاّنا طاعتكم، وحرّم علينا إضاعتكم

стр. 4064

والراعي إذا لم يقصد بسائمته المراعي الطيبة، وينتجع مساقط الغمائم الصيّبة، ويوردها الماء النمير، ويبتغ لها النماء والتثمير، ويصلح خللها، ويداو عللها، قلّ عددها، وعدمت غلّتها وولدها، فندم على ما ضيعه في أمسه، وجنى عليها وعلى نفسه. وألفيناكم في أيامنا هذه الميامن عليكم قد غمرتكم آلاء الله تعالى ونعمه، وملأت أيديكم مواهبه وقسمه، وشغل عدوّكم بفتنة قومه فنمتم للعافية فوق مهاد، وبعد عهدكم بما تقدم من جهد وجهاد، ومخمصة وسهاد، فأشفقنا أن يجركم توالي الرخاء إلى البطر، أو تحملكم العافية على الغفلة عن الله تعالى وهي أخطر الخطر، أو تجهلوا مواقع فضله تعالى وكرمه، أو تستعينوا على معصيته بنعمه، فمن عرف الله تعالى في الرخاء وجده في الشّدّة، ومن استعد في المهل وجد منفعة العدّة، والعاقل من لا يغتر في الحرب أو السلم بطلو المدة، فالدهر مبلي الجدّة، ومستوعب العدّة، والمسلمون إخوانكم اليوم قد شغلوا بأنفسهم عن جبركم، وسلموا لله في نصركم، ونشبت الأيدي ولا حول ولا قوّة إلا بالله بثغركم، وأهمتهم فتن تركت رسوم الجهاد خالية خاوية، ورياض الكتائب الخضر ذابةل ذاوية، فإن لم تشمّروا لما بين أيديكم في هذه البرهة فماذا تنتظرون وإذا لم تستنصروا بالله مولاكم فبمن تستنصرون وإذا لم تستعدّوا في المهل فمتى تستعدون لقد خسر من رضي في الدنيا والآخرة بالدون، فلا تأمنوا مكر الله " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " الأعراف: ٩٩. ومن المنقول عن الملل، والمشهور في الأواخر والأول، أن المعصية إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم، وأظلم ما بينهم وبين ربهم، وانقطعت عنهم الرحمات، ووقعت فيهم المثلات والنقمات، وشحّت السماء، وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفّت الضّروع، وأخلفت الرضوع.

стр. 4065

فوجب علينا أن نستميلكم بالموعظة الحسنة، والذكرى التي توقظ من السّنة، ونقرع آذانكم بقوارع الألسنة، فأفزعوا الشيطان بوعيها، وتقربوا إلى الله تعالى برعيها، الصلاة الصلاة فلا تهملوها، ووظائفها المعروفة فكملوها، فهي الركن الوثيق، والعلم الماثل على جادة الطريق، والخاصة التي يتميز بها هذا الفريق، وبادروا صفوفها الماثلة، وأتبعوا فريضتها النافلة، وأشرعوا إلى تاركها أسنّة الإنكار، واغتنموا بها نواشىء الليل وبوادي الأسحار، والزكاة أختها المنسوبة، ولدتها المكتوبة المحسوبة، فمن منعها فقد بخل على مولاه، باليسير ممّا أولاه، وما أحقّه بذهاب هبة الوهاب وأولاه؛ فاشتروا من الله تعالى كرائم أموالكم بالصّدقات، وأنفقوا في سبيله بربحكم أضعاف النفقات، ووسوا سؤالكم كلّما نصبت الموائد، وأعيدت للترفّه العوائد، وارعوا حق الجوار، وخذوا على أيدي الدّعرة والفجّار، وأخرجوا الشّنآن من الصدور، واجعلوا صلة الأرحام من عزم الأمور، وصونوا عن الاغتياب أفواهكم، ولا تعوّدوا السفاهة شفاهكم، وأقرضوا القرض الحسن إلهكم، وعلموا القرآن صبيانكم، فهو أسّ المبنى، وازرعوه في تراب ترائبهم فعسى أن يجنى، ولا تتركوا النصيحة لمن استنصح، وردوا السلام على من بتحية الإسلام أفصح، وجاهدوا أهواءكم فهي أولى ما جاهدتم، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، وثابروا على حلق العلم والتعلّم، وحفوا بمراقي التكلّم، وتعلّموا من دينكم ما لا يسعكم عند الله تعالى جهله، ويتبين أنّكم أهله، فمن القبيح أن يقوم أحدكم على وقاية برّه وشعيره، ورعاية شاته وبعيره، ولا يقوم على شيء يخلص به قاعدة اعتقاده، ويعدّه منجاة ليوم معاده، والله يقول ولقوله يرحل المنتجعون " أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً وأنّكم إلينا لا ترجعون " المؤمنون: ١١٥. وائنفوا من الحوادي الشنيعة، والبدع التي تفتّ في عضد الشريعة، فقد شنّ علينا الملبّسة بأهل التصوّف المغار، ونال حملتها بل جملتها بإغماضهم

стр. 4066

الصغار، وتؤوّل المعاد والجنّة والنار، وإذا لم يغر الرجل على دينه ودين أبيه فعلى من يغار، فالأنبياء الكرام وورثتهم العلماء، هم أئمة الاقتداء، والكواكب التي عيّنها الحق للاهتداء، فاحذروا معاطب هذا الداء، ودسائس هذه الأعداء. وأهم ما صرفتم إليه الوجوه، واستدفعتم به المكروه، العمل بأمره جل وعلا في الآية المتلوّة، والحكمة السافرة المجلوّة، من ارتباط الخيل وإعداد القوّة، فمن كان ذا سعة في رزقه، فليقم لله بما استطاع من حقّه، وليتخد فرساً يعمر محلّته بصهيله، ويقتنه من أجل الله وفي سبيله، فكم يتحمل من عيال يلتمس مرضاتهن باتخاذ الزينة، والتنافس في ترف المدينة، ومؤونة الارتباط أقل، وعلى الهمّة والدين أدل، إلى ما فيه من حماية الحوزة، وإظهار العزة، ومن لم يحسن الرمي فليتدرب، وباتخاذ السلاح إلى الله فليتقرب، وقبل الرمي تراش السّهام، وعلى العباد الاجتهاد وعلى الله التمام. والسكّة الجارية في حوادث نواديكم، وأثمان العروض التي بأيديكم، من تحيّف حروفها، ونكّر معروفها، أو سامح في قبول زيف، أو مبخوس حيف، فقد اتّبع هواه، وخان نفسه وسواه، قال الله " أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تبخسوا النّاس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين " الشعراء: ١٨١ ولتعلموا أن نبيّكم صلوات الله عليه إنّما بعثه الله مجاهداً وبالحق قاضياً، وعن الهفوات حليماً متغاضياً، فتمسّكوا بحبله، ولا تعدلوا عن سبله، يروكم الله تعالى من سجله، ويراعكم من أجله، مراعاة الرجل لنجله، فهو الذي يقول " وما كان الله ليعذّبهم وأ، ت فيهم، وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون " الأنفال: ٣٣ وإن كان في وطنكم اليوم سعة، وقد ألحفكم أمن من الله تعالى ودعة، فاحسبوا أنّكم في بلد محصور، وبين لحيي أسد هصور، اكتنفكم

стр. 4067

بحر يعبّ عبابه، ودار بكم سور بيد عدوّكم بابه، ولا يدرى متى ينتهي السّلم، وينشعب الكلم، فإن لم تكونوا بناء مرصوصاً، وتستشعروا الصبر عموماً وخصوصاً، أصبح الجناح مقصوصاً، والرأي قد سلبته الحيرة، والمال والحريم قد سلبت فيه الضنانة والغيرة، وإن شاء الله تهبّ ريح الحميّة، ونصرة النفوس على الخيالات الوهمية، فإن العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين، والله متم نوره على رغم الجاحدين وكره الكافرين " وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصّابرين " البقرة: ٢٤٩. واعتقدوا أن الله تعالى لم يجعل الظهور مقروناً بعدد كثير، ولو مثل جراد مزرعة أثارها مثير، بل بإخلاص لا يبقي لغير الله افتقاراً، ونفوس توسع ما سوى الحق اقتداراً، ووعد يصدق، وبصائر أبصارها إلى مثابة الجزاء تحدق، وهذا الدين ظهر مع الغربة، وشظف التربة، فلم ترعه الأكاسرة وفيولها، والقياصرة وخيولها، دين حنيف، وعلم منيف، من وجوه شطر المسجد الحرام تولى، وآيات على سبعة أحرف تتلى، وزكاة من الصميم تنتقى، ومعارج ترتقى، وحج وجهاد، ومواسم وأعياد، ليس إلا تكبير شهير، وأذان جهير، وقوّة تعد، وثغور تسد، وفيء يقسم، وفخر يرسم، ونصيحة تهدىة، وأمانة تؤدى، وصدقة تخفى وتبدى، وصدور تشرح وتشفى، وخلق على خلق القرآن تحذى وتقفى، قُبض رسول الله ﷺ وهذا العقلد قد سجّل، والوعد به قد عجّل " اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي؛ ورضيت لكم الإسلام ديناً " المائدة: ٣ ولا ينقطع لهذا الفرع عادة وصله، ما دام شبيهاً بأصله، وإنّما هو حلبٌ لكم زبدته الممخوضة، وخلاصته الممحوضة، والعاقبة للمتقين " ولتعلمنّ نبأة بعد حين " ص: ٨٨. وحضرتكم اليوم قاعدة الدين، وغاب المجاهدين، وقد اخترعت بنا أيامنا هذه وأيام والدنا المقدس الآثار الكبار، والحسنات التي تنوقلت بها الأخبار

стр. 4068

وأغفلت إلى زمنكم الحسنة المذخورة، والمنقبة المبرورة، وهي بيمارستان يقيم منكم المرضى المطّرحين، والضعفاء المغتربين منهم والمعترضين في كلّ حين، فأنتم تطرونهم بالأقدام، على مرّ الأيّام، ينظرون إليكم بالعيون الكليلة، ويعربون عن الأحوال الذليلة، وضرورتهم غير خافية، وما أنتم بأولى منهم بالعافية، والمجانين تكثر منهم الوقائع، وتفشو منهم إماتة العهد الذائع، عار تحظه الشرائع، وفي مثله تسدّ الذرائع. وقد فضلتم أهل مصر وبغداد، بالرباط الدائم والجهاد، فلا أقل من المساواة في معنى، والمنافسة في مبنى، يذهب عنكم لؤم الجوار، ويزيل عن وجوهكم سمات العار، ويدل على همتكم، وفضل شيمتكم، أهل الأقطار، وكم نفقة هانت على الرجل في مشروع، وحرص اعتراه على ممنوع، فأسرعوا فالنظر في هذا المهم خير مشروع، ولولا اهتمامنا بمرتزقة ديوانكم، وإعدادنا مال الجباية للمجاهدين من إخوانكم، لسبقناكم إلى هذه الزّلفة، وقمنا في هبذا العمل الصالح بتحمّل الكلفة، ومع ذلك فإذا قدناكم إلى الجنّة ببنائه، وأسهمناكم في فريضة أجره وثنائه، فنحن إن شاء الله تعالى نعيّن له الأوقاف التي تجري عنها المرفقة، وتتصل عليه بها الصدقة، تأصيلاً لفخركم، وإطابة في البلاد لذكركم، فليشاور أحدكم همّته ودينه، ويستخدم يساره في طاعة القصد الكريم ويمينه، ونسأل الله تعالى أن يوفّق كلاًّ لهذا القصد ويعينه، ومن وراء هذه النصائح عزم ينهيها إلى غايتها، ويجبر الكافة على اتباع رأيها ورايتها، فأعملوا الأفكار فيما تضمنته من الفصول، وتلقّوا داعي الله تعالى فيها بالقبول، والدنيا مزرعة الآخرة، وكم معتبر للنفوس الساخرة، بالعظام الناخرة " يا أيّها النّاس إنّ وعد الله حقّ فلا تغرّنّكم الحياة الدّنيا، ولا يغرّنّكم بالله الغرور " فاطر: ٥ وأنتم اليوم أحقّ النّاس بقبول الموعظة نفوساً زكية، وفهوماً لا قاصرة ولا بطيّة، وموطن جهاد، ومستسقى غمام

стр. 4069

من رحمة الله تعالى وعهاد، وبقايا السلف بالأرض التي فتحوا فيها هذا الوطن، وألقوا فيها العطن، فإلى أين يذهب حسن الظن بأديانكم، وصحّة إيمانكم، وتساوي إسراركم وإعلانكم اللهمّ إنّا قد خرجنا لك فيهم عن العهدة المتحمّلة، وبلّغناهم نصيحتك المكملة، ووعدناهم مع الامتثال رحمتك المؤملة، فيسّرنا وإياهم لليسرى، وعرّفنا لطائفك التي خفي فيها المسرى، ولا تجعلنا ممّن صمّ عن النداء، وأصبح شماتة الأعداء، فما ذلّ من استنصر بجنابك، ولا ضل من استبصر بسنّتك وكتابك، ولا انقطع من توسّل بأسبابك، والله سبحانه يصل لكم عوائد الصنع الجميل، ويحملكم وإيانا من التوفيق على أوضح سبيل، ويصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله تعالى وبركاته. انتهى. ومن ذلك قوله رحمه الله تعالى على لسان السلطان بعد كلام: الله الله في الهمم فقد خمدت ريحها، والله الله في العقائد فقد خفيت مصابيحها، والله الله في الرجولية فقد فلّ حدّها، والله الله في الغيرة فقد تعسّر جدّها، والله الله في الدين فقد طمع الكفر في تحويله، والله الله في الحريم فقد مدّ إلى استرقاقه يد تأميله، والله الله في الملّة التي يريد إطفاء سناها، وقد كمل فضلها وتناهى، والله الله في الحريم، والله الله في الدين الكريم، والله الله في القرآن، والله الله في الجيران، والله الله في الطارف والتالد، والله الله في الوطن الذي توارثه الولد عن الوالد، اليوم تستأسد النفوس المهينة، اليوم يستنصر الصبر والسكينة، اليوم ترعى لهذه المساجد الكرام الّمم، اليوم يسلك سبيل العزم والحزم والشدّة والشّمم (١) ، اليوم يرجع إلى الله المصرّون، اليوم يفيق من نوم الغفلة المغترّون، قبل أن يتفاقم الهول، ويحق القول، ويسد الباب، ويحيق

стр. 4070

العذاب، ويسترق الكفر الرقاب، فالنساء تقي بأنفسهن أولادهن الصغار، والطيور ترفرف لتحمي الأوكار، إذا أحست العيث (١) بأفراخها والإضرار، تمر الأيام عليكم مرّ السحاب، وذهاب اللّيالي لكم ذهاب، فلا خبر يفضي إلى العين، ولا حديث في الله تعالى يسمع بين اثنين، ولا كد إلا لزينة يحلّى بها نحر وجيد، ولا سعي إلا لمتاع لا يغني في الشدائد ولا يفيد، وبالأمس ندبتم إلى التماس رحمى مسخّر السحاب، واستقالة كاشف العذاب، وسؤال مرسل الديمة، ومحيي البشر والبهيمة، وقد أمسكت عليكم رحمة السماء، واغبرّت جوانبكم المخضرة احتياجاً إلى بلالة الماء " وفي السّماء رزقكم وما توعدون " الذاريات: ٢٢ وإليها الأكف تمدون، وأبوابها بالدعاء تقصدون، فلم يصحر منكم عدد معتبر، ولا ظهر للإنابة ولا الصّدقة خبر، وتثوقل عن إعادة الرغبة إلى الولي الحميد، والغني الذي " إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد " إبراهيم: ١٩ وايم الله لو كان لهواً لارتقبت الساعات، وضاقت المتسعات، وتزاحمت على أنديته الجماعات. أتعززاًعلى الله وهو القوي العزيز أتلبيساً على الله وهو الذي يميز الخبيث من الطيب والشّبه من الإبريز أمعاندة والنواصي في يديه أغروراً بالأمل والرجوع بعد إليه من يبدأ الخلق ثم يعيده من ينزل الرزق ويفيده من يرجع إليه في الملمات من يرجّى في الشدائد والأزمات من يوجد في المحيا والممات أفي الله شك يختلج القلوب أثمّ غير الله يدفع المكروه وييسّر المطلوب تفضلون على اللجإ إليه (٢) عوائد الفضل، ونزه الجهل، وطائفة منكم قد برزت إلى استسقاء رحمته تمد إليه الأيدي والرقاب، وتستكشف بالخضوع لعظمته العقاب، وتستعجل إلى مواعيد إجابته الارتقاب، وكأنّكم عن كرمه

стр. 4071

قد استغنيتم، أو على الامتناع من الرجوع إليه ينيتم. أما تعلمون كيف كان نبيّكم صلوات الله عليه من التبلّغ (١) باليسير، والاستعداد للرحيل إلى دار الحق والمسير، ومداومة الجوع، وهجر الهجوع، والعمل على الإياب إلى الله تعالى والرجوع: دخلت فاطمة رض الله تعالى عنها وبيدها كسرة شعير فقال: ما هذا يا فاطمة فقالت: يا رسول الله خبزت قرصة وأحببت أن تأكل منها، فقال: يا فاطمة أما إنّه أول طعام دخل جوف أبيك منذ ثلاث. وكان ﷺ يستغفر في اليوم سبعين مرّة يلتمس رحماه، ويقوم وهو مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر حتى ورمت قدماه، وكان شأنه الجهاد، ودأبه الجد والاجتهاد، ومواقف صبره تعرفها الرّبى والوهاد، ومقامات رفقه تحوم على مراتبها الزهاد، فإذا لم تقتدوا به فبمن تقتدون وإذا لم تهتدوا به فبمن تهتدون وإذا لم ترضوه باتباعكم فكيف تعتزون إليه وتنتسبون وإذا لم ترغبوا في الاتصاف بصفاته غضباً لله تعالى وجهاداً، وتقللاً من العرض الأدنى وسهاداً، ففيم ترغبون فابتروا حبال الآمال فكل آت قريب، واعتبروا بمثلات من تقدّم من أهل البلاد والقواعد فذهولكم عنها غريب، وتفكروا في منابرها التي يعلو عليها واعظ وخطيب، ومطيل ومطيب، ومساجدها المتعددة الصفوف والجماعة، المعمورة بأنواع الطاعة، وكيف أخذ الله تعالى فيها بذنب المترفين من دونهم، وعاقب الجمهور بما أغضوا عنه عيونهم، وساءت بالغفلة عن الله تعالى عقبى جميعهم، وذهبت النقمات بعاصيهم ومن داهن في أمره من مطيعهم، وأصبحت مساجدهم مناصب للصلبان، واستبدلت مآذنهم بالنواقيس من الأذان، هذا والناس ناس والزمان زمان. فما هذه الغفلة عمن إليه الرجعى وإليه المصير وإلى متى التساهل في حقوقه

стр. 4072

وهو السميع البصير وحتى متى مد الأمل في الزمن القصير وإلى متى نسيان اللجإ إلى الولي النصير قد تداعت الصلبان مجلبة (١) عليكم، وتحركت الطواغيت من كل جهة إليكم، أفيخلكم الشيطان وكتاب الله قائم فيكم وألسنة الآيات تناديكم، لم تمتح سطورها، ولا احتجب نورها، وأنتم بقايا من فتحها من عدد قليل، وصابر فيها كل خطب جليل، فوالله لو تمحض الإيمان، ورضي الرحمن، ما ظهر التثليث في هذه الجزيرة على التوحيد، ولا عدم الإسلام فيها عادة التأييد، لكن شمل الداء، وصم النداء، وعميت الأبصار فكيف الاهتداء والباب مفتوح، والفضل ممنوح، فتعالوا نستغفر الله جميعاً فهو الغفور الرحيم، ونستقل مقيل العثار فهو الرؤوف الحليم، ونصرف الوجوه إلى الاعتراف بما قدمت أيدينا فقبول المعاذير من شأن الكريم، سدت الأبواب، وضعفت الأسباب، وانقطعت الآمال إلا منك يا فتّاح يا وهّاب " يا أيّها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم، ويثبّت أقدامكم " محمد: ٧ " يا أيّها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفّار وليجدوا فيكم غلظةً والعموا أنّ الله مع المتّقين، ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " آل عمران: ١٣٩ " يا أيّها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتّقوا الله لعلّكم تفلحون " آل عمران: ٢٠٠ أعدوا الخيل وارتبطوها، وروضوا النفوس على الشهادة وغبطوها، فمن خاف الموت رضي بالدنية، ولا بد على كلّ حال من المنيّة، والحياة مع الذلّ ليست من شيم النفوس السنية، واقتنوا السلاح والعدة، وتعرفوا إلى الله تعالى في الرخاء يعرفكم في الشدّة، واستشعروا القوة بالله تعالى على أعدائه وأعدائكم، واستميتوا من دون أبنائكم، وكونوا كالبناء المرصوص لحملات هذا العدو النازل بفنائكم، وحوطوا بالتعويل على الله تعالى وحده بلادكم، واشتروا من الله ﷻ أولادكم. ذكروا أن امرأة

стр. 4073

احتمل السبع ولدها وشكت إلى بعض الصالحين، فأشار عليها بالصدقة، فتصدقت برغيف، فأطلق السبع ولدها، وسمعت النداء: يا هذه لقمة بلقمة، وإنا لما استودعناه لحافظون. واهجروا الشهوات، واستدركوا البقية من بعد الفوات، وأفضلوا لمساكينكم من الأقوات، واخشعوا لما أنزل الله تعالى من الآيات، وخذوا نفوسكم بالصبر على الأزمات، والمواساة في المهمات، وأيقظوا جفونكم من السّنات، واعلموا أنّكم رضعاء ثدي كلمة التوحيد، وجيران البلد الغريب والدين الوحيد، وحزب التمحيص، ونفر المرام العويص، فتفقدوا معاملاتكم مع الله تعالى، ومهما رأيتم الصدق غالباً، والقلب للمولى الكريم مراقباً، وشهاب اليقين ثاقباً، فثقوا بعناية الله التي لا يعلبكم معها غالب، ولا ينالكم لأجلها عدو مطالب، فإنكم في الستر الكثيف، وكنف (١) الخبير اللّطيف، ومهما رأيتم الخواطر متبدّدة، والظنون في الله مترددة، والجهات التي تخاف وترجى متعددة، والغفلة عن الله ملامسها متجددة، وعادة دواعي الخذلان دائمة، وأسواق الشهوات قائمة، فاعلموا أن الله تعالى منفذ فيكم وعده ووعيده في الأمم الغافلين، وأنّكم قد ظلمتم أنفسكم ولا عدوان إلاّ على الظالمين، والتوبة تردّ الشادر (٢) إلى الله تعالى والله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وهو القائل " إنّ الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين " هود: ١١٤. وما أقرب صلاح الأحوال مع الله تعالى إذا صحّت العزائم، وتوالت على حزب الشيطان الهزائم، وخملت الدنيا لاغريبة في العيون، وصدقت فيها عند الله الظنون " يا أيّها النّاس إنّ وعد الله حقّ فلا تغرّنّكم الحياة الدنيا ولا يغرّنّكم بالله الغرور " فاطر: ٥ وثوبوا سراعاً إلى طهارة الثوب، وإزالة

стр. 4074

الشّوب، واقصدوا أبواب غافر الذنب وقابل التوب، واعلموا أن سوء الأدب مع الله تعالى يفتح أبواب الشدائد، ويسد طرق العوائد، فلا تمطلوا بالتوبة أزمانكم، ولا تأمنوا مكر الله فتغشوا إيمانكم، ولا تعلقوا متابكم بالضّرائر، فهو علاّم السرائر، وإنما علينا أن ننصحكم وإن كنّا أولى بالنصيحة، ونعتمدكم بالموعظة الصريحة، الصادرة - علم الله تعالى - عن صدق القريحة، وإن شاركناكم في الغفلة فقد سبقناكم إلى الاسترجاع والاستغفار، وإنّما لكم لدينا نفس مبذولة في جهاد الكفار، وتقدم قبلكم إلى مواقف الصبر التي لا ترضى بالفرار، واجتهاد فيما يعود بالحسنى وعقبى الدار، والاختيار لله ولي الاختيار، ومصرّف الأقدار، وها نحن نسرع في الخروج إلى مدافعة هذا العدو ونفدي بنفوسنا البلاد والعباد، والحريم المستضعف والأولاد، ونصلى من دونهم نار الجلاد، ونستوهب منكم الدعاء لمن وعد بإجابته، فإنّه يقبل من صرف إليه وجه إنابته، اللهم كن لنا في هذا الاهتمام نصيراً، وعلى أعدائك ظهيراً، ومن انتقام عبدة الأوثان كفيلاً، اللهم قوّ من ضعفت حيلته فأنت القوي المعين، وانصر من لا نصير له إلاّ أنت فإيّاك نعبد وإيّاك نستعين، اللهم ثبّت أقدامنا وانصرنا عند تزلزل الأقدام، ولا تسلمنا عند لقاء عدو الإسلام، فقد ألقينا إليك يد الاستسلام، اللهم دافع بملائكتك المسوّمين، اللهم اجعلنا على تيقّظ وتذكر من " قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتّبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم " آل عمران: ١٧٣. وقد وردت علينا المخاطبات من إخواننا المسلمين الذين عرفنا في القديم والحديث اجتهادهم، وشكرنا في ذات الله تعالى جهادهم، بني مرين أولي الامتعاض لله تعالى والحميّة، والمخصوصين بين القبائل الكريمة بهذه المزية، بعزمهم على الامتعاض لحقّ الجوار، والمصارخة التي تليق بالأحرار، والنفرة

стр. 4075

لانهتاك ذمار نبيّهم المختار، وحركة سلطانهم بتلك الأقطار والأمصار، ومدافعة أحزاب الشيطان وأهل النار، فاسألوا الله تعالى إعانتهم على هذا المقصد الكريم الآثار، والسعي الضمين للعزّ والأجر والفخار، والسلام الكريم يخصّكم أيها الأولياء ورحمة الله وبركاته؛ انتهى. وممّا كتبه ابن لسان الدين رحمه الله تعالى على لسان سلطانه الغني بالله تعالى والنظر إليهم بعين الشفقة ما صورته: هذا كتاب كريم أصدرناه بتوفيق الله تعالى شارحاً للصدور، مصلحاً بإعانة الله تعالى للأمور، ملحفاً العدل (١) والإحسان الخاصة والجمهور، يعلم من يسمعه أو يقف عليه، ومن يقرؤه ويتدبر (٢) ما لديه، ما عاهدنا الله تعالى عليه من تأمين النفوس وحقن الدماء، والسير في التجافي عنها على السّنن السّواء، ورفع التناوب عن البعيد منها والقريب، والمساواة (٣) في العفو والغفران بين البريء منها والمريب، وحمل من ينظر بعين العداوة في باطن الأمر محمل الحبيب، وترك ما يتوجّه بأمر المطالبات، ورفض التبعات، ممّا لا يعارض حكماً شرعياً، ولا يناقض سنناً في الدين مرعيّاً، فمن كان رهن تبعة أو طريد تهمه، أو منبوزاً (٤) في الطاعة بريبة توجب أن نريق دمه (٥) ، فقد سحبنا عليه ظلال الأمان وألحفناه أثواب العفو والغفران، ووعدناه من نفسنا مواعد الرفق والإحسان، حكماً عامّاً، وعفواً تامّاً، فاشياً في جميع الطبقات، منسحباً على الأصناف المختلفات، عاملنا في ذلك من يتقبل الأعمال، ولا يضيع السؤال، واستغفرنا عن نفسنا وعمن أخطأ علينا من رعيتنا ممن يدرأ الشرع غلطته،

стр. 4076

ويقبل الحق فيأته " ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثمّ يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً " النساء: ١١٠ لما رأينا من وجوب اتفاق الأهواء والضمائر، وخلوص القلوب والسرائر، في هذا الوطن الذي أحاط به العدو والبحر، ومسّه بتقدم الفتنة الضر، وصلة لما أجراه الله تعالى على أيدينا، وهيأه بنا في نادينا، فلم يخف ما سكن بنا من نار الفتنة، ورفع من بأس وإحنة، وكشف من ظلمة، وسدل من نعمة، وأصفى من مورد عافية، وأولى من عصمة كافية، بعدما تخربت الثغور، وفسدت الأمور، واهتضم الدين، واشتد على العباد كلب الكافرين المعتدين " ذلك من فضل الله علينا وعلى النّاس " يوسف: ٣٨ فله الحمد دائباً، والشكر واجباً، ومن الله نسأل أن يتمم نعمته علينا كما أتمها على أبوينا من قبل إن ربّك حكيم عليم. ونحن قد شرعنا في تعيين من ينوب عنّا من أهل العلم والعدالة، والدين والجلالة، للتطوّف في البلاد الأندلسية، ومباشرة الأمور بالبلاد النّصرية، ينهون إلينا ما يستطلعونه، ويبلغون من المصالح ما يتعرفونه، ويقيدون ما تحتاج إليه الثغور، وتستوجبه المصلحة الجهادية من الأمور، ونحن نستعين بفضلاء رعيتنا وخيارهم، والمراقبين الله تعالى منهم في إيرادهم وإصدارهم، على إنهاء ما يخفى عنّا من ظلامة تقع، أو حادث يبتدع، ومن اتخذت بجواره خمر فاشية، أو نشأت في جهته للمنكر ناشية، فنحن نقلده العهد، وتطوّقه القلادة، ووراء تنبيهنا على ما خفي من الشكر لمن أهداه، وإحماد سعي من أبلغه وأداه، ما نرجو ثواب الله تعالى عليه، والتقرب به إليه، فمن أهدى لنا شيئاً من ذلك فهو شريك في أجره، ومقاسم في مثوبته يوم ربح تجره، وحسبنا الله ونعم الوكيل انتهى. [وصية لسان الدين لأبنائه] وإذ أجرينا طرف القلم ملء عنانه فيما للسان الدين رحمه الله تعالى من

стр. 4077

النصائح والمواعظ والوصايا، وما يرجع بالنفع على الخاصة وجمهور الرعايا، كلّ دون شأوه، وقصر عن أمده مديد خطوه، وقد تقدم في هذا الكتاب من ذلك جملة وافرة، فلتراجع في محالها المتكاثرة، وقد آن أن نسرد في هذا المحل الوصية التي أوصى لسان الدين رحمه الله تعالى بها أولاده، وهي وصية جامعة نافعة، يحصل بها انتعاش، لاشتمالها على ما لا بد منه في المعاد والمعاش، ونصّها (١) : الحمد لله الذي لا يروعه الحمام المرقوب، إذا شيم نجمه المثقوب، ولا يبغته الأجل المكتوب، ولا يفجؤه الفراق المعتوب، ملهم الهدى الذي تطمئن به القلوب، وموضح السبيل المطلوب، وجاعل النصيحة الصريحة في قسم الوجوب، لا سيما للولي المحبوب، والولد المنسوب، القائل في الكتاب المعجز الأسلوب " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب " البقرة: ١٣٣ " ووصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب " البقرة: ١٣٢ والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله أكرم من زرّت على نوره جيوب الغيوب، وأشرف من خلعت عليه حلل المهابة والعصمة فلا تقتحمه العيون ولا تصمه العيوب، والرضى عن آله وأصحابه المثابرين على سبيل الاستقامة بالهوى المغلوب، والأمل المسلوب، والاقتداء الموصل للمرغوب، والعز والأمن من اللغوب. وبعد، فإنّي لما علاني المشيب بقمته، وقادني الكبر في رمّته (٢) ، وادكرت الشباب بعد أمته (٣) ، أسفت لما أضعت، وندمت بعد الفطام على ما رضعت، وتأكّد وجوب نصحي لمن لزمني رعيه، وتعلّق بعيني (٤) سعيه، وأمّلت أن

стр. 4078

تتعدى إليّ ثمرة (١) استقامته وأنا رهين فوات، وفي برزخ أموات، ويأمن العثور في الطريق التي اقتضت عثاري، إن سلك - وعسى أن لا يكون ذلك - على آثاري، فقلت أخاطب الثلاثة الولد، وثمرات الخلد، بعد الضراعة إلى الله تعالى في توفيقهم، وإيضاح طريقهم، وجمع تفريقهم، وأن يمن عليّ منهم بحسن الخلف، والتلافي من قبل التلف، وأن يرزق خلفهم التمسك بهدي السلف، فهو ولي ذلك، والهادي إلى خير المسالك: اعلموا هداكم الله تعالى الذي بأنواره تهتدي الضّلاّل، وبرضاه ترفع الأغلال، وبالتماس قربه يحصل الكمال، إذا ذهب المال، وأخلفت الآمال، وتبرأت من يمينها الشمال - أنّي مودعكم وإن سالمني الردى، ومفارقكم وإن طال المدى، وما عدا ممّا بدا، فكيف وأدوات السفر تجمع، ومنادي الرحيل يسمع، ولا أقل للحبيب المودع من وصية محتضر، وعجالة مقتصر، ورتيمة (٢) تعقد في خنصر، ونصيحة تكون نشيدة واع مبصر، تتكفّل لكم بحسن العواقب من بعدي، وتوضح لكم من الشفقة والحنّو قصدي، حسبما تضمّن وعد الله من قبل وعدي، فهي أربكم الذي لا يتغير وقفه، ولا ينالكم المكروه ما رفّ عليكم سقفه، وكأنّي بشبابكم قد شاخ، وبراحلكم قد أناخ، وبناشطكم قد كسل، واستبدل الصاب من العسل، ونصول الشيب تروع بأسل، لا بل السام (٣) من كل حدب قد نسل، والمعاد اللحد ولا تسل، فبالأمس كنتم فراخ حجر، واليوم أبناء (٤) عسكر مجر، وغداً شيوخ مضيعة وهجر، والقبور فاغرة، والنفوس عن المألوفات صاغرة، والدنيا بأهلها ساخرة، والأولى تعقبها

стр. 4079

الآخرة، والحازم من لم يتّعظ به في أمر، وقال: بيدي لا بيد عمرو (١) ، فاقتنوها من وصية، ومرام في النصح قصية، وخصّوا بها أولادكم إذا عقلوا، ليجدوا زادها إذا انتقلوا، وحسبي وحسبكم الله الذي لم يخلق الخلق هملاً، ولكن ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، ولا رضي الدنيا منزلاً، ولا لطف بمن أصبح عن فئة الخير منعزلاً. ولتلقنوا تلقيناً، وتعلموا علماً يقيناً، أنكم لن تجدوا بعد أن أنفرد بذنبي، ويفترش التراب جنبي، ويسح انسكابي، وتهرول عن المصلّى ركابي، أحرص مني على سعادة إليكم تجلب، أو غاية كمال بسببكم ترتاد وتطلب، حتى لا يكون في الدين والدنيا أورف منكم ظلاً، ولا أشرف محلاً، ولا إبط نهلاً وعلاًّ، وأقل ما يوجب ذلك عليكم أن تصيخوا إلى قولي الآذان، وتستلمحوا صبح نصحي فقد بان، وسأعيد عليكم وصية لقمان: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بنيّ لا تشرك بالله إنّ الشّرك لظلم عظيم، يا بنيّ أقم الصّلاة، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك، إنّ ذلك من عزم الأمور، ولا تصعّر خدّك للنّاس، ولا تمش في الأرض مرحاً، إنّ الله لا يحبّ كلّ مختال فخور، واقصد في مشيك، واغضض من صوتك، إنّ أنكر الأصوات لصوت الحمير " لقمان: ١٣ - ١٩ وأعيد وصية خليل الله وإسرائيله، حكم ما تضمنه حكم تنزيله " يا بنيّ إنّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون " البقرة: ١٣٢ والدين الذي ارتضاه واصطفاه، وأكمله ووفّاه، وقرّره مصطفاه، من قبل أن يتوفّاه، إذا أعمل فيه انتقاد، فهو عمل واعتقاد، وكلاهما مقرر، ومستمد من عقل أو نقل محرر، والعقل متقدم، وبناؤه مع رفض أخيه متهدم، فالله واحد أحد، فرد صمد، ليس له والد ولا ولد،

стр. 4080

تنزه عن الزمان والمكان، وسبق وجوده وجود الأكوان، خالق الخلق وما يعملون، الذي لا يسأل عن شيء وهم يسألون، الحي العليم المدبّر القدير:ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير " (الشورى: ١١) أرسل الرسل رحمة لتدعو الناس (١) إلى النجاة من الشقاء، وتوجّه الحجّة في مصيرهم إلى دار البقاء، مؤيدة بالمعجزات التي لا تتصف أنوارها بالاختفاء، ولا يجوز على تواترها دعوى الانتفاء، ثمّ ختم ديوانهم بنبي ملّتنا المرعيّة الهمل (٢) ، الشاهدة على الملل، فتلخصت الطاعة، وتعيّنت (٣) الإمرة المطاعة، ولم يبق بعده إلا ارتقاب الساعة، ثمّ إن الله تعالى قبضه إذ كان بشراً، وترك دينه يضم من الأمة نشراً، فمن تبعه لحق به، ومن تركه تورّط (٤) عنه في منتشبه، وكانت نجاته على قدر سببه، روي عنه ﵊ أنّه قال " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا بعدي: كتاب الله، وسنّتي، فعضوا عليهما بالنواجذ " (٥) . فاعملوا يا بني بوصية من ناصح جاهد، ومشفق شفقة والد، واستشعروا حبه الذي توفّرت دواعيه، وعوا مراشد هديه فيا فوز واعيه، وصلوا السبب بسببه، وآمنوا بكل ما جاء به مجملاً أو مفصّلاً (٦) على حسبه، وأوجبوا التجلة لصحبه الذي اختارهم الله تعالى لصحبته، واجعلوا محبتكم إياهم من توابع محبته، واشملوهم بالتوقير، وفضلوا منهم أولي الفضل الشهير، وتبرأوا من العصبية التي لم يدعكم إليها داع، ولا تع التشاجر بينهم أذن واع، فهو عنوان

стр. 4081

السداد، وعلامة سلامة الاعتقاد، ثم اسحبوا فضل تعظيمهم على فقهاء الملّة، وأثمتها الجلّة، فهم صقلة نصولهم، وفروع نائشة من أصولهم، وورثتهم وورثة رسولهم. واعلموا أنّني قطعت في البحث زماني، وجعلت النظر شاني، منذ براني الله تعالى وأنشاني، مع نبل يعترف به الشاني، وإدراك يسلّمه العقل الإنساني، فلم أجد خابط ورق، ولا مصيب عرق، ولا نازع خطام، ولا متكلّف فطام، ولا مقتحم بحر طام، إلاّ وغايته التي يقصدها قد نضلتها (١) الشريعة وسبقتها، وفرعت ثنيتها وارتقتها، فعليكم بالتزام جادّتها السابلة، ومصاحبة رفقتها الكاملة (٢) ، والاهتداء بأقمارها غير الآفلة، والله تعالى يقول وهو أصدق القائلين " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين " آل عمران: ٨٥ وقد علت شرائعه، وراع الشكوك رائعه، فلا تستنزلكم الدنيا عن الدين، وابذلوا دونه النفوس فعل المهتدين، فلن ينفع متاع بعد الخلود في النار أبد الآبدين، ولا يضر مفقود مع الفوز بالسعادة والله أصدق الواعدين، ومتاع الحياة الدنيا أخس ما ورث الأولاد عن الوالدين، اللهم قد بلّغت فأنت خير الشاهدين. فاحذروا المعاطب التي توجب في الشقاء الخلود، وتستدعي شوه الوجوه ونضج الجلود، واستعيذوا برضى الله من سخطه، واربأوا بنفوسكم عن غمطه، وارفعوا آمالكم عن القنوع بغرور قد خدع أسلافكم، ولا تحمدوا على جيفة العرض الزائل ائتلافكم، واقتنعوا منه بما تيسر، ولا تأسوا على ما فات وتعذر، فإنّما هي دجنة ينسخها الصباح، وصفقة يتعاقبها (٣) الخسار والرباح، ودونكم عقيدة الإيمان فشدوا بالنواجذ عليها، وكفكفوا الشبه أن تدنوا إليها.

стр. 4082

واعلموا أن الإخلال بشيء من ذلك خرق لا يرفؤه عمل، وكل ما سوى الراعي همل، وما بعد الرأس في صلاح الجسم الميت (١) أمل، وتمسكوا بكتاب الله تعالى حفظاً وتلاوة، واجعلوا حمله على حمل التكليف علاوة، وتفكروا في آياته ومعانيه، وامتثلوا أوامره ونواهيه، ولا تتأولوه ولا تغلوا فيه، وأشربوا قلوبكم حب من أنزل على قلبه، وأكثروا من بواعث حبه، وصونوا شعائر الله صون المحترم، واحفظوا القواعد التي ينبني عليها الإسلام حتى لا ينخرم. الله الله في الصلاة ذريعة التجلة، وخاصة الملّة، وحاقنة الدم، وغنى المستأجر المستخدم، وأم العبادة، وحافظة اسم المراقبة لعالم الغيب والشهادة، والناهية عن الفحشاء والمنكر وإن (٢) عرض الشيطان عرضهما، ووطّأ للنفس الأمّارة سماءهما وأرضهما، والوسيلة إلى بل الجوانح ببرود الذكر، وإيصال تحفة الله إلى مريض الفكر، وضامنة (٣) حسن العشرة من الجار، وداعية للمسالمة من الفجار، والواسمة بسمة السلامة، والشاهدة للعبد (٤) برفع الملامة، وغاسول الطبع إذا شانه طبع، والخير الذي كل ما سواه له تبع (٥) ، فاصبروا النفس على وظائفها بين بدء وإعادة، فالخير عادة، ولا تفضلوا عليها الأشغال البدنية، وتؤثروا على العلية الدنية (٦) ، فإن أوقاتها (٧) المعينة بالانفلات تنبس (٨) ، والفلك بها من أجلكم لا يحبس، وإذا قورنت (٩) بالشواغل فلها الجاه الأصيل، والحكم الذي لا يغيره الغدو ولا الأصيل،

стр. 4083

والوظائف بعد أدائها لا تفوت، وأين حق من يموت من حق الحي الذي لا يموت، وأحكموا أوضاعها إذا أقمتموها، وأتبعوها النوافل ما أطقتموها، فبالإتقان تفاضلت الأعمال، وبالمراعاة استحقت (١) الكمال، ولا شكر مع الإهمال، ولا ربح مع إضاعة رأس المال (٢) ، وذلك أحرى بإقامة الفرض، وأدعى إلى مساعدة البعض البعض. والطهارة التي هي في تحصيلها سبب موصل، وشرط لمشروطها محصل، فاستوفوها، والأعضاء نظفوها، ومياهها بغير أوصافها الحميدة فلا تصفوها، والحجول والغرر فأطيلوها، والنيات في كل ذلك فلا تهملوها، فالبناء بأساسه، والسيف برئاسه. واعلموا أن هذه الوظيفة من صلاة وطهور، وذكر مجهور وغير مجهور، تستغرق الأوقات، وتنازع شتى الخواطر المفترقات، فلا يضبطها إلاّ من ضبط نفسه بعقال، وكان في درج الرجولية ذا انتقال، واشتقاض صدأه بصقال، وإن تراخى قهقر الباع، وسرقته الطباع، وكان لما سواها أضيع فشمل الضياع. والزكاة أختها الحبيبة، ولدتها القريبة، مفتاح السماحة بالعرض الزائل، وشكران المسئول على الضدّ من درجة السائل، وحق الله تعالى في مال من أغناه، لمن أجهده في المعاش وعنّاه، من غير استحقاق ملأ يده وأخلى يد أخيه، ولا علّة إلاّ القدر الذي يخفيه، وما لم ينله حظ الله تعالى فلا خير فيه. فاسمحوا بتفريقها للحاضر لإخراجها، في اختيار عرضها ونتاجها، واستحيوا من الله تعالى أن تبخلوا عليه ببعض ما بذل، وخالفوا الشيطان كلّما عذل، واذكروا خروجكم إلى الوجود لا تملكون، ولا تدرون أين تسلكون، فوهب وأقدر، وأورد بفضله وأصدر، ليرتب بكرمه الوسائل، أو يقيم الحجج والدلائل،

стр. 4084

فابتغوا إليه الوسيلة بماله، واغتنموا رضاه ببعض نواله. وصيام رمضان عبادة السر المقربة إلى الله زلفى، الممحوضة لمن يعلم السر وأخفى، مؤكدة بصيام الجوارح عن الآثام، والقيام ببر القيام، والاجتهاد، وإيثار التهجد (١) على المهاد، وإن وسع الاعتكاف فهو من سنته المرعية، ولواحقه الشرعية، فبذلك تحسن الوجوه، وتحصل من الرقة على ما ترجوه، وتذهب قسوة الطباع، ويمتدّ في ميدان الوسائل الباع. والحج - مع الاستطاعة - الركن الواجب، والفرض على العين لا يحجبه الحاجب، وقد بين رسول الله ﷺ قدره فيما فرض عن ربّه وسنّه، وقال ليس له جزاء عند الله إلاّ الجنّة. ويلحق بذلك الجهاد في سبيل الله تعالى إن كانت لكم قوّة عليه، وغنى لديه، فكونوا ممّن يسمع نفيره ويطيعه، وإن عجزتم فأعينوا من يستطيعه. هذه عمد الإسلام وفروضه، ونقود مهره وعروضه، فحافظوا عليها تعيشوا مبرورين، وعلى من يناويكم ظاهرين، وتلقوا الله لا مبدّلين ولا مغيرين، ولا تضيعوا حقوق الله فتهلكوا مع الخاسرين. واعلموا أن بالعلم تستكمل وظائف هذه الألقاب، وتجلى محاسنها من بعد الانتقاب، فعليكم بالعلم النافع، دليلاً بين يدي السامع، فالعلم مفتاح هذا الباب، والموصل إلى اللّباب، والله يقول " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنّما يتذكّر أولو الألباب " الزمر: ٩ والعلم وسيلة النفوس الشريفة، إلى المطالب المنيفة، وشرطه الخشية لله تعالى والخيفة، وخاصة الملأ الأعلى، وصفة الله في كتبه التي تتلى، والسبيل في الآخرة إلى السعادة، وفي الدنيا إلى التجلّة عادة، والذخر الذي قليله ينفع،

стр. 4085

وكثيره يشفع (١) ، لا يغلبه الغاصب، ولا يسلبه العدوّ المناصب، ولا يبتزّه الدهر إذا مال، ولا يستأثر به البحر إذا هال، من لم ينله فهو ذليل وإن كثرت آماله، وقليل وإن جم ماله، وإن كان وقته قد فات اكتسابكم، وتخطى حسابكم، فالتمسوه لبنيكم، واستدركوا منه ما خرج عن أيديكم، واحملوهم على جمعه ودرسه، واجعلوا طباعهم ثرىً (٢) لغرسه، واستسهلوا ما ينالهم من تعب من جرّاه، وسهر يهجر له الجفن كراه، تعقدوا لهم ولاية عزّ لا تعزل، وتحلّوهم مثابة رفعة لا يحطّ فارعها ولا يستنزل، واختاروا من العلوم التي ينفّقها الوقت، ما لا يناله في غيره المقت. وخير العلوم علوم الشريعة، وما نجم بمنابتها المريعة، من علوم لسان لا تستغرق الأعمار فصولها، ولا يضايق ثمرات المعاد حصولها، فإنّما هي آلات لغير، وأسباب إلى خير منها وخير، فمن كان قابلاً لازدياد، وألفى فهمه ذا انقياد، فليخص تجويد القرآن بتقديمه، ثم حفظ الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه، ثم الشروع في أصول الفقه فهو العلم العظيم المنّة، المهدي كنوز الكتاب والسنّة، ثم المسائل المنقولة عن العلماء الجلة، والتدرّب في طرق النظر وتصحيح الأدلّة، وهذه هي الغاية القصوى في الملّة، ومن قصر إدراكه عن هذا المرمى، وتقاعد عن التي هي أسمى، فليرو الحديث بعد تجويد الكتاب وإحكامه، وليقرإ المسائل الفقهية على مذهب إمامه، وإياكم والعلوم القديمة، والفنون المهجورة الذميمة، فأكثرها لا يفيد إلا تشكيكاً، ورأياً ركيكاً، ولا يثمر في العاجلة إلا اقتحام العيون، وتطريق الظنون، وتطويق الاحتقار، وسمة الصّغار، وخمول الأقدار، والخسف من بعد الإبدار، وجادة الشريعة أعرق في الاعتدال، وأوفق (٣) من قطع العمر في الجدال، هذا ابن رشد

стр. 4086

ومفتيه، وملتمس الرشد وموليه (١) ، عادت عليه بالسخطة الشنيعة، وهو إمام الشريعة، فلا سبيل إلى اقتحامها، والتورّط في ازدحامها، ولا تخلطوا سامكم بحامها، إلا ما كان من حساب ومساحة، وما يعود بجدوى فلاحة، وعلاج يرجع على النفس والجسم براحة، وما سوى ذلك فمحجور، وضرم مسجور، وممقوت مهجور. وأمروا بالمعروف أمراً رفيقاً، وانهوا عن المنكر نهياً حريّاً بالاعتدال حقيقاً، واغبطوا من كان من سنة الغفلة مفيقاً، واجتنبوا ما تنهون عنه حتى لا تسلكوا منه طريقاً. وأطيعوا أمر من ولاه الله تعالى من أموركم أمراً، ولا تقربوا من الفتنة جمراً، ولا تداخلوا في الخلاف زيداً ولا عمراً. وعليكم بالصدق فهو شعار المؤمنين، وأهم ما أضى عليه الآباء ألسنة البنين، وأكرم منسوب إلى مذهبه، ومن أكثر من شيء عرف به. وإياكم والكذب فهو العورة التي لا توارى، والسوأة التي لا يرتاب في عارها ولا يتمارى، وأقل عقوبات الكذاب، بين يدي ما أعد الله له من العذاب، أن لا يقبل منه صدقة إذا صدق، ولا يعول عليه إن كان بالحق نطق. وعليكم بالأمانة فالخيانة لوم، وفي وجه الديانة كلوم، ومن الشريعة التي لا يعذر بجهلها، أداء الأمانات إلى لأأهلها، وحافظوا على الحشمة والصّيانة، ولا تجزوا من أقرضكم دين الخيانة، ولا توجدوا للغدر قبولاً، ولا تقروا عليه طبعاً مجبولاً " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً " الإسراء: ٣٤ ولا تستأثروا بكنز ولا خزن، ولا تذهبوا لغير مناصحة المسلمين في سهل ولا حزن، ولا تبخسوا الناس أشياءهم في كل أو وزن، والله الله أن تعينوا في سفك الدماء ولو بالإشارة أو بالكلام، أو ما يرجع إلى وظيفة الأقلام، واعلموا أن الإنسان في

стр. 4087

فسحة ممتدة، وسبل الله تعالى غير منسدة، ما لم ينبذ إلى الله تعالى بأمانه، ويغمس في الحرام بيده أو لسانه، قال الله تعالى في كتابه الذي هدى به سنناً قويماً، وجلى من الجهل والضلال ليلاً بهيماً " ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً " النساء: ٩٣ واجتناب الزنا وما تعلّق به من أخلاق من كرمت طباعه، وامتد في سبيل السعادة باعه، لو لم تتلقّ نور الله الذي لم يهد شعاعهه، فالحلال لم تضق عن الشهوات أنواعه، ولا عدم إقناعه، ومن غلبت عليه غرائز جهله، فلينظر هل يحب أن يزنى بأهله، والله قد أعدّ للزاني عذاباً وبيلاً، وقال " ولا تقربوا الزنا إنّه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً " النساء: ٢٢. والخمر أم الكبائر، ومفتاح الجرائم والجرائر، واللهو لم يجعله الله في الحياة شرطا، والمحرم قد أغنى عنه بالحلال الذي سوّغ وأعطى، وقد تركها في الجاهلية أقوام لم يرضوا لعقولهم بالفساد، ولا لنفوسهم بالمضرة في مرضاة الأجساد، والله تعالى قد جعلها رجساً محرماً على العباد، وقرنها بالأنصاب والأزلام في مباينة السّداد. ولا تقربوا الربا فإنّه من مناهي الدين، والله تعالى يقول " وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين " البقرة: ٢٧٨ وقال: " فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله " البقرة: ٢٧٩ في الكتاب المبين، ولا تأكلوا مال أحد بغير حق يبيحه، وانزعوا الطمع عن ذلك حتى تذهب ريحه، والتمسوا الحلال يسعى فيه أحدكم على قدمه، ولا يكل اختياره إلا للثقة من خدمه، ولا تلجأوا إلى المتشابه إلاّ عند عدمه، فهو في السلوك إلى الله تعالى أصل مشروع، والمحافظ عليه مغبوط، وإياكم والظلم فالظالم ممقوت بكل لسان، مجاهر الله تعالى بصريح العصيان، والظلم ظلمات يوم القيامة كما ورد في الصحاح الحسان. والنميمة فساد وشتات، لا يبقى عليه متات، وفي الحديث " لا يدخل الجنّة قتّات " (١) .

стр. 4088

واطرحوا الحسد فما ساد حسود، وإياكم والغيبة فباب الخبر معها مسدود، والبخر فما رؤي البخيل وهو مودود. وإياكم وما يعتذر منه فمواقع الخزي لا تستقال عثراتها، ومظنّات الفضائح لا تؤمن غمراتها، وتفقّدوا أنفسكم مع الساعات، وأفشوا السلام في الطرقات والجماعاتن ورقوا على ذوي الزمانات والعاهات، وتاجروا مع الله بالصدقة يربحكم في البضاعات. وعوّلوا عليه وحده في الشدائد، واذكروا ما ورد في ذلك من الآثار، وتعاهدوا أولي الأرحام، والوشائج البادية الالتحام، واحذروا شهادة الزور فإنّها تقطع الظهر، وتفسد السرّ والجهر؛ والرّشا فإنّها تحط الأقدار، وتستدعي المذلّة والصّغار، ولا تسامحوا في لعبة قمر، ولا تشاركوا أهل البطالة في أمر. وصونوا المواعيد من الإخلاف، والأيمان من حنث الأوغاد والأجلاف، وحقوق الله تعالى من الإزراء والاعتساف، ولا تلهجوا بالآمال العجاف، ولا تكلفوا بالكهانة والإرجاف. واجعلوا العمر بين معاش ومعاد، وخصوصية وابتعاد. واعلموا أن الله سبحانه بالمرصاد، وأن الخلق زرع وحصاد، وأقلوا بغير الحالة الباقية الهموم، واحذروا القواطع عن السعادة كما تحذر السموم. واعلموا أن الخير أو الشر في الدنيا محال أن يدوم، وقابلوا بالصبر أذاية المؤذين، ولا تقارضوا مقالات الظالمين، فالله لمن بغي عليه خير الناصرين، ولا تستعظموا حوادث الأيام كلّما نزلت، ولا تضجوا للأمراض إذا أعضلت، فكل منقرض حقير، وكل منقض وإن طال قصير، وانتظروا الفرج، وانتشقوا من جناب الله تعالى الأرج، وأوسعوا بالرجاء الجوانح، [واجنحوا إلى الخوف من الله تعالى فطوبى لعبد إليه جانح] (١) ، وتضرعوا إلى الله تعالى بالدعاء، والجأوا إليه في البأساء والضّرّاء،

стр. 4089

وقابلوا نعم الله تعالى بالشكر الذي يقيد به الشارد، ويعذب الوارد، وأسهموا منها للمساكين وافضلوا عليهم، وعيّنوا الحظوظ منها لديهم، فمن الآثار " يا عائشة، أحسني جوار نعم الله، فإنّها قلّما زالت عن قوم فعادت إليهم ". ولا تطغوا في النعم فتقصروا عن شكرها، وتلفّكم الجهالة بسكرها، وتتوهموا أن سعيكم جلبها، وجدّكم حلبها، فالله خير الرازقين، والعاقبة للمتّقين، ولا فعل إلا لله إذا نظر بعين اليقين، والله الله لا تنسوا الفضل بينكم، ولا تذهبوا بذهابه زينكم، وليلتزم كل منكم لأخيه، ما يشتد به تواخيه، بما أمكنه من إخلاص وبر، ومراعاة في علانية وسر، وللإنسان مزية لا تجهل، وحق لا يهمل. وأظهروا التعاضد والتناصر، وصلوا التعاهد والتزاور، ترغموا بذلك الأعداء، وتستكثروا الأوداء، ولا تتنافسوا في الحظوظ السخيفة، ولا تتهارشوا تهارش السباع على الجيفة، واعلموا أن المعروف يكدر بالامتنان، وطاعة النساء شرّ ما أفسد بين الإخوان، فإذا أسديتم معروفاً فلا تذكروه، وإذا برز قبيح فاستروه، وإذا أعظم النساء أمراً فاحقروه. والله الله لا تنسوا مقارضة سجلي، وبروا أهل مودّتي من أجلي، ومن رزق منكم مالاً بهذا الوطن القلق المهاد، الذي لا يصلح لغير الجهاد، فلا يستهلكه أجمع في العقار، فيصبح عرضة للمذلّة والاحتقار، وساعياً لنفسه إن تغلب العدوّ على بلده في الافتضاح والافتقار، ومعوقاً عن الانتقال، أمام النّوب الثقال، وإذا كان رزق العبد على المولى، فالإجمال في الطلب أولى، وازهدوا جهدكم في مصاحبة أهل الدنيا فخيرها لا يقوم بشرّها، ونفعها لا يقوم بضرّها، وأعقاب من تقدّم شاهدة، والتواريخ لهذه الدعوى عاضدة، ومن بلي بها منكم فليستظهر بسعة الاحتمال، والتقلل من المال، وليحذر معاداة الرجال، ومزلات الإدلال، وفساد الخيال، ومداخلة العيال، وإفشاء السر، وسكر الاغترار (١) ، وليصن الديانة، ويؤثر الصمت ويلازم الأمانة، ويسر من رضى

стр. 4090

الله على أوضح الطرق، ومهما اشتبه عليه أمران قصد أقربهما إلى الحق، وليقف في التماس أسباب الجلال دون اعلكمال غير النقصان، والزعازع تسالم اللّدن اللطيف من الأغصان، وإياكم وطلب الولايات رغبة واستجلاباً، واستظهاراً على الحظوظ (١) وغلاباً، فذلك ضرر بالمروءات والأقدار، داع إلى الفضيحة والعار، ومن امتحن بها منكم اختياراً، أو جبر عليها إكراهاً وإيثاراً، فليتلقّ وظائفها بسعة صدره، ويبذل من الخير فيها ما يشهد أن قدرها دون قدره، فالولايات فتنة ومحنة، وأسر وإحنة، وهي بين إخطاء سعادة، وإخلال بعبادة، وتوقع عزل، وإدالة بإزاء بيع جد من الدنيا بهزل، ومزلّة قدم، واستتباع ندم، ومآل العمر كلّه موت ومعاد، واقتراب من الله وابتعاد، جعلكم الله ممّن نفعه بالتبصير والتنبيه، وممّن لا ينقطع بسببه عمل أبيه. هذه أسعدكم الله وصيتي التي أصدرتها، وتجارتي التي لربحكم أدرتها، فتلقوها بالقبول لنصحها، والاهتداء بضوء صبحها، وبقدر ما أمضيتم من فروعها، واستغشيتم من دروعها، اقتنيتم من المناقب الفاخرة، وحصلتم على سعادة الدنيا والآخرة، وبقدر ما أضعتم لآليها النفيسة القيم، استكثرتم من بواعث الندم. ومهما سئمتم إطالتها، واستغزرتم مقالتها، فاعلموا أن تقوى الله فذلكة الحساب، وضابط هذا الباب، كان الله خليفتي عليكم في كل حال، فالدنيا مناخ ارتحال، وتأميل الإقامة فرض محال، فالموعد للالتقاء، دار البقاء، جعلها الله من وراء خطة النجاة (٢) ، ونفّق بضائعها المزجاة، بلطائفه المرتجاة، والسلام عليكم من حبيبكم المودع، والله سبحانه يلأمه حيث شاء من شمل متصدع، والدكم محمد بن عبد الله بن الخطيب، ورحمة الله وبركاته. انتهت الوصية الفريدة في حسنها، الغريبة في فنها، المبلغة نفوس الناظرين

стр. 4091

فيها فوق ظنّها، ولأجل ذلك كان شيخ سيوخنا المؤلف الكبير الفقيه الإمام قاضي القضاة العلامة سيدي الشيخ عبد الواحد ابن الشيخ الإمام عالم المالكية صاحب التآليف العديدة كالمعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب - وهو في ست مجلدات [ولو لم يكن له غيره] لكان كافياً، وله مصنّفات كثيرة غيره أكثرها في مذهب مالك، ولم يؤلف في المذهب مثلها -[كثيراً ما يدخل منها في خطبه] (١) . [وصية لابن الجنان على لسان ابن هود] رجع إلى ما كنا فيه: أقول: لم تزل عادة الأكابر من العلماء والملوك الوصية لأولادهم وعمالهم باقتفاء النهج الذي يرون فيه السلوك، وقد وقفت للفقيه الكاتب أبي عبد الله محمد ابن الجنّان المرسي الأندلسي رحمه الله تعالى لى وصية ضمن رسالة كتبها عن ابن هود ملك الأندلس إلى أخيه اشمتملت على ما لا بدّ منه، فرأيت أن أذكرها هنا تتميماً للفائدة، ونصها بعد الصدر: من مجاهد الدين، وسيف أمير المؤمنين، عبد الله المتوكّل عليه أمير المسلمين محمد بن يوسف بن هود، أيده الله تعالى بنصره، وأمدّه بتمكينه، وأعانه على ما ينويه من إحياء معالم دينه، إلى صنونا المبارك، وقسيمنا وأخينا المخصوص بتبجيلنا وتكريمنا، وحسامنا المنتضى المرتضى لإمضاء عزمنا وتصميمنا، الأمير الأعلى، الموقّر الأسمى، الميمون النقيبة المحمود السجيّة، الأحب النيّة، الأعز علينا، المتمم بمساعيه الصالحة كل ما نوينا، أدام الله تعالى تظفيره وإسعاده، وأمضى في الحق قواضبه وصعاده، ووالى معونته وإنجاده، وتولى توقيفه

стр. 4092

وإرشاده، سلام طيب كريم زاك يخصكم ورحمة الله تعالى وبركاته. أمّا بعد - فالحمد لله الذي أوضح للحق سبيلاً، ومد ظل رحمته على الخلق ظليلاً، وجعل العدل بحفظ نظام الإسلام كفيلاً، ونزّل الأحكام على قدر المصالح تنزيلاً، ونصب معالم الهدى علماً لمن اقتدى ودليلاً، وألهم إلىما يرضاه عملاً ومعتقداً وقيلاً، وصلواته الطيبة، وبركاته الصّيّبة، على سيد العالمين، وخاتم النبيين، محمد رسوله الذي فضّله بخلته واصطفاه تفضيلاً، وبعثه بالحنيفية السمحة فبينها تبييناً وفصّلها تفصيلاً، ورتبها كما أمره ربّه إباحة وندباً وتحريماً وتحليلاً، حتى ثبتت سنة الله " فلن تجد لسنّة الله تبديلاً، ولن تجد لسنّة الله تحويلاً " (فاطر: ٤٣) وعلى آله وصحبه الذين فهموا ما جاءهم به ﵊ نصّاً وتأويلاً، وأبقوا من سيرتهم الفاضلة، وأحكامهم العادلة، أساساً للمتقين جليلاً، ومآثر للمقتفين تسبح الأفهام والأقلام في بحارها سبحاً طويلاً، وأمضوا عزائمهم تنسخ بالحق باطلاً وبالهدى تضليلاً، ورضوان الله تعالى يتوالى على خليفته، وحامل أمانته إلى خليقته، الذي كمل الله تعالى له موجبات الإمامة تكميلاً، وأناله من هدي النبوّة أفضل ما كان للهداة منيلاً، سيدنا ومولانا الإمام المنتصر بالله تعالى أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين المتبوّىء من ساحة الشرف والجلالة محلاً شريفاً جليلاً، والمنتخب من بحبوحة بيت الرسالة الذي وجد الوحي عنده معرّساً ومقيلاً، والدعاء له من لدن العزيز القوي بنصر يأتي لإمداده بمدد الملائكة قبيلاً، وفتح يؤتي الإيمان من الظهور بغية وتأميلاً -. فإنّا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لكم عزماً لا يزال عضبه صقيلاً، وعزّاً يروق بإظهار الحق غرّة وتحجيلاً، ورأياً لقداح السداد والنجاح مجيلاً، وسعداً يوصل إلى الإسعاد برضاه توصيلاً، من حضرتنا بمرسية حرسها الله تعالى، ونحن نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على فضله الذي أناله جسيماً جزيلاً، ونتوكل عليه، توكل من يلجأ في كل أحواله إليه، وكفى بالله وكيلاً، ونستعينه على أمور

стр. 4093

المسلمين التي حملنا منها أمانة كبيرة وعبئاً ثقيلاً، ونقف بالضراعة بين يديه، طلباً لما يخلصنا لديه، عساه أن يجعل لرغبتنا قبولاً وتوسيلاً، ونعوذ به من كل عمل لا يكون حاصله إلا مآلاً وبيلاً، وعرضاً من الدنيا قريباً ومتاعاً قليلاً. إنّا - والله المرشد - لنعلم أن هذا الأمر الذي قلدنا الله تعالى منه ما قلّده، وأسنده إلينا من أمور خلقه فيما أسنده، قد ألزمنا من حقوقه الواجبة، وفروضه الراتبة، ما لا يستطاع إلاّ بمعونته أداؤه، ولا يستتبّ إلاّ بتوفيق الله تعالى انتهاؤه وابتداؤه، فهو المشكور عزّ وجهه على نعمته، والمستعان على ما يدني من رضاه ويقرب من رحمته، وأن كل امرىء بشأنه مشغول، وعن خويّصة نفسه مسؤول، ونحن بما استرعانا الله تعالى مشغولون، وعن الكبير والصغير مسؤولون، وعلينا النصيحة لله في عباده وبلاده، والنظر لهم بمنتهى جدّ المجتهد واجتهاده، ولا قوّة إلا بالله عليه توكلنا، وبه إليه توسّلنا، فعيننا تسهر لتنام للرعية عيونهم، وتحركنا يتصل ليحصل لهم سكونهم، وأملنا أن لا نقر فيهم بحول الله تعالى ظلماص ولا هضماً، ولا نخرم لهم في إقامة حقوق الله ما استطعنا نظماً، وأنّى ينصرف عن هذا القصد بعمله ونيته، من يعرف أن الله ﷻ لا يجوّز ظلم ظالم في بريته، ولعل الله الذي حملنا ما حملنا، واستعملنا بمشيئته فيما استعملنا، أن يهب لنا توفيقه، ويسلك بنا إلى هداه طريقه. ألا وإن من ولّيناه أمراً من أمور المسلمين فهو مطلوب به، وموقوف عليه عند ربه، فلينظر امرؤ في جزئية ما نيط به وكليته، وليراقب فيما لديه عالم خفيته وجليته، ألا وكلكم راعٍ وكلّ راع مسؤول عن رعيته، فمن حفظ الله حفظه الله في نفسه وآله، وقضى له بالسعادة في حاله ومآله، وأنجاه يوم عرضه وسؤاله، والخلق عيال الله فأحبهم إليه أحبهم لعياله. العدل العدل فبه قامت السموات والأرض، وبإقامته أقيمت السنّة والفرض " اعدلوا هو أقرب للتّقوى " المائدة: ٨ وأقوى ما تشتد به أركان الدين وتقوى، أما إن الحق في أن لا تتعدى

стр. 4094

أساليب الشرع وقوانينه، وأن لا يتجاوز في قضية من القضايا إفصاحه وتبيينه، وأن يجازى بحكمه المسيئون والمحسنون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون. ألا وإنّا قد عثرنا لبعض قوّاد الجهات وحكامها على أمور أنكرنا معرفاتها، واستقبحنا مستوصفاتها، وبرئنا إلى الله ته من متغيراتها ومحرفاتها، وعلمنا أن منهم أقواماً لا يتورّعون عن الأموال والدماء، ولا يحذرون فيما يأتون ويذرون جبّار الأرض والسماء، فأزلنا بحمد الله ذلك ونحوه، وعجلنا ابتغاء رضاه محقه ومحوه، وانبعثنا لنظر جديد، واستئناف لإصلاح أحوال وتسديد، وتغليظ في المحرمات وتشديد، واستقبلنا ما يسوسع الأمور ربطاً وضبطاً، ويفيض على الأمّة بعون الله تعالى عدلاً وقسطاً، وتعين علينا فيما رأيناه إنفاذ الخطاب إلى كل من استكفيناه بالبلاد، ووليناه النظر عنّا في مصالح العباد، بما يكون إن شاء الله تعالى الاعتماد على فصوله، والاستناد إلى محصوله، والاجتهاد بحسب فروعه وأصوله: فأوّل ما نوصيكم به وأنفسنا تقوى الله في كل حال، ومراقبة أوامره ونواهيه عند كل انتحاء وانتحال، والوقوف عند حدود الله التي حدها، وأرصدها بإزاء موجباته وعدها، فإنّه لا يتعداها إلاّ من رام تعفّي رسمها وطمسه " ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه " الطلاق: ١ والمحافظة على ما به تحفظ الشريعة، والملاحظة لما يضم الرعايا من حوزة أولي الحياطة المنيعة، والمثابرة على ما تكف به أكف الاعتداء، والمبادرة إلى الاهتمام بالسلف الصالح والاقتداء، والطريقة المثلى، وآيات الله التي تتلى، وهداياته التي لأبصار البصائر تجلى، وخفض الجناح، والأخذ بالرفق والإنجاح، وتوخي الحق الذي هو أوضح انبلاجاً من فلق الإصباح، والحلم والأناة، والمذاهب المستحسنات، والأمور البيّنات. والله الله في الدماء فإنّها أوّل ما يقضى بين الناس يوم القيامة فيها، ولا سبيل لاستحلالها إلا بعد ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل المسلم

стр. 4095

لأخيه، وقد قال مالك الأمر والخلق " ولا تقتلوا النّفس التي حرّم الله إلا بالحقّ " الأنعام: ١٥١ فتثبتوا فيها فأمرها جليل، وتحريمها لا يدخله تحليل، وإياكم أن تجعلوا فيها لأحد من ولاة الجهاد حكماً أو نظراً، أو تكلوا إليهم منها مستكثراً أو مستنزراً، فإنّه إذا استبدّ بالقضاء فيها كل وال ذهبت هدراً، واستباحها الجاهل والجائر أشراً وبطراً، وربما كان فيهم من في طباعه سبعية فيقتل بها الناس قتلاً ذريعاً، ويتسهّل بذلك من جوره صعباً ويرتكب بجهله شنيعاً، ويذهل عن قول الله تعالى " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً، ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعاً " (المائدة: ٣٢) فأنّى تحل المسامحة في هذا الشان، أو يحكم به كل إنسان في نفوس أهل الإيمان معاذ الله أن يكون هذا ونحن نعرفه، أو ينصرف إليه نظرنا فلا نزيله ولا نصرفه، فسدّوا هذا الباب سدّاً، وصدوا عنه من أمّه صدّاً، وكفوا كل ما كان من الأيدي للدماء ممتدّاً، ومن وجب عليه القتل شرعاً (١) وتعين، واتضح موجب القصاص فيه وتبين، فليس لكم إلا القاعدة الكبرى، تتحرّى فيها الأحكام عليه بمحضر القاضي والشهود كما يجب أن يتحرّى، بعد أن يتثبت في نازلته لديكم ويستجلى ويستبرا، فلا تحل القضية إلا على بصيرة، وحقيقة مستنيرة، فقد يلوح في اليوم ما خفي بالأمس، ويتعذر بعد الإقادة إعادة النفس. وملاك الأمر في انتقاء من يتصرف، وتولية من لا يضيم ولا يتحيف، فتخيروا للأنظار والجهات، من ترتضى سيرته من الولاة، ولا تستعملوا أهل الفظاظة والجهالة، والمصرين على الراحة والبطالة، فإنذهم إذا استرعوا أضاعوا، وإذا دعاهم شيطان الهوى أطاعوا، وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا، وميلوا باختياركم إلى المتّسمين بالصلاح، المرتسمين في ديوان الكفاة النصاح،

стр. 4096

وأطيلوا مع ذلك التنقير عنهم والتنقيب، ولا تغفلوا عن التعهد بالبحث البعيد منهم والقريب، ومن عثرتم له على منكر من استباحة دم أو مال، وإضاعة للحقوق وإهمال، فخذلوا على يده، وجازوه بفاسد مقصده، وأنزلوه بالمنزل الأقصى، وعاملوه معاملة من أوصيَ بتقوى الله فما استوصى. واصرفوا نظركم إلى القضاة فإن مدار الشريعة إنّما هو على ما يستند إليهم، ويقصر من الأحكام عليهم، فإذا كانوا من أهل العلم والديانة، وذوي النزاهة والصيانة، أمسكهم الورع بزمامه، وبلغ العهد بهم غاية تمامه، وإذا كانوا بضدّ هذا قبلوا الرشوة، وأوطأوا العشوة، وأطالوا النشوة، وأحلّوا من الدماء والفروج محرمها، وطمسوا من السنّة بالميل والمين معلمها، وحكموا بالهوادة والهوى، وطووا من الحق ما انتشر ونشروا من الباطل ما انطوى، فانتقوهم فهم أولى بالانتقاء، وشرّ جاسرهم وجاهلهم أحق بالاتقاء، ولا تقدموهم ولا غيرهم بالشفاعات والوسائل، ولكن قدموهم بتورعهم في القضايا وعلمهم بالمسائل. وممّا نؤكد عليهم فيه أمر الشهود؛ فإن شهادة الزور هي الداء العضال، والظلمة التي يتستر بها الظّلمة والضّلاّل، والحجة الداحضة التي بها يحلّل الحرام ويحرم الحلال، وقد كثر في هذا الزمان أهل الشهادة الفاسدة، ونفقت بهم سوق الأباطيل الكاسدة، فتقدموا إلى القضاة وفقهم الله تعالى أن لا يقبلوا إلاّ مشهوراً بزكاء وعدل، موفوراً حظّه من رجاحة وعقل، ومن كان مغموزاً عليه في أحواله، منبوزاً بالاسترابة في شهادته وأقواله، فلتردّ شهادته على أدراجها، وليبطل ما يكون من حجاجها. وأكدوا عليهم عند تعارض العقود في الترجيح، والنظر في التعديل والتجريح، لتجري أمور المسلمين على مستوى الحقّ المستبين، وتبدو المعدلة مشرقة الغرّة مؤتلفة الجبين. وممّا نأمركم به أن تبحصوا عن العمال، ولا تولّوا منهم إلا الحسن الطريقة المرضيّ الأعمال، ومن لم يكن منهم جارياً على القوانين المرعية، ناصحاً لبيت المال

стр. 4097

رفيقاً بالرعية، وكان في أمانته حائداً عن الجادة السوية، قائلاً كما قال قبله ابن اللتبية (١) ، فليعوّض منه غيره، وليرفع عن الجانبين ضيره، فإنّه ما كانت الخيانة قط في شيء إلا أهلكته، ولا وضعت في إنسان طبيعة سوء إلا ملكته. وإنّما هو مال الله تعالى الذي يرزق منه الحماة، وبه تسد الثغور المهمات، فينبغي أن يختار له محتاط في اقتضائه وقبضه، حافظ لدينه ومروءته في كلّه وبعضه، فخذوا في انتقاء هذه الأصناف المسمين، واطلبوا بهذه الأوصاف المصرفين والمولين، واجمعوا من الاجتهاد الحميد والقصد والاعتماد الأثر والعين، وأنصفوا منهم إن تظلّم من أحدهم متظلم، واشفوا شكوى كل متشك وألم كل متألم، واعلموا أن حرمة الأموال بحرمة الدماء لاحقة، وأن إحدى القضيتين للأخرى مساوية ولاحقة، ومن أكبر ما ورد في ذلك وأعظمه، قول رسول الله ﷺ : " حرمة مال المسلم كحرمة دمه ". وليكن الناس في الحق سواء لا محاباة ولا مفاضلة، ولا مجاوزة في تغليب قوي على ضعيف ولا محاولة، إن هذه أمتكم أمّة واحدة، وإن دلائل الشرع بمراد الله لشاهدة، ولا يؤخذن أحد بجريرة أحد، ولا يجني ولد على والد ولا والد على ولد، فكتاب الله تعالى أولى بالاتباع وأحرى، لقول الله " ولا تزر وازرة وزر أخرى " (الأنعام: ١٦٤) (٢) اللهم إلاّ من آوى محدثاً فإنه مأخوذ بما أجرم، ومعلون على لسان رسول الله ﷺ . فارفعوا - أعاننا الله تعالى وإياكم - للعدل بكل علم مناراً، واتخذوا الرفق بالإمامة شعاراً، فقد قال: قال رسول الله ﷺ " إن الرفق لا يكون

стр. 4098

في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلاّ شانه " وقد نصّ الكتاب والسنّة على مواضع اللين والاشتداد، ونبها على منازع المقاربة والسّداد، فلا غضب لأمر إلاّ بما غضب له الله ، ولا رضىً به إلا إذا استقر فيه رضى الله تعالى وحل، قال رسول الله ﷺ " الذي يجلد فوق ما أمر الله تعالى به يقول له الله : عبدي، لم جلدت فوق ما أمرتك به فيقول: رب غضبت لغضبك، فيقول: أكان ينبغي لغضبك أن يكون أشد من غضبي ثم يؤتى بالمقصر فيقول: عبدي، لم قصرت عمّا أمرتك به فيقول: ربّ رحمتهن فيقول: أكان ينبغي لرحمتك أن تكون أوسع من رحمتي " قال: فيأمر فيهما بشيء قد ذكره لم يحفظه الراوي، إلا أنّه قال: صيروهما إلى النّار، أعاذنا الله تعالى منها بفضله ورحمته! فليوقف بالقضايا حيث وقف بها الشرع، ويحفظ الأصل من هذه الوصايا والفرع، واحتاطوا في الرعية فإنّه رأس المال، والأمانة التي لا ينبغي أن يكون فيها شيء من الإهمال، ومع توفيقكم لما سطرناه، في هذا الكتاب وشرحناه، من أبواب الخير المسعد في المآب والمآل، فاستوفوا ضروب الصالحات واستقصوها، واعملوا أعمال البر وخصوها، واذكروا آلاء الله وقصوها، " وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها " إبراهيم: ٣٤ واشتدوا في تغيير المنكرات كلّها، واحسموا أدواءها من أصلها، ورغّبوا الناس في الطاعات واندبوهم إليها، ووضحوا لهم أعمالهم وحرّضوهم عليها، وانتهوا في كل سعي ناجح، ورأي راجح، إلى أفضل ما ينتهي إليه المنتصحون، " ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " آل عمران: ١٠٤. وخذوا بعمارة مساجد الله التي هي بيوت الأتقياء، ومحلّ مناجاة ذي العظمة والكبرياء، إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين. ومروهم بأن يعلّموا أولادهم كتاب الله تعالى فإن تعليمه للصغار يطفىء غضب

стр. 4099

الرّب، ونعم الشفيع يوم القيامة، والمتوسل فيما يتوج القارىء وأباه تاج الكرامة، وأرشدوا للخير ما استطعتم، واتبعوا سبيله فهو أشرف ما اتبعتم، والله ولي التوفيق والإرشاد، والملجىء بالهداية إلى طريق الفوز والسداد. وهذه أوامرنا إليكم امتثلنا أمر الله تعالى فامتثلوها، وأحضروها في خواطركم مع كل لحظة ومثلوها، وإنّا لما يكون منكم فيها لمستمعون، ولآثاركم فيما يوفيها لمتطلعون، وقد خرجنا لكم عن عهدة لزمتنا في التذكير، ونهجنا لكم منها التقديم والتأخير، والله تعالى يعلم أنّا إنّما قصدنا ما نرجو الخلاص به يوم الحساب، وأردنا رضاه فيما أوردناه من هذا الحظر والإيجاب، لنرعى حقّه سبحانه فيمن استرعانا، ونسعى في صلاح الأمّة عسى الله تعالى أن ينجح فيه مسعانا. اللهم عبدك يضرع إليك، ويخضع بين يديك، في أن تلهمه إلى ما يجمل قصداً ومعتمداً، وتهب له من لدنك رحمة وتهيىء له من أمره رشداً، اللهم منك المعونة على ما وليت، ولك الشكر على ما أوليت، فالمهديّ من هديت، والخير كلّه فيما قضيت. اللهم من أعاننا على مرضاتك فكن له معيناً، وأورده من توفيقك عذباً معيناً، إنّك الولي النصير، العلي الكبير. وإذا وصلكم كتابنا هذا فقصّوه (١) على الناس مفصلاً ومجملاً، وأظهروا مضمونه لهم قولاً وعملاً، واسلكوا بهم من مراشده سنناً مستجملاً، إن شاء الله تعالى، والله سبحانه يديم علاكم، ويصل إادتكم في كل محمد وإبداكم، ويجزل حظوظكم من السعادة وأنصباكم، بمنّه وكرمه لا ربّ سواه. والسّلام الأكرم الأزكى يخصّكم، ورحمة الله تعالى وبركاته. وكتب في الرابع والعشرين لجمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ انتهى.

стр. 4100

[ترجمة ابن الجنان] وهذا ابن الجنان (١) له الباع المديد في النظم والنثر، ومن شعره رحمه الله تعالى في مرضه الذي توفي فيه، وهو آخر كلامه: جهل الطبيب شكايتي، وشكايتي ... أنّ الطبيب هو الذي هو ممرضي فإن ارتضى برئي تدارك فضله ... وإن ارتضى سقمي رضيت بما رضي ما لي اعتراض في الذي يقضي به ... لكن لرحمته جعلت تعرضي ومن نظمه رحمه الله تعالى ملغزاً في بطيخة: وحبلى بأبناء لها قد تمخّضوا ... بأحشائها من بعد ما ولدوها كسوها غداة الطلق برداً معصفراً ... على يقق أزرارها عقدوها ولمّا رأوها قد تكامل حسنها ... وأبدر منها طالع حسدوها فقدّوا قميص البدر بالبرق واجتلوا ... أهلّتها من بعد ما فقدوها ولو أنصفوا ما أنصفوا بدر تمّها ... ولا أعدموا الحسناء إذ وجدوها وقال أيضاً ملغزاً في الميل، وهو المرود: مسترخص السوم غال ... عال له أيّ حظوه ما جاوز الشبر قدراً ... لكنّه ألف خطوه وهذا استخدام ما به باس، لأنّه اكتسى من الحسن خير لباس، وكم لهذا
следующие страницы →