مسرّة صاحبه، فجبره، ودفعه إلى صاحبه، فقال: والله لأحدثنّ في مشارق الأرض ومغاربها أن ابن أبي عامر يحكم على الطيور وينصف منها، والتفت ابن أبي عامر إلى الزبال فقال له: لو أتيت به أغنيناك، لكن تخرج كفافاً لا عقاباً ولا ثواباً.
وتوفّي ﵀ في غزاته للإفرنج بصفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وحمل في سريره على أعناق الرجال، وعسكره يحفّ به وبين يديه، إلى أن وصل إلى مدينة سالم.
ودامت دولته ستّاً وعشرين سنة، غزا فيها اثنتين وخمسين غزوة واحدة في الشتاء وأخرى في الصيف، انتهى كلام ابن سعيد، وفي بعضه مخالفة لبعض كلام ابن خلدون.
[الحاجب المصحفي عن المطمح]
وقال الفتح في " المطمح " في حق المصحفيّ الحاجب جعفر بن عثمان المصحفيّ، ما صورته (١) : تجرّد للعليا، وتمرّد في طلب الدنيا، حتى بلغ المنى، وتسوّغ ذلك الجنى، ووصل إلى المنتهى، وحصل على ما اشتهى، دون مجد تفرّع من دوحته، ولا فخر نشأ بين مغداه وروحته، فسما دون سابقة، ورمى إلى رتبة لم تكن لنفسه (٢) مطابقة، فبلغ بنفسه، ونزع عن جنسه، ولم يزل يستقل ويضطلع (٣) ، وينتقل من مطلع إلى مطلع، حتى التاح في أفق الخلافة، وارتاح إليها بعطفه (٤) كنشوان السّلافة، واستوزره المستنصر، وعنه كان يسمع وبه يبصر، وحجب الإمام، وأسكب برأيه ذلك الغمام، فأدرك لذلك
стр. 422
ما أدرك، ونصب لأمانيه الحبائل والشّرك، فاقتنى اقتناء؟؟؟؟ مدّخر، وأزرى بمن سواه وسخر، واستعطفه ابن أبي عامر ونجمه غائر لم يلح، وسرّه مكتوم لم يبح، فما عطف، ولا جنى من روضة دنياه ولا قطف، وأقام في تدبير الأندلس ما أقام وبرهانه مستقيم، ومن الفتن عقيم، وهو يجري من السعد في ميدان رحب، ويكرع من العزّ في مشرب عذب، ويفضّ ختام السرور، وينهض بملكٍ على لبّته مزرور، وكان له أدبٌ بارع، وخاطر إلى نظم القريض (١) مسارع، فمن محاسنه التي بعثها إيناس دهره وإسعاده، وقاله حين ألهته سلماه وسعاده، قوله:
لعينيك في قلبي عليّ عيون (٢) ... وبين ضلوعي للشّجون فنون
نصيبي من الدنيا هواك، وإنّه ... غذائي، ولكنّي عليه ضنين وستأتي هذه الترجمة من المطمح الصغير إن شاء الله تعالى بما فيه بعض زيادة ونقصان في الباب الرابع.
[؟؟ ترجمة ابن أبي عامر في المطمح]
وقال في المطمح في حقّ ابن أبي عامر (٣) : إنّه تمرّس ببلاد الشّرك أعظم تمرّس، ومحا من طواغيتها كلّ تعجرف وتغطرس، وغادرهم صرعى البقاع، وتركهم أذلّ من وتدٍ بقاع، ووالى على بلادهم الوقائع، وسدّد إلى أكبادهم سهام الفجائع، وأعضّ بالحمام أرواحهم، ونغّص بتلك الآلام بكورهم ورواحهم، ومن أوضح الأمور هنالك، وأفصح الأخبار في ذلك، أن أحد رسله كان كثير الانتياب، لذلك الجناب، فسار في بعض مسيراته إلى غرسية
стр. 423
صاحب البشكنس فوالى في إكرامه، وتناهى في برّه واحترامه، فطالت مدّته فلا متنزّه إلا مرّ عليه متفرّجاً، ولا منزل إلاّ سار عليه معرّجاً، فحلّ في ذلك، أكثر الكنائس هنالك، فبينا هو يجول في ساحتها، ويجيل العين في مساحتها، إذ عرضت له امرأة قديمة الأسر، قويمة على طول الكسر، فكلمته، وعرّفته بنفسها وأعلمته، وقالت له: أيرضى المنصور أن ينسى بتنعمه بوسها، ويتمتّع بلبوس العافية وقد نضت لبوسها، وزعمت أن لها عدة سنين بتلك الكنيسة محبسة، وبكل ذل وصغار ملبسة، وناشدته الله في إنهاء قصتها، وإبراء غصّتها، واستحلفته بأغلظ الأيمان، وأخذت عليه في ذلك أوكد مواثيق الرحمن، فلمّا وصل إلى المنصور عرّفه بما يجب تعريفه به وإعلامه، وهو مصغٍ إليه حتى تم كلامه، فلمّا فرغ قال له المنصور: هل وقفت هناك على أمر أنكرته، أم لم تقف على غير ما ذكرته؟ فأعلمه بقصّة المرأة وما خرجت عنه إليه، وبالمواثيق التي أخذت عليه، فعتبه ولامه، على أن لم يبدأ بها كلامه، ثم أخذ للجهاد من فوره، وعرض من من الأجناد في نجده وغوره، وأصبح غازياً على سرجه، مباهياً مروان يوم مرجه، حتى وافى ابن شانجة في جمعه، فأخذت مهابته ببصره وسمعه، فبادر بالكتاب إليه يتعرف ما الجليّة، ويحلف له بأعظم أليّة، أنّه ما جنى ذنباً، ولا جفا عن مضجع الطاعة جنباً، فعنف أرساله وقال لهم: كان قد عاقدني أن لا يبقى ببلاده مأسورةٌ ولا مأسور، ولو حملته في حواصلها النّسور، وقد بلغني بعد بقاء فلانة المسلمة في تلك الكنيسة، ووالله لا أنتهي عن أرضه حتى أكتسحها، فأرسل إليه المرأة في اثنتين معها، وأقسم أنّه ما أبصرهن ولا سمع بهنّ وأعلمه أن الكنيسة التي أشار بعلمها، قد بالغ في هدمها، تحقيقاً لقوله، وتضرع إليه في الأخذ في بطوله، فاستحيا منه، وصرف الجيش عنه، وأوصل المرأة إلى نفسه، وألحف توحّشها بأنسه، وغيّر من حالها، وعاد بسواكب نعماه على جدبها وإمحالها، وحملها إلى قومها، وكحلها بما كان شرد من نومها، انتهى.
стр. 424
وقال في المطمح أيضاً في حقه ما نصه (١) : فرد نابه على من تقدمه، وصرّفه واستخدمه، فإنّه كان أمضاهم سناناً، وأذكاهم جناناً، وأتمهم جلالاً، وأعظمهم استقلالاً، فآل أمره إلى ما آل، وأوهم العقول بذلك المآل، فإنّه كان آية الله في اتفاق سعده، وقربه من الملك بعد بعده، بهر برفعة القدر، واستظهر بالأناة وسعة الصّدر، وتحرك فلاح نجم الهدوّ، وتملّك فما خفق بأرضه لواء عدوّ، بعد خمول كابد منه غصصاً وشرقاً، وتعذر مأمول طارد فيه سهراً وأرقاً، حتى أنجز له الموعود، وفرّ نحسه أمام تلك السعود، فقام بتدبير الخلافة، وأقعد من كان له فيها إنافة، وساس الأمور أحسن سياسة، وداس الخطوب بأخشن دياسة، فانتظمت له الممالك، واتضحت به المسالك، وانتشر الأمن في كل طريق، واستشعر اليمن كلّ فريق، وملك الأندلس بضعاً وعشرين حجّة، لم تدحض لسعادتها حجّة، ولم تزخر لمكروه بها لجّة، لبست فيه البهاء والإشراق، وتنفست عن مثل أنفاس العراق، وكانت أيامه أحمد أيام، وسهام بأسه أسدّ سهام، غزا الروم شاتياً وصائفاً، ومضى فيما يروم زاجراً وعائفاً، فما مرّ له غير سنيح، ولا فاز إلا بالمعلّى لا بالمنيح، فأوغل في تلك الشعاب، وتغلغل حتى راع ليث الغاب، ومشى تحت ألويته صيد القبائل، واستجرّت في ظلّها بيض الظّبا وسمر الذوابل، وهو يقتضي الأرواح بغير سوم، وينتضي الصفاح على كل روم، ويتلف من لا ينساق للخلافة وينقاد، ويخطف منهم كلّ كوكب وقّاد، حتى استبد وانفرد، وأنس إليه من الطاعة ما نفر وشرد، وانتظمت له الأندلس بالعدوة، واجتمعت في ملكه اجتماع قريش بدار النّدوة، ومع هذا لم يخلع اسم الحجابة، ولم يدع السمع لخليفته والإجابة، ظاهرٌ يخالفه الباطن، واسم تنافره مواقع الحكم والمواطن، وأذل قبائل الأندلس بإجازة البرابر، وأخمل بهم أولئك الأعلام
стр. 425
الأكابر، فإنّه قاومهم بأضدادهم، واستكثر من أعدادهم، حتى تغلبوا على الجمهور، وسلبوا عنهم الظهور، ووثبوا عليهم الوثوب المشهور، الذي أعاد أكثر الأندلس قفراً يباباً، وملأها وحشاً وذئاباً، وأعراها من الأمان، برهة من الزمان، وعلى هذه الهيئة فهو وابنه المظفّر كانا آخر سعد الأندلس، وحدّ السرور بها والتأنّس، وغزواته فيها شائعة الأثر، رائعة كالسيف ذي الأثر، وحسبه وافر، ونسبه معافر، ولذا قال يفتخر رميت بنفسي ... الأبيات وزاد هنا بعد قوله " أبيض باتر " بيتاً، وهو:
وإنّي لزجّاء الجيوش إلى الوغى ... أسودٌ تلاقيها أسودٌ خوادر وكانت أمّه تميمية، فحاز الشرف بطرفيه، والتحف بمطرفيه، ولذا قال القسطلي فيه (١) :
تلاقت عليه من تميم ويعرب ... شموسٌ تلالا في العلا وبدور
من الحميريّين الذين أكفّهم ... سحائب تهمي بالنّدى وبحور وتصرّف قبل ولايته في شتى الولايات، وجاء من التحدّث بمنتهى أمره بآيات، حتى صح زجره، وجاء بصبحه فجره، تؤثر عنه في ذلك أخبار، فيها عجب واعتبار، وكان أديباً محسناً، وعالماً متفنّناً، فمن ذلك قوله يمنّي نفسه بملك مصر والحجاز، ويستدعي صدور تلك الأعجاز (٢) :
منع العين أن تذوق المناما ... حبّها أن ترى الصّفا والمقاما
لي ديونٌ بالشرق عند أناسٍ ... قد أحلّوا بالمشعرين الحراما
إن قضوها نالوا الأماني، وإلاّ ... جعلوا دونها رقاباً وهاما
стр. 426
عن قريب ترى خيول هشام ... يبلغ النّيل خطوها والشآما انتهى ما نقلته من المطمح.
[؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ أخبار في سيرة المنصور]
وفي المنصور المذكور أيضاً قال بعض مؤرخي المغرب (١) ، مازجاً كلامه ببعض كلام الفتح، بعد ذكر استعانته ببعض الناس على بعض، وذكر قتله لجعفر ابن عليّ، فقال بعده ما صورته: ثم انفرد بنفسه وصار ينادي صروف الدهر هل من مبارز، فلمّا لم يجده حمل الدهر على حكمه، فانقاد له وساعده، فاستقام أمره منفرداً بمملكة لا سلف له فيها، ومن أوضح الدلائل على سعده أنّه لم ينكب قطّ في حرب شهدها، وما توجهت عليه هزيمة، وما انصرف عن موطن إلاّ قاهراً غالباً، على كثرة ما زاول من الحروب ومارس من الأعداء وواجه من الأمم، وإنّها لخاصّة ما أحسب أحداً من الملوك الإسلامية شاركه فيها، ومن أظم ما أعين به مع قوّة سعده وتمكن جده سعة جوده، وكثرة بذله، فقد كان في ذلك أعجوبة الزمان، وأوّل ما اتّكأ على أرائك الملوك وارتفق، وانتشر عليه لواء السعد وخفق، حط صاحبه المصحفيّ، وأثار له كامن حقده الخفيّ، حتى أصاره للهموم لبيساً، وفي غيابات السجن حبيساً، فكتب إليه يستعطفه بقوله (٢) :
هبني أسأت فأين العفو والكرم ... إذ قادني نحوك الإذعان والنّدم
يا خير من مدّت الأيدي إليه أما ... ترثي لشيخ رماه عندك القلم
стр. 427
بالغت في السّخط فاصفح صفح مقتدرٍ ... إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا فما زاده ذلك إلا حنقاً وحقداً، وما أفادته الأبيات إلا تضرماً ووقداً، فراجعه بما أيأسه، وأراه مرمسه، وأطبق عليه محبسه، وضيّق تروّحه من المحنة وتنفّسه:
الآن يا جاهلاً زلّت بك القدم ... تبغي التكرّم لمّا فاتك الكرم
أغريت بي ملكاً لولا تثبّته ... ما جاز لي عنده نطقٌ ولا كلم
فايأس من العيش إذ ق صرت في طبقٍ ... إن الملوك إذا ما استنقموا نقموا
نفسي إذا سخطت ليست براضيةٍ ... ولو تشفّع فيك العرب والعجم وكان من أخباره الداخلة في أبواب البر والقربة بنيان المسجد الجامع، إلى أن قال (١) :
ومن ذلك بناؤه قنطرة على نهر قرطبة الأعظم، ابتدأ بناءها المنصور سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، وفرغ منها في النصف من سنة تسع وسبعين، وانتهت النفقة عليها إلى مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار، فعظمت بها المنفعة، وصارت صدراً في مناقبه الجليلة، وكانت هنالك قطعة أرض لشيخ من العامة، ولم يكن للقنطرة عدولٌ عنها، فأمر المنصور أمناءه بإرضائه فيها، فحضر الشيخ عندهم، فساوموه بالقطعة، وعرّفوه وجه الحاجة إليها وأن المنصور لا يريد إلا إنصافه فيها، فرماهم الشيخ بالغرض الأقصى عنده فيما ظنّه أنّها لا تخرج (٢) عنه بأقل من عشرة دنانير ذهباً كانت عنده أقصى الأمنية، وشرطها صحاحاً، فاغتنم الأمناء غفلته، ونقدوه الثمن، وأشهدوا عليه، ثم أخبروا المنصور بخبره، فضحك من جهالته، وأنف من غبنه، وأمر أن يعطى عشرة أمثال ما سأل،
стр. 428
وتدفع له صحاحاً كما قال، فقبض الشيخ مائة دينار ذهباً، فكاد أن يخرج من عقله، وأن يجنً عند قبضها من الفرح، وجاء محتفلاً في شكر المنصور، وصارت قصّته خبراً سائراً.
ومن ذلك أيضاً بناء قنطرة على نهر إستجّة، وهو نهر شنّيل، وتجشم لها أعظم مؤنة، وسهل الطريق الوعرة والشعاب الصعبة.
ومن ذلك أيضاً أنّه خط بيده مصحفاً كان يحمله معه في أسفاره يدرس فيه، ويتبرك به.
ومن قوّة رجائه أنّه اعتنى بجمع ما علق بوجهه من الغبار في غزواته ومواطن جهاده، فكان الخدم يأخذونه عنه بالمناديل في كل منزل من منازله، حتى اجتمع له منه صرّة ضخمة، عهد بتصييره في حنوطه، وكان يحملها حيث سار مع أكفانه، توقّعاً لحلول منيّته، وقد كان اتخذ الأكفان من أطيب مكسبه من الضيعة الموروثة عن أبيه وغزل بناته، وكان يسأل الله تعالى أن يتوفّاه في طريق الجهاد، فكان كذلك.
وكان متّسماً بصحة باطنه، واعترافه بذنبه، وخوفه من ربّه، وكثرة جهاده، وإذا ذكّر بالله ذكر، وإذا خوّف من عقاره ازدجر، ولم يزل متنزهاً عن كل ما يفتتن به الملوك سوى الخمر، لكنّه أقلع عنها قبل موته بسنتين (١) ، وكان عد له في الخاصة والعامة وبسط الحق على الأقرب فالأقرب من خاصّته وحاشيته أمراً مضروباً به المثل.
ومن عدله أنّه وقف عله رجل من العامة بمجلسه، فنادى: يا ناصر الحق، إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك، وأشار إلى الفتى صاحب الدرقة، وكان له فضل محلّ عنده، ثمّ قال: وقد دعوته إلى الحكم فلم يأت، فقال له المنصور: أو عبد الرحمن بن فطيس بهذا العجز والمهانة، وكنّا
стр. 429
نظنّه أمضى من ذلك؟ اذكر مظلمتك يا هذا، فذكر الرجل معاملة كانت جارية بينهما فقطعها من غير نصفٍ، فقال المنصور: ما أعظم بليّتنا بهذه الحاشية؛ ثم نظر إلى الصّقلبي وقد ذهل عقله، فقال له: ادفع الدرقة إلى فلان، وانزل صاغراً وساو خصمك في مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك، ففعل، ومثل بين يديه، ثم قال لصاحب شرطته الخاص به: خذ بيد هذا الفاسق الظالم وقدّمه مع خصمه إلى صاحب المظالم لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من سجنٍ أو غيره، ففعل ذلك، وعاد الرجل إليه شاكراً، فقال له المنصور: قد انتصفت أنت، اذهب لسبيلك، وبقي انتصافي أنا ممّن تهاون بمنزلتي، فتناول الصّقلبي بأنواع من المذّلة، وأبعده عن الخدمة.
ومن ذلك (١) قصّة فتاه الكبير المعروف بالبورقي (٢) مع التاجر المغربي، فإنهما تنازعا في خصومة توجّهت فيها اليمين على الفتى المذكور، وهو يومئذ أكبر خدم المنصور، وإليه أمر داره وحرمه، فدافع الحاكم، وظن أن جاهه يمنع من إحلافه، فصرخ التاجر بالمنصور في طريقه إلى الجامع متظلماً من الفتى، فوكل به في الوقت من حمله إلى الحاكم، فأنصفه منه، وسخط عليه المنصور، وقبض نعمته منه ونفاه.
ومن ذلك (٣) قصة محمد فصّاد المنصور وخادمه وأمينه على نفسه، فإن المنصور احتاجه يوماً إلى الفصد، وكان كثير التعهد له، فأنفذ رسوله إلى محمّد، فألفاه الرسول محبوساً في سجن القاضي محمد بن زرب (٤) لحيف ظهر منه على امرأته قد أن سبيله من الخدمة يحميه من العقوبة، فلمّا عاد الرسول إلى المنصور بقصّته أمر بإخراجه من السجن مع رقيب من رقباء السجن يلزمه إلى أن يفرغ
стр. 430
من عمله عنده، ثم يرده إلى محبسه، ففعل ذلك على ما رسمه، وذهب الفاصد إلى شكوى ما ناله، فقطع عليه المنصور، وقال له: يا محمّد، إنّه القاضي، وهو في عدله، ولو أخذني الحق ما أطقت الامتناع منه، عد إلى محبسك أو اعترف بالحق فهو الذي يطلقك، فانكسر الحاجم، وزالت عنه ريح العناية، وبلغت قصته للقاضي، فصالحه مع زوجته، وزاد القاضي شدةً في أحكامه.
وقال ابن حيّان (١) : إنّه كان جالساً في بعض الليالي، وكانت ليلة شديدة البرد والريح والمطر، فدعا بأحد الفرسان وقال له: انهض الآن إلى فج طليارش وأقم فيه فأول خاطر يخطر عليك سقه إليّ، قال: فنهض الفارس وبقي في الفج في البرد والريح والمطر واقفاً على فرسه، إذ وقف عليه قرب الفجر شيخ هرم على حمار له، ومعه آلة الحطب، فقال له الفارس: إلى أين تريد يا شيخ؟ فقال: وراء حطب، فقال الفارس في نفسه: هذا شيخ مسكين نهض إلى الجبل يسوق حطباً، فما عسى أن يريد المنصور منه؟ قال: فتركته، فسار عني قليلاً، ثم فكرت في قول المنصور، وخفت سطوته، فنهضت إلى الشيخ وقلت له: ارجع إلى مولانا المنصور، فقال له: وما عسى أن يريد المنصور من شيخ مثلي؟ سألتك بالله أن تتركني لطلب معيشتي، فقال له الفارس: لا أفعل، ثمّ قدم به على المنصور، ومثله بين يديه وهو جالس لم ينم ليلته تلك، فقال المنصور للصقالبة: فتّشوه، ففتّشوه فلم يجدوا معه شيئاً، فقال: فتّشوا برذعة حماره، فوجدوا داخلها كتاباً من نصارى كانوا قد نزعوا إلى المنصور يخدمون عنده إلى أصحابهم من النصارى ليقبلوا ويضربوا في إحدى النّواحي الموطومة (٢) ، فلمّا انبلج الصبح أمر بإخراج أولئك النصارى إلى باب الزاهرة، فضربت أعناقهم، وضربت رقبة الشيخ معهم.
стр. 431
ثم ذكر هذا المؤرخ (١) قصة الجوهري التي قدمنا نقلها من مغرب ابن سعيد، ولكنّا رأينا إعادتها بلفظ هذا المؤرخ، لأنّه أتمّ مساقاً إذ قال عطفاً على دهائه: ومن ذلك قصة الجوهري التاجر، وذلك أن رجلاً جوهريّاً من تجّار المشرق قصد المنصور من مدينة عدن بجوهر كثير وأحجار نفيسة، فأخذ المنصور من ذلك ما استحسنه، ودفع إلى التاجر الجوهريّ صرّته، وكانت قطعة يمانيّة، فأخذ التاجر في انصرافه طريق الرملة على شطّ النهر، فلمّا توسّطها واليوم قائظ وعرقه منصبٌّ دعته نفسه إلى التبرّد في النهر، فوضع ثيابه وتلك الصّرّة على الشط، فمرّت حدأة فاختطفت الصّرّة (٢) تحسبها لحماً، وصاعدت في الأفق بها ذاهبة، فقطعت الأفق الذي تنظر إليه عين التاجر، فقامت قيامته، وعلم أنّه لا يقدر أن يستدفع ذلك بحيلة، فأسرّ الحزن في نفسه، ولحقه لأجل ذلك علّة اضطرب فيها، وحضر الدفع إلى التجّار فحضر الرجل لذلك بنفسه، فاستبان للمنصور ما بالرجل (٣) من المهانة والكآبة، وفقد ما كان عنده من النشاط وشدة العارضة، فسأله المنصور عن شأنه، فأعلمه بقصّته، فقال له: هلاّ أتيت إلينا بحدثان وقوع الأمر فكنّا نستظهر على الحيلة، فهل هديت إلى الناحية التي أخذ الطائر إليها؟ قال: مرّ مشرقاً على سمت هذا الجبل الذي يلي قصرك، يعني الرملة، فدعا المنصور شرطيّه الخاص به، فقال له: جئني بمشيخة أهل الرملة الساعة، فمضى وجاء بهم سريعاً، فأمرهم بالبحث عمّن غيّر حال الإقلال منهم سريعاً، وانتقل عن الإضاقة دون تدريج، فتناظروا في ذلك ثمّ قالوا: يا مولانا ما نعلم إلا رجلاً من ضعفائنا كان يعمل هو وأولاده بأيديهم ويتناولون السّبق بأقدمهم عجزاً عن شراء دابة، فابتاع اليوم دابة، واكتسى هو وولده كسوة متوسّطة، فأمر بإحضاره من الغد، وأمر التاجر
стр. 432
بالغدوّ إلى الباب، فحضر الرجل بعينه بين يدي المنصور، فاستدناه والتاجر حاضر، وقال له: سبب ضاع منّا وسقط إليك، ما فعلت به؟ قال: هوذا يا مولاي، وضرب بيده إلى حجرة سراويله فأخرج الصّرة بعينها، فصاح التاجر طرباً، وكاد يطير فرحاً، فقال له المنصور: صف لي حديثها، فقال بينا أنا أعمل في جناني تحت نخلة إذ سقطت أمامي، فأخذتها وراقني منظرها، فقلت: إن الطائر اختلسها من قصرك لقرب الجوار، فاحترزت بها، ودعتني فاقتي إلى أخذ عشرة مثاقيل عيوناً كانت معها مصرورة، وقلت: أقلّ ما يكون في كرم مولاي أن يسمح لي بها، فأعجب المنصور ما كان منه، وقال للتاجر: خذ صرّتك وانظرها واصدقني عن عددها، ففعل وقال: وحقّ رأسك يا مولاي ما ضاع منها شيء سوى الدنانير التي ذكرها وقد وهبتها له، فقال المنصور: نحن أولى بذلك منك ولا ننغص (١) عليك فرحك، ولولا جمعه بين الإصرار والإقرار لكان ثوابه موفوراً عليه، ثم أمر للتاجر بعشرة دنانير عوضاً من دنانيره، ولجنّان بعشرة دنانير ثواباً لتأنيه عن فساد ما وقع بيده، وقال: لو بدأنا بالاعتراف قبل البحث لأوسعناه جزاء، قال: فأخذ التاجر في الثناء على المنصور، وقد عاوده نشاطه وقال: والله لأبثنّ في الأقطار عظيم ملكك، ولأنبئنّ (٢) أنّك تملك طير أعمالك كما تملك إنسها، فلا تعتصم منك ولا تمتنع، ولا تؤذي جارك، فضحك المنصور وقال: اقصد في قولك يغفر الله لك، فعجب الناس من تلطّف المنصور في أمره وحيلته في تفريج كربته.
ثم حكى هذا المؤرخ (٣) غزوة المنصور لمدينة شنت ياقب قاصية غليسية، وأعظم مشاهد النصارى الكائنة ببلاد الأندلس، وما يتصل بها من الأرض الكبيرة، وكانت
стр. 433
كنيستها عندهم بمنزلة الكعبة عندنا، وللكعبة المثل الأعلى، فبها يحلفون، وإليها يحجّون من أقصى بلاد رومة وما وراءها، ويزعمون أن القبر المزور فيها قبر ياقب الحواري أحد الاثني عشر، وكان أخصّهم بعيسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهم يسمّونه أخاه للزومه إيّاه، وياقب بلسانهم يعقوب، وكان أسقفاً ببيت المقدس فجعل يستقري الأرضين داعياً لمن فيها حتى انتهى إلى هذه القاصية، ثم عاد إلى أرض الشام فمات بها وله مائة وعشرون سنة شمسية، فاحتمل أصحابه رمّته فدفنوها بهذه الكنيسة التي كانت أقصى أثره، ولم يطمع أحد من ملوك الإسلام في قصدها ولا الوصول إليها، لصعوبة مدخلها، وخشونة مكانها، وبعد شقّتها، فخرج المنصور إليها من قرطبة غازياً بالصائفة يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وهي غزوته الثامنة والأربعون، ودخل على مدينة قورية، فلمّا وصل إلى مدينة غليسية وافاه عددٌ عظيم من القوامس المتمسكين بالطاعة في رجالهم، وعلى أتم احتفالهم، فصاروا في عسكر المسلمين، وركبوا في المغاورة سبيلهم، وكان المنصور تقدّم في إنشاء أسطول كبير في الموضع المعروف بقصر أبي دانس (١) من ساحل غرب الأندلس، وجهزه برجاله البحريين وصنوف المترجلين، وحمل الأقوات والأطعمة والعدد والأسلحة استظهاراً على نفوذ العزيمة إلى أن خرج بموضع برتقال على نهر دويره (٢) ، فدخل في النهر إلى المكان الذي عمل المنصور على العبور منه، فعقد هنالك من هذا الأسطول جسراً بقرب الحصن الذي هنالك، ووجّه (٣) المنصور ما كان فيه من الميرة إلى الجند، فتوسّعوا في التزود منه إلى أرض العدو، ثم نهض منه يريد شنت ياقب، فقطع أرضين متباعدة الأقطار،
стр. 434
وقطع بالعبور عدة أنهار كبار وخلجان يمدها البحر الأخضر، ثم أفضى العسكر بعد ذلك إلى بسائط جليلة من بلاد فرطارش (١) وما يتصل بها، ثم أفضى إلى جبل شامخ شديد الوعر لا مسلك فيه ولا طريق، لم يهتد الأدلاّء إلى سواه، فقدّم المنصور الفعة بالحديد لتوسعة شعابه وتسهيل مسالكه، فقطعه العسكر، وعبروا بعده وادي منيه (٢) ، وانبسط المسلمون بعد ذلك في بسائط عريضة وأرضين أريضة، وانتهت مغيرتهم إلى دير قسطان (٣) وبسط بلنبو (٤) على البحر المحيط، وفتحوا حصن شنت بلاية (٥) ، وغنموه، وعبروا سباحةً إلى جزيرة من البحر المحيط لجأ إليها خلق عظيم من أهل تلك النواحي، فسبوا من فيها ممّن لجأ إليها، وانتهى العسكر إلى جبل مراسية (٦) المتصل من أكثر جهاته بالبحر المحيط، فتخلّلوا أقطاره، واستخرجوا من كان فيه، وحازوا غنائمه، ثمّ أجاز المسلمون بعد هذا خليجاً في معبرين ارشد الأدلاّء إليهما، ثمّ نهر أيلة (٧) ، ثم أفضوا إلى بسائط واسعة العمارة كثيرة الفائدة (٨) ، ثمّ انتهوا إلى موضع من مشاهد صاحب القبر تلو مشهد قبره عند النصارى في الفضل، يقصده نسّاكهم له من أقاصي بلادهم ومن بلاد القبط والنوبة وغيرهما، فغادره الملمون قالعاً، وكان النزول بعده على مدينة شنت ياقب البائسة، وذلك يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان، فوجدها المسلمون خالية من أهلها، فحاز المسلمون غنائمها، وهدموا مصانعها وأسوارها وكنيستها، وغفّوا آثارها، ووكل المنصور بقبر ياقب من يحفظه ويدفع الأذى عنه، وكانت مصانعها بديعة محكمة فغودرت هشيماً
стр. 435
كأن لم تغن بالأمس، وانتسفت بعوثه بعد ذلك سائر البسائط، وانتهت الجيوش إلى جزيرة شنت مانكش منقطع هذا الصقع على البحر المحيط، وهي غاية لم يبلغها قبلهم مسلم، ولا وطئها لغير أهلها قدم، فلم يكن بعدها للخيل مجال، ولا وراءها انتقال، وانكفأ المنصور عن باب شنت ياقب وقد بلغ غاية لم يبلغها مسلم قبله، فجعل في طريقه القصد على عمل برمند بن أردون ليستقريه عائثاً ومفسداً، حتى وقع فيعمل القوامس المعاهدين الذين في عسكره، فأمر بالكف عنها، ومرّ مجتازاً حتى خرج إلى حصن بليقية (١) من افتتاحه، فأجاز هنالك القوامس بجملتهم على أقدارهم، وكساهم وكسا رجالهم وصرفهم إلى بلادهم، وكتب بالفتح من بليقية، وكان مبلغ ما كساه في غزاته هذه لملوك الروم ولم حسن غناؤه من المسلمين ألفين ومائتين وخمساً وثماني شقّة من صنوف الخز الطّرازي، وأحداً وعشرين كساء من صوف البحر، وكساءين
عنبريين، وأحد عشر سقلاطوناً، وخمس عشرة مريشاً، وسبعة أنماط ديباج، وثوبي دبياج رومي، وفروي فنك، ووافى جميع العسكر قرطبة غانماً، وعظمت النعمة والمنّة على المسلمين، ولم يجد المنصور بشنت ياقب إلاّ شيخاً من الرهبان جالساً على القبر، فسأله عن مقامه، فقال: أونس يعقوب، فأمر بالكف عنه. ين، وأحد عشر سقلاطوناً، وخمس عشرة مريشاً، وسبعة أنماط ديباج، وثوبي دبياج رومي، وفروي فنك، ووافى جميع العسكر قرطبة غانماً، وعظمت النعمة والمنّة على المسلمين، ولم يجد المنصور بشنت ياقب إلاّ شيخاً من الرهبان جالساً على القبر، فسأله عن مقامه، فقال: أونس يعقوب، فأمر بالكف عنه.
قال (٢) : وحدّث شعلة قال: قلت للمنصور ليلة طال سهره فيها: قد أفرط مولانا في السهر، وبدنه يحتاج إلى أكثر من هذا النوم، وهو أعلم بما يحرّكه عدم النوم من علّة العصب، فقال: يا شعلة، الملك لا ينام إذا نامت الرعيّة، لو استوفيت نومي لما كان في دور هذا البلد العظيم عين نائمة؛ انتهى ما نقلته من الكتاب المذكور.
стр. 436
[؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ أخبار المنصور من كتاب الأزهار المنثورة]
وقد رأيت أن أذكر هنا أخباراً، نقلتها من كتاب " الأزهار المنثورة، في الأخبار المأثورة " (١) .
قال في الزهرة التاسعة والعشرين: تقدم إلى المنصور وانزمار بن أبي بكر الرزالي أحد جند المغاربة، وقد جلس للعرض والتمييز، والميدان غاصٌّ بالناس، فقال له بكلام بضحك الثكلى: يا مولاي، ما لي ولك، أسكنّي فإنّي في الفحص، فقال: وما ذاك يا وانزمار؟ وأين دارك الواسعة الأقطار؟ فقال: أخرجتني عنها والله نعمتك، أعطيتني من الضياع ما انصبّ عليّ منها من الأطعمة ما ملأ بيوتي وأخرجني عنها، وأنا بربري مجّوع حديث عهد بالبؤس، أتراني أبعد القمح عني؟ ليس ذلك من رأيي. فتطلّق المنصور وقال: لله درك من فذّ عييّ، لعيّك في شكر النعمة أبغ عندنا، وآخذ بقلوبنا من كلام كل أشدق متزيد وبليغ متفنن؛ وأقبل المنصور على من حوله من أهل الأندلس فقال: يا أصحابنا، هكذا فلتشكر الأيادي وتستدام النعم (٢) ، لا ما أنتم عليه من الجحد اللازم، والتشكي المبرّح؛ وأمر له بأفضل المنازل الخالية.
وفي الموفية ثلاثين ما نصّه: أصبح المنصور صبيحة أحدٍ، وكان يوم راحة الخدمة الذي أعفوا فيه من قصد الخدمة، وفي مطر وابل غبّ أيام مثله، فقال: هذا يوم لا عهد بمثله، ولا حيلة للمواظبين لقصدنا في مكابدته، فليت شعري هل شذ أحد منهم عن التقدير فأغرب في البكور؟ اخرج وتأمل، يقوله لحاجبه، فخرج وعاد إليه ضاحكاً، وقال: يا مولاي، على الباب ثلاثة من البرابرة: أبو الناس ابن صالح واثنان معه، وهم بحل من البلل إنّما توصف بالمشاهدة، فقال: أوصلهم إلي وعجل، فدخلوا عليه في حال الملاّح بللاً
стр. 437
ونداوة، فضحك إليهم وأدنى مجلسهم، وقال: خبروني كيف جئتم؟ وعلى أيّ حال وصلتم؟ وقد استكان كل ذي روح في كنّه، ولاذ كلّ طائرٍ بوكره، فقال له أبو الناس بكلامه: يا مولانا، ليس كل التّجار قعد عن سوقه، وإذا عذر التجار على طلب الربح بالفلوس فنحن أعذر بإدراكها بالدر ومن غير رؤوس الأموال، وهم يتناوبون الأسواق على أقدامهم ويذيلون في قصدها ثيابهم، ونحن نأتيك على خيلك، ونذيل على صهواتها ملابسك، ونجعل الفضل في قصدك مضموناً إذا جعله أولئك طمعاً ورجاء، فترى لنا أن نجلس عن سوقنا هذا؟ فضحك المنصور ودعا بالكسا والصّلات، فدفعت لهم، وانصرفوا مسرورين بغدوتهم.
وفي الزهرة الرابعة والأربعين ما نصّه: كان بقرطبة على عهد الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر فتى من أهل الأدب قد رقّت حاله في الطلب، فتعلّق بكتاب العمل، واختلف إلى الخزانة مدة، حتى قلّد بعض الأعمال، فاستهلك كثيراً من المال، فلمّا ضمّ إلى الحساب أبرز عليه ثلاثة آلاف دينار، فرفع خبره إلى المنصور، فأمر بإحضاره، فلمّا مثل بين يديه ولزمالإقرار بما برز عليه قال له: يا فاسق، ما الذي جرّأك على مال السلطان تنتهبه؟ فقال: قضاء غلب الرأي، وفقر أفسد الأمانة، فقال المنصور: والله لأجعلنّك نكالاً لغيرك، وليحضر كبل وحدّاد، فأحضرا، فكبل الفتى وقال: احملوه إلى السجن، وأمر الضابط بامتحانه والشدّة عليه، فلمّا قام أنشأ يقول:
أوّاه أوّاه وكم ذا أرى ... أكثر من تذكار (١) أوّاه
ما لامرئ حولٌ ولا قوّةٌ ... الحول والقوّة لله فقال المنصور: ردوه، فلمّا ردّ قال: أتمثلت أم قلت؟ قال: بل قلت، فقال: حلّوا عنه كبله، فلمّا حلّ عنه أنشأ يقول:
стр. 438
أما ترى عفو أبي عامرٍ ... لا بدّ أن تتبعه منّه
كذلك الله إذا ما عفا ... عن عبده أدخله الجنّة فأمر بإطلاقه، وسوّغه ذلك المال، وأبرأه من التبعة فيه.
وفي الخامسة والأربعين: عرض على المنصور بن أبي عامر اسم أحد خدمه في جملة من طال سجنه، وكان شديد الحقد عليه، فوقّع على اسمه بأن لا سبيل إلى إطلاقه حتى يلحق بأمّه الهاوية، وعرّف الرجل بتوقيعه، فاغتم (١) وأجهد نفسه في الدعاء والمناجاة، فأرق المنصور إثر ذلك، واستدعى النوم فلم يقدر عليه، وكان يأتيه عند تنويمه آتٍ كريه الشخص عنيف الأخذ يأمره بإطلاق الرجل، ويتوعّده على حبسه، فاستدفع شأنه مراراً إلى أن علم أنّه نذير من ربّه، فانقاد لأمره، ودعا بالدواة في مرقده فكتب بإطلاقه، وقال في كتابه: هذا طليق الله على رغم أنف ابن أبي عامر، وتحدث الناس زماناً بما كان منه.
وفي الثامنة والأربعين (٢) ما نصّه: انتهت هيبة المنصور بن أبي عامر وضبطه للجند واستخدام ذكور الرجال وقوّام الملك إلى غاية لم يصلها ملك قبله، فكانت مواقفهم في الميدان على احتفاله مثلاً في الإطراق، حتى إن الخيل لتتمثّل إطراق فرسانها فلا تكثر الصهيل والحمحمة، ولقد وقعت عينه على بارقة سيف قد سلّه بعض الجند بأقصى الميدان لهزل أو جدّ بحيث ظن أن لحظ المنصور لا يناله، فقال: عليّ بشاهر السيف، فمثل بين يديه لوقته، فقال: ما حملك على أن شهرت سيفك في مكان لا يشهر فيه إلاّ عن إذن؟ فقال: إنّي أشرت به إلى صاحبي مغمداً فزلق من غمده، فقال: إن مثل هذا لا يسوغ بالدعوى، وأمر به فضربت عنقه بسيفه، وطيف برأسه، ونودي عليه بذنبه؛ انتهى.
стр. 439
وحكى غير واحد (١) أن المنصور كان به داء في رجله، واحتاج إلى الكيّ فأمر الذي يكويه بذلك وهو قاعد في موضع مشرف على أهل مملكته، فجعل يأمر وينهى ويفرى الفريّ في أموره، ورجله تكوى والناس لا يشعرون، حتى شمّوا رائحة الجلد واللحم، فتجّبوا من ذلك وهو غير مكترث.
وأخباره - رحمه الله تعالى - تحتمل مجلدات، فلنمسك العنان، على أنّا ذكرنا في الباب الرابع والسادس من هذا الكتاب جملة من أخباره، رحمه الله تعالى، فلتراجع إلى آخره.
[؟؟ عود إلى النقل عن المطمح]
وقال الفتح في المطمح (٢) : وكان ممّا أعين به المنصور على المصحفيّ ميل الوزراء إليه، وإيثارهم له عليه، وسعيهم في ترقيه، وأخذهم بالعصبية فيه، فإنّها وإن لم تكن حميّة أعرابية، فقد كانت سلفية سلطانية، يقتفي القوم فيها سبيل سلفهم، ويمنعون بها ابتذال شرفهم، غادروها سيرة، وخلّفوها عادة أثيرة، تشاحّ الخلف فيها تشاحّ أهل الديانة، وصانوا بها مراتبهم أعظم صيانة، ورأوا أن أحداً لا يلحق فيها غاية، ولا يتعاقد لها راية (٣) ، فلمّا اصطفى الحكم المستنصر بالله جعفر بن عثمان واصطنعه، ووضعه من أثرته حيث وضعه، وهو نزيع بينهم ونابغ (٤) فيهم، حسدوه وذمّوه، وخصّوه بالمطالبة وعمّوه، وكان أسرع صنف الطائفة من أعالي الوزراء وأعاظم الدولة إلى مهاودة المنصور
стр. 440
عليه، والانحراف عنه إليه، آل أبي عبدة وآل شهيد وآل فطيس من الخلفاء وأصحاب الرّدافة (١) ، من أولي الشرف والإنافة (٢) ، وكانوا في الوقت أزمّة الملك وقوّام الخدمة، ومصابيح الأمّة، وأغير الخلق على جاه وحرمة، فأحظوا محمد بن أبي عامر مشايعة، ولبعض أسبابه الجامعة متابعة، وشادوا بناءه، وقادوا إلى عنصره سناءه، حتى بلغ الأمل، والتحف بمناه واكتحل (٣) ، وعند التئام هذه الأمور لاين أبي عامر استكان جعفر بن عثمان للحادثة، وأيقن بالنكبة، وزوال الحال وانتقال الرتبة، وكفّ عن اعتراض محمد وشركته في التدبير، وانقبض الناس من الرواح إليه والتبكير، وانثالوا على ابن أبي عامر، فخف موكبه، وغار من سماء العز كوكبه، وتوالى عليه سعي ابن أبي عامر وطلبه، إلى أن صار يغدو إلى قرطبة ويروح وليس بيده من الحجابة إلا اسمها، وابن أبي عامر مشتمل على رسمها، حتى محاه، وهتك ظلّه (٤) وأضحاه، قال [محمّد] (٥) بن إسماعيل: رأيته يساق إلى مجلس الوزارة للمحاسبة راجلاً فأقبل يدرم، وجوارحه باللواعج تضطرم، وواثقٌ الضّاغط ينهره، والزّمع يقهره، والبهر والسّنّ قد هاضاه (٦) ، وقصّرا خطاه، فسمعته يقول: رفقاً بي فستدرك ما تحبّه وتشتهيه، وترى ما كنت ترتجيه، ويا ليت أن الموت يباع فأغلي (٧) سومه، حتى يرده من أطال عليه حومه، ثم قال (٨) :
لا تأمننّ من الزمان تقلّباً ... إنّ الزمان بأهله يتقلّب
стр. 441
ولقد أراني والليوث تخافني ... فأخافني من بعد ذاك الثعلب
حسب الكريم مذلّةً ومهانةً ... أن لا يزال إلى لئيمٍ يطلب فلمّا بلغ المجلس جلس في آخره دون أن يسلّم على أحد، أو يومئ إليه بعين أو يد، فلمّا أخذ مجلسه تسرّع إليه الوزير محمّد بن حفص بن جار فعنفه واستجفاه (١) ، وأنكر عليه ترك السلام وجفاه، وجعفر معرض عنه، إلى أن كثر القول منه، فقال له: يا هذا، جهلت المرّة فاستجهلت معلّمها (٢) ، وكفرت النّعم (٣) فقصدت بالأذى ولم ترهب مقدّمها، ولو أتيت نكرا، لكان غيرك أدرى، وقد وقعت في أمر ما أظنّك تخلص منه، ولا يسعك السكوت عنه، ونسيت الأيادي الجميلة، والمبرات الجليلة، فلمّا سمع محمّد بن حفص ذلك من قوله قال: هذا البهت بعينه، وأيّ أياديك الغرّ التي مننت بها، وعيّنت أداء واجبها؟ أيد كذا أم يد كذا؟ وعدّد أشياء أنكرها منه أيام إمارته، وتصرف الدهر طوع إشارته، فقال جعفر: هذا ما لا يعرف، والحق الذي لا يردّ ولا يصرف، دفعي (٤) القطع عن يمناك، وتبليغي لك إلى منالك، فأصرّ محمّد بن حفص على الجحد، فقال جعفر: أنشد الله من له علم بما أذكره إلا اعترف به فلا ينكره، وأنا أحوج إلى السكوت، ولا تحجب دعوتي فيه عن الملكوت، فقال الوزير أحمد بن عباس (٥) : قد كان بعض ما ذكرته يا أبا الحسن، وغير هذا أولى بك، وأنت فيما أنت فيه من محنتك وطلبك، فقال: أحرجني الرجل فتكلمت، وأحوجني إلى ما به أعلمت، فأقبل الوزير ابن جهور على محمد بن حفص وقال: أسأت إلى الحاجب، وأوجبت عليه غير
стр. 442
الواجب، أوما علمت أن منكوب السلطان لا يسلّم على أوليائه لأنّه إن فعل ألزمهم الرد لقوله تعالى " وإذا حيّيتم بتحيّةٍ فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها " فإن فعلوا لطاف بهم من إنكار السلطان ما يخشى ويخاف، لأنّه تأنيس لمن أوحش وتأمين لمن أخاف، وإن تركوا الرد أسخطوا الله، فصار الإمساك أحسن، ومثل هذا لا يخفى على أبي الحسن، فانكسر ابن حفص، وخجل ممّا أتى به من النقص.
وبلغه أن قوماً توجّعوا له، وتفجّعوا ممّا وصله، فكتب إليهم:
أحنّ إلى أنفاسكم فأظنّها ... بواعث أنفاس الحياة إلى نفسي
وإنّ زماناً صرت فيه مقيّداً (١) ... لأثقل من رضوى وأضيق من رمس انتهى ما ترجم به المنصور بن أبي عامر.
[؟؟ عبد الملك المظفر الحاجب]
ولنرجع (٢) فنقول: ولمّا توفّي المنصور قام بالأمر بعده ابنه عبد الملك المظفّر أبو مروان فجرى على سنن أبيه في السياسة والغزو، وكانت أيّامه أعياداً دامت مدّة سبع سنين وكانت تسمى بالسابع، تشبيهاً بسابع العروس، ولم يزل مثل اسمه مظفّراً إلى أن مات سنة تسع وتسعين وثلاثمائة في المحرّم، وقيل: سنة ثمان وتسعين.
وكاتبه المعز بن زيري ملك مغراوة بعد أن استرجع فاساً والمغرب إثر موت أبيه، فكتب له العهد على المغرب، وثارت الطوائف في ممالكهم، وتحركت الجلالقة لاسترجاع معاقلهم وحصونهم.
стр. 443
[عبد الرحمن شنجول]
قال ابن خلدون (١) : ثمّ قام بالأمر بعده أخوه عبد الرحمن، وتلقب بالناصر لدين الله، وقيل: بالمأمون، وجرى على سنن أبيه وأخيه في الحجر على الخليفة هشام، والاستبداد عيه والاستقلال بالملك دونه، ثمّ ثاب له رأي في الاستئثار بما بقي من رسوم الخلافة، فطلب من هشام المؤيد أن يوليه عهده، فأجابه، وأحضر لذلك املأ من أرباب الشورى وأهل الحل والعقد، فكان يوماً مشهوداً، فكتب عهده من إنشاء أبي حفص بن برد بما نصّه (٢) : هذا ما عهد به هشامٌ المؤيد بالله أمير المؤمنين إلى الناس عامّة، وعاهد الله عليه من نفسه خاصّة، وأعطى به صفقة يمينه بيعةً تامّةً، بعد أن أمعن النظر وأطال الاستخارة، وأهمّه ما جعل الله إليه من الإمامة، وعصب به من أمر المؤمنين، واتقى حلول القدر بما لا يؤمن، وخاف نزول القضاء بما لا يصرف، وخشي إن هجم محتوم ذلك عليه ونزل مقدوره به ولم يرفع لهذه الأمّة علماً تأوي إليه، وملجأ تنعطف عليه، أن يكون يلقى ربّه ﵎ مفرّطاً ساهياً عن أداء الحق إليها، وتقصّى عند ذلك من إحياء قريش وغيرها من يستحق أن يسند هذا الأمر إليه، ويعوّل في القيام به عليه، ممّن يستوجبه بدينه وأمانته، وهديه وصيانته، بعد اطّراح الهوى، والحرّي للحق، والتزلف (٣) إلى الله ﷻ بما يرضيه، وبعد أن قطع الأواصر، وأسخط الأقارب، فلم يجد أحداً أجدر أن يوليه عهده، ويفوّض إليه الخلافة بعده، لفضل نفسه وكرم خيمه
стр. 444
وشرف مرتبته وعلوّ منصبه، مع تقاه وعفافه ومعرفته وحزمه، من المأمون الغيب، الناصح الجيب، أبي المطرّف (١) عبد الرحمن بن المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر، وفّقه الله؛ إذ كان أمير المؤمنين - أيّده الله تعالى - قد ابتلاه واختره، ونظر في شأنه واعتبره، فرآه مسارعاً في الخيرات، سابقاً في الحلبات، مستولياً على الغايات، جامعاً للمأثرات، ومن كان المنصور أباه، والمظفّر أخاه، فلا غرو أن يبلغ من سبل البر مداه، ويحوي من خلال الخير ما حواه؛ مع أن أمير المؤمنين؟ أيّده الله؟ بما طالع من مكنون العلم، ووعاه من مخزون الأثر، يرى أن يكون وليّ عهده القحطاني الذي حدّث عنه عبد الله بن عمرو بن العاص وأبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه ". فلما استوى له الاختيار وتقابلت عنده فيه الآثار، ولم يجد عنه مذهباً، ولا إلى غيره معدلاً، خرج إليه من تدبير الأمور في حياته، وفوّض إليه الخلافة بعد وفاته، طائعاً راضياً مجتهداً، وأمضى أمير المؤمنين هذا وأجازه، وأنجزه وأنفذه، ولم يشرط فيه مثنوية ولا خياراً، وأعطى على الوفاء به في سرّه وجهره وقوله وفعله عهد الله وميثاقه، وذمة نبيه محمّد ﷺ ، وذمم الخلفاء الراشدين من آبائه، وذمة نفسه، أن لا يبدّل ولا يغير ولا يحول ولا يزول (٢) ، وأشهد الله على ذلك والملائكة، وكفى بالله شهيداً، وأشهد [من أوقع اسمه في هذا] (٣) وهو جائز الأمر ماضي القول والفعل بمحضر من ولي عهده المأمون أبي المطرّف عبد الرحمن بن المنصور وفّقه الله تعالى، وقبوله ما قلّده، وإلزامه نفسه ما ألزمه، وذلك في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. وكتب الوزراء والقضاة وسائر الناس شهاداتهم بخطوط أيديهم، وتسمّى
стр. 445
بعدها بولي العهد (١) .
ونقم عليه أهل الدولة ذلك (٢) ، فكان فيه حتفه، وانقراض دولته ودولة قومه، وكان أسرع الناس كراهةً لذلك الأمويين والقرشيين، فغصّوا بأمره، وأسفوا من تحويل الأمر جملة من المضرية إلى اليمنية، فاجتمعوا لشأنهم، وتمشّت من بعض إلى بعض رجالاتهم، وأجمعوا أمرهم في غيبة من المذكور ببلاد الجلالقة في غزاة من صوائفه، ووثبوا بصاحب الشرطة فقتلوه بمقعده من باب قصر الخلافة بقرطبة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وخلعوا هشاماً المؤيد.؟
[بيعة المهديّ بالله]
وبايعوا محمد بن هشام بن عبد الجبار ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله من أعقاب الخلفاء، لقّبوه المهدي بالله، وطار الخبر إلى عبد الرحمن الحاجب ابن المنصور بمكانه من الثّغر، فانفضّ جمعه، وقفل إلى الحضرة مدلّ بمكانه، زعيماً بنفسه، حتى إذا قرب من الحضرة تسلّل عنه الناس من الجند ووجوه البربر، ولحقوا بقرطبة، بايعوا المهدي القائم بالأمر، وأغروه بعبد الرحمن الحاجب، لكونه ماجناً مستهتراً غير صالح للأمر، فاعترضه منهم من قبض عليه، واحتزّ رأسه، وحمله إلى المهدي وإلى الجماعة. وذهبت دولة العامريين كأن لم تكن، ولله عاقبة الأمور.
وفي المهدي يقول بعضهم:
قد قام مهديّنا ولكن ... بملّة الفسق والمجون
стр. 446
وشارك الناس في حريمٍ ... لولاه ما زال بالمصون
من كان من قبل ذا أجمّاً ... فاليوم قد صار ذا قرون [؟ خبر الفتنة البربريّة] (١)
وكان رؤساء البربر (٢) وزناتة لحقوا بالمهديّ لما رأوا من سوء تدبير عبد الرحمن وانتقاض أمره، وكانت الأموية تعتدّ عليهم ما كان من مظاهرتهم العامريين، وتنسب تغلّب المنصور وبنيه (٣) على الدولة إليهم، فسخطتهم القلوب، وخزرتهم العيون، ولولا ما لهم من العصبية لاستأصلهم الناس، ولغطت (٤) ألسنة الدهماء من أهل المدينة بكراهتهم، وأمر المهدي أن لا يركبوا ولا يتسلّحوا، وردّ بعض رؤسائهم في بعض الأيّام من باب القصر، فانتهبت العامة دورهم، وشكا بعضهم إلى المهدي ما أصابهم، فاعتذر [إليهم] (٥) وقتل من اتّهم من العامة في أمرهم، وهو مع ذلك مظهر لبغضهم، مجهر بسوء الثناء عليهم، وبلغهم أنّه يريد الفتك بهم، فتمشّت رجالاتهم، وأرّوا نجواهم، اشتوروا في تقديم هشام بن سليمان ابن أمير المؤمنين الناصر، وفشا في الخاصّة حديثهم، فعوجلواعن مرامهم ذلك وأغرى بهم السواد الأعظم، فثاروا بهم، وأزعجوهم عن المدينة، وتقبض على هشام وأخيه أبي بكر، وأحضرا بين يدي المهدي، فضرب أعناقهما.
стр. 447
[؟ بيعة سليمان المستعين]
ولحق سليمان ابن أخيهما الحكم بجنود البربر، وقد اجتمعوا بظاهر قرطبة وتوامروا، فبايعوه ولقّ؟ بوه المستعين بالله، ونهضوا به إلى ثغر طليطلة، فاستجاش بابن أذفونش، ثم نهض في جموع البرابرة والنصرانية إلى قرطبة، وبرز إليه المهدي في كافة أهل البلد وخاصة الدولة، فكانت الدائرة عليهم، واستلحم منهم ما يزيد على عشرين ألفاً، وهلك من خيار الناس وأئمة المساجد وسدنتها ومؤذنيها عالم، ودخل المستعين قرطبة ختام المائة الرابعة. ولحق المهدي بطليطلة. واستجاش (١) بابن أذفونش ثانية، فنهض معه إلى قرطبة، وهزم المستعين والبرابرة بعقبة البقر (٢) من ظاهر قرطبة، ودخل قرطبة - أعني المهدي - وملكها، وخرج المستعين مع البربر، وتفرّقوا في البسائط ينهبون ولا يبقون على أحد، ثمّ ارتحلوا إلى الجزيرة الخضراء، فخرج المهدي ومعه ابن أذفونش لاتّباعهم، فكرّوا عليهم، فانهزم المهدي وابن أذفونش ومن معه من المسلمين والنصارى، وابتعهم المستعين إلى قرطبة، فأخرج المهدي هشاماً المؤيد للناس، وبايع له، وقام بأمر حجابتهن ظنّاً منه أن ذلك ينفعه، وهيهات، وحاصرهم وحاشية المؤيد بالمهديّ وأن الفتنة إنّما جاءت من قبله، وتولى كبر ذلك واضحٌ العامري، فقالوا المهديّ، واجتمع الكافّة على المؤيد، وقام واضحٌ بحجابته، واستمر الحصار، ولم يغن عن أهل قرطبة ما فعلوه شيئاً، إلى أن هلكت القرى والبسائط بقرطبة، وعدمت المرافق، وجهدهم الحصار، وبعث المستعين إلى أهل ابن أذفونش يستقدمهم (٣) لمظاهرته، فبعث إليهم هشام وحاجبه واضح يكفّونهم عن ذلك، بأن ينزلوا لهم عن ثغور قشتالة التي كان المنصور
стр. 448
افتتحها (١) ، فسكن عن مظاهرتهم عزم أذفونش، ولم يزل الأمر حتى دخل المستعين قرطبة ومن معه من البربر عنوة سنة ثلاث وأربعمائة، وقتل هشام سرّاً، ولحق بيوتات قرطبة معرة في نسائهم وأبنائهم.
وظن المستعين (٢) أن قد استحكم أمره، وتوثبت (٣) البرابرة والعبيد على الأعمال، فولوا المدن العظيمة، وتقلّدوا البلاد (٤) الواسعة، مثل باديس بن حبّوس في غرناطة، والبرزالي في قرمونة، واليفرني في رندة، وخزرون (٥) في شريش، وافترق شمل الجماعة بالأندلس، وصار الملك طوائف في آخرين من أهل الدولة، مثل ابن عبّاد بإشبيلية، وابن الأفطس ببطليوس، وابن ذي النون بطليطلة، وابن أبي عامر ببلنسية، وابن هود بسرقسطة، ومجاهد العامري بدانية والجزائر ... (٦) وكان مائلاً لبني حمّود يهجو سليمان المستعين:
لا رحم الله سليمانكم ... فإنّه ضدّ سليمان
ذاك به غلّت شياطينها ... وحلّ هذا كلّ شيطان
فباسمه ساحت على أرضنا ... لهلك سكان وأوطان وكان من أعظم الأسباب في فساد دولة المستعين أنّه قال هذه الأبيات مستريحاً بها إلى خواصّه، وهي قوله:
حلفت بمن صلّى وصام وكبّرا ... لأغمدها فيمن طغى وتجبّرا (٧)
وأبصر دين الله تحيا رسومه ... فبدّل ما قد لاح منها (٨) وغيّرا
стр. 449
فواعجباً من عبشميّ مملّكٍ ... برغم العوالي والمعالي تبربرا
فلو أن أمري بالخيار نبذتهم ... وحاكمتهم للسّيف حكماً محرّرا
فإمّا حياة تستلذّ بفقدهم ... وإمّا حمامٌ لا نرى فيه ما زرى وقد سلك هذا الملك المرتضى المرواني فقال:
قد بلغ البربر فينا بنا ... ما أفسد الأحوال والنّظما
كالسّهم للطائر لولا الذي ... فيه من الرّيش لما أصمى
قوموا بنا في شأنهم قومةً ... تزيل عنّا العار والرّغما
إمّا بها نملك، أو لا نرى ... ما يرجع الطّرف به أعمى وكان عليّ بن حمّود الحسني وأخوه قاسم من عقب إدريس ملك فاس وبانيها قد أجازوا مع البربر من العدوة إلى الأندلس، فدعوا لأنفسهم، واعصوصب عليهم البربر، فملكوا قرطبة سنة سبع وأربعمائة، وقتلوا المستعين، ومحوا ملك بني أمية، واتصل ذلك في خلفٍ منهم سبع سنين، ثم رجع الملك إلى بني أمية.
وكان المستعين المذكور أديباً بليغاً، ومن شعره يعارض هرون الرشيد في قوله (١) :
ملك الثلاث الآنسات عناني ... الأبيات - قوله:
عجباً يهاب الليث حدّ سناني ... وأهاب سحر (٢) فواتر الأجفان
وأقارع الأهوال لا متهيّباً ... منها سوى الإعراض والهجران
وتملّكت نفسي ثلاثٌ كالدّمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان
стр. 450
ككواكب الظّلماء لحن لناظري ... من فوق أغصانٍ على كثبان
حاكمت فيهنّ السلوّ إلى الرضى (١) ... فقضى بسلطانٍ على سلطاني
هذي الهلال، وتلك بنت المشتري ... حسناً، وهذي أخت غصن البان
فأبحن من قلبي الحمى وتركنني ... في عزّ ملكي كالأسير العاني
لا تعذلوا ملكاً تذلّل في الهوى ... ذلّ الهوى عزٌّ وملك ثاني
ما ضرّ أنّي عبدهنّ صبابة ... وبنو الزمان وهنّ من عبداني
إن لم أطع فيهنّ سلطان الهوى ... كلفاً بهنّ فلست من مروان [بنو حمّود] (٢)
وولي الأمر بعده علي (٣) بن حمّود الحسني، تلقّب بالناصر، وخرج عليه العبيد وبعض المغاربة، وبايعوا المرتضى أخا المهدي، ثم اغتيل المرتضى، واستقام الملك لعلي بن حمّود نحو عامين، إلى أن قتلته صقالبته بالحمّام سنة ثمان وأربعمائة، فولي مكانه أخوه القاسم، وتلقّب بالمأمون، ونازعه الأمر بعد أربع سنين من خلافته يحيى ابن أخيه، وكان على سبتة، فأجاز إلى الأندلس سنة عشر، واحتل بمالقة وكان أخوه إدريس بها منذ عهد أبيهما، فبعثه إلى سبتة، ثم زحف يحيى إلى قرطبة فملكها سنة ثنتي عشرة وأربعمائة، وتلقب المعتلي، وفرّ عمّه المأمون إلى إشبيلية وبايع له القاضي ابن عبّاد، واستجاش بعض البرابرة، ثم رجع إلى قرطبة سنة ثلاث عشرة وملكها، ثم لحق المعتلي بمكانه من مالقة، وتغلّب على الجزيرة الخضراء وتغلّب أخوه إدريس على طنجة من وراء البحر، وكان المأمون يعتدّها حصناً لنفسه، وفيها ذخائره،
стр. 451
فلمّا بلغه الخبر اضطرب، وثار عليه أهل قرطبة، ونقضوا طاعته، وخرج فحاصرهم فدافعوه، ولحق بإشبيلية فمنعوه، وكان بها ابنه فأخرجوه إليه، وضبطوا بلدهم، واستبدّ ابن عباد بملكها، ولحق المأمون بشريش، ورجع عنه البربر إلى يحيى المعتلي ابن أخيه، فبايعوه سنة خمس عشرة، وزحف إلى عمّه المأمون فتغلّب عليه ولم يزل عنده أسيراً وعند إخيه إدريس بمالقة إلى أن هلك بمحبسه سنة سبع وعشرين، وقيل: إنّه خنق كم سيأتي، واستقل المعتلي بالأمر، واعتقل ابني (١) عمّه القاسم.
وكان المستكفي من الأمويين استولى على قرطبة في هذه المدّة عندما أخرج أهلها العلوية، ثم خلع أهل قرطبة المستكفي الأموي سنة ست عشرة، وصاروا إلى طاعة المعتلي، واستعمل عليهم ابن عطّاف من قبله، ثمّ نقضوا سنة سبع عشرة، وصرفوا عاملهم، وبايعوا للمعتدّ الأموي أخي المرتضى، وبقي المعتلي يردّد لحصارهم العساكر إلى أن اتفقت الكلمة على إسلام الحصون والمدائن له، فعلا سلطانه، واشتدّ أمره إلى أن هلك سنة تسع وعشرين، اغتاله أصحابه بدسيسة ابن عبّاد الثائر بإشبيلية، فاستدعى أصحابه أخاه إدريس ابن علي [بن حمود] من سبتة وملّكوه، ولقبوه المتأيّد، وبايعته رندة وأعمالها والمريّة والجزيرة الخضراء، وبعث عساكره لحرب أبي القاسم إسماعيل ابن عبّاد والد المعتضد بن عباد، فجاءوه برأسهبعد حروب، وهلك ليومين بعد ذلك سنة إحدى وثلاثين، وبويع ابنه يحيى، ولم يتم له أمر، وبويع حسن المستنصر بن المعتلي، وفر يحيى إلى قمارش (٢) فهلك بها سنة أربع وثلاثين، ويقال: إنّه قتله نجا، وهلك حسن مسموماً بيد ابنة عمّه إدريس، ثأرت منه بأخيها، وكان إدريس بن يحيى المعتلي معتقلاً بمالقة فأخرج بعد خطوب وبويع بها، فأطاعته غرناطة وقرمونة، ولقّب العالي، وهو الممدوح بالقصيدة
стр. 452
المشهورة بالمغرب التي قالها فيه أبو زيد عبد الرحمن بن مقانا القبذاقي (١) الأشبوني من شعراء الذخيرة، وهي:
ألبرقٍ لائحٍ من أندرين ... ذرفت عيناك بالماء (٢) المعين
لعبت أسيافه عاريةً ... كمخاريق بأيدي اللاّعبين
ولصوت الرّعد زجرٌ وحنين ... ولقلبي زفراتٌ وأنين
وأناجي في الدّجى عاذلتي ... ويك لا أسمع (٣) قول العاذلين
عيّرتني بسقام وضنىً ... إنّ هذين لدين العاشقين
قد بدا لي وضح الصبح المبين ... فاسقنيها قبل تكبير الأذين
إسقنيها مزة مشمولةً ... لبثت في دنها بضع سنين
نثر المزج على مفرقها ... درراً عامت فعادت كالبرين
مع فتيان كارم نجبٍ ... يتهادون رياحين المجون (٤)
شربوا الراح على خدّ رشاً ... نوّر الورد به والياسمين
وجلت آياته (٥) عامدةً ... سبج الشّعر على عاج الجبين
لوت الصّدغ على حاجبه ... ضمّة اللاّم على عطفة نون
فترى غصناً على دعص نقاً ... وترى ليلاً على صبحٍ مبين
وسيسقون إذا ما شربوا ... بأباريق وكأسٍ من معين
стр. 453
ومصابيح الدّجى قد طفئت ... في بقايا من سواد الليل جون
وكأنّ الظلّ مسكٌ في الثّرى ... وكأنّ الطّلّ درٌّ في الغصون
والنّدى يقطر من نرجسه ... كدموعٍ أسبلتهنّ الجفون
والثريّا قد هوت من (١) أفقها ... كقضيبٍ زاهرٍ من ياسمين
وانبرى جنح الدّجى عن صبحه ... كغرابٍ طار عن بيضٍ كنين
وكأنّ الشّمس لمّا أشرقت ... فانثنت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن علي ... بن حمّودٍ أمير المؤمنين
ملكٌ ذو هيبة لكنّه ... خاشعٌ لله ربّ العالمين
خطّ بالمسك على أبوابه: ... ادخلوها بسلام آمنين (٢)
فإذا ما رفعت راياته ... خفقت بين جناحي جبرئين
وإذا أشكل خطبٌ معضلٌ ... صدع الشكّ بمصباح اليقين
فبيسراه يسار المعسرين ... وبيمناه لواء السّابقين (٣)
يا بني أحمد يا خير الورى ... لأبيكم كان وفد المسلمين
نزل الوحي عليه فاحتبى ... في الدّجى فوقهم الرّوح الأمين
خلقوا من ماء عدلٍ وتقىً ... وجميع الناس من ماءٍ وطين
انظرونا نقتبس من نوركم ... إنّه من نور ربّ العالمين وقيل: إنّه أنشده إيّها من وراء حجاب اقتفاءً لطريقة خلفاء بني العباس، فلمّا بلغ إلى قوله:
انظرونا نقتبس من نوركم ... إنّه من نور ربّ العالمين أمر حاجبه أن يرفع الحجاب، وقابل وجهه وجه الشاعر دون حجاب،
стр. 454
وأمر له بإحسان جزيل (١) ، فكان هذا من أنبل ما يحكى عنه.
وخلع العالي سنة ثمانٍ وثلاثين، وولي ابن عمّه محمّد بن إدريس بن علي، وتلقّب بالمهدي، وتوفّي سنة أربع وأربعين.
وبويع إدريس بن حيى بن إدريس، ولقّب الموفق، ولم يخطب له بالخلافة وزحف إليه العالي إدريس المخلوع الممدوح بالقصيدة السابقة، وكان بقمارش، فدخل عليه مالقة، وأطلق أيدي عبيده عليها لحقده عليهم، ففرّ كثير منهم، وتوفّي العالي سنة ست أو سبع وأربعين.
وبويعمحمّد بن إدريس، ولقّب المستعلي، ثم سار إليه باديس بن حبّوس سنة تسع وأربعين وأربعمائة، فتغلّب على مالقة، وسار محمّد إلى المريّة مخلوعاً، ثم استدعاه أهل المغرب إلى مليلة [فأجاز إليهم] (٢) وبايعوه سنة ست وخمسين، وتوفّي سنة ستين.
وكان محمد بن القاسم بن حمّود لما اعتقل أبوه القاسم بمالقة سنة أربع عشرة فرّ من الاعتقال ولحق بالجزيرة الخضراء وملكها، وتلقّب بالمعتصم، إلى أن هلك سنة أربعين، ثم ملكها بعده ابنه القاسم الواثق، إلى أن هلك سنة خمسين، وصارت الجزيرة للمعتضد بن عبّاد، ومالقة لابن حبّوس مزاحماً لابن عبّاد.
وانقرضت دولة الأشراف الحمّوديين من الأندلس، بعد أن كانوا يدّعون الخلافة.
[خلافة المستظهر] (٣)
وأمّا قرطبة فإن أهلها لمّا قطعوا دعوة الحمّوديين بعد سبع سنين من ملكهم
стр. 455
وزحف إليهم القسم بن حمّود في البربر، فهزمهم أهل قرطبة، ثم اجتمعوا واتفقوا على ردّ الأمر لبني أميّة، واختاروا لذلك عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار أخا المهدي، وبايعوه في رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة، ولقّبوه المستظهر وقاموا بأمره، ومن شعره قوله (١) :
طال عمر الليل عندي ... مذ (٢) تولّعت بصدّي
يا غزالاً نقض العه ... د ولم يوف بوعد
أنسيت العهد إذ بت ... نا على مفرش ورد
واجتمعنا في وشاحٍ ... وانتظمنا نظم عقد
ونجوم الليل تحكي ... ذهباً في لازورد قال الحجاري: لو قال لؤلؤاً في لازورد لكان أحسن تشبيهاً، وأنشد متمثّلاً:
إنّا عصابتك الألى ... كنّا نكابد ما تكابد
هذا أوان بلوغنا (٣) ال ... نّعمى وإنجاز المواعد وكان حسّان بن أبي عبدة (٤) من وزراء المستظهر، ولمّا أكثر المستظهر دونه الاستبداد كتب إليه بقوله (٥) :
إذا غبت لم أحضر، وإن جئت لم أسل ... فسيّان مني مشهدٌ ومغيب
стр. 456
فأصبحت تيميّاً، وما كنت قبلها ... لتيمٍ، ولكنّ الشبيه نسيب يشير إلى قول الأول:
يقضى المر حين تغيب تيمٌ ... ولا يستأذنون وهم شهود وعاتبه أيضاً بقوله:
إذا كان مثلي لا يجازى (١) بصبره ... فمن ذا الذي بعدي يجازى على الصّبر
وكم مشهدٍ حاربت فيه عدوّكم ... وأمّلت في حربي له راحة الدّهر
أخوض إلى أعدائكم لجج الوغى ... وأسري إليهم حيث لا أحدٌ يسري
وقد نام عنهم كلّ مستبطن الحشا ... أكول إلى الممسى نؤوم إلى الظّهر
فما بال هذا الأمر أصبح ضائعاً ... وأنت أمين الله تحكم في الأمر وسيأتي إن شاء الله تعالى من كلام الوزير المذكور ما يدلّ على عظيم قدره، وهناك نذكر تحلية الفتح له.
[بيعة المستكفي والمعتد]
ثمّ ثار عليه لشهرين من خلافته محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله، فاتّبعه الغوغاء، وفتك بالمستظهر، وتلقّب بالمستكفي، واستقلّ بأمر قرطبة، وهو والد الأديبة الشهيرة ولاّدة، ولعلّنا نلمّ ببعض أخبارها إن شاء الله تعالى فيما بعد، وكان أبوه عبد الرحمن قتله المنصور بن أبي عامر لسعيه في الخلاف (٢) .
ثم بعد ستة عشر شهراً من بيعة المستكفي رجع الأمر إلى المعتلي يحيى بن عليّ بن حمّود سنة ست عشرة، وخلع أهل قرطبة المستكفي، وولى عليهم
стр. 457
المعتلي من قبله، وفرّ المستكفي إلى ناحية الثغر، ومات في مفرّه، ثم بدا لأهل قرطبة فخلعوا المعتلي بن حمّود سنة سبع عشرة، وبايع الوزير أبو محمد جهور ابن محمد بن جهور عميد الجماعة وكبير قرطبة لهشام بن محمد أخي المرتضى، وكان بالثغر في لاردة عند ابن هود، وذلك سنة ثماني عشرة، وتلقّب المعتدّ بالله، وأقام متردّداً في الثغر ثلاثة أعوام، واشتدّت الفتن بين رؤساء الطوائف، واتّفقوا على أن ينزل دار الخلافة بقرطبة، فاستقدمه ابن جهور والجماعة، ونزلها آخر سنة عشرين، وأقام بها يسيراً، ثم خلعه الجند سنة ثنتين وعشرين، وفرّ إلى لاردة فهلك بها سنة ثمان وعشرين.
[انقضاء الأموية وظهور ملوك الطوائف]
وانقطعت الدولة الأمويّة من الأرض، وانتثر سلك الخلافة بالمغرب، وقام الطوائف بعد انقراض الخلائف، وانتزى الأمراء والرؤساء من البربر والعرب والموالي بالجهات، واقتسموا خطّتها، وتغلّب بعضٌ على بعض، واستقل أخيراً بأمرها منهم ملوك استفحل أمرهم وعظم شأنهم، ولاذوا بالجزى للطاغية أن يظاهر عليهم أو أن يبتزهم ملكهم، وأقاموا على ذلك برهة من الزمان، حتى قطع إليهم البحر ملك العدوة وصاحب مرّاكش أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللّمتوني، فخلعهم وأخلى منهم الأرض.
[ملوك الطوائف]
[١ - بنو عباد وبنو جهور]
فمن أشهرهم بنو عبّاد ملوك إشبيلية وغرب الأندلس الذين منهم المعتمد ابن عبّاد الشهير الذكر بالمغرب والمشرق، وفي الذخيرة والقلائد من أخباره ما هو كافٍ شافٍ.
стр. 458
ومنهم بنو جهور، كانوا بقرطبة في صورة الوزارة، حتى استولى عليهم المعتمد بن عبّاد، وأخذ قرطبة، وجعل عليها ولده، ثم كانت له وعليه حروب وخطوب، وفرق أبناءه على قواعد الملك، وأنزلهم بها، واستفحل أمره بغرب الأندلس، وعلت يده على من كان هنالك من ملوك الطوائف، مثل ابن حبّوس (١) بغرناطة، وابن الأفطس ببطليوس، وابن صمادح بالمريّة، وغيرهم، فكانوا يخطبون سلمه، ويغلون (٢) في مرضاته، وكلهم يدارون الطاغية ويتّقونه بالجزى، إلى أن ظهر يوسف بن تاشفين، واستفحل ملكه، فتعلّقت آمال الأندلس بإعانته، وضايقهم الطاغية في طلب الجزية، فقتل المعتمد اليهوديّ الذي جاء في طلب الجزية للطاغية، بسبب كلمة آسفه بها، ثم أجاز البحر صريخاً إلى يوسف بن تاشفين، فأجاز معه البحر، والتقوا مع الطاغية في الزلاّقة، فكانت الهزيمة المشهورة على النصارى، ونصر الله تعالى الإسلام نصراً لا كفاء له، حتى قال بعض المؤرخين: إنّه كان عدد النصارى ثلاثمائة ألف، ولم ينج منهم إلاّ القليل، وصبر فيها المعتمد صبر الكرام، وكان قد أعطى يوسف بن تاشفين الجزيرة الخضراء ليتمكن من الجواز متى شاء، ثم طلب الفقهاء بالأندلس من يوسف بن تاشفين رفع المكوس والظلامات عنهم، فتقدّم بذلك إلى ملوك الطوائف، فأجالوه بالامتثال، حتى إذا رجع من بلادهم رجعوا إلى حالهم، وهو خلال ذلك يردّد عساكره للجهاد، ثمّ أجاز إليهم وخلع جميعهم، ونازلت عساكره جميع بلادهم، واستولى على قرطبة وإشبيلية وبطليوس وغرناطة وغيرها، وصار المعتمد بن عبّاد كبير ملوك الأندلس في قبضته أسيراً بعد حروب، ونقله إلى أغمات قرب مراكش سنة أربع وثمانين وأربعمائة، واعتقله هنالك إلى أن مات سنة ثمان وثمانين، وسنلمّ بما قاله الوزير لسان الدين بن الخطيب فيه حين زار قبره.
стр. 459
وللمعتمد هذا أخبار مأثورة خصوصاً مع زوجته أمّ أولاده الرميكية الملقّبة باعتماد، وقد روي أنّها رأت ذات يوم بإشبيلية نساء البادية يبعن اللبن في القرب وهنّ رافعات عن سوقهنّ في الطين، فقالت له: أشتهي أن أفعل أنا وجواريّ مثل هؤلاء النساء، فأمر المعتمد بالعنبر والمسك والكافور وماء الورد، وصيّر الجميع طيناً في القصر، وجعل لها قرباً وحبالاً من إبريسم، وخرجت هي وجواريها تخوض في ذلك الطين، فيقال: إنّه لمّا خلع وكانت تتكلّم معه مرّة فجرى بينهما ما يجري بين الزوجين، فقالت له: والله ما رأيت منك (١) خيراً، فقال لها: ولا يوم الطين؟ تذكيراً لها بهذا اليوم الذي أباد فيه من الأموال مالا يعلمه إلاّ الله تعالى، فاستحيت وسكتت.
ومن أعظم ملوك الطوائف (٢) غير من تقدّم بنو رزين أصحاب السّهلة، وبنو الفهري أصحاب البونت، وتغلّب عليهما أخيراً يوسف بن تاشفين.
[٢ - بنو ذي النون بطليطلة]
ومن أعظم ملوك الطوائف بنو ذي النون ملوك طليطلة من الثغر الجوفي، وكانت لهم دولة كبيرة، وبلغوا في البذخ والتّرف إلى الغاية، ولهم الإعذار المشهور الذي يقال له الإعذار الذّنّوني وبه يضرب المثل عند أهل المغرب، وهو عندهم بمثابة عرس بوران عند أهل المشرق، والمأمون من بني ذي النون هو صاحب ذلك، وهو الذي عظم بين ملوك الطوائف سلطانه، وكان بينه وبين الطاغية مواقف مشهورة، وغلب على قرطبة، وملكها من يد ابن عبّاد المعتمد، وقتل ابنه أبا عمرو، وغلب أيضاً على بلنسية وأخذها من يد بني ابن أبي عامر.
стр. 460
وفي أيّام حافد المأمون - وهو القادر بن ذي النون - كان الطاغية ابن أذفونش قد استفحل أمره، لمّا خلا الجوّ من مكان الدولة الخلافية، وخفّ ما كان على كاهله من إصر العرب، فاكتسح البسائط، وضايق ابن ذي النون، حتى أخذ من يده طليطلة، فخرج له عنها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة كما سبق، وشرط عليه أن يظاهره على أهل بلنسية، فقبل شرطه، وتسلّمها [ابن] الفونش، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العيّ العظيم.
ومن أعظم ملوك الأندلس الموالي العامريون (١) مثل خيران وزهير وأشباههما. وأخبار الجميع تطول.
[بنو هود بسرقسطة]
ومن ملوك الطوائف بالأندلس بنو هود ملوك سرقسطة وما إليها، ومن أشهرهم بالمقتدر بالله، وابنه يوسف المؤتمن، وكان المؤتمن قائماً على العلوم (٢) الرياضية، وله فيها تآليف، ومنها كتاب الاستكمال (٣) والمناظر؛ وولي بعده ابنه المستعين أحمد سنة أخذ طليطلة، وعلى يده كانت وقعة وشقة - زحف سنة تسع وثمانين في آلاف لا تحصى من المسلمين ليدافع الطاغية عن وشقة، وكان محاصراً لها، فلقيه الطاغية وهزمه، وهلك من المسلمين نحو عشرة آلاف، وهلك هو شهيداً سنة ثلاث وخمسمائة، بظاهر سرقسطة في زحف الطاغية إليها، وولي ابنه عبد الملك عماد الدولة، وأخرجه الطاغية من سرقسطة سنة ثنتي عشرة، وتولى ابنه سيف الدولة، وبالغ في النكاية بالطاغية، ثمّ اتفق معه، وانتقل بحشمه إلى طليطلة، فكان فيها حمامه.
ومن شعر المقتدر بن هود قوله ﵀ في مبانيه: