فأصبحت تيميّاً، وما كنت قبلها ... لتيمٍ، ولكنّ الشبيه نسيب يشير إلى قول الأول:
يقضى المر حين تغيب تيمٌ ... ولا يستأذنون وهم شهود وعاتبه أيضاً بقوله:
إذا كان مثلي لا يجازى (١) بصبره ... فمن ذا الذي بعدي يجازى على الصّبر
وكم مشهدٍ حاربت فيه عدوّكم ... وأمّلت في حربي له راحة الدّهر
أخوض إلى أعدائكم لجج الوغى ... وأسري إليهم حيث لا أحدٌ يسري
وقد نام عنهم كلّ مستبطن الحشا ... أكول إلى الممسى نؤوم إلى الظّهر
فما بال هذا الأمر أصبح ضائعاً ... وأنت أمين الله تحكم في الأمر وسيأتي إن شاء الله تعالى من كلام الوزير المذكور ما يدلّ على عظيم قدره، وهناك نذكر تحلية الفتح له.
[بيعة المستكفي والمعتد]
ثمّ ثار عليه لشهرين من خلافته محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله، فاتّبعه الغوغاء، وفتك بالمستظهر، وتلقّب بالمستكفي، واستقلّ بأمر قرطبة، وهو والد الأديبة الشهيرة ولاّدة، ولعلّنا نلمّ ببعض أخبارها إن شاء الله تعالى فيما بعد، وكان أبوه عبد الرحمن قتله المنصور بن أبي عامر لسعيه في الخلاف (٢) .
ثم بعد ستة عشر شهراً من بيعة المستكفي رجع الأمر إلى المعتلي يحيى بن عليّ بن حمّود سنة ست عشرة، وخلع أهل قرطبة المستكفي، وولى عليهم
стр. 457
المعتلي من قبله، وفرّ المستكفي إلى ناحية الثغر، ومات في مفرّه، ثم بدا لأهل قرطبة فخلعوا المعتلي بن حمّود سنة سبع عشرة، وبايع الوزير أبو محمد جهور ابن محمد بن جهور عميد الجماعة وكبير قرطبة لهشام بن محمد أخي المرتضى، وكان بالثغر في لاردة عند ابن هود، وذلك سنة ثماني عشرة، وتلقّب المعتدّ بالله، وأقام متردّداً في الثغر ثلاثة أعوام، واشتدّت الفتن بين رؤساء الطوائف، واتّفقوا على أن ينزل دار الخلافة بقرطبة، فاستقدمه ابن جهور والجماعة، ونزلها آخر سنة عشرين، وأقام بها يسيراً، ثم خلعه الجند سنة ثنتين وعشرين، وفرّ إلى لاردة فهلك بها سنة ثمان وعشرين.
[انقضاء الأموية وظهور ملوك الطوائف]
وانقطعت الدولة الأمويّة من الأرض، وانتثر سلك الخلافة بالمغرب، وقام الطوائف بعد انقراض الخلائف، وانتزى الأمراء والرؤساء من البربر والعرب والموالي بالجهات، واقتسموا خطّتها، وتغلّب بعضٌ على بعض، واستقل أخيراً بأمرها منهم ملوك استفحل أمرهم وعظم شأنهم، ولاذوا بالجزى للطاغية أن يظاهر عليهم أو أن يبتزهم ملكهم، وأقاموا على ذلك برهة من الزمان، حتى قطع إليهم البحر ملك العدوة وصاحب مرّاكش أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللّمتوني، فخلعهم وأخلى منهم الأرض.
[ملوك الطوائف]
[١ - بنو عباد وبنو جهور]
فمن أشهرهم بنو عبّاد ملوك إشبيلية وغرب الأندلس الذين منهم المعتمد ابن عبّاد الشهير الذكر بالمغرب والمشرق، وفي الذخيرة والقلائد من أخباره ما هو كافٍ شافٍ.
стр. 458
ومنهم بنو جهور، كانوا بقرطبة في صورة الوزارة، حتى استولى عليهم المعتمد بن عبّاد، وأخذ قرطبة، وجعل عليها ولده، ثم كانت له وعليه حروب وخطوب، وفرق أبناءه على قواعد الملك، وأنزلهم بها، واستفحل أمره بغرب الأندلس، وعلت يده على من كان هنالك من ملوك الطوائف، مثل ابن حبّوس (١) بغرناطة، وابن الأفطس ببطليوس، وابن صمادح بالمريّة، وغيرهم، فكانوا يخطبون سلمه، ويغلون (٢) في مرضاته، وكلهم يدارون الطاغية ويتّقونه بالجزى، إلى أن ظهر يوسف بن تاشفين، واستفحل ملكه، فتعلّقت آمال الأندلس بإعانته، وضايقهم الطاغية في طلب الجزية، فقتل المعتمد اليهوديّ الذي جاء في طلب الجزية للطاغية، بسبب كلمة آسفه بها، ثم أجاز البحر صريخاً إلى يوسف بن تاشفين، فأجاز معه البحر، والتقوا مع الطاغية في الزلاّقة، فكانت الهزيمة المشهورة على النصارى، ونصر الله تعالى الإسلام نصراً لا كفاء له، حتى قال بعض المؤرخين: إنّه كان عدد النصارى ثلاثمائة ألف، ولم ينج منهم إلاّ القليل، وصبر فيها المعتمد صبر الكرام، وكان قد أعطى يوسف بن تاشفين الجزيرة الخضراء ليتمكن من الجواز متى شاء، ثم طلب الفقهاء بالأندلس من يوسف بن تاشفين رفع المكوس والظلامات عنهم، فتقدّم بذلك إلى ملوك الطوائف، فأجالوه بالامتثال، حتى إذا رجع من بلادهم رجعوا إلى حالهم، وهو خلال ذلك يردّد عساكره للجهاد، ثمّ أجاز إليهم وخلع جميعهم، ونازلت عساكره جميع بلادهم، واستولى على قرطبة وإشبيلية وبطليوس وغرناطة وغيرها، وصار المعتمد بن عبّاد كبير ملوك الأندلس في قبضته أسيراً بعد حروب، ونقله إلى أغمات قرب مراكش سنة أربع وثمانين وأربعمائة، واعتقله هنالك إلى أن مات سنة ثمان وثمانين، وسنلمّ بما قاله الوزير لسان الدين بن الخطيب فيه حين زار قبره.
стр. 459
وللمعتمد هذا أخبار مأثورة خصوصاً مع زوجته أمّ أولاده الرميكية الملقّبة باعتماد، وقد روي أنّها رأت ذات يوم بإشبيلية نساء البادية يبعن اللبن في القرب وهنّ رافعات عن سوقهنّ في الطين، فقالت له: أشتهي أن أفعل أنا وجواريّ مثل هؤلاء النساء، فأمر المعتمد بالعنبر والمسك والكافور وماء الورد، وصيّر الجميع طيناً في القصر، وجعل لها قرباً وحبالاً من إبريسم، وخرجت هي وجواريها تخوض في ذلك الطين، فيقال: إنّه لمّا خلع وكانت تتكلّم معه مرّة فجرى بينهما ما يجري بين الزوجين، فقالت له: والله ما رأيت منك (١) خيراً، فقال لها: ولا يوم الطين؟ تذكيراً لها بهذا اليوم الذي أباد فيه من الأموال مالا يعلمه إلاّ الله تعالى، فاستحيت وسكتت.
ومن أعظم ملوك الطوائف (٢) غير من تقدّم بنو رزين أصحاب السّهلة، وبنو الفهري أصحاب البونت، وتغلّب عليهما أخيراً يوسف بن تاشفين.
[٢ - بنو ذي النون بطليطلة]
ومن أعظم ملوك الطوائف بنو ذي النون ملوك طليطلة من الثغر الجوفي، وكانت لهم دولة كبيرة، وبلغوا في البذخ والتّرف إلى الغاية، ولهم الإعذار المشهور الذي يقال له الإعذار الذّنّوني وبه يضرب المثل عند أهل المغرب، وهو عندهم بمثابة عرس بوران عند أهل المشرق، والمأمون من بني ذي النون هو صاحب ذلك، وهو الذي عظم بين ملوك الطوائف سلطانه، وكان بينه وبين الطاغية مواقف مشهورة، وغلب على قرطبة، وملكها من يد ابن عبّاد المعتمد، وقتل ابنه أبا عمرو، وغلب أيضاً على بلنسية وأخذها من يد بني ابن أبي عامر.
стр. 460
وفي أيّام حافد المأمون - وهو القادر بن ذي النون - كان الطاغية ابن أذفونش قد استفحل أمره، لمّا خلا الجوّ من مكان الدولة الخلافية، وخفّ ما كان على كاهله من إصر العرب، فاكتسح البسائط، وضايق ابن ذي النون، حتى أخذ من يده طليطلة، فخرج له عنها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة كما سبق، وشرط عليه أن يظاهره على أهل بلنسية، فقبل شرطه، وتسلّمها [ابن] الفونش، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العيّ العظيم.
ومن أعظم ملوك الأندلس الموالي العامريون (١) مثل خيران وزهير وأشباههما. وأخبار الجميع تطول.
[بنو هود بسرقسطة]
ومن ملوك الطوائف بالأندلس بنو هود ملوك سرقسطة وما إليها، ومن أشهرهم بالمقتدر بالله، وابنه يوسف المؤتمن، وكان المؤتمن قائماً على العلوم (٢) الرياضية، وله فيها تآليف، ومنها كتاب الاستكمال (٣) والمناظر؛ وولي بعده ابنه المستعين أحمد سنة أخذ طليطلة، وعلى يده كانت وقعة وشقة - زحف سنة تسع وثمانين في آلاف لا تحصى من المسلمين ليدافع الطاغية عن وشقة، وكان محاصراً لها، فلقيه الطاغية وهزمه، وهلك من المسلمين نحو عشرة آلاف، وهلك هو شهيداً سنة ثلاث وخمسمائة، بظاهر سرقسطة في زحف الطاغية إليها، وولي ابنه عبد الملك عماد الدولة، وأخرجه الطاغية من سرقسطة سنة ثنتي عشرة، وتولى ابنه سيف الدولة، وبالغ في النكاية بالطاغية، ثمّ اتفق معه، وانتقل بحشمه إلى طليطلة، فكان فيها حمامه.
ومن شعر المقتدر بن هود قوله ﵀ في مبانيه:
стр. 461
قصر السرور ومجلس الذّهب ... بكما بلغت نهاية الأرب
لو لم يحز ملكي خلافكما ... كانت لديّ كفاية الطلب [بنو الأفطس ببطليوس]
ومن مشاهير ملوك الطوائف (١) بنو الأفطس أصحاب بطليوس وما إليها، والمظفّر منهم هو صاحب التلأيف المسمّى بالمظفّري في نحو الخمسين مجلّداً، والمتوكّل منهم قتل على يد جيش يوسف بن تاشفين، وفيه قال ابن عبدون قصيدته المشهورة:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصّور وهي من غرر القصائد (٢) .
[اللمتونيون ثم الموحدون]
فلمّا استولى (٣) لمتونة على بلاد الأندلس (٤) وأزالوا ملوك الطوائف منها، وبقيت عمّالهم تتردّد إليها وبنوهم حتى فشلت ريحهم، وهبّت ريح الموحدين، أعني عبد المؤمن بن عليّ وبنيه، فحاربوا لمتونة، واستولوا على ملكهم بالمغرب بعد حروب كثيرة، ثمّ أجازوا البحر إلى الأندلس، وملكوا أكثر بلاد الأندلس، وملك بنو مردنيش شرق الأندلس، وملخص ذلك أن الأندلس كان ملكها مجموعاً للمتونة بعد خلعهم ملوك الطوائف، فلمّا اشتغل لمتونة في العدوة بحرب الموحّدين اضطربت عليهم الأندلس،
стр. 462
وعادت إلى الفرقة بعض الشيء، ثم خلص أكثرها لعبد المؤمن وبنيه بعد حروب منها ما حصل بن عبد المؤمن وبين ابن مردنيش وقائده ابن همشك (١) بفحص غرناطة، وقد استعان ابن مردنيش بالنصارى على الموحّدين، فهزمهم عبد المؤمن، وقتلهم أبرح قتل، واستخلص غرناطة سنة سبع وخمسين وخمسمائة من يد ابن مردنيش.
[غزوة الأرك]
وولي الأمر بعد عبد المؤمن ابنه يوسف، وأجاز إلى الأندلس، وكانت له مواقف في جهاد العدوّ، وولي بعده ابنه يعقوب المنصور الطائر الصيت، وكانت له في النصارى بالأندلس نكاية كبيرة، ومن أعظمها غزوة الأرك التي تضاهي وقعة الزلاّقة أو تزيد، والأرك: موضع بنواحي بطليوس، وكانت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وغنم المسلمون ما عظم قدره، وكان عدّة من قتل من الفرنج - فيما قيل - مائة ألف وستّة وأربعين ألفاً، وعدّة الأسارى ثلاثين ألفاّ، وعدّة الخيام مائة ألف وستّة وخمسين ألف خيمة، والخيل ثماني ألفاً، والبغال مائة ألف، والحمير أربعمائة ألف، جاء بها الكفّر لحمل أثقالهم لأنّهم لا إبل لهم، وأمّا الجواهر والأموال فلا تحصى، وبيع الأسير بدرهم، والسيف بنصف درهم، والفرس بخمسة دراهم، والحمار بدرهم، وقسم يعقوب الغنائم بين المسلمين بمقتضى الشرع، ونجا الفنش ملك النصارى إلى طليطلة في أسوأ حال، فحلق رأسه ولحيته، ونكس صليبه، وآلى أن لا ينام على فراش، ولا يقرب النساء، ولا يركب فرساً ولا دابة، حتى يأخذ بالثأر، وصار يجمع من الجزائر والبلاد البعيدة ويستعدّ، ثم لقيه يعقوب وهزمه وساق خلفه إلى طليطلة وحاصره ورمى عليها بالمجانيق وضيّق عليها، ولم
стр. 463
يبق إلا فتحها، فخرجت إليه والدة الأذفونش وبناته ونساؤه وبكين بين يديه، وسألنه إبقاء البلد عليهن، فرقّ لهن ومنّ عليهن بها، ووهب لهن من الأموال والجواهر ما جلّ، وردّهنّ مكرماتٍ، وعفا بعد القدرة، وعاد إلى قرطبة، فأقام شهراً يقسم الغنائم، وجاءته رسل الفنش بطلب الصلح، فصالحه، وأمّن الناس مدّته، وفيه يقول بعض شعراء عصره:
أهلٌ بأن يسعى إليه ويرتجى ... ويزار من أقصى البلاد على الرّجا
من قد غدا بالمكرمات مقلّداً ... وموشّحاً ومختّماً ومتوّجا
عمرت مقامات الملوك بذكره ... وتعطّرت منه الرّياح تأرّجا [بين صلاح الدين ويعقوب الموحدي]
وهو الذي (١) أرسل له السلطان صلاح الدين (٢) بن أيوب شمس الدين بن منقذ يستند به على الفرنج الخارجين عليه بساحل البلاد المقدّسة (٣) ، ولم يخاطبه بأمير
стр. 464
المؤمنين، فلم يجبه إلى ما طلبه، وكلّ ذلك في سنة ٥٨٧، ومدحه ابن منقذ بقوله من قصيدة:
سأشكر بحراً ذا عباب قطعته ... إلى بحر جودٍ ما لأخراه ساحل
إلى معدن التّقوى إلى كعبة النّدى ... إلى من سمت بالذكر منه الأوائل
إليك أمير المؤمنين ولم تزل ... إلى بابك المأمول تزجى الرّواحل
قطعت إليك البر والبحر موقناً ... بأن نداك الغمر بالنجح كافل
وحزت بقصديك العلا فبلغتها ... وأدنى عطاياك العلا والفواضل
فلا زلت للعلياء والجود بانياً ... تبلّغك الآمال ما أنت آمل وعدّتها أربعون بيتاً، فأعطاه بكل بيت ألفاً، وقال له: إنّما أعطيناك لفضلك ولبيتك.
وكان عنوان الكتاب الذي أرسله صلاح الدين إلى أمير المسلمين وفي أوّله الفقير إلى الله تعالى يوسف بن أيوب وبعده من إنشاء الفاضل الحمد لله الذي استعمل على المّلة الحنيفية من استعمر الأرض، وأغنى من أهلها من سأله القرض، وأجزى من على يده النافلة والفرض، وزيّن سماء الملّة بدراراي الذراري التي بعضها من بعض وهو كتاب طويل سأله فيه أن يقطع عنه مادّة البحر، واستنجده على الإفرنج إذ كانت له اليد عليهم، وعاد ابن منقذ من هذه الرسالة سنة ٥٨٨ بغير فائدة، وبعث معه هديّة حقيرة، وأمّا ابن منقذ فإنّه أحسن إليه وأغناه، لا لأجل صلاح الدين، بل لبيته وفضله كما مرّ، وما وقع من يعقوب في صلاح الدين إنّما هو لأجل أنّه لم يوفّه حقّه في الخطاب.
[الموحدون والأندلس]
رجع (١) : ولمّا استفحل أمر الموحّدين بالأندلس استعملوا القرابة على الأندلس
стр. 465
وكانوا يسمّونهم السادة، واقتسموا ولاياتها بينهم، ولهم مواقف في جهاد العدوّ مذكورة، وكان صاحب الأمر بمراكش يأتي الأندلس للجهاد، وهزم يعقوب المنصور كما سبق قريباً بالأرك ابن أذفونش ملك الجلالقة الهزيمة الشنعاء.
[العقاب والتياث أمر الموحدين]
وأجز ابنه الناصر الوالي بعده البحر إلى الأندلس من المغرب سنة تسع وستمائة ومعه من الجنود ما لا يحصى، حتى حكى بعض الثقات من مؤرخي المغرب أنّه اجتمع معه من أهل الأندلس والمغرب ستمائة ألف مقاتل، فمحص الله المسلمين بالموضع المعروف بالعقاب، واستشهد منهم عدّة، وكانت سبب ضعف المغرب والأندلس، أمّا المغرب فبخلاء كثير من قراه وأقطاره، وأمّا الأندلس فبطلب العدوّ عليها، لأنّه لمّا التاث أمر الموحدين بعد الناصر ابن المنصور انتزى السادة بنواحي الأندلس كلٌّ في عمله، وضعف ملكهم بمراكش، فصاروا إلى الاستجاشة بالطاغية بعضهم على بعض، وإسلام حصون المسلمين إليه في ذلك، فمشت رجالات الأندلس وأعقاب العرب منذ الدولة الأموية، وأجمعوا على إخراجهم، فثاروا بهم لحين واحد وأخرجوهم، وتولى كبر ذلك محمد بن يوسف بن هود الجذامي الثائر بالأندلس وابن مردنيش وثوّار آخرون.
[ابن هود ومنافسه ابن الأحمر]
قال ابن خلدون (١) : ثم خرج على ابن هود في دولته من أعقاب دولة العرب أيضاً وأهل نسبهم محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر، وتلقّب محمد هذا بالشيخ، فجاذبه الحبل، وكانت لكل واحد منهما دولة أورثها بنيه، انتهى.
стр. 466
وكان ابن هود يخطب للعباسي صاحب بغداد، ثم حصلت لابن هود وأعقابه حروبٌ وخطوب إلى أن كان آخرهم الواثق بن المتوكّل، فضايقه الفنش والبرشلوني فبعث بالطاعة لابن الأحمر، فبعث إليه ابن أشقيلولة، وتسلم مرسية منه، وخطب لابن الأحمر بها، ثم خرج منها راجعاً إلى ابن الأحمر، فأوقع به النصارى في طريقه، ثم رجع الواثق إلى مرسية ثالثة، فلم يزل إلى أن ملكها العدوّ من يده سنة ثمان وستين وستمائة، وعوّضه عنها حصناً يسمى يسر، وهو من عملها، فبقي فيه إلى أن هلك. وانقرضت دولة ابن هود، والله وارث الأرض ومن عليها.
[دولة بين الأحمر]
ولنذكر ملوك بني الأحمر (١) إجمالاً لن لسان الدين وزير أحدهم، ولأنهم آخر ملوك الأندلس، ومن يدهم استولى النصارى على جميعها كما سنذكره. قال ابن خلدون (٢) : أصلهم من أرجونة من حصون قرطبة، ولهم فيها سلفٌ من أبناء الجند، ويعرفون ببني نصر، وينتسبون إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج، وكان كبيرهم لآخر دولة الموحّدين محمّد بن يوسف بن نصر، ويعرف بالشيخ، وأخوه إسماعيل وكانت له وجاهة في ناحيتهم.
ولمّا فشلت ريح الموحّدين، وانتزى الثوار بالأندلس، وأعطى السادة حصونها للطاغية، استقل بأمر الجماعة محمد بن يوسف بن هود الثائر بمرسية بدعوة العباسية، وتغلب على شرق الأندلس أجمع، فتصدى الشيخ هذا للثورة وبويع له سنة تسع وعشرين وستمائة، ودعا لأبي زكرياء صاحب إفريقية، وأطاعته جيّان وشريش سنة ثلاثين بعدها، واستظهر إلى أمره بقرابته من
стр. 467
بني نصر وأصهاره بني أشقيلولة، ثم بايع لبني هود سنة إحدى وثلاثين، عندما بلغه خطاب الخليفة من بغداد، ثمّ ثار بإشبيلية أبو مروان الباجي عند خروج ابن هود عنها ورجوعه إلى مرسية، فداخله محمد بن الأحمر في الصلح على أن يزوّجه ابنته، فأطاعه، ودخل إشبيلية سنة اثنتين وثلاثين، ثمّ فتك بابن الباجي فقتله، وتناول البطش (١) به عليّ بن أشقيلولة، ثمّ راجع أهل إشبيلية بعدها بشهر دعوة ابن هود، وأخرج ابن الأحمر، ثمّ تغلب على غرناطة سنة خمس وثلاثين بمداخلة أهلها (٢) حين ثار ابن أبي خالد بدعوته فيها، ووصلته بيعتها وهو بجيّان، فقدم إليها عليّ بن أشقيلولة، ثم جاء على أثره، ونزلها، وابتنى بها حصن الحمراء لنزوله، ثمّ تغلّب على مالقة، ثم تناول المريّة من يد ابن الرميمي وزير ابن هود الثائر بها سنة ثلاث وأربعين، ثمّ بايعه أهل لورقة سنة ثلاث وستين، وكان ابن الأحمر أول أمره وصل يده بالطاغية استظهاراً على أمره، فعضده وأعطاه ابن هود ثلاثين حصاناً في كفّ غربه بسبب ابن الأحمر، وليعينه على قرطبة، فتسلّمها، ثم تغلّب على قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، أعادها الله، ثمّ نازل إشبيلية سنة ست وأربعين وابن الأحمر معه، ثمّ دخلها صلحاً، وملك أعمالها، ثمّ ملك مرسية سنة خمس وستين، ولم يزل الطاغية يقتطع ممالك المسلمين كورةً كورةً وثغراً ثغراً إلى أن لجأ المسلمون (٣) إلى سيف البحر ما بين رندة من الغرب وإلبيرة من شرق الأندلس نحو عشر مراحل من الغرب إلى الشرق، وفي قدر مرحة أو دونها في العرض ما بين البحر والجوف، ثم سخط ابن الأحمر وطمع في الاستيلاء على سائر الجزيرة فامتنعت عليه، وتلاحق بالأندلس الغزاة من بني مرين وغيرهم، وعقد ملك المغرب يعقوب بن عبد الحق لنحو الثلاثة
стр. 468
آلاف منهم، فأجازوا في حدود الستين وستمائة، وتقبّل ابن الأحمر إجازتهم، ودفع بهم في نحر عدوّه، ورجعوا، ثم تناسلوا إليه بعد ذلك، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن هلك الشيخ ابن الأحمر سنة إحدى وسبعين وستمائة، وولي بعده ابنه محمّد الفقيه، وأوصاه باستصراخ بني مرين، ملوك المغرب بعد الموحدين، إن طرقه أمر أن يعتضد بهم، فأجاز الفقيه إلى يعقوب بن عبد الحقّ سلطان فاس والمغرب سنة ثنتين وسبعين، فأجاب صريخه، وأرسل ابنه وعساكره معه، ثمّ أجاز على أثره وتسلّم الجزيرة الخضراء من ثائر كان بها وجعلها ركاباً لجهاده، ونزل إليه ابن الأحمر عن طريف وما إليها من الحصون، وهزم هو وابن الأحمر زعيم النصرانية دنّنه (١) وفرق جمعه، وأوقع بجموع الطاغية من كل جهة، وبثّ سراياه وبعوثه في أرض النصرانية، ثم خاف ابن الأحمر على ملكه، وصالح الطاغية ثمّ عاد؛ انتهى كلام ابن خلدون ملخّصاً.
وثبتت قدم عقب ابن الأحمر بالأندلس، واستولوا على جميع ما بأيدي المسلمين من ملكها مثل الجزيرة وطريف ورندة التي كانت بيد بني مرين.
[بين دون بطره وأبي الوليد ابن الأحمر]
وبعد مدة ألّب ملوك النصارى سنة تسع عشرة وسبعمائة على غرناطة، وجاءها الطاغية دون بطره (٢) في جيش لا يحصى ومعه خمسة وعشرون ملكاً، وكان من خبر هذه الوقعة أن الإفرنج حشدوا وجمعوا وذهب سلطانهم دون بطره إلى طليطلة، ودخل على مرجعهم الذي يقال له البابا، وسجد له، وتضرّع، وطلب منه استئصال ما بقي من المسلمين بالأندلس، وأكد عزمه، فقلق المسلمون بغرناطة وغيرها، وعزموا على الاستنجاد بالمريني أبي سعيد
стр. 469
صاحب فاس، وأنفذوا غليه رسلاً، فلم ينجع ذلك الدواء، فرجعوا إلى أعظم الأدوية وهو اللّجأ إلى الله تعالى، وأخلصوا النيّات، وأقبل الإفرنج في جموعٍ لا تحصى، فقضى ناصر من لا ناصر له سواه بهزم أمم النصرانية، وقتل طاغيتهم دون بطره ومن معه، وكان نصراً عزيزاً ويوماً مشهوداً.
وكان السلطان إذ ذاك بالأندلس الغالب بالله أبو الوليد إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد فرج بن نصر المعروف بابن الأحمر رغب أن يحصن البلاد والثغور، فلمّا بلغ النصارى ذلك عزموا على منازلة الجزيرة الخضراء، فانتدب السلطان ابن الحمر لردّهم، وجهز الأساطيل والرجال، فلمّا رأوا ذلك طلبوا إلى طليطلة، وعزموا على استئصال بلاد المسلمين وتأهّبوا لذلك غاية الأهبة، ووصلت الأثقال والمجانيق وآلات الحصار والأقوات في المراكب، ووصل العدو إلى غرناطة، وامتلأت الأرض بهم، فتقدم السلطان إلى شيخ الغزاة الشيخ العالم أبي سعيد عثمان بن أبي العلاء المريني بالخروج إلى لقائهم بأنجاد المسلمين وشجعانهم، فخرج إليهم يوم الخميس الموفي عشرين لربيع الأول.
ولمّا كانت ليلة الأحد أغارت سريّةٌ من العدو على ضيعة من المسلمين، فخرجت إليهم جماعة من فرسان الأندلس الرماة، فقطعوهم عن الجيش، وفرّت تلك السرية أمامهم إلى جهة سلطانهم، فتبعهم المسلمون إلى الصبح، فاستأصلوهم، وكان هذا أول النصر.
ولما كان يوم الأحد ركب الشيخ أبو سعيد لقتال العدو في خمسة آلاف من أبطال المسلمين المشهورين، فلمّا شاهدهم الفرنج عجبوا من إقدامهم مع قلتهم في تلك الجيوش العظيمة، فركبوا وحملوا بجملتهم عليهم، فانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وأخذتهم السيوف، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ثلاثة أيّام، وخرج أهل غرناطة لجمع الأموال، وأخذ الأسرى، فاستولوا على أموال عظيمة منها من الذهب - فيما قيل - ثلاثة وأربعون قنطاراً، ومن الفضة مائة وأربعون قنطاراً، ومن السّبي سعة آلاف نفس حسبما كتب بذلك
стр. 470
بعض الغرناطيين إلى الديار المصرية، وكان من جملة الأسرى (١) امرأة الطاغية وأولاده، فبذلت في نفسها مدينة طريف وجبل الفتح وثمانية عشر حصناً فيما حكى بعض المؤرخين، فلم يقبل المسلمون ذلك، وزادت عدّة القتلى في هذا الغزوة على خمسين ألفاً، ويقال: إنّه هلك منهم بالوادي مثل هذا العدد، لعدم معرفتهم بالطريق، وأمّا الذين هلكوا بالجبال والشّعاب فلا يحصون، وقتل الملوك الخمسة والعشرون جميعهم، واستمر البيع في الأسرى والأسباب والدواب ستة أشهر، ووردت البشائر بهذا النصر العظيم إلى سائر البلاد.
ومن العجب أنّه لم يقتل من المسلمين والأجناد سوى ثلاثة عشر فارساً، وقيل: عشرة أنفس، وقيل: كان عسكر الإسلام نحو ألف وخمسمائة فارس، والرّجّالة نحواً من أربعة آلاف راجل، وقيل دون ذلك.
وكانت الغنيمة تفوت الوصف، وسلخ الطاغية دون بطره وحشي جلده قطناً، وعلّق على باب غرناطة، وبقي معلّقاً سنوات؛ وطلبت النصارى الهدنة، فعقدت لهم بعد أن ملكوا جبل الفتح الذي كان من أعمال سلطان فاس والمغرب، وهو جبل طارق، ولم يزل بأيديهم إلى أن ارتجعه أمير المسلمين أبو الحسن المريني صاحب فاس والمغرب، بعد أن أنفق عليه الأموال، وصرف إليه الجنود والحشود، ونازلته جيوشه مع ولده وخواصه، وضيقوا به، إلى أن استرجعوه ليد المسلمين، واهتم ببنائه وتحصينه، وأنفق عليه أحمال مالٍ في بنائه وحصنه وسوره وأبراجه وجامعه ودوره ومخازنه، ولم كاد يتم ذلك نازله العدوّ برّاً وبحراً، فصبر المسلمون، وخيّب الله سعي الكافرين، فأراد السلطان المذكور أن يحصّن سفح الجبل بسور محيط به من جميع جهاته حتى لا يطمع عدوّ في منازلته، ولا يجد سبيلاً للتضييق عند محاصرته، ورأى الناس ذلك من المحال، فأنفق الأموال، وأنصف العمال، فأحاط بمجموعه إحاطةً
стр. 471
الهالة الهلال، وكان بقاء هذا الجبل بيد العدوّ نيّفاً وعشرين سنة، حاصره السلطان أبو الحسن ستة أشهر، وزاد في تحصينه ابنه السلطان أبو عنان، ولمّا أجاز السلطان أبو الحسن المذكور إلى الأندلس، واجتمع عليه ابن الأحمر، وقاتلهم الطاغية، هزمهم في وقعة طريف، واستولى على الجزيرة الخضراء، حتى قيّض الله من بني الأحمر الغني بالله محمداً الذي كان لسان الدين بن الخطيب وزيره، فاسترجعها وجملة بلاد كجيّان وغيرها.
وكانت له في الجهاد مواقف مشهورة، وامتدّ ملكه واشتدّ حتى محا دولة سلاطين فاس ممّا وراء البحر، وملك جبل الفتح، ونصر الله الإسلام على يده، كما ستقف عليه في بعض مكاتبات لسان الدين ﵀ في مواضع من هذا الكتاب، وسعد هذا الغنيّ بالله من العجائب. وبقي ملك الأندلس في عقبه إلى أن أخذ ما بقي من الأندلس العدوّ الكافر واستولى على حضرة الملك غرناطة أعادها الله للإسلام، كما نبين إن شاء الله، وخلت جزيرة الأندلس من أهل الإسلام، وأبدلت من النور بالظلام، حسبما اقتضته الأقدار النافذة والأحكام (١) ، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
[شيخ الغزاة أيام بني الأحمر]
قال ابن خلدون (٢) : واتفق بنو الحمر سلاطين غرناطة أن يجعلوا مشيخة الغزاة لواحد يكون من أقارب بني مرين سلاطين المغرب، لأنهم أوّل من ولي الأندلس عند استيلاء بني عمهم على ملك المغرب لما بينهم من المنافسة،
стр. 472
وكان لهؤلاء في الجهاد مواقف مشهورة، وسأذكر لك ما (١) كتب على قبر شيخ الغزاة عثمان بن أبي العلاء لتستدل عند ذلك على ما ذكرناه: بحمد الله تعالى هذا قبر شيخ الحماة، وصدر الأبطال الكماة، واحد الجلالة، ليث الإقدام والبسالة، علم الأعلام، حامي ذمار الإسلام، صاحب الكتائب المنصورة، والأفعال المشهورة، والمغازي المسطورة، وإمام الصفوف، القائم بباب الجنّة تحت ظلال السيوف، سيف الجهاد، وقاصم الأعاد، وأسد الآساد، العالي الهمم، الثابت القدم، الهمام المجاهد الأرضى، البطل الباسل الأمضى، المقدّس، المرحوم أبي سعيد عثمان ابن الشيخ الجليل الهمام الكبير، الأصيل الشهير، المقدّس المرحوم أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق، كان عمره ثمانياً وثمانين سنة أنفقه ما بين روحة في سبيل الله وغدوة، حتى استوفى في المشهور سبعمائة واثنتين وثلاثين غزوةً، وقطع عمره مجاهداً مجتهداً في طاعة الرب، محتسباً في إدارة الحرب، ماضي العزائم في جهاد الكفّار، مصادماً بين جموعهم تدفّق التيّار، وصنع الله تعالى له فيهم من الصنائع الكبار، ما سار ذكره في الأقطار، أشهر من المثل السّيّار، حتى توفّي ﵀ وغبار الجهاد طيّ أثوابه، وهو مراقب لطاغية الكفار وأحزابه، فمات على ما عاش عليه، وفي ملحمة الجهاد قبضه الله تعالى إليه، واستأثر يه سعيداً مرتضى، وسيفه على رأس ملك الروم منتضى، مقدّمة قبول وإسعاد، ونتيجة جهاد وجلاد، ودليلاً على نيته الصالحة، وتجارته الرابحة، فارتجّت الأندلس لبعده، أتحفه الله تعالى رحمة من عنده، توفّي يوم الأحد الثاني لذي الحجّة من عام ثلاثين وسبعمائة انتهى.
ومنها ما كتب به لسان الدين بن الخطيب ﵀ في تولية علي ابن بدر الدين مشيخة الغزاة ما نصّه: هذا شيخ الغزاة الذي فتح على الإسلام
стр. 473
أبواب السرّاء، وراق طرازاً مذهباً على عاتق الدولة الغرّاء، وأعمل عوامل الجهاد، في طاعة ربّ العباد، شارعةً لأهل الكفر والعناد، من باب الإعمال والإغراء، أمر به فلان صدر صدور أودّائه، وحسامه المشهور على أعدائه، ووليه الذي خبر صدق وفائه، وجلّى في مضمار الخلوص له مغبّراً في وجوه أكفائه، شيخ شيوخ المجاهدين، وقائد كتائبه المنصورة إلى غزو الكافرين المعتدين، وعترته التي يدافع بها عن الدين، وسابق ودّه المبرّز في الميادين، الشيخ الأجل إلى آخر ما وصفه به ممّا ضاق الوقت عن مثله، والله وليّ التوفيق.
стр. 474
الباب الرابع
في ذكر قرطبة التي كانت الخلافة بمصرها للأعداء قاهرة، وجامعها الأموي
ذي البدائع الباهية الباهرة والإلماع بحضرتي الملك الناصرية الزّهراء
والعامرية الزاهرة، ووصف جملة من منتزهات تلك الأقطار ومصانعها ذات
المحاسن الباطنة والظاهرة، وما يجرّ إليه شجون الحديث من أمور تقضي
بحسن إيرادها القرائح الوقّادة والأفكار الماهرة
[نقول في وصف قرطبة]
قال ابن سعيد، ﵀: مملكة قرطبة في الإقليم الرابع، وإيالته للشمس، وفي هذه المملكة معدن الفضة الخالصة في قرية كرتش، ومعدن الزئبق والزنجفر في بلد بسطاسة (١) ، ولجزائها خواصّ مذكورة في متفرّقاتها، وأرضها أرض كريمة النبات (٢) ، انتهى.
وقدّم، ﵀ في المغرب الكلام عليها على سائر أقطار الأندلس وقال: إنّما قدمنا هذه المملكة من بين سائر الممالك الأندلسية لكون سلاطين الأندلس الأول اتخذوها سريراً لسلطنة الأندلس، ولم يعدلوا عن حضرتها قرطبة، ثم سلاطين بني أمية وخلفاؤهم لم يعدلوا عن هذه المملكة، وتقلّبوا منها في ثلاثة أقطاب (٣) أداروا فيها خلافتهم: قرطبة، والزهراء، والزاهرة، وإنّما
стр. 475
اتخذوها لهذا الشأن لما رأوها لذلك أهلاً، وقرطبة أعظم علماً وأكثر فضلاً بالنظر إلى غيرها من الممالك، لاتصال الحضارة العظيمة والدولة المتوارثة فيها.
ثم قسم ابن سعيد كتاب الحلة المذهبة، في حلى ممالك قرطبة بالنظر إلى الكور إلى أحد عشر كتاباً:
الكتاب الأوّل كتاب الحلة الذهبية، في حلى الكورة القرطبية.
الكتاب الثاني كتاب الدرر المصونة، في حلى كورة بلكونة.
الكتاب الثالث كتاب " محادثة السمير (١) ، في حلى كورة القصير ".
الكتاب الرابع كتاب الوشي المصوّر، في حلى كورة المدوّر.
الكتاب الخامس كتاب نيل المراد، في حلى كورة مراد.
الكتاب السادس كتاب المزنة، في حلى كورة كزنة.
الكتاب السابع كتاب الدر النافق، في حلى كورة غافق.
الكتاب الثامن كتاب النفحة الأرجة، في حلى كورة إستجة.
الكتاب التاسع كتاب الكواكب الدرّيّة، في حلى الكورة القبرية.
الكتاب العاشر كتاب رقة المحبة، في حلى كورة إستبة.
الكتاب الحادي عشر كتاب السّوسانة، في حلى كورة اليسّانة انتهى.
ثمّ قال، رحمه الله تعالى: إن العمارة اتّصلت في مباني قرطبة والزهراء والزاهرة، بحيث إنّه كان يمشى فيها لضوء السّرج المتصلة (٢) عشرة أميال حسبما ذكره الشّقندي في رسالته، ثم قال: ولكل مدينة من مدن قرطبة وأعمالها ذكر مختص به، ثم ذكر المسافات التي بين ممالك قرطبة المذكورة فقال: بين المدوّر وقرطبة ستة عشر ميلاً، وبين قرطبة ومراد خمسة وعشرون ميلاً، وبين قرطبة والقصير ثمانية عشر ميلاً، وبين قرطبة وغافق مرحلتان، وبين قرطبة وإستبة ستة وثلاثون ميلاً، وبين قرطبة وبلكونة
стр. 476
مرحلتان، وبين قرطبة واليسّانة أربعون ميلاً، وبين قرطبة وقبرة ثلاثون ميلاً، وبين قرطبة وبيّانة مرحلتان، وبين قرطبة وإستجة ثلاثون ميلاً، وكورة رندة كانت في القديم من عمل قرطبة، ثم صارت من مملكة إشبيلية، وهي أقرب وأدخل في المملكة الإشبيلية، انتهى.
ثمّ قسم رحمه الله تعالى كتاب الحلّة الذهبية، في حلى الكورة القرطبية إلى خمسة كتب:
الكتاب الأول كتاب النّغم المطربة، في حلى حضرة قرطبة.
الكتاب الثاني كتاب الصّبيحة الغرّاء، في حلى حضرة الزهراء.
الكتاب الثالث كتاب البدائع الباهرة، في حلى حضرة الزاهرة.
الكتاب الرابع كتاب الوردة، في حلى مدينة شقندة.
الكتاب الخامس كتاب " الجرعة السّيّغة (١) ، في حلى كورة (٢) وزغة ".
وقال، رحمه الله تعالى، في كتاب النغم المطربة، في حلى حضرة قرطبة: إن حضرة قرطبة إحدى عرائس مملكتها، وفي اصطلاح الكتاب أن للعروس الكاملة الزينة منصّة، وهي مختصّة بما يتعلّق بذكر المدينة في نفسها، وتاجاً، وهو مختصّ الإيالة السلطانية، وسلكاً، وهو مختصّ بأصحاب درر الكلام من النّثّر والنّظّام، وحلّة، وهي مختصّة بأعلام العلماء المصنفين الذين ليس لهم نظم ولا نثر، ولا يجب إهمال تراجمهم، وأهداباً، وهي مختصّة بأصحاب فنون الهزل وما ينحو منحاه، انتهى.
ثمّ فصّل، رحمه الله تعالى، ذلك كلّه بما تعدّدت منه الأجزاء، وقد لخصت منه هنا بعض ما ذكر، ثمّ أردفته بكلام غيره، فأقول (٣) : قال في كتاب أجار (٤) :
стр. 477
إن قرظبة - بالظاء المعجمة - ومعناه أجر ساكنها (١) ، يعني عربت بالطاء، ثمّ قال: ودور مدينة قرطبة ثلاثون ألف ذراع، انتهى.
وقال غيره: إن تكسيرها ومساحتها التي دار السور عليها دون الأرباض طولاً من القبلة إلى الجوف ألف وستمائة ذراع، واتصلت (٢) العمارة بها أيام بني أمية ثمانية فراسخ طولاً وفرسخين عرضاً، وذلك من الأميال أربعة وعشرون في الطول، وفي العرض ستّة، وكل ذلك ديار وقصور ومساجد وبساتين بطول ضفة الوادي المسمى بالوادي الكبير، وليس في الأندلس وادٍ يسمّى باسم عربي غيره. ولم تزل قرطبة في الزيادة منذ الفتح الإسلامي إلى سنة أربعمائة، فانحطت، واستولى عليها الخراب بكثرة الفتن إلى أن كانت الطامة الكبرى عليها بأخذ العدوّ الكافر لها ثالث عشري شوّال سنة ستمائة وثلاث وثلاثين (٣) .
ثمّ قال القائل: ودور قرطبة أعني المسّر منها دون الأرباض ثلاثة وثلاثون ألف ذراع، ودور قصر إمارتها ألف ذراع ومائة ذراع، انتهى.
وعدد أرباضها واحد وعشرون، في كل ربض منها من المساجد والأسواق والحمامات ما يقوم بأهله ولا يحتاجون إلى غيره، وبخارج قرطبة ثلاثة آلاف قرية، في كل واحدة منبر وفقيه مقلّص (٤) تكون الفتيا في الأحكام والشرائع له، وكان لا يجعل القالص عندهم على رأسه إلاّ من حفظ الموطّأ، وقيل: من حفظ عشرة آلاف حديث عن النبي ﷺ وحفظ المدوّنة، وكان هؤلاء المقلّصون المجاورون لقرطبة يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة بقرطبة، ويسلّمون عليه، ويطالعونه بأحوال بلدهم. انتهى.
стр. 478
قال: وانتهت جباية (١) قرطبة أيام ابن أبي عامر إلى ثلاثة آلاف ألف دينار، بالإنصاف، وقد ذكرنا في موضع آخر ما فيه مخالفة لهذا، فالله أعلم.
وما أحسن قول بعضهم (٢) :
دع عنك حضرة بغدادٍ وبهجتها ... ولا تعظّم بلاد الفرس والصّين
فما على الأرض قطرٌ مثل قرطبة ... وما مشى فوقها مثل ابن حمدين وقال بعضهم (٣) : قرطبة قاعدة الأندلس ودار الملك التي يجبى لها ثمرات كل جهة وخيرات كلّ ناحية، واسطة بين الكور، موفية على النهر، زاهرة مشرقة، أحدقت بها المنى فحسن مرآها، وطاب جناها.
وفي كتاب فرحة الأندلس لابن غالب: أمّا قرطبة فإنّه اسم ينحو إلى لفظ اليونانيين، وتأويله القلوب المشكّكة.
وقال أبو عبيد البكري (٤) : إنّها في لفظ القوط بالظاء المعجمة.
وقال الحجاري: الضبط فيها بإهمال الطاء وضمها، وقد يكسرها المشرقيون (٥) في الضبط، كما يعجمها آخرون. انتهى.
وقال بعض العلماء (٦) : أما قرطبة فهي قاعدة الأندلس، وقطبها وقطرها الأعظم، وأم مدائنها ومساكنها، ومستقرّ الخلفاء، ودار المملكة في النصرانيّة والإسلام، ومدينة العلم، ومقرّ (٧) السنّة والجماعة، نزلها جملة من التابعين
стр. 479
وتابعي (١) التابعين، ويقال: نزلها بعض من الصحابة (٢) ، وفيه كلام.
وهي مدينة عظيمة أزلية من بنيان الأوائل، طيبة الماء والهواء، أحدقت بها البساتين والزيتون والقرى والحصون والمياه والعيون من كل جانب، وبها المحرث العظيم الذي ليس في بلاد الأندلس مثله (٣) ولا أعظم منه بركة.
وقال الرازي: قرطبة أم المدائن، وسرّة الأندلس، وقرارة الملك في القديم والحديث والجاهلية والإسلام، ونهرها أعظم أنهار الأندلس، وبها القنطرة التي هي إحدى غرائب الأرض في الصنعة والإحكام، والجامع الذي ليس في بلاد الأندلس والإسلام أكبر منه.
وقال ابن حوقل (٤) : هي أعظم مدينة بالأندلس، وليس بجميع المغرب لها عندي شبيه في كثرة أهل، وسعة محلّ، وفسحة أسواق، ونظافة محالّ، وعمارة مساجد، وكثرة حمامات وفنادق، ويزعم قوم من أهلها أنّها كأحد جانبي بغداد، وإن لم تكن كأحد جانبي بغداد في قريبة من ذلك ولاحقة به، وهي مدينة حصينة ذات سور من حجارة ومحالّ حسنة، وفيها كان سلاطينهم قديماً، ودورهم داخل سورها المحيط بها، وأكثر أبواب القصر السلطاني من البلد وجنوب قرطبة على النهر.
قال: وقرطبة هذه بائنة عن مساكن أرباضها ظاهرة ودرت بها في غير يوم في قدر ساعة وقد قطعت الشمس خمس عشرة درجة ماشياً.
وقال الحجاري (٥) : وكانت قرطبة في الدولة المروانية قبّة الإسلام،
стр. 480
ومجتمع علماء الأنام (١) ، بها استقر سرير الخلافة المروانية، وفيها تمحضت خلاصة القبائل المعدّيّة واليمانيّة، وإليها كانت الرحلة في رواية الشعر والشعراء، إذ كانت مركز الكرماء، ومعدن العلماء، ولم تزل تملأ الصدور منها والحقائب، ويباري فيها أصحاب الكتب أصحاب الكتائب، ولم تبرح ساحاتها مجرّ عوالٍ ومجرى سوابق، ومحطّ معالٍ وحمى حقائق، وهي من بلاد الأندلس بمنزلة الرأس من الجسد، والزّور من الأسد، ولها الداخل الفسيح، والخارج الذي يمتع البصر بامتداده فلا يزال مستريحاً وهو من تردّد النظر طليح.
وقال الحجاري (٢) : حضرة قرطبة منذ استفتحت (٣) الجزيرة هي كانت منتهى الغاية، ومركز الراية، وأمّ القرى، وقرارة أولي الفضل والتّقى، ووطن أولي العلم والنّهى، وقلب الإقليم، وينبوع متفجّر العلوم، وقبّة الإسلام، وحضرة الإمام، ودار صوب العقول، وبستان ثمر الخواطر، وبحر درر القرائح، ومن أفقها طلعت نجوم الأرض وأعلام العصر وفرسان النظم والنثر، وبها أنشئت التأليفات الرائقة، والسبب في تبريز القوم حديثاً وقديماً على من سواهم أن أفقهم القرطبي لم يشتمل قط إلاّ على البحث والطلب، لأنواع العلم والأدب. انتهى.
قال الإمام عليّ بن سعيد (٤) : أخبرني والدي أن السلطان الأعظم أبا يعقوب ابن عبد المؤمن قال لوالده محمّد بن عبد الملك بن سعيد: ما عندك في قرطبة؟ قال: فقلت له: ما كان لي أن أتكلّم حتى أسمع مذهب أمير المؤمنين فيها، فقال السلطان: إن ملوك بني أميّة حين اتخذوها حضرة ملكهم لعلى بصيرة:
стр. 481
الديار الكثيرة المنفسحة، والشوارع المتسعة، والمباني الضخمة، والنهر الجاري، والهواء المعتدل، والخارج النضر، والمحرث العظيم، والشّعراء الكافية، والتوسّط بين شرق الأندلس وغربها، قال: فقلت: ما أبقى لي أمير المؤمنين ما أقول.
ثم قال ابن سعيد: ومن كلام والدي في شأنها: هي من أحسن بلاد الأندلس مباني، وأوسعها مالك، وأبرعها ظاهراً وباطناً، وتفضل إشبيلية بسلامتها في فصل الشتاء من كثرة الطين، ولأهلها رياسة ووقار، لا تزال سمة (١) العلم متوارثة فيهم، إلا أنّ عامّتها أكثر الناس فضولاً، وأشدهم تشنيعاً وتشغيباً، ويضرب بهم المثل ما بين أهل الأندلس في القيام على الملوك والتشنيع على الولاة وقلة الرضى بأمورهم، حتى إن السيد أبا يحيى بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن لما انفصل عن ولايتها قيل له: كيف وجدت أهل قرطبة؟ قال: مثل الجمل إن خفّفت عنه الحمل صاح، وإن أثقلته به صاحن ما ندري أين رضاهم فنقصده، ولا أين سخطهم فنتجنّبه (٢) ، وما سلّط الله عليهم حجّاج الفتنة حتى كان عامتها شرّاً من عامة العراق، وإن العزل عنها لما قاسيت من أهلها عندي ولاية، وإنّي إن كلّفت العود إليها لقائل: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.
قال والدي: ومن محاسنها ظرف اللباس، والتظاهر بالدين، والمواظبة على الصلاة، وتعظيم أهلها لجامعها الأعظم، وكسر أواني الخمر حيثما وقع عين أحد من أهلها عليها، والتستر بأنواع المنكرات، والتفاخر بأصالة البيت وبالجندية وبالعلم، وهي أكثر بلاد الأندلس كتباً، وأشدّ الناس اعتناء بخزائن الكتب، صار ذلك عندهم من آلات التعين والرياسة، حتى إن الرئيس منهم الذي لا تكون عنده معرفة يحتفل في أن تكون في بيته خزانة كتب، وينتخب فيها ليس إلاّ لأن يقال: فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني
стр. 482
ليس هو عند أحد غيره، والكتاب الذي هو بخط فلان قد حصله وظفر به.
قال الحضرمي: أقمت مرّة بقرطبة، ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيها وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع وهو بخط جيد وتسفير مليح (١) ، ففرحت به أشد الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه، فيرجع إليّ المنادي بالزيادة عليّ، إلى أن بلغ فوق حدّه، فقلت له: يا هذا أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلّغه إلى ما لا يساوي، قال: فأراني شخصاً عليه لباس رياسة، فدنوت منه، وقلت له: أعز الله سيّدنا الفقيه، إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده؛ قال: فقال لي: لست بفقيه، ولا أدري ما فيه، ولكنّي أقمت خزانة كتب، واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فها موضع يسع هذاالكتاب، فلمّا رأيته حسن الخط جيّد التجليد استحسنته، ولم أبال بما أزيد فيه، والحمد لله على ما أنعم به من الرزق فهو كثير؛ قال الحضرمي: فأحرجني، وحملني على أن قلت له: نعم لا يكون الرزق كثيراً إلاّ عند مثلك، يعطى الجوز من لا عنده (٢) أسنان، وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب، وأطلب الانتفاع به، يكون الرزق عندي قليلاً، وتحول قلّة ما بيدي بيني وبينه.
قال ابن سعيد: وجرت مناظرة بين يدي منصور بني عبد المؤمن بين الفقيه العالم أبي الوليد بن رشد والرئيس أبي بكر بن زهر، فقال ابن رشد لابن زهر في كلامه: ما أدري ما تقول، غير أنّه إذا مات عالم بإشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حملت إلى إشبيلية.
ولما ذكر ابن بشكوال قصر قرطبة، قال (٣) : هو قصر أوليٌّ تداولته ملوك
стр. 483
الأمم من لدن عهد موسى النبيّ، صلى الله على نبيّنا وعليه وسلّم، وفيه من المباني الأولية والآثار العجيبة لليونانيين ثمّ للروم والقوط والأمم السالفة ما يعجز الوصف، ثم ابتدع الخلفاء من بني مروان - منذ فتح الله عليهم الأندلس بما فيها - في قصرها البدائع الحسان، وأثروا فيه الآثار العجيبة، والرياض المونقة (١) ، وأجروا فيه المياه العذبة المجلوبة من جبال قرطبة على المسافات البعيدة، وتموّنوا المؤن الجسيمة حتى أوصلوها إلى القصر المكرّم (٢) ، وأجروها في كل ساحة من ساحاته وناحية من نواحيه في قنوات الرّصاص تؤديها منها إلى المصانع صورٌ مختلفة الأشكال من الذهب الإبريز والفضّة الخالصة والنحاس المموّه إلى البحيرات الهائلة والبرك البديعة والصهاريج الغريبة في أحواض الرخام الرومية المنقوشة العجيبة.
قال: وفي هذا القصر القصاب العالية السمو، المنيفة العلو، التي لم ير الراؤون مثلها في مشارق الأرض ومغاربها.
قال: ومن قصوره المشهورة، وبساتينه المعروفة: الكامل، والمجدد، وقصر الحائر، والروضة، والزاهر، والمعشوق، والمبارك، والرشيق، وقصر السرور، والتاج، والبديع.
قال: ومن أبوابه التي فتحها الله لنصر المظلومين، وغياث الملهوفين، والحكم بالحق، الباب الذي عليه السطح المشرف الذي لا نظير له في الدنيا، وعلى هذا الباب باب حديد، وفيه حلق لاطون (٣) قد أثبتت في قواعدها، وقد صورت صورة إنسان فتح فمه، وهي حلق باب مدينة أربونة من بلد الإفرنج، وكان الأمير محمد قد افتتحها، فجلب حلقها إلى هذا الباب، وله باب قبلي أيضاً، وهو المعروف بباب الجنان، وقدّام هذين البابين المذكورين على الرصيف
стр. 484
المشرف على النهر الأعظم مسجدان بالفضل كان الأمير هشامٌ الرضى يستعمل الحكم في المظالم فيهما ابتغاء ثواب الله الجزيل، وله باب ثالث يعرف بباب الوادي، وله باب بشماليّه يعرف بباب قورية، وله باب رابع يدعى بباب الجامع، وهو باب قديم كان يدخل منه الخلفاء يوم الجمعة إلى المسجد الجامع على الساباط، وعدد أبواباً بعد هذا طمست أيام فتنة المهدي ابن عبد الجبّار (١) .
وذكر ابن بشكوال ﵀ أن أبواب قرطبة سبعة أبواب (٢) : باب القنطرة إلى جهة القبلة ويعرف بباب الوادي وبباب الجزيرة الخضراء وهو على النهر، وباب الحديد ويعرف بباب سرقسطة، وباب ابن عبد الجبّار وهو باب طليطلة، وباب رومية وفيه تجتمع الثلاثة الرّصف التي تشق دائرة الأرض من جزيرة قادس إلى قرمونة إلى قرطبة إلى سرقسطة إلى طرّكونة إلى أربونة مارّة في الأرض الكبيرة، ثم باب طلبيرة وهو أيضاً باب ليون، ثم باب عامر القرشي وقدّامه المقبرة المنسوبة إليه، ثم باب الجوز (٣) ويعرف بباب بطليوس، ثم باب العطّارين، وهو باب إشبيلية، انتهى.
وذكر أيضاً (٤) أن عدد أرباض قرطبة عند انتهائها في التوسيع (٥) والعمارة واحد وعشرون ربضاً، منها القبلية بعدوة النهر: ربض شقندة، وربض منية عجب، وأما الغربية فتسعة: ربض حوانيت الريحان (٦) ، وربض الرقّاقين، وربض مسجد الكهف، وربض بلاط مغيث، وربض مسجد الشّفاء، وربض
стр. 485
حمّم الإلبيري (١) ، وربض مسجد المسرور، وربض مسجد الرّوضة (٢) ، وربض السّجن القديم، وأمّا الشمالية فثلاثة: ربض باب اليهود، وربض مسجد أم سلمة، وربض الرّصافة، وأما الشرقية فسبعة: ربض شبلار، وربض فرن برّيل (٣) ، وربض البرج (٤) ، وربض منية عبد الله، وربض منية المغيرة، وربض الزاهرة، وربض المدينة العتيقة (٥) .
قال: ووسط هذه الأرباض قصبة قرطبة التي تختص بالسور دونها، وكانت هذه الأرباض دون سور، فلمّا كانت أيّام الفتنة صنع لها خندق يدور بجميعها وحائط مانع. وذكر ابن غالب أنّه كان دور هذا الحائط أربعة عشر ميلاً (٦) ، وشقندة معدودةٌ في المدينة لأنّها مدينة قديمة كانت مسوّرة.
[متنزهات قرطبة]
قال ابن سعيد في المغرب: ولنذكر الآن من منتزهات قرطبة ومعاهدها المذكورة في الألسن نظماً ونثراً ما انتهى إليه الضبط، من غير تغلغل في غير المشهور منها والأهمّ، ونوشّي ذلك بجميع ما يحضرني من مختار النظم في قرطبة، وما يحتوي عليه نطاقها المذكور.
فأوّل ما نذكر من المنتزهات منتزه الخلفاء المروانية، وهو قصر الرّصافة؛ قال والدي (٧) ﵀: كان ممّا ابتناه عبد الرحمن بن معاوية في أول أيّامه لنزهه وسكناه أكثر أوقاته: منية الرّصافة التي اتخذها بشمال قرطبة
стр. 486
منحرفة إلى الغرب، فاتخذ بها قصراً حسناً، ودحا جناناً واسعة، ونقل إليها غرائب الغروس وأكارم الشجر من كل ناحية، وأودعها ما كان استجلبه يزيد وسفرٌ رسولاه إلى الشأم من النوى المختار والحبوب الغريبة، حتى نمت بيمن الجدّ وحسن التربية في المدة القريبة أشجاراً معتمّة أثمرت بغرائب من الفواكه انتشرت عمّا قليل بأرض الأندلس، فاعترف بفضلها على أنواعها. قال: وسمّاها باسم رصافة جدّه هشام بأرض الشأم الأثيرة لديه، وامتثله في اختيار رصافته هذه (١) ، وكلفه بها وكثرة تردّده عليها، وسكناه أكثر أوقاته بها، فطار (٢) لها الذكر في أيّامه، واتصل من بعده في إيثارها.
قال: وكلّهم فضّلها، وزاد في عمارتها، وانبرى وصّاف الشعراء لها، فتناغوا (٣) في ذلك فيما هو إلى الآن مأثور (٤) عنهم، مستجاد منهم.
قال ابن سعيد: والرّمّان السّفري الذي فاض على أرجاء الأندلس، وصاروا لا يفضلون عليه سواه، أصله من هذه الرّصافة. وقد ذكر ابن حيّان شانه، وأفرد له فصلاً (٥) ، فقال: إنّه الموصوف بالفضيلة، المقدم على أجناس الرّمان بعذوبة الطعم، ورقّة العجم، وغزارة الماء، وحسن الصورة، وكان رسوله إلى الشأم في توصيل أخيته (٦) منها إلى الأندلس قد جلب طرائف منها من رمّان الرصافة المنسوبة إلى هشام، قال: فعرضه عبد الرحمن على خواص رجاله مباهياً به، وكان فيمن حضره منهم سفر بن عبيد الكلاعي من جند الأردن، ويقال: هو من الأنصار الذين كانوا يحملون ألوية رسول الله ﷺ في غزواته، قال: وهم يحملون الألوية بين يدي الخلفاء من بني
стр. 487
أمية، فأعطاه من ذلك الرمان جزءاً فراقه حسنه وخبره، فسار به إلى قرية بكورة ريّة فعالج عجمه واحتال لغرسه وغذائه وتنقيله حتى طلع شجراً أثمر وأينع، فنزع إلى عرقه، وأغرب في حسنه، فجاء به عمّا قليل إلى عبد الرحمن، فإذا هو أشبه شيء بذلك الرصافي، فسأله الأمير عنه، فعرّفه وجه حيلته، فاستبرع استنباطه، واستنبل همّته، وشكر صنعه، وأجزل صلته واغترس منه بمنية الرصافة وبغيرها من جناته، فانتشر نوعه، واستوسع الناس في غراسه، ولزمه النسب إليه، فصار يعرف إلى الآن بالرمان السّفري.
قال: وقد وصف هذا الرمان أحمد بن فرج (١) الشاعر في أبيات كتب بها إلى بعض من أهداه له، فقال:
ولابسة صدفاً أحمرا ... أتتك وقد ملئت جوهرا
كأنّك فاتح حقّ لطيفٍ ... تضمّن مرجانه الأحمرا
حبوباً كمثل لثات الحبيب ... رضاباً إذا شئت أو منظرا
وللسّفر تعزى وما سافرت ... فتشكو النّوى أو تقاسي السّرى
بلى فارقت أيكها ناعماً ... رطيباً وأغصانها نضّرا
وجاءتك معتاضةً إذ أتتك ... بأكرم من عودها عنصرا
بعودٍ ترى فيه ماء النّدى ... ويورق من قبل أن يثمرا
هدية من لو غدت نفسه ... هديّته ظنّه قصّرا وقال ابن سعيد: وأخبرني والدي قال: أخبرني الوشّاح المبرّز المحسن أبو الحسن المريني (٢) قال: بينما أنا أشرب مع ندماني بإزاء الرّصافة، إذا بإنسان
стр. 488
رث الهيئة، مجفوّ (١) الطلعة، قد جاء فجلس معنا، فقلنا له: ما هذا الإقدام على الجلوس معنا دون سابق معرفة؟ فقال: لا تعجلوا علي، ثمّ فكر قليلاً ورفع رأسه فأنشدنا:
اسقنيها إزاء قصر الرّصافه ... واعتبر في مآل أمر الخلافه
وانظر الأفق كيف بدّل أرضاً ... كي يطيل اللبيب فيه اعترافه
ويرى أن كلّ ما هو فيه ... من نعيمٍ وعزّ أمرٍ سخافه
كلّ شيء رايته غير شيء ... ما خلا لذة الهوى والسّلافه قال المريني: فقبّلت رأسه، وقلت له: بالله من تكون؟ فقال: قاسم بن عبّود الرياحي، الذي يزعم الناس أنّه موسوس أحمق، قال: فقلت له: ما هذا شعر أحمق، وإن العقلاء لتعجز عنه، فبالله إلا ما تمّمت مسرتنا بمؤانستك ومنادمتك ومناشدة طرف أشعارك، فنادم وأنشد، وما زلنا معه في طيبة عيش إلى أن ودّعناه وهو يتلاطم مع الحيطان سكراً، ويقول: اللهم غفراً. انتهى (٢) .
стр. 489
قال: ومن أبدع قصور (١) خارج قرطبة قصر السيد أبي يحيى بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن، وهو على متن النهر الأعظم، تحمله أقواس، وقيل للسيد: كيف تأنقت في بنيان هذا القصر مع انحرافك عن أهل قرطبة؟ فقال: علمت أنهم لا يذكرون والياً بعد عزله ولا له عندهم قد، لما بقي في رؤوسهم من الخلافة المروانيّة، فأحببت أن يبقى لي في بلادهم أثر أذكر به على رغمهم.
قال ابن سعيد: وأخبرني والدي أن ناهض بن إدريس (٢) شاعر وادي آش في عصره أنشده لنفسه في هذا القصر:
ألا حبّذا القصر الذي ارتفعت به ... على الماء من تحت الحجارة أقواس
هو المصنع الأعلى الذي أنف الثرى ... ورفّعه عن لثمه المجد والباس
فأركب متن النهر عزّاً ورفعةً ... يغصّ وحلّت أفقه الدهر أعراس
فلا زال معمور الجناب وبابه ... يغص وحلت افقه الدهر أعراس وقال الفتح في قلائده، لمّا ذكر الوزير ابن عمّار (٣) : وتنزه بالدمشق بقرطبة، وهو قصر شيّده بنو أميّة بالصّفّاح والعمد، وجري في إتقانه إلى غير أمد، وأبدع بناؤه، ونمّقت ساحاته وفناؤه، واتخذوه ميدان مراحهم، ومضمار أفراحهم، وحكوا به قصرهم بالمشرق، وأطلعوه كالكوكب المشرق، وأنشد في لابن عمّار:
كلّ قصرٍ بعد الدمشق يذّم ... فيه طاب الجنى ولذّ المشمّ
منظرٌ رائقٌ، وماءٌ نميرٌ ... وثرىً عاطرٌ، وقصرٌ أشمّ
بتّ فيه والليل والفجر عندي ... عنبرٌ أشهبٌ ومسكٌ أحمّ
стр. 490
وهي منسوبة للحاجب أبي عثمان جعفر بن عثمان المصحفي.
وذكر الحجاري في المسهب أن الرئيس أبا بكر محمد بن أحمد بن جعفر المصحفي، اجتاز بالمنية المصحفية التي كانت لجدّه أيّام حجابته للخليفة الحكم المستنصر، فاستعبر حين تذكر ما آل إليه حال جده مع المنصور بن أبي عامر، واستيلاءه على ملكه وأملاكه، فقال:
قف قليلاً بالمصحفيّة واندب ... مقلةً أصبحت بلا إنسان
واسألنها عن جعفر وسطاه ... ونداه في سالف الأزمان
جعفر مثل جعفرٍ حكم الده؟ ... ر عليه بعسرة وهوان
ولكم حذّر الردى فصممنا ... لا أمانٌ لصاحب السلطان
بينما يعتلي غدا خافضاً من ... هـ اكتسابٌ ككفّة الميزان (١) ومنية الزبير منسوبة إلى الزبير بن عمر الملثّم (٢) ملك قرطبة.
قال ابن سعيد: أخبرني والدي عن أبيه قال: خرج معي إلى هذه المنية في زمان فتح النّوّار أبو بكر بن بقيّ الشاعر (٣) المشهور، فجلسنا تحت سطر من أشجار اللّوز قد نوّرت، فقال ابن بقيّ:
سطرٌ من اللوز في البستان قابلني ... ما زاد شيء على شيء ولا نقصا
كأنّما كلّ غصنٍ كمّ جارية ... إذا النسيم ثنى أعطافه رقصا
стр. 491
ثم قال شعراً منه:
عجبت لمن أبقى على خمر دنّه ... غداة رأى لوز الحديقة نوّرا ولا أذكر بقية الأبيات، قال جدّي: ثم اجتمعت به بعد ذلك بغرناطة، فذكرته باجتماعه في منية الزبير، فتنهّد وفكّر ساعة وقال: اكتبوا عنّي، فكتبنا:
سقى الله بستان الزبير، ودام في ... مجاريه سيل (١) النّهر ما غنّت الورق
فكائن لنا من نعمة في جنابه ... كبزّته الخضراء طالعها طلق
هو الموضع الزاهي على كل موضع ... أما ظلّه ضافٍ أما ماؤه دفق
أهيم به في حالة القرب والنوى ... وحقّ له منّي التذكّر والعشق
ومن ذلك النّهر الخفوق فؤاده ... بقلبي ما غيّبت عن وجهه خفق قال: فقلت له: جمع الله بينك وبينه على الحالة التي تشتهي، قال: ذلك لك، قلت: وكيف ذلك؟ قال: تدفع لي هذا السيف الذي تقلّدت به أتزوّد به إليه، وأنفق الباقي فيه على ما تعلم، قال: فقلت له: هذا سيفٌ شرّفني به السلطان أبو زكريّاء ابن غانية، وما لعطائه سبيل، ولكن أعطيك قيمته، فخرج وأبى بشخصٍ يعرف قيمة السيوف، فقدّره وجعل يقول: إنّه سيف السلطان ابن غانية، ليعظم قدره في عينه فيزيد في قيمته، ثم قبض ما قدّر به، وأنشد ارتجالاً:
أطال الله عمر فتى سعيدٍ ... وبقّاه ورقّته السّعود
غدا لي جوده سبباً لعودي ... إلى وطين فها أنا ذا أعود
وألثم كفّه شكراً ويتلو ... طريقي آي نعماه النّشيد
стр. 492
حباني من ذخائره بسيفٍ ... به لم يبق للأحزان جيد والقصر الفارسي من القصور المقصودة للنزاهة بخارج قرطبة، وقد ذكره الوزير أبو الوليد ابن زيدون في قصيد ضمّنه من منتزهات قرطبة ما تقف عليه، وكان قد فرّ من قرطبة أيّام بني جهور، فحضره في فراره عيد ذكّره بأعياد وطنه ومعاهده الأنسيّة مع ولاّدة التي كان يهواها ويتغزّل فيها، فقال (١) :
خليليّ لا فطرٌ يسرّ ولا أضحى ... فما حال من أمسى مشوقاً كما أضحى وستأتي هذه القصيد في هذا الباب، كما ستأتي قصيدة أبي القاسم ابن هشام القرطبي التي أوّلها:
يا هبّةً باكرت من نحو دارين ... وفيها كثير من منتزهات قرطبة.
قال ابن سعيد: كان والدي كثيراً ما يأمرني بقراءتها عليه، ويقول: والله لقد أنبأت عن فضلٍ لهذا الرجل، قال: وكان أبو يحيى الحضرمي يحفظها، ويزين بها مجالسه، ويحلف أن لا ينشدها بمحضر جاهل لا يفهم، أو حاسد لا ينصف في الاهتزاز لها، وإنّه لجدير بذلك، وإنّها لمن كنوز الأدب.
ثم قال: والمرج النّضير المذكور بها هو مرج الخز، أخبرني والدي أنّه حضر في زمان الصّبا بهذا المرج على راحة، ومعه الرئيس الفاضل أبو الحسين ابن الوزير أبي جعفر الوقّشي (٢) والمسنّ ابن دريدة (٣) المشهور بخفة الروح، قال: فسبحت أمامنا إوز، وجعلت تمرح وتنثر ما عليها من الماء فوق المرج،
стр. 493
والمرج قد أحدق به الوادي، والشمس قد مالت عليه للغروب، فقال لي أبو الحسين: بالله صف يومنا وحسن (١) هذا المنظر، فقلت: لا أصفه أو تصفه أنت، فقال: ولك مني ذلك، فأفكر كلٌّ منّا على انفراد بعدما ذكرنا ما نصف نثراً، فقال أبو الحسين الوقّشي:
لله يوم بمرج الخزّ طاب لنا ... فيه النعيم بحيث الروض والنّهر
وللإوزّ على أرجائه لعبٌ ... إذا جرت بدّدت ما بيننا الدّرر
والشمس تجنح نحو البين مائلةً ... كأنّ عاشقها في الغرب ينتظر
والكأس جائلةٌ باللبّ حائرةٌ ... وكلّنا غفلات الدهر نبتدر قال: فقلت:
ألا حبّذا يومٌ ظفرنا بطيبه ... بأكناف مرج الخزّ والنهر يبسم
وقد مرحت في الإوزّ، وأرسلت ... على سندسٍ درّاً به يتنظّم
ومدّ به للشمس فهو كأنّه ... لثامٌ لها ملقىً من النّور معصم
أدرنا عليه أكؤساً بعثت به ... من الأنس ميتاً عاد وهو يكلّم
غدونا إليه صامتين سكينةً ... فرحنا وكلٌّ بالهوى يترنّم فأظهر كلّ منّا لصاحبه استحسان ما قال تنشيطاً وتتميماً للمسرّة، ثم قلنا للمسنّ: ما عندك أنت ما تعارض (٢) به هاتين القطعتين؟ قال: بهذا، ورفع رجله وحبق حبقة فرقعت (٣) منها أرجاؤه، فقال له أبو الحسين: ما هذا يا شيخ السوء؟ فقال: الطلاق له لازم (٤) إن لم تكن أوزن من شعركما، وأطيب رائحة، وأغنّ صوتاً، وأطرب معنى، فضحكنا منه اشد ضحك، وجعلنا نهتز غاية
стр. 494
الاهتزاز لموقع نادرته، فقال: والدليل على ذلك أنّكم طربتم لما جئت به أكثر ممّا طربتم من شعركم.
ثم قال ابن سعيد: ومن منتزهات قرطبة المشهورة فحص السرادق، مقصود للفرجة، يسرح (١) فيه البصر، وتبتهج فيه النفس، وأخبرني والدي عن أخيه أبي جعفر بن عبد الملك بن سعيد قال: خرجت مع الشريف الأصم القرطبي إلى بسيط الجزيرة الخضراء - وقد تدبج بالأنوار (٢) - فلمّا حركنا حسن المكان، وتشوقنا إلى الأركان (٣) ، قال الشريف: لقد ذكرني هذا البسيط بسيط فحص السرادق، فقلت له: فهل ثار في خاطرك (٤) نظم فيه؟ قال: نعم، ثم أنشد:
ألا فدعوا ذكر العذيب وبارق ... ولا تسأموا من ذكر فحص السّرادق
مجرّ ذيول السّكر من كلّ مترف ... ومجرى الكؤوس المترعات السّوابق
قصرت عليه اللّحظ ما دمت حاضراً ... وفكري في غيبٍ لمرآه شائقي
أيا طيب أيّام تقضّت بروضةٍ ... على لمح غدرانٍ وشمّ حدائق
إذا غرّدت (٥) فيه حمائم دوحها ... تخيّلتها الكتّاب بين المهارق
وما باختيار الطّرف فارقت حسنها ... ولكن بكيدٍ من زمانٍ منافق قال أبو جعفر: فلمّا سمعت هذا الشعر لم أتمالك من الاستعبار، وحرّكني ذلك إلى أن قلت في حور (٦) مؤمل سيد منتزهات غرناطة، ولم يذكر هنا ما قاله فيه، وذكره في موضع آخر لم يحضرني الآن حتى أورده هنا، والله أعلم.
ومن منتزهات قرطبة السّدّ، قال ابن سعيد: أخبرني والدي أن الشاعر
стр. 495
المبرز أبا شهاب المالقي (١) أنشده لنفسه واصفاً يوم راحة بهذا السّد:
ويوم لنا بالسّدّ لو ردّ عيشه ... بعيشة أيّام الزّمان رددناه
بكرنا له والشمس في خدر شرقها ... إلى أن أجابت إذ دعا الغرب دعواه
قطعناه شدواً واغتباقاً ونشوة ... ورجع حديثٍ لو رقى الميت أحياه
على مثله من منزه تبتغى المنى ... فلله ما أحلى وأبدع مرآه
شدتنا به الأرحا وألقت نثارها ... علينا فأصغينا له وقبلناه
لئن بان إنّا بالأنين لفقده ... وبالدّمع في إثر الفراق (٢) حكيناه وأنشدني والدي موشحة لأبي الحسن المريني معاصره وصاحبه يذكر فيها هذا السد، وهي (٣) :
في نغمة العود والسّلافه ... والروض والنهر والنديم
أطال من لامني خلافه ... فظلّ في نصحه مليم
دعني على منهج التّصابي ... ما قام لي العذر الشّباب
ولا تطل في المنى عتابي ... فلست أصغي إلى عتاب
لا ترج ردّي إلى صواب (٤) ... والكأس تفترّ عن حباب
والغصن يبدي لنا انعطافه ... إذا هفا فوقه النسيم
والرّوض أهدى لنا قطافه ... واختال في برده الرقيم