مجده الصّميم وفضله العميم، أمير المسلمين عبد الله الغني بالله محمد ابن أمير المسلمين أبي الحجّاج ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر: سلام كريم، برّ عميم، يخص مقامكم الأعلى، وأخوّتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله ربّ العباد، وملهم الرشاد، ومكيّف الإسعاف والإسعاد، الولي النصير الذي نلقي إلى التوكّل عليه مقاليد الاعتماد، ونمد إلى إنجاده (١) أيدي الاعتداد، ونرفع إليه أكفّ الاستمداد، ونلخص لوجهه الكريم عمل الجهاد، فنتعرّف عوارف الفضل المزداد، ونجتني ثمار النصر من أغصان القنا الميّاد، ونجتلي وجوه الصنع الوسيم أبهر من وجه الصباح الباد، ونظفر بالنعيم العاجل في الدنيا والنعيم الآجل يوم قيام الأشهاد، ونتفيّأ ظلال الجنّة من تحت أوراق السيوف الحداد، والصلاة على سيّدنا ومولانا محمّد رسوله النبيّ الهاد، رسول الملحمة المؤيّد (٢) بالملائكة الشداد، ونبيّ الرحمة الهامية العهاد، أكرم الخلق بين الرائح والغائد، ذي اللواء المعقود والحوض المورود والشفاعة في يوم التّناد، الذي بجاهه نجدع أنوف الآساد يوم الجلاد، وببكرته ننال أقصى الأمل والمراد، وفي مرضاته نصل أسباب الوداد، فنعود بالتّجر الرابح من مرضاة رب العباد، ونستولي من ميدان السعادة المعادة على الآماد، والرضى عن آله وصحبه وأنصاره وحزبه الكرماء الأمجاد، دعائم الدين من بعده وهداة العباد، أنجاد الأنجاد وآساد الآساد، الذين ظاهروه في حياته بالحلوم الراجحة الأطواد، والبسالة التي لا تنال بالعدد في سبيل الله والأعداد، حتى بوّأوا الإسلام في القواعد الشهيرة والبلاد، وأرغموا أنوف أهل الجحد والإلحاد، فأصبح الدين رفيع العماد، منصور العساكر والأجناد، مستصحب العزّ في الإصدار والإيراد، والدعاء لمقامكم الأعلى بالسّعد الذي يغني عن اختيار الطوالع وتقويم الميلاد، والنصر الذي تشرق أنباؤه في
стр. 527
جنح ليل المداد، والصنع الذي شرع له أبواب التوفيق والسّداد، من حمراء غرناطة حرسها الله واليسر وثيق المهاد (١) ، والخير واضح الأشهاد، والحمد لله في المبدإ والمعاد، والشكر له على آلائه المتصلة التّرداد، ومقامكم الذخر الكافي العتاد، والمردد المتكفّل بالإنجاد، وإلى هذا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، ووالى نصركم وعضّدكم (٢) وبلغكم من فضله العمين أملكم وقصدكم، فإنّنا نؤثر تعريفكم بتافه المتزايدات (٣) ، ونورد عليكم أشتات (٤) الأحوال المتجدّدات، إقامةً لرسم الخلوص في التعريف بما قلّ، ومودة خالصة في الله، ، فكيف إذا كان التعريف بما تهتز منابر الإسلام ارتياحاً لوروده، وتنشرح الصدور منه لمواقع فضل الله وجوده، والمكيّفات البديعة الصفات في وجوده، وهو أنّنا قدّمنا إعلامكم بما نويناه من غزو مدينة قرطبة أمّ البلاد الكافرة، ومقر الحمية المشهودة (٥) والخيرات الوافرة، والقطر الذي عهده بإلمام الإسلام متقادم، والركن الذي لا يتوقّع صدمة صادم، وقد اشتمل سورها من زعماء ملّة الصليب على كل رئيس بئيس (٦) ، وهزبر ootnote>٧، وذي مكر وتلبيس، ومن له سمة تذيع مكانه وتشيعه، وأباع على المنشط والمكره تطيعه، فاستدعينا المسلمين من أقاصي البلاد، وأذعنا في الجهات نفير الجهاد، وتقدّمنا إلى الناس بسعة الأزواد، وأعطينا الحركة التي تخلف المسلمون فيها وراءهم جمهور الكفر من الأقطار والأعداد حقّها من الاستعداد، وأفضنا (٨) العطاء والاستلحاق والاستركاب في أهل الغناء
стр. 528
وأبطال الجلاد، فحشر الخلق في صعيد، وأخذوا الأهبة والزينة في عيد سعيد، وشمل الاستدعاء كل قريب وبعيد عن وعد ووعيد، ورحلنا وفضل الله شامل، والتوكّل عليه كافٍ كافل، وخيّمنا بظاهر الحضرة حتى استوفى الناس آرابهم، واستكملوا أسرابهم، ودسنا منهم بلاد النصارى بجموع كثرها الله وله الحمد وأنماها، وأبعد في التماس ما عنده من الأجر منتماها، وعندما حللنا قاشرة (١) وجدنا السلطان دون بطره مؤمل نصرنا وإنجادنا، ومستعيد حظّه من لواحق (٢) جهادنا، ومقتضي دين كدحه بإعانتنا إيّاه وإنجادنا، قد نزل بظاهرها في محلات ممّن استقر على دعوته، وتمسّك بطاعته، وشمله حكم جماعته، فكان لقاؤنا إيّه على حالٍ أقرّت عيون المسلمين، وتكفّلت بإعزاز الدين، ومجملها يغني عن التعيين، والشرح والتبيين، ورأى هو ومن معه من وفور جيش الله ما هالهم، وأوشكّ في حال اليقظة خيالهم، من جموع تسدّ الفضا، وأبطال تقارع أسود الغضا، وكتائب منصورة، ورايات منشورة، وأمم محشورة، تفضل عن مرأى العين، وترجي العدوّ في مهاوي الحين، فاعترفوا بما لم يكن في حسابهم، واعتبر في عزّة الله سبحانه أولو ألبابهم، وإذا كثّر الله تعالى العدد نما وزكا، وإذا أزاح العلل ما اعتذر غازٍ ولا شكا، وسالت من الغد الأباطح بالأعراف، وسمت الهوادي إلى الاستشراف، وأخذ الترتيب حقّه من المواسط الجهاديّة والأطراف، وأحكمت التعبية التي لا ترى العين فيها خللاً، ولا يجد الاعتبار (٣) عندها دخلاً، وكان النزول على فرسخ من عدوة النهر الأعظم من خارج المدينة أنجز الله تعالى وعد دمارها، وأعادها إلى عهدها في الإسلام وشعارها، ومحا ظلام الكفر من آفاقها بملة الإسلام وأنوارها، وقد برزت من حاميتها شوكة سابغة الدروع، وافرة الجموع، واستجنّت
стр. 529
من أسوار القنطرة العظمى بحمىً لا يخفر، وأخذ أعقابها من الحماة والكماة العدد الأوفر، فبادر إليهم سرعان خيل المسلمين فصدقوهم الدفاع والقراع، والمصال والمصاع، وخالطوهم هبراً بالسيوف، ومباكرة بالحتوف، فتركوهم حصيداً، وأذاقوهم وبالاً شديداً، وجدّلوا منهم جملة وافرة، وأمة كافرة، وملكوا بعض تلك الأسوار فارتفعت بها راياتهم الخافقة، وظهرت عليها عزماتهم الصادقة، واقتحم المسلمون الوادي سبحاً (١) في غمره، واستهانةً في سبيل الله بأمره، وخالطوا حامية العدو في ضفته فاقتلعوها، وتلّقوا بأوائل الأسوار ففرعوها، فلو كنّا في ذلك اليوم على عزم من القتال، وتيسير الآلات وترتيب الرجال، لدخل البلد، وملك الأهل والولد، لكن أجار الكفّار من الليل كافر، وقد هلك منهم عدد وافر، ورجع المسلمون إلى محلاتهم ونصر الله سافر، والعزم ظافر، ومن الغد خضنا البحر الذي جعلنا العزم فيه سفينا، والتوكل على الله للبلاغ ضمينا، ونزلنا من ضفّته القصوى (٢) منزلاً عزيزاً مكينا، بحيث يجاور سورها طنب القباب، وتصيب دورها من بين المخيمات (٣) بوارق النشّاب، وبرزت حاميتها على متعددات الأبواب، مقيمة أسواق الطعان والضّراب، فآبت بصفقة الخسر والتباب، ولما شرعنا في قتالها، ورتبنا أشتات النّكايات لنكالها، وإن كنا لم نبق على مطاولة نزالها، أنزل الله المطر الذي قدم بعهاده العهد، وساوى النجد من طوفانه الوهد، وعظم به الجهد، ووقع الإبقاء على السلاح، والكفّ بالضرورة عن الكفاح، وبلغ المقام عليها، والأخذ بمخنّقها والثّواء لديها، خمسة أيّام لم تخل فيها من اقتراع، ولا الأبواب من دفاع عليها وقراع، وأنفذت مقاتل الستائر أنقاباً، وارتقب الفتح الموعود ارتقاباً، وفشت في
стр. 530
أهلها الجراح والعيث والصّراح، وساءهم المساء بعزة الله والصّباح (١) ، ولولا عائق المطر لكان الإجهاز والاستفتاح، والله بعدها الفتّاح، وصرفت الوجوه إلى تخريب العمران، وتسليط النيران، وعقر الأشجار، وتعفية الآثار، وأتى منها العفاء على المصر الشهير في الأمصار، وتركت زروعها المائحة عبرة لأولي الأبصار (٢) ، ورحلنا عنها وقد ألبسها الدخان حداداُ، ونكس من طغاتها أجياداً، فاعتادت الذلّ اعتياداً، والفت الهون قياداً، وكادت أن تستباح عنوة لولا أن الله تعالى جعل لها ميعاداً، وأتى القتل من أبطالها، ومشاهير رجالها، ممّن يبارز ويناطح، ويماسي بالناس ويُصابح، على عدد جمّ أخبرت سيماهم المشهورة بأسمائهم، ونبّهت علاماتها على نبهائهم، وظهر إقدام المسلمين في المعتركات (٣) ، وبروزهم (٤) بالحدود المشتركات، وتنفيلهم الأسلاب، وقودهم الخيل المسوّمة قود الغلاب، وكان القفول، وقد شمل الأمن والقبول، وحصل الجهاد المقبول، وراع الكفر العزّ الذي يهول، والإقدام الذي شهدت به الرماح والخيول، وخاض المسلمون من زرع الطرق التي ركبوها، والمنازل التي استباحوها وانتهبوها، بحوراً بعد منها الساحل، وفلاحة مدركة تتعدد فيها المراحل، فصيروها صريماً، وسلّطوا عليها النار غريماً، وحلّوا بظاهر حصن أندوجر (٥) وقد أصبح مألف أذمار غير أوشاب، ووكر طيور (٦) نشاب، فلمّا بلونا مراسه صعباً، وأبراجه ملئت حرساً شديداً وشهباً، ضننّا بالنفوس أن تفيض دون افتتاحه، فسلّطنا العفاء على
стр. 531
ساحه، وأغرينا الغارات باستيعاب ما بأحوازه واكتساحه، وسلطنا النار على حزونه وبطاحه، وألصقنا بالرغام ذوائب أدواحه، وانصرفنا بفضل الله والمناجل دامية، والأجور نامية، وقد وطئنا المواطئ التي كانت على الملوك قبلنا بسلا، ولم نترك بها حرثاً يرفد ولا نسلا، ولا ضرعاً يرسل رسلا، والحمد لله الذي يتمم النعيم بحمده، ونسأله صلة النصر (١) فما النصر إلا من عنده؛ عرّفناكم بهذه الكيفيات (٢) ، الكريمة الصفات، والصنائع الروائع التي بعد العهد بمثلها في هذه الأوقات، علماً بأنّها لديكم من أحسن الهديات الوديّات ولما نعلمه لديكم من حسن النيّات وكرم الطّويّات، فإنّكم سلالة الجهاد المقبول، والرّفد المبذول، ووعد النصر المفعول، ونرجو الله، ، أن ينتقل خيالكم للمعاهد الجهاديّة، إلى المعاينة في نصر الملّة المحمّديّة، وأن يجمع الله بكم كلمة الإسلام، على عبد الأصنام، ويتم النعمة على الأنام، وودّنا لكم؟ ما علمتم؟ يزيد على ممرّ الأيّام، والله يجعله في ذاته لكم متّصل الدوام، مبلّغاً إلى دار السلام، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويضاعف الآلاء عندكم، والسلام الكريم يخصّكم (٣) ورحمة الله وبركاته، انتهى.
ومن هذا المنحى ما كتب به لسان الدين رحمه الله تعالى عن سلطانه، ونصّه: المقام الذي أحاديث سعادته لا تملّ على الإعادة والتكرار، وسبيل مجادته الشهيرة أوضح من شمس الظهيرة عند الاستظهار، وأخبار صنائع الله لملكه، ونظم فرائد الآمال في سلكه، تخلدها أقلام الأقدار، بمداد الليل في قرطاس النّهار، وترسمها بتذهيب الإسفار في صفحات (٤) الأقمار، وتجعلها هجّيرى حملاء الأسفار، وحداة القطار في مسالك الأقطار، مقام
стр. 532
محل أخينا الذي نلذ عادة هنائه مع الإعادة، ونتلقى أنباء علائه بالإذاعة والإشادة، ونطرّز بأعلام ثنائه صحائف المجادة، ونشكر الله أن وهب لنا من أخوّته المضافة إلى المحبّة والودادة، ما يرجح في ميزان الاعتبار أخوّة الولادة، وعرفنا بيمن ولايته عوارف السعادة، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله تعالى في أعلام الملك السعيد، بيت القصيد، ووسطى القلادة، ومجلى الكمال الذي تبارى بميدان بأسه وجوده جنسا الإبادة والإفادة، ولا زالت آماله أقاصية تنثال طوع (١) الإرادة، ويمن نقيبته يجمع من أشتات الفتوح والعز الممنوح بين الحسنى وزيادة (٢) ، معظّم سلطانه العالي، المثني على مجده المرفوع إسناده في عوالي المعالي، المسرور بما ينسيه الله له من الصنع المتوالي، والفتح المقدّم والتالي، أمير المسلمين عبد الله الغني بالله محمّد ابن أمير المسلمين أبي الحجّاج ابن أمير المسلمين أبي الوليد بن فرج بن نصر، أيّد الله بأمره، وأسعد عصره (٣) : سلام كريم يتأرّج في الآفاق شذا طيبه، وتسمع في ذروة الودّ بلاغة خطيبه، ويتضمّن نوره سواد المداد، عند مراسلة الوداد، فيكاد يذهب بعبوسه المجهول وتقطيبه، ورحمة الله وبركاته، أمّا بعد حمد الله فاتح الأبواب بمقاليد الأسباب، مهما استصعبت، وميسّر الأمور محكم المقدور إذا أجهدت الحيل وأتعبت، مخمد نيران الفتن ما التهبت، وجامع كلمة الإسلام وقد تصدّعت وتشعّبت، ومسكن رجفان (٤) الأرض بعدما اضطربت، ومحييها بعهاد الرحمة مهما اهتزت وربت، اللطيف الخبير الذي قدرت حكمته الأمور ورتّبت، منهي كل نفس إلى ما خطّت الأقلام عيها وكتبت، ونفت وأوجبت وشاءت وأبت، ومجازيها يوم العرض
стр. 533
بما كسبت (١) ، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله هازم الأحزاب لمّا تألفت وتألّبت، وجالب الحتف إليها عندما أجلبت، رسول الملحمة إذا الليوث وثبت، ونبيّ الرحمة التي هيأت النجاة وسبّبت، وأبلغت النفوس المطمئنّة من السعادة ما طلبت، ومداوي القلوب المريضة وقد انتكبت وانقلبت، بلطائفه التي راضت وهذبت، وقادت إلى الجنّة العليا واستجلبت، وأدّت عن الله وأدّبت، الذي بجاهه نستكشف الغمّاء إذا طنّبت (٢) ، ونستوكف النّعماء، إذا أخلفت البروق وكذبت، ونتحابّ في طاعته ابتغاء الوسيلة إلى شفاعته فنقول وجبت حسبما ثبت (٣) ، والرضى عن آله وأصحابه وأنصاره وأحزابه التي استحقّت المزية المرضية واستوجبت، لما انتمت إلى كماله وانتسبت، وببذل نفوسها في الله ومرضاته تقرّبت، وغلى نصرته في حياته انتدبت، والمناصل قد رويت من دماء الأعداء واختضبت (٤) ، وخلفته في أمّته بعد مماته بالهمم التي عن صدق اليقين أعربت، فتداعت لمجاهدة (٥) الكفّار وانتدبت، وأبعدت المغار وأدربت، حتى بلغ ملك أمّته أقاصي البلاد التي نبت، فكسرت الصّلب التي نصبت، ونفّلت (٦) التيجان التي عصبت، ما همت السّحب وانسحبت، وطلعت الشمس وغربت، والدعاء لمثابتكم العليا بالنصر العزيز كلّما جهّزت الكتائب وتكتّبت، والفتح المبين كلّما ركنت عقائل القواعد إذا خطبت، والصنائع التي مهما حدّقت فيه العيون تعجّبت، أو جالت في لطائفها الأفكار استطابت مذاق الشكر واستعذبت، حتى تنجز لكم مواعيد النصر فقد اقتربت، فإنّا كتبنا إليكم كتب الله لكم أغيا ما سألت الألسن السائلة واستوعبت، من
стр. 534
حمراء غرناطة حرسها الله تعالى وجنود الله بفضل الله تعالى ونعمته قد غلبت، وفتحت وسلبت، وأسود جهاده قد أردت الأعداء بعدما كلبت، ومراعي الآمال قد أخصبت، والحمد لله حمداً يجلو وجوه الرضى بعدما احتجبت، ويفتح أبواب المزيد فكلّما استقبلها الأمل رحّبت، والشكر لله شكراً يقيّد شوارد النعم ممّا أبقت وما هربت، وإلى هذا - وصل الله لمقامكم أسباب الظهور والاعتلاء، وعرّفكم عوارف الآلاء على الولاء - فإنّنا لمّا ورد علينا كتابكم البرّ الوفادة، الجمّ الإفادة، الجامع بين الحسنى والزيادة، جالي غرّة الفتح الأعظم من ثنايا السعادة، وواهب المنن المتاحة وواصفالنعم العادة، فوقفنا (١) من رقّه المنشور على تحف سنيّة، وأمانيّ هنيّة، وقطاف للنصر جنيّة، ضمنت سكون البلاد وقرارها، وأن الله قد أذهب الفتن وأوارها وأخمد نارها، ونضح عن وجه الإسلام عارها، وجمع الأهواء على من هويته السعادة بعد أن أجهد اختيارها، فأصبح الشتيت مجتمعاً، وجنح الجناح مرتفعاً، والجبل المخالف خاشعاً متصدّعاً، وأصحب (٢) في القياد من كان متمنّعاً (٣) ، فاستوثقت الطاعة، وتبجّحت السنّة والجماعة، وارتفعت الشناعة، وتمسّكت البلاد المكرهة بأذيال وليّها لما رأته، وعادت الأجياد العاطلة إلى حليها بعدما أنكرته، أجلنا جياد الأقلام في ملعب الهناء وميدانه، لأول أوقات إمكانه على بعد مكانه، وأجهدنا عبارة الكلام في إجلال هذا الصنع وتعظيم شأنه، وأغرينا الثناء بشيم مجدكم في شرحه لها وبيانه، رأينا أن لا نكل ذلك إلى اليراع، ونفرده فيه بالاجتماع، وما يتعاطاه من منّة الذراع، وأن نشدّ بردء من المشافهة أزره، ونعضد بمعين من اللسان أمره، فعيّنّا لذلك من يفسّر منه المجمل، ويمهّد المقصد المعمل، حتى يجمع بين أغراض البر، والعلن منه
стр. 535
والسر، ويقيم شتّى الأدلّة على الوداد المستقر، ووجّهنا في غرض الرسالة به إليكم، واخترنا لشرحه بين يديكم، خطيب الوفود، وبركة المشايخ في هذا المقام المحمود، الشيخ الجليل الشهير الكبير الصالح الفاضل أبا البركات ابن الحاج (١) - وصل الله حفظه؛ وأجزل من الحمد واللطف حظّه؛ - وهو البطل الذي لا يعلّم الإجالة في الميدان، ولا يبصّر بوظائف ذلك الشان، ومرادنا منه أن يطيل ويطيب، ويجيل في وصف محاسنكم اللسان الرّطيب، ويقرّر ما عندنا لمقامكم من التشيّع الذي قام على الحب المتوارث أساسه، واطّرد حكمه وأنتج قياسه، وليجعل تلو مقصد الهناء، بمجلسكم الباهر السناء، الصارف إلى الجهاد إلى سبيل الله والفناء، وجه التهمّم والاعتناء، على مر الآناء، ما تجدّد لدينا من الأنباء في جهاد الأعداء، وإن كان رسولكم - أعزه الله تعالى - قد شارك في السّرى والسير ويمن الطّير، وأغنى في الحكاية عن الغير، فلا سرف في الخير، وهو أننا لما انصرفنا من منازلة قرطبة نظراً للحشود التي نفدت معدّا أزوادها، وشابت بهشيم الغلّة المستغلّة (٢) مفارق بلادها، وإشفاقاً لفساد أقواتها، بفوات أوقاتها، رحلنا عنها وقد انطوينا من إعفاء أكثر (٣) تلك الزروع، المائلة الفروع، الهائلة الروع، على همّ ممض، وأسف للمضاجع مقض (٤) ، إذ كان عاذل المطر يكف ألسنة النار عن المبالغة في التهابها، وحلاق إهابها، ونفض أغوارها، ونهب شوارها، وإذاعة أسرارها، وهي البحور المتلاطمة، إذا حطمتها الرياح الحاطمة، واللّجج الزاخرة، إذا حركتها
стр. 536
السوافي الماخرة، تود العيون أن تتحدى حدودها القاصية فلا تطيق، والركائب الراكضة أن تشرف على غايتها فيفضل عن مراحلها الطريق، قد جللها الربيع أرزاقاً تغص به الخزائن والأطباق، وحبوباً مفضلة لا يرزؤها الإنفاد والإنفاق، ولو اعتصبت (١) على انتسافها الآفاق، فخففنا في سبيل الله لتعقيب غزو تلك الأقطار المخالفة، بمحق الصائفة، وإحانة (٢) تلك الطائفة، بكلوم المجاعة الجائفة (٣) ، خفوفاً لم نقنع فيه بالاستنابة، حرصاً على استئصال الصّبابة، وأعفينا الرحل من اتصال الكد، وقابلنا قبولهم على استصحابنا فيها بالرد، وأطللنا على قرطبة بمحلاتنا ننسف جبال النعم (٤) نسفاً، ونعمّ الأرض زلزالاً وخسفاً، ونستقري مواقع البذر إحراقاً (٥) ، ونخترق أجوابها المختلفة بحبّ الحصيد اختراقاً، ونسلّط عليها من شرر النار أمثال (٦) الجمالات الصّفر مدّت من الشّواظ أعناقاً، ونوسع القرى الواسعة قتلاً واسترقاقاً، وندير على مستديرها أكواس الحتوف دهاقاً، وأخذت النيران واديها الأعظم من كلا جانبيه حتى كأن القيون (٧) أحمت سبيكته فاستحالت، وأذابت صفيحته فسالت، وأتت الكفار سماؤهم بالدخان المبين، وصارت الشمس من بعد سفورها وعموم نورها منقّبة المحيّا معصبة الجبين، وخضنا أحشاء الفرنتيرة (٨) نعمّ أشتات النّعم انتسافاً، وأقوات أهلها إتلافاً، وآمال سكانها إخلافاً، وقد بهتوا لسرعة الرجوع، ودهشوا
стр. 537
لوقوع الجوع، وتسبيب تخريب الربوع، فمن المنكر البعيد، أن يتأتى بعد عمرانها المعهود، وقد اصطلم الزرع واجتثّ العود، وصار إلى العدم منها الوجود، ورأوا من عزائم (١) الإسلام خوارق تشذّ عن نطاق العوائد، وعجائب تستريب فيها عين المشاهد، إذ اشتمل هذا العام، المتعرّف فيه من الله تعالى الإنعام، على غزواتٍ أربع دمرت فيها القواعد الشهيرة تدميراً، وعلا فوق مراقيها الأذان عزيزاً جهيراً، وضويقت كراسيّ الملك تضييقاً كبيراً، وأذيقت وبالاً مبيراً، ورياح الإدالة إن شاء الله تعالى تستأنف هبوباً، وبأساً مشبوباً، والثقة بالله قد ملأت نفوساً مؤمنة وقلوباً، والله سبحانه المسؤول أن يوزع شكر هذه النعمة التي أثقل الأكتاد، وأبهظت الطّوق المعتاد، وأبهجت المسيم (٢) والمرتاد، فبالشكر يستدر مزيدها (٣) ، ويتوالى تجديدها، وقطعنا في بحبوحة تلك العمالة المستبحرة العمارة، والفلج المغني وصفها عن الشرح والعبارة، مراحل ختمنا بالتعريج على حزب (٤) جيّان حربها، ففللنا ثانية غربها، وحثثنا في أنجادها وأغوارها ركائب الاستيلاء، فم نترك بها ملقط طير، فضلاً عن معاف عير، ولا اسأرنا لفلها المحروب بلالة خير، وقفلنا وقد تركنا بلاد النصارى التي منها لكيادنا المدد، والعدّة والعدد، وفيها الخصام واللّدد، قد لبست الحداد حريقاً، وسلكت إلى الخلاء والجلاء طريقاً، ولم نترك بها مضغة تخالط ريقاً، ولا نعمة تصون من الفراق فريقاً، وما كانت تلك النعم لولا أن أعان الله تعالى من عنصري النار والهواء بجنود كونه الواسع، ومدركه البعيد الشاسع، لتتولى الأيدي البشريّة تغريبها ولا ترزأ كثيرها، ولا
стр. 538
لتمتاح بالاغتراف غديرها، بل لله القدرة جميعاً، فقدرته لا تتحامى ريعاً، ولا حمى مريعاً منيعاً، وعدنا والعود في مثلها أحمد، وقد بعد في شفاء النفوس الأمد، ونسخ بالسرور الكمد، ورفعت من عز الإسلام العمد، والحمد لله حمد الشاكرين، ومنه نلتمس عادة النصر على أعدائه فهو خير الناصرين، عرّفناكم به ليسر دينكم المتين، ومجدكم الذي راق منه الجبين، والله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويبلغكم أملكم من فضله، وقصدكم بمنّه وطوله، والسلام الكريم يخصّكم ورحمة الله تعالى وبركاته، انتهى. رجع إلى ما كنّا بسبيله من أخبار قرطبة الجليلة الوصف، وذكر جامعها البديع الإتقان والرصف، فنقول:
رجع إلى ما كنا بسبيله من أخبار قرطبة الجليلة الوصف، وذكر جامعها البديع الإتقان والرصف، فنقول:
قد شاع وذاع على ألسنة الجمّ الغفير من الناس في هذه البلاد المشرقيّة وغيره أن جامع قرطبة ثلاثمائة ونحو ستين طاقاً، على عدد أيّام السنة، وأن الشمس تدخل كل يوم من طاق، إلى أن يتم الدور ثم تعود، وهذا شيء لم أقف عليه في كلام المؤرخين من أهل المغرب والأندلس، ولو كان كما شاع لذكروه وتعرّضوا له، لأنّه من أجب ما يسطر، مع أنّهم ذكروا ما هو دونه، فالله أعلم بحقيقة الحال في ذلك (١) ، وستأتي في الباب السابع رسالة الشّقندي الطويلة وفيها من محاسن قرطبة وسائر بلاد الأندلس الطّم والرّم، وقد ذكرنا في الباب الأول جملة من محاسن قرطبة، فأغنىذلك عن إعادتها هنا، على أن رسالة الشّقندي تكرر فيها بعض ما ذكرناه، لأنّا لم نرد أن نخل منها بحرف، فأتينا بها بلفظها، وإن تكرر بعض ما فيها مع بعض ما أسلفناه، والعذر واضح للمنصف المغضي، والله نسأل سلوك السبيل الذي يرضي، بمنّه وكرمه.
стр. 539
وقال صاحب نشق الأزهار: إن في جامع قرطبة تنّوراً من نحاس أصفر يحمل ألف مصباح، وفيه أشياء غريبة، من الصنائع العجيبة، يعجز عن وصفها الواصفون، قيل: أحكم عمله في سبع سنين، وفيه ثلاثة أعمدة من رخام أحمر، مكتوب على الواحد اسم محمد، وعلى الآخر صورة عصا موسى وأهل الكهف، وعلى الثالث (١) صورة غراب نوح ﵊، الثلاثة خلقها الله تعالى ولم يصنعها صانع، انتهى.
قلت: لم أر أحداً من محققي المؤرخين للأندلس وثقاتهم ذكر هذا، على قلّة اطلاعي، وهو عندي بعيد، لأنّه لو كان لذكره الأئمة.
وقد حكى القاضي (٢) عياض في الشفاء أشياء وجد عليها اسم نبينا ﷺ ، ولم يذكر هذا، ويستبعد أن يكون بجامع قرطبة ولا يذكره، والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر.
وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: من دور قرطبة أربعة عشر ميلاً، وعرضها ميلان، وهي على النهر الكبير وعليه جسران، وبها الجامع الكبير الإسلامي، وبها الكنيسة المعظمة بين النصارى، وبهذه المدينة معدن الفضّة ومعدن الشاذنج (٣) ، وهو حجر من شأنه أن يقطع الدم؛ وكان يجلب منها البغال التي تباع كل واحدة منها بخمسمائة دينار من حسنها وعلوّها الزائد، انتهى.
رجع إلى أخبار البنيان:
ولا خفاء أنّه يدل على عظيم قدر بانيه، ولذلك قال أمير المؤمنين الناصر المرواني باني الزهراء رحمه الله تعالى حسبما نسبهما له بعض العلماء وبعض ينسبهما لغيره، وسيأتيان في ترجمة نور الدين بن سعيدٍ عليٍّ منسوبين:
стр. 540
همم الملوك إذا أرادوا ذكرها ... من بعدهم فبألسن البنيان
إن البناء إذا تعاظم قدره ... أضحى يدلّ على عظيم الشان وتذكرت هنا قصيدة قالها بعض الشاميين، وهو الأديب الفاضل الشيخ أسد بن معين الدين، ممّا يكتب على أبراج (١) دار الحسيب النسيب، الشهير البيت، الكبير الحي والميت، القاضي عبد الرحمن بن الفرفور الدمشقي، وضمّنها بيتي الناصر المذكورين:
زر مجلساً أضحى أعزّ مكان ... ومحلّ أهل العلم والعرفان
المجد خيّم في ذرى أبراجه ... والسعد عبد الباب طول زمان
كالخلد مرفوع البناء، وأرضه ... مفروشة بالدّرّ والعقيان
بيت به فخر البيوت لأنّه ... بيت القصيد ومنزل الضيفان
مغنىً فسيحٌ فيه معنى مفصح ... عن قدر بانيه بغير لسان
قد قال بعض ذوي الفضائل قبلنا ... قولاً بديعاً واضح التبيان
همم الملوك إذا أرادوا ذكرها ... من بعدهم فبألسن البنيان
إن البناء إذا تعاظم قدره ... أضحى يدلّ على عظيم الشان
قد شاده من ساد أهل زمانه ... بالأصل والإفضال والرّجحان
ورث السيادة كابراً عن كابر ... وسما برفعته على كيوان
قاضي القضاة ومفخر العصر الذي ... قد جاء فيه سابق الأقران
في العلم بحرٌ لا ينال قراره ... في الحكم مثل مهنّدٍ وسنان
يروي عطاءٌ عن يديه قد اقتفى ... آثار آباء ذوي إحسان
لا زال يبقى شائداً بيت العلا ... وعدوّه في الوهن والنقصان
يا أيّها المولى الذي يجري مع الإق ... بال والإسعاد طلق عنان (٢)
стр. 541
دم شامخ المقدار مرتفع البنا ... والناس تحت رضاك كالغلمان
متمتّعاً ببنيك سادات الورى ... في عزّ ربّ دائم السلطان
ما رجّع القمريّ في تغريده ... في الروض فوق منابر الأغصان وكان القاضي عبد الرحمن بن فرفور المذكور عالي الهمّة، تضيق يده عمّا يريد، فلذلك كان كثيراً ما يبث شكواه في الطروس والدفاتر، ويعتب على الزمان الذي أخنى على أهل الأدب وقطع آمالهم بحسامه الباتر، ويرحم الله القائل:
هذا زمان دريهمي لا غيره ... فدع الدفاتر للزمان الفاتر فمن نظم المذكور وقد أبطأ بجزء استعاره من بعض إخوانه، فكتب إليه معتذراً، وأدمج شكوى الزمان الذي كان من شماتة الأعداء به حذراً:
أبطأت في ذا الجزء يا سيّدي ... كتابة من جور دهرٍ بغيض
صابرته فالجسم مني لقىً ... تجلّداً والقلب مني مريض
فإذ أبى إلا تلافي وقد ... أحلّني منه محلّ النقيض
واقتادني قسراً إلى مصرعٍ ... قد رقّ منه اللحم والعظم هيض
سلّمت للأقدار مستسرعاً ... لباب مولىً ذي عطاء عريض
جموم صبر كنت أسطو به ... على روايا الدهر بالهمّ غيض
فلا تلم يا صاح من بعد ذا ... إذا تمثلت به حال الجريض ورأيت بخطّه رحمه الله تعالى ممّا نسبه جده القطب الخيضري الحافظ لإبراهيم بن نصر الحموي ثم المصري المعروف بابن الفقيه:
يا زماناً كلّما حا ... ولت أمراً يتمنّع
إن تعصّبت فإنّي ... باصطباري أتقنّع
стр. 542
وهذه تورية بديعة للغاية في التعصب والتقنّع، مع حلاوة النظم وجودة السبك وخفّة الوزن، والله سبحانه يروّح تلك الأرواح في الجنان، ويعاملنا وإيّاهم بمحض الفضل والامتنان، ويكفينا شجون دهر جرى بنا طلق العنان.
حديث عن الزهراء
رجع إلى ما كنّا فيه: وكنت وقفت في كلام بعض العلماء على أن البيتين السابقين المنسوبين إلى أمير المؤمنين الناصر المرواني - رحمه الله تعالى - قالهما في الزهراء التي بناها، وسيأتي ذكرها قريباً.
وقال الشيخ سيّدي محيي الدين بن عربي في المسامرات: قرأت على مدينة الزهراء بعد خرابها وصيرورتها مأوى الطير والوحش، وبناؤها عجيب في بلاد الأندلس، وهي قريبة من قرطبة، أبياتاً تذكّر العاقل، وتنبّه الغافل، وهي:
ديارٌ بأكناف الملاعب تلمع ... وما إن بها من ساكنٍ وهي بلقع
ينوح عليها الطير من كل جانب ... فيصمت أحياناً وحيناً يرجّع
فخاطبت منها طائراً متغرّداً (١) ... له شجنٌ في القلب وهو مروّع
فقلت: على ماذا تنوح وتشتكي؟ ... فقال: على دهرٍ مضى ليس يرجع ثم قال: وأخبرني بعض مشايخ قرطبة عن سبب بناء مدينة الزهراء أن الناصر ماتت له سرّيّة، وتركت مالاً كثيراً، فأمر أن يفك بذلك المال أسرى المسلمين، وطلب في بلاد الإفرنج أسيراً فلم يوجدن فشكر الله تعالى على ذلك، فقالت له جاريته الزهراء؟ وكان يحبّها حبّاً شديداً -: اشتهيت لو بنيت لي مدينة تسميها باسمي، وتكون خاصّة لي، فبناها تحت جبل العروس من قبلة الجبل، وشمال قرطبة، وبينها وبين قرطبة اليوم ثلاثة أميال أو نحو ذلك، وأتقن بناءها، وأحكم الصنعة فيها، وجعلها مستنزها ومسكناً للزهراء
стр. 543
وحاشية ارباب دولته، ونقش صورتها على الباب، فلمّا قعدت الزهراء في مجلسها نظرت إلى بياض المدينة وحسنها في حجر الجبل الأسود، فقالت: يا سيّدي، ألا ترى إلى حسن هذه الجارية الحسناء في حجر ذلك الزنجي؟ فأمر بزوال ذلك الجبل، فقال بعض جلسائه: أعيذ أمير المؤمنين أن يخطر له ما يشين العقل سماعه، لو اجتمع الخلق ما أزالوه حفراً ولا قطعاً، ولا يزيله إلاّ من خلقه، فأمر بقطع شجره وغرسه تيناً ولوزاً، ولم يكن منظر أحسن منها، ولا سيّما في زمان الإزهار وتفتّح الأشجار (١) ، وهي بين الجبل والسهل، انتهى ببعض اختصار.
[وصف ابن خلّكان للزهراء]
وقال ابن خلكان (٢) في ترجمة المعتمد بن عباد ما صورته (٣) : الزّهراء - بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الراء، وبعدها همزة ممدودة -[سراية] وهي من عجائب أبنية الدنيا، وأنشأها أبو المظفّر (٤) عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الملقّب بالناصر، أحد ملوك بني أميّة بالأندلس، بالقرب من قرطبة، في أول سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، ومسافة ما بنيهما أربعة أميال وثلثا ميل، وطول الزهراء من الشرق إلى الغرب ألفان وسبعمائة ذراع، وعرضها من القبلة إلى الجنوب ألف وخمسمائة ذراع، وعدد السواري التي فيها أربعة آلاف سارية وثلاثمائة سارية، وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر ألف باب؛ وكان الناصر يقسم جباية البلاد أثلاثاً: فثلث للجند، وثلث مدخر، وثلث ينفقه على عمارة الزهراء، وكانت جباية الأندلس خمسة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف
стр. 544
وثمانين ألف دينار، ومن السوق والمستخلص (١) سبعمائة ألف دينار وخمسة وستون ألف دينار، وهي من أهول ما بناه الإنس، وأجلّه خطراً، وأعظمه شأناً، ذكر ذلك كلّه ابن بشكوال في تاريخ الأندلس، انتهى كلامه.
وحكى في المطمح (٢) أن الوزير الكبير الشهير أبا الحزم بن جهور قال وقد وقف على قصور الأمويين التي تقوّضت أبنيتها، وعوّضت من أنيسها بالوحوش (٣) أفنيتها:
قلت يوماً لدار قوم تفانوا: ... أين سكّانك العزاز علينا؟
فأجابت: هنا أقاموا قليلاً، ... ثم ساروا، ولست أعلم أينا وفيه (٤) أن أبا عامر بن شهيد بات ليلة بإحدى كنائس قرطبة وقد فرشت بأضغاث آس، وعرشت بسرورٍ وائتناس، وقرع النواقيس يهيج سمعه، وبرق الحميّا يسرع (٥) لمعه، والقس قد برز في عبدة المسيح، ومتوشّحاً بالزنانير أبدع توشيح، وقد هجروا الأفراح، واطّرحوا النعم كل اطّراح:
لا يعمدون إلى ماء بآنيةٍ ... إلاّ اغترافاً من الغدران بالراح وأقام بينهم بعملها حميّا، كأنّما يرشف من كأسها شفة لميا، وهي تنفح له بأطيب عرف، كلّما رشفها أعذب رشف، ثم ارتجل، بعدما ارتحل، فقال:
ولربّ حانٍ قد شممت بديره ... خمر الصبا مزجت بصرف عصيره
في فتية جعلوا السّرور شعارهم ... متصاغرين تخشّعاً لكبيره
стр. 545
والقسّ ممّا شاء طول مقامنا ... يدعو بعود حولنا بزبوره
يهدي لنا بالرّاح كل مصفّرٍ ... كالخشف خفّره التماح خفيره
يتناول الظّرفاء فيه وشربهم ... لسلافه، والأكل من خنزيره
رجع إلى بناء (١) الزهراء
قال بعض من أرّخ الأندلس: كان يتصرّف في عمارة الزهراء كل يوم من الخدام والفعلة عشرة آلاف رجل، ومن الدواب ألف وخمسمائة دابة، وكان من الرجال من له درهم ونصف ومن له الدرهمان والثلاثة، وكانيصرف فيها كل يوم من الصخر المنحوت المعدل ستّة آلاف صخرة سوى الآجرّ والصخر غير المعدل، انتهى، وسيأتي في الزهراء (٢) مزيد كلام.
وقال ابن حيّان (٣) : ابتدأ الناصر بناء الزهراء ألو يوم من محرم سنة ٣٢٥، وجعل طولها من شرق إلى غرب ألفين وسبعمائة ذراع، وتكسيرها تسعمائة ألف ذراع وتسعون ألف ذراع، كذا نقله بعضهم، وللنظر فيه مجال، قال (٤) : وكان يثيب على كل رخامة كبيرة أو صغيرة عشرة دنانير سوى ما كان يلزمه [من النفقة] (٥) على قطعها ونقلها ومؤونة حملها (٦) ، وجلب إليها الرخام الأبيض من المرية، والمجزّع من رية، والوردي والأخضر من إفريقية من إسفاقس وقرطاجنة، والحوض المنقوش المذهب من الشام، وقيل: من القسطنطينية، وفيه نقوش وتماثيل (٧) على صور الإنسان، وليس له قيمة، ولمّا جلبه أحمد (٨)
стр. 546
الفيلسوف - وقيل غيره - أمر الناصر بنصبه في وسط المجلس الشرقي المعروف بالمؤنس، ونصب عليه اثني عشر تمثالاً، بنى في قصرها المجلس المسمّى بقصر الخلافة، وكان سمكه من الذهب والرخام الغليظ في جرمه (١) الصافي لونه المتلوّنة أجناسه، وكانت حيطان هذا المجلس مثل ذلك وجعلت في وسطه اليتيمة التي أتحف الناصر بها أليون ملك القسطنطينية، وكانت قرامد هذه القصر من الذهب والفضّة، وهذا المجلس في وسطه صهريج عظيم مملوء بالزئبق، وكان في كل جانب من هذا المجلس ثمانية أبواب قد انعقدت على حنايا من العاج والآبنوس المرصّع بالذهب وأصناف الجواهر، قامت على سواري من الرخام الملون والبلّور الصافي، وكانت الشمس تدخل على تلك الأبواب فيضرب شعاعها في صدر (٢) المجلس وحيطانه فيصير من ذلك نور يأخذ بالأبصار، وكان الناصر إذا أراد أن يفزع أحداً من أهل مجلسه أومأ إلى أحد صقالبته فيحرّك ذلك الزئبق فيظهر في المجلس كلمعان البرق من النور، ويأخذ بمجامع القلوب، حتى يخيّل لكل من في المجلس أن المحلّ قد طار بهم، ما دام الزئبق يتحرّك، وقيل: إن هذا المجلس كان يدور ويستقبل الشمس، وقيل: كان ثابتاً على صفة (٣) هذا الصهريج، وهذا المجلس لم يتقدّم لأحد بناؤه في الجاهلية ولا في الإسلام وإنّما تهيأ له لكثرة الزئبق عندهم، وكان بناء الزهراء في غاية الإتقان والحسن، وبها من المرمر والعمد كثير، وأجرى فيها المياه، وأحدق بها البساتين، وفيها يقول الشاعر السميسر (٤) :
وقفت بالزّهراء مستعبراً ... معتبراً أندب أشتاتا
فقلت: يا زهرا ألا فارجعي ... قالت: وهل يرجع من ماتا؟
стр. 547
فلم أزل أبكي وأبكي بها ... هيهات يغني الدمع هيهاتا
كأنّما آثار من قد مضى ... نوادبٌ يندبن أمواتا انتهى كلام هذا المؤرخ ملخصاً، وسيأتي ما يوافق جلّه، ويخالف قلّه، والله سبحانه يعلم الأمر كلّه، فإنّه ربّما ينظر المتأمّل هذا الكتاب فيجد في بعض الأخبار تخالفاً، فيحمل ذلك على الغلط، وليس كذلك، وإنّما السبب الحامل لذلك جلب كلام الناس بعباراتهم، والناقد البصير لا يخفاه مثل هذا، وربّما يقع التكرار، وذلك من أجل ما ذكر، والله أعلم.
[قصور بني ذي النون]
وتذكرت بما وصفه من مجلس الناصر ما حكاه غير واحد عن القصر العظيم الذي شاده ملك طليطلة المأمون ابن ذي النّون بها (١) ، وذلك أنّه أتقنه إلى الغاية، وأنفق عله أموالاً طائلة، وصنع في وسطه بحيرة، وصنع في وسط البحيرة قبّة من زجاج ملوّن منقوش بالذهب، وجلب الماء على رأس القبة بتدبير أحكمه المهندسون، فكان الماء ينزل من أعلى القبة على جوانبها محيطاً بها ويتّصل بعضه ببعض، فكانت قبة الزجاج في غلالة ممّا سكب (٢) خلف الزجاج لا يفتر من الجري، والمأمون قاعد فيها لا يمسّه من الماء شيء ولا يصله، وتوقد في الشموع فيرى لذلك منظر بديع عجيب، وبينما هو فيها مع جواريه (٣) ذات ليلة إذ سمع منشداً ينشد:
أتبني بناء الخالدين، وإنّما ... بقاؤك (٤) فيها لو علمت قليل
لقد كان في ظل الأراك كفاية ... لمن كلّ يوم يقتضيه رحيل
стр. 548
فنغص عليه حاله، وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أظن أن الأجل قد قرب (١) ، فلم يلبث بعدها غير شهر وتوفّي، ولم يجلس في تلك القبّة بعدها، وذلك سنة ٤٦٧، تجاوز الله تعالى عنه، هكذا حكاه بعض مؤرخي المغرب.
وقد ذكر في غير هذا الموضع من هذا الكتاب حكاية هذه القبّة بلفظ ابن بدرون (٢) شارح العبدونيّة فليراجع.
وتذكرت هنا قول أبي محمّد المصريّ (٣) في صفة قصر طليطلة:
قصرٌ يقصّر عن مداه الفرقد ... عذبت مصادره وطاب المورد
نشر الصباح عليه ثوب مكارم ... فعليه ألوية السعادة تعقد
وكأنّما المأمون في أرجائه ... بدر تمام قابلته أسعد
وكأنّما الأقداح في راحاته ... بدٌّ جمادٌ ذاب فيه العسجد وله في صفة البركة والقبة عليها:
شمسيّة الأنساب بدريّة ... يحار في تشبيهها الخاطر
كأنّما المأمون بدر الدّجى ... وهي عليه الفلك الدائر [أشعار ورسائل للأندلسيين في وصف المجالس]
وكان ملوك الأندلس في غية الاحتفال بالمجالس والقصور، وللوزير الجزيري (٤) - رحمه الله تعالى - في وصف مجلس المنصور بن أبي عامر ما
стр. 549
يشهد لذلك، وهو قوله (١) :
وتوسّطتها لجّة في قعرها ... بنت السّلاحف ما تزال تنقنق
تنساب من فكّي هزبر إن يكن ... ثبت الجنان فإن فاه أخرق
صاغوه من ندّ وخلّق صفحتي ... هاديه محض الدرّ فهو مطوّق (٢)
للياسمين تطلّعٌ في عرشه ... مثل المليك عراه زهوٌ مطرق
ونضائد من نرجس وبنفسج ... وجنيّ خيريّ وورد يعبق
ترنو بسحر عيونها وتكاد من ... طرب إليك بلا لسان تنطق
وعلى يمينك سوسنات أطلعت ... زهر الربيع فهنّ حسناً تشرق
فكأنّما هي في اختلاف رقومها ... رايات نصرك يوم بأسك تخفق
في مجلس جمع السرور لأهله ... ملكٌ إذا جمعت قناه يفرق
حازت بدولته المغارب عزةً (٣) ... فغدا ليحسدها عليه المشرق ومن هذه القصيدة:
أمّا الغمام فشاهدٌ لك أنّه ... لا شكّ صنوك أو أخوك (٤) الأوثق
وافى الصنيع فحين تمّ تمامه ... في الصّحو أنشأ ودقه يتدفّق
وأظنّه يحكيك جوداً إذ رأى ... في اليوم بحرك زاخراً يتفهّق وكان السبب في هذه الأبيات أن المنصور صنع في ذلك الأوان صنيعاً لتطهير ابنه عبد الرحمن، وكان عام قحطٍ، فارتفع السعر بقرطبة، وبلغ ربع الدقيق
стр. 550
إلى دينارين، فجلا الناس من قرطبة، فلمّا كان يوم ذلك الصنيع نشأت في السماء سحابة عمّت الأفق، ثم أتى المطر الوابل، فاستبشر الناس، وسرّ المنصور بن أبي عامر فقال الجزيري بديهةّ: أمّا الغمام إلخ.
وهو القائل على لسان نرجس العامرية (١) :
حيّتك يا قمر العلا والمجلس ... أزكى تحيّتها عيون النرجس
زهر تريك بحسنها (٢) وبلونها ... زهر النجوم الجاريات الكنّس
ملّكن الهمام العامريّ محمّدٍ ... للمكرمات وللنّهى والأنفس قال ابن بسام (٣) : ومن شعر الجزيري ما اندرج له أثناء نثره (٤) الذي ملح فيه مخاطبته للمنصور على السنة أسماء كرائمه بزهر رياضه، فمن ذلك عن بهار العامريّة:
حدق الحسان تقرّ لي وتغار ... وتضلّ في صفتي النّهى وتحار
طلعت على قضبي عيون كمائمي (٥) ... مثل العيون تحفّها الأشفار
وأخصّ شيء بي إذا شبّهتني ... دررٌ تنطّق سلكها دينار
أهدى له قضب الزمرّد ساقه ... وحباه أنفس عطره العطّار
أنا نرجسٌ حقاً بهرت عقولهم ... ببديع تركيبي فقيل بهار ومن أخرى عن بنفسج العامريّة (٦) : إذا تدافعت الخصوم - أيّد الله مولانا
стр. 551
المنصور - في مذاهبها، وتنافرت في مفاخرها، فإليه (١) مفزعها، وهو المقنع في فصل القضيّة بينها لاستيلائه على المفاخر بأسرها، وعلمه بسرّها وجهرها، وقد ذهب البهار والنرجس في وصف محاسنهما، والفخر بمشابههما، كل مذهب، وما منها إلا ذو فضيلة غير أن فضلي عليهما أوضح من الشمس التي تعلونا، وأعذب من الغمام الذي يسقينا، وإن كانا قد تشبّها في شعرهما ببعض ما في العالم من جواهر الأرض ومصابيح السماء وهي من الموات الصامت، فإنّي أتشبّه بأحسن ما زيّن الله بها الإنسان وهو الحيوان الناطق، مع أنّي أعطر منهما عطراً، وأحمد خبراً، وأكرم إمتاعاً شاهداً وغائباً ويانعاً وذابلاً، وكلاهما لا يمتع، إلاّ ريثما يينع (٢) ، ثم إذا ذبل تستكره النفوس (٣) شمّه، وتستدفع الأكفّ ضمّه، وأنا أمتع يابساً ورطباً، وتدخرني الملوك في خزائنها (٤) وسائر الأطباء، وأصرف في منافع الأعضاء، فإن فخرا باستقلالهما على ساق هي أقوى من ساقي، فلا غرو أن الوشي ضعيف، والهوى لطيف، والمسك خفيف، وليس المجد يدرك بالصّراع، وقد أودعت أيّد الله مولانا قوافي الشعر من وصف مشابهي ما أودعاه، وحضرت بنفسي لئلاّ أغيب عن حضرتهما، فقديماً فضل الحاضر وإن كان مفضولاً، ولذا قالوا: ألذ الطعام ما حضر لوقته، وأشعر الناس من أنت في شعره، فلمولانا أتم الحكم في أن يفصل بحكمه العدل، وأقول:
شهدت لنوّار البنفسج ألسنٌ ... من لونه الأحوى ومن إيناعه (٥)
стр. 552
لمشابه الشعر الأعمّ أعاره ال ... قمر المنير الطلق نور شعاعه
ولربّما جمع (١) النجيع من الطلى ... من صارم المنصور يوم قراعه
فحكاه غير مخالف في لونه ... لا في روائحه وطيب طباعه
ملك جهلنا قبله سبل العلا ... حتى وضحن بنهجه وشراعه
في سيفه قصرٌ لطول نجاده ... وتمام ساعده وفسحة باعه
ذو همّة كالبرق في إسراعه ... وعزيمة كالحين في إيقاعه
تلقى الزمان له مطيعاً سامعاً ... وترى الملوك الشّمّ من أتباعه وما أحسن قول بعض الأندلسيين يصف حديقة (٢) :
وحديقة مخضرّة أثوابها ... في قضبها للطير كل مغرد
نادمت فيها فتية صفحاتهم ... مثل البدور تنير بين الأسعد
والجدول الفضّيّ يضحك ماؤه ... فكأنّه في العين صفح مهنّد
وإذا تجعّد بالنسيم حسبته ... لمّا تراه مشبهاً للمبرد
وتناثرت نقطٌ على حافاته ... كالعقد بين مجمّع ومبدّد
وتدحرجت (٣) للناظرين كأنّها ... درٌّ نثيرٌ في بساط زبرجد وكان بحمّام الشطارة بإشبيلية صورة بديعة الشكل فوصفها بعض أهل الأندلس بقوله:
ودمية مرمرٍ تزهى بجيدٍ ... تناهى في التّورّد والبياض
لها ولدٌ ولم تعرف حليلاً ... ولا ألمت بأوجاع المخاض
ونعلم أنّها حجرٌ، ولكن ... تتيّمنا بألحاظٍ مراض
стр. 553
وكان بسرقسطة في القصر المسمى (١) بدار السرور، مجلس الذهب أحد قصور المقتدر بن هود وفيه يقول ذو الوزارتين بن غندشلب (٢) يهجو وزيراً كان (٣) ينبز بتحقون:
ضجّ من تحقون بيت الذّهب ... ودعا ممّا به واحربي
ربّ طهّرني فقد دنّسني ... عار تحقون الموفّى الذنب وكتب بعض كبراء الأندلس إلى إخوانه (٤) : كتابي هذا من وادي الزيتون، ونحن فيه مختلفون (٥) ، ببقعة اكتست من السندس الأخضر، وتحلّت بأنواع الزهر، وتخايلت بأنهار تتخلّلها، وأشجار تظللها، تحجب أدواحها الشمس لالتفافها، وتأذن للنسيم فيميل من أعطافها، وما شئتم من محاسن تروق وتعجب، وأطيار تتجاوب بألحان تلهي وتطرب، في مثلها يعود الزمان كلّه صباً، وتجري الحياة على الأمل والمنى، وأنا فيها - أبقاكم الله سبحانه - بحال من طاب غذاؤه، وحسن استمراؤه، وصحا من جنون العقر، واستراح من مضض (٦) الخمار، وزايلته وساوسه، وخلصت من الخباط هواجسه؛ ثم ذكر كلاماً من هذا النمط في وصف الخمار والدعاء إلى العقار.
стр. 554
فراجعه أبو الفضل بن حسداي برقعة قال في صدرها (١) : " إلى سيدنا (٢) الذي ألزمنا بامتنانه الشكر، وكبيرنا الذي علّمنا ببيانه السّحر، وعميدنا الذي عقدنا بحرمه وانحلّ (٣) ، ورمانا بدائه وانسلّ، أبقاك الله تعالى كتابك الذي أنفذتته من معرّسك بوادي الزيتون، ووقفنا على ما لقنت في أوصافه من حجّة المفتون، وإعجابك بالتفاف شجره ودوحاته، واهتزازك بلطيف بواكرهوروحاته، وغرورك (٤) به وهو حوّ تلاعه، مورودة هضابه وأجراعه، وكل المشارب ما خلا ذميم (٥) ، وماؤه الدهر خصر والمياه حميم، وتلك عادة تلوّنك، وسجيّة تخضرمك (٦) ، وشاكلة ملالك وسأمك، وأشعر الناس عندك من أنت في شعره، وأحب البلاد إليك ما أنت في عقره، فأين منك بساتين جلّق وجنانه، ورياضه المونقة وخلجانه، وقبابه البيض في حدائقه الخضر، وجوّه العطر في جنابه النضر (٧) ، وما تضمّه (٨) جيطانه، وتمجّه أنجاده (٩) غيطانه، من أمهات الراح التي طلّقتها (١٠) بزعمك، وموادّ (١١) الشّمول التي
стр. 555
طلّقتها برغمك، وهيهات فوالله ما فارقتك تلك الأجارع والمجاني، ولا شاقتك من جميل المشاهد، وأين من المشتاق عنقاء مغرب ثم ذكر كلاماً في جواب ما مرّ من الخمار لم يتعلّق لي به غرض.
وما أحلى ما كتب به أبو إسحاق بن خفاجة من رسالة في ذكر منتزه (١) :
ولما أكبّ الغمام إكباباً، لم أجد منه إغباباً، واتصل المطر اتّصالاً، لم ألف منه انفصالاً، أذن الله تعالى للصّحو أن يطلع صفحته، وينشر صحيفته، فقشعت الريح السحاب، كما طوى السجلّ الكتاب، وطفقت السماء تخلع جلبابها، والشمس تحطّ (٢) نقابها، وتطلّعت (٣) الدنيا تبتهج كأنّها عروس تجلّت، وقد تحلّت، ذهبت في لمّة من الإخوان نستبق إلى الراحة ركضاً، ونطوي للتفرّج أرضاً، فلا ندفع إلا إلى غدير، نمير، قد استدارت منه في كل قرارة سماء، سحائبها غمّاء، وانساب في كلّ تلعةٍ حباب، وجلده حباب، فتردّدنا بتلك الأباطح، نتهادى تهادي أغصانها، ونتضاحك تضاحك أقحوانها، وللنسيم، أثناء ذلك المنظر الوسيم، تراسل مشي، على بساط وشي، فإذا مر بغدير نسجه درعاً، وأحكمه صنعاً، وإن عثر بجدول شطب منه نصلاً، وأخلصه صقلاً، فلا ترى إلاّ بطاحاً، مملوءة سلاحاً، كأنّما انهزمت هنالك كتائب فألقت بما لبسته من درع مصقول، وسيفٍ مسلول.
ومن فصل منها: فاحتللنا قبّة خضراء ممدودة أشطان الأغصان، وسندسية رواق الأوراق، ومازلنا نلتحف منها ببرد ظلٍّ ظليل، ونشتمل عليه برداء
стр. 556
نسيم عليل، ونجيل الطرف في نهر صقيل، صافي لجين الماء، كأنّه مجرّة السماء، مؤتلق جوهر الحباب، كأنّه من ثغور الأحباب، وقد حضرنا مسمعٌ يجري مع النفوس لطافة فهو يعلم غرضها وهواها، ويغني لها مقترحها ومناها، فصيح لسان النقر، يشفي من الوقر، كأنّه كاتب حاسب، تمشق يمناه، وتعقد يسراه:
يحرّك حين يشدو ساكناتٍ ... وتنبعث الطبائع للسكون وكانت بين أبي إسحاق وبعض إخوانه مقاطعة، فاتفق أن ولي ذلك الصديق حصناً، فخاطبه أبو إسحاق برقعة، منها (١) : أطال الله بقاء سيّدي النبيهة أوصافه النزيهة عن الاستثناء، المرفوعة إمارته الكريمة بالابتداء، وما انحذفت ياء يرمي للجزم، واعتلت واو يغزو لموضع الضم، كتبت عن ودّ قديم هو الحال، لم يلحقها انتقال، وعهد كريم هو الفعل لم يدخله الاعتلال، والله يجعل هاتيك من الأحوال الثابتة اللازمة، ويعصم هذا بعدمن الحروف الجازمة، وأنا أستنهض طولك إلى تجديد عهدك بمطالعة ألف الوصل، وتعدية فعل الفصل، وعدولك عن باب ألف القطع، إلى باب الوصل والجمع، حتى يسقط لدرج الكلام بيننا هاء السكت، ويدخل الانتقال حال الصمت، فلا تتخيّل أعزّك الله أن رسم إخائك عندي ذو حساً (٢) قد درس عفاء، ولا أن صدري دار مية أمسى من ودّك خلاء (٣) ، وإنّما أنا فعلٌ إذا ثنّي ظهر من ضمير ودّه ما بطن، وبدا منها ما كمن، وهنيئاً أعزّك الله أن فعل وزارتك حاضر لا يلحق رفعه تغيير، وأن فعل سيفك ماضٍ ما به للعوامل تأثير، وأنت بمجدك جماع أبواب الظّرف، تأخذ نفسك العلية بمطالعة باب الصرف،
стр. 557
ودرس حروف العطف، وتدخل لام التبرئة على ما حدث من عتبك، وتوجب بعد النفي ما سلف من قربك (١) ، وتدع ألف الألفة أن تكون بعد من حروف اللين، وترفع بالإضافة بيننا وجود التنوين، وتسوم ساكن الود أن يتحرّك ومعتلّ الإخاء أن يصح، وكتابي هذا حرف صلة فلا تحذفه حتى تعود الحال الأولى صفة، وتصير هذه النكرة معرفة، فأنت أعزّك الله مصدر فعل السرور والنبل، ومنك اشتقاق اسم السؤدد والفضل، وإنّك وإن تأخّر العصر بك كالفاعل وقع مؤخراً، وعدوك وإن تكبر كالكميت لم يقع إلاّ مصغّراً، وللأيّام علل تبسط وتقبض، وعوامل ترفع وتخفض، فلا دخل عروضك قبض، ولا عاقب رفعك خفض، ولا زلت مرتبطاً بالفضل شرطك وجزاؤك، جارياً على الرفع سروك الكريم وسناؤك، حتى يخفض الفعل، وتبنى على الكسر قبل، إن شاء الله.
وكتب رحمه الله تعالى يستدعي عود غناء (٢) : انتظم من إخوانك - أعزّك الله تعالى - عقد شرب يتساقون في ودّك، ويتعاطون ريحانة شكرك وحمدك، وما منهم إلا شره المسامع إلى رنّة حمامة ناد، لا حمامة بطن واد، والطّول لك في صلتها بجماد ناطق قد استعار من بنانٍ لساناً، وصار لضمير صاحبه ترجماناً، وهو على الإساءة والإحسان لا ينفكّ من إيقاع به، من غير إيجاع له، فإن هفا عركت أذنه وأدّب، وإن تأتّى (٣) واستوى بعج بطنه وضرب، لا زلت منتظم الجذل، ملتئم الأمل، انتهى.
[قصيدة لابن خفاجة]
ومن نظمه رحمه الله تعالى يتفجع ويتوجع (٤) :
стр. 558
شراب الأماني لو علمت سراب ... وعتبى الليالي لو عرفت عتاب
وهل مهجة الإنسان إلا طريدةٌ ... يحوم عليها للحمام عقاب
يخبّ بها في كلّ يوم وليلة ... مطايا إلى دار البلى وركاب
وكيف يغيض الدمع أو يبرد الحشا ... وقد باد أقرانٌ وفات شباب
أقلّب طرفي لا أرى غير ليلة ... وقد حطّ عن وجه الصباح نقاب
كأنّي، وقد طار الصباح، حمامةٌ ... يمدّ جناحيه عليّ غراب
دعا بهم داعي الردى فكأنّم ... تبارت بهم خيلٌ هناك عراب
فها هم وسلم الدهر حرب كأنّما ... جثا بهم (١) طعن لهم وضراب
هجود ولا غير التراب حشيّةٌ ... لجنب ولا غير القبور قباب
ولست بناس صاحباً من ربيعة ... إذا نسيت رسم الوفاء صحاب
ومما شجاني أن قضى حتف أنفه ... وما اندقّ رمحٌ دونه وكعاب (٢)
وأنّا تجارينا ثلاثين حجّةً ... ففات (٣) سباقاً والحمام قصاب
كأن لم نبت في منزل القصف ليلة ... نجيب بها داعي الصّبا ونجاب
إذا قام منّا قائمٌ هزّ عطفه ... شبابٌ أرقناه بها وشراب
ولمّا تراءت للمشيب بريقةٌ ... وأقشع من ظلّ الشباب سحاب
نهضنا بأعباء الليالي جزالةً ... وأرست بنا في النائبات هضاب
فيا ظاعناً قد حطّ من ساحة البلى ... بمنزلٍ بينٍ ليس عنه مآب
كفى حزناً أن لم يزرني على النّوى ... رسولٌ ولم ينفذ إليك كتاب
وأنّي إذا يمّمت قبرك زائراً ... وقفت ودوني للتراب حجاب
ولو أنّ حيّاً كان حاور ميتاً ... لطال كلامٌ بيننا وخطاب
وأعرب عمّا عنده من جليّةٍ ... فأقشع عن شمسٍ هناك ضباب
стр. 559
[عود إلى عمران قرطبة]
وقد أبعدنا عمّا كنّا بصدده من ذكر قرطبة أعادها الله للإسلام، فنقول: قال بعض من أرّخ الأندلس:
انتهت مساجد قرطبة أيّام عبد الرحمن الداخل إلى أربعمائة وتسعين مسجداً، ثم زادت بعد ذلك كثيراً كما يأتي ذكره.
وقال بعضهم (١) : كانت قرطبة قاعدة الأندلس، وأم المدائن، وقرارة الملك، وكان عدد شرفاتها أربعة آلاف وثلاثمائة، وكانت عدّة الدور في القصر الكبير أربعمائة دار ونيّفاً وثلاثين، وكانت عدّة دور الرعايا والسّواد بها الواجب على أهلها المبيت في السور مائة ألف دار وثلاثة عشر ألف دار، حاشا دور الوزراء وأكابر الناس والبياض.
ورأيت في بعض الكتب أن هذا العدد كان أيام لمتونة والموحّدين، قال: وكانت ديار أهل الدولة إذ ذاك ستة آلاف دار وثلاثمائة دار، انتهى.
وعدد أرباضها ثمانية وعشرون، وقيل: واحد وعشرون، ومبلغ المساجد بها ثلاثة آلاف وثمانمائة وسبعة وثلاثون مسجداً، وعدد الحمّامات المبرزة للناس سبعمائة حمّام: وقيل ثلاثمائة حمّام.
وقال ابن حيان: إن عدّة امساجد عند تناهيها في مدة ابن أبي عامر ألف وستمائة مسجد، والحمامات تسعمائة حمام (٢) .
وفي بعض التواريخ القديمة: كان بقرطبة في الزمن السالف ثلاثة آلاف مسجد وثمانمائة وسبعة وسبعون مسجداً - منها بشقندة ثمانية عشر مسجداً - وتسعمائة حمّام وأحد عشر حمّاماً، ومائة ألف دار وثلاثة عشر ألف دار للرعية خصوصاً، وربما نصف العدد أو أكثر لأرباب الدولة وخاصتها، هكذا نقله
стр. 560
في المغرب، وهو أعلم بما يأتي ويذر، رحمه الله تعالى.
وقال بعض المؤرخين - بعد ذكره نحو ما تقدّم (١) -: ووسط الأرباض قبّة قرطبة التي تحيط (٢) بالسور دونها، وأمّا اليتيمة التي كانت في المجلس البديع فإنّها كانت من تحف قصر اليونانيين بعث بها صاحب القسطنطينية إلى الناصر مع تحف كثيرة سنية، انتهى.
ونحوه لابن الفرضي وغير واحد، لكن خالفهم صاحب " المسالك والممالك " (٣) فذكر أن عدد المساجد بقرطبة أربعمائة مسجد وأحد وسبعون مسجداً، وهو بعيد، وقال قبله (٤) : إن دور قرطبة في كمالها ثلاثون ألف ذراع، وتفسيرها باللسان القوطي القلوب المختلفة، وهو بالقوطيّة بالظاء المشالة، وقيل: إن معنى قرطبة أجر فاسكنها (٥) ، قال: وبقرطبة أقاليم كثيرة وكورٌ جليلة، وكانت جبايتها في أيّام الحكم بن هشام مائة ألف دينار وعشرة آلاف دينار وعشرين ديناراً، وسبق ما يخالف هذا، ومن القمح أربعة آلاف مدي وستمائة مدي، ومن الشعير سبعة آلاف مدي وستمائة مدي وسبعة وأربعين مدياً.
وقال بعض العلماء: أحصيت دور قرطبة التي بها وأرباضها أيام ابن أبي عامر فكان مائتي ألف دار وثلاثة ألف دار وسبعاً وسبعين داراً، وهذه دور الرعيّة، وأمّا دور الأكابر والوزراء والكتّاب والأجناد وخاصّة الملك فستّون ألف دار وثلاثمائة دار، سوى مصاري (٦) الكراء والحمّامات والخانات، وعدد الحوانيت ثمانون ألف حانوت وأربعمائة وخمسة وخمسون، ولما كانت الفتنة على رأس المائة الرابعة غيرت رسوم ذلك العمران، ومحيت آثار تلك
стр. 561
القرى والبلدان، انتهى ملخّصاً. وسيأتي في رسالة الشّقندي ما هو أشمل من هذا.
[قصيدة القرطبي والمتنزهات]
ولمّا رقّت حال أبي القاسم عامر بن هشام القرطبي (١) بقرطبة وزيّن له بعض أصحابه الرحلة إلى حضرة ملك الموحّدين مرّاكش قال وذكر المنتزهات القرطبية:
يا هبّةً باكرت من نحو دارين ... وافت إليّ على بعدٍ تحيّيني
سرت على صفحات النهر ناشرة ... جناحها بين خيريّ ونسرين
ردّت إلى جسدي روح الحياة وما ... خلت النسيم إذا ما متّ يحييني
لولا تنسّمها من نشر أرضكم ... ما أصبحت من أليم الوجد تبريني
مرّت على عقدات الرمل حاملةً ... من سرّكم خبراً بالوحي يشفيني
عرفت من عرفه ما لست أجهله (٢) ... لما تنسّم في تلك الميادين
نزوت من طربٍ لمّا هفا سحراً ... وظلّ ينشرني طوراً ويطويني
خلت الشمال شمولاً إذ سكرت بها ... سكراً بما لست أرجوه يمنّيني
أهدت إليّ أريجاً من شمائلكم ... فقلت: قربني من كان يقصيني
وخلت من طمعٍ أن اللّقاء على ... إثر النسيم وأضحى الشوق يحدوني
فظلت ألثم من تعظيم حقّكم ... مجرّ أذيالها والوجد ويغريني
مسارح كم بها سرحت من كمدٍ ... قلبي وطرفي ولا سلوان يثنيني
بين المصلّى إلى وادي العقيق وما ... يزال مثل اسمه مذ بان يبكيني
إلى الرّصافة فالمرج النضير فوا ... دي الدير فالعطف من بطحاء عبدون
стр. 562
لباب عبد سقته السّحب وابلها ... فلم يزل بكؤوس الأنس يسقيني
لا باعد الله عيني عن منازهه ... ولا يقرّب لها أبواب جيرون
حاشا لها من محلاّت (١) مفارقة ... من شيّق دونها في القرب محزون
أين المسير ورزق الله أدركه ... من دون جهدٍ وتأميل يعنّيني
يا من يزيّن لي الترحال عن بلدي ... كم ذا تحاول نسلاً عند عنّين
وأين يعدل عن أرجاء قرطبة ... من شاء يظفر بالدّنيا وبالدين
قطرٌ فسيحٌ ونهر ما به كدرٌ ... حفّت بشطّيه ألفاف البساتين
يا ليت لي عمر نوجٍ في إقامتها ... وأنّ مالي فيه كنز قارون
كلاهما كنت أفنيه على نشوا ... ت الراح نهباً ووصل الخرّد العين (٢)
وإنّما أسفي أنّي أهيم بها ... وأنّ حظّي منها حظّ مغبون
أرى بعيني ما لا تستطيل يدي ... له وقد حازه من قدره دوني
وأنكد الناس عيشاً من تكون له ... نفس الملوك وحالات المساكين
يغضّ طرف التصابي حين تبهته ... قضبان نعمان في كثبان يبرين
قالوا: الكفاف مقيمٌ قلت: ذاك لمن ... لا يستخفّ إلى بيت الزراجين
ولا يبلبله هبّ الصّبا سحراً ... ولا يلطّفه عرف الرياحين
ولا يهيم بتفّاح الخدود ورمّا ... ن الصّدور (٣) وترجيع التلاحين
لا تجتنى راحةٌ إلاّ على تعبٍ ... ولا تنال العلا إلاّ على الهون
وصاحب العقل في الدنيا أخو كدرٍ ... وإنّما الصفو فيها للمجانين
يا آمري أن أحثّ العيس عن وطني ... لمّا رأى الرزق فيه ليس يرضيني
نصحت لكنّ لي قلباً ينازعني ... فلو ترحّلت عنه حلّه دوني
لألزمن وطني طوراً تطاوعني ... قود الأماني وطوراً فيه تعصيني
стр. 563
مدللاً بين عرفاني واضرب عن ... سير لأرضٍ بها من ليس يدريني
هذا يقول غريبٌ ساقه طمعٌ ... وذاك حين أريه البرّ يجفوني
إليك عنّي آمالي فبعدك يه ... ديني وقربك يطغيني ويغويني
يا لحظ كلّ غزالٍ لست أملكه ... يدنو وما لي حالٌ منه تدنيني
ويا مدامة ديرٍ لا ألمّ به ... لولاكما كان ما أعطيت يكفيني
لأصبرنّ على ما كان من كدرٍ ... لمن عطاياه بين الكاف والنّون وتسمى هذه القصيدة عند أهل الأندلس " كنز الأدب " وقد أشرنا في الباب (١) الأول إلى كثير ممّا يتعلّق بقرطبة، أعادها الله تعالى إلى الإسلام، فأغنى عن إعادته، وإن كان ذكره هنا أنسب، لأن ما تقدّم إنّما هو في ذكرها مع غيرها من بلاد الأندلس، وهذا الباب (٢) لها بالاستقلال.
وأنشد أبو العاصي غالب بن أميّة الموروري (٣) لما جلس على نهر قرطبة بإزاء الرّبض ملتفتاً إلى القصر، بديهة (٤) :
يا قصر كم [قد] حويت من نعمٍ ... عادت لقىً في عوارض (٥) السكك
يا قصر كم [قد] حويت من ملكٍ ... دارت عليه دوائر الفلك
ابق بما شئت كلّ متّخذٍ ... يعود يوماً (٦) بحال متّرك وقال القاضي أبو الفضل عياض عند ارتحاله عن قرطبة (٧) :
стр. 564
أقول وقد جدّ ارتحالي وغرّدت ... حداتي وزمّت للفراق ركائبي
وقد غمضت من كثرة الدّمع مقلتي ... وصارت هواء من فؤادي ترائبي
ولم يبق إلا وقفة يستحثّها ... وداعي للأحباب لا للحبائب
رعى الله جيراناً بقرطبة العلا ... وجاد رباها بالعهاد السّواكب
وحيّا زماناً بينهم قد ألفته ... طليق المحيّا مستلان الجوانب
أإخواننا بالله فيها تذكّروا ... مودّة جارٍ أو مودّة صاحب
غدوت بهم من برّهم واحتفائهم ... كأنّي في أهلي وبين أقاربي [مسجد قرطبة]
وأمّا مسجد قرطبة فشهرته تغني عن كثرة الكلام فيه، ولكن نذكر من أوصافه وننشر من أحواله ما لا بدّ منه، فنقول:
قال بعض المؤرخين: ليس في بلاد الإسلام أعظم منه، ولا أعجب بناء وأتقن صنعة، وكلّما اجتمعت منه أربع سواري كان رأسها واحداً، ثم صف رخام منقوش بالذهب واللازورد في أعلاه وأسفله، انتهى.
وكان الذي ابتدأ بنيان (١) هذا المسجد العظيم عبد الرحمن بن معاوية المعروف بالداخل، ولم يكمل في زمانه، وكمله ابنه هشام، ثمّ توالى الخلفاء من بني أميّة على الزيادة فيه، حتى صار المثل مضروباً به، والذي ذكره غير واحد أنّه لم يزل كل خليفة يزيد فيه على من قبله إلى أن كمل على يد نحو الثمانية من الخلفاء.
وقال بعض المؤرخين: إن عبد الرحمن الداخل لما استقر أمره وعظم (٢) بنى القصر بقرطبة، وبنى المسجد الجامع، وأنفق عليه ثمانين ألف دينار، وبنى بقرطبة الرّصافة تشبيهاً برصافة جده هشام بدمشق.
стр. 565
وقال بعض (١) : إنّه أنفق على الجمع ثمانين ألف دينار، واشترى موضعه إذ كان كنيسة بمائة ألف دينا، فالله تعالى أعلم.
وقال بعض في ترجمة عبد الرحمن الداخل ما صورته: إنّه لما تمهّد ملكه شرع في تعظيم قرطبة، فجدد مغانيها، وشيّد مبانيها، وحصّنها بالسور، وابتنى قصر الإمارة والمسجد الجامع، ووسع فناءه، وأصلح مساجد الكور، ثم ابتنى مدينة الرّصافة متنزهاً له، واتخذ بها قصراً حسناً، وجناناً واسعة، نقل إليها غرائب الغراس وكرائم الشجر من بلاد الشام وغيرها من الأقطار، انتهى.
وكانت أخته أم الأصبغ ترسل إليه من الشام بالغرائب، مثل الرّمان العجيب الذي أرسلته إليه من دمشق الشام كما مرّ، وسيأتي كلام ابن سعيد بما هو أتم من هذا.
ولما ذكر ابن بشكوال زيادة المنصور بن أبي عامر في جامع قرطبة قال (٢) : ومن أحسن ما عاينه الناس في بنيان هذه الزيادة العامريّة أعلاج النصارى مصفّدين في الحديد من أرض قشتالة وغيرها، وهم كانوا يتصرّفون في البنيان عوضاً من رجّالة المسلمين، إذلالاً للشّرك وعزةً للإسلام، ولما عزم على زيادته هذه جلس لأرباب الدور التي نقلها أصحابها عنها بنفسه، فكان يؤتى بصاحب المنزل فيقول له: إن هذه الدار التي لك يا هذا أريد ابتياعها (٣) لجماعة المسلمين من مالهم ومن فيئهم لأزيدها في جامعهم وموضع صلاتهم، فشطّط واطلب ما شئت، فإذا ذكر له أقصى الثمن أمر أن يضاعف له، وأن تشترى له بعد ذلك دار عوضاً منها، حتى أتي بامرأة لها دار بصحن الجامع فيها نخلة، فقالت: لا أقبل عوضاً إلاّ داراً بنخلة، فقال: تبتاع لها دار بنخلة، ولو ذهب فيها