ثم قال شعراً منه:
عجبت لمن أبقى على خمر دنّه ... غداة رأى لوز الحديقة نوّرا ولا أذكر بقية الأبيات، قال جدّي: ثم اجتمعت به بعد ذلك بغرناطة، فذكرته باجتماعه في منية الزبير، فتنهّد وفكّر ساعة وقال: اكتبوا عنّي، فكتبنا:
سقى الله بستان الزبير، ودام في ... مجاريه سيل (١) النّهر ما غنّت الورق
فكائن لنا من نعمة في جنابه ... كبزّته الخضراء طالعها طلق
هو الموضع الزاهي على كل موضع ... أما ظلّه ضافٍ أما ماؤه دفق
أهيم به في حالة القرب والنوى ... وحقّ له منّي التذكّر والعشق
ومن ذلك النّهر الخفوق فؤاده ... بقلبي ما غيّبت عن وجهه خفق قال: فقلت له: جمع الله بينك وبينه على الحالة التي تشتهي، قال: ذلك لك، قلت: وكيف ذلك؟ قال: تدفع لي هذا السيف الذي تقلّدت به أتزوّد به إليه، وأنفق الباقي فيه على ما تعلم، قال: فقلت له: هذا سيفٌ شرّفني به السلطان أبو زكريّاء ابن غانية، وما لعطائه سبيل، ولكن أعطيك قيمته، فخرج وأبى بشخصٍ يعرف قيمة السيوف، فقدّره وجعل يقول: إنّه سيف السلطان ابن غانية، ليعظم قدره في عينه فيزيد في قيمته، ثم قبض ما قدّر به، وأنشد ارتجالاً:
أطال الله عمر فتى سعيدٍ ... وبقّاه ورقّته السّعود
غدا لي جوده سبباً لعودي ... إلى وطين فها أنا ذا أعود
وألثم كفّه شكراً ويتلو ... طريقي آي نعماه النّشيد
стр. 492
حباني من ذخائره بسيفٍ ... به لم يبق للأحزان جيد والقصر الفارسي من القصور المقصودة للنزاهة بخارج قرطبة، وقد ذكره الوزير أبو الوليد ابن زيدون في قصيد ضمّنه من منتزهات قرطبة ما تقف عليه، وكان قد فرّ من قرطبة أيّام بني جهور، فحضره في فراره عيد ذكّره بأعياد وطنه ومعاهده الأنسيّة مع ولاّدة التي كان يهواها ويتغزّل فيها، فقال (١) :
خليليّ لا فطرٌ يسرّ ولا أضحى ... فما حال من أمسى مشوقاً كما أضحى وستأتي هذه القصيد في هذا الباب، كما ستأتي قصيدة أبي القاسم ابن هشام القرطبي التي أوّلها:
يا هبّةً باكرت من نحو دارين ... وفيها كثير من منتزهات قرطبة.
قال ابن سعيد: كان والدي كثيراً ما يأمرني بقراءتها عليه، ويقول: والله لقد أنبأت عن فضلٍ لهذا الرجل، قال: وكان أبو يحيى الحضرمي يحفظها، ويزين بها مجالسه، ويحلف أن لا ينشدها بمحضر جاهل لا يفهم، أو حاسد لا ينصف في الاهتزاز لها، وإنّه لجدير بذلك، وإنّها لمن كنوز الأدب.
ثم قال: والمرج النّضير المذكور بها هو مرج الخز، أخبرني والدي أنّه حضر في زمان الصّبا بهذا المرج على راحة، ومعه الرئيس الفاضل أبو الحسين ابن الوزير أبي جعفر الوقّشي (٢) والمسنّ ابن دريدة (٣) المشهور بخفة الروح، قال: فسبحت أمامنا إوز، وجعلت تمرح وتنثر ما عليها من الماء فوق المرج،
стр. 493
والمرج قد أحدق به الوادي، والشمس قد مالت عليه للغروب، فقال لي أبو الحسين: بالله صف يومنا وحسن (١) هذا المنظر، فقلت: لا أصفه أو تصفه أنت، فقال: ولك مني ذلك، فأفكر كلٌّ منّا على انفراد بعدما ذكرنا ما نصف نثراً، فقال أبو الحسين الوقّشي:
لله يوم بمرج الخزّ طاب لنا ... فيه النعيم بحيث الروض والنّهر
وللإوزّ على أرجائه لعبٌ ... إذا جرت بدّدت ما بيننا الدّرر
والشمس تجنح نحو البين مائلةً ... كأنّ عاشقها في الغرب ينتظر
والكأس جائلةٌ باللبّ حائرةٌ ... وكلّنا غفلات الدهر نبتدر قال: فقلت:
ألا حبّذا يومٌ ظفرنا بطيبه ... بأكناف مرج الخزّ والنهر يبسم
وقد مرحت في الإوزّ، وأرسلت ... على سندسٍ درّاً به يتنظّم
ومدّ به للشمس فهو كأنّه ... لثامٌ لها ملقىً من النّور معصم
أدرنا عليه أكؤساً بعثت به ... من الأنس ميتاً عاد وهو يكلّم
غدونا إليه صامتين سكينةً ... فرحنا وكلٌّ بالهوى يترنّم فأظهر كلّ منّا لصاحبه استحسان ما قال تنشيطاً وتتميماً للمسرّة، ثم قلنا للمسنّ: ما عندك أنت ما تعارض (٢) به هاتين القطعتين؟ قال: بهذا، ورفع رجله وحبق حبقة فرقعت (٣) منها أرجاؤه، فقال له أبو الحسين: ما هذا يا شيخ السوء؟ فقال: الطلاق له لازم (٤) إن لم تكن أوزن من شعركما، وأطيب رائحة، وأغنّ صوتاً، وأطرب معنى، فضحكنا منه اشد ضحك، وجعلنا نهتز غاية
стр. 494
الاهتزاز لموقع نادرته، فقال: والدليل على ذلك أنّكم طربتم لما جئت به أكثر ممّا طربتم من شعركم.
ثم قال ابن سعيد: ومن منتزهات قرطبة المشهورة فحص السرادق، مقصود للفرجة، يسرح (١) فيه البصر، وتبتهج فيه النفس، وأخبرني والدي عن أخيه أبي جعفر بن عبد الملك بن سعيد قال: خرجت مع الشريف الأصم القرطبي إلى بسيط الجزيرة الخضراء - وقد تدبج بالأنوار (٢) - فلمّا حركنا حسن المكان، وتشوقنا إلى الأركان (٣) ، قال الشريف: لقد ذكرني هذا البسيط بسيط فحص السرادق، فقلت له: فهل ثار في خاطرك (٤) نظم فيه؟ قال: نعم، ثم أنشد:
ألا فدعوا ذكر العذيب وبارق ... ولا تسأموا من ذكر فحص السّرادق
مجرّ ذيول السّكر من كلّ مترف ... ومجرى الكؤوس المترعات السّوابق
قصرت عليه اللّحظ ما دمت حاضراً ... وفكري في غيبٍ لمرآه شائقي
أيا طيب أيّام تقضّت بروضةٍ ... على لمح غدرانٍ وشمّ حدائق
إذا غرّدت (٥) فيه حمائم دوحها ... تخيّلتها الكتّاب بين المهارق
وما باختيار الطّرف فارقت حسنها ... ولكن بكيدٍ من زمانٍ منافق قال أبو جعفر: فلمّا سمعت هذا الشعر لم أتمالك من الاستعبار، وحرّكني ذلك إلى أن قلت في حور (٦) مؤمل سيد منتزهات غرناطة، ولم يذكر هنا ما قاله فيه، وذكره في موضع آخر لم يحضرني الآن حتى أورده هنا، والله أعلم.
ومن منتزهات قرطبة السّدّ، قال ابن سعيد: أخبرني والدي أن الشاعر
стр. 495
المبرز أبا شهاب المالقي (١) أنشده لنفسه واصفاً يوم راحة بهذا السّد:
ويوم لنا بالسّدّ لو ردّ عيشه ... بعيشة أيّام الزّمان رددناه
بكرنا له والشمس في خدر شرقها ... إلى أن أجابت إذ دعا الغرب دعواه
قطعناه شدواً واغتباقاً ونشوة ... ورجع حديثٍ لو رقى الميت أحياه
على مثله من منزه تبتغى المنى ... فلله ما أحلى وأبدع مرآه
شدتنا به الأرحا وألقت نثارها ... علينا فأصغينا له وقبلناه
لئن بان إنّا بالأنين لفقده ... وبالدّمع في إثر الفراق (٢) حكيناه وأنشدني والدي موشحة لأبي الحسن المريني معاصره وصاحبه يذكر فيها هذا السد، وهي (٣) :
في نغمة العود والسّلافه ... والروض والنهر والنديم
أطال من لامني خلافه ... فظلّ في نصحه مليم
دعني على منهج التّصابي ... ما قام لي العذر الشّباب
ولا تطل في المنى عتابي ... فلست أصغي إلى عتاب
لا ترج ردّي إلى صواب (٤) ... والكأس تفترّ عن حباب
والغصن يبدي لنا انعطافه ... إذا هفا فوقه النسيم
والرّوض أهدى لنا قطافه ... واختال في برده الرقيم
стр. 496
يا حبّذا عهدي القديم ... ومن به همت مسعدي
ريمٌ عن الوصل لا يريم ... مولّعٌ بالتودّد
ما تمّ إلاّ به النعيم ... طوعاً على رغم حسّدي
معتدل القدّ ذو نحافه ... أسقمني طرفه السقيم
ورام طرفي به انتصافه ... فخدّ في خدّه الكليم
غضّ الصّبا عاطر المقبّل ... أحلى من الأمن والأمل
ظامي الحشا مفعم المخلخل ... حلو اللّمى ساحر المقل
لكل من رامه توصّل ... لم يخش ردّاً بما فعل
أشكو فيبدي لي اعترافه ... إن حاد عن نهجه القويم
لا أعدم الدهر فيه رافه ... فحقّ لي فيه أن أهيم
لله عصرٌ لنا تقضّى ... بالسّدّ والمنبر البهيج
أرى ادّكاري إليه فرضا ... وشوقه دائماً يهيج
فكم خلعنا عليه غمضا ... وللصّبا مسرحٌ أريج
وردٌ أطال المنى ارتشافه ... حتى انقضى شربه الكريم
لله ما أسرع انحرافه ... وهكذا الدهر لا يديم
يا من يحثّ المطيّ غربا ... عرّج على حضرة الملوك
وانثر بها إن سفحت غربا ... من مدمع عاطل سلوك
واسمع إلى من أقام صبّا ... واحك صداه لا فضّ فوك
стр. 497
بلغّ سلامي قصر الرّصافه ... وذكّرو (١) عهدي القديم
وحيّ عنّي دار الخلافه ... وقف بها وقفة الغريم وقال ابن سعيد: والمنبر المذكور في هذه الموشّحة من منتزهات قرطبة، والسّدّ هو الأرحا التي ذكرها في زجله قاسم بن عبّود الرياحي، رويته عن والدي عن قائله، وهو (٢) :
بالله أين نصيب ... من لس لي فيه نصيب
محبوباً مخالف ... ومعو رقيب
حين نقصد مكانو ... يقم ف المقام
ويبخل علينا ... بردّ السّلام
أدخلت يا قلبي ... روحك في زحام (٣)
سلامتك عندي ... هي شي عجيب
وكف بالله يسلم ... من هو في لهيب
بالله يا حبيبي ... اترك ذا النّفار
واعمل أن نطيبوا ... في هذا النّهار
واخرج معي للوادي ... لشرب العقار
نتمّم نهارنا ... في لذه وطيب
في الأرحا وإلا ... في المرج الخصيب
стр. 498
أو عند النواعر (١) ... والروض الشّريق (٢)
أو قصر الرصافه ... أو وادي العقيق
رحق (٣) والله دونك ... هو عندي الحريق
وفي حبّك أمسيت ... في أهلي غريب
وما الموت عندي ... إلاّ حن تغيب
اتّكل على الله ... وكن فظ جسور
وإن ريت فضولي ... وقل إين تمور
كمّش عنّو (٤) وجهك ... فإن راك نفور
يهرب عنّك خايف ... ويبقى مريب
وامش أنت موقّر ... كأنّك خطيب
ما أعجب حديثي ... إش هذا الجنون
نطلب وندبّر ... أمراً لا يكون
وكم ذا نهوّن ... شيئاً لا يهون
وإش مقدار ما نصبر ... لبعد الحبيب
ربّ اجمعني معو ... عاجلاً قريب
стр. 499
[نهرها وقنطرتها]
قال ابن سعيد: وأما نهر قرطبة فإنّه يصغر عن عظمه عند إشبيلية، بحيث صنع عليه قنطرة من حجارة لا يتأتى مثلها في نهر إشبيلية، ومنبعه من جهة شقورة (١) يمر النصف منه إلى مرسية مشرقاً والنصف إلى قرطبة وإشبيلية مغرباً.
ولما ذكر الرازي قرطبة قال: " ونهرها الساكن في جريه، اللين في انصبابه، الذي تؤمن مغبة ضرره في حمله ". وقال هذا لأنّه يعظم عند إشبيلية، فإذا حان حمله في أيام الأمطار أشفت إشبيلية على الغرق، وتوقّع أهلها الهلاك.
والقنطرة التي على هذا النهر عند قرطبة من أعظم آثار الأندلس وأعجبها، أقواسها سبع عشرة قوساً، وبانيها - على ما ذكره ابن حيّان وغيره - السّمح ابن مالك الخولاني صاحب الأندلس بأمر عمر بن عبد العزيز، ﵁، وشيّدها بنو أميّة بعد ذلك وحسّنوها، قال ابن حيّان: وقيل: إنّه قد كانت في هذا المكان قنطرة من بنيان الأعاجم قبل دخول العرب بنحو مائتي سنة أثّرت فيها الأزمان بمكابدة المدود حتى سقطت حناياها، ومحيت أعاليها، وبقيت أرجلها وأسافلها، وعليها بنى السمح في سنة إحدى ومائة، انتهى.
وقال في مناهج الفكر: إن قنطرة قرطبة إحدى أعاجيب الدنيا، بنيت زمن عمر بن عبد العزيز على يد عبد الرحمن بن عبيد الله الغافقي، وطولها ثمانمائة ذراع (٢) ، وعرضها عشرون باعاً، وارتفاعها ستون ذراعاً، وعدد حناياها ثماني عشرة حنية، وعدد أبراجها تسعة عشر برجاً، انتهى.
стр. 500
رجع إلى قرطبة
ذكر ابن حيّان والرازي والحجاري أن أكتبيان (١) - ثاني قياصرة الروم الذي ملك أكثر الدّنيا وصفّح نهر رومية بالصّفر، فأرّخت الروم، من ذلك العهد، وكان من قبل ميلاد المسيح ﵇ بثمان وثلاثين سنة - أمر ببناء المدن العظيمة بالأندلس، فبنيت في مدّته قرطبة وإشبيلية وماردة وسرقسطة، وانفرد الحجاري بأن أكتبيان المذكور وجهّ أربعة من أعيان ملوكه للأندلس فبنى كل واحد منهم مدينة في الجهة التي ولاّه عليها، وسمّاها باسمه، وأن هذه الأسماء الأربعة كانت أسماء لأولئك الملوك، وغير الحجاري جعل أسماء هذه المدن مشتقّة ممّا تقتضيه أوضاعها كما مر؛ وذكروا أنّه قد تداولت على قرطبة ولاة الروم الأخيرة الذين هم بنو عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، على نبيّنا وعليهم الصلاة والسلام، إلى أن انتزعها من أيديهم القوط من ولد يافث المتغلّبون على الأندلس، إلى أن أخذها منهم المسلمون. ولم تكن في الجاهلية سريراً لسلطنة الأندلس، بل كرسيّاً لخاص مملكتها، وسعدت في الإسلام، فصارت سريراً للسلطنة العظمى الشاملة، وقطباً للخلافة المروانية، وصارت إشبيلية وطليطلة تبعاً لها، بعدما كان الأمر بالعكس، والله يفعل ما يشاء، بيده الملك والتدبير، وهو على كل شيء قدي، لا إله إلا هو العلي الكبير.
وقال صاحب " نشق الأزهار " (٢) عندما تعرّض لذكر قرطبة: هي مدينة مشهورة، دار خلافة، وأهلها أعيان ناس في العلم والفضل، وبها جامع ليس في الإسلام مثله، انتهى.
стр. 501
[الفتنة البربرية والنزاع بين الحموديين والأمويين]
ومن الأسباب في سلب محاسن قرطبة عيث البربر بها في دخولهم مع سليمان المستعين الأموي حين استولى على قرطبة في دولته التي افتتحت بالقهر وسفك الدماء، وكان من أمراء البربر المعارضين لسليمان عليّ بن حمّود من بني علي بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين - وجدّه إدريس هرب من هرون الرشيد إلى البربر، فتبربر ولده، وبنى ابنه إدريس مدينة فاس، وكان المؤيّد هشام يشتغل بالملاحم، ووقف على أن دولة بني أميّة تنقرض بالأندلس على يد علوي أول اسمه عين، فلمّا دخل سليمان مع البربر قرطبة ومحوا كثيراً من محاسنها ومحاسن أهلها كان من أكبر أمرائهم علي بن حمّود، وبلغ هشاماً المؤيد وهو محبوس خبره واسمه ونسبه فدسّ إليه أن الدولة صائرة إليك، وقال له: إن خاطري يحدّثني أن هذا الرجل يقتلني، يعني سليمان، فإن فعل فخذ بثأري، وكان هذا الأمر هو الذي قوّى نفس ابن حمّود على طلب الإمامة، وحمله على الأخذ بثأر هشام المؤيد، فكان المؤيد أحد من أخذ بثأره بعد موته.
وتولّى بعد ذلك علي بن حمّود (١) ، وبويع بقرطبة في قصرها في اليوم الذي قتل فيه سليمان المستعين (٢) ، وأخذ الناس بالإرهاب والسطوة، وأذلّ رؤوس البربر، وبرقت للعدل في أيّامه بارقة خلّب لم تكد تقد حتى خبت، وجلس للمظالم، وقدمت له جماعة من البربر في إجرام فضرب رقابهم، وأهلهم وعشائرهم ينظرون، وخرج يوماً على باب عامر فالتقى فارساً من البربر وأمامه حمل عنب، فاستوقفه وقال له: من أين لك هذا؟ فقال: أخذته كما يأخذ الناس، فأمر بضرب عنقه، ووضع رأسه وسط الحمل، وطيف به في البلد،
стр. 502
واستمر على هذا مع أهل قرطبة في أحسن عشرة نحو ثمانية أشهر، حتى بلغه قيام الأندلسيين بالمرتضى المرواني في شرق الأندلس، فتغير عمّا كان عليه، وعزم على إخلاء قرطبة وإبادة أهلها، فلا يعود لأئمتهم بها سلطان آخر الدهر، وأغضى للبربر عن ظلمهم فعاد البلاء إلى حاله، وانتزع الإسلام من أهل قرطبة (١) ، وهدم المنازل، واستهان بالأكابر، ووضع المغارم، وقبض على جماعة من أعيانهم وألزمهم بمال، فلمّا غرموه سرّحهم، فلمّا جيء إليهم بدوابهم ليركبوها أمر من أخذ الدواب، وتركهم ينزلون إلى منازلهم على أرجلهم، وكان منهم أبو الحزم الذي ملك قرطبة بعد وصارت دولته بوراثة ولده معدودة في دول الطوائف، فانجمعت عن عليّ النفوس، وتوالى عليه الدعاء، فقتله صبيان أغمار من صقالبة بني مروان في الحمّام، وكان قتله غرّة ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة، وكان الصقالبة ثلاثة فهربوا واختفوا في أماكن يعرفونها، وصح عند الناس موته، ففرحوا، وكانت مدّته كما مر نحو عامين، وحقّقها بعض فقال: أحد وعشرون شهراً وستّة أيّام.
وكان الناصر علي بن حمّود - على عجمته، وبعده من الفضائل - يصغي إلى الأمداح، ويثيب عليها، ويظهر في ذلك آثار النسب العربي والكرم الهاشمي، ومن شعرائه المختصّين به ابن الحنّاط القرطبيّ (٢) ، ومن شعره قوله (٣) :
راحت تذكّر بالنسيم الراحا ... وطفاء تكسر للجنوح جناحا
أخفى مسالكها الظلام فأوقدت ... من برقها كي تهتدي مصباحا
стр. 503
وعبادة بن ماء السماء، وكان معروفاً بالتشيع، وفيه يقول من قصيدة:
أبوكم عليٌّ كان بالشرق بدء ما ... ورثتم، وذا بالغرب أيضاً سميّه
فصلّوا عليه أجمعون وسلّموا ... له الأمر إذ ولاّه فيكم وليّه ومدحه ابن درّاج القسطلّيّ بقوله (١) :
لعلّك يا شمس عند الأصيل ... شجيت لشجو الغريب الذليل
فكوني شفيعي لابن الشّفيع ... وكوني رسولي لابن الرسول وكان أخوه القاسم بن حمّود أكبر منه بعشر سنين، وأمهما واحدة، وهي علوية، ولمّا قتل الناصر كان القاسم والياً على إشبيلية، وكان يحيى بن علي والياً على سبتة، فاختلفت أهواء البربر (٢) ، فمال أكثرهم إلى القاسم لكونه غبن أوّلاً، وقدّم عليه أخوه الأصغر، وكونه قريباً من قرطبة، وبينهم وبين يحيى البحر، فلمّا وصلت رسلهم إلى القاسم لم يظهر فرحاً بالإمامة، وخاف أن تكون حيلةً من أخيه عليه، فتقهقر إلى أن اتضح له الحق، فركب إلى قرطبة، وبويع فيها بعد ستة أيّام من قتل أخيه، وأحسن السيرة، وأحس من البربر الميل إلى يحيى ابن أخيه عليّ صاحب سبتة، فتهالك في اقتناء السودان، وابتاع منهم كثيراً، وقوّدهم على أعماله، فأنفت البرابر من ذلك، وانحرفوا عنه.
وفي سنة تسع وأربعمائة (٣) قام عليه بشرق الأندلس المرتضى عبد الرحمن من أعقاب الناصر، لأن أهل الأندلس صعب عليهم ملك بني حمّود العلويين بسبب البرابر، فأرادوا رجوع الإمامة إلى بني مروان، واجتمع له أكثر ملوك الطوائف، وكان معه حين أقبل لقرطبة منذر التجيبيّ صاحب سرقسطة
стр. 504
وخيران العامري الصّقلبي صاحب المرية، وانضاف إليهم جمعٌ من الفرنج، وتأهّب القاسم والبرابرة للقائهم، فكان من الاتفاق العجيب أن فسدت نيّة منذر وخيران على المرتضى، وقالا: أرانا في الأوّل وجهاً ليس بالوجه الذي نراه حين اجتمع إليه الجم الغفير، وهذا ماكر غير صافي النيّة، فكتب خيران إلى ابن زيري الصّنهاجي المتغلب على غرناطة - وهو داهية البربر - وضمن له أنّه متى قطع الطريق على المرتضى عند اجتيازه عليه إلى قرطبة خذّل عن نصرته الموالي العامريين أعداء المروانيين وأصحاب رياسة الثغور، فأصغى ابن زيري إلى ذلك، وكتب المرتضى إلى ابن زيري يدعوه لطاعته، فقلب الكتاب، وكتب في ظهره " قل يا أيّها الكافرون - السورة " فأرسل إليه كتاباً ثانياً يقول فيه: قد جئتك بجميع أبطال الأندلس وبالفرنج، فماذا تصنع؟ وختم الكتاب بهذا البيت:
إن كنت منّا أبشر بخير ... أو لا فأيقن بكل شرّ فأمر الكاتب أن يحوّل الكتاب ويكتب على ظهره " ألهاكم التكاثر - السورة " فازداد حنقه، وحمله الغيظ إلى أن ترك السير إلى حضرة الإمامة قرطبة، وعدل إلى محاربته، وهو يرى أنّه يصطمله في ساعة من نهار، ودامت الحرب أياماً، وأرسل ابن زيري إلى خيران يستنجزه وعده، فأجابه: إنّما توقّفت حتى أرى مقدار حربنا وصبرنا، ولو كنّا ببواطننا معه، ما ثبت جمعك لنا، ونحن ننهزم عنه ونخذله في غد.
ولمّا كان من الغد رأى أعلام خيران وأعلام منذر وأصحاب الثغور قد ولّت عنه، فسقط في يد المرتضى، وثبت حتى كادوا يأخذونه، واستحرّ القتل، وصرع كثير من أصحابه، فلمّا خاف القبض عليه ولّى، فوضع خيران عيوناً فلحقوه بقرب وادي آش وقد جاوز بلاد البربر وأمن على نفسه، فهجموا عليه، فقتلوه وجاؤوا برأسه إلى المرية، وقد حل بها خيران ومنذر
стр. 505
فتحدث الناس أنّهما اصطبحا (١) عليه سروراً بهلاكه.
وبعد هذه الواقعة أذعن أهل الأندلس للبرابرة، ولم يجتمع لهم بعدها جمع ينهضون به إليهم، وضرب القاسم بن حمّود سرادق المرتضى على نهر قرطبة، وغشيه خلق من النظارة وقلوبهم تتقطّع حسرات، وأنشد عبادة ابن ماء السماء قصيدته التي أوّلها (٢) :
لك الخير خيرانٌ مضى لسبيله ... وأصبح أمر الله في ابن رسوله وتمكّنت (٣) أمور القاسم، وولّى وعزل، وقال وفعل، إلى أن كشف وجهه في خلع طاعته ابن أخيه يحيى بن علي، وكتب من سبتة إلى أكابر البرابر بقرطبة: إن عمي أخذ ميراثي من أبي، ثم إنّه قدّم في ولاياتكم التي أخذتموها بسيوفكم العبيد والسودان، وأنا أطلب ميراثي، وأولّيكم مناصبكم، وأجعل العبيد والسودان كما هم عند الناس، فأجابوه إلى ذلكن فجمع ما عنده من المراكب وأعانه أخوه إدريس صاحب مالقة، فجاز البحر بجمع وافر، وحصل بمالقة مع أخيه، وكتب له خيران صاحب المريّة مذكراً بما أسلفه في إعانة أبيه، وأكّد المودّة فقال له أخوه إدريس: إن خيران رجل خدّاع، فقال يحيى: ونحن منخدعون فيما لا يضرنا، ثم إن يحيى أقبل إلى قرطبة واثقاً بأن البرابر معه، ففرّ القسم إلى إشبيلية في خمسة فرسان من خواصّه ليلة السبت ٢٨ من شهر ربيع الآخر سنة ٤١٢ (٤) ، وحلّ يحيى بقرطبة، فبايعه البرابر والسودان وأهل البلد يوم السبت مستهل جمادى الآخرة، وكان يحيى من النجباء، وأمّه فاطميّة، وإنّما كانت آفته العجب واصطناع السّفلة،
стр. 506
واشتط أكابر البرابر عليه، وطلبوا ما وعدهم من إسقاط مراتب السودان، فبذل لهم ذلك، فلم يقنعوا منه، وصاروا يفعلون معه ما يخرق الهيبة ويفرغ بيت المال، وفر السودان إلى عمّه بإشبيلية، ومن البرابر ومن جند الأندلس من احتجب عنهم يحيى وتكبر عليهم، ولم يمل إليه ملوك الطوائف، وبقي منهم كثير على الخطبة لعمّه القاسم، إلى أن اختلّت الحال بحضرة قرطبة، وأيقن يحيى أنّه متى أقام بها قبض عليه، وكان قد ولّى على سبتة أخاه إدريس، وبلغه أن أهل مالقة خاطبوا خيران وكاتبوه، فطمع خيران فيها، وفرّ يحيى في خواصه تحت الليل إلى مالقة، ولمّا بلغ القاسم فراره ركب من إشبيلية إلى قرطبة، فخطب له بها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة ٤١٣، ولم تصلح الحال للقاسم منذ وصل إلى الحضرة، ووقع الاختلاف، وكان هوى السودان معه، وهوى كثير من البرابر مع يحيى، وهو أهل قرطبة مع قائم من بني أميّة يشيعون ذكره ولا يظهر، وكثر الإرجاف بذلك، ووقع الطلب على بني أميّة فتفرّقوا في البلاد، ودخلوا في أغمار الناس، وأخفوا زيّهم، ثم إن الخلاف وقع بين البربر وأهل قرطبة، وتكاثر البلديون، وأخرجوا القاسم وبرابرته فضرب خيمة بغربيها، وقاتلهم مدّة خمسين يوماً قتالاً شديداً، وبنى القرطبيون أبواب مدينتهم، وقاتلوا القاسم من الأسوار إلى أن طال عليهم الحصار، فهدموا باباً من الأبواب وخرجوا خرجة رجل واحد وصبروا (١) فمنحهم الله تعالى الظفر، وفر السودان مع القاسم إلى إشبيلية، وفرّ البرابرة إلى يحيى وهو بمالقة، وكان فرار القاسم من ظاهر قرطبة يوم الخميس لثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ٤١٤.
وكان ابنه محمد بن القاسم والياً على إشبيلية، وثقته المدبر لأمره محمد بن زيري من أكابر البرابرة، وقاضيها محمد بن عباد، فعمل القاضي لنفسه، وهو
стр. 507
جد المعتمد بن عباد، وأطمع ابن زيري في التملك، فأغلق الأبواب في وجه مصطنعه وحاربه، فقتل من البرابر والسودان خلق كثير، وابن عباد يضحك على الجميع، فيئس القاسم، وقنع أن يخرجوا إليه ابنه وأصحابه ويسير عنهم، فأخرجوهم إليه، فسار بهم إلى شريش. وعندما استقرّ بها وصل إليه يحيى ابن أخيه من مالقة ومعه جمع عظيم وحاصره في المدينة عشرين يوماً كانت فيها حروب صعاب، وقتل من الفريقين خلق كثير، وأجلت الحرب عن قهر يحيى لعمّه وإسلام أهل شريش له، وفرّ سودانه، وحصل القاسم وابنه في يد يحيى، وكان قد أقسم أنّه إن حصل في يده ليقتلنّه، ولا يتركه حتى يلي الإمامة بقرطبة مرّة ثانية، فرأى التربّص في قتله حتى يرى رأيه فيه، فحدّث عنه بعض أصحابه أنّه حمله بقيد إلى مالقة، وحبسه عنده، وكان كلّما سكر وأراد قتله رغّبه ندماؤه في الإبقاء عليه لأنّه لا قدرة له على الخلاص، وكان كلّما نام رأى والده عليّاً في النوم ينهاه عن قتله، ويقول له: أخي أكبر منّي، وكان محسناً إلي في صغري ومسلّماً لي عند إمارتي، الله الله فيه، وامتدت الحال على ذلك إلى أن قتله خنقاً بعد ثلاث عشرة سنة من حين القبض عليه، لأنّه كان قد حبسه في حصن من حصون مالقة، فنمي إليه أنّه قد تحدّث مع أهل الحصن في القيام والعصيان فقال: أو بقي في رأسه حديث (١) بعد هذا العمر؟ فقتله سنة ٤٢٧، وبقي أهل قرطبة بعد فرار القاسم عنها نيّفاً عن شهرين يرون رأيهم فيمن يبايعونه بالإمامة.
ولمّا كان يوم الثلاثاء (٢) نصف شهر رمضان سنة ٤١٤ أحضر المستظهر وسليمان بن المرتضى وأموي آخر معه، فبايعا المستظهر، وقبّلا يده بعدما كان قد كتب عقد (٣) البيعة باسم سليمان بن المرتضى على ما ارتضاه الأماثل،
стр. 508
فبشر اسمه، وكتب اسم المستظهر وركب إلى القصر، وحمل معه ابني عمّه المذكورين فحسبهما، وكان قد رفع جماعة من الأتباع ذهب بهم العجب كل مذهب، كأبي عامر ابن شهيد المنهمك (١) في بطالته، وأبي محمد ابن حزم المشهور بالرد على العلماء في مقالته، وابن عمّه عبد الوهاب بن حزم الغزل المترف في حالته، فأحقد بذلك مشايخ الوزراء والأكابر، وبادر المستظهر باصطناع البرابر، وأكرم مثواهم، وأحسن مأواهم، واشتغل مع ابن شهيد وابني حزم بالمباحثة في الآداب، ونظم الشعر والتمسّك بتلك الأهداب، والناس في ذلك الوقت أجهل ما يكون، وكان جماعة من أهل الشرّ في السجون يتعين أن لا يخرج منهم إنسان، فأخرج منهم شخصاً يقال له أبو عمران، وقد كان أشار بعض الوزراء عليه بعدم إخراجه، فأخرجه وخالفه في ذلك، ولم يقبل النصيحة، وفعل ما أداه إلى الفضيحة، فسعى القوم الذي خرجوا من الحبوس، على إفساد دولته وإبدال فرحه بالبوس، لما اشتغل عنهم بالأدباء والشعراء حسبما اقتضاه رأيه المعكوس، فسعوا في خلعه مع البرابر، وقتل في ذي القعدة من السنة التي بويع فيها وصار كأمس الدابر، بعد سبعة وأربعين يوماً من يوم بويع بالخلافة، وإذا أراد الله أمراً فلا يقد أحد أن يأتي خلافه، عمره ثلاث وعشرون سنة كأنّها سنة.
ومن شعر المستظهر المذكور، وهو من القريض الممدوح صاحب بالبلاغة المشكور (٢) :
طال عمر اللّيل عندي ... مذ تولّعت بصدّي
يا غزالاً نقض العه ... د ولم يوف بوعد
؟ أنسيت العهد إذ بت ... نا على مفرش ورد
стр. 509
واعتنقنا في وشاحٍ ... وانتظمنا نظم عقد
ونجوم اللّيل تسري ... ذهباً في لازورد وكتب إليه شاعر في طرسٍ مكشوط:
والطّرس مبشورٌ وفيه بشارةٌ ... ببقا الإمام الفاضل المستظهر
ملك أعاد العيش غضّاً ملكه ... وكذا يكون به طوال الأعصر فأجزل صلته، وكتب في ظهر الورقة:
قبلنا العذر في بشر الكتاب ... لما أحكمت في فصل الخطاب وقد قدّمنا في الباب الثالث شيئاً من هذه الأخبار، وما حصل بعد ذلك بقرطبة إلى أن تولّى الأمر ابن جهور في صورة الوزارة، ثم ابنه، إلى أن أخذ قرطبة منه المعتمد بن عباد، حسبما ذكر في أخباره.
ثم آل الأمر بعد ذلك كلّه إلى استيلاء ملوك العدوة من الملثّمين والمرحّدين، على قرطبة، إلى أن تسلّمها النصارى، أعادها الله تعالى للإسلام، كما يذكر في الباب الثامن.
وقال صاحب " مناهج الفكر " في ذكر قرطبة، ما ملخصه: فأمّا ما اشتمل عليه غرب الجزيرة، من البلاد الخطيرة، فمنها قرطبة، وكانت مقر الملك، ودار الإمارة، وأمّ ما عداها من البلاد، منذ افتتحها المسلمون سنة ٩٢ زمن الوليد بن عبد الملك إلى أن خرجت عن أيديهم، وتنقلت في أيدي ملوك المسلمين إلى أن وصلت إلى الناصر عبد الرحمن، فبنى في تجاهها مدينة سمّاها الزهراء، يجري بينهما نهر عظيم، انتهى.
[؟؟ استطراد في وصف المباني العامرة]
واعلم أن المباني دالة على عظيم قدر بانيها، كما ذكرناه في كلام الناصر
стр. 510
الذي طابت له من الزهراء مجانيها، ولم يزل البلغاء يصفون المباني، بأحسن الألفاظ والمعاني، ورأينا أن نذكر هنا بعض ذلك، زيادة في توسيع المسالك، فمن ذلك قول ابن حمديس الصقلي (١) يصف داراً (٢) بناها المعتمد على الله (٣) :
ويا حبّذا دار قضى الله أنّها ... يجدّد فيها كلّ عزّ ولا يبلى (٤)
مقدّسة لو أن موسى كليمه ... مشى قدماً في أرضها خلع النّعلا
وما هي إلا خطّة الملك الذي ... يخطّ إليه كلّ ذي أملٍ رجلا
إذا فتحت أبوابه خلت أنّها ... تقول بترحيبٍ لداخلها أهلا
وقد نقلت صنّاعها من صفاته ... إليها أفانيناً فأحسنت النّقلا
فمن صدره رحباً ومن نوره سناً ... ومن صيته فرعاً ومن حلمه أصلا
فأعلت به في رتبة الملك نادياً ... وقلّ له فوق السّماكين أن يعلى
نسيت به إيوان كسرى لأنّني ... أراه له مولىً من الحسن لا مثلا
كأنّ سليمان بن داود لم تبح ... مخافته للجنّ في صنعه مهلا
ترى الشمس فيه ليقةً تستمدّها ... أكفٌّ أقامت من تصاويرها شكلا
لها حركاتٌ أودعت في سكونها ... فما تبعت في نقلهن يدّ رجلا
ولمّا عشينا من توقّد نورها ... تخذنا سناه في نواظرنا كحلا وقال من أخرى يصف دارا بناها المنصور بن أعلى الناس ببجاية (٥) :
стр. 511
اعمر بقصر الملك ناديك الذي ... أضحى بمجدك بيته معمورا
قصرٌ لو أنّك قد كحلت بنوره ... أعمى لعاد إلى المقام بصيرا
واشتقّ من معنى الحياة (١) نسيمه ... فيكاد يحدث للعظام (٢) نشورا
نسي الصبيح مع المليح (٣) بذكره ... وسما ففاق خورنقاً وسديرا
ولو أنّ بالإيوان قوبل حسنه ... ما كان شيئاً عنده مذكورا
أعيت مصانعه على الفرس الألى ... رفعوا البناء وأحكموا التّدبيرا
ومضت على الروم الدهور وما بنوا ... لملوكهم شبهاً له ونظيرا
أذكرتنا الفردوس حين أريتنا ... غرفاً رفعت بناءها وقصورا
فالمحسنون تزيّدوا أعمالهم ... ورجوا بذلك جنّةً وحريرا
والمذنبون هدوا الصّراط وكفّرت ... حسناتهم لذنوبهم تكفيرا
فلكٌ من الأفلاك إلا أنّه ... حقر البدور فأطلع المنصورا
أبصرته فرأيت أبدع منظرٍ ... ثمّ انثنيت بناظري مسحورا
وظننت أنّي حالمٌ في جنّةٍ ... لمّا رأيت الملك فيه كبيرا
وإذا الولائد فتّحت أبوابه ... جعلت ترحّب بالعفاة صريرا
عضّت على حلقاتهنّ ضراغمٌ ... فغرت بها أفواهها تكشيرا (٤)
فكأنهّا لبدت لتصهر عندها ... من لم يكن بدخوله مأمورا
تجري الخواطر مطلقات أعنّةٍ ... فيه فتكبو عن مداه قصورا
بمرخّم الساحات تحسب أنّه ... فرش المها وتوشّح الكافورا
ومحصّب بالدّرّ تحسب تربه ... مسكاً تضوّع نشره وعبيرا
تستخلف الأبصار منه إذا أتى (٥) ... صبحاً على غسق (٦) الظلام منيرا
стр. 512
ثم ذكر بركة فيه عليها أشجار من ذهب وفضّة ترمي فروعها المياه، وتفنن فذكر أسوداً على حافاتها قاذفة بالمياه أيضاً، فقال (١) :
وضراغم سكنت عرين رياسةٍ ... تركت خرير الماء فيه زئيرا
فكأنّما غشّى النّضار جسومها ... وأذاب في أفواهها البلّورا
أسدٌ كأنّ سكونها متحرّك ... في النّفس لو وجدت هناك مثيرا
وتذكّرت فتكاتها فكأنّما ... أقعت على أدبارها لتثورا
وتخالها والشّمس تجلو لونها ... ناراً وألسنها اللّواحس نورا
فكأنّما سلّت سوف جداول ... ذابت بلا ناءٍ فعدن غديرا
وكأنّما نسج النّسيم لمائه ... درعاً فقدّر سردها تقديرا
وبديعة الثمرات تعبر نحوها ... عيناي بحر عجائبٍ مسجورا
شجريّة ذهبيّة نزعت إلى ... سحرٍ يؤثر في النّهى تأثيرا
قد صولجت أغصانها فكأنّما ... قنصت بهنّ (٢) من الفضاء طيورا
وكأنّما تأبى لواقع (٣) طيرها ... أن تستقلّ بنهضها وتطيرا
من كلّ واقعةٍ ترى منقارها ... ماءً كسلسال اللّجين نميرا
خرس تعدّ من الفصاح فإن شدت ... جعلت تغرّد بالمياه صفيرا
وتريك في الصّهريج موقع قطرها ... فوق الزّبرجد لؤلؤاً منثورا
ضحكت محاسنه إليك كأنّما ... جعلت لها زهر النجوم ثغورا
ومصفّح الأبواب تبراً نظّروا ... بالنقش فوق شكوله (٤) تنظيرا
تبدو مسامير النّضار كما علت ... تلك النّهود من الحسان صدورا (٥)
стр. 513
خلعت عليه غلائلاً ورسيةً (١) ... شمسٌ تردّ الطّرف عنه حسيرا
وإذا نظرت إلى غرائب سقفه ... أبصرت روضاً في السماء نضيرا
وعجبت من خطّاف عسجده التي ... حامت لتبني في ذراه وكورا
وضعت به صنّاعه (٢) أقلامها ... فأرتك كلّ طريدةٍ تصويرا
وكأنّما للشمس فيه ليقةٌ ... مشقوا بها التزويق والتّشجيرا
وكأنّما باللاّزورد (٣) مخرّمٌ ... بالخطّ في ورق السّماء سطورا
وكأنّما وشّوا عليه ملاءة ... تركوا مكان وشاحها مقصورا ثم مدح المنصور بعد ذلك، وختم القصيدة بقوله:
يا مالك الأرض الذي أضحى له ... ملك السماء على العداة نصيرا
كم من قصورٍ للملوك تقدّمت ... واستوجبت بقصورك (٤) التأخيرا
فعمرتها وملكت كلّ رياسةٍ ... منها ودمّرت العدا تدميرا قلت: لم أر لهذه القصيدة من نظير، في معناها اليانع النّضير، ولفظها العذب النّمير، الذي شمّر فيه قائلها عن ساعد الإجادة أيّ تشمير، غير أن فيها عندي عيباً واحداً، وهو ختمها بلفظ التدمير، وعلى كل حال فالحسن والإحسان، يقادان في أرسان، لعبد الجبار بن حمديس المذكور ذي المقاصد الحسان، وخصوصاً في وصف المباني والبرك، فما أبقى لسواه في ذلك حسناً ولا ترك.
ومن ذلك قوله في وصف بركة تجري إليها المياه من شاذروان من أفواه
стр. 514
طيور وزرافات وأسود، وكل ذلك في قصر أطنب في وصفه في قصيدة طويلة (١) :
والماء منه سبائكٌ فضيّةٌ (٢) ... ذابت على دوحات (٣) شاذروان وكأنّما سيفٌ هناك مشطّبٌ ألقته يوم الحرب كفّ جبان
كم شاخصٍ فيه يطيل تعجّباً ... من دوحة نبتت (٤) من العقيان
عجباً له تسقي الرياض ينابعاً ... نبعت من الثمرات والأغصان
خصّت بطائرة على فننٍ لها ... حسنت فأفرد حسنها من ثاني
قسّ الطيور الخاشعات بلاغةً ... وفصاحةً من منطقٍ وبيان
فإذا أتيح الكلام تكلّمت ... بخرير ماء دائم الهملان
وكأنّ صانعها استبدّ بصنعةٍ ... فخر الجماد بها على الحيوان
أوفت على حوضٍ لها فكأنّها ... منها على العجب العجاب رواني
فكأنّها ظنّت حلاوة مائها ... شهداً فذاقته بكلّ لسان
وزرافة في الجوف من أنبوبها ... ماء يريك الجري في الطيران
مركوزة كالرمح حيث ترى له ... من طعنه الخلق انعطاف سنان
وكأنّما ترمي السماء ببندقٍ ... مستنبطٍ من لؤلؤ وجمان
لو عاد ذاك الماء نفطاً أحرقت ... في الجوّ منه قميص كلّ عنان
في بركةٍ قامت على حافاتها ... أسدٌ تذلّ لعزّة السلطان
نزعت إلى ظلم النفوس نفوسها ... فلذلك انتزعت من الأبدان
وكأنّ برد الماء منها مطفئ ... ناراً مضرّمةً من العدوان
وكأنّما الحيّات من أفواهها ... يطرحن أنفسهنّ في الغدران
وكأنّما الحيتان إذ لم تخشها ... أخذت من المنصور عقد أمان
стр. 515
وهاتان القصيدتان لابن حمديس - كما في المناهج - مع طولهما تدلان على الإبداع الذي ابتكره، والاختراع الذي ما ولج سمع أحدٍ من الفضلاء إلا شكره (١) .
وقال أبو الصّلت أميّة بن عبد العزيز الأندلسي (٢) يصف قصراً بمصر يسمى منزل العز بناه حسن بن علي [بن يحيى] بن تميم بن المعزّ العبيدي (٣) :
منزل العزّ كاسمه معناه ... لا عدا العزّ من به سمّاه
منزلٌ ودّت المنازل في أع ... لى ذراه لو صيّرت إيّاه
فأجل فيه لحظ عينيك تبصر ... أيّ حسنٍ دون القصور حواه
سال في سقفه النّضار ولكن ... جمدت في قراره الأمواه
وبأرجائه مجال طرادٍ ... ليس تنفكّ من وغىً خيلاه
تبصر الفارس المدجّج فيه ... ليس تدمى من الطعان قناه
وترى النابل المواصل للنز ... ع بعيداً من قرنه مرماه
وصفوفاً من الوحوش وطير ال ... جوّ كلٌّ مستحسنٌ مرآه
سكناتٌ تخالها حركاتٍ ... واختلافٌ كأنّه إشباه
стр. 516
كمحّيا الحبيب حرفاً بحرفٍ ... ما تعدّى صفاته إذ حكاه
ورده وجنتاه، نرجسه الفت ... ان عيناه، آسه عارضاه
وكأنّ الكافور والمسك في الطي ... ب وفي اللون صبحه ومساه
منظرٌ يبعث السرور ومرأى ... يذكر المرء طيب عصر صباه وقال أبو الصّلت أميّة الأندلسي المذكور يذكر بناء بناه عليّ (١) بن تميم ابن المعزّ العبيدي:
لله مجلسك المنيف قبابه ... بموطّدٍ فوق السّماك (٢) مؤسّس
موفٍ على حبك المجرّة تلتقي ... فيه الجواري بالجواري الكنّس
تتقابل الأنوار من جنباته ... فالليل فيه كالنّهار المشمس
عطفت حناياه دوين سمائه ... عطف الأهلّة والحواجب والقسي
واستشرفت عمد الرخام وظوهرت ... بأجلّ من زهر الربيع وأنفس
فهواؤه من كلّ قدّ أهيفٍ ... وقراره من كلّ خدٍّ أملس
فلكٌ تحيّر فيه كلّ منجّمٍ ... وأقرّ بالتقصير كلّ مهندس
فبدا للحظ العين أحسن منظرٍ ... وغدا لطيب العيش خير (٣) معرّس
فاطلع به قمراً إذا ما أطلعت ... شمس الخدور عليك شمس الأكؤس
فالناس أجمع دون قدرك رتبةً ... والأرض أجمع دون هذا المجلس ويعجبني قول أبي الصّلت أميّة المذكور يصف حال زيادة النيل ونقصانه:
ولله مجرى النيل منها إذا الصّبا ... أرتنا به من مرّها عسكراً مجرا
إذا زاد يحكي الورد لوناً وإن صفا ... حكى ماءه لوناً ولم يعده نشرا (٤)
стр. 517
وقال رحمه الله تعالى يصف الرصد الذي بظاهر مصر:
يا نزهة الرصد اللائي قد اشتملت ... من كلّ شيء حلا في جانب الوادي (١)
فذا غديرٌ، وذا روض، وذا جبل ... والضبّ والنّون والملاّح والحادي وهو مأخوذ من قول الأول يصف قصر أنس بالبصرة (٢) :
زر وادي القصر، نعم القصر والوادي ... لا بدّ من زورة من غير ميعاد
زره فليس له ندٌّ يشاكله ... من منزلٍ حاضرٍ إن شئت أو بادي
تلقى به السّفن والظلمان حاضرةً ... والضبّ والنون والملاّح والحدي وقال رحمه الله تعالى يذكر الهرمين (٣) :
بعيشك هل أبصرت أحسن منظراً ... على طول ما عاينت من هرمي مصر
أنافا بأعنان (٤) السّماء، وأشرفا ... على الجوّ إشراف السّماك أو النّسر (٥)
وقد وافيا نشزاً من الأرض عالياً ... كأنهما ثديان (٦) قاما على صدر وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى في الباب الخامس.
وعلى ذكر الأنهار والبرك فما أحسن قول بعض الأندلسيين يصف بركة عليها عدّة فوّارات (٧) :
غضبت مجاريها فأظهر غيظها ... ما في حشاها من خفيّ مضمر
стр. 518
وكأنّ نبع الماء من جنباتها ... والعين تنظر منه أحسن منظر
قضبٌ من البلّور أثمر فرعها ... لمّا انتهت باللؤلؤ المتحدّر وقال ابن صارة الأندلسي (١) يصف ماء بالرقة والصفاء (٢) :
والنّهر قد رقّت غلالة خصره ... وعليه من صبغ الأصيل طراز
تترقرق الأمواج فيه كأنّها ... عكن الخصور تهزها الأعجاز وما أحسن قول بعض الأدباء ولم يحضرني الآن اسمه (٣) :
والنّهر مكسوٌّ غلالة فضّةٍ ... فإذا جرى سيلاً فثوب نضار
وإذا استقام رأيت صفحة منصلٍ ... وإذا استدار رأيت عطف سوار وقال ابن حمديس المغربي يصف نهراً بالصفاء (٤) :
ومطّرد الأمواج يصقل متنه ... صباً أعلنت للعين ما في ضميره
جريح بأطراف الحصى كلّما جرى ... عليها شكا أوجاعه بخريره وهذا النهج متّسع، ولم نطل السير في هذه المهامه، وإنّما ذكرنا بعض كلام المغاربة ليتنبه به منتقصهم من سنة أوهامه، ولأن في أمرها عبرة لمن عقل، إذا أصدأ مرآة حسنها ولطالما كان لمتنها صقل.
стр. 519
[البكاء على خراب العمران]
وقد وقفت على كلام لصاحب المناهج في هذا المعنى فأحببت ذكره ملخصاً، وهو: ونلحق بذكر المنازل التي راق منظرها، وفاق مخبرها، وارتفع بناؤها، واتسع فناؤها، طرفاً من الكلام على ما عفاه الدهر من رسومها، ومحاه من محاسن صور كانت أرواحاً لجسومها. وصف أعرابي محلة قومٍ ارتحلوا عنها فقال نثراً: ارتحلت عنها ربّات الخدور، وأقامت بها أثافيّ القدور، ولقد كان أهلها يعفون آثار الرياح فعفت الرياح آثارهم، وذهبت بأبدانهم وأبقت أخبارهم، والعهد قريب، واللقاء بعيد.
وقال عمر بن أبي ربيعة فأحسن (١) :
يا دار أمسى دارساً رسمها ... وحشاً قفاراً ما بها آهل
قد جرّت الريح بها ذيلها ... واستنّ في أطلالها الوابل ومن كلام الفتح بن خاقان، في قلائد العقيان، يذكر آل عبّاد من فصل أكثر فيه التفجّع، وأطال به التوجّع (٢) : والغصون (٣) تختال في أدواحها، والأزاهر يحيي ميت الصبابة شذا أرواحها (٤) ، وأطيار الرياض (٥) قد أشرفت عليهم (٦) كثكالى ينحن على خرابها، وانقراض أطرابها، والوهي بمشيدها لاعب، وعلى كل جدار منها غراب ناعب، وقد محت الحوادث ضياءها، وقلّصت ظلالها وأفياءها، ولطالما أشرقت بالخلائف وابتهجت، وفاحت من
стр. 520
شذاهم وأرجت (١) ، أيّام نزلوا خلالها، وتفيّأوا ظلالها، وعمروا حدائقها وجنّاتها، ونبّهوا الآمال من سناتها، وراعوا الليوث في آجامها، وأخجلوا الغيوث عند انسجامها، فأصبحت ولها بالتداعي (٢) تلفّع واعتجار، ولم يبق من آثارها إلاّ نؤي وأحجاء، قد هوت قبابها، وهرم شبابها، وقد يلين الحديد، ويبلى على طيّه الجديد.
وقال أبو صخر القرطبي يذكر ذلك من أبيات ينعاهم بها:
ديار عليها من بشاشة أهلها ... بقايا تسرّ النفس أنساً ومنظرا
ربوع كساها المزن من خلع الحيا ... بروداً وحلاّها من النّور جوهرا
تسرّك طوراً ثمّ تشجيك تارةً ... فترتاح تأنيساً وتشجى تذكّرا ومن كلام أبي الحسن القاشاني يصف نادي رئيسٍ خلا من ازدحام الملا، وعوّضه الزمان من تواصل أحبابه هجراً وقلى: " قد كان منزله مألف الأضياف، ومأنس الأشراف، ومنتجع الرّكب، ومقصد الوفد، فاستبدل بالأنس وحشة، وبالضياء ظلمة، واعتاض من تزاحم المواكب، تلاطم النّوادب، ومن ضجيج النداء والصّهيل، عجيج البكاء والعويل.
ومن رسالة لابن الأثير الجزريّ يصف دمنة دارٍ (٣) لعبت بها أيدي الزمن، وفرقت بين المسكن والسكن: كانت مقاصير جنّة، فأصبحت وهي ملاعب جنّة، وعميت أخبار قطّنها، وآثار أوطانها، حتى شابهت إحداهما في الخفاء، والأخرى في العفاء، وكنت أظن أنّها لا تسقى بعدهم بغمام، ولا يرفع عنها جلباب ظلام، غير أن السحاب بكاهم فأجرى بها هوامع دموعه، واللّيل شقّ عليهم جيوبه فظهر الصباح من خلال صدوعه ".
стр. 521
وقد لمح في تعض كلامه قول الشريف (١) من أبيات يصف فيها ما كان في الحيرة من منازل النعمان بن المنذر (٢) :
ما زلت أطّرق المنازل باللّوى ... حتى نزلت منازل النّعمان
بالحيرة البيضاء حيث تقابلت ... شمّ العماد عريضة الأعطان
شهدت بفضل الرّافعين قبابها ... ويبين بالبنيان فضل الباني
ما ينفع الماضين أن بقيت لهم ... خططٌ معمّرةٌ بعمرٍ فاني يقول فيها:
ولقد رأيت بدير هندٍ منزلاً ... ألماً من الضّرّاء والحدثان
يغضي كمستمع الهوان تغيّبت ... أنصاره وخلا من الأعوان
بالي المعالم أطرقت شرفاته ... إطراق منجذب القرينة عاني
أمقاصر الغزلان غيّرك البلى ... حتى غدوت مرابض الغزلان
وملاعب الإنس الجميع طوى الرّدى ... منهم فصرت ملاعب الجنّان ومنها:
مسكيّة النّفحات تحسب تربها ... برد الخليع معطّر الأردان
وكأنّما نسي التّجار لطيمةً ... جرت الرّياح بها على القيعان (٣)
ماء كجيب الدّرع يصقله الصّبا ... ويفي بدوحته (٤) النّسيم الواني
زفر الزّمان عليهم فتفرّقوا ... وجلوا عن الأوطار والأوطان
стр. 522
وقال أبو إسحاق الصابي، وتوارد مع الشريف الرضي في بالمعنى والقافية، يصف قصر روحٍ بالبصرة (١) :
أحبب إليّ بقصر روحٍ منزلاً ... شهدت بنيته بفضل الباني
سورٌ علا وتمنّعت شرفاته ... فكأنّ إحداهنّ هضب أبان
وكأنّما يشكو إلى زوّاره ... بين الخليط وفرقة الجيران
وكأنّما يبدي لهم من نفسه ... إطراق محزون الحشا حرّان ولأحمد بن فرج الإلبيري من الأبيات:
سالت بها فما ردّت جواباً ... عليك، وكيف تخبرك الطّلول؟
ومن سفه سؤالك رسم دارٍ ... مضى لعفائه زمنٌ طويل
فإن تك أصبحت قفراً خلاء ... لعينك في مغانيها همول
فقدماً قد نعمت قرير عينٍ ... بها وبربعها الرشأ الكحيل وقال أبو عبد الله بن الحنّاط (٢) الأندلسي الأعمى:
لو كنت تعلم ما بالقلب من نار ... لم توقد النار بالهنديّ والغار
يا دار علوة قد هيّجت لي شجناً ... وزدتني حرقاً، حيّيت من دار
كم بتّ فيك على اللذّات معتكفاً ... واللّيل مدّرعٌ ثوباً من القار
كأنّه راهبٌ في المسح ملتحفٌ ... شدّ المجدّ له وسطاً بزنّار
يدير فيه كؤوس الراح ذو حورٍ ... يدير من طرفه (٣) ألحظ سحّار ولا مزيد في التفجّع على الديار والتوجع للدمن والآثار، على قول البحتري من قصيدة يرثي بها المتوكّل (٤) :
стр. 523
محلّ على القاطول أخلق داثره ... وعادت صروف الدهر جيشاً تغاوره (١)
كأن الصّبا توفي نذوراً إذا انبرت ... تراوحه أذيالها وتباكره
وربّ زمانٍ ناعمٍ ثمّ عهده ... ترقّ حواشيه ويونق ناضره
تغيّر حسن الجعفريّ وأنسه ... وقوّض بادي الجعفريّ وحاضره (٢)
تحمّل عنه ساكنوه فجاءة ... فعادت سواء دوره ومقابره
إذا نحن زرناه أجدّ لنا الأسى ... وقد كان قبل اليوم يبهج زائره
ولم أنس وحش القصر إذ ريع سربه ... وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره
وإذ صيح فيه بالرحيل فهتّكت ... على عجلٍ أستاره وستائره
وأوحشه (٣) حتى كأن لم يكن (٤) به ... أنيسٌ ولم تحسن لعينٍ مناظره
كأن لم تبت (٥) في الخلافة طلقة ... بشاشتها والملك يشرق زاهره
ولم تجمع الدّنيا إليه بهاءها ... وبهجتها والعيش غضٌّ مكاسره
فأين الحجاب الصعب حيث تمنّعت ... بهيبتها أبوابه ومقاصره
وأين عميد الناس في كل نوبة ... تنوب وناهي الدهر فيهم وآمره وعلى قول أبي إسحاق بن خفاجة الأندلسي (٦) :
ومرتبعٍ حططت الرحل فيه ... بحيث الظّلّ والماء القراح
تخرّم حسن منظره مليكٌ ... تخرّم ملكه القدر المتاح
فجرية ماء جدوله بكاء ... عليه، وشدو طائره نواح وهذا النوع من البكاء على الدمن، والتأسف على ما فعلت بها أيدي الزمن،
стр. 524
كثير جدّاً، لا يعرف الباحث عنه له حدّاً، وذلك لشدة ولوع النفوس بذكر أحبابها، وحنينها إلى أماكنها التي هي مواطن أطرابها، ولهذا اقتصرنا على هذه النبذة القليلة، وجعلناها نغبة (١) يشفي المشوق بها غليله، وقد كره بعض العقلاء التأسف على الديار لعلمهم أنّه لا يجدي، ولا يدفع عادية الدهر الخؤون ولا يعدي، ونهوا عنه لما فيه من تجديد المصاب، المجرّع لصاحبه الصاب والأوصاب.
قال أبو عمر بن عبد البر:
عفت المنازل غير أرسم دمنة ... حيّيتها من دمنةٍ ورسوم
كم ذا الوقوف ولم تقف في منسكٍ ... كم ذا الطواف ولم تطف بحريم
فكل الديار إلى الجنائب والصّبا ... ودع القفار إلى الصدى والبوم انتهى كلامه رحمه الله تعالى بأكثر لفظه مع بعض اختصار.
رجع إلى قرطبة - فنقول:
[رسائل للسان الدين]
وقد ألمّ لسان الدين بن الخطيب رحمه الله تعالى بذكر قرطبة وبعض أوصافها في كتاب له كتبه على لسان سلطانه إلى رسول الله ﷺ ، وقد ذكرناه بجملته في الباب الخامس من القسم الثاني فليراجع ثمّة، ونص محلّ الحاجة منه هنا: ثم كان الغزو إلى أم البلاد، ومثوى الطارف والتّلاد، قرطبة، وما قرطبة؟ المدينة التي على عمل أهلها في القديم بهذا الإقليم كان العمل، والكرسيّ الذي بعصاه رعي الهمل، والمصر الذي له في خطّة المعمور الناقة والجمل (٢) ، والأفق الذي هو لشمس الخلافة العبشمية الحمل، فخيم الإسلام
стр. 525
في عقوتها (١) المستباحة، وأجاز نهرها المعيي على (٢) السباحة، وعمّ دوحها الأشب بواراً، وأدار المحلاّت بسورها سواراً، وأخذ بمخنّقها حصاراً، وأعمل النصر بشجرة أصلها اجتناء ما شاء واهتصاراً، وجدّل من أبطالها من لم يرض جهاراً، ورفعت الأعلام إعلاماً بعزّ الإسلام وإظهاراً، فلولا استهلال الغوادي، وأن أتى الوادي، لأفضت إلى فتح الفتوح تلك المبادي، ولقضى تفثه العاكف البادي. انتهى.
وممّا كتب به لسان الدين - رحمه الله تعالى - في وصف هذه الغزوة لسلطان بني مرين على لسان صاحب الأندلس، ما صورته: المقام الذي نطالعه بأخبار الجهاد، ونهدي إليه عوالي العوالي صحيحة الإسناد، ونبشره بأخبار الفتح البعيد الآماد، ونسأل الله تعالى له توالي الإسعاف ودوام الإسعاد والإمداد (٣) ، ونرتقب من صنع الله تعالى على يديه تكييفاً يخرق حجاب المعتاد، وامتعاضاً يطلع بآفاق البلاد نجوم غرر الجياد، ويفتح أبوا بالفتوح بأقاليد السيوف الحداد، وينبئ عن مكارم من سلف من الآباء الكرام والأجداد، مقام محل أخينا الذي نستفتح له بالفتح والظهور، ونهدي إلى مجده لما نعلم من فضل نيّته وحسن قصده لطائف السرور، ونستظهر بملكه المؤيد (٤) المؤمّل ومجده المشهور، ونتوعد منهما العدوّ بالحبيب المذخور والولي المنصور، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله تعالى عالي القدر، قرير العين منشرح الصدر، ولا زال حديث فخره سائراً مسير الشمس والبدر، عظّم سلطانه الخليق بالتعظيم، الواثق منه بالذّخر الكريم، المثني على
стр. 526
مجده الصّميم وفضله العميم، أمير المسلمين عبد الله الغني بالله محمد ابن أمير المسلمين أبي الحجّاج ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر: سلام كريم، برّ عميم، يخص مقامكم الأعلى، وأخوّتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله ربّ العباد، وملهم الرشاد، ومكيّف الإسعاف والإسعاد، الولي النصير الذي نلقي إلى التوكّل عليه مقاليد الاعتماد، ونمد إلى إنجاده (١) أيدي الاعتداد، ونرفع إليه أكفّ الاستمداد، ونلخص لوجهه الكريم عمل الجهاد، فنتعرّف عوارف الفضل المزداد، ونجتني ثمار النصر من أغصان القنا الميّاد، ونجتلي وجوه الصنع الوسيم أبهر من وجه الصباح الباد، ونظفر بالنعيم العاجل في الدنيا والنعيم الآجل يوم قيام الأشهاد، ونتفيّأ ظلال الجنّة من تحت أوراق السيوف الحداد، والصلاة على سيّدنا ومولانا محمّد رسوله النبيّ الهاد، رسول الملحمة المؤيّد (٢) بالملائكة الشداد، ونبيّ الرحمة الهامية العهاد، أكرم الخلق بين الرائح والغائد، ذي اللواء المعقود والحوض المورود والشفاعة في يوم التّناد، الذي بجاهه نجدع أنوف الآساد يوم الجلاد، وببكرته ننال أقصى الأمل والمراد، وفي مرضاته نصل أسباب الوداد، فنعود بالتّجر الرابح من مرضاة رب العباد، ونستولي من ميدان السعادة المعادة على الآماد، والرضى عن آله وصحبه وأنصاره وحزبه الكرماء الأمجاد، دعائم الدين من بعده وهداة العباد، أنجاد الأنجاد وآساد الآساد، الذين ظاهروه في حياته بالحلوم الراجحة الأطواد، والبسالة التي لا تنال بالعدد في سبيل الله والأعداد، حتى بوّأوا الإسلام في القواعد الشهيرة والبلاد، وأرغموا أنوف أهل الجحد والإلحاد، فأصبح الدين رفيع العماد، منصور العساكر والأجناد، مستصحب العزّ في الإصدار والإيراد، والدعاء لمقامكم الأعلى بالسّعد الذي يغني عن اختيار الطوالع وتقويم الميلاد، والنصر الذي تشرق أنباؤه في
стр. 527
جنح ليل المداد، والصنع الذي شرع له أبواب التوفيق والسّداد، من حمراء غرناطة حرسها الله واليسر وثيق المهاد (١) ، والخير واضح الأشهاد، والحمد لله في المبدإ والمعاد، والشكر له على آلائه المتصلة التّرداد، ومقامكم الذخر الكافي العتاد، والمردد المتكفّل بالإنجاد، وإلى هذا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، ووالى نصركم وعضّدكم (٢) وبلغكم من فضله العمين أملكم وقصدكم، فإنّنا نؤثر تعريفكم بتافه المتزايدات (٣) ، ونورد عليكم أشتات (٤) الأحوال المتجدّدات، إقامةً لرسم الخلوص في التعريف بما قلّ، ومودة خالصة في الله، ، فكيف إذا كان التعريف بما تهتز منابر الإسلام ارتياحاً لوروده، وتنشرح الصدور منه لمواقع فضل الله وجوده، والمكيّفات البديعة الصفات في وجوده، وهو أنّنا قدّمنا إعلامكم بما نويناه من غزو مدينة قرطبة أمّ البلاد الكافرة، ومقر الحمية المشهودة (٥) والخيرات الوافرة، والقطر الذي عهده بإلمام الإسلام متقادم، والركن الذي لا يتوقّع صدمة صادم، وقد اشتمل سورها من زعماء ملّة الصليب على كل رئيس بئيس (٦) ، وهزبر ootnote>٧، وذي مكر وتلبيس، ومن له سمة تذيع مكانه وتشيعه، وأباع على المنشط والمكره تطيعه، فاستدعينا المسلمين من أقاصي البلاد، وأذعنا في الجهات نفير الجهاد، وتقدّمنا إلى الناس بسعة الأزواد، وأعطينا الحركة التي تخلف المسلمون فيها وراءهم جمهور الكفر من الأقطار والأعداد حقّها من الاستعداد، وأفضنا (٨) العطاء والاستلحاق والاستركاب في أهل الغناء
стр. 528
وأبطال الجلاد، فحشر الخلق في صعيد، وأخذوا الأهبة والزينة في عيد سعيد، وشمل الاستدعاء كل قريب وبعيد عن وعد ووعيد، ورحلنا وفضل الله شامل، والتوكّل عليه كافٍ كافل، وخيّمنا بظاهر الحضرة حتى استوفى الناس آرابهم، واستكملوا أسرابهم، ودسنا منهم بلاد النصارى بجموع كثرها الله وله الحمد وأنماها، وأبعد في التماس ما عنده من الأجر منتماها، وعندما حللنا قاشرة (١) وجدنا السلطان دون بطره مؤمل نصرنا وإنجادنا، ومستعيد حظّه من لواحق (٢) جهادنا، ومقتضي دين كدحه بإعانتنا إيّاه وإنجادنا، قد نزل بظاهرها في محلات ممّن استقر على دعوته، وتمسّك بطاعته، وشمله حكم جماعته، فكان لقاؤنا إيّه على حالٍ أقرّت عيون المسلمين، وتكفّلت بإعزاز الدين، ومجملها يغني عن التعيين، والشرح والتبيين، ورأى هو ومن معه من وفور جيش الله ما هالهم، وأوشكّ في حال اليقظة خيالهم، من جموع تسدّ الفضا، وأبطال تقارع أسود الغضا، وكتائب منصورة، ورايات منشورة، وأمم محشورة، تفضل عن مرأى العين، وترجي العدوّ في مهاوي الحين، فاعترفوا بما لم يكن في حسابهم، واعتبر في عزّة الله سبحانه أولو ألبابهم، وإذا كثّر الله تعالى العدد نما وزكا، وإذا أزاح العلل ما اعتذر غازٍ ولا شكا، وسالت من الغد الأباطح بالأعراف، وسمت الهوادي إلى الاستشراف، وأخذ الترتيب حقّه من المواسط الجهاديّة والأطراف، وأحكمت التعبية التي لا ترى العين فيها خللاً، ولا يجد الاعتبار (٣) عندها دخلاً، وكان النزول على فرسخ من عدوة النهر الأعظم من خارج المدينة أنجز الله تعالى وعد دمارها، وأعادها إلى عهدها في الإسلام وشعارها، ومحا ظلام الكفر من آفاقها بملة الإسلام وأنوارها، وقد برزت من حاميتها شوكة سابغة الدروع، وافرة الجموع، واستجنّت
стр. 529
من أسوار القنطرة العظمى بحمىً لا يخفر، وأخذ أعقابها من الحماة والكماة العدد الأوفر، فبادر إليهم سرعان خيل المسلمين فصدقوهم الدفاع والقراع، والمصال والمصاع، وخالطوهم هبراً بالسيوف، ومباكرة بالحتوف، فتركوهم حصيداً، وأذاقوهم وبالاً شديداً، وجدّلوا منهم جملة وافرة، وأمة كافرة، وملكوا بعض تلك الأسوار فارتفعت بها راياتهم الخافقة، وظهرت عليها عزماتهم الصادقة، واقتحم المسلمون الوادي سبحاً (١) في غمره، واستهانةً في سبيل الله بأمره، وخالطوا حامية العدو في ضفته فاقتلعوها، وتلّقوا بأوائل الأسوار ففرعوها، فلو كنّا في ذلك اليوم على عزم من القتال، وتيسير الآلات وترتيب الرجال، لدخل البلد، وملك الأهل والولد، لكن أجار الكفّار من الليل كافر، وقد هلك منهم عدد وافر، ورجع المسلمون إلى محلاتهم ونصر الله سافر، والعزم ظافر، ومن الغد خضنا البحر الذي جعلنا العزم فيه سفينا، والتوكل على الله للبلاغ ضمينا، ونزلنا من ضفّته القصوى (٢) منزلاً عزيزاً مكينا، بحيث يجاور سورها طنب القباب، وتصيب دورها من بين المخيمات (٣) بوارق النشّاب، وبرزت حاميتها على متعددات الأبواب، مقيمة أسواق الطعان والضّراب، فآبت بصفقة الخسر والتباب، ولما شرعنا في قتالها، ورتبنا أشتات النّكايات لنكالها، وإن كنا لم نبق على مطاولة نزالها، أنزل الله المطر الذي قدم بعهاده العهد، وساوى النجد من طوفانه الوهد، وعظم به الجهد، ووقع الإبقاء على السلاح، والكفّ بالضرورة عن الكفاح، وبلغ المقام عليها، والأخذ بمخنّقها والثّواء لديها، خمسة أيّام لم تخل فيها من اقتراع، ولا الأبواب من دفاع عليها وقراع، وأنفذت مقاتل الستائر أنقاباً، وارتقب الفتح الموعود ارتقاباً، وفشت في
стр. 530
أهلها الجراح والعيث والصّراح، وساءهم المساء بعزة الله والصّباح (١) ، ولولا عائق المطر لكان الإجهاز والاستفتاح، والله بعدها الفتّاح، وصرفت الوجوه إلى تخريب العمران، وتسليط النيران، وعقر الأشجار، وتعفية الآثار، وأتى منها العفاء على المصر الشهير في الأمصار، وتركت زروعها المائحة عبرة لأولي الأبصار (٢) ، ورحلنا عنها وقد ألبسها الدخان حداداُ، ونكس من طغاتها أجياداً، فاعتادت الذلّ اعتياداً، والفت الهون قياداً، وكادت أن تستباح عنوة لولا أن الله تعالى جعل لها ميعاداً، وأتى القتل من أبطالها، ومشاهير رجالها، ممّن يبارز ويناطح، ويماسي بالناس ويُصابح، على عدد جمّ أخبرت سيماهم المشهورة بأسمائهم، ونبّهت علاماتها على نبهائهم، وظهر إقدام المسلمين في المعتركات (٣) ، وبروزهم (٤) بالحدود المشتركات، وتنفيلهم الأسلاب، وقودهم الخيل المسوّمة قود الغلاب، وكان القفول، وقد شمل الأمن والقبول، وحصل الجهاد المقبول، وراع الكفر العزّ الذي يهول، والإقدام الذي شهدت به الرماح والخيول، وخاض المسلمون من زرع الطرق التي ركبوها، والمنازل التي استباحوها وانتهبوها، بحوراً بعد منها الساحل، وفلاحة مدركة تتعدد فيها المراحل، فصيروها صريماً، وسلّطوا عليها النار غريماً، وحلّوا بظاهر حصن أندوجر (٥) وقد أصبح مألف أذمار غير أوشاب، ووكر طيور (٦) نشاب، فلمّا بلونا مراسه صعباً، وأبراجه ملئت حرساً شديداً وشهباً، ضننّا بالنفوس أن تفيض دون افتتاحه، فسلّطنا العفاء على