وقد تقدم بعض الكلام على المهدي هذا، وهو الذي قيل فيه لما قام على الدولة (١) :
قد قام مهديّنا ولكن ... بملّة (٢) الفسق والمجون
وشارك الناس في حريم ... لولاه ما زال بالمصون
من كان من قبل ذا أجمّاً ... فاليوم قد صار ذا قرون ومن شعر المهدي هذا وقد حيّاه في مجلس شرابه غلامٌ بقضيب آسٍ:
أهديت شبه قوامك الميّاس ... غصناً رطيباً ناعماً من آس
وكأنّما يحكيك في حركاته ... وكأنّما تحكيه في الأنفاس وقد ذكرنا فيما سبق في الفصل الثالث خبر المهدي هذا وقتله (٣) . ولقد كان قيامه مشئوماً على الدين والدنيا، فإنّه فاتح أبواب الفتنة بالأندلس وماحي معالمها، حتى تفرقت الدولة، وانتثر السلك، وكثر الرؤساء، وتطاول العدو إليها، وأخذها شيئاً فشيئاً حتى محا اسم الإسلام منها، أعادها الله تعالى.
[حديث ابن خلدون عن الزهراء]
وقد ألمّ الولي ابن خلدون في تاريخه بذكر الزهراء في جملة مباني الناصر، فقال ما نصّه (٤) : ولما استفحل ملك الناصر صرف نظره إلى تشييده القصور والمباني، وكان جده الأمير محمد وأبوه عبد الرحمن الأوسط وجده الحكم قد احتفلوا (٥) في ذلك وبنوا قصورهم على أكمل الإتقان والضخامة، وكان فيها المجلس الزاهر
стр. 597
والبهو الكامل والمنيف، فبنى هو إلى جانب الزاهر قصره العظيم، وسمّاه دار الروضة، وجلب الماء إلى قصورهم من الجبل واستدعى عرفاء المهندسين والبنائين من كل قطر، فوفدوا عليه حتى من بغداد والقسطنطينية، ثم أخذ في بناء المنتزهات، فاتخذ منية الناعورة خارج القصور، وساق لها الماء من أعلى الجبل على أبعد مسافة، ثم اختط مدينة الزهراء، واتخذ لنزله، وكرسيّاً لملكه، وأنشأ فيها من المباني والقصور والبساتين ما عفّى على مبانيهم الأولى، واتخذ فيها محلات للوحش فسيحة الفناء، متباعدة السياج، وسارح للطيور مظللة بالشباك، واتخذ فيها دوراً لصناعة الآلات من آلات السلاح للحرب والحلى للزينة وغير ذلك من المهن، وأمر بعمل الظلة على صحن الجامع بقرطبة وقاية للناس من حر الشمس، انتهى.
[الزاهرة]
وأمّا الزاهرة فهي من مباني المنصور محمد بن أبي عامر.
قال ابن خلدون أثناء كلامه على المنصور ما صورته (١) : وابتنى لنفسه مدينة لنزله سماها الزاهرة، ونقل إليها جزءاً من الأموال والأسلحة، انتهى.
وقال غيره، وأظنّه صاحب المطمح (٢) : وفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة أمر المنصور بن أبي عامر ببناء الزاهرة، وذلك عندما استفحل (٣) أمره، واتقد جمره، وظهر استبداده، وكثر حسّاده وأنداده (٤) ، وخاف على نفسه في الدخول إلى قصر السلطان، وخشي أن يقع في أشطان، فتوثّق لنفسه، وكشف
стр. 598
له ما ستر عنه في أمسه، من الاعتزاز عليه، ورفع الاستناد إليه، وسما إلى ما سمت إليه الملوك من اختراع قصر ينزل فيه، ويحله بأهله وذويه، ويضم إليه رياسته، ويتم به تدبيره وسياسته، ويجمع فيه فتيانه وغلمانه، فارتاد موضع مدينته المعروفة بالزاهرة، الموصوفة بالقصور الباهرة، وأقامها بطرف البلد على نهر قرطبة الأعظم، نسّق فيها كل اقتدار معجز ونظم، وشرع في بنائها في هذه السنة المؤرخة، وحشد الصنّاع والفعلة، وجلب إليها الآلات الجليلة، وسربلها بهاءً يردّ الأعين كليلة، وتوسع في اختطاطها، وتولّع بانتشارها في البسيطة وانبساطها، وبالغ في رفع أسوارها، وثابر على تسوية أنجادها وأغوارها، فاتسعت هذه المدينة في المدة القريبة، وصار بناؤها من الأنباء (١) الغريبة، وبني معظمها في عامين.
وفي سنة سبعين وثلاثمائة انتقل المنصور إليها ونزلها بخاصته وعامته، فتبوّأها وشحنها بجميع أسلحته وأمواله وأمتعته، واتخذ فيها الدواوين والأعمال وعمل في داخلها الأهراء، وأطلق بساحتها الأرحاء، ثم قطع ما حولها لوزرائه وكتّابه، وقوّاده وحجّابه، فابتنوا بها كبار الدور، وجليلات القصور، واتخذوا خلالها المستغلاّت المفيدة، والمنازه المشيدة، وقامت بها الأسواق وكثرت فيها الأرفاق، وتنافس الناس بالنزول بأكنافها، والحلول بأطرافها، للدنوّ من صاحب الدولة، وتناهى الغلوّ في البناء حوله، حتى اتصلت أرباضها بأرباض قرطبة وكثرت بحوزتها العمارة، واستقرت في بحبوحتها الإمارة، وأفرد الخليفة من كل شيء إلا من الاسم الخلافي، وصير ذلك هو الرسم العافي، وربت فها جلوس وزرائه، ورؤوس أمرائه، وندب إليها كل ذي خطّة بخطّته، ونصب ببابها كرسيّ شرطته، وأجلس عليها والياً على رسم كرسي الخليفة، وفي صفة تلك المرتبة المنيفة، وكتب إلى الأقطار بالأندلس والعدوة
стр. 599
بأن تحمل إلى مدينته تلك أموال الجبايات، ويقصدها أصحاب الولايات، وينتابها طلاب الحوائج، وحذّر أن يعوج عنها إلى باب (١) الخليفة عائج، فاقتضيت إليها اللّبانات والأوطار، وانحشد الناس إليها من جميع الأقطار، وتم لمحمد بن أبي عامر ما أراد، وانتظم بلبّة أمانيه المراد، وعطل قصر الخليفة من جميعه، وصيّره بمعزل من سامعه ومطيعه، وسدّ باب قصره عليه، وجدّ في خبر ألاّ يصل إليه، وجعل فيه ثقة من صنائعه يضبط القصر، ويبسط في النهي والأمر، وشرف منه على كل داخل، ويمنع ما يحذره من الدواخل، ورتب عليه الحرّاس والبوّابين، والسّمّار والمنتابين، يلازمون حراسة من فيه ليلاً ونهاراً، ويراقبون حركاتهم سرّاً وجهاراً، وقد حجر على الخليفة كل تدبير، ومنعه من تملّك قبيل أو دبير، وأقام الخليفة هشام مهجور الفناء، معجوز الغناء، خفيّ الذكر، عليل الفكر، مسدود الباب، محجوب الشخص عن الأحباب، لا يراه خاص ولا عام، ولا يخاف منه بأسٌ ولا يرجى منه إنعام، ولا يعهد في إلا الاسم السلطاني في السّكة والدعوة، وقد نسخه ولبّس أبهته وطمس بهجته، وأغنى الناس عنه، وأزال أطماعهم منه، وصيرهم لا يعرفونه، وأمرهم أنهم (٢) لا يذكرونه، اشتدّ ملك محمد بن أبي عامر منذ نزل قصر الزاهرة وتوسّع مع الأيام في تشييد (٣) بنيتها حتى كملت أحسن كمال، وجاءته في نهاية الجمال، نقاوة بناء، وسعة فناء، واعتدال هواء رقّ أديمه، وصقالة جوّ اعتلّ (٤) نسيمه، ونضرة بستان، وبهجة للنفوس فيها افتنان، وفيها يقول صاعد اللغوي:
يا أيها الملك المنصور من يمن ... والمبتنى نسبا غير الذي انتسبا
стр. 600
بغزوة (١) في قلوب الشّرك رائعة ... بين المنايا تناغي السّمر والقضبا
أما ترى العين تجري فوق مرمرها ... هوىً فتجري على أحفافها الطربا (٢)
أجريتها فطما الزّاهي بجريتها ... كما طموت فسدت العجم والعربا
تخال فيه جنود الماء رافلةً ... مستلئمات تريك الدّرع واليلبا
تحفّها من فنون الأيك زاهرة ... قد أورقت فضّة إذ أورقت (٣) ذهبا
بديعة الملك ما ينفكّ ناظرها ... يتلو على السّمع منها آيةً عجبا
لا يحسن الدهر أن ينشي لها مثلاً ... ولو تعنّت فيها نفسه طلبا ودخل عليه ابن أبي الحباب (٤) في بعض قصوره من النية المعروفة بالعامرية، والروض قد تفتحت أنواره، وتوشحت أنجاده وأغواره، وتصرّف فيها الدهر متواضعاً، ووقف بهاالسعد خاضعاً، فقال:
لا يوم كاليوم في أيّامك الأول ... بالعامريّة ذات الماء والظّلل
هواؤها في جميع الدهر معتدلٌ ... طيباً وإن حلّ فصلٌ غير معتدل
ما إن يبالي الذي يحتلّ ساحتها ... بالسعد أن لا تحلّ الشمس بالحمل وما زالت هذه المدينة (٥) رائقة، والسّعود بلبّتها متناسقة، تراوحها الفتوح وتغاديها، وتجلب إليها منكسرة أعاديها، لا تزحف عنها راية إلاّ
стр. 601
إلى فتح، ولا يصدر عنها تدبير إلاّ إلى نجح، إلى أن حان يومها العصيب، وقيّض لها من المكروه أوفر (١) نصيب، فتولت فقيدة، وخلت من بهجتها كلّ عقيدة، انتهى.
وقد حكى الحميدي في " جذوة المقتبس " (٢) هذه الحكاية الواقعة لابن أبي الحباب بزيادة، فقال - بعد أن ذكر هذه المنية العامرية التي إلى جانب الزهراء -: إن أبا المطرّف بن أبي الحباب الشاعر دخل إلى المنصور في هذه المنية، فوقف على روضة فيها ثلاث سوسنات ثنتان منها قد تفتحتا وواحدة لم تفتح، فقال:
لا يوم كاليوم في أيامنا الأول ... بالعامرية ذات الماء والظّلل (٣)
هواؤها في جميع الدهر معتدلٌ ... طيباً، وإن حلّ فصلٌ غير معتدل
ما إن يبالي الذي يحتلّ ساحتها ... بالسعد ألاّ تحلّ الشمس في الحمل
كأنّما غرست في ساعة وبدا ال ... سوسان من حينه فيها على عجل
أبدت ثلاثاً من السوسان مائلةً ... أعناقهنّ من الإعياء والكسل
فبعض نوّارها للبعض منفتح ... والبعض منغلق عنهنّ في شغل
كأنّها راحة ضمت أناملها ... من بعد ما ملئت من جودك الخضل
وأختها بسطت منها أناملها ... ترجو نداك كما عوّدتها فصل وقد ذكر ابن سعيد (٤) أن ابن العريف النحوي دخل على المنصور بن أبي عامر وعنده صاعد اللغوي البغدادي، فأنشده وهو بالموضع المعروف بالعامرية من أبيات:
فالعامريّة تزهى ... على جميع المباني
стр. 602
وأنت فيها كسيفٍ ... قد حلّ في غمدان (١) فقام صاعد، وكان مناقضاً له، فقال: أسعد الله تعالى الحاجب الأجل، ومكن سلطانه؛ هذا الشعر الذي قاله (٢) قد أعدّه وروّى (٣) فيه أقدر أن أقول أحسن منه ارتجالاً، فقال له المنصور: قل ليظهر صدق دعواك، فجعل يقول من غير فكرة طويلة (٤) :
يا أيّها الحاجب المع ... تلي على كيوان
ومن به قد تناهى ... فخار كلّ يمان (٥)
العامريّة أضحت ... كجنّة الرضوان
فريدة لفريدٍ ... ما بين أهل الزمان ثمّ مر في الشعر إلى أن قال في وصفها:
انظر إلى النّهر فيها ... ينساب كالثّعبان
والطير يخطب شكراً ... على ذرا الأغصان
والقضب تلتفّ سكراً ... بميّس القضبان
والروض يفترّ زهواً ... عن مبسم الأقحوان
والنرجس الغضّ يرنو ... بوجنة النّعمان
وراحة الريح تمتا ... ر نفحة الريحان
فدم مدى الدهر فيها ... في غبطةٍ وأمان فاستحسن المنصور ارتجاله، وقال لابن العريف: ما لك فائدة في مناقضة
стр. 603
من هذا ارتجاله، فكيف تكون رويّته؟ فقال ابن العريف: إنّما أنطقه وقرّب عليه المأخذ إحسانك، فقال له صاعد: فيخرج من هذا أن قلة إحسانه لك أسكتتك وبعّدت عليك المأخذ، فضحك المنصور وقال: غير هذه المنازعة أليق بأدبكما.
قلت: وقد ذكر مؤرخو الأندلس منىً كثيرة بها: منها منية الناعورة السابقة، ومنية العامرية هذه، ومنية السرور، ومنية الزبير منسوبة إلى الزبير بن عمر الملثم ملك قرطبة.
قال أبو الحسن بن سعيد (١) : أخبرني أبي عن أبيه قال: خرج معي إلى هذه المنية في زمان فتح نوّار اللوز أبو بكر بن بقيّ الشاعر المشهور، فجلسنا تحت سطر لوز قد نوّر، فقال ابن بقيّ:
سطرٌ من اللوز في البستان قابلني ... ما زاد شيء على شيء ولا نقصا
كأنّما كلّ غصنٍ كمّ جارية ... إذا النّسيم ثنى أعطافه رقصا ثم قال:
عجبت لمن أبقى على خمر دنّه ... غداة رأى لوز الحدية نوّرا وذكر بعض مؤرخي الأندلس أن المنصور بن أبي عامر كان يزرع كل سنة ألف مدي من الشعير قصيلاً لدوابه الخاصة به، وأنّه كان إذا قدم من غزوة من غزواته لا يحلّ عن نفسه حتى يدعو صاحب الخيل فيعلم ما مات منها وما عاش، وصاحب الأبنية لما وهى من أسواره ومبانيه وقصوره ودوره، قال: وكان له دخالة (٢) كل يوم اثني عشر ألف رطل من اللحم، حاشا الصيد والطير
стр. 604
والحيتان، وكان يصنع في كل عام اثني عشر ألف ترس عامرية لقصر الزاهرة والزهراء، قال: وابتنى على طريق المباهاة والفخامة مدينة الزاهرة (١) ذات القصور والمنتزهات المخترعة كمنية السرور وغيرها من مناشئه البديعة، انتهى.
[المنصور وابن شهيد]
ومن المطمح (٢) : أن المنصور لما فرغ من بناء الزاهرة غزا غزوة وأبعد فيها الإيغال، وغال فيه من عظماء الروم من غال، وحلّ من أرضهم ما لم يطرق، وراع منهم ما لم يرع قطّ ولم يفرق، وصدر صدراً سما به على كل حسناء عقيلة، وجلا به كل صفحة للحسن صقيلة، ودخل قرطبة دخولاً لم يعهد، وشهد له فيها يوم مثله لم يشهد، وكان ابن شهيد متخلّفاٍ عن هذه الغزوة لنقرس عداه عائده، وحداه منتجعه ورائده، وابن شهيد هذا أحد حجاب (٣) الناصر، وله على ابن أبي عامر أيادٍ محكمة الأواصر، وهو الذي نهض به أول انبعاثه، وشفى أمره زمن التياثه، وخاصم المصحفي عنه بلسان من الحماية ألدّ، وتوخّاه بإحسان قلّده من الرعاية ما قلّد، وأسمى رتبته، وحلّى بإعظام جيده ولبّته (٤) ، وكان كثيراً ما يتحفه، ويصله ويلطفه، فلمّا صدر المنصور من غزوته هذه وقفل، نسي متاحفته وغفل (٥) ، فكتب إليه ابن شهيد:
أنا شيخ والشيخ يهوى الصّبايا ... يا بنفسي أقيك كلّ الرّزايا
ورسول الإله أسهم في الفي ... ء لمن لم يخبّ فيه المطايا
стр. 605
فاجعلنّي فديت أشكر معرو ... فك وابعث بها عذاب الثّنايا فبعث إليه بعقيلة من عقائل الروم يكنفها ثلاث جوارٍ، كأنهن نجومٌ سوارٍ، وكتب إليه:
قد بعثنا بها كشمس النّهار ... في ثلاث من المها أبكار
فاتّئد واجتهد فإنك شيخ ... سلخ الليل عن بياض النهار
صانك الله عن كلالك فيها ... فمن العار كلّة المسمار فكتب إليه ابن شهيد:
قد فضضنا ختام ذاك السّوار ... واصطبغنا من النّجيع الجاري
ونعمنا في ظلّ أنعم ليلٍ ... ولهونا بالبدر ثم الدراري
وقضى الشيخ ما قضى بحسام ... ذي مضاء عضب الظّبى بتّار
فاصطنعه فليس يجزيك كفراً ... واتخذه سيفاً على الكفّار وقد قدمنا هذه الحكاية في أخبار المنصور من الباب الثالث (١) ، ولكنّا أدناها هنا بلفظ المطمح لما فيه من العذوبة والفائدة الزائدة.
[ترجمة الجزيري من المطمح]
وممن كان في أيام المنصور من الوزراء المشهورين الوزير الكاتب أبو مروان عبد الملك بن إدريس الخولاني، قال في المطمح (٢) : علم من أعلام الزمان (٣) ، وعين من أعيان البيان، باهر الفصاحة، طاهر الجناب والساحة، تولى
стр. 606
التحبير أيام المنصور والإنشاء، وأشعر بدولته الأفراح والانتشاء، ولبس العزة ضافية البرود، وورد بها النعمة صافية الورود (١) ، وامتطى من جياد التوجيه، وأعتق من لاحق والوجيه (٢) ، وتمادى طلقه، ولا أحد يلحقه، إلى أيام المظفر فمشى على سننه، وتمادى السعد يترنم على فننه، إلى أن قتل المظفّر صهره عيسى بن القطاع، صاحب دولته وأميرها المطاع، وكان أبو مروان قديم الاصطناع له والانقطاع، فاتّهم معه، وكاد أن يذوق حمامه ومصرعه (٣) ، إلا أن إحسانه شفع، وبيانه نفع ودفع (٤) ، فحطّ عن تلك الرتب، وحمل إلى طرطوشة على القتب، فبقي هنالك معتقلاً في أبراجها نائي المنتهى (٥) ، كأنما يناجي السّها، قد بعد ساكنه عن الأنيس، وقعد من النجم بمنزلة الجليس، تمرّ الطيور دونه ولا تجوزه، ويرى منه الثرى ولا يكاد يحوزه، فبقي فيه دهراً لا يرتقي إليه راق، ولا يرجى لبثّه راق، إلى أن أخرج منه إلى ثراه، واستراح مما عراه، فمن بديع نظمه قوله يصف المعقل (٦) ، الذي فيه اعتقل:
يأوي إليه كلّ أعور ناعق (٧) ... وتهبّ فيه كلّ ريح صرصر
ويكاد من يرقى إليه مرّة ... من عمره يشكو انقطاع الأبهر ودخل ليلة على المنصور (٨) والمنصور قد اتكأ وارتفق، وتحلى بمجلسه ذلك الأفق، والدّنيا بمجلسه ذلك مسوقة، وأحاديث الأماني به منسوقة، فأمره
стр. 607
بالنزول (١) فنزل في جملة الأصحاب، والقمر بظهر ويحتجب في السحاب، والأفق يبدو به أغرّ ثم يعود مبهماً، والليل يتراءى منه أشقر ثم يعود أدهماً، وأبو مروان قد انتشى، وجال في ميدان الأنس ومشى، وبرد خاطره قد دبجه السرور ووشى، فأقلقه ذلك المغيب والالتياح، وأنطقه ذلك السرور والارتياح، فقال:
أرى بدر السماء يلوح حيناً ... فيبدو ثمّ يلتحف السحابا
وذلك أنّه لمّا تبدّى ... وأبصر وجهك استحيا فغابا
مقال لو نمي عندي إليه ... لراجعني بذا حقّاً جوابا وله في مدة اعتقاله، وتردده في قيله وقاله (٢) :
شحط المزار فلا مزار، ونافرت ... عيني الهجوع فلا خيالّ يعتري
أزرى بصبري وهو مشدود العرى (٣) ... وألان عودي وهو صلب المكسر
وطوى سروري كلّه وتلذّذي ... بالعيش طيّ صحيفة لم تنشر
ها إنّما ألقى الحبيب توهّماً ... بضمير تذكاري وعين تذكّري
عجباً لقلبي يوم راعتني النوى ... ودنا وداعي (٤) كيف لم يتفطر [رجع إلى المنصور]
وكان المنصور إذا أراد أمراً مهمّاً شاور أرباب الدولة الأكابر من خدام الدولة الأموية، فيشيرون عليه بالوجه الذي عرفوه وجرت الدولة الأمويّة عليه، فيخالفهم إلى المنهج الذي ابتدعه، فيقضون في أنفسهم
стр. 608
بالهلاك في الطريق الذي سلكه، والمهيع الذي اخترعه، فتسفر العاقبة عن السلامة التامة التي اقتضاها سعده، فيكثرون التعجب من موارد أموره ومصادرها.
وقيل له مرّة: إن فلاناً مشؤوم فلا تستخدمه، فقال: أفّ لسعد لا يغطي على شؤمه، فاستخدمه، ولم ينله من شؤمه الذي جرت به العادة شيء.
وحكي عنه أنّه كان في قصره با زاهرة (١) ، فتأمل محاسنه، ونظر إلى مياهه المطّردة، وأنصت لأطياره المغردة، وملأ عينه من الذي حواه من حسن وجمال، والتفت في الزاهرة من اليمين إلى الشمال، فانحدرت دموعه، وتجهم وقال: ويهاً (٢) لك يا زاهرة، فليت شعري من الخائن الذي يكون خرابك على يديه عن قريب؟ فقال له بعض خاصته: ما هذا الكلام الذي ما سمعناه من مولانا قطّ؟ وما هذا الفكر الرديء الذي لا يليق بمثله شغل البال به؟ فقال: والله لترون ما قلت، وكأنّي بمحاسن الزاهرة قد محيت، وبرسومها قد غيرت، وبمبانيها قد هدمت ونحّيت، وبخزائنها قد نهبت، وبساحاتها قد أضرمت بنار الفتنة وألهبت، قال الحاكي: فلم يكن إلاّ أن توفّي المنصور وتولى المظفّر ولم تطل مدته، فقام بالأمر أخوه عبد الرحمن الملقّب بشنجول (٣) ، فقام عليه المهدي والعامّة، وكانت منهم عليه وعلى قومه الطامّة، وانقرضت دولة آل عامر، ولم يبق منهم آمر:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا ... أنيسٌ ولم يسمر بمكّة سامر
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر (٤) وخربت الزاهرة، وذهبت (٥) كأمس الدابر، وخلت منها الدسوت الملوكيّة
стр. 609
والمنابر، واستولى النهب على ما فيها من العدة والذخائر، والسلاح، وتلاشى أمرها فلم يرج لفسادها صلاح، وصارت قاعاً صفصفاً، وأديلت بأيام الترح عن أيام الفرح والصّفا.
ويروى أن بعض أولياء ذلك الزّمان مر بها، ونظر إلى مصانعها السامية الفائقة، ومبانيها العالية الرائقة، فقال: يا دار فيك من كل دار، فجعل الله منك في كل دار، قال الحاكي: فلم تكن بعد ذلك دعوة الرجل الصالح إلا أيام يسيرة حتى نهبت ذخائرها، وعمّ بالخراب سائرها، فلم تبق دار فيالأندلس إلى ودخلها من فيئها حصة كثيرة أو قليلة، وحقق الله تعالى دعاء ذلك الرجل الذي همّته مع ربّه جليلة.
وقد حكي أن بعض ما نهب منها بيع ببغداد وغيرها من البلاد المشرقية، فسبحان من لا يزول سلطانه ولا ينقضي ملكه لا إله إلا هو.
وتذكرت هنا ما رآه في المنام بعض أهل المغرب بالليلة التي انقرض فيها ملك الموحّدين أن شخصاً ينشده:
ملك بني مؤمن تولّى ... وكان فوق السّماك سمكه
فاعتبروا وانظروا وقولوا: ... سبحان من لا يبيد ملكه لا إله إلاّ هو.
وكان المهدي القائم على العامريين ماجناً فاتكاً، وقال - وقد حيّاه في مجلس شرابه غلام بقضيب آس (١) :
أهديت شبه قوامك الميّاس ... غصناً رطيباً ناعماً من آس
وكأنّما يحكيك في حركاته ... وكأنّما تحكيه في الأنفاس وكان المنصور بن أبي عامر حين تغلب على ملك الأمويين غير مكترث بمثل
стр. 610
المهدي المذكور، فسلطه الله تعالى على كل ما أسسه المنصور حتى هدمه، وأخّر كلّ ما قدّمه، ولم ينفع في ذلك احتياط ولا حزم، ولا رادّ للقضاء المبرم الجزم:
والله يحكم ما يشا ... ء فلا تكن متعرضا [طرف من أخبار المنصور]
وقد قدمنا شيئاً من أخبار المنصور، ولا بأس أن نلمّ هنا ببعضها وإن حصل منه نوع تكرار في نبذة منها لارتباط الكلام بعضه ببعض.
قال بعض المحققين من المؤرخين: حجر المنصور بن أبي عامر على هشام المؤيد بحيث لم يره أحد منذ ولي الحجابة، وربما أركبه بعد سنين وجعل عليه برنساً، وعلى جواريه مثل ذلك، فلا يعرف منهن، ويأمر من ينحّي الناس من طريقه، حتى ينتهي المؤيد إلى موضع تنزهه، ثم يعود، غير أنّه أركبه بأبهة الخلافة في بعض الأيام لغرضٍ له، كما ألمعنا به فيما سبق، وكان المنصور إذا سافر وكل بالمؤيد من يفعل معه ذلك، فكان هذا من فعله سبباً لانقطاع ملك بني أمية من الأندلس، وأخذ مع ذلك في قتل من يخشى منه من بني أميّة خوفاً أن يثوروا به، وظهر أنّه يفعل ذلك شفقة على المؤيد، حتى أفنى من يصلح منهم للولاية، وربما سكن بعضهم البادية، وترك مجلس الأبهة وناديه، حتى قال بعض من ينقم على المنصور ذلك الفعل من قصيدة:
أبني أميّة أين أقمار الدّجى ... منكم؟ وأين نجومها والكوكب؟
غابت أسودٌ منكم عن غابها ... فلذاك حاز الملك هذا الثعلب مع أن للمنصور مفاخر بذّ بها الأوائل والأواخر، من المثابة على جهاد
стр. 611
العدو، وتكرار الذهاب بنفسه في الرواح والغدوّ، وله مع المصحفي وغيره أخبار مرت ويأتي بعضها، ولا بأس أن نلخص ترجمة المصحفي فنقول:
[ترجمة المصحفي من المطمح]
قال الفتح في المطمح (١) : الحاجب جعفر المصحفي - تجرّد للعليا، وتمرد في طلب الدنيا، حتى بلغ المنى، وتسوّغ ذلك الجنى، فسما دون سابقة، وارتمى إلى رتبة لم تكن لبنيته (٢) بمطابقة، فالتاح في أفياء الخلافة، وارتاح إليها بعطفه كنشوان السّلافة، واستوزره المستنصر، وعنه كان يسمع وبه كان (٣) يبصر، فأدرك بذلك ما أدرك، ونصب لأمانيه الحبائل والشّرك، واقتنى وادّخر، وأزرى (٤) بمن سواه وسخر، واستعطفه المنصور بن أبي عامر ونجمه بعد غائر لم يلح، وسرّه مكتوم لم يبح، فما عطف، ولا جنى من روضة دنياه ولا قطف، فأقام في تدبير الأندلس ما أقام والأندلس متغيرة، والأذهان في تكيف سعده متحيرة، فناهيك من ذكرٍ خلّد، ومن فخرٍ تقلّد، ومن صعبٍ راض، وجناح فتنةٍ هاض، ولم يزل بنجاد تلك الخلافة معتقلاً، وفي مطالعها منتقلاً، إلى أن توفّي الحكم، فانتقض عقده المحكم، وانبرت إليه النوائب، وتسدّدت إليه من الخطوب (٥) سهام صوائب، واتّصل إلى المنصور ذلك الأمر، واختص به كما مال بيزيد أخوه الغمر، وأناف في تلك الخلافة كما شبّ قبل اليوم عن طوقه عمرو، وانتدب للمصحفي بصدر كان أوغره، وساءه وصغّره، فاقتصّ من تلك الإساءة، وأغصّ حلقه بأي مساءة (٦) ،
стр. 612
فأخمله ونكبه، وأرجله عمّا كان الدهر أركبه، وألهب جوارحه (١) حزناً، ونهب له مدّخراً ومختزناً، ودمّر عليه ما كان حاط، وأحاط به من مكروهه ما أحاط، غبر سنين في مهوى تلك النكبة، وجوى (٢) تلك الكربة، ينقله المنصور معه في غزواته، ويعتقله بين ضيق المطبق ولهواته، إلى ان تكوّرت شمسهن وفاظت بين أثناء المحن نفسه، ومن بديع ما حفظ له في نكبته، قوله يستريح من كربته:
صبرت على الأيام لمّا تولّت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرّت
فوا عجباً للقلب كيف اعترافه ... وللنفس بعد العزّ كيف استذلّت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن طمعت تاقت وإلاّ تسلّت
وكانت على الأيام نفسي عزيزةً ... فلمّا رأت صبري على الذل ذلّت
فقلت لها: يا نفس موتي كريمةً ... فقد كانت الدّنيا لنا ثمّ ولّت وكان له أدبٌ بارع، وخاطر إلى نظم القريض يسارع (٣) ، فمن محاسن إنشاده (٤) ، التي بعثها إيناس دهره بإسعاده، قوله:
لعينيك في قلبي عليّ عيون ... وبين ضلوعي للشجون فنون
لئن كان جسمي مخلقاً في يد الهوى ... فحبّك عندي في الفؤاد مصون وله وقد أصبح عاكفاً على حميّاه، هاتفاً بإجابة دنياه، مرتشفاً ثغر الأنس متنسماً ريّاه، والملك يغازله بطرف كليل، والسعد قد عقد عليه منه إكليل، يصف لون مدامه، وما تعرّف له منها دون ندامه:
стр. 613
صفراء تطرق في الزجاج فإن سرت ... في الجسم دبّت مثل صلٍّ لادغ
خفيت على شرّابها فكأنّما ... يجدون ريّاً من إناء فارغ ومن شعره الذي قاله في السّفرجل مشبهاً، وغدا به لنائم البديع منبهاً، قوله يصف سفرجلة، ويقال إنّه ارتجله:
ومصفرّة تختال في ثوب نرجس ... وتعبق عن مسكٍ ذكيّ التّنفس
لها ريح محبوبٍ وقسوة قلبه ... ولون محبّ حلّة السّقم مكتسي
فصفرتها من صفرتي مستعارة ... وأنفاسها في الطّيب أنفاس مؤنسي
وكان لها ثوبٌ من الزغب أغبر ... على جسم مصفرٍ من التّبر أملس
فلمّا استتمّت في القضيب شبابها ... وحاكت لها الأوراق أثواب سندس
مددت يدي باللطف أبغي اجتناءها ... لأجعلها ريحانتي وسط مجلسي
فبزّت يدي غصباً لها ثوب جسمها ... وأعريتها باللطف من كل ملبس
ولمّا تعرّت في يدي من برودها ... ولم تبق إلاّ في غلالة نرجس
ذكرت لها من لا أبوح بذكره ... فأذبلها في الكفّ حرّ التنفّس وله وقد أعاده المنصور إلى المطبق، والشجون تسرع إليه وتسبق، معزياً لنفسه (١) ، ومجتزياً بإسعاد (٢) أمسه:
أجازي الزمان على حاله ... مجازاة نفسي لأنفاسها
إذا نفسٌ صاعدٌ شفّها ... توارت به دون جلاّسها
وإن عكفت نكبة للزمان ... عطفت بنفسي (٣) على راسها وممّا حفظ له في استعطافه، واستنزاله للمنصور واستلطافه، قوله:
стр. 614
عفا الله عنك، ألا رحمة ... تجود بعفوك أن ابعدا
لئن جلّ ذنبٌ ولم أعتمده ... فأنت أجلّ وأعلى يدا
ألم تر عبداً عدا طوره ... ومولىً عفا ورشيداً هدى
ومفسد أمرٍ تلافيته ... فعاد فأصلح ما أفسدا
أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الرّدى
عود وانعطاف إلى أخبار المنصور بن أبي عامر رحمه الله تعالى، وجازاه عن جهاده أفضل الجزاء بمنّه وكرمه وفضله وطوله، فنقول:
وكان له في كل غزوة من غزواته المنيفة على الخمسين مفخر من المفاخر الإسلاميّة، فمنها أن بعض الأجناد نسي رايته مركوزة على جبل بقرب إحدى مدائن الروم، فأقامت عدّة أيام لا يعرف الروم ما وراءها بعد رحيل العساكر، وهذا بلا خفاء ممّا يفتخر به أهل التوحيد على التثليث (١) ، لأنّهم لما أشرب قلوبهم خوف شرذمة المنصور وحزبه، وعلم كلّ من ملوكهم أنّه لا طاقة له بحربه، لجأوا إلى الفرار والتحصن بالمعاقل والقلاع، ولم يحصل منهم غير الإشراف من بعدٍ والاطلاع.
ومن مفاخر المنصور في بعض غزواته أنّه مرّ بين جبلين عظيمين في طريق عرض بريد (٢) بوسط بلاد الإفرنج، فلمّا جاوز ذلك المحل - وهو آخذ في التحريق والتخريب والغارات والسبي يميناً وشمالاً - لم يجسر أحد من الإفرنج على لقائه، حتى أقفرت البلاد مسافة أيام، ثم عاد فوجد الإفرنج قد استجاشوا من وراءهم، وضبطوا ذلك المدخل الضيق الذي بين جبلين، وكان الوقت شتاء، فلمّا رأى ما فعلوه رجع واختار منزلاً من بلادهم أناخ به فيمن معه من العساكر، وتقدم ببناء الدور والمنازل، وبجمع آلات الحرث ونحوها، وبث سراياه فسبت
стр. 615
وغنمت، فاسترقّ الصغار، وضرب أعناق الكبار، وألقى جثثهم حتى سدّ بها المدخل الذي من جهته، وصارت سراياه تخرج فلا تجد إلا بلداً خراباً، فلمّا طال البلاء على العدو أرسلوا غليه في طلب الصلح، وأن يخرج بغير أسرى ولا غنائم، فامتنع من ذلك، فلم تزل رسلهم تتردد إليه حتى سألوه أن يخرج بغنائمه وأسراه، فأجابهم: إن أصحابي أبوا أن يخرجوا، وقالوا: إنّا لا نكاد نصل إلى بلادنا إلا وقد جاء وقت الغزوة الأخرى، فنقعد ههنا إلى وقت الغزاة، فإذا غزونا عدنا، فمازال الإفرنج يسألونه إلى أن قرر عليهم أن يحملوا على دوابهم ما معه من الغنائم والسبي، وأن يمدّوه بالميرة حتى يصل إلى بلادهن وأن ينحّو جيف القتلى عن طريقه بأنفسهم، ففعلوا ذلك كلّه، وانصرف.
ولعمري إن هذا لعزٌّ ما وراءه مطمح، ونصر لا يكاد الزمان يجود بمثله ويسمح، خصوصاً إزالتهم جيف قتلاهم من الطريق، وغصصهم في شرب ذلك بالريق.
ومن مآثره التي هي في جبين عصره غرّة، ولعين دهره قرّة، أنّه لما ختن أولاده ختن معهم من أولاد أهل دولته خمسمائة صبي، ومن أولاد الضعفاء عدد لا ينحصر (١) ، فبلغت النفقة عليهم في هذا الإعذار، خمسمائة ألف دينار، وهذه مكرمة مخلّدة، ومنّة مقلّدة، فالله سبحانه يجازيه عن ذلك أفضل الجزاء، ويجعل للمسلمين في فقد مثله أحسن العزاء.
ومن مناقبه التي لم تتفق لغيره من الملوك في غالب الظنّ (٢) ، أن أكثر جنده من سبيه على ما حققه بعض المؤرخين، وذلك غاية المنح من الله والمنّ.
ومن أخباره الدالة على إقبال أمره وخيبة عدوّه وإدباره، أنّه ما عاد قطّ من غزوة إلا استعدّ لأخرى، ولم تهزم له قطّ راية مع كثرة غزواته شاتية صائفة وكفاه ذلك فخراً.
стр. 616
ومنها أنّه لقيته - وقد عاد من بعض غزواته - امرأة نقمت عليه بلوغ مناه وشهواته، وقالت له: يا منصور، استمع ندائي، فأنت في طيب عيشك وأنا في بكائي، فسألها عن مصيبتها التي عمّتها وغمّتها (١) ، فذكرت له أن لها ابناً أسيراً في بلادٍ سمّتها، وأنها لا يهنأ عيشها لفقده، ولا يخبو ضرام قلقها من وقده، وأنشد لسان حالها ذلك الملك العلي:
أيا ويح الشجيّ من الخليّ (٢) ... فرحّب المنصور بها وأظهر الرقة بسببها، وخرج من القابلة إلى تلك المدينة التي فيها ابنها وجاس أقطارها وتخلّلها، حتى دوّخها إذ أناخ عليها بكلكله وذلّلها، وأعراها من حماتها وببنود الإسلام المنصورة ظلّلها، وخلّص جميع من فيها من الأسرى، وجلبت عوامله إلى قلوب الكفرة كسرا، وانقلبت عيون الأعداء حسرى، وتلا لسان حال المرأة " فإنّ مع العسر يسراً إنّ مع العسر يسراً ".
فهكذا تكون الهمة السلطانية، والنخوة الإيمانية، فالله سبحانه يروّح تلك الأرواح في الجنان، ويرقي درجاتها ويعاملها بمحض الفضل والامتنان.
[رسالة ابن عبد البر إلى المنصور الصغير]
وقد تذكرت هنا والحديث شجون، وفي ذكر المناسبات (٣) يبلغ الطلاب ما يرجون، كتاباً كتبه الأديب الكاتب أبو محمد ابن الإمام الحافظ محدث
стр. 617
الأندلس أبي عمر بن عبد البر النّميري (١) ، إلى المنصور بن أبي عامر، وهو من ذريّة المنصور الكبير الذي كنا نتحدّ في أخباره، يمتّ إليه بسلفه ومعاملتهم لمن تقدم من آبائه بتعظيم قدره وإكباره، وهو (٢) : عمر الله ببقاء مولاي (٣) ذي السابقتين بهجة أوطانه، وملّكه عنان زمانه، ومدّ عليه ظلال أمانه، إنّي، أبقى الله (٤) الملك الكريم، والسيد الزعيم، لما أضاءت لي أهلّة مفاخركم (٥) في سماء الفخار، وأشرقت شموس مكارمكم على مفارق الأحرار، وأبصرت شمائلك الزّهر تهدي إليك من الهمم كامنها (٦) ، ومحاسن كالغر توقظ لك من الآمال نائمها (٧) ، تيقنت أن بحقّ انقادت لك القلوب بأعنّتها، وتهادت إليك النفوس بأزمّتها، فآليت أن لا ألمّ إلاّ بحماك، ولا أحطّ رحلاً إلا بفناك (٨) ، علماً بأنّك نثرة الفخر، وغرّة الدهر، فتيمّمت سارياً في ساطع نورك، متيمناً بيمن طائرك، محقّقاً للربح (٩) ، موقناً بالفلج والنّجح، حتى حللت في دوحة المجد، وأنخت بدولة السعد، واستشعرت لبسة الشكر والحمد، وجعلت أنظم من جواهر الكلام، ما يربي على جواهر النّظام، وأنشر من عطر الثناء، ما يزري بالروضة الغنّاء، وحاشا للفهم (١٠) أن يعطل ليلي من أقمارك،
стр. 618
أو يخلي أفقي من أنوارك، فأراني منخرطاً في غير سلكه، ومنحطّاً إلى غير ملكه، لا جرم أنّه من استضاء بالهلال، غني عن الذّبال، ومن استنار بالصباح، ألقى (١) سنا المصباح، وتالله ما هزّت (٢) آمالي ذوائبها إلى سواك، ولا حدت أوطاري ركائبها إلى من عداك، ليكون فيّ أثر الوسميّ في الماحل، وعليّ جمال الحلي على العاطل، لسيادتك السنية، ورياستك الأولية، التي يقصر عنها لسان إفصاحي (٣) ، ويعيا في بعضها بياني وإيضاحي (٤) ، فالقراطيس عند بثّ مناقبك تفنى، والأقلام في رسم مآثرك تحفى، وما أمل المجدب، في حياة المخصب، ولا جذل المذنب، برضى المعتب، كأملي في التعزّز بحوزتك، والتجمّل بجملتك، والترفع بخدمتك، فالسعيد من نشأ في دولتك، وظهر في أمتك، واستضاء بعزتك، لقد فاز بالسبق من لحظته عين رعايتك، وكنفته حوزة (٥) حمايتك، فأنت الذي أمنت بعدله نوائب الأيام، وقويت بسلطانه دعائم الإسلام، تختال بك المعالي اختيال العروس، وتخضع لجلالك أعزة النفوس، سابقةٌ أشهر من الفجر، وفطنةٌ أنور من البدر، وهمة أنفذ (٦) من الدهر:
لقد فاز من أضحى بكم متمسّكاً ... يشدّ على (٧) تأميل عزّكم يدا
سلكت سبيل الفخر (٨) خلقاً مركباً ... وغيرك لا يأتيه إلا تجلّدا
فأنتم لواء الدين لا زال قيّماً ... بآرائكم في ظلمة الخطب يهتدى
стр. 619
ليهنكم مجدٌ تليدٌ بنيتم ... أغار سناه في البلاد وأنجدا ومثله أبقاه الله سبحانه يستثمر إيراقه، فيثمر جناه، ويستمطر إبراقه، فيمطر حياه، لا سيّما وإنّي نشأةٌ حفّها إحسان أولئك الطاهرين، وألفها إنعام أكابرك الأخيار (١) الطيبين، وجديرٌ بقبولك وإقبالك، وبرّك وإجمالك، من أصله ثابت في أهل محبتكم، وفرعه نابت في خاصتكم (٢) :
وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنّها في مفخر أستجدّه
فكلّ نوالٍ كان أو هو كائن ... فلحظة طرفٍ منك عند ندّه
فكن في اصطناعي محسناً كمجرب ... يبن لك تقريب الجواد وشدّه
إذا كنت في شك من السيف فابله ... فإمّا تنافيه وإمّا تعدّه
وما الصارم الهنديّ إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمده ولا غرو (٣) أن يتطوّل مولاي بغرس الصنيعة في أزكى التراب، ووضع الهناء مكان النّقب (٤) ، والله سبحانه يبقي مولاي آخذاً بزمام الفخر، ناهضاً بأعباء البر، مالكاً لأعنّة الدهر، وصنع الله سبحانه لسيدي أتم الصنع وأجمله، وأفضله وأكمله، بمنّه لا ربّ سواه، انتهى.
رجع إلى أخبار المنصور الكبير محمد بن أبي عامر، ﵀:
وكنا قد ذكرنا أنّه قبض على الوزير الحاجب المصحفي مع أنّه كان أحد أتباعه.
стр. 620
قال صاحب كتاب " روضة الأزهار، وبهجة النفوس ونزهة الأبصار " (١) : ولما مر أمر المنصور بن أبي عامر بسجن المصحفي بالمطبق في الزهراء ودّع أهله وودّعه وداع الفرقة، وقال لهم: لستم ترونني بعدها حيّاً، فقد أتى وقت إجابة الدعوة، وما كنت أرتقبه منذ أربعين سنة، وذلك أنّي أشركت (٢) في سجن رجل في عهد الناصر، وما أطلقته إلاّ برؤيا رأيتها بأن قيل لي: أطلق فلاناً فقد أجيبت فيك دعوته، فأطلقته وأحضرته وسألته عن دعوته عليّ، فقال: دعوت على من شارك في أمري أن يميته الله في أضيق السجون، فقلت (٣) : إنّها قد أجيبت، فأنّي كنت ممن شارك في امره، وندمت حين لا ينفع الندم، فيروى أنّه كتب للمنصور بن أبي عامر بهذه الأبيات (٤) :
هبني أسأت فأين العفو والكرم ... إذ قادني نحوك الإذعان والنّدم
يا خير من مدّت الأيدي إليه أما ... ترثي لشيخ نعاه عندك القلم
بالغت في السّخط فاصفح صفح مقتدر ... إنّ الملوك إذا ما استرحموا رحموا فأجابه المنصور بأبيات لعبد الملك الجزيري:
يا جاهلاً بعدما زلّت بك القدم ... تبغي التكرّم لمّا فاتك الكرم
ندمت إذا لم تعد منّي بطائلةٍ ... وقلّما ينفع الإذعان والنّدم
نفسي إذا جمحت ليست براجعةٍ ... ولو تشفّع فيك العرب والعجم فبقي في المطبق حتى مات، نعوذ بالله تعالى من دعوة المظلوم، انتهى.
وقد ذكر بعضهم هذه الأبيات زيادة حسبما ذكرناه في غير هذا المحل، فإن هذه الأبيات للمنصور، وهذا المؤرخ مصرح بأنها لعبد الملك الجزيري،
стр. 621
وقد يقال: لا منافاة بينهما، فإن المنصور أجاب بالأبيات، وهل هو قائلها أم لا؟ الأمر أعم (١) ؛ فبيّن هنا، والله أعلم.
وقال بعض مؤرخي المغرب (٢) : إن الحاجب المصحفي حصل له في هذه النكبة من الهلع والجزع ما لم يظن أنّه يصدر من مثله، حتى إنّه كتب إلى المنصور ابن أبي عامر يطلب منه أن يقعد في دهليزه معلّماً لأولاده، فقال المنصور بدهائه وحذقه: إن هذا الرجل يريد أن يحط من قدري عند الناس، لأنّهم طالما رأوني بدهليزه خادماً ومسلّماً (٣) ، فكيف يرونه الآن في دهليزي معلّماً؟ وكان المنصور يذهب به بعد نكبته معه في غزواته، حتى إنّه حكى بعضهم أنّه رأى الحاجب المصحفي في ليلة نهى المنصور فيها الناس عن إيقاد النيران تعمية على العدوّ الكافر، وهو ينفخ فحماً في كانون صغير ويخفيه تحت ثيابه، أو كما قال، فسبحان مديل الدول، لا إله إلاّ هو، فإن المصحفي بلغ من الجلالة والعظمة والتحكم في الدولة المدة المديدة أمراً لا مزيد عليه، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
ولقد ذكر بعض العلماء (٤) المغاربة أن من أعاجيب انقلاب الدنيا بأهلها قصّة المنصور بن أبي عامر مع الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي. ولم يزل أعداء المنصور بن أبي عامر يتربّصون به الدوائر، فغلب سعده الذي هو المثل السائر، وربما همس بعض الشعراء بهجوه وهجو الدولة جميعاً إذ قال (٥) :
اقترب الوعد وحان الهلاك ... وكلّ ما تحذره قد أتاك
خليفة يلعب في مكتبٍ ... وأمّه حبلى وقاضٍ يناك
стр. 622
يعني بالخليفة هشاماً المؤيد لكونه كان صغيراً، وأمّه صبح البشكنسية كان الأعداء يتهمون بها المنصور، وذلك بهتان وزور، وأفظع منه رميهم القاضي بالفجور، والله عالم بسرائر الأمور، ونعوذ بالله من ألسنة الشعراء الذين لا يراعون إلاًّ ولا ذمّة، ويطلقون ألسنتهم في العلماء والأئمة، ومن كان حاسداً لمن بات في نعمائه يتقلّب (١) ، جدير بأن لا يدرك ما يؤمّل ويتطلب، لأنّه يعترض على الله سبحانه في أحكامه، نعوذ بالله من شرّ أنفسنا ومن شرّ كل ذي شرّ، بجاه نبينا عليه أزكى صلوات الله وأفضل سلامه.
وقد قدّمنا أن المنصور بن أبي عامر كان أولاً يخدم جعفر بن عثمان المصحفي مدبر مملكة هشام المؤيد، ويريد النصيحة، وأنّه ما زال يستجلب القلوب بجوده وحسن خلقه، والمصحفي ينفّرها ببخله وسوء خلقه، إلى أن كان من أمره ما كان، فاستولى على الحجابة، وسجن المصحفي، وفي ذلك يقول المصحفي (٢) :
غرست قضيباً خلته عود كرمةٍ ... وكنت عليه في الحوادث قيّما
وأكرمه دهري فيزداد خبثه ... ولو كان من أصل كريم تكرّما ولما يئس المصحفي من عفو المنصور قال (٣) :
لي مدةٌ لا بدّ أبلغها ... فإذا انقضت أيامها متّ
لو قابلتني الأسد ضاريةً ... والموت لم يقرب (٤) لما خفت
فانظر إليّ وكن على حذرٍ ... في مثل حالك أمس قد كنت ومن أحسن ما نعى به نفسه قوله حسبما تقدم (٥) :
стр. 623
صبرت على الأيّام حتى تولّت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرّت
فوا عجباً للقلب كيف اعترافه ... وللنّفس بعد العزّ كيف استذلّت
وما النّفس إلاّ حيث يجعلها الفتى ... فإن طمعت تاقت وإلاّ تسلّت
وكانت على الأيام نفسي عزيزةً ... فلمّا رأت صبري على الذل ذلّت
فقلت لها يا نفس موتي كريمةً ... فقد كانت الدنيا لنا ثم ولّت وأنشد له الفتح في المطمح، ونسبهما غيره لأحمد بن الفرج صاحب الحدائق (١) :
كلّمتني فقلت درٌّ سقيطٌ ... فتأمّلت عقدها هل تناثر
فازداهاها تبسّمٌ فأرتني ... نظم درّ من التبسّم آخر وله كما مرّ (٢) :
صفراء تطرق في الزجاج، فإن سرت ... في الجسم دبّت مثل صلٍّ لادغ
خفيت على شرّابه فكأنّما ... يجدون ريّاً من إناء فارغ وله:
يا ذا الذي أودعني سرّه ... لا ترج أن تسمعه منّي
لم أجره بعدك في خاطري ... كأنّه ما مرّ في أذني وأنشد له صاحب بدائع التشبيهات (٣) :
سألت نجوم الليل هل ينقضي الدّجى ... فخطّت جواباً بالثّريّا كخطّ لا
стр. 624
وكنت أرى أنّي بآخر ليلتي ... فأطرق حتى خلته عاد أوّلا
وما عن هوىً سامرتها، غير أنّني ... أنافسها المجرى إلى طرق العلا [؟ المصحف العثماني بقرطبة]
رجع: وكان كما تقدم بقرطبة المصحف العثماني، وهو متداول بين (١) أهل الأندلس، قالوا ثم آل أمره إلى الموحدين، ثم إلى بني مرين، قال الخطيب ابن مروزق في كتابه " المسند الصحيح الحسن " (٢) ما ملخصه: وكان السلطان أبو الحسن لا يسافر (٣) إلا ومعه المصحف الكريم العثماني، وله عند أهل الأندلس شأن عظيم، ومقام كبير، وكيف لا؟ قال ابن بشكوال: أخرج هذا المصحف من قرطبة وغرّب منها وكان بجامعها الأعظم، ليلة السبت حادي عشر شوّال سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة في أيام أبي محمد عبد المؤمن بن علي وبأمره، وهذا أحد المصاحف الأربعة التي بعث بها عثمان رضي الله تعالى عنه إلى الأمصار: مكّة، والبصرة، والكوفة، والشام. وما قيل إن فيه دم عثمان هو بعيدٌ، وإن يكن أحدها فلعلّه الشامي، قاله ابن عبد الملك.
قال أبو القاسم التجيبي السبتي: أما الشامي فهو باقٍ بمقصورة جامع بني أميّة بدمشق المحروسة، وعاينته هناك سنة ٦٥٧، كما عاينت المكي بقبة اليهودية، وهو قبة التراب، قلت (٤) : عاينتهما مع الذي بالمدينة سنة ٧٣٥ وقرأت فيها، قال النخعي: لعلّه الكوفي أو البصري. وأقول: اختبرت الذي بالمدينة والذي
стр. 625
نقل من الأندلس فألفيت خطّهما سواء، وما توهموا أنّه خطّه بيمينه فليس بصحيح، فلم يخطّ عثمان واحداً منها، وإنّما جمع عليها بعضاً من الصحابة كما هو مكتوب على ظهر المدني، ونص ما على ظهره: هذا ما أجمع عليه جماعة من (١) أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاصي، وذكر العدد الذي جمعه عثمان رضي الله تعالى عنه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم على كتب المصحف، انتهى.
واعتنى به عبد المؤمن بن علي، ولم يزل الموحدون يحملونه في أسفارهم متبركين به، إلى أن حمله المعتضد، وهو السعيد علي بن المأمون أبي العلاء إدريس ابن المنصور، حين توجه لتلمسان آخر سنة ٦٤٥، فقتل قريباً من تلمسان، وقدّم ابنه إبراهيم، ثم قتل، ووقع النهب في الخزائن، واستولت العرب وغيرهم على معظم العسكر، ونهب المصحف في الخزانة إلى أن افتتحها إمامنا أبو الحسن أواخر شهر رمضان سنة ٧٣٧، فظفر به وحصل عنده إلى أن أصيب في وقعة طريف (٢) ، وحصل في بلاد برتقال، وأعمل الحيلة في استخلاصه، ووصل إلى فاس سنة ٧٤٥ على يد أحد تجار أزمّور، واستمر بقاؤه في الخزانة؛ انتهى باختصار.
واعتنى به ملوك الموحدين غاية الاعتناء، كما ذكره ابن رشيد في رحلته، ولا بأس أن أذكر كلامه بجملته، والرسالة في شأن الصحف لما فيها من الفائدة، ونص محل الحاجة منه: أنشدني الخطيب أبو محمد بن برطله من لفظه وكتبته من خطه، قال: أنشدني الشيخ الفقيه القاضي أبو القاسم عبد الرحمن ابن كاتب الخلافة أبي عبد الله بن عياش لأبيه رحمهم الله تعالى ممّا نظمه، وقد أمر أمير
стр. 626
المؤمنين المنصور بتحلية الصحف:
ونفّلته من كل ملك ذخيرة ... كأنّهم كانوا برسم مكاسبه
فإن ورث الأملاك شرقاً ومغرباً ... فكم قد أخلّوا جاهلين بواجبه
وكيف يفوت النصر جيشاً جعلته ... أمام قناه في الوغى وقواضبه
وألبسته الياقوت والدّرّ حليةً ... وغيرك قد روّاه من دم صاحبه وعلى ذكر هذا المصحف الكريم فلنذكر كيفية الأمر في وصوله إلى الخليفة أمير المؤمنين عبد المؤمن، وما أبدى في ذلك من الأمور الغريبة التي لم يسمع بمثلها في سالف الدهر، حسبما أطرفنا به الوزير الأجلّ أبو زكرياء يحيى بن أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي حفظه الله تعالى وشكره، ممّا استفاده وأفاده لنا ممّا لم نسمع به قبل، عن كتاب جده الوزير أبي بحر ممد بن عبد الملك بن طفيل المذكور، ممّا تضمنه من وصف قصّة المصحف، فقال: وصل إليهم أدام الله سبحانه تأييدهم قمرا الأندلس النيّران، وأميراها المتخيران، السيدان الأجلان أبو سعيد وأبو يعقوب أيدهما الله، وفي صحبتهما مصحف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وهو الإمام الذي لم يختلف فيه مختلف، ومازال ينقله خلف عن سلف، قد حفظ شخصه على كثرة المتناولين، وذخره الله لخليفته المخصوص بمن سخر لخدمته من المتداولين، وله من غرائب الأنباء ومتقدم الإشعار بما آل إليه أمره من الإيماء ما ملئت به الطروس، وتحفظه من أهل الأندلس الرائس والمرؤوس، فتلقّي عند وصوله بالإجلال والإعظام، وبودر إليه بما يجب من التبجيل والإكرام، وعكف عليه أطول العكوف والتزم أشدّ الالتزام، وكان في وصوله ذلك الوقت من عظيم العناية وباهر الكرامة ما هو معتبر لأولي الألباب، وبلاغ في الإغراب والإعجاب، وذلك أن سيّدنا ومولانا الخليفة أمير المؤمنين، أدام الله له عوائد النصر والتمكين، كان قبل ذلك بأيام قد جرى ذكره في خاطر الكريم، وحرّكته إليه دواعي خلقه العظيم
стр. 627
وتراءى مع نفسه المطمئنّة المرضيّة، وسجاياه الحسنة الرضيّة، في معنى اجتلابه من مدينة قرطبة محل مثواه القديم، ووطنه الموصل بحرمته للتقديم، فتوقّع أن يتأذّى أهل ذلك القطر بفراقه، ويستوحشوا لفقدان إضاءته في أفقهم وإشراقه، فتوقف عن ذلك لما جبل عليه من رحمته وإشفاقه، فأوصله الله إليه تحفة سنية، وهدية هنية، وتحيّة من عنده مباركة زكية، دون أن يكدرها من البشر اكتساب، أو يتقدمها استدعاء أو اجتلاب، بل أوقع الله في نفوس أهل ذلك القطر من الفرح بإرساله إلى مستحقّه، والتبرع به إلى القائم إلى الله تعالى بحقّه، ما اطلع بالمشاهدة والتواتر على صحته وصدقه، وعضدت مخايل برقه سواكب ودقه، وكان ذلك من كرامات سيّدنا ومولانا الخليفة معدوداً، وإلى أمره الذي هو أمر الله مردوداً، وجمع (١) عند ذلك بحضرة مراكش - حرسها الله تعالى - سائر الأبناء الكرام، والسادة الأعلام، بدور الآفاق، وكواكب الإشراق، وأهل الاستئهال للمقامات الرفيعة وذوو (٢) الاستحقاق، فانتظم عند ذلك هذا القصيد مشيراً إلى اجتماع هذه الدراري الزاهرة، والتئام خطوطها على مركز الدائرة، ووصول المتقدّم ذكره، المشهور في جميع المعمور أمره (٣) ، وهو هذا:
دراريّ من نور الهدى تتوقّد ... مطالعها فوق المجرّة أسعد
وأنهار جودٍ كلّما أمسك الحيا ... يمدّ بها طامي الغوارب مزبد
وآساد حربٍ غابها شجر القنا ... ولا لبدةٌ (٤) إلاّ العجاج الملبّد
مساعير في الهيجا مساريع (٥) للنّدى ... بأيديهم يحمى الهجير ويبرد
стр. 628
تشبّ بهم ناران للحرب والقرى ... ويجري بهم سيلان جيشٌ وعسجد
وستمطرون البرق والبرق عندهم ... سيوفٌ على أفق العداة تجرّد
إذا عنّ سجف الساريات مضاؤها ... فماذا الذي يغني الحديد المسرّد
وسترشدون النجم والنجم عندهم ... نصولٌ إلى حبّ القلوب تسدّد
تزاحم في جوّ السّماء كأنّما ... عواملها في الأفق صرحٌ ممرّد
تخازر ألحاظ الكواكب دونها ... ويفرق منها المرزمان وفرقد
ألم ترها في الأفق خافقة الحشا ... كما تطرف العينان والقلب يزأد
وليس احمرار الفجر من أثر السّنا ... ولكنّه ذاك النّجيع المورّد
وما انبسطت كفّ الثريّا فدافعت ... ولكنّها في الحرب شلوٌ مقدّد
وحطّ سهيلاً ذعره عن سميّه ... فأضحى على أفق البسيطة يرعد
ولمّا رأى نسرٌ وقوع أليفه ... تطاير من خوفٍ فما زال يجهد
مواقع أمر الله في كلّ حالةٍ ... يكاد لها رأس الثرى يتميّد
أهاب بأقصى الخافقين فنظّمت ... وهيّب جمع المخفقين فبدّدوا
وأضفى على الدّنيا ملابس رحمةٍ ... نضارتها في كلّ حين تجدّد
وأخضل أرجاء الرّبى فكأنّما ... عليها من النّبت النضير زبرجد
فمن طربٍ ما أصبح البرق باسماً ... ومن فرحٍ ما أضحت المزن ترعد
وغنّى على أفنان كل أراكةٍ ... غذاها حيا النّعمى حمامٌ غرّد
وكبّر ذو نطقٍ وسبّح صامتٌ ... وكاد به المعدوم يحيا ويوجد
وأبرز للأذهان ما كان غائباً ... فسيّان فيها مطلقٌ ومقيّد
سلامٌ على المهديّ، أمّا قضاؤه ... فحتمٌ، وأمّا أمره فمؤكّد
إمام الورى عمّ البسطة عدله ... على حين وجه الأرض بالجور أبد
بصيرٌ رأى الدّنيا بعينٍ جليةٍ ... فلم يغنه إلا المقام الممجّد
ولمّا مضى والأمر لله وحده ... وبلّغ مأمولٌ وأنجز موعد
تردّى أمير المؤمنين رداءه ... وقام بأمر الله والناس هجّد
стр. 629
بعزمة شيحان الفؤاد مصمّمٍ ... يقوم به أقصى الوجود ويقعد
مشيئته ما شاءه الله، إنّه ... إذا همّ فالحكم الإلهيّ يسعد
كتائبه مشفوعةٌ بملائكٍ ... ترادفها في كلّ حالٍ وترفد
وما ذاك إلاّ نيّةٌ خلصت له ... فليس له فيما سوى الله مقصد
إذا خطبت راياته وسط محفلٍ ... ترى قمم الأعداء في التّرب تسجد
وإن نطقت بالفصل فيهم سيوفه ... أقرّ بأمر الله من كان يجحد
معيد علوم الدين بعد ارتفاعها ... ومبدي علومٍ لم تكن قبل تعهد
وباسط أنوار الهداية في الورى ... وقد ضمّ قرص الشمس في الغرب ملحد
وقد كان ضوء الشمس عند طلوعها ... يغان بأكنان الضلال ويغمد
فما زال يجلو عن مطالعها الصّدا ... ويبرزها بيضاء والجوّ أسود
جزى الله عن هذا الأنام خليفةً ... به شريوا ماء الحياة فخلّدوا
وحيّاه ما دامت محاسن ذكره ... على مدرج الأيام تتلى وتنشد
بمصحف عثمان الشهيد وجمعه ... تبيّن أنّ الحقّ بالحقّ يعضد
تحامته أيدي الرزم بعد انتسافه ... وقد كاد ولولا سعده يتبدّد
فما هو إلاّ ان تمرّس صارخٌ ... بدعوته العليا فصين المبدّد
وجاء وليّ الثأر يرغب نصره ... فلبّاه منه عزمه المتجرّد
رأى أثر المسفوح في صفحاته ... فقام لأخذ الثأر منه مؤيّد
وشبّهه بالبدر وقت خسوفه ... فلله تشبيهٌ له الشرع يشهد
زمان ارتفاع العلم كان خسوفه ... وقد عاد بالمهديّ والعود أحمد
أتتك أمير المؤمنين ألوكةٌ ... من الحرم الأقصى لأمرك تمهد
سيوف بني عيلان قامت شهيرةً ... لدعوتك العلياء تهدي وترشد
وطافت ببيت الله فاشتدّ شوقه ... إليك ولبّى منه حجرٌ ومسجد
وحجّ إليك الركن والمرو والصّفا ... فأنت لذاك الحجّ حجٌّ ومقصد
стр. 630
مشاعرها الأجسام والروح أمركم ... ومنكم لها يرضى البقاء (١) المخلد
فلله حجٌّ واعتمارٌ وزورةٌ ... أتتنا ولم يبرحك بالغرب مشهد
ولله سبعٌ نيّراتٌ تقارنت ... بها فئة الإسلام تحمى (٢) وتسعد
فدم للورى غيثاً وعزّاً ورحمةً ... فقربك في الدارين منجٍ ومسعد
وزادت بك الأعياد حسناً وبهجةً ... كأنّك للأعياد زيٌّ مجدّد
ولا زلت الأيّام تبلي جديدها ... وعمرك في ريعانه ليس ينفد ثم إنّهم أدام الله سبحانه تأييدهم، ووصل سعودهم، لما أرادوا من المبالغة في تعظيم المصحف المذكور، واستخدام البواطن والظواهر فيما يجب له من التوقير والتعزير (٣) ، شرعوا في انتخاب كسوته، وأخذوا في اختيار حليته، وتأنقوا في استعمال أحفظته، وبالغوا في استجادة أصونته، فحشروا له الصّنّاع المتقنين والمهرة المتفنّنين (٤) ، ممن كان بحضرتهم العليّة، أو سائر (٥) بلادهم القريبة والقصية، فاجتمع لذلك حذّاق كل صناعة، ومهرة كل طائفة من المهندسين والصواغين والنظّامين والحلائين والنقاشين والمرصّعين والنجارين والزواقين والرسامين والمجلدين وعرفاء البنائين، ولم يبق من يوصف ببراعة، أو ينسب إلى الحذق في صناعة، إلا أحضر للعمل فيه، والاشتغال بمعنى من معانيه، فاشتغل أهل الحيل الهندسية بعمل أمثلة مخترعة، وأشكال مبتدعة، وضمّنوها من غرائب الحركات، وخفيّ إمداد الأسباب للمسببات، ما بلغوا فيه منتهى طاقتهم، واستفرغوا فيه جهد قوتهم، والهمة العليّة أدام الله سموها
стр. 631
تترقى فوق معارجهم، وتتخلّص كالشهاب الثاقب وراء موالجهم، وتنيف على ما ظنّوه الغاية القصوى من لطيف مدارجهم، فسلكوا من عمل هذه الأمثلة كل شعب، ورأبوا من منتشرها كل شعب، وأشرفوا عند تحقيقها وإبراز دقيقها على كل صعب، فكانت منهم وقفة كادت لها النفس تيأس عن مطلبها، والخواطر تكرّ راجعةً عن خفيّ مذهبها، حتى أطلع الله خليفته في خلقه، وأمينه المرتضى لإقامة حقّه، على وجه انقادت فيه تلك الحركات بعد اعتياصها، وتخلّصت أشكالها عن الاعتراض على أحسن وجوه خلاصها، ألقوا ذلك - أيدّهم الله بنصره، وأمدهم بمعونته ويسره - إلى المهندسين والصنّاع فقبلوه أحسن القبول، وتصوروه بأذهانهم فرأوه على مطابقة المأمول، فوقفهم حسن تنبيهه ممّا جهلوه على طور غريب من موجبات التعظيم، وعلموا أن الفضل لله (١) يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم - وسيأتي بعد هذا إشارة إلى تفصيل تلك الحركات المستغربة، والأشكال المونقة المعجبة، إن شاء الله تعالى؟ ؛ ممّا صنع للمصحف العظيم من الأصونة الغريبة، والأحفظة العجيبة، أنّه كسي كلّه بصوان واحد من الذهب والفضّة ذي صنائع غريبة من ظاهره وباطنه، لا يشبه بعضها بعضاً، قد أجري فيه من ألوان الزجاج الرومي ما لم يعهد له في العصر الأول مثال، ولا عمر قبله بشبهه خاطر ولا بال، وله مفاصل تجتمع إليها أجزاؤه وتلتئم، وتتناسق عندها عجائبه وتنتظم، قد أسلست للتحرّك أعطافها، وأحكم إنشاؤها على البغية وانعطافها، ونظم على صفحته وجوانبه من فاخر الياقوت ونفيس الدّرّ وعظيم الزمرد ما لم تزل الملوك السالفة والقرون الخالية تتنافس في أفراده، وتتوارثه على مرور الزمن وترداده، وتظنّ العز الأقعس، والملك الأنفس، في ادخاره وإعداده، وتسمي الواحد منها بعد الواحد بالاسم العلم لشذوذه في صنفه واتحاده، فانتظم عليه منها ما شاكله زهر الكواكب في تلألؤه
стр. 632
واتقاده، وأشبهه الروض المزخرف غبّ سماء أقلعت عن إمداده، وأتى هذا الصّوان الموصوف رائق المنظر، آخذاً بمجامع القلب والبصر، مستولياً (١) بصورته الغريبة على جميع الصّور، يدهش العقول بهاء، ويحير الألباب رواء، ويكاد يعشي الناظر تألّقاً وضياء، فحين تمّت خصاله، واستركبت أوصاله، وحان ارتباطه بالمصحف العظيم واتصاله، رأوا - أدام الله تأييدهم، وأعلى كلمتهم - مما رزقهم الله تعالى من ملاحظة الجهات، والإشراف على جميع الثنيات، أن يتلطف فيوجه يكون به هذا الصّوان المذكور طوراً متصلاً، وطوراً منفصلاً، ويتأتّى به للمصحف الشريف العظيم أن يبرز تارة للخصوص متبذّلاً، وتارة للعموم متجمّلاً، إذ معارج الناس في الاستبصار تختلف، وكلّ له مقام إليه ينتهي وعنده يقف، فعمل فيه على شاكلة هذا المقصد، وتلطف في تتميم هذا الغرض المعتمد، وكسي المصحف العزيز بصوان لطيف من السندس الأخضر، ذي حلية خفيفة تلازمه في المغيب والمحضر، ورتب ترتيباً يتأتى معه أن يكسى بالصّوان الأكبر، فيلتئم به التئاماً يغطي على العين من هذا الأثر، وكمل ذلك كلّه على أجمل الصفات وأحسنها، وأبدع المذاهب وأتقنها، وصنع له محمل غريب الصنعة، بديع الشكل والصيغة، ذو مفاصل ينبو عن دقتها الإدراك، ويشتد بها الارتباط بين المفصلين ويصح الاشتراك، مغشىًّ كلّه بضروب من الترصيع، وفنون من النقش البديع، في قطع من الآبنوس والخشب
الرفيع، لم تعمل قطّ في زمان من الأزمان، ولا انتهت قطّ إلى أيسره نوافذ الأذهان، مدار بصنعة قد أجريت في صفائح الذهب، وامتدت امتداد ذوائب الشّهب، وصنع لذلك المحمل كرسي يحمله عند الانتقال، ويشاركه في أكثر الأحوال، مرصّع مثل ترصيعه الغريب، ومشاكل له في جودة التقسيم وحسن الترتيب، وصنع لذلك كلّه تابوت يحتوي عليه احتواء المشكاة على أنوارها،
стр. 633
والصدور على محفوظ أفكارها، مكعب الشكل سامٍ في الطول، حسن الجملة والتفصيل، بالغ ما شاء من التتميم في أوصاله والتكميل، جرٍ مجرى المحمل في التزيين والتجميل، وله في أحد غواربه بابٌ ركبت عليه دفتان قد أحكم إرتاجهما، ويسر بعد الإبهام انفراجهما، ولانفتاح هذا الباب وخروج هذا الكرسي من تلقائه وتركب المحمل عليه، ما دبرت الحركات الهندسيّة، وتلقيت تلك التنبيهات القدسية، وانتظمت العجائب المعنويّة والحسيّة، والتأمت الذخائر النفيسة والنفسيّة، وذلك أن بأسفل هاتين الدفتين فيصلاً فيه موضع قد أعدّ له مفتاح لطيف يدخل فيه، فإذا أدخل ذلك المفتاح فيه وأديرت به اليد انفتح الباب بانعطاف الدفتين إلى داخل الدفتين من تلقائهما، وخرج الكرسي من ذاته بما عليه إلى أقصى غايته، وفي خلال خروج الكرسي يتحرك عليه المحمل حركة منتظمة مقترنة بحركته يأتي بها من مؤخر الكرسي زحفاً إلى مقدمه، فإذا كمل الكرسي بالخروج وكمل المحمل بالتقدم عليه انغلق الباب برجوع الدّفتين إلى موضعهما من تلقائهما دون أن يمسهما أحد، وترتبت هذه الحركات الأربع على حركة المفتاح فقط دون تكلف شيء آخر، فإذا أدير المفتاح إلى خلف الجهة التي أدير إليها أولاً انفتح الباب وأخذ الكرسي في الدخول والمحمل في التأخر عن مقدم الكرسي إلى مؤخره، فإذا عاد كلٌّ إلى مكانه انسدّ الباب بالدفتين أيضاً من تلقائه، كل ذلك يترتب على حركة المفتاح، كالذي كان في حال خروجه، وصحّت هذه الحركات اللطيفة على أسباب ومسبّبات غائبة عن الحس في باطن الكرسي، وهي ممّا يدقّ وصفها، ويصعب ذكرها، أظهرتها بركات هذا الأمر السعيد، وتنبيهات سيّدنا ومولانا الخليفة، أدام الله تعالى أمرهم وأعزّ نصرهم.
وفي خلال الاشتغال بهذه الأعمال التي هي غرر الدهر، وفرائد العمر، أمروا - أدام الله تعالى تأييدهم - ببناء المسجد الجامع بحضرة مراكش - حرسها
стр. 634
الله تعالى - فبدئ ببنيانه (١) وتأسيس قبلته في العشر الأول من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وكمل منتصف شعبان المكرم من العام المذكور، على أكمل الوجوه، وأغرب الصنائع، وأفسح المساحة، وأبعد البناء والنجارة، وفيه من شمسيّات الزجاج وحركات (٢) المنبر المقصورة ما لو عمل في السنين العديدة لاستغرب تمامه، فكيف في هذا الأمر اليسير الذي لم يتخيّل أحد من الصّنّاع أن يتم فيه فضلاً عن بنائه؟ وصليت في الجمعة منتصف شعبان المذكور، ونهضوا - أدام الله سبحانه تأييدهم - عقب ذلك لزيارة البقعة المكرمة، والروضة المعظمة، بمدينة تينملل (٣) أدام الله رفعتها، فأقاموا بها بقية شعبان المكرم، وأكثر شهر رمضان المعظم، وحملوا في صحبتهم المصحف العزيز ومعه مصحف الإمام المهديّ المعلوم رضي الله تعالى عنه في التابوت الموصوف، إذ كان قد صنع له غرفة في أعلاه، وأحكمت فيه إحكاماً كمل به معناه، واجتمع في مشكاته فعاد النور إلى مبتداه، وختم القرآن العزيز في مسجد الإمام المعلوم ختمات كادت لا تحصى لكثرتها، وهنا انتهى ما وجدناه من هذا المكتوب.
ثم قال ابن رشيد - بعد إيراد ما تقدّم - ما صورته: نجزت الرسالة في المصحف العظيم، والحمد لله رب العالمين، انتهى محل الحاجة منه.
[شعر في قرطبة]
وما أحسن قول الشيخ الإمام أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية (٤) يستودع أهل قرطبة:
стр. 635
أستودع الله أهل قرطبة ... حيث عهدت (١) الحياء والكرما
والجامع الأعظم العتيق ولا ... زال مدى الدّهر مأمناً حرما وقال أبو الربيع ابن سالم (٢) : حدثني بذلك أبو الحسن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري (٣) قال: أنشدني أبو محمد بن عطية لنفسه، فذكرهما بعد أن قال: إنّه لما أزمع القاضي أبو محمد بن عطية الارتحال عن قرطبة قصد المسجد الجامع وأنشد (٤) البيتين، انتهى.
وقال ابن عطية أيضاً رحمه الله تعالى (٥) :
بأربعٍ فاقت الأمصار قرطبةٌ ... وهنّ قنطرة الوادي وجامعها
هاتان ثنتان، والزهراء ثالثة، ... والعلم أكبر شيء وهو رابعها وقد تقدم إنشادنا لهذين البيتين من غير نسبة لأحد (٦) .
[أبو المغيرة والجارية]
ومما يدخل في أخبار الزاهرة من غير ما قدمناه ما حكاه عن نفسه الوزير