تترقى فوق معارجهم، وتتخلّص كالشهاب الثاقب وراء موالجهم، وتنيف على ما ظنّوه الغاية القصوى من لطيف مدارجهم، فسلكوا من عمل هذه الأمثلة كل شعب، ورأبوا من منتشرها كل شعب، وأشرفوا عند تحقيقها وإبراز دقيقها على كل صعب، فكانت منهم وقفة كادت لها النفس تيأس عن مطلبها، والخواطر تكرّ راجعةً عن خفيّ مذهبها، حتى أطلع الله خليفته في خلقه، وأمينه المرتضى لإقامة حقّه، على وجه انقادت فيه تلك الحركات بعد اعتياصها، وتخلّصت أشكالها عن الاعتراض على أحسن وجوه خلاصها، ألقوا ذلك - أيدّهم الله بنصره، وأمدهم بمعونته ويسره - إلى المهندسين والصنّاع فقبلوه أحسن القبول، وتصوروه بأذهانهم فرأوه على مطابقة المأمول، فوقفهم حسن تنبيهه ممّا جهلوه على طور غريب من موجبات التعظيم، وعلموا أن الفضل لله (١) يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم - وسيأتي بعد هذا إشارة إلى تفصيل تلك الحركات المستغربة، والأشكال المونقة المعجبة، إن شاء الله تعالى؟ ؛ ممّا صنع للمصحف العظيم من الأصونة الغريبة، والأحفظة العجيبة، أنّه كسي كلّه بصوان واحد من الذهب والفضّة ذي صنائع غريبة من ظاهره وباطنه، لا يشبه بعضها بعضاً، قد أجري فيه من ألوان الزجاج الرومي ما لم يعهد له في العصر الأول مثال، ولا عمر قبله بشبهه خاطر ولا بال، وله مفاصل تجتمع إليها أجزاؤه وتلتئم، وتتناسق عندها عجائبه وتنتظم، قد أسلست للتحرّك أعطافها، وأحكم إنشاؤها على البغية وانعطافها، ونظم على صفحته وجوانبه من فاخر الياقوت ونفيس الدّرّ وعظيم الزمرد ما لم تزل الملوك السالفة والقرون الخالية تتنافس في أفراده، وتتوارثه على مرور الزمن وترداده، وتظنّ العز الأقعس، والملك الأنفس، في ادخاره وإعداده، وتسمي الواحد منها بعد الواحد بالاسم العلم لشذوذه في صنفه واتحاده، فانتظم عليه منها ما شاكله زهر الكواكب في تلألؤه
стр. 632
واتقاده، وأشبهه الروض المزخرف غبّ سماء أقلعت عن إمداده، وأتى هذا الصّوان الموصوف رائق المنظر، آخذاً بمجامع القلب والبصر، مستولياً (١) بصورته الغريبة على جميع الصّور، يدهش العقول بهاء، ويحير الألباب رواء، ويكاد يعشي الناظر تألّقاً وضياء، فحين تمّت خصاله، واستركبت أوصاله، وحان ارتباطه بالمصحف العظيم واتصاله، رأوا - أدام الله تأييدهم، وأعلى كلمتهم - مما رزقهم الله تعالى من ملاحظة الجهات، والإشراف على جميع الثنيات، أن يتلطف فيوجه يكون به هذا الصّوان المذكور طوراً متصلاً، وطوراً منفصلاً، ويتأتّى به للمصحف الشريف العظيم أن يبرز تارة للخصوص متبذّلاً، وتارة للعموم متجمّلاً، إذ معارج الناس في الاستبصار تختلف، وكلّ له مقام إليه ينتهي وعنده يقف، فعمل فيه على شاكلة هذا المقصد، وتلطف في تتميم هذا الغرض المعتمد، وكسي المصحف العزيز بصوان لطيف من السندس الأخضر، ذي حلية خفيفة تلازمه في المغيب والمحضر، ورتب ترتيباً يتأتى معه أن يكسى بالصّوان الأكبر، فيلتئم به التئاماً يغطي على العين من هذا الأثر، وكمل ذلك كلّه على أجمل الصفات وأحسنها، وأبدع المذاهب وأتقنها، وصنع له محمل غريب الصنعة، بديع الشكل والصيغة، ذو مفاصل ينبو عن دقتها الإدراك، ويشتد بها الارتباط بين المفصلين ويصح الاشتراك، مغشىًّ كلّه بضروب من الترصيع، وفنون من النقش البديع، في قطع من الآبنوس والخشب
الرفيع، لم تعمل قطّ في زمان من الأزمان، ولا انتهت قطّ إلى أيسره نوافذ الأذهان، مدار بصنعة قد أجريت في صفائح الذهب، وامتدت امتداد ذوائب الشّهب، وصنع لذلك المحمل كرسي يحمله عند الانتقال، ويشاركه في أكثر الأحوال، مرصّع مثل ترصيعه الغريب، ومشاكل له في جودة التقسيم وحسن الترتيب، وصنع لذلك كلّه تابوت يحتوي عليه احتواء المشكاة على أنوارها،
стр. 633
والصدور على محفوظ أفكارها، مكعب الشكل سامٍ في الطول، حسن الجملة والتفصيل، بالغ ما شاء من التتميم في أوصاله والتكميل، جرٍ مجرى المحمل في التزيين والتجميل، وله في أحد غواربه بابٌ ركبت عليه دفتان قد أحكم إرتاجهما، ويسر بعد الإبهام انفراجهما، ولانفتاح هذا الباب وخروج هذا الكرسي من تلقائه وتركب المحمل عليه، ما دبرت الحركات الهندسيّة، وتلقيت تلك التنبيهات القدسية، وانتظمت العجائب المعنويّة والحسيّة، والتأمت الذخائر النفيسة والنفسيّة، وذلك أن بأسفل هاتين الدفتين فيصلاً فيه موضع قد أعدّ له مفتاح لطيف يدخل فيه، فإذا أدخل ذلك المفتاح فيه وأديرت به اليد انفتح الباب بانعطاف الدفتين إلى داخل الدفتين من تلقائهما، وخرج الكرسي من ذاته بما عليه إلى أقصى غايته، وفي خلال خروج الكرسي يتحرك عليه المحمل حركة منتظمة مقترنة بحركته يأتي بها من مؤخر الكرسي زحفاً إلى مقدمه، فإذا كمل الكرسي بالخروج وكمل المحمل بالتقدم عليه انغلق الباب برجوع الدّفتين إلى موضعهما من تلقائهما دون أن يمسهما أحد، وترتبت هذه الحركات الأربع على حركة المفتاح فقط دون تكلف شيء آخر، فإذا أدير المفتاح إلى خلف الجهة التي أدير إليها أولاً انفتح الباب وأخذ الكرسي في الدخول والمحمل في التأخر عن مقدم الكرسي إلى مؤخره، فإذا عاد كلٌّ إلى مكانه انسدّ الباب بالدفتين أيضاً من تلقائه، كل ذلك يترتب على حركة المفتاح، كالذي كان في حال خروجه، وصحّت هذه الحركات اللطيفة على أسباب ومسبّبات غائبة عن الحس في باطن الكرسي، وهي ممّا يدقّ وصفها، ويصعب ذكرها، أظهرتها بركات هذا الأمر السعيد، وتنبيهات سيّدنا ومولانا الخليفة، أدام الله تعالى أمرهم وأعزّ نصرهم.
وفي خلال الاشتغال بهذه الأعمال التي هي غرر الدهر، وفرائد العمر، أمروا - أدام الله تعالى تأييدهم - ببناء المسجد الجامع بحضرة مراكش - حرسها
стр. 634
الله تعالى - فبدئ ببنيانه (١) وتأسيس قبلته في العشر الأول من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وكمل منتصف شعبان المكرم من العام المذكور، على أكمل الوجوه، وأغرب الصنائع، وأفسح المساحة، وأبعد البناء والنجارة، وفيه من شمسيّات الزجاج وحركات (٢) المنبر المقصورة ما لو عمل في السنين العديدة لاستغرب تمامه، فكيف في هذا الأمر اليسير الذي لم يتخيّل أحد من الصّنّاع أن يتم فيه فضلاً عن بنائه؟ وصليت في الجمعة منتصف شعبان المذكور، ونهضوا - أدام الله سبحانه تأييدهم - عقب ذلك لزيارة البقعة المكرمة، والروضة المعظمة، بمدينة تينملل (٣) أدام الله رفعتها، فأقاموا بها بقية شعبان المكرم، وأكثر شهر رمضان المعظم، وحملوا في صحبتهم المصحف العزيز ومعه مصحف الإمام المهديّ المعلوم رضي الله تعالى عنه في التابوت الموصوف، إذ كان قد صنع له غرفة في أعلاه، وأحكمت فيه إحكاماً كمل به معناه، واجتمع في مشكاته فعاد النور إلى مبتداه، وختم القرآن العزيز في مسجد الإمام المعلوم ختمات كادت لا تحصى لكثرتها، وهنا انتهى ما وجدناه من هذا المكتوب.
ثم قال ابن رشيد - بعد إيراد ما تقدّم - ما صورته: نجزت الرسالة في المصحف العظيم، والحمد لله رب العالمين، انتهى محل الحاجة منه.
[شعر في قرطبة]
وما أحسن قول الشيخ الإمام أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية (٤) يستودع أهل قرطبة:
стр. 635
أستودع الله أهل قرطبة ... حيث عهدت (١) الحياء والكرما
والجامع الأعظم العتيق ولا ... زال مدى الدّهر مأمناً حرما وقال أبو الربيع ابن سالم (٢) : حدثني بذلك أبو الحسن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري (٣) قال: أنشدني أبو محمد بن عطية لنفسه، فذكرهما بعد أن قال: إنّه لما أزمع القاضي أبو محمد بن عطية الارتحال عن قرطبة قصد المسجد الجامع وأنشد (٤) البيتين، انتهى.
وقال ابن عطية أيضاً رحمه الله تعالى (٥) :
بأربعٍ فاقت الأمصار قرطبةٌ ... وهنّ قنطرة الوادي وجامعها
هاتان ثنتان، والزهراء ثالثة، ... والعلم أكبر شيء وهو رابعها وقد تقدم إنشادنا لهذين البيتين من غير نسبة لأحد (٦) .
[أبو المغيرة والجارية]
ومما يدخل في أخبار الزاهرة من غير ما قدمناه ما حكاه عن نفسه الوزير
стр. 636
الكاتب أبو المغيرة بن حزم قال: نادمت يوماً المنصور بن أبي عامر في منية السرور بالزاهرة ذات الحسن النضير، وهي جامعة بين روضة وغدير، فلما تضمخ النهار بزعفران العشيّ، ورفرف غراب الليل الدّجوجيّ، وأسبل الليل جنحه، وتقلّد السّماك رمحه، وهمّ النسر بالطيران، وعام في الأفق زورق الزّبر قان، أوقدنا مصابيح الراح، واشتملنا ملاء الارتياح، وللدّجن فوقنا رواق مضروب فغنتنا عند ذلك جارية تسمى أنس القلوب (١) :
قدم اللّيل عند سير النّهار ... وبد البدر مثل نصف سوار (٢)
فكأنّ النّهار صفحة خدٍّ ... وكأنّ الظلام خطّ عذار
وكأنّ المؤوس جامد ماء ... وكأن المدام ذائب نار
نظري قد جنى عليّ ذنوباً ... كيف مما جنته عيناي اعتذاري؟
يا لقومي تعجّبوا من غزال ... جائر في محبتي وهو جاري
ليت لو كان لي إليه سبيلٌ ... فأقضّي من حبّه (٣) أوطاري قال: فلمّا أكملت الغناء، أحسست بالمعنى، فقلت:
كيف كيف الوصول للأقمار ... بين سمر القنا وبيض الشّفار
لو علمنا بأن حبّك حقّ ... لطلبنا الحياة منك بثار
وإذا ما الكرام همّوا بشيء ... خاطروا بالنفوس في الأخطار قال: فعند ذلك بادر المنصور لحسامه، وغلظ في كلامه، وقال لها: قولي واصدقي إلى من تشيرين، بهذا الشوق والحنين؟ فقالت الجارية: إن كان الكذب أنجى، فالصدق أحرى وأولى، والله ما كانت إلاّ نظرة، ولّدت في
стр. 637
القلب فكرة، فتكلّم الحب على لساني، وبرّح الشوق بكتماني، والعفو مضمون لديك عند المقدرة، والصفح معلوم منك عند المعذرة؛ ثم بكت فكأن دمعها درٌّ تناثر من عقد، أو طلٌّ تساقط من ورد، وأنشدت:
أذنبت ذنباً عظيماً ... فكيف منه اعتذاري؟
والله قدّر هذا ... ولم يكن باختياري
والعفو أحسن شيء ... يكون عند اقتدار قال: فعند ذلك صرف المنصور وجه الغضب إليّ، وسلّ سيف السخط عليّ، فقلت: أيدك الله تعالى، إنّما كانت هفوةً جرها الفكر، وصبوة أيدها النظر، وليس للمرء إلاّ ما قدر له، لا ما اختاره وأمله. فأطرق المنصور قليلاً ثم عفا وصفح، وتجاوز عنّا وسمح، وخلّى سبيلي، فسكن وجيب قلبي وغليلي، ووهب الجارية لي فبتنا بأنعم ليلة وسجنها فيها للصباذيلة، فلما شمر الليل غدائره، وسل الصباح بواتره، وتجاوبت الأطيار بضروب الألحان، في أعالي الأغصان، انصرفت بالجارية إلى منزلي، وتكامل سروري.
[المأمون والجارية]
قال بعضهم: ذكرتني حكاية أبي المغيرة هذه حكاية قرأتها في النوادر (١) لأبي علي القالي البغدادي حذت في الظرف حذوها، وزهت في الإغراب زهوها، وهي ما أسنده عن منصور البرمكي أنّه كانت للرشيد جارية غلامية وكان المأمون يميل إليها، وهو إذ ذاك أمرد، فوقفت تصبّ على يد الرشيد من إبريق معها، والمأمون [جالس] خلف الرشيد، فأشار إليها [كأنّه] يقبّلها، فأنكرت ذلك بعينها، وأبطأت في الصب على قدر نظرها للمأمون وإشارتها إليه، فقال
стр. 638
الرشيد: ما هذا؟ ضعي الإبريق من يدك، ففعلت، فقال: والله لئن لم تصدقيني لأقتلنك، فقالت: يا سيّدي، أشار إليّ [عبد الله] كأنّه يقبلني، فأنكرت ذلك عليه، فالتفت إلى المأمون فنظر إليه كأنّه ميت لما داخله من الجزع والخجل، فرحمه وضمه إليه، وقال: يا عبد الله، أتحبّها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: هي لك فاخل بها في تلك القبة، ففعل، ثم قال له: هل قلت في هذا الأمر شيئاً؟ فقال: نعم يا سيدي، ثم أنشد:
ظبيٌ كتبت بطرفي ... من الضمير إليه
قبلته من بعيدٍ ... فاعتلّ من شفتيه
وردّ أخبث ردّ ... بالكسر من حاجبيه
فما برحت مكاني ... حتى قدرت عليه وفي هذا المعنى يقول بعض البلغاء: اللحظ، يعرب عن اللفظ، وقال آخر: رب كناية تغني عن إيضاح، ورب لفظ يدل على ضمير، ونظمه الشاعر فقال:
جعلنا علامات المودّة بيننا ... دقائق لحظٍ هنّ أمضى من السّحر
فأعرف منها الوصل في لين لحظها ... وأعرف منها الهجر بالنظر الشزر وفي هذا قال بعض الحكماء: العين باب القلب، فما في القلب ظهر في العين، وقال الشاعر:
العين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من المحبّة أو بغضٍ إذا كانا
فالعين تنطق والأفواه صامتة ... حتى ترى من ضمير القلب تبيانا
стр. 639
[ترجمة أبي المغيرة من المطمح]
وأبو المغيرة ابن حزم قال في حقه في المطمح ما نصّه (١) : الوزير الكاتب أبو المغيرة عبد الوهّاب بن حزم، وبنو حزم فتية علم وأدب، وثنيّة مجد وحسب، وأبو المغيرة هذا في الكتابة أوحد، لا ينعت ولا يحد، وهو فارس المضمار، حامي ذلك الذّمار، وبطل الرّعيل، وأسد ذلك الغيل، ونسق المعجزات، وسبق في المعضلات الموجزات، إذا كتب وشّى المهارق ودبّج، وركب من بحر البلاغة الثّبج، وكان هو وأبو عامر ابن شهيد خليلي صفاء، وحليفي وفاء، لا ينفصلان في رواح (٢) ولا مقيل، ولا يفترقان كمالك وعقيل (٣) ، وكانا بقرطبة رافعي ألوية الصّبوة، وعامري أندية السلوة، إلى أن اتّخذ (٤) أبو عامر في حبالة الردى وعلق، وغدا رهنه فيها قد غلق (٥) ، فانفرد أبو المغيرة بذلك الميدان، واستردّ من سبقه ما فاته منذ زمان، فلم تذكر له مع أبي عامر حسنة، ولا سرت له فقرة مستحسنة، لتعذر ذلك وامتناعه، بشفوف أبي عامر وامتداد باعه، وأمّا شعر أبي المغيرة فمرتبط بنثره، ومختلط زهره بدرّه (٦) ، وقد أثبتّ له منها فنوناً، تجن بها الأفهام جنوناً، فمن ذلك قوله:
ظعنت وفي أحداجها من شكلها ... عينٌ فضحن بحسنهنّ العينا
стр. 640
ما أنصفت في جنب توضح إذ قرت ... ضيف الوداد بلابلاً وشجونا
أضحى الغرام قطين ربع فؤاده ... إذ لم يجد بالرقمتين (١) قطينا وله:
لمّا رأيت الهلال منطوياً ... في غرّة الفجر قارن الزّهره
شبّهته والعيان يشهد لي ... بصولجان أوفى (٢) لضرب كره [ترجمة ابن شهيد من المطمح]
وأبو عامر ابن شهيد المذكور قال في حقّه ما صورته (٣) :
الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد الأشجعي، عالم بأقسام البلاغة ومعانيها، حائز قصب السبق فيها، لا يشبهه أحد من أهل زمانه، ولا ينسق ما نسق من درّ البيان وجمانه، توغل في شعاب البلاغة وطرقها، وأخذ على متعاطيها ما بين مغربها ومشرقها، لا يقاومه عمرو بن بحر، ولا تراه يغترف إلا من بحر، مع انطباع، مشى في طريقه بأمدّ باع، وله الحسب المشهور، والمكان الذي لم يعده للظهور (٤) ، وهو من ولد الوضّاح، المتقلّد تلك المفاخر والأوضاح، صاحب الضحّاك (٥) يوم المرج، وراكب ذلك الهرج، وأبو عامر حفيده هذا من ذلك النسب، ونبع لا يراش إلا من ذلك الغرب (٦) ، وقد أثبتّ له ما هو بالسحر لاحق، ولنور المحاسن ما حق، فمن ذلك قوله (٧) :
стр. 641
إنّ الكريم إذا نابته مخمصةٌ ... أبدى إلى الناس ريّاً وهو ظمآن
يحني الضلوع على مثل اللّظى حرقاً ... والوجه غمرٌ بماء البشر ريّان (١) وهو مأخوذ من قول الرضى (٢) :
ما إن رأيت كمعشرٍ صبروا ... عزّاً على الأزلات والأزم
بسطوا الوجوه وبين أضلعهم ... حرّ الجوى ومآلم الكلم وله أيضاً (٣) :
كلفت بالحبّ حتى لو دنا أجلي ... لما وجدت لطعم الموت من ألم
كلا النّدى والهوى قدماً ولعت به ... ويلي من الحبّ أو ويلي من الكرم وأخبرني الوزير أبو الحسين (٤) بن سراج - وهو بمنزل ابن شهيد - وكان من البلاغة في مدى غاية البيان، ومن الفصاحة في أعلى مراتب التبيان، وكنا نحضر مجلس شرابه، ولا نغيب عن بابه (٥) ، وكان له بباب الصّومعة من الجامع موضع لا يفارقه أكثر نهاره، ولا يخليه من نثر درره وأزهاره، فقعد في ليلة ٢٧ من رمضان في لمة من إخوانه، وأئمّة سلوانه، وقد حفّوا به ليقطفوا نخب أدبه، وهو يخلط لهم الجدّ بهزل، ولا يفرط في انبساط مشتهر ولا انقباض جزل، وإذا بجارية من أعيان أهل قرطبة معها من جواريها، من يسترها ويواريها، وهي ترتاد موضعاً لمناجاة ربها، وتبتغي منزلاً لاستغفار
стр. 642
ذنبها، وهي متنقبة، خائفة ممن يرقبها مترقبة، وأمامها طفل لها كأنّه غصن آس، أو ظبي يمرح في كناس، فلمّا وقعت عينها على أبي عامر ولّت سريعة، وتولت مروعة، خيفة أن يشبب بها، أو يشهرها باسمها، فلمّا نظرها، قال قولاً فضحها به وشهرها (١) :
وناظرةٍ تحت طيّ القناع ... دعاها إلى الله بالخير داعي
سعت خفيةً تبتغي منزلاً ... لوصل التبتّل والانقطاع
فجاءت تهادى كمثل الرّؤوم ... تراعي (٢) غزالاً بروض اليفاع (٣)
وجالت بوضعنا (٤) جولةً ... فحلّ الربيع بتلك البقاع
أتتنا تبختر في مشيها ... فحلّت بواد كثير السّباع
وريعت حذاراً على طفلها ... فناديت يا هذه (٥) لا تراعي
غزالك تفرق منه الليوث ... وتفزع منه كماة (٦) المصاع
فولت وللمسك في ذيلها ... على الأرض خطٌّ كظهر الشّجاع انتهى المقصود منه.
[استيلاء المعتمد على قرطبة]
رجع: وممّا ينخرط في سلك أخبار الزهراء ما حكاه الفتح في ترجمة المعتمد ابن عباد إذ قال (٧) : وأخبرني الوزير الفقيه أبو الحسين (٨) بن سراج أنّه حضر مع
стр. 643
الوزراء والكتّاب بالزهراء في يوم قد غفل عنه الدهر فلم يرمقه بطرف، ولم يطرقه بصرف، أرّخت به المسرات عهدها، وأبرزت له الأماني خدّها (١) ، وأرشفت فيه لماها، وأباحت للزائرين حماها، وما زالوا ينقلون من قصر إلى قصر، ويبتذلون الغصون بجنىً وهصر، ويتوقّلون (٢) في تلك الغرفات، يتعاطون الكؤوس بين تلك الشّرفات، حتى استقروا بالروض من بعد ما قضوا من تلك الآثار أوطاراً، وأوقروا (٣) بالاعتبار قطاراً، فحلّوا منها في درانك ربيع مفوّفة بالأزهار، مطرّزة بالجداول والأنهار، والغصون تختال في أدواحها، وتتثنى في أكفّ أرواحها، وآثار الديار قد أشرفت عليهم كثكالى ينحن على خرابها، وانقراض أطرابها (٤) ، والوهي بمشيدها لاعب، وعلى كل جدارٍ غرابٌ ناعب، وقد محت الحوادث ضياءها، وقلصت ظلالها وأفياءها، وطالما أشرقت بالخلائف وابتهجت، وفاحت من شذاهم وأرجت (٥) ، أيام نزلوا خلالها وتفيأوا ظلالها، وعمروا حدائقها وجنّاتها، ونبّهوا الآمال من سناتها، وراعوا الليوث في آجامها، وأخجلوا الغيوث عند انسجامها (٦) ، فأضحت ولها بالتداعي تلفّع واعتجار، ولم يبق من آثارها إلا نؤيٌ وأحجار، قد وهت قبابها، وهرم شبابها، وقد يلين الحديد، ويبلى على طيّه الجديد، فبينما هم يتعاطونها صغاراً وكباراً، ويديرونها أنساً واعتباراً، إذا برسول المعتمد قد وافاهم برقعة مكتوب (٧) فيها:
حسد القصر فيكم الزهراء ... ولعمري وعمركم ما أساء
стр. 644
قد طلعتم بها شموساً صباحاً ... فاطلعوا عندنا بدوراً مساء فساروا إلى قصر البستان بباب العطارين فألفوا مجلساً قد حار فيه الوصف، واحتشد فيه اللهو والقصف، وتوقدت نجوم مدامه، وتأوّدت قدود خدّامه، وأربى على الخورنق والسّدير، وأبدى صفحة البدر من أزرار المدير، فأقاموا ليلتهم ما عراهم (١) نوم، ولا عداهم عن طيب اللذات سوم، وكانت قرطبة منتهى أمله، وكان روم أمرها أشهى عمله، ومازال يخطبها بمداخلة أهليها، ومواصلة واليها، إذ لم يكن في منازلتها قائد، ولم يكن لها إلاّ حيل ومكائد، لاستمساكهم بدعوة خلفائها، وأنفتهم من طموس رسوم الخلافة وعفائها، وحين اتفق له تملّكها، وأطلعه فلكها، وحصل في قطب دائرتها (٢) ، ووصل إلى تدبير رياستها وإدارتها، قال (٣) :
من للملوك بشأو الأصيد البطل؟ ... هيهات جاءتكم مهديّة الدّول
خطبت قرطبة الحسناء إذ منعت ... من جاء يخطبها بالبيض والأسل
وكم غدت عاطلاً حتى عرضت لها ... فأصبحت في سريّ الحلي والحلل
عرس الملوك لنا في قصرها عرسٌ ... كلّ الملوك بها في مأتم الوجل
فراقبوا عن قريب لا أبا لكم ... هجوم ليثٍ بدرع البأس مشتمل ولمّا انتظمت في سلكه، واتّسمت بملكه، أعطى ابنه الظافر زمامها، وولاه نقضها وإبرامها، فأفاض فيها نداه، وزاد على أمده ومداه، وجمّلها بكثرة حبائه، واستقل بأعبائها على فتائه (٤) ، ولم يزل فيها آمراً وناهياً، غافلاً عن المكر ساهياً، حسن ظنٍّ بأهلها اعتقده، واغتراراً بهم ما رواه ولا انتقده،
стр. 645
وهيهات كم من ملك كفّنوه في دمائه، ودفنوه بذمائه، كم من عرشٍ ثلّوه (١) ، وكم من عزيز ملك أذلوه، إلى أن ثار فيها ابن عكاشة ليلاً، وجرّ إليها حرباً وويلاً، فبرز الظافر منفرداً عن كماته، عارياً من حماته، وسيفه في يمينه، وهاديه في الظلماء نور جبينه، فإنّه كان غلاماً كما بلله (٢) الشباب بأندائه، وألحفه الحسن بردائه، فدافعهم أكثر ليله، وقد منع منه تلاحق رجله وخيله، حتى أمكنتهم منه عثرة لم يقل لها لعا، ولا استقل منها (٣) ولا سعى، فترك ملتحفاً بالظلما (٤) ، تحت نجوم السما (٥) ، معفّراً في وسط الحمى (٦) ، تحرسه الكواكب، بعد المواكب، ويستره الحندس، بعد السندس، فمرّ بمصرعه سحراً أحد أئمّة الجامع المغلّسين، فرآه وقد ذهب ما كان عليه ومضى، وهو أعرى من الحسام المنتضى، فخلع رداءه عن منكبيه ونضاه، وستره به ستراً أقنع المجد به وأرضاه، وأصبح لا يعلم رب تلك الصنيعة، ولا يعرف فتشكر له يده الرفيعة، فكان المعتمد إذا تذكر صرعته، وسعّر الحزن لوعته، رفع بالعويل نداءه، وأنشد:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه (٧) ... ولمّا كان من الغد حزّ رأسه ورفع على سن رمح وهو يشرق كنار على علم، ويرشق نفس كل ناظر بألم، فلمّا رمقته الأبصار، وتحققته الحماة والأنصار، رموا أسلحتهم، وسوّوا للفرار أجنحتهم، فمنهم من اختار فراره وجلاه، ومنهم من أتت به إلى حينه رجلاه، وشغل المعتمد عن رثائه بطلب
стр. 646
ثاره، ونصب الحبائل لوقوع ابن عكاشة وعثاره، وعدل عن تأبينه، إلى البحث عن مفرقه وجبينه، فلم تحفظ له فيه قافية، ولا كلمة للوعته شافية، إلاّ إشارته إليه في تأبين أخويه، المأمون والراضي المقتولين في أول النائرة، والفتنة الثائرة، انتهى.
[ذكر المتنزهات في سياق التراجم]
وقد رأيت أن أزيد على ما تقدم - ممّا قصدت جلبه في هذا لموضع - نبذة من كلام الفتح في ذكر منتزهات قرطبة وغيرها من بلاد الأندلس، ووصف مجالس الأنس التي كانت بها ممّا تنشرح له الأنفس، ووقع ذكر غير قرطبة والزهراء لهما تبعاً، ولا يخلو ذلك من عبرة بحال من جعل في اللهو مصيفاً ومرتبعاً، ثم طواه الدهر طيّ السجلّ، ومحا آثاره التي كانت (١) تسمو وتجلّ، وما قصدنا علم الله غير الاعتبار، بهذه الأخبار، لا الحث على الحرام، وتسهيل القصد إليه والمرام، والأعمال بالنيات، والله سبحانه كفيل بفضله وكرمه ببلوغ الأمنيات، وتعويضنا عن هذه النعم الفانيات، بالنعم الباقيات السنيّات.
[١ - من ترجمة ابن زيدون في القلائد]
قال الفتح رحمه الله تعالى في ترجمة الوزير أبي الوليد بن زيدون، ما صورته (٢) : وأخبرني الوزير الفقيه أبو الحسين (٣) بن سراج رحمه الله تعالى أنّه في وقت فراره أضحى، غداة الأضحى، وقد ثار به الوجد بمن كان يألفه والغرام، وتراءت لعينيه تلك الظّباء الأوانس والآرام، وقد كان الفطر وافاه،
стр. 647
والشقاء قد استولى على رسم عافيته حتى عفاه (١) ، فلمّا عاده منهما ما عاد، وأعياه ذلك النكد المعاد، استراح إلى ذكر عهده الحسن، وأراح جفونه المسهّدة بتوهم ذلك الوسن، وذكر معاهد كان يخرج إليها في العيد، ويتفرج بها مع أولئك الغيد، فقال (٢) :
خليليّ لا فطرٌ يسرّ ولا أضحى ... فما حال من أمسى مشوقاً كما أضحى
لئن شاقني شرق العقاب فلم أزل ... أخصّ بممحوض الهوى ذلك السّفحا
وما انفكّ جوفيّ الرّصافة مشعري ... دواعي بثٍّ تعقب الأسف البرحا
ويهتاج قصر الفارسيّ صبابةً ... لقلبي لا يألو زناد الأسى قدحا
وليس ذميماً عهد مجلس ناصح ... فأقبل في فرط الولوع به نصحا
كأنّي لم أشهد لدى عين شهدةٍ ... نزال عتابٍ كان آخره الفتحا
وقائع جانيها التجنّي فإن مشى ... سفير خضوعٍ بيننا أكّد الصّلحا
وأيّام وصلٍ بالعقيق اقتضيته ... فإن لم يكن ميعاده العيد فالفصحا
وآصال لهوٍ في مسنّاة مالكٍ ... معاطاة ندمانٍ إذا شئت أو سبحا
لدى راكدٍ تصبيك من صفحاته ... قوارير خضرٌ خلتها مرّدت صرحا
معاهد لذّاتٍ وأوطان صبوةٍ ... أجلت المعلّى في الأماني بها قدحا
ألا هل إلى الزهراء أوبة نازحٍ ... تقضّى تنائيها مدامعه نزحا
مقاصير (٣) ملكٍ أشرقت جنباتها ... فخلنا العشايا الجون أثناءها صبحا
يمثّل قرطيها لي الوهم جمرةً ... فقبّتها فالكوكب الجون (٤) فالسّطحا
؟ محلّ ارتياح يذكر الخلد طيبه ... إذا عزّ أن يصدى الفتى فيه أو يضحى
стр. 648
هناك الجمام الزّرق تندى حفافها ... ظلالٌ عهدت الدّهر فيها فتىً سمحا
تعوّضت (١) من شدو القيان خلالها ... صدى فلواتٍ قد أطار الكرى صبحا
ومن حملي الكأس المفدّى مديرها ... تقحّم أهوال حملت لها الرمحا
أجل إنّ ليلي فوق شاطئ بيطة (٢) ... لأقصر من ليلي بآنة فالبطحا وهذه معاهد بني أمية قطعوا بها ليالي وأياماً، ظلّت فيها الحوادث عنهم نياماً، فهاموا بشرق العقاب، وشاموا به برقاً يبدو من نقاب، ونعموا بجوفيّ الرّصافة، وطعموا عيشاً تولى الدهر جلاءه وزفافه، وأبعدوا نصح الناصح، وحمدوا أنس مجلس ناصح، وعموا بالزهراء، وصمّوا عن نبإ صاحب الزوراء، حتى رحلهم الموت عنها وقوّضهم، وعوّضهم منها ما عوّضهم، فصاروا أحاديث وأنباء، ولم يتزودوا منها إلاّ حنوطاً وكباء، وغدت تلك المعاهد تصافحها أيدي الغير، وتناوحها نعبات الطير، وراحت بعد الزينة سدى، وأمست مسرحاً للبوم وملعباً للصّدى، يسمع للجنّ بها عزيف، ويصرع فيها البطل الباسل والنزيف، وكذا الدنيا أعمالها خراب، وآمالها (٣) آلٌ وسراب، أهلكت أصحاب الأخدود، وأذهبت ما كان بمأرب من حيازات وحدود، انتهى.
وقال الفتح بعد كلام ما صورته (٤) : ولما عضّته ناب الاعتقال، ورضّته تلك النّوب الثقال، وعوّض بخشانة العيش من اللين، وكابد قسوة خطبٍ لا تلين، وتذكّر عهد عيشه الرقيق، ومرحه بين الرّصافة والعقيق، وحنّ إلى سعد زرّت عليه جيوبه، واستهدى نسيم عيشٍ طاب له هبوبه، وتأسّى بمن
стр. 649
باتت له النوائب بمرصاد، ورمته بسهامٍ ذات إقصاد [وضيم من عهد الأحصّ إلى ذات الإصاد] (١) فقال (٢) :
الهوى في طلوع تلك النجوم ... والمنى في هبوب ذاك النّسيم
سرّنا عيشنا الرقيق الحواشي ... لو يدوم السرور للمستديم
وطرٌ ما انقضى إلى أن تقضّى ... زمنٌ ما ذمامه بالذّميم
أيّها المؤدني بظلم اللّيالي ... ليس يومي بواحدٍ من ظلوم
ما ترى البدر إن تأمّلت والشم ... س هما يكسفان دون النجوم
وهو الدّهر ليس ينفكّ ينحو ... بالمصاب العظيم نحو العظيم وقال الفتح أيضاً في شأن ابن زيدون، ما صورته (٣) :
ولما تعذر انفكاكه (٤) ، وعفّر فرقده وسماكه، وعادته الأوهام والفكر، وخانه من أبي الحزم الصارم الذّكر، قال يصف ما بين مسرّاته وكروبه، ويذكر بعد طلوع أمله (٥) من غروبه، ويبكي لما هو فيه من التعذير، ويعذر أبا الحزم وليس له غيره من عذير، ويتعزى بإنحاء (٦) الدهر على الأحرار، وإلحاحه على التمام بالسّرار، ويخاطب ولاّدة بوفاء عهده، ويقيم لها البراهين على أرقه وسهده (٧) :
стр. 650
ما جال بعدك لحظي في سنا القمر ... إلا ذكرتك ذكر العين بالأثر
ولا استطلت ذماء اللّيل من أسفٍ ... إلاّ على ليلةٍ سرّت مع القصر
في نشوةٍ من شباب الوصل (١) موهمةٍ ... أن لا مسافة بين الوهن والسّحر
يا ليت ذاك السّواد الجون متّصل ... قد استعار سواد القلب والبصر
يا للرّزايا لقد شافهت منهلها ... غمراً فما أشرب المكروه بالغمر
لا يهنإ الشّامت المرتاح خاطره ... أنّي معنّى الأماني ضائع الخطر
هل الرياح بنجم الأرض عاصفة ... أم الكسوف لغير الشمس والقمر
إن طال في السجن إيداعي فلا عجب ... قد يودع الجفن حدّ الصارم الذّكر
وإن يثبّط أبا الحزم الرضى قدر ... عن كشف ضرّي فلا عتب على القدر
من لم أزل من تأنّيه (٢) على ثقةٍ ... ولم أبت من تجنّيه على حذر وله يتغزل، ويعاتب من يستعطفه ويتنزل (٣) :
يا مستخفّاً بعاشقيه ... ومستغشّاً لناصحيه
ومن أطاع الوشاة فينا ... حتى أطعنا السّلوّ فيه
الحمد لله إذ أراني ... تكذيب ما كنت تدّعيه
من قبل أن يهزم التّسلّي ... ويغلب الشوق ما يليه وما أحسن قول ابن زيدون المذكور في قصيدته النونية الشهيرة:
стр. 651
غيظ (١) العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغصّ فقال الدّهر آمينا [موشحة ابن الوكيل]
ومن أغرب (٢) ما وقفت عليه موشّحى لابن الوكيل دخل فيها على أعجاز نونية ابن زيدون، وهي:
غدا منادينا محكّماً فينا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسّينا
بحر الهوى يغرق ... من فيه جهده عام
وناره تحرق ... من همّ أو قد هام
وربّما يقلق ... فتىً عليه نام
قد غيّر الأجسام وصيّر الأيّام ... سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
يا صاحب النّجوى ... قف واستمع مني
إيّاك أن تهوى ... إنّ الهوى يضني
لا تقرب البلوى ... اسمع وقل عنّي
بحاره مرّه خضنا على غرّه ... حيناً فقام بها للنّعي ناعينا
من هام بالغيد ... لاقى بهم همّا
بذلت مجهودي ... لأحورٍ ألمى
يهمّ بالجود ... وردّ ما همّا
стр. 652
وعندما قد جاد بالوصل أو قد كاد ... أضحى التنائي بديلاً من تدانينا
بحقّ ما بيني ... وبينكم إلا
أقررتم عيني ... فتجمعوا الشّملا
فالعين بالبين ... بفقدكم أبلى
جديد ما قد كان بالأهل والإخوان ... ومورد اللهو صافٍ من تصافينا
يا جيرةً بانت ... عن مغرم صبّ
لعهده خانت ... من غير ما ذنب
ما هكذا كانت ... عوائد العرب
لا تحسبوا البعدا يغيّر العهدا ... إذ طالما غيّر النأي المحبينا
يا نازلاً بالبان ... بالشّفع والوتر
والنمل والفرقان ... والليل آذا يسر
وسورة الرحمن ... والنحل والحجر
هل حل في الأديان أن يقتل الظمآن ... من كان صرف الهوى والود يسقينا
يا سائل القطر ... عرّج على الوادي
من ساكني بدر ... وقف بهم نادي
عسى صباً تسري ... لمغرم صادي
إن شئت تحيينا بلّغ تحيينا ... من لو على البعد حيّاً كان يحيينا
وافت لنا أيام ... كأنّها أعوام
وكان لي أعوام ... كأنّها أيّام
стр. 653
تمرّ كالأحلام ... بالوصل لي لو دام
والكأس مترعة حثّت مشعشعة ... فينا الشّمول وغنّانا مغنّينا
[٢ - من ترجمة بني القبطورنة]
رجع إلى ما يتعلّق بقرطبة: قال الوزير أبو بكر بن القبطرنة، يخاطب الوزير أبا الحسين ين سراج، ويذكر لمّةً من إخوانه بقرطبة (١) :
يا سيّدي وأبي هوىً وجلالةً ... ورسول ودّي إن طلبت رسولا
عرّج بقرطبةٍ ولذ إن جئتها (٢) ... بأبي الحسين وناده تمويلا (٣)
فإذا سعدت بنظرة من وجهه ... فاهد السلام لكفّه تقبيلا
واذكر له شكري وشوقي مجملاً ... ولو استطعت شرحته (٤) تفصيلا
بتحيّةٍ تهدى إليه كأنّما ... جرّت على زهر الرياض ذيولا
وأشمّ منها المصحفيّ على النّوى ... نفساً ينسّي السوسن المبلولا
وإلى أبي مروان منه نفحة ... تهدي له نور الرّبى مطلولا
وإذا لقيت الأخطبيّ فسقّه ... من صفو ودّي قرقفاً وشمولا
وأبو عليٍّ سقّ (٥) منها ربعه ... مسكاً بماء غمامة محلولا
واذكر لهم زمناً يهبّ نسيمه ... أصلاً كنفث الراقيات عليلا
مولىً ومولي نعمةٍ وكرامة ... وأخا إخاء مخلصاً وخليلا
стр. 654
بالحير ما عبست هناك غمامة ... إلاّ تضاحك إذخراً وجليلا
يوماً وليلاً كان ذلك كلّه ... سحراً وهذا بكرةً وأصيلا
لا أدركت تلك الأهلّة دهرها ... نقصاً ولا تلك النجوم أفولا قال أبو نصر: الحير الذي ذكره هنا حير الزّجّالي خارج باب اليهود بقرطبة الذي يقول فيه أبو عامر بن شهيد (١) :
لقد أطلعوا عند باب اليهود ... شمساً أبى الحسن أن تكسفا
تراه اليهود على بابها ... أميراً فتحسبه يوسفا وهذا الحير من أبدع المواضع وأجملها، وأتمها حسناً وأكملها، صحنه مرمر صافي البياض، يخترقه جدول كالحيّة النّضناض، به جابية، كل لجّة بها كابية، قد قربصت بالذهب واللازورد سماؤه، وتأزّرت بهما جوانبه وأرجاؤه، والروض قد اعتدلت أسطاره، وابتسمت من كمائمها أزهاره، ومنع الشمس أن ترمق ثراه، وتطّر النسيم بهبوبه عليه ومسراه، شهدت له ليالي وأيّاماً كأنّما تصورت من لمحات الأحباب، أو قدّت من صفحات أيام الشباب، وكانت لأبي عامر بن شهيد به فرجٌ وراحات، أعطاه فيها الدهر ما شاء، ووالى عليه الصحو والانتشاء، وكان هو وصاحب الروض المدفون بإزائه أليفي صبوة، وحليفي نشوة، عكفا فيه على جريالهما، وتصرفا بين زهوهما واختيالهما، حتى ردّاهما الردى، وعداهما الحمام عن ذلك المدى، فتجاورا في الممات، تجاورهما في الحياة، وتقلصت عنهما وارفات تلك الفيئات، وإلىذلك العهد أشار ابن شهيد وبه عرّض، وبشوقه صحح وما مرض، حيث يقول عند موته يخاطب أبا مروان صاحبه وأمر أن يدفن بإزائه
стр. 655
ويكتب على قبره (١) :
يا صاحبي قم فقد أطلنا ... أنحن طول المدى هجود؟
فقال لي: لن نقوم منها ... ما دام من فوقنا الصّعيد
تذكر كم ليلةٍ نعمنا ... في ظلّها والزمان عيد
وكم سرورٍ همى علينا ... سحابةً ثرّةً تجود؟
كلٌّ كأن لم يكن تقضّى (٢) ... وشؤمه حاضر عتيد
حصّله كاتب حفيظ ... وضمّه صادق شهيد
يا ويلنا إن تنكّبتنا ... رحمة من بطشه شديد
يا ربّ عفواً فأنت مولىً ... قصّر في أمرك العبيد انتهى.
ثم قال بعد كلام (٣) : وركب أبو الحسن ابن القبطرنة إلى سوق الدواب بقرطبة ومعه أبو الحسين ابن سراج، فنظر إلى أبي الحكم ابن حزم غلاماً كما عقّ تمائمه، وهو يروق كأنّه زهر فارق كمائمه، فسأل أبا الحسين ابن سراج أن يقول فيه، فأرتج عليه، فثنى عنان القول إليه، فقال:
رأى صاحبي عمراّ فكلّف وصفه ... وحمّلني من ذاك ما ليس في الطوق
فقلت له: عمروٌ كعمروٍ، فقال لي: ... صدقت ولكن ذاك شبّ على الطوق (٤) وكان بنو القبطرنة بالأندلس أشهر من نار على علم، وقد تصرفوا في البراعة والقلم، ولهم الوزارة المذكورة، والفضائل المشكورة، ولذا قال أبو
стр. 656
نصر في حقهم ما صورته (١) :
هم للمجد كالأثافي، وما منهم إلاّ موفور القوادم والخوافي، إن ظهروا زهروا، وإن تجمّعوا، تضوّعوا، وإن نطقوا، صدقوا، ماؤهم صفو، وكل واحد منهم لصاحبه كفو، أنارت بهم نجوم المعالي وشموسها، ودانت لهم أرواحها ونفوسها، ولهم النظام الصافي الزجاجة، المضمحل العجاجة، انتهى.
ثم قال (٢) : وبات منهم أبو محمد مع أخويه في أيام صباه، واستطابة (٣) جنوب الشّباب وصباه، بالمنية المسماة بالبديع، وهو روض كان المتوكل يكلف بموافاته، ويبتهج بحسن صفاته، ويقطف رياحينه وزهره، ويوقف عليه إغفاءه وسهره، ويستفزّه الطرب متى ذكره، وينتهز فرص الأنس فيه روحاته وبكره، ويدي حميّاه على ضفة نهره، ويخلع سره فيه لطاعة جهره، ومعه أخواه فطاردوا اللذّات حتى أنضوها، ولبسوا برود السرور وما نضوها، حتى صرعتهم العقار، وطلّحتهم تلك الأوقار، فلمّا همّ رداء الفجر أن يندى، وجبين الصبح أن يتبدّى، قام الوزير أبو محمد فقال:
يا شقيقي وافى الصباح بوجهٍ ... ستر الليل نوره وبهاؤه
فاصطبح واغتنم مسرّة يومٍ ... ليست تدري بما يجيء مساؤه ثم استيقظ أخوه أبو بكر فقال (٤) :
يا أخي قم تر النّسيم عليلا ... باكر الرّوض والمدام شمولا
لا تنم واغتنم مسرّة يومٍ ... إنّ تحت التراب نوماً طويلا
стр. 657
في رياضٍ تعانق الزهر فيها ... مثل ما عانق الخليل الخليلا (١) ثمّ استيقظ أخوهما أبوالحسن، وقد هبّ من غفلة الوسن (٢) ، فقال:
يا صاحبيّ ذرا لومي ومعتبتي ... قم نصطبح خمرةً من خير ما ذخروا
وبادرا غفلة الأيام واغتنما ... فاليوم خمرٌ ويبدو في غدٍ خبر (٣) وساق صاحب البدائع هذه القصّة فقال (٤) : وذكر الفتح ما هذا معناه أنّه خرج الوزراء بنو القبطرنة إلى المنية المسماة بالبديع، وهو روض قد اخضرّت مسارح نباته، واخضلّت مساري هبّاته، ودمعت بالطّلّ عيون أزهاره، وذاب على ربرجده بلّور أنهاره، وتجمعت فيه المحاسن المتفرّقة، وأضحت مقل الحوادث عنه مطرقة، فخيول النسيم تركض في ميادينه فلا تكبو، ونصول السواقي تحسم (٥) أدواء الشجر فلا تنبو، والزروع قد نقّبت وجه الثرى، وحجبت الأرض عن العيون فما تبصر ولا ترى، وكان المتوكل بن الأفطس يعدّه غاية الأرب، ويعدّه مشهداً (٦) للطرب، ومدفعاً للكرب، فباتوا فيه ليلتهم يديرون لمع لهب يتمنون فيه الخلود، ويتحسّون ذوب ذهب لا يصهر به ما في بطونهم والجلود، حتى تركتهم ابنة الخابية، كأنّهم أعجاز نخل خاوية، فلمّا هزم روميّ الصباح زنجيّ الظلام، ونادى الديك حيّ على المدام، انتبه
стр. 658
كبيرهم أبو محمد مستعجلاً، وأنشد مرتجلاً يا شقيقي ... إلخ فانتبه أخوه أبو بكر لصوته، وتخوّف لذهاب ذلك الوقت وفوته، وأنبه أخاهما أبا الحسن وهو يرتجل يا أخي قم تر النسيم ... إلخ فانتبه أخوه لكلامه، دافعاً لذة منامه للذة قيامه، وارتجل يا صاحبيّ ذرا ... إلخ انتهى.
قال الفتح (١) : ولمّا أمر المعتمد بن عباد أبا بكر بن القبطرنة السابق الذكر مع الوزير أبي الحسين ابن سراج بلقاء ذي الوزارتين أبي الحسن ابن اليسع القائد (٢) والمشي إليه، والنزول عليه، تنويهاً لمقدمه (٣) ، وتنبيهاً على حظوته لديه وتقدمه، قصارا إلى بابه، فوجداه مقفراً من حجّابه، فاستغربا خلوّه من خول، وظنّ كلّ واحد منهما وتأوّل، ثم أجمعا على قرع الباب، ورفع ذلك الارتياب، فخرج وهو دهش، وأشار إليهما بالتحيّة ويده ترتعش، وأنزلهما خجلاً، ومشى بين أيديهما عجلاً، وأشار إلى شخص فتوارى بالحجاب، وبارى الريح سرعةً في الاحتجاب، فقعدا ومقلة الخشف، ترمق من خلال السّجف، فانصرفا عنه، وعزما أن يكتبا إليه بما فهما منه، فكتبا إليه:
سمعنا خشفة الخشف ... وشمنا طرفة الطّرف
وصدّقنا ولم نقطع ... وكذّبنا ولم ننف
وأغضينا لإجلال ... ك عن أكرومة الظّرف
ولم تنصف وقد جئنا ... ك ما ننهض من ضعف
وكان الحكم (٤) أن تحم ... ل أو تردف في الرّدف
стр. 659
فراجعهما في الحين (١) بقطعة منها:
أيا أسفي على حالٍ ... سلبت (٢) بها من الظرف
ويا لهفي على جهلي ... بصنفٍ كان من صنف (٣) انتهى. ولأهل الأندلس في مغاني الأنس الحسان، ما لا يفي به لسان.
[٣ - من ترجمة ابن حسداي]
وقال الفتح في ترجمة الوزير أبي الفضل بن حسداي، بعد كلام، ما صورته (٤) : فمنها هذه القطعة التي أطلعها نيّرة، وترك الألباب بها متحيرة، في يوم كان عند المقتدر بالله مع علية، قد اتخذوا المجد حلية، والأمل قد سفر لهم عن محيّاه، وعبق لهم عن ريّاه، فصافحه الكل منهم وحيّاه، وشمس الراح، دائرة على فلك الراح، والملك يشر فضله، وينثر وابله وطلّه، يسدي العلاء، ويهب الغنى والغناء، فصدحت الغواني، وأفصحت المثالث والمثاني، بما استنزل من مرقب الوقار، وسرى في النفوس مسرى العقار:
توريد خدّك للأحداق لذّات ... عليه من عنبر الأصداغ لامات
نيران هجرك للعشّاق نار لظىً ... لكنّ وصلك إن واصلت جنّات
كأنّما الراح والراحات تحملها ... بدور تمٍّ وأيدي الشّرب هالات
حشاشة ما تركنا الماء يقتلها ... إلا لتحيا بها منّا حشاشات
стр. 660
قد كان في كأسها من قبلها ثقلٌ ... فخفّ إذ ملئت منها الزّجاجات
عهدٌ للبنى تقاضته الأمانات ... بانت وما قضيت منها لبانات
يدني التوهّم للمشتاق منتزحاً ... من الأمور، وفي الأوهام راحات
تقضى عداتٌ إذا هبّ (١) الكرى، وإذا ... هبّ النسيم فقد تهدى تحيّات
زورٌ يعلّل قلب المستهام به ... دهراً، وقد بقيت في النفس حاجات
لعلّ عتب اللّيالي أن يعود إلى ... عتبى فتبلغ أوطارٌ ولذّات
حتى نفوز بما جاد الخيال به ... فربما صدقت تلك المنامات ولما أعرس المستعين بالله (٢) ببنت الوزير الأجلّ أبي بكر بن عبد العزيز (٣) احتفل أبوه المؤتمن في ذلك احتفالاً شهره، وأبدع فيه إبداعاً راق من حضره وبهره، فإنّه أحضر فيه من الآلات المبتدعة، والأدوات المخترعة، ما بهر الألباب، وقطع دون معرفتها الأسباب، واستدعى إليه جميع أعيان الأندلس، من دانٍ وقاص، ومطيع وعاص، فأتوه مسرعين، ولبّوه متبرعين، وكان مدير تلك الآراء ومدبّرها، ومنشئ مخاطباتها ومحبّرها، الوزير الكاتب أبو الفضل، وصدرت عنه في ذلك الوقت كتب ظهر إعجازها، وبهر اقتضابها وإيجازها، فمن ذلك ما خاطب به صاحب المظالم أبا عبد الرحمن بن طاهر (٤) :
стр. 661
محلّك أعزّك الله (١) في طيّ الجوانح ثابتٌ وإن نزحت الدار، وعيانك في أحناء الضلوع بادٍ وإن شحط المزار، فالنفس فائزة منك بتمثّل الخاطر بأوفر الحظ، والعين نازعة إلى أن تمتع من لقائك بظفر اللحظ، فلا عائدة أسبغ بردا، ولا موهبة أسوغ وردا، من تفضلك بالخفوف (٢) إلى مأنسٍ يتم بمشاهدتك التئامه، ويتصل بمحاضرتك انتظامه، ولك فضل الإجمال، بالإمتاع من ذلك بأعظم الآمال، وأنا أعزّك الله على شرف سؤددك حاكم، وعلى مشرع سنائك حائم، وحسبي ما تتحقّقه من نزاعي وتشوّقي، وتتيقنه من تطلعي وتتوّقي، وقد تمكن الارتياح باستحكام الثقة، واعترض الاقتراح باستحباب (٣) الصلة، وأنت وصل الله سعدك بسماحة شيمك، وبارع كرمك، تنشئ للمؤانسة عهدا، وتوري بالمكارمة زندا، وتقتضي بالمشاركة شكراً حافلاً وحمدا، لا زلت مهنّأً بالسعود المقبلة، مسوّغاً اجتلاء غرر الأماني المتهللة، بمنّه، انتهى.
ثم قال بعد هذا بيسير، ما نصّه (٤) : وركب المستعين بالله يوماً نهر سرقسطة يريد طراد لذته، وارتياد نزهته، وافتقاد أحد حصونه المنتظمة بلبّته، واجتمع له من أصحابه، من اختصه لاستصحابه، وفيهم أبو الفضل مشاهداً لانفراجهم، سالكاً لمناهجهم، والمستعين قد أحضر من آلات إيناسه، وأظهر من أنواع ذلك وأجناسه، ما راق من حضر، وفاق حسنه الروض الأنضر، والزوارق قد حفّت به، والتفّت بجوانبه، ونغمات الأوتار تحبس السائر عن عدوه، وتخرس الطائر المفصح بشدوه، السمك تثيرها المكايد، وتغوص إليها المصايد، فتبرز منها للعين، قضبان درٍّ أو سبائك لجين، والراح لا
стр. 662
يطمس لها لمع، ولا يبخس منها بصر ولا سمع، والدهر قد غضت صروفه، واقتص من نكره معروفه، فقال:
لله يومٌ أنيقٌ واضح الغرر ... مفضّضٌ مذهب الآصال والبكر
كأنّما الدهر لمّا ساء أعتبنا ... فيه بعتبى وأبدى صفح معتذر
نسير في زورقٍ حفّ السّفين به ... من جانبيه بمنظومٍ ومنتثر
مدّ الشراع به نشراً على ملكٍ ... بذّ الأوائل في أيّامه الأخر
هو الإمام الهمام المستعين حوى ... علياء مؤتمن عن هدي مقتدر
تحوي السفينة منه آيةً عجباً ... بحرٌ تجمّع حتى صار في نهر
تصاد من قعره النينان مصعدة ... صيداً كما ظفر الغوّاص بالدّرر
وللنّدامة به عبٌّ ومرتشفٌ ... كالريق يعذب في وردٍ وفي صدر
والشّرب في مدح مولىً (١) خلقه زهرٌ ... يذكو وغرّته أبهى من القمر [٤ - من ترجمة ابن السيد]
وقال في ترجمة العلامة الكبير، الأستاذ أبي محمد عبد اله بن السّيد البطليوسي شارح أدب الكتاب (٢) وسقط الزّند وغيرهما، ما صورته (٣) : أخبرني أنّه حضر مع المأمون بن ذي النون في مجلس الناعورة بالمنية التي تطمح إليها المنى، ومرآها هو المقترح والمتمنى، والمأمون قد احتبى، وأفاض الحبا، والمجلس يروق كالشمس في أفقه، والبدر [كالتاج] (٤) في مفرقه، والنّور عبق، وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق، والدولاب يئنّ كناقة إثر الحوار، أو كثكلى من حرّ الأوار، والجوّ قد عنبرته أنواؤه، والروض قد رشّته
стр. 663
أنداؤه، والأسد قد فغرت أفواهها، ومجت أمواهها، فقال:
يا منظراً إن نظرت بهجته ... أذكرني حسن جنّة الخلد
تربة مسكٍ، وجوّ عنبرةٍ، ... وغيم ندّ، وطشّ ما ورد
والماء كاللاّزورد قد نظمت ... فيه اللآلي فواغر الأسد
كأنما جائل الحباب به ... يلعب في جانبيه بالنرد
تراه يزهو (١) إذا يحلّ به ال ... مأمون زهو الفتاة بالعقد
تخاله إن بدا به قمراً ... تمّاً بدا في مطالع السّعد (٢)
كأنّما ألبست حدائقه ... ما حاز من شيمةٍ ومن مجد
كأنّما جادها فروّضها ... بوابلٍ من يمينه رغد
لا زال في رفعةٍ (٣) مضاعفةٍ ... متمّم الرّفد وادي الزّند وقال في وصف هذا المجلس بعينه، في الكتاب الذي أفرده لترجمة ابن السّيد، ما صورته (٤) : فمن ذلك أنّه حضر مع القادر بالله بن ذي النون بمجلس الناعورة بطليطلة في المنية المتناهية البهاء والإشراق، المباهية لزوراء العراق، التي ينفح شذاها العطر، ويكاد من الغضارة يمطر، والقادر بالله ﵀ قد التحف الوقار وارتداه، وحكّم العقر في جوده ونداه، والمجلس يشرق كالشمس في الحمل، ومن حواه (٥) يبتهج كالنفس عند منال الأمل، والزهر عبق، وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق، والدولاب يئنّ كناقة إثر حوار، إلى آخر ما سبق.
стр. 664
وقال ابن ظافر (١) في وصف هذا المجلس حاذياً حذو الفتح، ما صورته:
حضر الأستاذ أبو محمد ابن السّيد عند المأمون ابن ذي النون في بعض منتزهاته، في وقت (٢) طاب نعيمه، وسرت بالسعودنجومه، والروض قد أجاد وشيه راقمه، والماء قد جرت بين الأعشاب أراقمه، وثمّ بركة مملوّة، كأنّها مرآة مجلوّة، قد اتخذت سباع الصّفر بشاطئها غاباً، ومجّت بها من سائغ الماء لعاباً، فكأنّها آساد عين، أدلعت ألسنة من لجين، وهي لا تزال تقذف الماء ولا تفتر، وتنظم لآلي الحباب بعدما تنثر، فأمره بوصف ذلك الموضع، الذي تخد (٣) إليه ركائب القلوب وتوضع، فقال بديهاً يا منظراً ... إلخ، انتهى.
ثم قال الفتح في هذا التصنيف بعد كلام في المذكور، ما نصّه: وما أبدع قوله في وصف الراح، والحضّ على النّبذ للهموم والاطّراح، بمعاطاة كاسها، وموالاة إيناسها (٤) ، ومعاقرة دنانها، واهتصار ثمار الفتوّة وأفنانها (٥) ، والإعراض عن الأيّام وأنكادها، والجري في ميدان الصّبوة إلى أبعد آمادها:
سلّ الهموم إذا نبا زمن ... بمدامة صفراء كالذّهب
مزجت فمن درّ على ذهبٍ ... طافٍ ومن حببٍ على لهب
وكأنّ ساقيها يثير شذا ... مسكٍ لدى الأقوام منتهب ولله هو فقد ندب إلى المندوب، وذهب إلى مداواة القلوب من الندوب، وإبرائها من الآلام، وإهدائها كلّ تحيّةٍ وسلام، وإبهاجها بآصال وبكر، وعلاجها من هموم وفكر، في زمن حلي عاطله، وجلي في أحسن الصور
стр. 665
باطله، ونفقت محالاته، وطبقت أرضه وسماءه استحالاته، فليثه كأسد، وذئبه مستأسد، وحفّاثه تنمّر (١) ، وبغاثه قد استنسر، فلا استراحة إلا في معاطاة حميّا، ومواخاة وسيم المحيّا، وقد كان ابن عمار ذهب مذهبه، وفضّضه بالإبداع وذهّبه، حين دخل سرقسطة ورأى غباوة أهلها، وتكاثف جهلها، وشاهد منهم من لا يعلم معنى ولا فصلاً، وواصل من لا يعرف قطعاً ولا وصلاً، فأقبل على راحه يتعاطاها، وعكف عليها ما تعدّاها ولا تخطّاها، حتى بلغه أنهم نقموا معاقرته العقار، وجالت ألسنتهم في توبيخه مجال ذي الفقار، فقال:
نقمتم عليّ الرّاح أدمن شربها ... وقلتم فتى راحٍ وليس فتى مجد
ومن ذا الذي قاد الجياد إلى الوغى ... سواي ومن أعطى كثيراً ولم يكد؟
فديتكم لم تفهموا السّرّ، إنّما ... قليتكم جهدي فأبعدتكم جهدي ودعي ابن السّيد ليلة إلى مجلس قد احتشد فيه الأنس والطرب، وقرع فيه السرور نبعه بالغرب، ولاحت نجوم أكواسه، وفاح نسيم رنده وآسه، وأبدت صدور أباريقه أسرارها، وضمّت عليه المجالس أزرارها، والراح يديرها أهيف أوطف، والأماني تجنى وتقطف، فقال:
يا ربّ ليلٍ قد هتكت حجابه ... بمدامةٍ وقّادة كالكوكب
يسعى بها أحوى الجفون كأنّها ... من خدّه ورضاب فيه الأشنب
بدران بدرٌ قد أمنت غروبه ... يسعى ببدر جانح للمغرب
فإذا نعمت برشف بد غارب ... فانعم برشفة طالعٍ لم يغرب
стр. 666
حتى ترى زهر النّجوم كأنّها ... حول المجرّة ربربٌ في مشرب
والليل منحفزٌ (١) يطير غرابه ... والصّبح يطرده ببازٍ أشهب ثم قال الفتح، بعد كلام كثير، ما صورته (٢) : ودخل - يعني ابن السّيد - سرقسطة أيام المستعين وهي جنّة الدنيا، وفتنة المحيا، ومنتهى الوصف، وموقف السرور والقصف، ملك نمير البشاشة، كثير الهشاشة، وملك أبهج الفناء، أرج الأرجاء، يروف المجتلي، ويفوق النجم المعتلي، وحضرة منسابة الماء، منجابة السماء، يبسم زهرها، وينساب نهرها، وتتفتح خمائلها، وتتضوع صباها وشمائلها، والحوادث لا تعترضها، والكوارث لا تقرضها (٣) ، ونازلها من عرس إلى موسم، وآملها متصل بالأماني ومتّسم، فنزل منها في مثل الخورنق والسدير، وتصرف فيها بين روضة وغدير، فلم يخف على المستعين احتلاله (٤) ، ولم تخف لديه خلاله، فذكره معلماً به ومعرّفاً، وأحضره منوّهاً به ومشرّفاً، وقد كان فرّ من ابن رزين، فرار السرور من نفس الحزين، وخلص من اعتقاله، خلوص السيف من صقاله، فقال يمدحه (٥) :
هم سلبوني حسن صبري إذ بانوا ... بأقمار أطواق مطالعها بان
لئن غادروني باللوى إنّ مهجتي ... مسايرة أظعانهم حيثما كانوا
سقى عهدهم بالخيف عهد غمائم ... ينازعها نهرٌ من الدمع هتّان
أأحبابنا هل ذلك العهد راجعٌ ... وهل لي عنكم آخر الدهر سلوان
ولي مقلةٌ عبرى وبين جوانحي ... فؤادٌ إلى لقياكم الدهر حنّان
تنكرت الدنيا لنابعد بعدكم ... وحفّت بنا من معضل الخطب ألوان
стр. 667
أناخت بنا في أرض شنتمريّةٍ ... هواجس ظنّ خان والظنّ خوان
وشمنا بروقاً للمواعيد أتعبت ... نواظرنا دهراً ولم يهم تهتان (١)
فسرنا وما نلوي على متعذر ... إذا وطنٌ أقصاك آوتك أوطان
ولا زاد إلاّ ما انتشته من الصّبا ... أنوفٌ وحازته من الماء أجفان
رحلنا سوام الحمد (٢) عنها لغيرها ... فلا ماؤها صدّا ولا النبت سعدان (٣)
إلى ملك حاباه بالمجد يوسف ... وشاد له البيت الرفيع سليمان
إلى مستعين بالإله مؤيّدٍ، ... له النصر حزبٌ والمقادير أعوان
جفتنا بلا جرم كأنّ مودّةً ... ثنى نحونا منها الأعنّة شنآن
ولو لم تفد منّا سوى الشّعر وحده ... لحقّ لنا برٌّ عليه وإحسان
فكيف ولم نجعل بها الشّعر مكسباً ... فيوجب للمكدي جفاءٌ وحرمان
ولا نحن ممن يرتضي الشعر خطّة ... وإن قصرت عن شأونا فيه أعيان
ومن أوهمته غير ذاك ظنونه ... فثمّ مجال للمقال وميدان
خليليّ من يعدي على زمن له ... إذا ما قضى حيفٌ عليّ وعدوان
وهل ريء من قبلي غريق مدامعٍ ... يفيض بعينيه الحيا وهو حرّان
وهل طرفت عين لمجدٍ ولم يكن ... لها مقلة من آل هود وإنسان
وبوجه ابن هودٍ كلما أعرض الورى ... صحيفة إقبال لها البشر عنوان
فتى المجد في برديه بدرٌ وضيغم ... وبحرٌ وقدسٌ ذو الهضاب ثهلان
من النفر الشّمّ الذين أكفّهم ... غيوث ولكنّ الخواطر نيران
ليوث شرىً ما زال منهم لدى الوغى ... هزبرٌ بيمناه من السّمر ثعبان
وهل فوق ما قد شاد مقتدرٌ لهم ... ومؤتمن بالله لقياه إيمان
ألا ليس فخر في الورى غير فخرهم ... وإلاّ فإنّ الفخر زور وبهتان
стр. 668
فيا مستعيناً مستعاناً (١) لمن نبا ... به وطن يوماً وعضّته أزمان
كسوتك من نظمي قردة مفخر ... يباهي بها جيد الزمان (٢) ويزدان
وإن قصرت عمّا لبست فربّما ... تجاور (٣) درٌّ في النظام ومرجان
معانٍ حكت غنج الحسان كأنّني ... بهن حبيب أو بطليوس بغداد
إذا غرست كفّاك غرس مكارم ... بأرضي أجنتك الثنا منه أغصان وقال في وصف مجلس (٤) لأبي عيسى ابن لبّون (٥) أحضر إليه ابن السّيد منوهاً بقدره، ما صورته (٦) : وأحضره إلى مجلس نام عنه الدهر وغفل، وقام لفرط أنسه واحتفل، قد بانت صروفه، ودنت من الزائر قطوفه، وقال: هلمّ بنا إلى الاجتماع بمذهبك، والاستمتاع بما شئته ببراعة (٧) أدبك، فأقاموا يعملون كاسهم، ويصلون إيناسهم، وباتوا ليلهم (٨) ما طرقهم نوم، ولا عداهم عن طيب اللّذّات سوم.
ثم قال بعد كلام كثير (٩) : وحضر ابن السّيد عند عبد الرحمن الظافر بن ذي النون مجلساً رفعت في المنى لواءها، وخلعت عليه (١٠) أضواءها، وزفّت
стр. 669
إليه المسرات أبكارها، وفارقت إليه الطير أوكارها، فقال يصفه:
[ومجلس جمّ الملاهي أزهرا ... ألذّ في الأجفان من طعم الكرى] (١)
لم تر عيني مثله ولا ترى ... أنفس في نفسي وأبهى منظرا
إذا تردّى وشيه المصوّرا ... من حوك صنعاء وحوك عبقرا
ونسج قرقوب ونسج تسترا (٢) ... خلت الربيع الطلق فيه نوّرا
كأنّما الإبريق حين قرقرا ... قد أمّ لثم الكأس حين فغرا
وحشيّة ظلّت تناغي جؤذرا ... ترضعه الدّرّ ويرنو حذرا
كأنّما مجّ عقيقاً أحمرا ... أو فتّ من ريّاه مسكاً أذفرا
أو عابد الرحمن يوماً ذكرا ... فنمّ مسكاً ذكره وعنبرا
الظافر الملك الذي من ظفرا ... بقربه نال العلاء الأكبرا
لو أنّ كسرى راءه أو قيصرا ... هلّل إكباراً له وكبّرا
تبدي سماء الملك منه قمرا ... إذا حجاب المجد عنه سفرا
يا أيها المنضي بالسّرى ... تبغي غمام المكرمات الممطرا [٥ - من ترجمة ابن العطار]
وقال الفتح في ترجمة الأديب أبي القاسم ابن العطار، ما صورته (٣) :
هو أحد أدباء إشبيلية ونحاتها، العامرين لأرجاء المعارف وساحاتها، ولولا مواصلة راحاته، وتعطيل بكره وروحاته، وموالاته للفرج، ومغالاته في عرف للأنس أو أرج (٤) ، لا يعرّج إلا على ضفة نهر، ولا يلهج (٥) إلا بقطعة
стр. 670
زهر، ولا يحفل بملام، ولا يتنقل (١) إلى في طاعة غلام، ناهيك من رجل مخلوع العنان في ميدان الصبابة، مغرم بالحسان غرام يزيد بحبابة، لا تراه إلا في ذمّة انهماك، ولا تلقاه إلا في لمّة انتهاك، رافعاً لرايات الهوى، فارعاً لثنيّات الجوى، لا يقفر فؤاده من كلف، ولا يبيت إلاّ رهن تلف، أكثر خلق الله تعالى علاقة، وأحضرهم لمشهد خلاقة (٢) ، مع جزالةٍ تحرك السكون وتضحك الطير في الوكون، وقد أثبتّ له ما يرتجله (٣) في أوقات أنسه وساعاته، وينفث (٤) به أثناء زفراته ولوعاته، فمن ذلك ما قاله في يوم ركب فيه النهر على عادات انكشافه، وارتضاعه لثغور اللذّات وارتشافه (٥) :
عبرنا سماء النهر والجوّ مشرقٌ ... وليس لنا إلا الحباب نجوم
وقد ألبسته الأيك برد ظلالها ... وللشمس في تلك البرود رقوم وله فيه:
مررنا بشاطي النهر بين حدائقٍ ... بها حدق الأزهار تستوقف الحدق
وقد نسجت كف النسيم مغاضة ... عليه وما غير الحباب لها حلق وله:
هبت الريح بالعشي فحاكت ... زردة للغدير ناهيك جنه
وانجلى البدر بعد هدء فصاغت (٦) ... كفّه للقتال منه أسنّه