وكمامةٍ حدر الصباح قناعها ... عن صفحة تندى من الأزهار
في أبطحٍ رضعت ثغور أقاحه ... أخلاف كلّ غمامةٍ مدرار
نثرت بحجر الأرض فيه يد الصّبا ... درر النّدى ودراهم النّوّار
وقد ارتدى غصن النّقا، وتقلّدت ... حلي الحباب سوالف الأنهار
فحللت حيث الماء صفحة ضاحك ... جذلٍ وحيث الشّطّ بدء عذار
والريح تنفض بكرةً لمم الرّبى ... والطّلّ ينضح أوجه الأشجار
متقسّم الألحاظ بين محسنٍ ... من ردف رابيةٍ وخضر قرار
وأراكة سجع الهديل بفرعها ... والصبح يسفر عن جبين نهار
هزّت له أعطافها ولربّما ... خلعت عليه ملاءة الأنوار وقوله (١) :
سقياً ليوم قد أنخت بسرحةٍ ... ريّا تلاعبها الرياح فتلعب
سكرى يغنّيها الحمام فتنثني ... طرباً ويسقيها الغمام فتشرب
يلهو فترفع للشبيبة رايةٌ ... فيه، ويطلع للبهارة كوكب
والروض وجهٌ أزهرٌ، والظلّ فر ... عٌ أسودٌ، والماء ثغرٌ أشنب
في حيث أطربنا الحمام عشيّةً ... فشدا يغنّينا الحمام المطرب
واهتزّ عطف الغصن من طرب بنا ... وافترّ عن ثغر الهلال المغرب
فكأنّه والحسن مقترنٌ به ... طوقٌ على برد الغمامة مذهب
في فتيةٍ تسري فينصدع الدّجى ... عنها، وتنزل بالجديب فيخصب
كرموا فلا غيث السّماحة مخلفٌ ... يوماً، ولا برق اللطافة خلّب
من كل أزهر للنعيم بوجهه ... ماء يرقرقه الشّباب فيسكب وقال يمدح الأمير أبا يحيى بن ابراهيم (٢) :
стр. 702
سمح الخيال على النوى بمزار ... والصبح يمسح عن جبين نهار
فرفعت من ناري لضيف طارق ... يعشو إليها من خيال طاري
ركب الدّجى أحسن به من مركبٍ ... وطوى السّرى أحسن به من ساري
وأناخ حيث دموع عيني منهل ... يروي، وحيث حشاي موقد نار
وسقى فأروى غلّة من ناهل (١) ... أورى بجانحتيه زند أوار
يلوي الضلوع من الولوع لخطرة ... من شيم برق أو شميم عرار
مترقّبٌ رسل الرياح عشيّةً ... بمساقط الأنواء والأنوار
ومجرّ ذيل غمامة لبست به ... وشي الحباب معاطف الأنهار
خفقت ظلال الأيك فيه ذوائباً ... وارتجّ ردفاً مائج (٢) التّيّار
ولوى القضيب هناك جيداً أتلعاً ... قد قبّلته مباسم النّوّار
باكرته والغيم قطعة عنبر ... مشبوبةٌ والبرق لفحة نار
والريح تلطم فيه أرداف الرّبى ... لعباً وتلثم أوجه الأزهار
ومنابر الأشجار قد قامت بها ... خطباء مفصحةٌ من الأطيار
في فتية جنبوا العجاجة ليلةً ... ولربّما سفروا عن الأقمار
ثار القتام بهم دخاناً وارتمى ... زند الحفيظة منهم بشرار
شاهدت من هيئاتهم وهباتهم ... إشراف أطوادٍ وفيض بحار
من كلّ منتقبٍ بوردة خجلة ... كرماً ومشتمل بثوب وقار
في عمّةٍ خلعت عليه للمّةٍ ... وذؤابة قرنت بها لعذار
ضافي رداء المجد طمّاح العلا ... طامي عباب الجود رحب الدار
стр. 703
جرّار أذيال المعالي والقنا ... حامي الحقيقة والحمى والجار
طرد القنيص بكلّ قيد طريدةٍ ... زجل الجناح مورّد الأظفار
ملتفّة أعطافه بجبيرةٍ ... مكحولة أجفانه بنضار
يرمى به الأمل القصيّ فينثني ... مخضوب راء (١) الظّفر والمنقار
وبكلّ نائي الشّوط أشدق أخزر ... طاوي الحشا حالي المقلّد ضاري
يفترّ عن مثل النّصال (٢) ، وإنّما ... يمشي على مثل القنا الخطّار
مستقرياً أثر القنيص على الصّفا ... والليل مشتمل بشملة قار
من كلّ مسودّ تلهّب طرفه ... ترميك فحمته بشعلة نار
ومورّس السّربال يخلع قدّه ... عن نجم رجمٍ في سماء غبار
يستنّ في سطر الطريق وقد عفا ... قدماً فتقرأ أحرف الآثار
عطف الضمور سراته فكأنّه ... والنّقع يحجبه هلال سرار
ولربّ روّاغٍ هنالك أنبطٍ ... ذلق المسامع أطلس الأطمار
يجري على حذر فيجمع بسطه ... يهوي فينعطف انعطاف سوار
ممتدّ حبل الشأو يعسل رائغاً ... فيكاد يفلت أيدي الأقدار
وعنا الزمان لأمره فكأنما ... أصغى الزمان به أمار
متردّد يرمي به خوف الرّدى ... كرة تهادتها أكفّ قفار
ولربّ طيّارٍ خفيفٍ قد جرى ... فشلاً بجارٍ خلفه طيّار
من كلّ قاصرة الخطا مختالة ... مشي الفتاة تجرّ فضل إزار
مخضوبة المنقار تحسب أنّها ... كرعت على ظمإ بكأس عقار
ولو استجارت منهما بحمى أبي ... يحيى لآمنها أعزّ جوار
خدم القضاء مراده فكأنّما ... ملكت يداه أعنّة الأقدار
وجلا الإمارة في رفيف نضارةٍ ... جلت الدّجى في حلّة الأنوار
стр. 704
في حيث وشّح لبّةً بقلادةٍ ... منها وحلّى معصماً بسوار
جذلان يملأ منحةً وبشاشةً ... أيدي العفاة وأعين الزّوّار
أرج النّديّ بذكره فكأنّه ... متنفّسٌ عن روضةٍ معطار
بطل حوى الفلك المحيط بسرجه ... واستلّ صارمه يد المقدار
بيمينه يوم الوغى وشماله ... ما شاء من نارٍ ومن إعصار
والسّمر حمرٌ (١) ، والجياد عوابسٌ ... والجوّ كاسٍ، والسيوف عواري
والخيل تعثر في شبا شوك القنا ... قصداً وتسبح في الدم الموّار
والبيض تحنى في الطلى فكأنّما ... تلوى عرىً منها على أزرار
والنقع يكسر من سنا شمس الضحى ... فكأنّه صدأ على دينار
صحب الحسام النّصر صحبة غبطةٍ ... في كفّ صوّالٍ به سوّار
ومضى وقد ملكه هزّة عزّةٍ ... تحت العجاج وضحكة استبشار وقال رحمه الله تعالى (٢) :
وأراكةٍ ضربت سماء فوقنا ... تندى وأفلاك الكؤوس تدار
حفّت بدوحتها مجرّة جدولٍ ... نثرت عليه نجومها الأزهار
وكأنّها وكأنّ جدول مائها ... حسناء شدّ بخصرها زنّار
زفّ الزجاج بها عروس مدامةٍ ... تجلى ونوّار الغصون نثار
في روضة جنح الدّجى ظلٌّ بها ... وتجسّمت نوراً بها الأنوار
غنّاء ينشر وشيه البزّاز لي ... فيها ويفتق مسكه العطّار
قام الغناء (٣) بها وقد نضح النّدى (٤) ... وجه الثرى واستيقظ النّوّار
стр. 705
والماء في حلي الحباب مقلّد ... زرّت عليه جيوبها الأشجار وقال ملتزماً ما لا يلزم (١) :
خذها إليك وإنّها لنضيرة ... طرأت إليك قليلة النّظراء
حملت وحسبك بهجةً من نفحةٍ (٢) ... عبق العروس وخجلة العذراء
من كل وارسة القميص كأنّما ... نشأت تعلّ بريقة الصّفراء
نجمت تروق بها نجوماً حسبها (٣) ... بالأيكة الخضراء من خضراء
وأتتك تسفرعن وجوهٍ طلقةٍ ... وتنوب من لطفٍ عن الشعراء
يندى بها وجه النّدى ولربّما ... بسطت هناك أسرّة (٤) السرّاء
فاستضحكت وجه الدجى مقطوعة ... حملت جمال الغرّة الغرّاء وقال أيضاً (٥) :
وصدر نادٍ نظمنا ... له القوافي عقدا
في منزل قد سحبنا ... بظلّه العزّ بردا
تذكو به الشّهب جمراً ... ويعبق الليل ندّا
وقد تأرّج نورٌ ... غضٌّ يخالط وردا
كما تنفّس ثغرٌ ... عذبٌ يقبّل خدّا وقال من قصيدة يصف منتزهاً (٦) :
стр. 706
يا ربّ وضّاح الجبين كأنّما ... رسم العذار بصفحتيه كتاب
تغرى بطلعته العيون مهابةً ... وتبيت تعشق عقله الألباب
خلعت عليه من الصباح غلالة ... تندى ومن شفق المساء (١) نقاب
فكرعت من ماء الصّبا في منهلٍ ... قد شفّ عنه من القميص سراب
في حيث للريح الرّخاء تنفّسٌ ... أرجٌ، وللماء الفرات عباب (٢)
ولربّ غضّ الجسم مدّ بحوضه (٣) ... سبحاً كما شقّ السّماء شهاب
ولقد أنخت بشاطئيه يهزّني ... طرباً شبابٌ راقني وشراب
وبكيت (٤) دجلته يضاحكني بها ... مرحاً حبيبٌ شاقني وحباب
تجلى من الدنيا عروسٌ بيننا ... حسناء ترشف والمدام رضاب
ثم ارتحلت وللنهار ذؤابةٌ ... شيباء تخضب والظلام (٥) خضاب
تلوي معاطفي الصبابة والصّبا ... والليل دون الكاشحين حجاب وقال (٦) :
مرّ بنا وهو بدر تمّ ... يسحب من ذيله سحابا
بقامةٍ تنثني قضيباً ... وغرّةٍ تلتظي شهابا
يقرأ والليل مدلهمّ ... لنور إجلائه كتابا
وربّ ليل سهرت فيه ... أزجر من جنحه غرابا (٧)
حتى إذا الليل مال سكراً ... وشقّ سرباله وجابا
стр. 707
وحام من سدفةٍ غرابٌ ... طالت به سنّه (١) فشابا
ازددت من لوعتي خبالاً ... فحثّ من غلّتي شرابا
وما خطا قادماً فوافى ... حتى انثنى ناكصاً فآبا
وبين جفنيّ بحر شوقٍ ... يعبّ في وجنتي عبابا
قد شبّ في وجهه شعاع ... وشبّ عن قلبي التهابا
وروضة طلقة حياء ... غنّاء مخضرّة جنابا
ينجاب عن نورها كمامٌ ... يحطّ عن وجهه نقابا
بات بها مبسم الأقاحي ... يرشف من طلّها رضابا
ومن خفوق البروق فيها ... ألويةٌ حمّرت خضابا
كأنّها أنملٌ واردٌ ... تحصر قطر الحيا حسابا وله أيضاً (٢) :
رحلت عنكم ولي فؤادٌ ... تنقض أضلاعه حنينا
أجود فيكم بعلق دمع ... كنت به قبلكم ضنينا
يثور في وجنتيّ جيشاً ... وكان في جفنه كميناً
كأنني بعدكم شمال ... قد فارقت منكم يمينا وقال (٣) :
فيا لشجا صدر (٤) من الصبر فارغٍ ... ويا لقذى طرفٍ من الدمع ملآن
ونفسٍ إلى جوّ الكنيسة صبّةٍ ... وقلبٍ إلى أفق الجزيرة حنّان
стр. 708
تعوّضت من واهاً بآهٍ ومن هوىً ... بهونٍ ومن إخوان صدق بخوّان
وما كلّ بيضاءٍ تروق بشحمةٍ ... وما كلّ مرعىً ترتعيه بسعدان
فيا ليت شعري هل لدهري عطفةً ... فتجمع أوطاري عليّ وأوطاني
ميادين أوطاري ولذة لذتي ... ومنشأ تهيامي وملعب غزلاني
كأن لم يصلني في ظبيٌ يقوم لي ... لماه وصدغاه براحي وريحاني
فسقياً لواديهم وإن كنت إنّما ... أبيت لذكراه بغلّة ظمآن
فكم يوم لهوٍ قد أدرنا بأفقه ... نجوم كؤوسٍ بين أقمار ندمان
شطر أول ... شطر ثاني
وللقضب والأطيار ملهىً بجزعه (١) ... فما شئت من رقصٍ على رجع ألحان
وبالحضرة الغرّاء غرٌّ (٢) علقته ... فأحببت حبّاً فيه قضبان نعمان
رقيق الحواشي في محاسن وجهه ... ومنطقه مسلى قلوبٍ وآذان
أغار لخدّيه على الورد كلما ... بدا ولعطفيه على غصن البان
وهبني أجني ورد خدّ بناظري ... فمن اين لي منه بتفّاح لبنان
يعللني منه بموعد رشفةٍ ... خيالٌ له يغري بمطلٍ وليّان
حبيب عليه لجّة من صوارم ... علاها حبابٌ من أسنّة مرّان
تراءى لنا في مثل صورة يوسفٍ ... تراءى لنا في مثل ملك سليمان
طوى برده منها صحيفة فتنةٍ ... قرأنا لها من وجهه سطر عنوان
محبّته ديني ومثواه كعبتي ... ورؤيته حجّي وذكراه قرآني وقال أيضاً رحمه الله تعالى (٣) :
وليلٍ تعاطينا المدام وبيننا ... حديثٌ كما هبّ النسيم على الورد
نعاوده والكأس يعبق نفحه (٤) ... وأطيب منها ما نعيد وما نبدي
стр. 709
ونقلي أقاح الثّغر أو سوسن الطّلى ... ونرجسة الأجفان أو وردة الخدّ
إلى أن سرت في جسمه الكاس والكرى ... ومالا بعطفيه فمال على عضدي
فأقبلت أستهدي لما بين أضلعي ... من الحرّ ما بين الثّنايا (١) من البرد
وعاينته قد سلّ من وشي برده ... فعانقت منه السيف سلّ من الغمد
ليان مجسّ واستقامة قامةٍ ... وهزّة أعطافٍ ورونق إفرند
أغازل منه الغصن في مغرس النّقا ... وألثم وجه الشمس في مطلع السعد
فإن لم يكنها أو تكنه فإنّه ... أخوها كما قدّ الشراك من الجلد
تسافر كلتا راحتيّ بجسمه ... فطوراً إلى خصرٍ وطوراً إلى نهد
فتهبط من كشحيه كفٌّ (٢) تهامةً ... وتصعد من نهديه أخرى إلى نجد وقال أيضاً (٣) :
ورداء ليل بات فيه معانقي ... طيفٌ ألمّ لظبية (٤) الوعساء
فجمعت بين رضابه وشرابه ... وشربت من ريق ومن صهباء
ولثمت في ظلماء ليلة وفره ... شفقاً هناك لوجنةٍ حمراء
والليل مشمطّ الذوائب (٥) كبرةً ... خرف يدبّ على عصا الجوزاء
ثمّ انثنى والصبح يسحب فرعه ... ويجرّ من طربٍ فضول رداء
تندى بفيه أقحوانة أجرعٍ ... قد غازلتها الشمس غبّ سماء
وتميس في أثوابه ريحانة ... كرعت على ظمإ بجدول ماء
نفّاحة الأنفاس إلا أنّها ... حذر النّدى خفّاقة الأفياء
стр. 710
فلويت معطفها اعتناقاً حسبنا (١) ... فيه بقطر الدّمع من أنواء [قصيدتان لابن سعيد]
وكان المعتمد بن عباد رحمه الله تعالى كثيراً ما ينتاب وادي الطلح مع رميكيته، وأولي أنسه ومسرته، وهو واد بشرف إشبيلية ملتفّ الأشجار، كثير ترنم الأطيار، وفيه يقول نور الدين ابن سعيد:
سائل بوادي الطّلح ريح الصّبا ... هل سخّرت لي من زمان (٢) الصّبا
كانت رسولاً فيه ما بيننا ... لن نأمن الرّسل ولن نكتبا
يا قاتل الله أناساً إذا ... ما استؤمنوا خانوا فما أعجبا
هلاّ راعوا أنّا وثقنا بهم ... وما اتّخذنا عنهم مذهبا
يا قاتل الله الذي لم يتب ... من غدرهم من بعد ما جرّبا
واليمّ لا يعرف ما طعمه ... إلاّ الذي وافى لأن يشربا
دعني من ذكر الوشاة الألى ... لمّا يزل فكري بهم ملهبا
واذكر بوادي الطلح عهداً لنا ... لله ما أحلى وما أطيبا
بجانب العطف وقد مالت ال ... أغصان والزهر يبثّ الصّبا
والطير مازت بين ألحانها ... وليس إلا معجباً مطربا
وخانني من لا أسميه من ... شحّ أخاف الدهر أن يسلبا
قد أترع الكأس وحيّا بها ... وقت أهلاً بالمنى مرحبا
أهلاً وسهلاً بالذي شئته ... يا بدر تمّ مهدياً كوكبا
لكنّني آليت أسقى بها ... أو تود عنها ثغرك الأشنبا
فمجّ لي في الكأس منثغره ... ما حبّب الشرب وما طيّبا
стр. 711
وقال ها لثمي نقلاً ولا ... تشمّ إلا عرفي الأطيبا (١)
واقطف بخدّي الورد والآس (٢) وال ... نّسرين لا تحفل بزهر الرّبى
أسعفته غصناً غدا مثمراً ... ومن جناه ميسه قرّبا
قد كنت ذا نهيٍ وذا إمرةٍ ... حتى تبدّى فحللت الحبا
ولم أصن عرضي في حبّه ... ولم أطع فيه الذي أنّبا
حتى إذا ما قال لي حاسدٌ ... ترجوه والكوكب أن يغربا
أرسلت من شعري سحراً له ... ييسّر المرغب والمطلبا
وقال عرّفه بأنّي سأح ... تال فما أجتنب المكتبا
فزاد في شوقي له وعده ... ولم أزل مقتعداً (٣) مرقبا
أمدّ طرفي ثم أثنيه من ... خوف أخي التنغيص أن يرقبا
أصدّق الوعد وطوراً أرى ... تكذيبه والحرّ لن يكذبا
أتى ومن سخّره بعدما ... أيأس (٤) بطءٌ كاد أن يغضبا
قبلت في الترب ولم أستطع ... من حصر اللّقيا سوى مرحبا
هنأت ربعي إذ غدا هالةً ... وقلت يا من لم يضع أشعبا
بالله مل معتنقاً لاثماً ... فمال كالغصن ثنته الصّبا
فقال ما ترغب قلت اتّئد ... أدركت إذ كلّمتني المرغبا (٥)
فقال لا مذهب (٦) عن ذكر ما ... ترغبه قلت إذن مركبا
وكان ما كان فوالله ما ... ذكرته دهري أو أغلبا
стр. 712
وستأتي هذه القصيدة بكاملها (١) في جملة من نظم ابن سعيد المذكور (٢) .
وقال يتشوق إلى إشبيلية، وهو حمص الأندلس:
أنّ الخليج وغنّت الورقاء ... هل برّحا إذ هاجت البرحاء
أنا منكما أولى بحلية عاشقٍ ... أفنى وما نمّت بي الصعداء
أخشى الوشاة فما أفوه بلفظةٍ ... والكتم عند العاشقين عناء
لولا تشوّق أرض حمصٍ ما جرى ... دمعي ولا شمتت بي الأعداء
لم أستطع كتماً له فكأنّني ... ما كان لي كتمٌ ولا إخفاء
والبدر مهما رام كتماً من سرى ... فيه ينمّ على سراه ضياء
بلدٌ متى يخطر له ذكرٌ هفا ... قلبي وخان تصبّرٌ وعزاء
من بعده ما الصبح يشرق نوره ... عندي، ولا تتبدّل الظلماء
كم لي به من ذي وفاء لم يخن ... عهدي، وينمو بالوداد وفاء
فتراه إما مرّ ذكري سائلاً (٣) ... عن حالتي إن قلّت الأنباء
يمسي ويصبح في تذكّر مدّة ... يرضى بها الإصباح والإمساء
مع كل مبذول الوصال ممنّعٍ ... من غيرنا تسمو به الخيلاء
كالظبي، كالشمس المنيرة، كالنّقا ... كالغصن يثني معطفيه رخاء
يسعى براح كالشهاب، براحة ... كالبدر، والوجه المنير ذكاء
ما لان نحو الوصل حتى طال من ... هـ الهجر واتّصلت به البلواء
خير المحبّة ما تأتّت عن قلىً ... تدرى ببؤس الفاقة النّعماء
ما زلت أرقي بالقريض جنونه ... حتى استكان، وكان منه إباء
فظفرت منه بمدّة لو أنّها ... دامت لدامت لي بها السّرّاء
стр. 713
صفوٌ تكدّر بالتحرّك، ليته ... ما زال (١) ، لكن لا يردّ قضاء
إنّ الفراق هو المنيّة، إنّما ... أهل النّوى ماتوا وهم أحياء
لولا تذكّر لذّةٍ طابت لنا ... بذرا الجزيرة حيث طاب هواء
وجرى النسيم على الخليج معطّراً ... وتبدّدت في الدّوحة الأنداء
ما كابدت نفسي أليم تفكّر ... ألوى به عن جفني الإغفاء (٢)
يا نهر حمصٍ لا عدتك مسرّةٌ ... ماءٌ يسيل لديك أم صهباء
كلّ النفوس تهشّ فيك كأنّما ... جمعت عليك شتاتها الأهواء
ودّي إليك مع الزمان مجدّدٌ ... ما إن يحول تذكّرٌ وعناء
ولو أنّني لم أحي ذكراً للّذي ... أوليته ما كان فيّ حياء
ما كنت أطمع في الحياة لو أنني ... ألقيت أن لا يسترو لقاء
غيري إذا ما بان حان، وإنّما ... أبقى حياتي، حين بنت، رجاء وسيأتي إن شاء الله تعالى لهذا النمط وغيره مزيد أثناء الكتاب، بحسب ما اقتضته المناسبة، والله تعالى المرجو في حسن المتاب، وهو سبحانه لا إله إلا هو الموفّق للصواب (٣) .
تم المجلد الأول
стр. 714
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الخامس
في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق
الزاكية العرار والبشام ومدح جماعة من أولئك الأعلام، ذوي العقول
الراجحة والأحلام، لشامة وجنة الأرض دمشق الشام، وما اقتضته
المناسبة من كلام أعيانها، وأرباب بيانها، ذوي السؤدد والاحتشام،
ومخاطباتهم للفقير المؤلف حين حلّها سنة ألف وسبع وثلاثين للهجرة،
وشاهد برق فضلها المبين وشام
واعلم - جعلني الله تعالى وإياك ممن له للمذهب الحق انتحال - أنّ حصر أهل الارتحال، لا يمكن بوجه ولا بحال، ولا يعلم ذلك على الإحاطة إلا علام الغيوب الشديد المحال، ولو أطلقنا عنان الأقلام فيمن عرفناه فقط من هؤلاء الأعلام، لطال الكتاب وكثر الكلام، ولكنّا نذكر منهم لمعاً على وجه التوسط من غير إطناب داع إلى الملال واختصار مؤدّ للملام، فنقول مستمدين من واهب العقول:
١ - منهم عالم الأندلس عبد الملك بن حبيب السّلمي (١) : وقد عرف به القاضي عياض في المدارك وغير واحد، ورأيت في بعض التواريخ أن تواليفه
стр. 715
بلغت ألفاً، ومن أشهرها كتاب الواضحة في مذهب مالك، كتاب كبير مفيد، ولابن حبيب مذهب في كتب المالكية مسطور، وهو مشهور عند علماء المشرق، وقد نقل عنه الحافظ ابن حجر وصاحب المواهب وغيرهما.
ومن نظمه يخاطب سلطان الأندلس (١) :
لا تنس لا ينسك الرحمن عاشورا ... واذكره لا زلت في التاريخ مذكورا
قال النّبيّ صلاة الله تشمله ... قولاً وجدنا عليه الحقّ والنورا
فيمن يوسّع في إنفاق موسمه ... أن لا يزال بذاك العام ميسورا وهذا البيت الثالث نسيت لفظه فكتبته بالمعنى والوزن إذ طال عهدي به، والله تعالى أعلم.
وقال الفتح في المطمح (٢) : الفقيه العالم أبو مروان عبد الملك بن حبيب السّلمي، أي شرف لأهل الأندلس ومفخر، وأي بحر بالعلوم يزخر (٣) ، خلدت منه الأندلس فقيهاً عالماً، أعاد مجاهل جهلها معالماً، وأقام فيها للعلوم سوقاً (٤) نافقة، ونشر منها ألويةً خافقة، وجلا عن الألباب صدأ الكسل، وشحذها شحذ الصّوارم والأسل، وتصرف في فنون العلوم، وعرف كل معلوم، وسمع بالأندلس وتفقّه، حتى صار أعلم من بها وأفقه، ولقي أنجاب مالك، وسلك من مناظرتهم أوعر المسالك، حتى أجمع عليه الاتفاق، ووقع على تفضيله الإصفاق، ويقال: إنّه لقي مالكاً آخر عمره، وروى عنه عن سعيد
стр. 716
ابن المسيّب أن سليمان بن داود، صلى الله عليهما وسلّم، كان يركب إلى بيت المقدس فيتغدّى به، ثم يعود فيتعشّى بإصطخر، وله في الفقه كتاب الواضحة، ومن أحاديثه غرائب، قد تحلّت بها للزمان نحورٌ وترائب.
وقال محمد بن لبابة (١) : فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها عبد الملك ابن حبيب، وراويها يحيى بن يحيى. وكان عبد الملك قد جمع إلى علم الفقه والحديث علم اللغة والإعراب، وتصرف في فنون الآداب، وكان له شعر يتكلم به متبحراً، ويرى ينبوعه بذلك متفجراً، وتوفّي بالأندلس في رمضان سنة ٢٣٨ وهو ابن ثلاث وخمسين سنة بعدما جال في الأرض، وقطع طولها والعرض، وجال في أكنافها، وانتهى إلى أطرافها.
ومن شعره قوله:
قد طاح أمري والذي أبتغي ... هينٌ على الرحمن في قدرته
ألفٌ من الحمر وأقلل بها ... لعالمٍ أربى على بغيته
زرياب قد أعطيها جملةً (٢) ... وحرفتي أشرف من حرفته وكتب إلى الزجاليّ (٣) رسالة وصلها بهذه الأبيات:
كيف يطيق الشّعر من أصبحت ... حالته اليوم كحال الغرق
стр. 717
والشّعر لا يسلس إلاّ على ... فراغ قلبٍ واتّساع الخلق
فاقنع بهذا القول من شاعرٍ ... يرضى من الحظّ بأدنى العنق
فضلك قد بان عليه كما ... بان لأهل الأرض ضوء الشّفق
أمّا ذمام الودّ منّي لكم ... فهو من المحتوم فيما سبق ولم يكن له علم بالحديث يعرف به صحيحه من معتلّه، ولا يفرق بين مستقيمه ومختلّه، وكان غرضه الإجازة، وأكثر رواياته غير مستجازة، قال ابن وضاح: قال إبراهيم بن المنذر: أتى صاحبكم الأندلس - يعني عبد الملك هذا - بغرارة مملوءة، فقال لي: هذا علمك، قلت له: نعم، ما قرأ عليّ منه حرفاً ولا قرأته عليه. وحكي أنّه قال في دخوله المشرق وحضر مجلس بعض الأكابر فازداره من رآه:
لا تنظرنّ إلى جسمي وقلّته ... وانظر لصدري وما يحوي من السنن
فربّ ذي منظر من غير معرفة ... وربّ من تزدريه العين ذو فطن
وربّ لؤلؤةٍ في عين مزبلةٍ ... لم يلق بالٌ لها إلاّ إلى زمن انتهى ما في المطمح الصغير.
قلت: أمّا ما ذكره من عدم عرفته بالحديث فهو غير مسلّم، وقد نقل عنه غير واحد من جهابذة المحدّثين، نعم لأهل الأندلس غرائب لم يعرفها كثير من المحدثين، حتى إن في شفاء عياض أحاديث لم يعرف أهل المشرق النّقّاد مخرجها، مع اعترافهم بجلالة حفّاظ الأندلس الذين نقلوها كبقيّ ابن مخلد وابن حبيب وغيرهما على ما هو معلوم. وأمّا ما ذكره عنه في الإجازة بما في الغرارة فذلك على مذهب من يرى الإجازة، وهو مذهب مستفيض، واعتراض من اعترض عليه إنّما هو بناء على القول بمنع الإجازة، فاعلم ذلك، والله سبحانه الموفّق.
стр. 718
٢ - ومن الراحلين من الأندلس الفقيه المحدث يحيى بن يحيى الليثي (١) راوي الموطّأ عن مالك، رضي الله تعالى عنه، ويقال: إن أصله من برابر مصمودة (٢) . وحكي (٣) أنّه لما ارتحل إلى مالك لازمه، فبينما هو عنده في مجلسه مع جماعة من أصحابه إذ قال قائل: حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلّهم، ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: ما لك لم تخرج وليس الفيل في بلادك فقال: إنّما جئت من الأندلس لأنظر إليك، وأتعلّم من هديك وعلمك، ولم أكن لأنظر إلى الفيل، فأعجب به مالك، وقال: هذا عاقل الأندلس، ولذلك قيل (٤) : إن يحيى هذا عاقل الأندلس (٥) ، وعيسى بن دينار فقيهها، وعبد الملك بن حبيب عالمها، ويقال: إن يحيى راويها ومحدّثها، وتوفّي يحيى بن يحيى سنة ٢٣٤ برجب، وقبره يستسقى به بقرطبة، وقيل: إن وفاته في السنة التي قبلها، والله تعالى أعلم.
وروايته الموطّأ (٦) مشهورة، حتى إن أهل المشرق الآن يسندون الموطّأ من روايته كثيراً، مع تعدّد رواة الموطّأ، والله أعلم. وكان يحيى بن يحيى روى الموطّأ بقرطبة عن زياد بن عبد الرحمن اللخميّ المعروف بشبطون، وسمع من يحيى بن مضر القيسي الأندلسي، ثم ارتحل إلى المشرق وهو ابن ثمان وعشرين سنة، فسمع من مالك بن أنس الموطّأ غير أبواب في كتاب الاعتكاف، شكّ في سماعها، فأثبت روايته فيها عن زياد، وذلك ممّا يدلّ على ورعه.
وسمع بمصر من اللّيث بن سعد، وبمكة من سفيان بن عيينة، وتفقه
стр. 719
بالمدنيين والمصريين كعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم العتقي (١) ، وسمع منهما، وهما من أكابر أصحاب مالك، بعد انتفاعه بمالك وملازمته له.
وانتهت إليه الرياسة بالأندلس، وبه اشتهر مذهب مالك في تلك الديار، وتفقه به جماعة لا يحصون عدداً، وروى عنه خلق كثير، وأشهر رواة الموطّإ وأحسنهم روايةً يحيى المذكور، وكان - مع أمانته ودينه - معظّماً عند الأمراء، يكنّى عندهم، عفيفاً عن الولايات متنزهاً، جلّت رتبته عن القضاء، وكان أعلى من القضاة قدراً عند ولاة الأمر بالأندلس لزهده في القضاء وامتناعه.
قال الحافظ ابن حزم (٢) : مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولي القضاء أبو يوسف كانت القضاة من قبله من أقصى المشرق إلى أقصى عمل إفريقية، فكان لا يولي إلاّ أصحابه والمنتسبين لمذهبه، ومذهب مالك عندنا بالأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكيناً عند السلطان مقبول القول في القضاة، وكان لا يلي قاضٍ في أقطار بلاد الأندلس إلاّ بمشورته واختياره، ولا يشير إلاّ بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به، على أن يحيى لم يل قضاء قطّ، ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائداً في جلالته عندهم، وداعياً إلى قبول رأيه لديهم، انتهى.
وذكرنا في غير هذا الموضع قولاً آخر في سبب انتشار مذهب مالك بالأندلس، والله سبحانه أعلم بحقيقة الأمر، انتهى.
وقال ابن أبي الفياض (٣) : جمع الأمير عبد الرحمن بن الحكم الفقهاء في
стр. 720
قصره، وكان وقع على جارية يحبها في رمضان، ثم ندم أشدّ ندم، فسألهم عن التوبة والكفّارة، فقال يحيى: تكفّر بصوم شهرين متتابعين، فلمّا بادر يحيى بهذه الفتيا سكت الفقهاء حتى خرجوا، فقال بعضهم له: لم لم تفت بمذهب مالك بالتخيير فقال: لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور لئلاّ يعود.
وقال بعض المالكية: إن يحيى ورّى بهذا، ورأى أنّه لم يملك (١) شيئاً إذ هو مستغرق الذمّة فلا عتق له ولا طعام، فلم يبق إلاّ الصيام، انتهى.
ولمّا انفصل يحيى عن مالك ووصل إلى مصر رأى ابن القاسم يدوّن سماعه من مالك، فنشط للرجوع إلى مالك ليسمع منه المسائل التي رأى ابن القاسم يدوّنها، فرحل رحلة ثانية، فألفى مالكاً عليلاً، فأقام عنده إلى أن مات وحضر جنازته، فعاد إلى ابن القاسم وسمع منه سماعه من مالك، هكذا ذكره ابن الفرضي في تاريخه (٢) ، وهو ممّا يردّ الحكاية المشهورة الآن بالمغرب أن يحيى سأل مالكاً عن زكاة التين، فقال له: لا زكاة فيها، فقال: إنّها تدّخر عندنا، ونذر إن وصل إلى الأندلس أن يرسل لمالكٍ سفينة مملوءة تيناً، فلمّا وصل أرسلها فإذا مالك قد مات، انتهى.
قال ابن الفرضي (٣) : ولمّا انصرف يحيى إلى الأندلس كان إمام وقته، وواحد بلاده، وكان ممّن اتهم بالهيج (٤) في وقعة الرّبض المشهورة ففرّ إلى طليطلة ثم استأمن فكتب له الأمير الحكم أماناً، وانصرف إلى قرطبة.
وقيل (٥) : لم يعط أحد من أهل الأندلس منذ دخلها الإسلام ما أعطي يحيى من الحظوة وعظم القدر، وجلالة الذكر.
стр. 721
وقال ابن بشكوال (١) : إن يحيى بن يحيى كان مجاب الدعوة، وإنّه أخذ في سمته وهيئته ونفسه ومقعده هيئات مالك.
ويحكى عنه أنّه قال (٢) : أخذت بركاب الليث بن سعد، فأراد غلامه أن يمنعني، فقال: دعه، ثم قال لي الليث: خدمك العلم؛ فلم تزل بي الأيام حتى رأيت مالكاً، انتهى.
٣ - ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن [أبي] عيسى (٣)
قال في المطمح (٤) : من بني يحيى بن يحيى الليثي، وهذه ثنية علمٍ وعقل، وصحة ضبط ونقل، كان علم الأندلس، وعالمها النّدس، ولي القضاء بقرطبة بعد رحلة رحلها إلى المشرق، وجمع فيها من الروايات والسماع كل مفترق، وجال في آفاق ذلك الأفق، لا يستقرّ في بلد، ولا يستوطن في جلد (٥) ، ثم كرّ إلى الأندلس فسمت رتبته، وتحلّت بالأماني لبّته، وتصرف في ولايات أحمد فيها منابه، واتصلت بسببها بالخليفة أسبابه، وولاه القضاء بقرطبة فتولاه بسياسة محمودة، ورياسة في الدين مبرمة القوى مجهودة، والتزم فيها الصّرامة في تنفيذ الحقوق، والحزامة في إقامة الحدود، والكشف عن البيّنات في السر، والصّدع بالحق في الجهر، لم يستمله مخادع، ولم
стр. 722
يكده مخاتل، ولم يهب ذا حرمة، ولا داهن ذا مرتبة، ولا أغضى لأحد من أسباب السلطان (١) وأهله، حتى تحاموا جانبه، فلم يجسر أحد منهم عليه، وكان له نصيب وافر من الأدب، وحظ من البلاغة إذا نظم وإذا كتب.
ومن ملح شعره ما قاله عند أوبته عن غربته (٢) :
كأن لم يكن بينٌ ولم تك فرقةٌ ... إذا كان من بعد الفراق تلاق
كأن لم تؤرّق بالعراقين مقلتي ... ولم تمر كفّ الشّوق ماء مآقي
ولم أزر الأعراب في جنب أرضهم ... بذات اللّوى من رامةٍ وبراق
ولم اصطبح بالبيد من قهوة النّدى ... وكأسٍ سقاها في الأزاهر ساق وله أيضاً (٣) :
ماذا أكابد (٤) من ورق مغرّدةٍ ... على قضيبٍ بذات الجزع ميّاس
ردّدن شجواً شجا قلب الخليّ فهل ... في عبرة ذرفت في الحب من باس
ذكّرنه الزمن الماضي بقرطبةٍ ... بين الأحبّة في أمنٍ (٥) وإيناس
هم الصبابة لولا همّةٌ شرفت ... فصيّرت قلبه كالجندل القاسي وله أخبار تدل على رقة العراق، والتغذي بماء تلك الآفاق: فمنها أنّه خرج إلى حضور جنازة بمقابر قريش، ورجل من بني جابر (٦) كان يواخيه له منزل هناك، فعزم عليه في الميل إلي، وعلى أخيه فنزلا عليه، فأحضر لهما طعاماً، وأمر جارية له بالغناء، فغنّت:
стр. 723
طابت بطيب لثاتك الأقداح ... وزهت بحمرة خدّك التّفّاح
وإذا الرّبيع تنسّمت أرواحه ... طابت بطيب نسيمك الأرواح (١)
وإذا الخنادس لبست ظلماءها ... فضياء وجهك في الدجى مصباح فكتبها القاضي في ظهر يده، وخرج من عنده، قال يونس بن عبد الله (٢) : فلقد رأيته يكبّر للصلاة على الجنازة والأبيات مكتوبةٌ على ظهر كفّه.
وكان، رحمه الله تعالى، في غاية اللطف، حكى بعض أصحابه قال (٣) : ركبنا معه في موكب حافل من وجوه الناس، إذ عرض لنا فتىً متأدّب قد خرج من بعض الأزقّة سكران يتمايل، فلمّا رأى القاضي هابه وأراد الانصراف فخانته رجلاه، فاستند إلى الحائط وأطرق، فلمّا قرب القاضي رفع رأسه وأنشأ يقول:
ألا أيّها القاضي الذي عمّ عدله ... فأضحى به بين الأنام فريدا
قرأت كتاب الله تسعين مرّةً ... فلم أر فيه للشراب حدودا
فإن شئت جلداً لي فدونك منكباً ... صبوراً على ريب الزّمان جليدا
وإن شئت أن تعفو تكن لك منّةٌ ... تروح بها في العالمين حميدا
وإن أنت تختار الحديد فإنّ لي ... لساناً على هجو الزّمان حديدا فلمّا سمع شعره وميّز أدبه أعرض عنه وترك الإنكار عليه، ومضى لشأنه؛ انتهى ملخّصاً من المطمح.
ورأيت بخطي في بعض مسوّداتي ما صورته (٤) : محمد بن عبد الله بن يحيى ابن يحيى الليثي قاضي الجماعة بقرطبة، سمع عمّ أبيه عبيد الله (٥) بن يحيى ومحمد
стр. 724
ابن عمر بن لبابة وأحمد بن خالد، ورحل من قرطبة سنة ٣١٢، ودخل مصر وحجّ وسمع بمكّة من ابن المنذر والعقيلي وابن الأعرابي وغيرهم؛ وكان حافظاً معتنياً بالآثار جامعاً للسّنن، متصرّفاً في علم الإعراب ومعاني الشعر، شاعراً مطبوعاً؛ وشاوره القاضي أحمد بن بقي، واستقضاه الناصر عبد الرحمن ابن محمد على إلبيرة وبجّانة، ثم ولاّه قضاء الجماعة بقرطبة بعد أبي طالب (١) سنة ٣٢٦، وجمعت له مع القضاة الصلاة، وكان كثيراً ما يخرج إلى الثغور ويتصرّف في إصلاح ما وهى منها، فاعتلّ في آخر خرجاته ومات في بعض الحصون المجاورة لطليطلة سنة ٣٣٧ (٢) ، ومولده سنة ٢٨٤؛ انتهى وأظن أنّي نقلته من كتاب ابن الأبار الحافظ، والله أعلم.
٤ - ومنهم عتيق بن أحمد بن عبد الباقي الأندلسي (٣) ، الدمشقي وفاة، يكنى أبا بكر: نزيل دمشق، كان مشهوراً بالصلاح، وانتفع به جماعة من الفقراء، وولد على ما قيل سنة ٥١٦، وتوفّي سنة ٦١٦ بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية، فيكون عمره على هذا مائة سنة، رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته وبركات أمثاله.
٥ - ومنهم أبة إبراهيم إسماعيل بن محمد بن يوسف الأنصاري الأندلسي الأبّذي، الملقب في البلاد المشرقية ببرهان الدين - وأبّذة، بضم الهمزة وتشديد الباء الموحدة وفتحها وبعدها ذال معجمة، بلد بالأندلس - سمع المذكور بمكّة وغيرها من البلاد، وبدمشق من الحافظ ابن طبرزذ، وأمّ الصخرة، وكان فاضلاً صالحاً شاعراً، توفّي سنة ٦٥٦، وأخبر عن بعض الأولياء المجاورين ببيت المقدس أنّه سمع هاتفاً يقول لما خربت القدس:
стр. 725
إن يكن بالشآم قلّ نصيري ... ثم خرّبت واستمرّ هلوكي
فلقد أثبت الغداة خرابي ... سمر العار في حياة الملوك هكذا رأيته بخط الصفدي " في حياة " ويحتمل أن يكون " في جباه " جمع جبهة، والله أعلم.
٦ - ومنهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي (١) ، قاضي الجماعة بقرطبة، وقد قدمنا جملة من أخباره في الباب الثالث والرابع من هذا القسم، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، ومن مشهور ما جرى له في ذلك قصته في أيتام أخي نجدة (٢) ، وحدّث بها جماعة من أهل العلم والرواية، وهي أن الخليفة الناصر احتاج إلى شراء دار بقرطبة لحظيّة من نسائه تكرم عليه، فوقع استحسانه على دار كانت لأولاد زكريا أخي نجدة، وكانت بقرب النشارين في الرّبض الشرقي منفصلة عن دوره، ويتصل بها حمّام له غلة واسعة، وكان أولاد زكريا أخي نجدة أيتاماً في حجر القاضي، فأرسل الخليفة من قوّمها له بعدد ما طابت نفسه، وأرسل ناساً أمرهم بمداخلة وصي الأيتام في بيعها عليهم، فذكر أنّه لا يجوز إلاّ بأمر القاضي، إذ لم يجز بيع الأصل إلاّ عن رأيه ومشورته، فأرسل الخليفة إلى القاضي منذر في بيع هذه الدار، فقال لرسوله: البيع على الأيتام لا يصح إلاّ لوجوه: منها الحاجة، ومنها الوهي الشديد، ومنها الغبطة، فأمّا الحاجة فلا حاجة لهؤلاء الأيتام إلى البيع، وأمّا الوهي فليس فيها، وأمّا الغبطة فهذا مكانها، فإن أعطاهم أمير المؤمنين فيها ما تستبين به الغبطة أمرت
стр. 726
وصيهم بالبيع، وإلا فلا، فنقل جوابه إلى الخليفة، فأظهر الزهد في شراء الدار طمعاً أن يتوخّى رغبته (١) فيها، وخاف القاضي أن تنبعث منه عزيمة تلحق الأيتام سورتها، فأمر وصيّ الأيتام بنقض الدار وبيع أنقاضها، ففعل ذلك وباع الأنقاض، فكانت لها قيمة أكثر ممّا قومت به للسلطان، فاتصل الخبر به، فعز عليه خرابها، وأمر بتوقيف الوصي على ما أحدثه فيها، فأحال الوصي على القاضي أنّه أمره بذلك، فأرسل عند ذلك للقاضي منذر، وقال له: أنت أمرت بنقض دار أخي نجدة فقال له: نعم، فقال: وما دعاك إلى ذلك قال: أخذت فيها بقول الله تعالى ﴿أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها، وكان وراءهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصباً﴾ (الكهف: ٧٩) مقوّموك لم يقدروها (٢) إلاّ بكذا، وبذلك تعلق وهمك، فقد نضّ (٣) في أنقاضها أكثر من ذلك، وبقيت القاعة والحمّام فضلاً، ونظر الله تعالى للأيتام، فصبر الخليفة عبد الرحمن على ما أتى من ذلك، وقال: نحن أولى من انقاد إلى الحق، فجزاك الله تعالى عنّا وعن أمانتك خيراً.
قالوا (٤) : وكان على متانته وجزالته حسن الخلق كثير الدّعابة، فربما ساء ظنّ من لا يعرفه، حتى إذا رام أن يصيب من دينه شعرة ثار له ثورة الأسد الضاري، فمن ذلك ما حدّث به سعيدٌ ابنه قال: قعدنا ليلة من ليالي شهر رمضان المعظّم مع أبينا للإفطار بداره البرانية، فإذا سائل يقول (٥) : أطعمونا من عشائكم أطعمكم الله تعالى من ثمار الجنّة، هذه الليلة، ويكثر من ذلك، فقال القاضي: إن استجيب لهذا السائل فيكم فليس يصبح منا واحد.
стр. 727
وحكى عنه قاسم بن أحمد الجهني (١) أنّه ركب يوماً لحيازة أرض محبّسة في ركبٍ من وجوه الفقهاء وأهل العدالة فيهم أبو إبراهيم اللؤلؤي ونظراؤه، قال: فسرنا نقفوه وهو أمامنا، وأمامه أمناؤه يحملون خرائطه وذووه عليهم السكينة والوقار، وكانت القضاة حينئذ لا تراكب ولا تماشي، فعرض له في بعض الطريق كلاب مع مستوحمة، والكلاب تلعق هنها وتدور حولها، فوقف وصرف وجهه إلينا وقال: ترون يا أصحابنا ما أبرّ الكلاب بالهن الذي تلعقه وتكرمه، ونحن لا نفعل ذلك؛ ثم لوى عنان دابته وقد أضحكنا، وبقينا متعجبين من هزله.
وحضر (٢) عند الحكم المستنصر بالله يوماً في خلوة له في بستان الزهراء على بركة ماء طافحة، وسط روضة نافحة، في يوم شديد الوهج، وذلك إثر منصرفه من صلاة الجمعة، فشكا إلى الخليفة من وهج الحرّ الجهد، وبث منه ما تجاوز الحدّ، فأمره بخلع ثيابه والتخفيف عن جسمه، ففعل ولم يطف ذلك ما به، فقال له: الصواب أن تنغمس في وسط الصهريج انغماسة يبرد بها جسمك، وليس مع الخليفة إلاّ الحاجب جعفر الخادم الصقلبي أمين الخليفة الحكم، لا رابع لهم، فكأنّه استحيا من ذلك وانقض عنه وقاراً، وأقصر عنه إقصاراً، فأمر الخليفة حاجبه جعفراً بسبقه إلى النزول في الصهريج ليسهل عليه الأمر فيه، فبادر جعفر لذلك، وألقى بنفسه في الصهريج، وكان يحسن السّباحة، فجعل يجول يميناً وشمالاً فلم يسع القاضي إلا إنفاذ أمر الخليفة، فقام وألقى بنفسه خلف جعفر، ولاذ بالقعود في درج الصهريج، وتدرّج فيه بعض تدريج، ولم ينبسط في السباحة، وجعفر يمر مصعّداً ومصوباً، فدسّه الحكم على القاضي، وحمله على مساجلته في العوم، فهو يعجّزه في إخلاده إلى القعود، ويعابثه
стр. 728
بإلقاء الماء عليه، والإشارة بالجذب إليه، وهو لا ينبعث معه، ولا يفارق موضعه، إلى أن كلّمه الحكم وقال له: ما لك لا تساعد الحاجب في فعله وتتقيّل (١) صنعه فمن أجلك نزل، وبسببك تبذّل، فقال له: يا سيدي يا أمير المؤمنين، الحاجب سلمه الله تعالى لا هوجل معه، وأنا بهذا الهوجل الذي معي يعقلني ويمنعني من أن أجول معه مجاله - يعني أن الحاجب خصيّ لا هوجل معه، والهوجل: الذّكر - فاستفرغ الحكم ضحكاً من نادرته ولطيف تعريضه لجعفر، وخجل جعفر من قوله، وسبّه سب الأشراف، وخرجا من الماء، وأمر لهما الخليفة بخلع، ووصلهما بصلات سنية تشاكل كل واحد منهما.
وحكي أن الخليفة الحكم قال له يوماً (٢) : لقد بلغني أنّك لا تجتهد للأيتام، وأنّك تقدم لهم أوصياء سوء يأكلون أموالهم، فقال: نعم، وإن أمكنهم نيك أمهاتهم لم يعفّوا عنهنّ، قال: وكيف تقدم مثل هؤلاء قال: لست أجد غيرهم ولكن أحلني على اللؤلؤي وأبي إبراهيم ومثل هؤلاء، فإن أبوا أجبرتهم بالسّوط والسجن، ثم لا تسمع إلاّ خيراً.
وقال القاضي منذر (٣) : أتيت وأبو جعفر ابن النحاس في مجلسه بمصر يملي في أخبار الشعراء شعر قيس المجنون حيث يقول:
خليليّ هل بالشام عينٌ حزينةٌ ... تبكّي على نجدٍ لعلّي أعينها
قد أسلمها الباكون إلاّ حمامةً ... مطوّقةً باتت وبات قرينها
تجاوبها أخرى على خيزرانةٍ ... يكاد يدنّيها من الأرض لينها فقلت له: يا أبا جعفر، ماذا، أعزك الله تعالى، باتا يصنعان فقال لي: وكيف تقول أنت يا أندلسي فقلت له: بانت وبان قرينها، فسكت، وما
стр. 729
زال يستثقلني بعد ذلك، حتى منعني كتاب العين، وكنت ذهبت إلى الانتساخ من نسخته، فلمّا قطع بي قيل لي: أين أنت عن أبي العباس ابن ولاّد فقصدته، فلقيت رجلاً كامل العلم حسن المروءة، فسألته الكتاب، فأخرجه إليّ، ثم ندم أبو جعفر لما بلغه إباحة أبي العباس الكتاب لي، وعاد إلى ما كنت أعرفه منه.
قال: وكان أبو جعفر لئيم النفس، شديد التقتير على نفسه، وربما وهبت له العمامة فيقطعها ثلاث عمائم، وكان يأبى شراء حوائجه بنفسه، ويتحامل فيها على أهل معرفته، انتهى. وأبو جعفر هذا يقال: إن تواليفه تزيد على خمسين، منها شرح عشرة دواوين للعرب، وإعراب القرآن، ومعاني القرآن، وشرح أبيات الكتاب، وغير ذلك.
رجع - وقال منذر بن سعيد: كتبت إلى أبي علي البغدادي أستعير منه كتاباً من الغريب، وقلت:
بحقّ ريمٍ مهفهف ... وصدغه المتعطّف
إبعث إليّ بجزء ... من الغريب المصنّف فقضى حاجتي، وأجاب بقوله:
وحقّ درٍّ تألّف ... بفيك أيّ تألّف
لأبعثنّ بما قد ... حوى الغريب المصنّف
ولو بعثت بنفسي ... إليك ما كنت أسرف فرحم الله تعالى تلك الأرواح الطاهرة.
وذكر ابن أصبغ الهمداني عن منذر أنّه خطب يوماً، وأراد التواضع، فكان من فصول خطبته، أن قال (١) : حتى متى أعظ ولا أتعظ، وأزجر ولا
стр. 730
أزدجر، أدل الطريق على المستدلين، وأبقى مقيماً مع الحائرين كلاّ إن هذا لهو البلاء المبين ﴿إن هي إلاّ فتنتك تضلّ بها من تشاء وتهدي من تشاء﴾ (الأعراف: ١٥٥) ، اللهم فرّغني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكفّلت لي به، ولا تحرمني وأنا أسألك، ولا تعذبني وأنا أستغفرك، يا أرحم الراحمين.
وسمع منذر بالأندلس (١) من عبيد الله بن يحيى بن يحيى ونظرائه، ثم رحل حاجّاً سنة ثمان وثلاثمائة فاجتمع بعدّة أعلام وظهرت فضائله بالمشرق، وممّن سمع عليه منذر بالمشرق ثم بمكة محمد بن المنذر النيسابوري، سمع عليه كتابه المؤلف في اختلاف العلماء المسمى بالإشراف وروى بمصر كتاب العين للخليل عن أبي العباس ابن ولاّد، وروى عن أبي جعفر ابن النحاس. وكان منذر متفنّناً في ضروب العلوم وغلب عليه التفقّه بمذهب أبي سليمان داود ابن علي الأصبهاني المعروف بالظاهري، فكان منذر يؤثر مذهبه ويجمع كتبه ويحتج لمقالته ويأخذ به في نفسه وذويه، فإذا جلس للحكومة قضى بمذهب الإمام مالك وأصحابه، وهو الذي عليه العمل بالأندلس، وحمل السلطان أهل مملكته عليه، وكان خطيباً بليغاً عالماً بالجدل حاذقاً فيه، شديد العارضة حاضر الجواب عتيده، ثابت الحجّة ذا شارةٍ (٢) عجيبة ومنظر جميل وخلق حميد وتواضع لأهل الطلب وانحطاط إليهم وإقبال عليهم، وكان - مع وقاره التام - فيه دعابة مستملحة، وله نوادر مستحسنة، وكانت ولايته القضاء بقرطبة للناصر في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، ولبث قاضياً من ذلك التاريخ للخليفة الناصر إلى وفاته، ثم للخليفة الحكم المستنصر إلى أن توفّي، رحمه الله تعالى، عقب ذي القعدة من سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، فكانت ولايته لقضاء
стр. 731
الجماعة المعبر عنها في المشرق بقضاء القضاة ستة عشر عاماً كاملة، لم يحفظ عليه فيها جور في قضية، ولا قسم بغير سويّة، ولا ميل بهوى، ولا إصغاء إلى عناية، رحمه الله تعالى ورضي عنه؛ ودفن بمقبرة قريش بالرّبض الغربي من قرطبة أعادها الله تعالى، جوفّي مسجد السيدة الكبرى، بقرب داره.
وله، رحمه الله تعالى، تواليف مفيدة: منها كتاب أحكام القرآن والناسخ والمنسوخ وغير ذلك في الفقه والكلام في الرد على أهل المذاهب، تغمده الله تعالى برضوانه.
وكتب بعض الأدباء إلى القاضي منذر بقوله:
مسألة جئتك مستفتياً ... عنها، وأنت العالم المستشار
علام تحمرّ وجوه الظّبا ... وأوجه العشاق فيها اصفرار فأجاب منذر بقوله:
احمرّ وجه الظّبي إذ لحظه ... سيفٌ على العشاق فيه احورار
واصفرّ وجع الصّبّ لمّا نأى ... والشمس تبقي للمغيب اصفرار ٧ - وممّن رحل إلى المشرق (١) من الأندلس فشهد له بالسبق، كل أهل المغرب والشرق، والإمام العلامة أبو القاسم الشاطبي (٢) ، صاحب " حرز الأماني " و " العقيلة "، وغيرهما.
стр. 732
وهو أبو القاسم (١) ابن فيرّه بن خلف بن أحمد الرّعيني الشاطبي المقرئ، الفقيه الحافظ الضرير أحد العلماء المشهورين والفضلاء المذكورين، خطب ببلده شاطبة مع صغر سنّه، ودخل الديار المصريّة سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وحضر عند الحافظ السّلفي وابن برّي وغيرهما، وولد بشاطبة آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وتوفّي بالقاهرة يوم الأحد الثامن والعشرين، وقيل: الثامن عشر، من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة، بعد العصر، ودفن من الغد بالتربة الفاضلية بسفح المقطّم.
وحكي أن الأمير عز الدين موسك الذي كان والد ابن الحاجب حاجباً له بعث إلى الشيخ الشاطبي يدعوه إلى الحضور عنده، فأمر الشيخ بعض أصحابه أن يكتب إليه:
قل للأمير مقالةً ... من ناصحٍ فطنٍ نبيه
إنّ الفقيه إذا أتى ... أبوابكم لا خير فيه ومن نظمه، رحمه الله تعالى:
خالصت أبناء الزمان فلم أجد ... من لم أرم (٢) منه ارتيادي مخلصي
ردّ الشباب وقد مضى لسبيله ... أهيا وأمكن من صديقٍ مخلص وكان، رحمه الله تعالى، قرأ بشاطبة القراءات، وأتقنها على النّفزي (٣) ، ثم انتقل إلى بلنسية فقرأ بها التيسير من حفظه على ابن هذيل، وسمع الحديث منه ومن ابن النعمة وابن سعادة وابن عبد الرحيم وغيرهم، وارتحل إلى المشرق فاستوطن القاهرة، واشتهر اسمه وبعد صيته، وقصده الطلبة من النواحي،
стр. 733
وكان إماماً علاّمة ذكيّاً كثير الفنون منقطع القرين رأساً في القراءات، حافظاً للحديث بصيراً بالعربية واسع العلم، وقد سارت الركبان بقصيدته حرز الأماني و " عقيلة أتراب الفضائل " (١) اللتين في القراءات والرسم، وحفظهما خلق لا يحصون، وخضع لهما فحول الشعراء وكبار البلغاء وحذّاق القراء، ولقد أوجز وسهّل الصعب.
وممّن روى عنه أبو الحسن ابن خيرة، ووصفه من قوّة الحفظ بأمر معجب، وممّن قرأ عليه بالروايات الإمام الشهير محمد بن عمر القرطبي. وتصدّر الشاطبي، رحمه الله تعالى، للإقراء بالمدرسة الفاضلية، وكان موصوفاً بالزهد والعبادة والانقطاع. وقبره بالقرافة يزار، وترجى استجابة الدعاء عنده، وقد زرته مراراً، ودعوت الله بما أرجو قبوله. وترك أولاداً: منهم أبو عبد الله محمد، عاس نحو ثمانين سنة.
وقال السبكي في حق الإمام الشاطبي: إنّه كان قويّ الحافظة، واسع المحفوظ، كثير الفنون فقيهاً مقرئاً محدّثاً نحويّاً زاهداً عابداً ناسكاً يتوقد ذكاء؛ قال السخاوي (٢) : أقطع أنّه كان مكاشفاً، وأنّه سأل الله كتمان حاله، ما كان أحد يعلم أي شيء هو، انتهى.
وترجمته واسعة، رحمه الله تعالى ونفعنا به آمين.
وقال ابن خلّكان: ولقد أبدع كل الإبداع (٣) في حرز الأماني وهي عمدة قرّاء هذا الزمان في نقلهم، فقلّ من يشتغل بالقراءات إلاّ ويقدّم حفظها ومعرفتها، وهي مشتملة على رموز عجيبة وإشارات لطيفة، وما أظنّه سبق إلى أسلوبها. وقد روي عنه أنّه كان يقول: لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلاّ وينفعه
стр. 734
الله، ، لأني نظمتها لله تعالى مخلصاً. وكان عالماً بكتاب الله تعالى قراءة وتفسيراً، وبحديث رسول الله ﷺ ، ومبرزاً فيه، وكان إذا قرئ عليه صحيحا البخاري ومسلم والموطّإ يصحح النسخ من حفظه، ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحد في علم النحو واللغة، عارفاً بتعبير (١) الرؤيا، حسن المقاصد، مخلصاً فيما يقول ويفعل، وكان يجتنب فضول الكلام، ولا ينطق في سائر اأأوقاته إلا بما تدعو إليه ضرورة، ولا يجلس للقراءة إلاّ على طهارة في هيئة حسنة وتخشّع واستكانة، وكان يعتلّ العلة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوّه، وإذا سئل عن حاله قال: العافية، لا يزيد على ذلك. وكان كثيراً ما ينشد هذا اللغز في النعش، وهو لأبي زكريا يحيى بن سلامة الخطيب:
أتعرف شيئاً في السّماء نظيره ... إذا سار صاح الناس حيث يسير
فتلقاه مركوباً وتلقاه راكباً ... وكلّ أميرٍ يعتليه أسير
يحضّ على التقوى ويكره قربه ... وتنفر منه النفس وهو نذير
ولم يستزر عن رغبةٍ في زيارةٍ ... ولكن على رغم المزور يزور وكان يقال عند دخوله إلى مصر: إنّه يحفظ وقر بعير من العلوم، وكان نزيل القاضي الفاضل، ورتّبه بمدرسته بالقاهرة، وقيل: إن كنيته أبو محمد (٢) حسبما وجد في بعض إجازاته، رحمه الله تعالى.
٨ - ومن الراحيلن إلى المشرق من الأندلس الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي (٣) .
стр. 735
قال ابن سعيد: هو الإمام العالم القاضي الشهير فخر المغرب (١) ، أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري، قاضي قضاة كورة إشبيلية، ذكره الحجاري في المسهب، طبّق الآفاق بفوائده، وملأ الشام والعراق بأوابده، وهو إمام في الأصول والفروع وغير ذلك (٢) . ومن شعره وقد ركب مع أحد أمراء الملثّمين، وكان ذلك الأمير صغيراً، فهز عليه رميحاً كان في يده مداعباً، فقال (٣) :
يهزّ عليّ الرّمح ظبيٌ مهفهفٌ ... لعوبٌ بألباب البريّة عابث
فلو أنّه رمحٌ إذن لاتّقيته (٤) ... ولكنّه رمح وثانٍ وثالث وقوله وقد دخل عليه غلام جميل الصورة في لباس خشن:
لبس الصوف لكي أنكره ... وأتانا شاجياً (٥) قد عبسا
قلت إيهٍ قد عرفناك وذا ... جلّ سوء لا يعيب الفرسا
كلّ شيء أنت فيه حسنٌ ... لا يبالي حسنٌ ما لبسا وزعم بعض أن الأبيات ليست له، وإنّما تمثل بها، فالله تعالى أعلم.
وممن عرّف بابن العربي وذكره ابن الإمام في " سمط الجمان "،
стр. 736
والشّقندي في " الطرف "، وكان قد صحب المهدي محمد بن تومرت بالمشرق (١) ، فأوصى عليه عبد المؤمن وكان مكرماً عنده، وحكي أنّه كتب كتاباً فأشار عليه أحد من حضر أن يذرّ عليه نشارة، فقال: قف، ثم فكرّ ساعة، وقال: اكتب (٢) :
لا تشنه بما تذرّ عليه ... فكفاه هبوب هذا الهواء
فكأنّ الذي تذرّ عليه ... جدريٌّ بوجنةٍ حسناء ولقي أبا بكر الطّرطوشي. وما برح معظماً إلى أن تولى خطّة القضاء، ووافق ذلك أن احتاج سور إشبيلية إلى بنيان جهةٍ منه، ولم يكن فيها مال متوفر، ففرض على الناس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد أضحى، فأحضروها كارهين، ثم اجتمعت العامة العمياء، وثارت عليه ونهبوا داره، وخرج إلى قرطبة.
وكان في أحد أيام الجمع قاعداً ينتظر الصلاة، فإذا بغلام رومي وضيء قد جاء يخترق الصفوف بشمعة في يده وكتاب معتّق، فقال:
وشمعةٍ تحملها شمعةٌ ... يكاد يخفي نورها نارها
لولا نهى نفسٍ نهت غيّها ... لقبّلته وأتت عارها ولما سمعهما أبو عمران الزاهد قال: إنّه لم يكن يفعل، ولكنّه هزته أريحية الأدب ولو كنت أنا لقلت:
لولا الحياء وخوف الله يمنعني ... وأن يقال صبا موسى على كبره
إذاً لمتّعت لحظي في نواظره ... حتى أوفّي جفوني الحقّ من نظره
стр. 737
رجع إلى أخبار ابن العربي - فنقول: إنّه سمع بالأندلس أباه وخاله أبا القاسم الحسن الهوزني وأبا عبد الله السّرقسطي، وببجاية أبا عبد الله الكلاعي، وبالمهديّة أبا الحسن ابن الحداد الخولاني، وسمع بالإسكندرية من الأنماطي، وبمصر من أبي الحسن الخلعي وغيره، وبدمشق غير واحد كأبي الفتح نصر المقدسي، وبمكّة أبا عبد الله الحسين الطبري وابن طلحة وابن بندار، وقرأ الأدب على التبريزي وعمل، رحمه الله تعالى، على مدينة إشبيلية سوراً بالحجارة والآجر بالنورة من ماله. وكان - كما في الصلة -[مقدماً في المعارف كلها] حريصاً على أدائها ونشرها (١) ، ثاقب الذهن في تمييز الصواب فيها، ويجمع إلى ذلك كلّه آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة ولين الكنف، وكثرة الاحتمال وكرم النفس، وحسن العهد وثبات الود.
وذكره ابن بشكوال في الصلة وقال فيه: الإمام الحافظ، ختام علماء الأندلس، رحل إلى المشرق مع أبيه مستهلّ ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ودخل الشام والعراق وبغداد، وسمع بها من كبار العلماء، ثم حج في سنة تسع وثمانين، وعاد إلى بغداد، ثم صدر منها (٢) .
وقال ابن عساكر: خرج من دمشق راجعاً إلى مقره سنة ٤٩١، ولما غرّب صنّف " عارضة الأحوذي " ولقي بمصر والإسكندرية جملة من العلماء، ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين، وقدم إشبيلية بعلم كثير، وكان موصوفاً بالفضل والكمال، وولي القضاء بإشبيلية، ثم صرف عنه، ومولده ليلة يوم الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة، وتوفّي بمغيلة بمقربة (٣) من مدينة فاس، ودفن بفاس في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين
стр. 738
وخمسمائة؛ انتهى كلام ابن سعيد وغيره ملخّصاً.
وما وفى ابن سعيد حافظ الإسلام أبا بكر ابن العربي حقّه، فلنعززه بما حضرنا من التعريف به، فنقول: إنّه لقي ببغداد الشاشي أبا بكر والإمام أبا حامد الطوسي الغزالي، ونقل عنه أنّه قال: كل من رحل لم يأت بمثل ما أتيت به من العلم إلاّ الباجي، أو كلاماً هذا معناه، وكان من أهل التفنن في العلوم، متقدماً في المعارف كلّها، متكلّماً على أنواعها، حريصاً على نشرها، وقام بأمر القضاء أحمد قيام، مع الصرامة في الحق، والقوّة والشدة على الظالمين والرفق بالمساكين، وقد روي عنه أنّه أمر بثقب أشداق زامرْ، ثم صرف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثّه، وقرأ عليه الحافظ ابن بشكوال بإشبيلية.
وقال ابن الأبّار (١) : إن الإمام الزاهد العابد أبا عبد الله ابن مجاهد الإشبيلي لازم القاضي ابن العربي نحواً من ثلاثة أشهر، ثم تخلّف عنه، فقيل له في ذلك، فقال: كان يدرس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب إلى السلطان، انتهى.
وذكره ابن الزبير في صلته (٢) ، وقال: إنّه رحل مع أبيه أبي محمد عند انقراض الدولة العبّادية، وسنّه نحو سبعة عشر عاماً، إلى أن قال: وقيد الحديث، وضبط ما روى، واتسع في الرواية، وأتقن مسائل الخلاف والأصول والكلام على أئمة هذا الشأن، ومات أبوه - رحمه الله تعالى - بالإسكندرية أول سنة ثلاث وتسعين فانصرف حينئذ إلى إشبيلية، فسكنها، وشوور فيها وسمع، ودرّس الفقه والأصول، وجلس للوعظ والتفسير، وصنف في غير فن تصانيف مليحة حسنة مفيدة، وولي القضاء مدّة أوّلها في رجب من سنة ثمان وعشرين، فنفع الله تعالى به لصرامته ونفوذ أحكامه، والتزم (٣) الأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 739
المنكر، حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله، فأحسن الصبر على ذلك كله، ثم صرف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثّه، وكان فصيحاً حافظاً أديباً شاعراً كثير الملح مليح المجلس.
ثم قال: قال القاضي عياض - بعد أن وصفه بما ذكرته -: ولكثر حديثه وأخباره وغريب حكاياته ورواياته أكثر الناس فيه الكلام، وطعنوا في حديثه، وتوفي منصرفه من مراكش من الوجهة التي توجّه فيها مع أهل بلده إلى الحضرة بعد دخول الموحّدين مدينة إشبيلية، فحبسوا بمراكش نحو عام، ثم سرحوا، فأدركته منيته، وروى عنه خلق كثير، منهم القاضي عياض وأبو جعفر ابن الباذش وجماعة، انتهى ملخصاً.
ووقع في عبارة ابن الزبير تبعاً لجماعة أنّه دفن خارج باب الجيسة بفاس، والصواب خارج باب المحروق، كما أشبعت الكلام على ذلك، في أزهار الرياض (١) ، وقد زرته مراراً، وقبره هنالك مقصود للزيارة خارج القصبة، وقد صرح بذلك بعض المتقدمين الذين حضروا وفاته، وقال: إنّه دفن بتربة القائد مظفر خارج القصبة، وصلى عليه صاحبة أبو الحكم ابن حجاج، رحمه الله تعالى.
ومن بديع نظمه (٢) :
أتتني تؤنّبني بالبكا ... فأهلاً بها وبتأنيبها
تقول وفي نفسها حسرةٌ: ... أتبكي بعين تراني بها
فقلت: إذا استحسنت غيركم ... أمرت جفوني بتعذيبها وقال، رحمه الله تعالى: دخل عليّ الأديب ابن صارة وبين يديّ نار علاها رماد، فقلت له: قل في هذه، فقال:
стр. 740
شابت نواصي النار بعد سوادها ... وتستّرت عنّا بثوب رماد ثم قال لي: أجز، فقلت:
شابت كما شبنا وزال شبابنا ... فكأنّما كنّا على ميعاد وقد اختلف حذّاق الأدباء في قوله: " ولكنه رمح وثان وثالث " ما هو الثاني والثالث فقيل القدّ واللحظ، وقيل غير ذلك.
ولما ذكر، رحمه الله تعالى، في كتابه قانون التأويل ركوبه البحر في رحلته من إفريقية قال (١) : وقد سبق في علم الله تعالى أن يعظم علينا البحر بزوله، ويغرقنا في هوله، فخرجنا من البحر، خروج الميت من القبر، وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب بن سليم، ونحن من السّغب، على عطب، ومن العري، في أقبح زي، قد قذف البحر زقاق زيت مزقت الحجارة منيئتها (٢) ، ودسّمت الأدهان وبرها وجلدتها، فاحتزمناها أزراً، واشتملناها لفافاً (٣) ، تمجّنا الأبصار، وتخذلنا الأنصار، فعطف أميرهم علينا فأوينا إليه فآوانا، وأطعمنا الله تعالى على يديه وسقانا، وأكرم مثوانا، وكسانا بأمر حقير ضعيف، وفنّ من العلم طريف، وشرحه أنّا لما وقفنا على بابه ألفيناه يدير أعواد الشاه (٤) ، فعل السامد اللاه، فدنوت منه في تلك الأطمار، وسمح لي بياذقته إذ كنت من الصغر في حدّ يسمح فيه للأغمار، ووقفت بإزائهم، أنظر ولما ذكر، رحمه الله تعالى، في كتابه قانون التأويل ركوبه البحر في رحلته من إفريقية قال: وقد سبق في علم الله تعالى أن يعظم علينا البحر بزوله، ويغرقنا في هوله، فخرجنا من البحر، خروج الميت من القبر، وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب بن سليم، ونحن من السّغب، على عطب، ومن العري، في أقبح زي، قد قذف البحر زقاق زيت مزقت الحجارة منيئتها، ودسّمت الأدهان وبرها وجلدتها، فاحتزمناها أزراً، واشتملناها لفافاً، تمجّنا الأبصار، وتخذلنا الأنصار، فعطف أميرهم علينا فأوينا إليه فآوانا، وأطعمنا الله تعالى على يديه وسقانا، وأكرم مثوانا، وكسانا بأمر حقير ضعيف، وفنّ من العلم طريف، وشرحه أنّا لما وقفنا على بابه ألفيناه يدير أعواد الشاه، فعل السامد اللاه، فدنوت منه في تلك الأطمار، وسمح لي بياذقته إذ كنت من الصغر في حدّ يسمح فيه للأغمار، ووقفت بإزائهم، أنظر إلى تصرفهم من ورائهم، إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في خلس البطالة، مع غلبة الصّبوة والجهالة، فقلت للبياذقة: الأمير أعلم من