← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

حتى ترى زهر النّجوم كأنّها ... حول المجرّة ربربٌ في مشرب والليل منحفزٌ (١) يطير غرابه ... والصّبح يطرده ببازٍ أشهب ثم قال الفتح، بعد كلام كثير، ما صورته (٢) : ودخل - يعني ابن السّيد - سرقسطة أيام المستعين وهي جنّة الدنيا، وفتنة المحيا، ومنتهى الوصف، وموقف السرور والقصف، ملك نمير البشاشة، كثير الهشاشة، وملك أبهج الفناء، أرج الأرجاء، يروف المجتلي، ويفوق النجم المعتلي، وحضرة منسابة الماء، منجابة السماء، يبسم زهرها، وينساب نهرها، وتتفتح خمائلها، وتتضوع صباها وشمائلها، والحوادث لا تعترضها، والكوارث لا تقرضها (٣) ، ونازلها من عرس إلى موسم، وآملها متصل بالأماني ومتّسم، فنزل منها في مثل الخورنق والسدير، وتصرف فيها بين روضة وغدير، فلم يخف على المستعين احتلاله (٤) ، ولم تخف لديه خلاله، فذكره معلماً به ومعرّفاً، وأحضره منوّهاً به ومشرّفاً، وقد كان فرّ من ابن رزين، فرار السرور من نفس الحزين، وخلص من اعتقاله، خلوص السيف من صقاله، فقال يمدحه (٥) : هم سلبوني حسن صبري إذ بانوا ... بأقمار أطواق مطالعها بان لئن غادروني باللوى إنّ مهجتي ... مسايرة أظعانهم حيثما كانوا سقى عهدهم بالخيف عهد غمائم ... ينازعها نهرٌ من الدمع هتّان أأحبابنا هل ذلك العهد راجعٌ ... وهل لي عنكم آخر الدهر سلوان ولي مقلةٌ عبرى وبين جوانحي ... فؤادٌ إلى لقياكم الدهر حنّان تنكرت الدنيا لنابعد بعدكم ... وحفّت بنا من معضل الخطب ألوان

стр. 667

أناخت بنا في أرض شنتمريّةٍ ... هواجس ظنّ خان والظنّ خوان وشمنا بروقاً للمواعيد أتعبت ... نواظرنا دهراً ولم يهم تهتان (١) فسرنا وما نلوي على متعذر ... إذا وطنٌ أقصاك آوتك أوطان ولا زاد إلاّ ما انتشته من الصّبا ... أنوفٌ وحازته من الماء أجفان رحلنا سوام الحمد (٢) عنها لغيرها ... فلا ماؤها صدّا ولا النبت سعدان (٣) إلى ملك حاباه بالمجد يوسف ... وشاد له البيت الرفيع سليمان إلى مستعين بالإله مؤيّدٍ، ... له النصر حزبٌ والمقادير أعوان جفتنا بلا جرم كأنّ مودّةً ... ثنى نحونا منها الأعنّة شنآن ولو لم تفد منّا سوى الشّعر وحده ... لحقّ لنا برٌّ عليه وإحسان فكيف ولم نجعل بها الشّعر مكسباً ... فيوجب للمكدي جفاءٌ وحرمان ولا نحن ممن يرتضي الشعر خطّة ... وإن قصرت عن شأونا فيه أعيان ومن أوهمته غير ذاك ظنونه ... فثمّ مجال للمقال وميدان خليليّ من يعدي على زمن له ... إذا ما قضى حيفٌ عليّ وعدوان وهل ريء من قبلي غريق مدامعٍ ... يفيض بعينيه الحيا وهو حرّان وهل طرفت عين لمجدٍ ولم يكن ... لها مقلة من آل هود وإنسان وبوجه ابن هودٍ كلما أعرض الورى ... صحيفة إقبال لها البشر عنوان فتى المجد في برديه بدرٌ وضيغم ... وبحرٌ وقدسٌ ذو الهضاب ثهلان من النفر الشّمّ الذين أكفّهم ... غيوث ولكنّ الخواطر نيران ليوث شرىً ما زال منهم لدى الوغى ... هزبرٌ بيمناه من السّمر ثعبان وهل فوق ما قد شاد مقتدرٌ لهم ... ومؤتمن بالله لقياه إيمان ألا ليس فخر في الورى غير فخرهم ... وإلاّ فإنّ الفخر زور وبهتان

стр. 668

فيا مستعيناً مستعاناً (١) لمن نبا ... به وطن يوماً وعضّته أزمان كسوتك من نظمي قردة مفخر ... يباهي بها جيد الزمان (٢) ويزدان وإن قصرت عمّا لبست فربّما ... تجاور (٣) درٌّ في النظام ومرجان معانٍ حكت غنج الحسان كأنّني ... بهن حبيب أو بطليوس بغداد إذا غرست كفّاك غرس مكارم ... بأرضي أجنتك الثنا منه أغصان وقال في وصف مجلس (٤) لأبي عيسى ابن لبّون (٥) أحضر إليه ابن السّيد منوهاً بقدره، ما صورته (٦) : وأحضره إلى مجلس نام عنه الدهر وغفل، وقام لفرط أنسه واحتفل، قد بانت صروفه، ودنت من الزائر قطوفه، وقال: هلمّ بنا إلى الاجتماع بمذهبك، والاستمتاع بما شئته ببراعة (٧) أدبك، فأقاموا يعملون كاسهم، ويصلون إيناسهم، وباتوا ليلهم (٨) ما طرقهم نوم، ولا عداهم عن طيب اللّذّات سوم. ثم قال بعد كلام كثير (٩) : وحضر ابن السّيد عند عبد الرحمن الظافر بن ذي النون مجلساً رفعت في المنى لواءها، وخلعت عليه (١٠) أضواءها، وزفّت

стр. 669

إليه المسرات أبكارها، وفارقت إليه الطير أوكارها، فقال يصفه: [ومجلس جمّ الملاهي أزهرا ... ألذّ في الأجفان من طعم الكرى] (١) لم تر عيني مثله ولا ترى ... أنفس في نفسي وأبهى منظرا إذا تردّى وشيه المصوّرا ... من حوك صنعاء وحوك عبقرا ونسج قرقوب ونسج تسترا (٢) ... خلت الربيع الطلق فيه نوّرا كأنّما الإبريق حين قرقرا ... قد أمّ لثم الكأس حين فغرا وحشيّة ظلّت تناغي جؤذرا ... ترضعه الدّرّ ويرنو حذرا كأنّما مجّ عقيقاً أحمرا ... أو فتّ من ريّاه مسكاً أذفرا أو عابد الرحمن يوماً ذكرا ... فنمّ مسكاً ذكره وعنبرا الظافر الملك الذي من ظفرا ... بقربه نال العلاء الأكبرا لو أنّ كسرى راءه أو قيصرا ... هلّل إكباراً له وكبّرا تبدي سماء الملك منه قمرا ... إذا حجاب المجد عنه سفرا يا أيها المنضي بالسّرى ... تبغي غمام المكرمات الممطرا [٥ - من ترجمة ابن العطار] وقال الفتح في ترجمة الأديب أبي القاسم ابن العطار، ما صورته (٣) : هو أحد أدباء إشبيلية ونحاتها، العامرين لأرجاء المعارف وساحاتها، ولولا مواصلة راحاته، وتعطيل بكره وروحاته، وموالاته للفرج، ومغالاته في عرف للأنس أو أرج (٤) ، لا يعرّج إلا على ضفة نهر، ولا يلهج (٥) إلا بقطعة

стр. 670

زهر، ولا يحفل بملام، ولا يتنقل (١) إلى في طاعة غلام، ناهيك من رجل مخلوع العنان في ميدان الصبابة، مغرم بالحسان غرام يزيد بحبابة، لا تراه إلا في ذمّة انهماك، ولا تلقاه إلا في لمّة انتهاك، رافعاً لرايات الهوى، فارعاً لثنيّات الجوى، لا يقفر فؤاده من كلف، ولا يبيت إلاّ رهن تلف، أكثر خلق الله تعالى علاقة، وأحضرهم لمشهد خلاقة (٢) ، مع جزالةٍ تحرك السكون وتضحك الطير في الوكون، وقد أثبتّ له ما يرتجله (٣) في أوقات أنسه وساعاته، وينفث (٤) به أثناء زفراته ولوعاته، فمن ذلك ما قاله في يوم ركب فيه النهر على عادات انكشافه، وارتضاعه لثغور اللذّات وارتشافه (٥) : عبرنا سماء النهر والجوّ مشرقٌ ... وليس لنا إلا الحباب نجوم وقد ألبسته الأيك برد ظلالها ... وللشمس في تلك البرود رقوم وله فيه: مررنا بشاطي النهر بين حدائقٍ ... بها حدق الأزهار تستوقف الحدق وقد نسجت كف النسيم مغاضة ... عليه وما غير الحباب لها حلق وله: هبت الريح بالعشي فحاكت ... زردة للغدير ناهيك جنه وانجلى البدر بعد هدء فصاغت (٦) ... كفّه للقتال منه أسنّه

стр. 671

وقوله (١) : لله بهجة منزهٍ ضربت به ... فوق الغدير رواقها الأنشام فمع الأصيل النهر درعٌ سابغٌ ... ومع الضّحى يلتاح منه حسام وله: ما كالعشيّة في رواء جمالها ... وبلوغ نفسي منتهى آمالها ما شئت شمس الأرض مشرقة السّنا ... والشمس قد شدّت مطيّ رحالها في حيث تنساب المياه أراقماً ... وتعيرك الأفياء برد ظلالها وله: لله حسن حديقة بسطت لنا ... منها النفوس سوالفٌ ومعاطف تختال في حلل الربيع وحليه ... ومن الربيع قلائدٌ ومطارف [٦ - من ترجمة ابن عمّار] وقال الفتح في ترجمة ابن عمار (٢) : أخبرني ذو الوزارتين الأجلّ أبو المطرّف ابن عبد العزيز أنّه حضر معه عند المؤتمن في يوم جادت فيه السماء بهطلها، وأتبعت وبلها بطلّها، وأعقب (٣) رعدها برقها وانسكب دراكاً ودقها، والأزهار قد تجلّت من كمامها، وتحلّت بدرّ غمامها، والأشجار قد جلي صداها، وتوشّحت بنداها، وأكؤس الراح كأنّها كواكب تتوقّد، تديرها أنامل تكاد من اللطافة تعقد، إذا بفتىً من فتيان المؤتمن أخرس لا يفصح،

стр. 672

ومستعجم لا يبين ولا يوضح، متنمّر تنمّر الليث، متشمّر كالبطل الفارس عند الغيث (١) ، وقد أفاض على نفسه درعاً، تضيق بها الأسنّة ذرعاً، وهو يريد استشارة المؤتمن في التوجّه (٢) إلى موضع بعثه إليه ووجّهه، وكلّ من صده عنه نهره ونهجه، حتى وصل إلى مكان انفراده، ووقف بإزاء وساده (٣) ، فلمّا وقعت عين ابن عمّار عليه، أشار بيده إليه، وقرّبه واستدناه، وضمّه إليه كأنّه تبنّاه، وحدّ (٤) أن يخلع عنه ذلك الغدير، وأن يكون هو الساقي والمدير، فأمره المؤتمن بخلعه، وطاعة أمره وسمعه، فنضاه عن جسمه، وقام يسقي على حكمه ورسمه، فلمّا دبت فيه الحميّا، وشبت غرامه بهجة ذلك المحيّا، واستنزلته سورة العقار، من مرقب الوقار، قال: وهويته يسقي المدام كأنّه ... قمرٌ يدور بكوكب في مجلس متأرّج الحركات تندى ريحه ... كالغصن هزّته الصّبا بتنفّس يسعى بكأسٍ في أنامل سوسنٍ ... ويدير أخرى من محاجر نرجس يا حامل السيف الطويل نجاده ... ومصرّف الفرس القصير المحبس إيّاك بادرة الوغى من فارسٍ ... خشن القناع على عذار أملس جهمٍ وإن حسر اللّثام (٥) فإنّما ... كشف (٦) الظلام عن النهار المشمس يطغى ويلعب في دلال عذاره ... كالمهر يمرح في اللجام المجرس سلم فقد قصف القنا غصن النقا ... وسطا بليث الغاب ظبي المكنس عنّا بكاسك، قد كفتنا مقلة ... حوراء قائمة بسكر المجلس (٧)

стр. 673

وأورد هذه القصة صاحب البدائع بقوله (١) : حضر أبو المطرّق ابن عبد العزيز عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى الجوّ فيه أشقر برقه، ورمى بنبل (٢) ودقه، وتحملت (٣) الرياح في أوقار السحاب على أعناقها، وتمايلت قامات الأغصان في الحلل الخضر من أوراقها (٤) ، والرياح قد أشرقت نجومها في بروج الراح، وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفعت بغيوم الأقداح، ومديرها قد ذاب ظرفاً فكاد يسيل من إهابه وأخجل خدّها حسناً فتظلل بعرق حبابه، إذا بفتى من فتيان المؤتمن قد أقبل متدرّعاً كالبدر اجتاب سحاباً، والخمر قد اكتست حباباً (٥) ، وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع كان عوّل فيه عليه، وأمره أن يتوجّه إليه، فحين لمحه ابن عمار والسكر قد استحوذ على لبّه، وبثّ سراياه في ضواحي قلبه (٦) ، جدّ في أن يستخرج تلك الدرة من ماء ذلك الدّلاص، وأن يجلّي عنه سهكه كما يجلّى الخبث عن الخلاص، وأن يكون هو الساقي (٧) ، فأمره المؤتمن بقبول أمره وامتثاله، واحتذاء مثاله، فحين ظهرت تلك الشمس من حجبها، ورميت شياطين النفوس من كميت المدام بشهبها، ارتجل ابن عمار وهويته ... إلخ إلا أنّه قال إثر قوله:

стр. 674

إيّاك بادرة الوغى من فارس ... ما صورته: يضع السنان على العذار الأملس ... ولابن عمار الرائية المشهورة في مدح المعتضد عباد والد المعتمد، وهي (١) : أدر المدامة (٢) فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العنان عن السّرى والصبح قد أهدى لنا كافوره ... لمّا استردّ الليل منّا العنبرا والروض كالحسنا كساه زهره ... وشياً وقلّده نداه جوهرا أو كالغلام زها بورد خدوده ... خجلاً وتاه بآسهنّ معذّرا روضٌ كأنّ النهر فيه معصمٌ ... صافٍ أطلّ على رداء أخضرا وتهزه ريح الصّبا فتخاله ... سيف ابن عباد يبدّد عسكرا عبّادٌ المخضرّ نائل كفّه ... والجوّ قد لبس الرداء الأغبرا ملكٌ إذا ازدحم الملوك بموردٍ ... ونحاه لا يردون حتى يصدرا أندى على الأكباد من قطر الندى ... وألذّ في الأجفان من سنة الكرى يختار إذ يهب الخريدة كاعباً ... والطّرف أجرد والحسام مجوهرا قدّاح زند المجد لا ينفكّ من ... نار الوغى إلاّ إلى نار القرى لا خلق أقرأ من شفار حسامه ... إن كنت شبّهت المواكب أسطرا أيقنت أنّي من ذراه بجنّة ... لمّا سقاني من نداه الكوثرا وعلمت حقاً أنّ ربعي مخصبٌ ... لمّا سألت (٣) به الغمام الممطرا من لا توازنه الجبال إذا احتبى ... من لا تسابقه الرياح إذا جرى ماضٍ وصدر الرمح يكهم والظّبا ... تنبو وأيدي الخيل تعثر في الثرى

стр. 675

قاد الكتائب كالكواكب فوقهم ... من لأمهم مثل السّحاب كنهورا (١) من كلّ أبيض قد تقلّد أبيضاً ... عضباً وأسمر قد تقلّد أسمرا ملك يروقك خلقه أو خلقه ... كالرّوض يحسن منظراً أو مخبرا أقسمت باسم الفضل حتى شمته ... فرأيته في بردتيه مصوّرا وجهلت معنى الجود حتى زرته ... فقرأته في راحتيه مفسّرا فاح الثرى متعطّراً بثنائه ... حتى حسبنا كلّ ترب عنبرا وتتوّجت بالزّهر صلع هضابه ... حتى ظننّا كلّ هضب قيصرا هصرت يدي غصن الغنى من كفّه ... وجنت به روض السّرور منوّرا حسبي على الصّنع الذي أولاه أن ... أسعى بجدّ أو أموت فأعذرا يا أيّها الملك الذي حاز العلا ... وحباه منه بمثل حمدي أنورا السيف أفصح من زيادٍ خطبةً ... في الحرب إن كانت يمينك منبرا ما زلت تغني من عنا لك راجياً ... نيلاً وتفني من عتا وتجبّرا حتى حللت من الرياسة محجراً ... رحباً وضمّت منك طرفاّ أحورا شقت بسيفك أمّةٌ لم تعتقد ... إلاّ اليهود وإن تسمّت بربرا أثمرت رمحك من رؤوس ملوكهم ... لمّا رأيت الغصن يعشق مثمرا وصبغت درعك من دماء كماتهم ... لمّا علمت الحسن يلبس أحمرا وإليكها كالروض زارته الصّبا ... وحنا عليه الطّلّ حتى نوّرا نمّقتها وشياً بذكرك مذهباً ... وفتقتها مسكاً بحمدك أذفرا من ذا ينافحني وذكرك مندلٌ ... أوردته من نار فكري مجمرا فلئن وجدت نسيم مدحي عاطراً ... فلقد وجدت نسيم برّك أعطرا

стр. 676

[٧ - من ترجمة ابن وهبون] وقال في ترجمة عبد الحليل بن وهبون المرسي (١) : ركب بإشبيلية زورقاً في نهرها الذي لا تدانيه الصّراة، ولا يضاهيه الفرات، في ليلة تنقبت بظلمتها (٢) ، ولم يبد وضحٌ في دهمتها، وبين أيديهم شمعتان قد انعكس شعاعهما في اللجّة، وزاد في تلك البهجة، فقال: كأنّما الشّمعتان إذ سمتا ... خدّا غلامٍ محسّن الغيد وفي حشا النهر من شعاعهما ... طريق نار الهوى إلى كبدي وكان معه غلام البكري (٣) معاطياً للراح، وجارياً في ميدان ذلك المراح، فلمّا جاء عبد الجليل بما جاء، وحلّى (٤) للإبداع الجوانب والأرجاء، حسده على ذلك الارتجال، وقال بين البطء والاستعجال: أعجب بمنظر ليلةٍ ليلاء ... تجنى بها اللذّات فوق الماء في زورقٍ يزهو بغرّة أغيدٍ ... يختال مثل البانة الغيناء قرنت يداه الشمعتين بوجهه ... كالبدر بين النّسر والجوزاء والتاح تحت الماء ضوء جبينه ... كالبرق يخفق في غمام سماء [٨ - من ترجمة ابن طاهر] وقال الفتح ﵀ (٥) : دعيت يوماً إلى منية المنصور بن أبي عامر ببلنسية،

стр. 677

وهي منتهى الجمال، ومزهى الصّبا والشمال، على وهي بنائها، وسكنى (١) الحوادث برهة بفنائها (٢) ، فوافيتها والصبح قد ألبسها قميصه، والحسن قد شرح بها عويصه، وبوسطها مجلس قد تفتّحت للروض أبوابه، وتوشّحت بالأزر الذهبية (٣) أثوابه، يخترقه جدول كالحسام المسلول، وينساب فيه انسياب الأيم في الطّلول، وضفّاته بالأدواح محفوفة، والمجلس يروق كالخريدة المزفوفة، وفيه يقول عليّ بن أحمد أحد شعرائها، وقد حلّه مع طائفة من وزرائها: قم سقّني (٤) والرياض لابسةٌ ... وشياً من النّور حاكه القطر في مجلسٍ كالسماء لاح به ... من وجه من قد هويته بدر (٥) والشمس قد عصفرت غلائلها ... والأرض تندى ثيابها الخضر والنهر مثل المجرّ حفّ به ... من الندامى كواكبٌ زهر فحللت ذلك المجلس وفيه (٦) أخدان، كأنّهم الولدان، وهم في عيش لدن، كأنّهم في جنّة (٧) عدن، فأنخت لديهم ركائبي وعقلتها، وتقلدت بهم رغائبي واعتقلتها، وأقمنا نتنعم بحسنه طول ذلك اليوم، ووافى الليل فذدناعن الجفون طروق النوم، وظللنا بليلة كأن الصبح منها مقدود، والأغصان تميس كأنّها قدود، والمجرّة تتراءى نهراً، والكواكب تخالها في الجو زهراً، والثريّا كأنّها راحة تشير، وعطارد لنا بالطرب بشير، فلمّا كان من الغد وافيت الرئيس أبا عبد الرحمن زائراً، فأفضنا في الحديث إلى أن أفضى بنا إلى ذكر

стр. 678

منتزهنا بالأمس، وما لقينا فيه من الأنس، فقال لي: ما بهجة موضع قد بان قطينه وذهب، وسلب الزمان بهجته وانتهب، وباد فلم يبق إلاّ رسمه، ومحاه الحدثان فما كاد يلوح وسمه (١) ، عهدي به عندما فرغ من تشييده، وتنوهي في تنسيقه وتنضيده، وقد استدعاني إليه المنصور في يوم (٢) حلّت فيه الشمس برج شرفها، واكتست (٣) الأرض بزخرفها، فحللت به والدوح تميس معاطفه، والنّور يخجله قاطفه، والمدام تطلع به وتغرب، وقد حلّ به قحطان ويعرب، وبين يدي المنصور مائة غلام ما يزيد أحدهم على العشر غير أربع، ولا يحل غير الفؤاد من مربع، وهم يديرون رحيقاً، خلتها في كأسها درّاً أو عقيقاً، فأقمنا والشّهب تغازلنا، وكأن الأفلاك منازلنا، ووهب المنصور في ذلك اليوم ما يزيد على عشرين ألفاً من صلات متصلات، وأقطع ضياعاً، ثم توجع لذلك العهد، وأفصح بما بين ضلوعه من الوجد، وقال: سقياً لمنزلة اللّوى وكثيبها ... إذ لا أرى زمناً كأزماني بها [٩ - من رسالة للفتح] وما أحسن ما كتب به الفتح إلى بعض الملوك يصف نزهة ببعض منتزهات الأندلس المونقة، ويذكر استضاءته فيها بشموس المسرّة المشرقة، وهو: أطال الله سبحانه بقاء ناصر الدولة، ومحيي الملّة، الذي حسن بلقياه العيش، وتزين بمحياه الجيش، وراق باسمه الملك، وجرت بعجه الفلك وأنا ربه الليل الدامس؛ ولاح له الأثر الطامس؛ وجرى الدهر لسطوته خائفاً، وغدا السعد بعقوته طائفاً، والزمان ببرود علياه ملتحف، ولثغور نداه

стр. 679

مرتشف، ولا زال للمجد يتملّكه، والسعد يحمله فلكه، وأما وقد وافقتني أيّامه أيده الله سبحانه وفاقاً، ورأيت للبيان عنده نفاقاً، فلا بد أن أرسل كتائبه أفواجاً، وأفيض من بحره أمواجاً، وأصف ما شاهدته من اقتداره، وعاينته من حسن إيراده وإصداره، بمقال أفصح من شكوى المحزون، وأملح من رياض الحزون، وقد كنت، أيّده الله تعالى، كلفاً بالدول وبهائها، لهجاً بالبلوغ إلى انتهائها، لأجد دولة أرتضيها، وحظوة علياء أقتضيها، فكلّ ملك فاوضته سرّاً وجهراً، وكلّ ملك قلبته بطناَ وظهراً، والنفس تصدّ عنه صدود الجبان عن الحرب، والملائكة الكرام عن الشرب، إلى أن حصلت لديه، ووصلت بين يديه، فقلت: الآن أمكن من راح البغية الانتشاء، وتمثّلت " الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن وأورثنا الأرض نتبوّأ من الجنّة حيث نشاء " ومازلت أسايره حيث سار، وآخذ اليمين تارة وتارة اليسار، وكل ناحية تسفر لي عن خدّ روض أزهر، وعذار نبتٍ أخضر، وتبسم عن ثغر حباب، في نهر كالحباب، وترفل من الربيع في ملابس سندسيّات، وتهدي إلينا نوافح مسكيّات، وتزهى من بهجتها بأحسن منظر، وتتيه بجلباب أينع من برد الشباب الأنضر (١) ، فجلنا فيها يميناً وشمالاً، واستخبرنا عن أسرارها صباً وشمالاً، ثم مال بنا، أيّده الله تعالى، عن هذه المسارح السنيّة، والمنازل البهيّة، إلى إحدى ضياعه الحالية، وبقاعه العالية، فحللناها والأيم قد عري من جلبابه، واليوم قد اكتهل بعد شبابه، فنزلنا في قصور يقصر عنها جعفريّ جعفر (٢) ، وقصور بني الأصفر، تهدي من لبّاتها برداً محبّراً، وتبدي من شذاها مسكاً وعنبراً، قد لاحت من جوانبها نجوم أكواس لو رآها أبو نواس لجعلها شعاره، ووقف على نعتها أشعاره، ولم يتخذ سواها نجعة، ولا نبّه خمّاره بعد هجعة، فتعاطيناها والسعد لنا خادم، وما غير السرور

стр. 680

علينا قادم، وخدود سقاتها قد اكتست من سناها، وقدودهم تتهيّل علينا بجناها، ونحن بين سكر وصحو، وإثبات لها ومحو، وإصاخة إلى بمّ وزير، والتفاتة إلى ملك ووزير، إلى أن ولّى النهار فحيّانا، وأقبل الليل المميت فأحيانا، فوصلنا بلهو وقصف، وعيش يتجاوز كلّ وصف، فكأن يومنا مقيم، أو كأن ليلنا من الظلام عقيم؛ ولما سلّ الفجر حسامه، وأبدى لعبوس الليل ابتسامه، وجاء يختال اختيالاً، ويمحو من بقايا الليل نيالاً، قمنا نتنادب للمسير، وكلّنا في يد النشوة أسير، فسرنا والملك الأجلّ يقدمنا، والأيام تخدمنا فلا زالت الأيام به زاهية، وعن سواه لاهية، ما عمر وكراً عقاب، وكان للشهور غرر وأعقاب، انتهى. [١٠ - من ترجمة الراضي] وقال الفتح في ترجمة الراضي بالله أبي خالد يزيد بن المعتمد بن عباد بعد كلام ما صورته (١) : وأخبرني المعتز (٢) بالله أن أباه المعتمد وجّهه - يعني أخاه الراضي - إلى شلب والياً، وكانت ملعب شبابه، ومألف أحبابه، التي عمر نجودها غلاماً، وتذكر عهودها أحلاماً، وفيها يقول يخاطب ابن عمار وقد توجّه إليها: ألا حيّ أوطاني بشلب أبا بكر ... وسلهنّ هل عهد الوصال كما أدري وسلّم على قصر الشراجيب من فتىً ... له أبداً شوقٌ إلى ذلك القصر وقصر الشراجيب هذا متناهٍ في البهاء والإشراق، مباهٍ لزوراء العراق، ركضت في جياد راحاته، وأمضت بروق أمانيه في ساحاته، وجرى الدهر مطيعاً بين بكره وروحاته، أيام لم تحلّ عنه تمائمه، ولا خلت من أزاهير

стр. 681

الشباب كمائمه، وكان يعتدّها مشتهى (١) آماله، ومنتهى أعماله، إلى بهجة جنباتها، وطيب نفحاتها وهبّاتها، والتفاف خمائلها، وتقلدها بنهرها مكان حمائلها، وفيها يقول ابن اللّبّانة: أما علم المعتزّ (٢) بالله أنّني ... بحضرته في جنّةٍ شقّها نهر وما هو نهر أعشب النبت حوله ... ولكنّه سيفٌ حمائله خضر فلمّا صدر عنها وقد حسنت آثاره في تدبيرها، وانسدلت رعايته على صغيرها وكبيرها، نزل المعتمد عليه مشرفاً لأوبته، ومعرفاً بسموّ قدره لديه ورتبته، وأقام يومه عنده مستريحاً، وجرى في ميدان الأنس بطلاً مشيحاً، وكان واجداً على الراضي فجلت الحميّا أفقه، ومحت غيظه عليه وحنقه، وصوّرته له عين حنوّه، وذكرته بعده فجنح إلى دنوّه، وبين ما استدعى وأوفى، مالت بالمعتمد نشوته وأغفى، فألفاه صريعاً في منتداه، طريحاً في منتهى مداه، فأقام تجاهه، يرتقب انتباهه، وفي أثناء ذلك صنع شعراً أتقنه وجوّده، فلمّا استيقظ أنشده: ألان تعود حياة الأمل ... ويدنو شفاء فؤادٍ معلّ ويورق للعزّ غصنٌ ذوى ... ويطلع للسّعد نجمٌ أفل فقد وعدتني سحاب الرضا ... بوابلها حين جادت بطلّ أيا ملكاً أمره نافذٌ ... فمن شا أعزّ ومن شا أذلّ دعوت فطار بقلبي السرور ... إليك، وإن كان منك الوجل كما يستطيرك حبّ الوغى ... إليها وفيها الظّبا والأسل فلا غرو إن كان منك اغتفارٌ ... وإن كان منّا جميعاً زلل

стр. 682

فمثلك - وهو الذي لم نجده ... عاد (١) بحلم على من جهل [١١ - من ترجمة المتوكل] وقال في ترجمة المتوكل على الله ابن الأفطس، ما صورته (٢) : وأخبرني الوزير أبو محمد بن عبدون، أن الجدب توالى بحضرته (٣) حتى جفّت مذانبها، واغبرّت جوانبها، وغرد المكّاء في غير روضه، وخاض الياس بالناس أعظم خوضه، وأبدت الخمائل عبوسها، وشكت الأرض للسماء بوسها، فأقلع المتوكل عن الشرب واللهو، ونزع ملابس الخيلاء والزّهو، وأظهر الخشوع، وأكثر السجود والركوع، إلى أن غيّم الجوّ، وانسجم النوّ، وصاب الغمام، وترنّمت (٤) الحمام، وسفرت الأنوار (٥) ، وزهت النجود والأغوار، واتفق أن وصل أبو يوسف المغنّي والأرض قد لبست زخارفها، ورقم الغمام مطارفها، وتدبجت (٦) الغيطان والرّبى، وأرجت نفحات الصّبا، والمتوكل ما فضّ لتوبته ختاماً، ولا نفض عن قلبه منها قتاماً (٧) ، فكتب إليه: ألمّ أبو يوسفٍ والمطر ... فيا ليت شعري ما ينتظر ولست بآبٍ وأنت الشهيد ... حضور نديّك فيمن حضر ولا مطلعي وسط تلك السماء ... بين النجوم وبين القمر

стр. 683

وركضي فيها جياد المدام ... محثوثةً بسياط الوتر فتعث إليه مركوباً، وكتب معه: بعثت إليك جناحاً فطر ... على خفيةٍ من عيون البشر على ذللٍ (١) من نتاج البروق ... وفي ظللٍ من نسيج الشّجر فحسبي ممّن نأى من دنا ... ومن غاب كان فدا من حضر فوصل القصبة (٢) المطلّة على البطحاء، المزرية بمنازل الرّوحاء، فأقام منها حيث قال عديّ بن زيد يصف مصنعاً (٣) : في قبابٍ حول دسكرةٍ ... حولها الزيتون قد ينعا ومرّ (٤) لهم من السرور يومٌ ما مر لذي رعين، ولا تصوّر قبل عيونهم لعين. وأخبرني أنّه سايره إلى شنترين قاصية أرض الإسلام، السامية الذرا والأعلام، التي لا يروعها صرف، ولا يفرعها طرف، لأنّها متوعّرة المراقي، معفّرة (٥) للراقي، متمكّنة الرّواسي والقواعد، من (٦) ضفة نهر استدار بها استدارة القلب بالساعد، قد أطلّت على خمائلها، إطلال العروس من منصّتها، واقتطعت من الجوّ أكثر من حصّتها، فمروا بألبش (٧) قطرٍ سالت به جداوله، واختالت فيه خمائله، فما يجول الطّرف منه إلاّ في حديقة،

стр. 684

أو بقعة أنيقة، فتلقّاهم ابن مقانا قاضي حضرته وأنزلهم عنده، وأورى لهم بالمبرّة زنده، وقدّم لهم طعاماً، واعتقد قبوله منّاً وإنعاماً، وعندما طعموا قعد القاضي بباب المجلس رقيباً لا يبرح، وعين المتوكل حياءٍ منه لا تجول ولا تمرح، فخرج أبو محمد وقد أرمه بتثقيله، وحرمه راحة رواحه ومقيله، فلقي ابن خيرون منتظراً له، وقد أعد لحلوله منزله، فسار إلى مجلس قد ابتسمت ثغور نوّاره، وخجلت خدود ورده من زوّاره، وأبدت صدور أباريقه أسرارها، وضمّت عليه المحاسن أزرارها، ولما حضر له وقت الأنس وحينه، وأرجت له رياحينه، وجّه من يرقب المتوكل حتى يقوم جليسه، ويزول موحشه لا أنيسه، فأقام رسوله وهو بمكانه لا يريمه، قد لازمه كأنّه غريمه، فما انفصل، حتى ظن أن عارض الليل قد نصل، فلمّا علم أبو محمد بانفصاله بعث إلى المتوكل قطيع راح (١) وطبق ورد، وكتب معهما: إليكها فاجتلها منيرةً ... وقد خبا حتى الشهاب الثاقب واقفةً بالباب لم يؤذن لها ... إلاّ وقد كاد ينام الحاجب فبعضها من المخاف جامدٌ ... وبعضها من الحياء ذائب فقبلها منه، رحمه الله تعالى وعفا عنه، وكتب إليه: قد وصلت تلك التي زففتها ... بكراً وقد شابت لها ذوائب فهبّ حتى نستردّ ذاهباً ... من أنسنا إن استردّ ذاهب فركب إليه، ونقل معه ما كان بالمجلس بين يديه، وباتا ليلتهما لا يريمان السهر، ولا يشيمان برقاً إلا الكاس والزّهر. ثم قال بعد كلام (٢) : وأخبرني الوزير الفقيه أبو أيوب بن أبي أمية أنّه مرّ

стр. 685

في بعض أيّامه بروض مفترّ المباسم، معطّر الرياح النواسم، قد صقل الربيع حوذانه، وأنطق بلبله وورشانه (١) ، وألحف غصونه بروداً مخضرّة، وجعل إشراقة للشمس ضرّة، وأزاهره تتيه على الكواكب، وتختال في خلع الغمائم السواكب، فارتاح إلى الكون به بقيّة نهاره، والتنعم ببنفسجه وبهاره، فلمّا حصل من أنسه في وسط المدى، عمد إلى ورقة كرنبٍ قد بللها النّدى، وكتب فيها بطرف غصن، يستدعي الوزير أبا طالب ابن غانم، أحد ندمائه، ونجوم سمائه: أقبل أبا طالبٍ إلينا ... وقع وقوع الندّى علينا فنحن عقدٌ بغير وسطى ... ما لم تكن حاضراً لدينا [١٢ - من ترجمة المعتصم بن صمادح] وقال في ترجمة المعتصم بن صمادح، ما صورته (٢) : وأخبرني الوزير أبو خالد بن بشتغير (٣) أنّه حضر مجلسه بالصمادحية في يوم غيم وفيه أعيان الوزراء، ونبهاء الشعراء، فقعد على موضع يتداخل الماء فيه، ويلتوي (٤) في نواحيه، والمعتصم منشرح النفس، مجتمع الأنس، فقال: أنظر إلى حسن هذا الماء في صببه ... كأنّه أرقمٌ قد جدّ في هربه فاستبدعوه، وتيّموه به وأولعوه، فاسكب عليه شآبيب نداه، وأغرب بما ظهر من بشره وأبداه.

стр. 686

ثم قال بعد كلام (١) : وخرج إلى برجة ودلاية وهما نظران (٢) لم يجل في مثلهماناظر، ولم تدّع حسنهما الخدود النواضر، غصونٌ تثنّيها الرياح، ومياه لها انسياح، وحدائق تهدي الأرج والعرف، ومنازل (٣) تبهج النفس وتمتع الطرف، فأقام فيها أيّاماً يتدرج في مسارحها، ويتصرف في منازهها، وكانت نزهة أربت على نزهة هشام بدير الرّصافة، وأنافت عليها أيّ إنافة. [١٣ - من ترجمة ابن رزين] وقال في ترجمة ابن رزين، ما ملخّصه (٤) : أخبرني الوزير أبو عامر [ابن سنون] (٥) أنّه اصطبح يوماً والجوّ سماكي (٦) العوارف، لازورديّ المطارف، والروض أنيقة لبّاته، رقيقة هبّاته، والنور مبتلّ، والنسيم معتلّ، ومعه قومه، وقد راقهم يومه، وصلاته تصافح معتفيهم، ومبرّاته تشافه موافيهم، والراح تشعشع، وماء الأماني ينشع، فكتب إلى ابن عمّار وهو ضيفه: ضمانٌ على الأيّام أن أبلغ المنى ... إذا كنت في ودّي مسرّاً ومعلنا فلو تسأل الأيّام: من هو مفرد ... بودّ ابن عمّارٍ؟ لقلت لها: أنا فإن حالت الأيّام بيني وبينه ... فكيف يطيب العيش أو يحسن الغنا (٧) فلمّا وصلت الرقعة إليه تأخّر عن الوصول، واعتذر بعذر مختلّ المعاني

стр. 687

والفصول، فقال أحد الحاضرين: إنّي لأعجب من قعود ابن عمار، عن هذا المضمار، مع ميله إلى السّماع، وكلفه بمثل هذا الاجتماع، فقال ذو الرياستين: إن الجواب تعذر، فلذا اعتذر، لنّه يعاني قوله ويعلّله، ويروّيه ولا يرتجله، ويقوله في المدة الممتدّة، فرأى أن الوصول بلا جواب إخجال لأدبه، وإخلال لمنازله في الشعر ورتبه، فلمّا كان من الغد ورد ابن عمار ومعه الجواب، وهو: هصرت لي الآمال طيّبة الجنى ... وسوّغتني الأحوال مقبلة الدّنى وألبستني النّعما أغضّ من النّدى ... وأجمل من وشي الرّبيع وأحسنا وكم ليلةٍ أحظيتني بحضورها ... فبتّ سميراً للسّناء وللسّنا أعلّل نفسي بالمكارم والعلا ... وأذني وكفّي بالغناء وبالغنى سأقرن بالتمويل ذكرك كلّما ... تعاورت الأسماء غيرك والكنى لأوسعتني قولاً وطولاً كلاهما ... يطوّق أعناقاً ويخرس ألسنا وشرّفتني من قطعة الروض بالتي ... تناثر فيها الطّبع ورداً وسوسنا تروق بجيد الملك عقداً مرصّعاً ... وتزهو على عطفيه برداً مزيّنا (١) فدم هكذا يا فارس الدّست والوغى ... لتطعن طوراً بالكلام وبالقنا وأخبرني الوزير [الكاتب أبو جعفر] (٢) ابن سعدون أنّه اصطبح (٣) يوماً بحضرته وللرذاذ رشّ، وللربيع على وجه الأرض فرش، وقد صقل الغمام الأزهار حتى أذهب نمشها، وسقاها فأروى عطشها، فكتب إليه: فديناك لا يسطيعك النظم والنثر ... فأنت مليك الأرض، واتصل (٤) الأمر

стр. 688

مرينا نداك الغمر فانهلّ صيّباً ... كما سكبت وطفاء أو سكب البحر (١) وجاء الربيع الطّلق يبدي غضارة ... فحيّتك منه الشمس والروض والنهر إلى أن قال (٢) : ثم وجّه إلى روضة قد أرجت نفحاتها، وتدبجت ساحاتها، وتفتّحت كمائمها، وأفصحت حمائمها (٣) ، وجردت جداولها كالبواتر، ورمقت أزهارها كالعيون الفواتر (٤) ، وأقاموا يعملون أكواسهم (٥) ، ويشتملون إيناسهم، فقال ذو الرياستين (٦) : وروضٍ كساه الطّلّ وشياً مجدّدا ... فأضحى مقيماً للنفوس ومقعدا إذا صافحته الريح خلت غصونه ... رواقص في خضر من القضب (٧) ميّدا إذا ما انسكاب الماء عايننت خلته ... وقد كسرته راحة الريح مبردا وإن سكنت عنه حسبت صفاءه ... حساماً صقيلاً صافي المتن جرّدا وغنّت به ورق الحمائم بيننا ... غناءً ينسّيك الغريض ومعبدا فلا تجفونّ الدّهر ما دام مسعداً ... ومدّ إلى ما قد حباك به يدا وخذها مداماً من غزال كأنّه ... إذا ما سقى بدرٌ تحمّل فرقدا إلى أن قال (٨) : وأخبرني الوزير [أبو عامر] (٩) ابن سنون، أنّه كان معه في منية العيون، في يوم مطرّز الأديم، ومجلس معزز النديم، والأنس يغازلهم

стр. 689

من كلّ ثنية، ويواصلهم بكل أمنية، فسكر أحد الحاضرين سكراً مثّل له ميدان الحرب، وسهّل عليه مستوعر الطعن والضرب، فقلب مجلس الأنس حرباً وقتالاً، وطلب الطعن وحده والنزالا (١) ، فقال ذو الرياستين: نفس الذليل تعزّ بالجريال ... فيقاتل الأقران دون قتال كم من جبان ذي افتخار باطلٍ ... بالراح (٢) تحسبه من الأبطال [كبش النديّ تخمّطاً وعرامةً ... وإذا تشبّ الحرب شاة نزال] (٣) [١٤ - ترجمة ابن طاهر] وقال في ترجمة ابن طاهر، ما صورته (٤) : وجئته يوماً وقد وقفت بباب الحنش، فقال لي: من أين؟ فأعلمته، ووصفت له ما عاينته من حسنه وتأمّلته، فقال لي: كنت أخرج إليه في أكثر الليالي مع الوزير الأجلّ أبي بكر؟ يعين ابن عبد العزيز؟ إلى روضته التي ودّت الشمس أني يكون منها طلوعها، وتمنى المسك أن تنضم عليه ضوعها، والزمان غلام، والعيش أحلامن والدنيا تحية وسلام، والناس قد انتشروا في جوانبه، وقعدوا على مذانبه، وفي ساقيته الكبرى دولاب يئنّ كناقة إثر حوار، أو كثكلى من حرّ الأوار، وكل مغرم يجعل فيه ارتياحه، بكرته ورواحه، ويغازل عليه حبيبه، ويصرف إليه تشبيبه، فخرجت عليه ليلة والمتنبي الجزيري (٥) واقف وأمامه ظبي آنس، تهيم

стр. 690

به المكانس، وفي أذنيه قرطان، كأنّهما كوكبان، وهو يتأوّد تأوّد غصن البان، والمتنبي يقول: معشر النّاس بباب الحنش ... بدر تمّ طالع في غبش علّق القرط على مسمعه ... من عليه آفة العين خشي فلمّا رآني أمسك، وسبّح كأنّه قد تنسك. [١٥ - من ترجمة ابن عمّار] وقال في ترجمة ابن عمار، ما صورته (١) : وتنزه بالدمشق بقرطبة، وهو قصر شيّده بنو أميّة بالصّفّاح والعمد، وجروا في إتقانه إلى غير أمد، وأبدع بناؤه، ونمقت ساحته وفناؤه، واتخذوه ميدان مراحهم، ومضماراً لانشراحهم، وحكوا به قصرهم بالمشرق، وأطلعوه كالكوكب الثاقب المشرق، فحلّه أبو بكر ابن عمّار على أثر بوسه، وابتسم له دهره بعد عبوسه، والدنيا قد أعطت عفوها، وسقته صفوها، وبات فيه مع لمّةٍ من أتباعه، ومتفيئ رباعه، وكلهم يحييه بكاس، ويفديه بنفسه من كل باس، فطابت له ليلته في مشيده، وأطربه الأنس ببسيطه ونشيده، فقال: كلّ قصرٍ بعد الدمشق يذمّ ... فيه طاب الجنى وفاح المشمّ منظرٌ رائقٌ، وماءٌ نميرٌ ... وثرىً عاطرٌ، وقصرٌ أشمّ بتّ فيه الليل والفجر عندي ... عنبرٌ أشهبٌ ومسكٌ أحمّ وعبّر صاحب البدائع عن هذه القصة بقوله (٢) : تنزه ابن عمار بالدمشق بقرطبة، وهو قصر شيّده خلفاء بني أميّة وزخرفوه، ودفعوا صرف الدهر

стр. 691

عنه وصرفوه، وأجروه على إرادتهم وصرّفوه، وذهّبوا سقفه وفضّضوها، ورخّموا أرضه وروّضوها، فبات به السعد يلحظه بطرفه، والروض يحييه بعرفه، فلمّا استنفد كافور الصباح به مسك الغسق، ورصع آبنوس الظلام نضار الشفق، قال مرتجلاً: كل قصر بعد الدمشق يذمّ ... إلخ، انتهى. [١٦ - من ترجمة ابن لبون] وقال في ترجمة ذي الوزارتين أبي عيسى ابن لبّون (١) : أخبرني الوزير أبو عامر ابن الطويل أنّه كان بقصر مربيطر بالمجلس المشرف منها (٢) ، والبطحاء قد لبست زخرفها، ودبج الغمام مطرفها، وفيها حدائق ترنو عن مقل نرجسها، وتبثّ طيب تنفّسها، والجلّنار قد لبس أردية الدماء، وراع أفئدة الندماء، فقال: قم يا نديم عليّ القرقفا ... أوما ترى زهر الرياض مفوّفا فتخال محبوباً مدلاًّ وردها ... وتظن نرجسها محبّاً مدنفا والجلّنار دماء قتلى معرك ... والياسمين حباب ماء قد طفا إلى أن قال (٣) : وشرب مع الوزراء ببطحاء لورقة [عند أخيه، وابن اليسع غائب عنها] (٤) في عشية تجود بدمائها، ويصوب عليها دمع سمائها، والبطحاء قد خلع عليها سندسها، ودنّرها (٥) نرجسها، والشمس تنفض على الرّبى زعفرانها، والأنوار تغمض أجفانها، فكتب إلى ابن اليسع:

стр. 692

لو كنت تشهد يا هذا عشيّتنا ... والمزن تسكب أحياناً وتنحدر والأرض مصفرة كالشمس (١) كاسية ... أبصرت تبراً عليه الدّرّ ينتثر [١٧ - من ترجمة ابن رحيم] وقال في ترجمة ذي الوزارتين أبي بكر ابن رحيم، ما صورته (٢) : ووصل هو وابن وضاح (٣) صهر المرتضى، وابن جمال الخلافة صاحب صقلية، إلى إحدى جنّات مرسية، فحلوا منها في قبة فوق جدول مطّرد، وتحت أدواحٍ طيرها غرد، فأقاموا يتعاطون رحيقهم، ويعمرون في المؤانسة طريقهم، إذا بالجنّان قد وقف عليهم وقال: كان بموضعكم بالأمس صاحب الموضع ومعه شعور منشورة، وخدود غير مستورة، قد رفعت عنها البراقع، وما منها نظرة إلاّ ومعها سهم واقع، فاستدعى فحماً وكتب في إحدى زوايا القبّة: قادنا ودّنا إليك فجئنا ... بنفوس تفديك من كل بوس فنزلنا منازلاً لبدور ... وحللنا مطالعاً لشموس [١٨ - من ترجمة ابن عبدون] وقال في ترجمة الوزير الكاتب أبي محمد ابن عبدون، ما صورته (٤) : حللت بيابرة (٥) فأنزلني واليها بقصرها، ومكّنني من جني الأماني وهصرها، فأقمت

стр. 693

ليلي، أجرّ على المجرّة ذيلي، وتتطارد في ميدان السرور خيلي، فلمّا كان من الغد باكرني الوزير أبو محمد مسلّماً، ومن تنكّبي عنه متألّماً، ثم عطف على القائد عاتباً عليه، في كوني لديه، ثم انصرف وقد أخذني من يديه، فحللت عنده في رحب، وهمت عليّ من البرّ أمطار سحب، في مجلس كأن الدراري فيه مصفوفة، أو كأن الشمس إليه مزفوفة، فلمّا حان انصرافي، وكثر تطلّعي إلى مآبي واستشرافي، ركب معي إلى حديقة نضرة، مجاورة للحضرة، فأنخنا عليها أيدي عيسنا، ونلنا منها ما شئنا من تأنيسنا، فلمّا امتطيت عزمي، وسدّدت إلى غرض الرحلة سهمي، أنشدني: سلامٌ يناجي منه زهر الرّبى عرف ... فلا سمع إلاّ ودّ لو أنّه أنف حنيني إلى تلك السّجايا فإنّها ... لآثار أعيان المساعي التي أقفو ثم سرد القصيدة إلى أن قال: وله رحمه الله تعالى (١) : سقاها الحيا من مغانٍ فساح ... فكم لي بها من معانٍ فصاح وحلّى أكاليل تلك الرّبى ... ووشّى معاطف تلك البطاح فما أنس لا أنس عهدي بها ... وجرّي فيها ذيول المراح ونومي على حبرات الرّياض ... يجاذب برديّ مرّ الرّياح ولم أعط أمر النّهى طاعة ... ولم أصغ سمعاً إلى لحي لاح (٢) وليلٍ كرجعة طرف المريب ... لم أدر له شفقاً من صباح [١٩ - من ترجمة ابن مالك] وقال في ترجمة الوزير أبي محمد ابن مالك بعد كلام له فيه وإنشاده بيتيه

стр. 694

البديعين اللذين هما: لا تلمني بأن طربت لشجوٍ ... يبعث الأنس فالكريم طروب ليس شقّ الجيوب حقّاً علينا ... إنّما الشأن (١) أن تشقّ القلوب ما صورته (٢) : وخرجت من إشبيلية مشيّعاً لأحد زعماء المرابطين، فألفيته معه مسايراً له في جملة من شيّعه، فلمّا انصرفنا مال بنا إلى معرّس أمير المسلمين أدام الله تعالى تأييده الذي ينزله عند حلوله إشبيلية (٣) ، وهو موضع مستبدع، كأن الحسن فيه مودع، ما شئت من نهر ينساب انسياب الأراقم، وروض كما وشّت البرد يد راقم، وزهر يحسد المسك ريّاه، ويتمنّى الصبح أن يسم به محيّاه، فقطف غلام وسيم من غلمانه نورة ومن يده إليّ وهي في كفّه، فعزم عليّ أن أقول بيتاً في وصفه، فقلت: وبدرٍ بدا والطّرف مطلع حسنه ... وفي كفّه من رائق النّور كوكب فقال أبو محمد: يروح لتعذيب النّفوس ويغتدي ... ويطلع في أفق الجمال ويغرب ويحسد منه الغصن أيّ مهفهفٍ ... يجيء على مثل الكئيب ويذهب [٢٠ - من ترجمة ابن السقاط] وقال في ترجمة الوزير أبي القاسم ابن السّقّاط بعد كلام كثير، ما صورته (٤) : وحملنا الوزير القاضي أبو الحسن ابن أضحى إلى إحدى ضياعه بخارج غرناطة،

стр. 695

ومعنا الوزير أبو محمد ابن مالك، وجماعة من أعيان تلك الممالك (١) ، فحللنا بضيعة لم ينحت المحل أثلها، ولم ترمق العيون مثلها، وجلنا بها في أكناف، جنّاتٍ ألفاف، فما شئت من دوحة لفّاء، وغصن يميس كعطفي هيفاء، وماء ينساب في جداوله، وزهرٍ يضمّخ بالمسك راحة متناوله؛ ولما قضينا من تلك الحدائق أرباً، وافتضضنا منها أتراباً عرباً، ملنا إلى موضع المقيل، وزلنا عن منازه تزري بمنازه جذيمة مع مالك وعقيل، وعند وصولنا بدا لي من أحد الأصحاب تقصيرّ في المبرّة، عرض لي منه تكدير لتلك العين (٢) الثّرة، فأظهرت التثاقل أكثر ذلك اليوم، ثم عدلت عنهم إلى الاضطجاع والنوم، فما استيقظت إلا والسماء قد نسخ صحوها، وغيّم جوّها، والغمام منهمل، والثرى من سقياه ثمل، فبسطني بتحفّيه، وأبهجني ببرٍّ له لم يزل يتممه ويوفيه، وأنشدني: يومٌ تجهّم فيه الأفق وانتثرت ... مدامع الغيث في خدّ الثرى هملا رأى وجومك فاربدّت (٣) طلاقته ... مضاهياً لك في الأخلاق ممتثلا [٢١ - من ترجمة ابن أضحى] وقال في ترجمة الوزير القاضي أبي الحسن ابن أضحى، ما نصّه (٤) : وكان لصاحب البلد الذي كان يتولّى القضاء به ابنٌ من أحسن الناس صورة، وكانت محاسن الأفعال والأقوال عليه مقصورة، مع ما شئت من لسن، وصت حسن، وعفاف، واختلاط بالبهاء (٥) والتفاف، فحملنا إلى إحدى ضياعه بقرب

стр. 696

من حضرة غرناطة فحللنا قرية على ضفّة نهر، أحسن من شاذمهر (١) ، تشقّها جداول كالصّلال، ولا ترمقها الشمس من تكاثف الظلال، ومعنا جملة من أعيانها، فأحضرنا من أنواع الطعام، وأرانا من فرط الإكرام والإنعام، ما لا يطاق ولا يحد، ويقصر عن بعضه العد، وفي أثناء مقامنا بدا لي من ذلك الفتى المذكور ما أنكرته فقابلته بكلام أحقده، وملام اعتقده (٢) ، فلمّا كان من الغد لقيت منه اجتنابه، ولم أر منه ما عهدته من الإنابه، فكتبت إليه مداعباً، فراجعني بهذه القطعة: أتتني أبا نصرٍ نتيجة خاطرٍ ... سريعٍ كرجع الطّرف في الخطرات فأعربت عن وجدٍ كمينٍ طويته ... بأهيف طاوٍ فاتر اللحظات غزالٍ أحمّ المقلتين عرفته ... بخيف منىً للحسن أو عرفات رماك فأصمى والقلوب رميّةٌ ... لكلّ كحيل الطّرف ذي فتكات وظنّ بأن القلب منك محصّبٌ ... فلبّاك من عينيه بالجمرات تقرّب بالنّسّاك في كل منسكٍ ... وضحّى غداة النّحر بالمهجات وكانت له جيّان مثوىً فأصبحت ... ضلوعك مثواه بكل فلاة يعزّ علينا أن تهيم فتنطوي ... كئيباً على الأشجان والزفرات فلو قبلت للنّاس في الحبّ فديةٌ ... فديناك بالأموال والبشرات [٢٢ - من ترجمة ابن خفاجة] وقال في ترجمة أديب الأندلس وشاعرها أبي إسحاق ابن خفاجة بعد كلام، ما صورته (٣) : وقال يندب معاهد الشباب، ويتفجّع لوفاة الإخوان والأحباب،

стр. 697

بعقب سيل أعاد الديار آثاراً، وقضى عليها وهياً وانتثاراً: ألا عرّس (١) الإخوان في ساحة البلى ... وما رفعوا غير القبور قبابا فدمعٌ كما سحّ الغمام ولوعةٌ ... كما أضرمت ريح الشمال شهابا إذا استوقفتني في الدّيار عشيّةٌ ... تلدّدت (٢) فيها جيئةً وذهابا أكرّ بطرفي في معاهد فتيةٍ ... ثكلتهم بيض الوجوه شبابا فطال وقوفي بين وجدٍ وفرقةٍ (٣) ... أنادي رسوماً لا تحير جوابا وأمحو جميل الصّبر طوراً بعبرة ... أخطّ بها في صفحتيّ كتابا وقد درست أجسامهم وديارهم ... فلم أر إلاّ أعظماً ويبابا وحسبي شجواً أن أرى الدار بلقعاً ... خلاء وأشلاء الصّديق ترابا ولقد أحلّني بهذه الديار المندوبة وهي كعهدها في جودة مبناها، وعودة سناها، في ليلة اكتحلنا ظلامها إثمداً، ومحونا بها من نفوسنا كمداً، ولم يزل ذلك الأنس يبسطه، والسرور ينشطه، حتى نشر لي ما طواه، وبثّ مكتوم لوعته وجواه، وأعلمني بلياليه فيها مع أترابه، وما قضى بها من أطرابه. انتهى ما وقع عليه اختياري من كلام أبي نصر الفتح بن عبيد الله رحمه الله تعالى في وصف بعض منتزهات الأندلس البديعة، ورياضها المونقة المريعة. [٢٣ - من رسالة للفتح] وما أحسن رسالة له مختصرة كتبها مهنئاً بعض ملوك الأندلس بما منحه الله تعالى من التمكين الذي أيده الله به ونصره، وقد جوّد أوصافه، واستطرد منها إلى ذكر الناصر وولده الحكم اللذين عمرا الزهراء والرّصافة، ونصّها:

стр. 698

أدام الله تعالى أيّام الأمير للأرض (١) يتملّكها، ويستدير بسعده فلكها، وقد استبشر الملك أيدك الله وحقّ له الاستبشار، فقد أومأ إليه السعد وأشار، بما اتفق له من توليتك، وخفق عليه من ألويتك، فلقد حبي منك بملك أمضى من السهم المسدّد، طويل نجاد السيف رحب المقلّد، يتقدّم حيث يتأخّر الذابل، ويتكّرم إذا بخل الوابل، ويحمي الحمى كربيعة بن مكدّم (٢) ، ويسقي الظّبا نجيعاً كلون العندم، فهنيئاً للأندلس فقد استردت عهد خلفائها، واستجدّت رسوم تلك الإمامة بعد عفائها، فكأن لم تمت أعاصرها، ولم يمت حكمها ولا ناصرها، اللذان عمرا الرصافة والزهرا، ونكحا عفائل الروم وما بذلا غير المشرفية مهرا، والله سبحانه أسأله إظهار أيامك، وبه أرجو انتشار أعلامك، حتى يكون عصرك أجمل من عصرهم، ونصرك أغرب من نصرهم، بمنّه وكرمه ويمنه. [٢٤ - من ترجمة ابن عطية] وقال رحمه الله تعالى في ترجمة الفقيه القاضي الحافظ أبي محمد عبد الحق ابن عطية صاحب التفسير الشهير، بعد كلام كثير، ما صورته (٣) : ومررنا في إحدى نزهنا بمكان مقفر، وعن المحاسن مسفر، وفيه بكير نرجس كأنّه عيون مراض، يسيل وسطه ماء رضراض، بحيث لا حس إلا للهام، ولا أنس إلا ما يتعرض للأوهام، فقال: نرجسٌ باكرت منه روضةً ... لذّ قطع الدّهر فيها وعذب حثّت الريح بها خمر حياً ... رقص النبت لها ثمّ شرب

стр. 699

فغدا يسفر عن وجنته ... نوره الغضّ ويهتزّ طرب خلت لمع الشمس في مشرقه ... لهباً يجمد منه في لهب وبياض الطّلّ في صفرته ... نقط الفضّة في خطّ الذهب انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى كثير من وصف بلاد الأندلس ومنتزهاتها، وما اشتملت عليه من المحاسن، في كلام غير واحد ممن يجري ذكره في هذا الكتاب، وخصوصاً أديب زمانه غير مدافع، من اعترف له أهل الشرق، بالسبق، وأهل المغرب، بالإبداع المغرب، النور أبو الحسن عليّ بن سعيد العنسي، فإنّه لما دخل مصر اشتاق (١) إلى تلك المواطن الأندلسيّة الرائقة، ووصفها بالقصائد والمقطوعات الفائقة، وقد أسلفنا أيضاً فيما مرّ من هذا الكتاب بعض ما يتعلّق بمحاسن الأندلس، فليراجع في محلّه من هذا الكتاب. قلت: وماذا عسى أن نذكر من محاسن قرطبة والزاهرة والزهرا، أو نصف من محاسن الأندلس التي تبصر بكل موضع منها ظلاًّ ضافياً ونهراً وزهرا، ويرحم الله تعالى أديبها المشهور، الذي اعترف له بالسبق الخاصة والجمهور، أبا إسحاق ابن خفاجة، إذ قال (٢) : يا أهل أندلسٍ لله درّكم ... ماءٌ وظلٌ وأنهارٌ وأشجار ما جنّة الخلد إلى في دياركم ... ولو تخيّرت هذا كنت أختار لا تحسبوا في غدٍ (٣) أن تدخلوا سقراً ... فليس تدخل بعد الجنّة الناري ويروى مكان قوله: ولو تخيرت هذا كنت أختار ...

стр. 700

ما مثاله: وهذه كنت لو خيّرت أختار ... وكذا رأيت بخط الحافظ التّنسي، والأول رايته بخط العلاّمة الوانشريشي رحمهما الله تعالى. وحكي أن الخليليّ لما قدم من الندلس رسولاً إلى سلطان المغرب أبي عنان فارس ابن السلطان أبي الحسن المريني أنشد بحضرة السلطان المذكور أبيات ابن خفاجة هذه كالمفتخر ببلاد الأندلس، فقال السلطان أبو عنان: كذب هذا الشاعر - يشير إلى كونه جعلها جنّة الخلد، وأنّه لو خير لاختارها على ما في الآخرة - وهذا خروج من ربقة الدين، ولا أقلّ من الكذب والإغراق، وإن جرت عادة الشعراء بذلك الإطلاق، فقال الخليليّ: يا مولانا، بل صدق الشاعر، لأنّها موطن جهاد، ومقارعة للعدوّ وجلاد، والنبي ﷺ الرؤوف الودود الرحيم العطوف (١) ، يقول: الجنّة تحت ظلال السيوف، فاستحسن منه هذا الكلام، ورفع عن قائل الأبيات الملام، وأجزل صلته، ورفع منزلته. ولعمري إن هذا الجواب، لجدير بالصواب، وهكذا ينبغي أن تكون رسل الملوك في الافتنان، روّح الله تعالى أرواح الجميع في الجنان. [قصائد لابن خفاجة] وأبو إسحاق ابن خفاجة كان أوحد الناس في وصف الأنهار والأزهار والرياض والحياض والرياحين والبساتين، وقد سبق بعض كلامه، ويأتي أيضاً منه بعضٌ أثناء الكتاب، ومن ذلك قوله (٢) :

стр. 701

وكمامةٍ حدر الصباح قناعها ... عن صفحة تندى من الأزهار في أبطحٍ رضعت ثغور أقاحه ... أخلاف كلّ غمامةٍ مدرار نثرت بحجر الأرض فيه يد الصّبا ... درر النّدى ودراهم النّوّار وقد ارتدى غصن النّقا، وتقلّدت ... حلي الحباب سوالف الأنهار فحللت حيث الماء صفحة ضاحك ... جذلٍ وحيث الشّطّ بدء عذار والريح تنفض بكرةً لمم الرّبى ... والطّلّ ينضح أوجه الأشجار متقسّم الألحاظ بين محسنٍ ... من ردف رابيةٍ وخضر قرار وأراكة سجع الهديل بفرعها ... والصبح يسفر عن جبين نهار هزّت له أعطافها ولربّما ... خلعت عليه ملاءة الأنوار وقوله (١) : سقياً ليوم قد أنخت بسرحةٍ ... ريّا تلاعبها الرياح فتلعب سكرى يغنّيها الحمام فتنثني ... طرباً ويسقيها الغمام فتشرب يلهو فترفع للشبيبة رايةٌ ... فيه، ويطلع للبهارة كوكب والروض وجهٌ أزهرٌ، والظلّ فر ... عٌ أسودٌ، والماء ثغرٌ أشنب في حيث أطربنا الحمام عشيّةً ... فشدا يغنّينا الحمام المطرب واهتزّ عطف الغصن من طرب بنا ... وافترّ عن ثغر الهلال المغرب فكأنّه والحسن مقترنٌ به ... طوقٌ على برد الغمامة مذهب في فتيةٍ تسري فينصدع الدّجى ... عنها، وتنزل بالجديب فيخصب كرموا فلا غيث السّماحة مخلفٌ ... يوماً، ولا برق اللطافة خلّب من كل أزهر للنعيم بوجهه ... ماء يرقرقه الشّباب فيسكب وقال يمدح الأمير أبا يحيى بن ابراهيم (٢) :

стр. 702

سمح الخيال على النوى بمزار ... والصبح يمسح عن جبين نهار فرفعت من ناري لضيف طارق ... يعشو إليها من خيال طاري ركب الدّجى أحسن به من مركبٍ ... وطوى السّرى أحسن به من ساري وأناخ حيث دموع عيني منهل ... يروي، وحيث حشاي موقد نار وسقى فأروى غلّة من ناهل (١) ... أورى بجانحتيه زند أوار يلوي الضلوع من الولوع لخطرة ... من شيم برق أو شميم عرار مترقّبٌ رسل الرياح عشيّةً ... بمساقط الأنواء والأنوار ومجرّ ذيل غمامة لبست به ... وشي الحباب معاطف الأنهار خفقت ظلال الأيك فيه ذوائباً ... وارتجّ ردفاً مائج (٢) التّيّار ولوى القضيب هناك جيداً أتلعاً ... قد قبّلته مباسم النّوّار باكرته والغيم قطعة عنبر ... مشبوبةٌ والبرق لفحة نار والريح تلطم فيه أرداف الرّبى ... لعباً وتلثم أوجه الأزهار ومنابر الأشجار قد قامت بها ... خطباء مفصحةٌ من الأطيار في فتية جنبوا العجاجة ليلةً ... ولربّما سفروا عن الأقمار ثار القتام بهم دخاناً وارتمى ... زند الحفيظة منهم بشرار شاهدت من هيئاتهم وهباتهم ... إشراف أطوادٍ وفيض بحار من كلّ منتقبٍ بوردة خجلة ... كرماً ومشتمل بثوب وقار في عمّةٍ خلعت عليه للمّةٍ ... وذؤابة قرنت بها لعذار ضافي رداء المجد طمّاح العلا ... طامي عباب الجود رحب الدار

стр. 703

جرّار أذيال المعالي والقنا ... حامي الحقيقة والحمى والجار طرد القنيص بكلّ قيد طريدةٍ ... زجل الجناح مورّد الأظفار ملتفّة أعطافه بجبيرةٍ ... مكحولة أجفانه بنضار يرمى به الأمل القصيّ فينثني ... مخضوب راء (١) الظّفر والمنقار وبكلّ نائي الشّوط أشدق أخزر ... طاوي الحشا حالي المقلّد ضاري يفترّ عن مثل النّصال (٢) ، وإنّما ... يمشي على مثل القنا الخطّار مستقرياً أثر القنيص على الصّفا ... والليل مشتمل بشملة قار من كلّ مسودّ تلهّب طرفه ... ترميك فحمته بشعلة نار ومورّس السّربال يخلع قدّه ... عن نجم رجمٍ في سماء غبار يستنّ في سطر الطريق وقد عفا ... قدماً فتقرأ أحرف الآثار عطف الضمور سراته فكأنّه ... والنّقع يحجبه هلال سرار ولربّ روّاغٍ هنالك أنبطٍ ... ذلق المسامع أطلس الأطمار يجري على حذر فيجمع بسطه ... يهوي فينعطف انعطاف سوار ممتدّ حبل الشأو يعسل رائغاً ... فيكاد يفلت أيدي الأقدار وعنا الزمان لأمره فكأنما ... أصغى الزمان به أمار متردّد يرمي به خوف الرّدى ... كرة تهادتها أكفّ قفار ولربّ طيّارٍ خفيفٍ قد جرى ... فشلاً بجارٍ خلفه طيّار من كلّ قاصرة الخطا مختالة ... مشي الفتاة تجرّ فضل إزار مخضوبة المنقار تحسب أنّها ... كرعت على ظمإ بكأس عقار ولو استجارت منهما بحمى أبي ... يحيى لآمنها أعزّ جوار خدم القضاء مراده فكأنّما ... ملكت يداه أعنّة الأقدار وجلا الإمارة في رفيف نضارةٍ ... جلت الدّجى في حلّة الأنوار

стр. 704

في حيث وشّح لبّةً بقلادةٍ ... منها وحلّى معصماً بسوار جذلان يملأ منحةً وبشاشةً ... أيدي العفاة وأعين الزّوّار أرج النّديّ بذكره فكأنّه ... متنفّسٌ عن روضةٍ معطار بطل حوى الفلك المحيط بسرجه ... واستلّ صارمه يد المقدار بيمينه يوم الوغى وشماله ... ما شاء من نارٍ ومن إعصار والسّمر حمرٌ (١) ، والجياد عوابسٌ ... والجوّ كاسٍ، والسيوف عواري والخيل تعثر في شبا شوك القنا ... قصداً وتسبح في الدم الموّار والبيض تحنى في الطلى فكأنّما ... تلوى عرىً منها على أزرار والنقع يكسر من سنا شمس الضحى ... فكأنّه صدأ على دينار صحب الحسام النّصر صحبة غبطةٍ ... في كفّ صوّالٍ به سوّار ومضى وقد ملكه هزّة عزّةٍ ... تحت العجاج وضحكة استبشار وقال رحمه الله تعالى (٢) : وأراكةٍ ضربت سماء فوقنا ... تندى وأفلاك الكؤوس تدار حفّت بدوحتها مجرّة جدولٍ ... نثرت عليه نجومها الأزهار وكأنّها وكأنّ جدول مائها ... حسناء شدّ بخصرها زنّار زفّ الزجاج بها عروس مدامةٍ ... تجلى ونوّار الغصون نثار في روضة جنح الدّجى ظلٌّ بها ... وتجسّمت نوراً بها الأنوار غنّاء ينشر وشيه البزّاز لي ... فيها ويفتق مسكه العطّار قام الغناء (٣) بها وقد نضح النّدى (٤) ... وجه الثرى واستيقظ النّوّار

стр. 705

والماء في حلي الحباب مقلّد ... زرّت عليه جيوبها الأشجار وقال ملتزماً ما لا يلزم (١) : خذها إليك وإنّها لنضيرة ... طرأت إليك قليلة النّظراء حملت وحسبك بهجةً من نفحةٍ (٢) ... عبق العروس وخجلة العذراء من كل وارسة القميص كأنّما ... نشأت تعلّ بريقة الصّفراء نجمت تروق بها نجوماً حسبها (٣) ... بالأيكة الخضراء من خضراء وأتتك تسفرعن وجوهٍ طلقةٍ ... وتنوب من لطفٍ عن الشعراء يندى بها وجه النّدى ولربّما ... بسطت هناك أسرّة (٤) السرّاء فاستضحكت وجه الدجى مقطوعة ... حملت جمال الغرّة الغرّاء وقال أيضاً (٥) : وصدر نادٍ نظمنا ... له القوافي عقدا في منزل قد سحبنا ... بظلّه العزّ بردا تذكو به الشّهب جمراً ... ويعبق الليل ندّا وقد تأرّج نورٌ ... غضٌّ يخالط وردا كما تنفّس ثغرٌ ... عذبٌ يقبّل خدّا وقال من قصيدة يصف منتزهاً (٦) :
следующие страницы →