← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وحجّ ودخل العراق، وسمع من أبي بكر الأبهري والدارقطني وجماعة، وعاد إلى الأندلس، وشهر بالعلم والمال، وولي الأحباس بقرطبة، حدّث عنه أبو عمر ابن عبد البر وغيره، ومات في جمادى الآخرة سنة أربعمائة، رحمه الله تعالى. ٣٥ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عيسى بن عبد الواحد بن نجيح (١) ، المعافري، أبو عبد الله محمد بن عيسى بن عبد الواحد بن نجيح، المعافري، المعروف بالأعشى، القرطبي، رحل سنة ١٧٩ فسمع سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان وعبد الله بن وهب وجماعة، وكان الغالب عليه الحديث ورواية الآثار، وكان صالحاً عاقلاً سريّاً جواداً يذهب إلى مذهب أهل العراق (٢) ، وتوفّي سنة ٢٢١، ذكره ابن يونس وغيره. ٣٦ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن فطيس الغافقي (٣) ، الإلبيري، الزاهد، قال الحميدي في حقّه: هو من أهل الحديث والحفظ والفهم والبحث عن الرجال، وله رحلة سمع فيها من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومن ابن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب وغيرهما، وروى بالأندلس عن جماعة منهم بقيّ ابن مخلد وابن وضاح، وسمع بمكّة وغيرها من مائة شيخ، قال ابن الفرضي: كان شيخاً نبيلاً، ضابطاً لكتبه، ثقة في روايته، صدوقاً في حديثه، وكانت الرحلة إليه بإلبيرة، وبها مات في شوال سنة ٣١٩ وهو ابن تسعين سنة، رحمه الله تعالى. ٣٧ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن محمد بن سيّار، القرطبي (٤) أبو عبد الله من موالي بني أميّة، سمع من أبيه ومن بقيّ بن مخلد وغيره، ورحل سنة ٢٩٤ فسمع بمصر من النسائي، ومن أحمد بن حماد زغبة، وسمع بمكة والبصرة والكوفة وبغداد ودمياط والإسكندرية والقيروان

стр. 772

من مائة وستين رجلاً، قال أبو محمد الباجي: لم أدرك بقرطبة أكثر حديثاً منه، وكان عالماً بالفقه، متقدّماً في علم الوثائق رأساً فيها، وكان مشاوراً، سمع من الناس كثيراً، وكان ثقة صدوقاً، وغزا سنة ٣٢٧، ومات ثالث ذي الحجّة منها، ومولده سنة ٢٦٣، وقيل: توفّي سنة ٣٢٨ (١) ، قاله ابن يونس والحميدي. ٣٨ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن قاسم، القرشي الفهري، عرف بابن رمان، الغرناطي، قرأ على أبي جعفر ابن الزبير بها، وقدم إلى القاهرة سنة ٧٢٢، ومات بالمدينة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام سنة ٧٢٩. ومن شعره قوله: فديتم خبّروني كيف صحّت ... فريضة هالكٍ من غير مين لزيدٍ زوجةٌ ولها ابن أمٍّ ... فماتت عنهما لا غير ذين فحاز البعل ما تركته إرثاً ... وولّى غيره صفر اليدين ولا رقٌّ فديت على أخيها ... وليس بكافرٍ يرمى بشين وليس معجّلاً إرثاً بقتلٍ ... مخافة أن ينال شقاوتين ٣٩ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن لبّ الشاطبي (٢) ، حدث بالقاهرة، وتوفّي قريباً من سنة ٦٤٠، وهو أحد أصحاب الشيخ أبي الحسن ابن الصباغ، ومن كلامه: اشتغالك بوقتٍ لم يأت تضييعٌ للوقت الذي أنت فيه، ولعمري لقد صدق. ٤٠ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن سراقة الشاطبي بن محمد بن إبراهيم ابن الحسين بن سراقة (٣) ، محيي الدين، ويكنى أيضاً أبا القاسم وأبا بكر،

стр. 773

الأنصاري الشاطبي، المالكي، ولد بشاطبة سنة ٥٩٢، وسمع من أبي القاسم ابن بقيّ، ورحل في طلب الحديث، فسمع ببغداد من الشيخ أبي حفص عمر السهروردي وأبي طالب القبّيطي وأبي حفص الدينوري وجماعة، وسمع بحلب من ابن شداد وغيره، وتولى مشيخة دار الحديث البهائية (١) بحلب، ثم قدم مصر وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة بعد وفاة ابن سهل اقصري سنة ٦٤٢، وبقي بها إلى أن توفّي بالقاهرة في شعبان سنة ٦٦٢، ودفن بسفح المقطم وكان الجمع كبيراً، وهو أحد الأئمة المشهورين بغزارة الفضل وكثرة العلم والجلالة والنبل، وأحد المشايخ الصوفية، له في ذلك إشارات لطيفة مع الدين والعفاف والبشر والوقار والمعرفة الجيدة بمعاني الشعر، وكان صالح الفكرة في حلّ التراجم، مع ما جبل عليه من كرم الأخلاق، واطّراح التكلف، ورقّة الطبع، ولين الجانب. ومن شعره قوله: نصبت ومثلي للمكارم ينصب ... ورمت شروق الشمس وهي تغرّب وحاولت إحياء النفوس بأسرها ... وقد غرغرت يا بعد ما أنا أطلب وأتعب إن لم تمنح الخلق راحةً ... وغيري إن لم تتعب الخلق يتعب مرادي شيءٌ والمقادير غيره ... ومن عاند الأقدار لا شكّ يغلب وقوله (٢) : إلى كم أمنّي النفس ما لا تناله ... فيذهب عمري والأمانيّ لا تقضى وقد مرّ لي خمسٌ وعشرون حجّة ... ولم أرض فيها عيشتي فمتى أرضى وأعلم أنّي والثّلاثون مدّتي ... حرٍ بمغاني اللهو أوسعها رفضا

стр. 774

فماذا عسى في هذه الخمس أرتجي ... ووجدي إلى أوبٍ من العشر قد أفضى وقال رحمه الله تعالى (١) : وصاحبٍ كالزّلال يمحو ... صفاؤه الشّكّ باليقين لم يحص إلاّ الجميل منّي ... كأنّه كاتب اليمين وهذا عكس قول المنازي: وصاحبٍ خلته خليلاً ... وما جرى غدره ببالي لم يحص إلاّ القبيح منّي ... كأنّه كاتب الشمال ٤١ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الفرّيشي - بكسر الفاء، وتشديد الراء المهملة، بعدها شين معجمة - نسبة إلى فرّيش إحدى مدائن قرطبة (٢) . ولد بغرناطة سنة ٥٥٧، وقرأ بالروايات على أبي القاسم ابن غالب، وسمع عليه وعلى أبي القاسم ابن بشكوال وغيره، وسمع بمكّة، وحدث بمصر، وعاد إلى الأندلس فمات بقرطبة سنة ٦٣٣، وكان مشهوراً بالصلاح معروفاً بإجابة الدعاء، ورعاً ثقة زاهداً فاضلاً، رحمه الله تعالى. ٤٢ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد بن خيرون (٣) ، وقيل: محمد بن عمر بن خيرون، أندلسي، سكن القيروان، ورحل إلى المشرق، وأخذ القراءات بمصر عن محمد بن سعيد الأنماطي وغيره كعبيد بن رجاء وأبي الحسن

стр. 775

إسماعيل بن يعقوب الأزرق المدني، ودخل العراق، وسمع به من أصحاب علي ابن المديني ويحيى بن معين، وعاد إلى القيروان، وسمع بها وبقرطبة، وقدم بقراءة نافع على أهل إفريقية، وكان الغالب على قراءتهم حرف حمزة، ولم يكن يقرأ بحرف نافع إلاّ الخواص، حتى قدم بها فاجتمع إليه الناس، ورحل إليه أهل القيروان من الآفاق، وكان يأخذ أخذاً شديداً على مذهب المشيخة من أصحاب ورش، وتوفّي بشعبان سنة ٣٠٦، وكان رجلاً صالحاً فاضلاً كريم الأخلاق إماماً في القراءات، مشهوراً بذلك، ثقة، مأموناً، واحد أهل زمانه وأئمتهم في علم القرآن، رحمه الله تعالى. ٤٣ - ومنهم ضياء الدين أبو جعفر محمد بن محمد بن صابر بن بندار، القيسي، الأندلسي، المالقي (١) ، ولد بمالقة سنة ٦٢٥ وسمع الكثير، وقدم القاهرة حاجّاً فسمع بها وبدمشق وكتب بخطّه كثيراً، وكان سريع الكتابة سريع القراءة كثير الفوائد، ديّناً خيّراً فاضلاً، له مشاركة جيّدة في عدة علوم، توفّي شابّاً بالقاهرة سنة ٦٦٢، رحمه الله تعالى. ٤٤ - ومنهم أبو بكر محمد الزّهري، المعروف بابن محرز، البلنسي (٢) ، ولد بها سنة ٥٢٩، وقدم مصر فسمع ابن الفضل (٣) وغيره، وروى عنه جماعة، وكان أحد رجال الكمال علماً وإدراكاً وفصاحة وحفظاً للفقه وتفنّناً في العلوم ومتانة في الأدب، حافظاً للغة والغريب، وله شعر رائق، ودين متين، وأخذ الناس عنه ببلده وبمرسية وإشبيلية ومالقة وغرناطة في اجتيازه عليها، وبغيرها من البلاد، وعلا صيته، وعرف بالدين والعلم والفضل، وكان أبو الخطاب

стр. 776

يثني على علمه ودينه، توفّي ببجاية سنة ٦٥٥عن سن عالية، رحمه الله تعالى. ٤٥ - وممن ارتحل (١) من الأندلس إلى المشرق القاضي أبو الوليد الباجي صاحب التصانيف المشهورة (٢) . وقال ابن ماكولا في حقّه: إنّه فقيه متكلّم أديب شاعر، سمع بالعراق، ودرس الكلام وصنف إلى أن مات، وكان جليلاً رفيع القدر والخطر. وقال غير واحد: إنّه ولد سنة ٤٠٣، وارتحل سنة ٤٢٦، وجاور ثلاثة أعوام ملازماً لأبي ذر الحافظ يخدمه، ورحل إلى بغداد ودمشق، ولقي في رحلته غير واحد، وتفقه بالقاضي أبي الطيب الطّبري وغيره. وقال أبو علي ابن سكرة: ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحداً على هيئته وسمته وتوقير مجلسه، ولما كنت ببغداد قدم ولده أبو القاسم، فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشاشي، فقلت له: أدام الله تعالى عزك، هذا ابن شيخ الأندلس، فقال: لعلّه ابن الباجي، فقلت: نعم، فأقبل عليه. قال القاضي عياض: وكثرت القالة في القاضي أبي الوليد لمداخلته الرؤساء، وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره، وكان يبعث إلى تلك النواحي خلفاءه، وربما أتاها المرة ونحوها، وكان في أول أمره مقلاًّ حتى احتاج إلى القصد بشعره، واستأجر نفسه مدّة مقامه ببغداد، فيما سمعته مستفيضاً، لحراسة دربٍ. وقد جمع ابنه شعره. قال: ولمّا قدم الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة، إلاّ أنّه كان خارجاً عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه، فقصرت ألسنة الفقهاء عن

стр. 777

مجادلته، وكلامه، واتبعه على رأيه جماعة من أهل الجهل، وحل بجزيرة ميورقة، فرأس فيها واتبعه أهلها، فلمّا قدم أبو الوليد كلّموه في ذلك، فدخل إليه، وناظره وشهر باطله، وله معه مجالس كثيرة. ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر الصائغ وكفره بإجازة الكتب على الرسول الأمي، ﷺ ، وأنّه تكذيب للقرآن، فتكلّم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أثاروا عليه الفتنة وقبّحوا عليه عند العامة ما أتى به، وتكلّم به خطباؤهم في الجمع، وقال شاعرهم: برئت ممّن شرى دنياً بآخرةٍ ... وقال: إن رسول الله قد كتبا فصنف أبو الوليد رحمه اله تعالى رسالة بيّن فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة، فرجع بها جماعة؛ إذ ليس من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أمّيّاً لأنّه لا يسمّى كاتباً، وجماعة من الملوك قد أدمنوا على كتابة العلامة وهو أمّيون، والحكم للغالب لا للصورة النادرة، وقد قال ﵊ " إنّا أمّة أمّيون " أي: أكثرهم كذلك، لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: " هو الّذي بعث في الأمّيّين رسولاً منهم " انتهى، وبعضه بالمعنى. وذكر ابن بسّام أن أبا الوليد الباجي نشأ وهمته في العلم، وأنّه بدأ بالأدب، فبرز في ميادينه، وجعل الشعر بضاعته، فنال به من كل الرغائب، ثم رحل فما حلّ بلداً إلاّ وجده ملآن بذكره، نشوان من قهوتي نظمه ونثره، فمال إلى علم الديانة، فمشى بمقياس، وبنى على أساس، حتى صار كثير من العلماء يسمعون منه، ويرتاحون للأخذ عنه، ثم كرّ واستقضي في طريقه بحلب، فأقام بها نحواً من عام. قال: وبلغني عن ابن حزم أنّه كان يقول: لو لم يكن لأصحاب المذهب

стр. 778

الملكي بعد عبد الوهاب إلاّ مثل أبي الوليد الباجي لكفاهم. وصنف أبو الوليد كتباً كثيرة منها كتاب التسديد إلى معرفة التوحيد وكتاب سنن المنهاج وترتيب الحجاج وكتاب إحكام الفصول في أحكام الأصول وكتاب التعديل والتجريح لمن خرّج عنه البخاري في الصحيح وكتاب شرح الموطأ وهو نسختان: نسخة سمّاها الاستيفاء، ثم انتقى منها فوائد سمّاها المنتقى في سبع مجلدات، وهو أحسن كتاب ألّف في مذهب مالك، لأنّه شرح في أحاديث الموطّأ، وفرّع عليها تفريعاً حسناً، وأفرد منه شيئاً سمّاه الإيماء، وقال بعضهم: إنّه صنف كتاب المعاني في شرح الموطّأ فجاء عشرين مجلداً عديم النظير، وكان أيضاً صنف كتاباً كبيراً جامعاً يلغ فيه الغاية سمّاه الاستيفاء، وله كتابا لإيماء في الفقه، خمس مجلدات، انتهى. ومن تصانيفه مختصر المختصر في مسائل المدونة، وله كتاب اختلاف الموطأ وكتاب الإشارة في أصول الفقه وكتاب الحدود وكتاب سنن الصالحين وكتاب التفسير لم يتمّه، وكتاب شرح المنهاج وكتاب التبيين لسبيل المهتدين في اختصار فرق الفقهاء، وكتاب السراج في الخلاف، ولم يتم، وغير ذلك. وحجّ الباجي رحمه اله تعالى أربع حجج جور فيها ثلاثة أعوام ملازماً لأبي ذر عبد بن أحمد الهروي، وكان يسافر معه للسّروات (١) لأن أبا ذر تزوّج من العرب، وسكن بها.

стр. 779

[ترجمة أبي ذر الهروي] (١) وأبو ذر المذكور هو عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير الأنصاري المالكي، ويعرف بابن السمّاك، سمع بهراة وسرخس وبلخ ومرو والبصرة وبغداد ودمشق ومصر، وجاور بمكة، وألّف معجماً لشيوخه، وعمل الصحيح، وصنف التصانيف، قال الخطيب: قدم أبو ذرّ بغداد وأنا غائب، فحدث بها، ثم حجّ وجاور، ثم تزوّج في العرب، وسكن السّروات، وكان يحجّ كل عام ويحدث ويرجع، وكان ثقة ضابطاً ديّناً، وقال الحسن بن بقيّ المالقي: حدّثني شيخي قال: قيل لأبي ذر: من أين تمذهبت بمذهب مالك ورأي الأشعري مع أنّك هروي فقال: قدمت بغداد وكنت ماشياً مع الدارقطني، فلقينا أبا بكر ابن الطيب، فالتزمه الدارقطني، وقبّل وجهه وعينيه، فلمّا افترقنا قلت: من هذا قال: هذا إمام المسلمين، والذابّ عن الدين، القاضي أبو بكر ابن الطيب، فمن ذلك الوقت تكررت إليه وتمذهبت بمذهبه، انتهى. قلت: هذا صريح في أن القاضي أبا بكر الباقلاني مالكي، وهو الذي جزم به غير واحد، ولذا ذكره عياض في المدارك في جملة المالكية، وكذلك شيخ السنّة الإمام أبو الحسن الأشعري مالكي المذهب فيما ذكره غير واحد من الأئمة، وذكر بعض الشافعية أنهما شافعيان، والله تعالى أعلم. وقال عبد الغافر في تاريخ نيسابور: كان أبو ذرّ زاهداً، ورعاً، عالماً، سخيّاً لا يدّخر شيئاً، وصار كبير مشيخة الحرم، مشاراً إليه في التصوف، خرّج على الصحيح تخريجاً حسناً، وكان حافظاً، كثير الشيوخ، توفّي سنة ٤٣٥، وقال أبو علي ابن سكرة: توفّي عقب شوّال سنة ٤٣٤، وقال الخطيب: في ذي القعدة من سنة أربع وثلاثين، رحمه الله تعالى، وأكثر

стр. 780

نسخ البخاري الصحيحة بالمغرب إمّا من رواية الباجي عن أبي ذر عبد بن أحمد الهروي المذكور، وإمّا من رواية أبي علي الصّدفي الشهير المعروف بابن سكرة بسنده. واعلم أن هراة المنسوب إليها الحافظ أبو ذر ليست بهراة التي وراء النهر نظيرة بلخ، وإنّما هي هراة بني شيمانة بالحجاز (١) ، وبها كان سكنى أبي ذر، والله أعلم. رجع إلى القاضي أبي الوليد الباجي رحمه الله تعالى ثم إنّه - أعني الباجي - قدم بغداد، وأقام بها ثلاثة أعوام يدرّس الفقه، ويقرأ الحديث، فلقي بها عدّة من العلماء كأبي الطيب الطبري والإمام الشهير أبي إسحاق الشيرازي والصّيمري وابن عمروس المالكي، وأقام بالموصل سنة مع أبي جعفر السّمناني يأخذ عنه علم الكلام؛ فبرع في الحديث وعلله ورجاله، وفي الفقه وغوامضه وخلافه، وفي الكلام ومضايقه، وتدبج مع الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي بحيث روى كل واحد منهما عن الآخر، رضي الله تعالى عنهما ونفع بهما. ورجع إلى الأندلس بعد ثلاث عشرة سنة بعلم جمٍّ حصّله مع الفقر والتّعفّف. وممّا يفتخر به أنّه روى عنه حافظا المغرب والمشرق أبو عمر ابن عبد البر والخطيب أبو بكر ابن ثابت البغدادي، وناهيك بهما، وهما أسنّ منه وأكبر، وأبو عبد الله الحميدي، وعلي بن عبد الله الصقلي، وأحمد بن علي بن غزلون، وأبو بكر الطرطوشي، وأبو علي ابن الحسين السبتي، وأو بحر سفيان بن العاصي،

стр. 781

وممّن روى عنه ابنه أبو القاسم أحمد. وكان لما رجع إلى الأندلس فشا علمه، وتهيأت الدنيا له، وعظم جاهه، وأجزلت له الصّلات، فمات عن مال وافر، وترسل للملوك، وولي القضاء بعدة مواضع، رحمه الله تعالى. وأمّا ما تقدّم عن القاضي أبي الوليد الباجي من إجراء حديث الكتابة على ظاهره فهو قول بعض، والصواب خلافه، قال القاضي أبو الفضل عياض: حدّثنا محمد بن علي المعروف باب الصيقل الشاطبي من لفظه، قال: حدثني أبو الحسن ابن مفوّز قال: كان أبو محمد ابن أحمد بن الحاج الهوّاري من أهل جزيرة شقر ممّن لازم الباجي وتفقّه عنده، وكان يميل إلى مذهب الباجي في جواز مباشرة النبي ﷺ الكتابة بيده في حديث المقاضاة في الحديبية على ما جاء في ظاهر بعض رواياته، ويعجب به، وكنت أنكر ذلك عليه، فمّا كان بعد برهة أتاني زائراً على عادته، وأعلمني أن رجلاً من إخوانه كان يرى في النوم أنّه بالمدينة، وأنّه يدخل المسجد، فيرى قبر النبي ﷺ أمامه، فيجد له قشعريرة وهيبة عظيمة، ثم يراه ينشقّ ويميد ولا يستقر، فيعتريه منه فزع عظيم، وسألني عن عبارة رؤياه، فقلت: أخشى على صاحب هذا المنام أن يصف رسول الله ﷺ بغير صفته، أو ينحله ما ليس له بأصل، أو لعلّه يفتري عليه، فسألني: من أين قلت هذا قلت له: من قول الله تعالى " تكاد السّموات يتفطّرن منه إلى قوله تعالى: ولداً " فقال لي: لله درّك يا سيّدي، وأقبل يقبّل رأسي وبين عينيّ، ويبكي مرّة ويضحك أخرى، ثم قال لي: أنا صاحب الرويا، واسمع تمامها يشهد لك بصحة تأويلك، قال: إنّه لمّا رأيتني في ذلك الفزع العظيم كنت أقول: والله ما هذا إلاّ أنّني أقول وأعتقد أن رسول الله ﷺ كتب، فكنت أبكي وأقول: أنا تائب يا رسول الله، وأكرّر ذلك مراراً، فارى القبر قد عاد إلى هيأته أوّلاً وسكن، فاستيقظت، ثم قال لي: وأنا أشهد أن رسول الله ﷺ ما كتب قطّ حرفاً

стр. 782

وعليه ألقى الله تعالى، فقلت: الحمد لله الذي أراك البرهان، فاشكر له كثيراً، انتهى. قال ابن الأبار: حدثني بهذه الحكاية أبو الربيع ابن سالم بقراءتي عليه، عن الكاتب أبي بكر عبد الرحمن بن مغاور قراءةً عليه، عن القاضي أبي حفص (١) أحمد بن عبد الرحمن بن جحدر عن أبي الحسن طاهر بن مفوّز قال: كان أبو محمد - إلى آخرها، وهي أتم من هذه، انتهى. رجع إلى الباجي ذكر أبو العرب عبد الوهاب البقساني بسنده إلى القاضي أبي الوليد الباجي أنّه كان يقول، وقد ذكرت له صحبة السلطان: لولا السلطان لنقلتني الذرّ من الظل إلى الشمس، أو ما هذا معناه، انتهى. ومن فوائد الباجي أنّه حكى أن الطلبة كانوا ينتابون مجلس أبي علي البغدادي، واتفق أن كان يوماً مطرٌ ووحل، فلم يحضر من الطلبة سوى واحد، فلمّا رأى الشيخ حرصه على الاشتغال وإتيانه في تلك الحال أنشده (٢) : دببت للمجد والسّاعون قد بلغوا ... حدّ النفوس وألقوا دونه الأزرا وكابدوا المجد حتّى ملّ أكثرهم ... وعانق المجد من وافى ومن صبرا لا تحسب المجد تمراً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصّبرا انتهى. وروى عن القاضي أبي الوليد الباجي رحمه الله تعالى الخطيب البغدادي قوله رحمه الله تعالى (٣) :

стр. 783

إذا كنت أعلم علم اليقين ... بأنّ جميع حياتي كساعه فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأجعلها في صلاحٍ وطاعه وقد ذكرناهما فيما يأتي قريباً من كلام الفتح، لكوننا نقلنا كلامه بلفظه، رحمه الله تعالى، ورضي عنه. وقال في القلائد في حق الباجي رحمه الله تعالى، ما صورته: بدر العلوم اللائح، وقطرها الغادي الرائح، وثبيرها الذي لا يزحم، ومنيرها الذي ينجلي به ليلها الأسحم، كان إمام الأندلس الذي تقتبس أنواره، وتنتجع نجوده وأغواره، رحل إلى المشرق فعكف على الطلب ساهراً، وقطف من العلم أزاهراً، وتفنن في اقتنائه، وثنى إليه عنان اعتنائه، حتى غدا مملوء الوطاب، وعاد بلح طلبه إلى الإرطاب، فكرّ إلى الأندلس بحراً لا تخاض لججه، وفجراً لا يطمس منهجه، فتهادته الدول، وتلقته الخيل والخول، وانتقل من محجر إلى ناظر، وتبدل من يانع بناضر، ثم استدعاه المقتدر بالله فصار إليه مرتاحاً، وبدا بأفقه ملتاحاً، وهناك ظهرت تواليفه وأوضاعه، وبد وخده في سبل العلم وإيضاعه، وكان المقتدر يباهي بانحياشه إلى سلطانه، وإيثاره لحضرته باستيطانه، ويحتفل فيما يرتبه له ويجريه، وينزله في مكانه متى كان يوافيه، وكان له نظم يوقفه على ذاته، ولا يصرفه في رفث القول وبذاته (١) . فمن ذلك قوله في معنى الزهد: إذا كنت أعلم علم اليقين ... بأن جميع حياتي كساعه فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأجعلها في صلاحٍ وطاعه وله يرثي ابنيه وماتا مغتربين، وغربا كوكبين، وكانا ناظري الدهر،

стр. 784

وساحري النّظم والنثر (١) : رعى الله قبرين استكانا ببلدة ... هما أسكناها في السّواد من القلب لئن غيّبا عن ناظري وتبوّءا ... فؤادي لقد زاد التباعد في القرب يقرّ بعيني أن أزور ثراهما ... وألصق مكنون الترائب بالتّرب وأبكي وأبكي ساكنيها لعلّني ... سأنجد من صحبٍ وأسعد من سحب فما ساعدت ورق الحمام أخا أسىً ... ولا روّحت ريح الصّبا عن أخي كرب ولا استعذبت عيناي بعدهما كرىً ... ولا ظمئت نفسي إلى البارد العذب أحنّ ويثني اليأس نفسي عن الأسى ... كما اضطرّ محمولٌ على المركب الصعب وله يرثي ابنه محمداً: أمحمداً، إن كنت بعدك صابراً ... صبر السليم لما به لا يسلم رزئت قبلك بالنبيّ محمدٍ ... ولرزؤه أدهى لديّ وأعظم فلقد علمت بأنّي بك لاحقٌ ... من بعد ظنّي أنّني متقدّم لله ذكرٌ لا يزال بخاطري ... متصرّفٌ في صبره مستحكم فإذا نظرت فشخصه متخيّلٌ ... وإذا أصخت فصوته متوهّم وبكلّ أرضٍ لي من أجلك لوعةٌ ... وبكلّ قبرٍ وقفةٌ وتلوّم فإذا دعوت سواك حاد عن اسمه ... ودعاه باسمك معولٌ بك مغرم حكم الردى ومناهج قد سنّها ... لأولي النّهى والحزن قبل متمّم انتهى. ولعمري إنّه لم يوف القاضي أبا الوليد الباجي حقه الواجب المفترض، ووددت أنّه مدّ النفس في ترجمته بعبارته التي يعترف ببراعتها من سلّم

стр. 785

له ومن اعترض، فإن ترجمة المذكور ممّا سطّره أفسح مجالاً، وأفصح رويّة وارتجالاً، وبالجملة فهو أحد أعلام الأندلس، وهو سليمان بن خلف ابن سعد بن أيوب بن وارث التّجيبي، وذكره ابن بسّام في الذخيرة وابن خلّكان وغير واحد، وأصله من بطليوس، وانتقل جدّه إلى باجة قرب إشبيلية، وليس هو من باجة القيروان، ومولده سنة ٤٠٣، ورحل سنة ٤٢٦، فقدم مصر، وسمع بها، وأجّر نفسه ببغداد لحراسة الدروب، وكان لما رجع إلى الأندلس يضرب ورق الذهب، ويعقد الوثائق، إلى أن فشا علمه، وتهيأت له الدنيا، وشهرته تغني عن وصفه. ومن نظمه قوله: ما طال عهدي بالديار، وإنّما ... أنسى معاهدها أسىً وتبلّد لو كنت أنبأت الديار صبابتي ... رقّ الصّفا بفنائها والجلمد وله في المعتضد بن عباد والد المعتمد: عبّادٌ استعبد البرايا ... بأنعمٍ تبلغ النعائم مديحه ضمن كلّ قلبٍ ... حتى تغنّت به الحمائم ومن أشهر نظمه قوله: إذا كنت أعلم - البيتين، وقد سبقا وممّن ذكره أيضاً الحجاري في المسهب، وابن بشكوال في الصّلة، وأنّه حج أربع حجج، رحمه الله تعالى، وتوفّي في المرية لإحدى عشرة بقيت من رجب، وقيل: ليلة الخميس تاسع رجب، وقيل (١) : تاسع عشر صفر،

стр. 786

سنة أربع وسبعين وأربعمائة. ومن تواليفه المنتقى في شرح الموطّأ ذهب فيه مذهب الاجتهاد وإيراد الحجج، وهو ممّا يدل على تبحره في الفنون، ولمّا قدم من المشرق إلى الأندلس بعد ثلاثة عشر عاماً وجد ملوك الطوائف أحزاباً متفرقة، فمشى بينهم في الصلح، وهم يجلّونه في الظاهر، ويستثقلونه في الباطن، ويستردون نزعته، ولم يفد شيئاً فالله تعالى يجازيه عن نيته، ولمّا ناظر ابن حزم قال له الباجي: أنا أعظم منك همّة في طلب العلم، لأنّك طلبته وأنت معان عليه تسهر بمشكاة الذهب وطلبته وأنا أسهر بقنديل بائت السوق (١) ، فقال ابن حزم: هذا الكلام عليك لا لك، لأنّك إنّما طلبت العلم وأنت في اتلك الحال رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبته في حين ما تعلمه وما ذكرته، فلم أرج به إلاّ علوّ القدر العلمي في الدنيا والآخرة؛ فأفحمه. قال عياض: قال لي أصحابه: كان يخرج إلينا للإقراء، وفي يده أثر المطرقة، إلى أن فشا علمه، ونوهت الدنيا به، وعظم جاهه، وأجزلت صلاته، حتى مات عن مال وافر، وكان يستعمله الأعيان في ترسّلهم، ويقبل جوائزهم، وولي القضاء بمواضع من الأندلس. [ترجمة ابن حزم] (٢) وابن حزم المذكور هو أبو محمد ابن حزم الظاهري، قال ابن حيّان وغيره: كان ابن حزم صاحب حديث وفقه وجدل، وله كتب كثيرة في المنطق

стр. 787

والفلسفة لم يخل فيها من غلط، وكان شافعيّ المذهب، يناضل الفقهاء عن مذهبه ثم صار ظاهريّاً، فوضع الكتب في هذا المذهب، وثبت عليه إلى أن مات، وكان له تعلّق بالأدب، وشنّع عليه الفقهاء، وطعنوا فيه، وأقصاه الملوك وأبعدوه عن وطنه، وتوفّي بالبادية (١) عشية يوم الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة. وقال صاعد في تاريخه: كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة، مع توسعه في علم اللسان والبلاغة والشعر والسّير والأخبار، أخبرني ابنه الفضل أنّه اجتمع عنده بخط أبيه من تواليفه نحو أربعمائة مجلد، نقله عن تاريخ صاعد الحافظ الذهبي. قال الذهبي: وهو العلامة أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح، الأموي، مولاهم، الفارسي الأصل، الأندلسي القرطبي الظاهري، صاحب المصنفات، وأول سماعه سنة ٣٩٩، وكان إليه المنتهى في الذكاء وحدّة الذهن وسعة العلم بالكتاب والسنّة والمذاهب والملل والنّحل والعربية والآداب والمنطق والشعر، مع الصدق والديانة الحشمة والسؤدد والرياسة والثروة وكثرة الكتب. قال الغزالي رحمه الله تعالى: وجدت في أسماء الله تعالى كتاباً لأي محمد ابن حزم يدل على عظم حفظه وسيلان ذهنه، انتهى باختصار. وعلى الجملة فهو نسيج وحده، لولا ما وصف به من سوء الاعتقاد، والوقوع في السلف الذي أثار عليه الانتقاد، سامحه الله تعالى. وذكر الذهبي أن عمره اثنتان وسبعون سنة، وهو لا ينافي قول غيره " إنّه كان عمره إحدى وسبعين سنة وعشرة أشهر " لأنّه ولد رحمه الله تعالى بقرطبة بالجانب الشرقي في ربض منية المغيرة قبل طلوع الشمس وبعد سلام

стр. 788

الإمام من صلاة الصبح آخر ليلة الأربعاء آخر يوم من شهر رمضان، سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، بطالع العقرب، وتوفّي ليومين بقيا من شعبان سنة ٤٥٦، وكان كثير المواظبة على التأليف، ومن جملة تآليفه كتاب الفصل بين أهل الأهواء والنّحل وكتاب الصادع والرادع على من كفّر أهل التأويل من فرق المسلمين والرد على فرق التقليد وكتاب شرح حديث الموطإ والكلام على مسائله وكتاب الجامع في صحيح الحديث باختصار الأسانيد والاقتصار على أصحها وكتاب " التلخيص والتخليص (١) في المسائل النظريّة وفروعها التي لا نصّ عليها في الكتاب والحديث " وكتاب منتقى الإجماع وبيانه من جملة ما لا يعرف فيه اختلاف وكتاب الإمامة والخلافة في سير الخلفاء ومراتبها والندب والواجب منها وكتاب كشف الالتباس ما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس انتهى. وقال ابن سعيد في حق ابن حزم، ما ملخّصه: الوزير العالم الحافظ أبو محمد علي ابن الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي، وشهرته تغني عن وصفه، وتوفّي منفيّاً بقرية من بلد لبلة، ووصله من ابن عمه أبي المغيرة رسالةٌ فيها ما أوجب أن جاوبه بهذه الرسالة، وهي: سمعت وأطعت، لقوله تعالى: " وأعرض عن الجاهلين " وأسلمت وانقدت لقول نبيه ﵊: " صل من قطعك، واعف عمّن ظلمك " ورضيت بقول الحكماء: " كفاك انتصاراً ممّن تعرض لأذاك إعراضك عنه "، وأقول: تتبّع سواي امرأً يبتغي ... سبابك إنّ هواك السّباب فإنّي أبيت طلاب السفاه ... وصنت محلّي عمّا يعاب

стр. 789

وقل ما بدا لك من بعد ذا ... وأكثر فإنّ سكوتي خطاب وأقول: كفاني بذكر الناس لي ومآثري ... وما لك فيهم يا ابن عمّي ذاكر عدوّي وأشياعي كثيرٌ كذاك من ... غدا وهو نفّاع المساعي وضائر (١) وإنّي وإن آذيتني وعققتني ... لمحتملٌ ما جاءني منك صابر فوقّع له أبو المغيرة على ظهر رقعته: قرأت هذه الرقعة العاقّة، فحين استوعبتها أنشدتني: نحنح زيدٌ وسعل ... لمّا رأى وقع الأسل فأردت قطعها، وترك المراجعة عنها، فقالت لي نفسي: قد عرفت مكانها، بالله لا قطعتها إلاّ يده، فأثبتّ على ظهرها ما يكون سبباً إلى صونها، فقلت: نعقت ولم تدر كيف الجواب ... وأخطأت حتى أتاك الصواب وأجريت وحدك في حلبةٍ ... نأت عنك فيها الجياد العراب وبتّ من الجهل مستنبحاً ... لغير قرىً فأتتك الذئاب فكيف تبيّنت عقرى الظّلوم ... إذا ما انقضت بالخميس العقاب لعمرك ما لي طباعٌ تذمّ ... ولا شيمةٌ يوم مجدٍ تعاب أنيل المنى والظّبا سخّطٌ ... وأعطي الرضى والعوالي غضاب وأقول: وغاصب حقٍّ أوبقته المقادر ... يذكّرني حاميم والرمح شاجر (٢) غدا يستعير الفخر من خيم خصمه ... ويجهل أنّ الحقّ أبلج ظاهر

стр. 790

ألم تتعلّم يا أخا الظّلم أنّني ... برغمك ناهٍ منذ عشرٍ وآمر تذلّ لي الأملاك حرّ نفوسها ... وأركب ظهر النسر والنسر طائر وأبعث في أهل الزمان شوارداً ... تليّنهم وهي الصعاب النوافر فإن أثو في أرض فإنّي سائرٌ ... وإن أنأ عن قومٍ فإنّي حاضر وحسبك أن الأرض عندك خاتمٌ ... وأنّك في سطح السلامة عاثر ولا لوم عندي في استراحتك التي ... تنفست عنها والخطوب فواقر فإنّي للحلف الذي مرّ حافظٌ ... وللنزعة الأولى بحاميم ذاكر هنيئاً لكلٍّ ما لديه فإنّنا ... عطيّة من تبلى لديه السرائر ومن شعر أبي محمد ابن حزم يخاطب قاضي الجماعة بقرطبة عبد الرحمن ابن بشر (١) : أنا الشمس في جوّ العلوم منيرةً ... ولكنّ عيبي أنّ مطلعي الغرب ولو أنّني من جانب الشرق طالعٌ ... لجدّ على ما ضاع من ذكري النهب ولي نحو آفاق العراق صبابةٌ ... ولا غرو أن يستوحش الكلف الصبّ فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ... فحينئذ يبدو التأسف والكرب فكم قائلٍ أغفلته وهو حاضرٌ ... وأطلب ما عنه تجيء به الكتب هنالك يدري أن للعبد قصّةً ... وأن كساد العلم آفته القرب فيا عجباً من غال عنهم تشوّقوا ... له، ودنوّ المرء من دارهم ذنب وإنّ مكاناً ضاق عنّي لضيّقٌ ... على أنّه فيحٌ مهامهه سهب وإنّ رجالاً ضيّعوني لضيّعٌ ... وإنّ زماناً لم أنل خصبه جدب

стр. 791

ومنها في الاعتذار عن مدحه لنفسه (١) : ولكنّ لي في يوسفٍ خير أسوةٍ ... وليس على من بالنبيّ ائتسى ذنب يقول مقال الصّدق والحقّ إنّني ... حفيظٌ عليمٌ، ما على صادقٍ عتب وقوله: لا يشمتن حاسدي إن نكبةٌ عرضت ... فالدهر ليس على حالٍ بمتّرك ذو الفضل كالتبر يلقى تحت متربةٍ ... طوراً، وطوراً يرى تاجاً على ملك وقوله لمّا أحرق المعتضد بن عباد كتبه بإشبيلية: دعوني من إحراق رقٍّ وكاغدٍ ... وقولوا بعلمٍ كي يرى الناس من يدري فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمّنه القرطاس، بل هو في صدري يسير معي حيث استقلّت ركائبي ... وينزل إن أنزل ويدفن في قبري وقوله: لئن أصبحت مرتحلاً بشخصي ... فقلبي عندكم أبداً مقيم ولكن للعيان لطيف معنىً ... لذا سأل المعاينة الكليم وقوله: وذي عذلٍ فيمن سباني حسنه ... يطيل ملامي في الهوى ويقول أمن أجل وجهٍ لاح لم تر غيره ... ولم تدر كيف الجسم أنت عليل فقلت له أسرفت في اللوم فاتّئد ... فعندي ردٌّ لو أشاء طويل ألم تر أنّي ظاهريٌّ، وأنّني ... على ما أرى حتى يقوم دليل

стр. 792

وهو أبو محمد علي بن أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن مزيد، القرطبي. قال ابنه أبو رافع الفضل: اجتمع عندي بخط أبي من تواليفه نحو أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من نحو ثمانين ألف ورقة، انتهى. أبوه الوزير أبو عمر المذكور كان من وزراء المنصور بن أبي عامر، وتوفّي - كما قال ابن حيان - بذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة، وكان منشؤه ومولده بقرية تعرف بالزاوية. وحكي أن الحافظ أبا محمد ابن حزم قصد أبا عامر ابن شهيد في يوم غزير المطر والوحل شديد الريح، فلقيه أبو عامر، وأعظم قصده على تلك الحال، وقال له: يا سيّدي، مثلك يقصدني في مثل هذا اليوم! فأنشده أبو محمد ابن حزم بديهاً: فلو كانت الدنيا دوينك لجّةً ... وفي الجوّ صعقٌ دائمٌ وحريق لسهّل ودّي فيك نحوك مسلكاً ... ولم يتعذّر لي إليك طريق قال الحافظ ابن حزم (١) : أنشدني الوزير أبي في بعض وصاياه لي: إذا شئت أن تحيا غنيّاً فلا تكن ... على حالةٍ إلا رضيت بدونها وهذا كافٍ في فضل الفرع والأصل، سامح الله الجميع. قال ابن حزم في " طوق الحمامة " (٢) : إنّه مرّ يوماً هو وأبو عمر ابن عبد البر صاحب الاستيعاب بسكّة الحطابين من مدينة إشبيلية، فلقيهما شاب حسن الوجه، فقال أبو محمد: هذه صورة حسنة، فقال له أبو عمر: لم نر إلاّ الوجه، فلعلّ ما سترته الثياب ليس كذلك، فقال ابن حزم ارتجالاً:

стр. 793

وذي عذلٍ فيمن سباني حسنه ... ... الأبيات. ولابن حزم أيضاً قوله: لا تلمني لأنّ سبقة لحظٍ ... فات إدراكها ذوي الألباب يسبق الكلب وثبة الليث في العد ... وويعلو النّخال في اللّباب ولأبي بكر ابن مفوّز جزء يردّ فيه على أبي محمد ابن حزم، وفيه قال معرّضاً: يا من تعاني أموراً لن تعانيها ... خلّ التعاني وأعط القوس باريها تروي الأحاديث عن كلٍّ مسامحةً ... وإنّما لمعانيها معانيها وقيل: إنّه خاطب بهما بعض أصحاب ابن حزم. رجع إلى القاضي أبي الوليد الباجي ومن نظمه قوله من مرثية: أحنّ ويثني اليأس نفسي على الأسى ... كما اضطرّ محمولٌ على المركب الصّعب ومن جيد نظمه قوله: اسرّوا على الليل البهيم سراهم ... فنمّت عليهم في الشمال شمائل متى نزلوا ثاوين بالخيف من منىً ... بدت للهوى بالمأزمين مخايل فلله ما ضمّت منىً وشعابها ... وما ضمّنت تلك الرّبى والمنازل ولمّا التقينا للجمار وأبرزت ... أكفٌّ لتقبيل الحصى وأنامل أشارت إلينا بالغرام محاجرٌ ... وباحت به منّا جسومٌ نواحل

стр. 794

وقال الباجي أبو الوليد رحمه الله تعالى: مضى زمن المكارم والكرام ... سقاه الله من صوب الغمام وكان البرّ فعلاً دون قولٍ ... فصار البرّ نطقاً بالكلام وذيّله بعضهم بقوله: وزال النّطق حتّى لست تلقى ... فتىً يسخو بردٍّ للسّلام وزاد الأمر حتّى ليس إلاّ ... سخيٌّ بالأذى أو بالملام ٤٦ - ومنهم الفقيه العالم الشهير أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهري الطرطوشي (١) صاحب سراج الملوك، ويعرف بابن أبي رندقة (٢) - بالراء المهملة المفتوحة، وسكون النون - وكفى بسراج الملوك دليلاً على فضله. ذكره ابن بشكوال في الصلة، وتوفّي بالإسكندرية، في شعبان، وقيل: جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة (٣) ، وزرت قبره بالإسكندرية، وممّن أخذ عنه الحافظ القاضي أبو بكر ابن العربي وغيره. ومن نظم الطرطوشي قوله من رسالة: أقلّب طرفي في السّماء تردّداً ... لعلّي أرى النّجم الذي أنت تنظر وأستعرض الرّكبان من كلّ وجهةٍ ... لعلّي بمن قد شمّ عرفك أظفر

стр. 795

وأستقبل الأرواح عند هبوبها ... لعلّ نسيم الريح عنك يخبّر وأمشي ومالي في الطّريق مآربٌ ... عسى نغمةٌ باسم الحبيب ستذكر وألمح من ألقاه من غير حاجةٍ ... عسى لمحةٌ من نور وجهك تسفر ومن نظمه أيضاً قوله: يقولون ثكلى ومن لم يذق ... فراق الأحبّة لم يثكل لقد جرّعتني ليالي الفراق ... كؤوساً أمرّ من الحنظل وممّا نسب إليه (١) : إذا كنت في حاجة مرسلاً ... وأنت بإنجازها مغرم فأرسل بأكمه جلاّبة ... به صممٌ أغطشٌ أبكم ودع عنك كلّ رسولٍ سوى ... رسولٍ يقال له الدرهم وكان كثيراً ما ينشد (٢) : إنّ لله عباداً فطنا ... طلّقوا الدّنيا وخافوا الفتنا فكّروا فيها فلمّا علموا ... أنّها ليست لحيٍّ وطنا جعلوها لجّةً واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا وقال رحمه الله تعالى (٣) : كنت ليلة نائماً بالبيت المقدس إذ سمعت في الليل صوتاً حزيناً ينشد: أخوفٌ ونومٌ، إنّ ذا لعجيب ... ثكلتك من قلبٍ فأنت كذوب أما وجلال الله لو كنت صادقاً ... لما كان للإغماض فيك نصيب

стр. 796

قال: فأيقظ النوّام، وأبكى العيون. وكان رحمه الله تعالى زاهداً، متورعاً، متقلّلاً من الدنيا، قوّالاً للحق. وكان يقول: إذا عرض لك أمر (١) دنيا وأخرى، فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى. وله طريقة في الخلاف. ودخل مرّة على الأفضل ابن أمير الجيوش فوعظه، وقال له (٢) : إن الأمر الذي أصبحت فيه من الملك إنّما صار إليك بموت من قبلك، وهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك، فاتّق الله فيما خوّلك من هذه الأمّة، فإن الله، ، سائلك عن النقير والقطمير والفتيل، واعلم أن الله، ، آتى سليمان بن داود ملك الدنيا بحذافيرها فسخّر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحش والبهائم، وسخّر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ورفع عنه حساب ذلك أجمع، فقال عزّ من قائل: " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حسابٍ " فما عدّ ذلك نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن يكون استدراجاً من الله، ، فقال: " هذا من فضل ربّي ليبلوني أأشكر أم أكفر " فافتح الباب، وسهّل الحجاب، وانصر المظلوم. وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني فأنشده (٣) : يا ذا الذي طاعته قربة ... وحقّه مفترضٌ واجب إن الذي شرفت من أجله ... يزعم هذا أنّه كاذب وأشار إلى النصراني، فأقامه الأفضل من مكانه. والطّرطوشي - بضم الطاءين - نسبة إلى طرطوشة من بلاد الأندلس،

стр. 797

وقد تفتح الطاء الأولى. وعبر عنه ابن الحاجب في مختصره الفقهي في باب العتق بالأستاذ. وكان رحمه الله تعالى صحب القاضي أبا الوليد الباجي رحمه الله تعالى بسرقسطة، وأخذ عنه مسائل الخلاف، وسمع منه وأجازه، وقرأ الفرائض والحساب بوطنه، وقرأ الأدب على أبي محمد ابن حزم بمدينة إشبيلية، ثم رحل إلى المشرق سنة ست وسبعين وأربعمائة، ودخل بغداد والبصرة فتفقّه عند أي بكر الشاشي وأبي محمد الجرجاني، وسمع بالبصرة من أبي علي التّستري، وسكن الشام مدّة، ودرس بها، وكان راضياً باليسير. وقال الصفدي في ترجمة الطرطوشي (١) : إن الأفضل ابن أمير الجيوش أنزله في مسجد شقيق الملك بالقرب من الرصد، وكان يكرهه، فلمّا طال مقامه به ضجر، وقال لخادمه: إلى متى نصبر اجمع لي المباح، فجمعه، وأكله ثلاثة أيام، فلمّا كان عند صلاة المغرب قال لخادمه: رميته الساعة، فلمّا كان من الغد ركب الأفضل فقتل، وولي بعده المأمون بن البطائحي فأكرم الشيخ إكراماً كثيراً، وله ألّف الشيخ سراج الملوك، انتهى. ومقامه - أعني الطرطوشي - مشهور، وهذه الحكاية تكفي في ولايته. ومن تآليفه " مختصر تفسير الثعالبي "، و " الكتاب الكبير في مسائل الخلاف "، وكتاب " في تحريم جبن الروم "، وكتاب " بدع الأمور ومحدثاتها "، وكتاب " شرح رسالة الشيخ ابن أبي زيد ". وولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة تقريباً، ولمّا توفّي صلى عليه ولده محمد، ودفن رحمه الله تعالى قبل الباب الأخضر بإسكندرية، وزرت قبره مراراً، رحمه الله تعالى، ورضي عنه، ونفعنا به. وكان القاضي عياض ممن استجازه فأجازه ولم يلقه، وشهرته رضي الله

стр. 798

تعالى عنه تغني عن الإطناب. وحكي أنّه كتب على " سراج الملوك " الذي أهداه لولي الأمر بمصر: الناس يهدون على قدرهم ... لكنّني أهدي على قدري يهدون ما يفنى وأهدي الذي ... يبقى على الأيّام والدّهر وحكي أنّه سمع رضي الله تعالى عنه منشداً نشد للوأواء: قمرٌ أتى من غير وعد ... في ليلةٍ طرقت بسعد بات الصّباح إلى الصبا ... ح معانقي خدّاً بخدّ يمتاز (١) فيّ وناظري ... ما شئت من خمر وشهد فقال: أو يظن هذا الدمشقي أن أحداً لا يحسن ينظم الكذب غيره لو شئنا لكذبنا مثل هذا؛ ثم أنشد لنفسه يعارضه: قمر بدا من غير وعد ... حفّت شمائله بسعد قبّلته ورشفت ما ... في فيه من خمر وشهد فرشفت مزن السلسبي ... ل بزنجبيلٍ مستعدّ ولثمت فاه من الغرو ... ب إلى الصّباح المستجدّ وسكرت من رشفي العقي ... ق على أقاحٍ تحت رند فنزعت عن فمه فمي ... ووضعت خدّاً فوق خدّ وشممت عرف نسيمه ال ... جاري على مسكٍ وندّ وصحوت من ريّا القرن ... فل بين ريحانٍ وورد وألذّ من وصلي به ... شكواه وجداً مثل وجدي ومن نظم الطرطوشي قوله أيضاً:

стр. 799

كأنّ لساني والمشكلات ... سنا الصّبح ينحر ليلاً بهيما وغيري إن رام ما رمته ... خصيٌّ يحاول فرجاً عقيما وقوله أيضاً: فاعمل لمعادك يا رجل ... فالقوم (١) لدنياهم عملوا واذخر لمسيرك من زادٍ ... فالقوم بلا زادٍ رحلوا ٤٧ - ومنهم محمد بن عبد الجبار الطرطوشي (٢) ، وفد إلى المشرق، وذكره العماد في الخريدة وله في الآمدي العلي (٣) بمصر، وكان يخضب بسواد الرّمان (٤) ، يخضب بأقبح سواد خضب به (٥) : اخلط العفص فيه يا أحوج النّا ... س إلى العفص حين يعكس عفص ٤٨ - ومنهم القاضي الشهيد أبو علي الصدفي (٦) ، وهو حسين بن محمد بن فيرّه بن حيّون، ويعرف بابن سكّرة (٧) ، وهو من أهل سرقسطة، سكن مرسية، وروى بسرقسطة عن الباجي وأبي محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل وغيرهما، وسمع ببلنسية من أبي العباس العذري، وسمع بالمريّة من أبي عبد الله محمد بن سعدون القروي وأبي عبد الله ابن المرابط وغيرهما،

стр. 800

ورحل إلى المشرق أول المحرم من سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وحج من عامه، ولقي بمكّة أبا عبد الله الحسن (١) بن علي الطبري وأبا بكر الطرطوشي وغيرهما، ثم سار إلى البصرة فلقي بها أبا يعلى المالكي وأبا العباس الجرجاني وأبا القاسم ابن شعبة وغيرهم، وخرج إلى بغداد فسمع بواسط من أبي المعالي محمد بن عبد السلام الأصبهاني وغيره، ودخل بغداد سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، فأطال الإقامة بها خمس سنين كاملة، وسمع بها من أبي الفضل ابن خيرون مسند بغداد، ومن أبي الحسين المبارك ابن عبد الجبار الصيرفي، وطراد الزينبي، والحميدي، وغيرهم، وتفقّه عند أبي بكر الشاشي وغيره، ثم رحل منها سنة سبع وثمانين، فسمع بدمشق من أبي الفتح نصر المقدسي وأبي الفرج (٢) الأسفراييني وغيرهما، وسمع بمصر من القاضي أبي الحسن الخلعي وأبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازي، وأجاز له الحبال مسند مصر في وقته ومكثرها، وسمع بالإسكندريّة من أبي القاسم الوراق (٣) وشعيب بن سعيد وغيرهما، ووصل إلى الأندلس في صفر من سنة تسعين (٤) وأربعمائة، وقصد مرسية، فاستوطنها، وقعد يحدّث الناس بجامعها، ورحل الناس من البلدان إليه، وكثر سماعهم عليه، وكان عالماً بالحديث وطرقه، عارفاً بعلله، وأسماء رجاله ونقلته، وكان حسن الخط جيّد الضبط، وكتب بخطّه علماً كثيراً، وقيّده، وكان حافظاً لمصنّفات الحديث، قائماً عليها، ذاكراً لمتونها وأسانيدها ورواتها، وكتب منها صحيح البخاري في سفر، وصحيح مسلم في سفر، وكان قائماً على الكتابين مع مصنّف أبي عيسى الترمذي، وكان فاضلاً ديّناً متواضعاً حلوماً وقوراً عالماً عاملاً، واستقضي بمرسية، ثم استعفى فأعفي،

стр. 801

وأقبل على نشر العلم وبثّه (١) . وقد ذكره أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه لدخوله الشام، قال (٢) : وبعد أن استقرت به النوى، واستمرت إفادته بما قيّد وروى، رفعته ملوك أوانه، وشفّعته في مطالب إخوانه، فأوسعته رعياً، وأحسنت فيه رأياً، ومن أبنائهم من جعل يقصده، لسماع يسنده، وعلى وقاره الذي كان به يعرف، ندر له مع بعضهم ما يستطرف، وهو أن فتىً يسمى يوسف لازم مجلسه، معطراً رائحته ومنظفاً ملبسه، ثم غاب لمرض قطعه، أو شغل منعه، ولمّا فرغ أو أبلّ، عاود ذلك النادي المبارك والمحلّ، وقبل إفضائه إليه، دلّ طيبه عليه، فقال الشيخ على سلامته من المجون، وخلاصه من الفتون: " إنّي لأجد ريح يوسف لولا أن تفنّدون " وهي من طرف نوادره (٣) رحمة الله عليه. ولمّا قلّد قضاء مرسية وعزم عليه صاحب الأمر فيه فرّ من المرية فأقام بها سنة خمس وبعض سنة ست وخمسمائة، وفي سنة ست قبل قضاءها على كره إلى أن استخفى آخر سنة سبع في قصّة يطول إيرادها، وبطول مقامه بالمرية أخذ الناس عنه بها، فلمّا كانت وقعة كتندة (٤) كان ممّن حضرها ففقد فيها سنة أربع عشرة وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وقال القاضي عياض: ولقد حدّثني الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر أنّه قال له: خذ الصحيح، واذكر أيّ متن شئت منه أذكر لك سنده، أو أيّ سند شئت أذكر لك متنه، انتهى.

стр. 802

وذكر غير واحد أنّه حدّث ببغداد بحديث واحد، والله أعلم؛ وهو من أبناء الستين (١) . ٤٩ - ومنهم ابن أبي روح الجزيري، ومن شعره لما تغرب بالمشرق قوله: أحنّ إلى الخضراء في كلّ موطن ... حنين مشوقٍ للعناق وللضّمّ وما ذاك إلاّ أنّ جسمي رضيعها ... ولا بدّ من شوق الرضيع إلى الأمّ ٥٠ - ومنهم العالم أبو حفصٍ عمر بن حسن الهوزني (٢) ، الحسيب العالم المحدّث، ذكره ابن بسام في الذخيرة والحجاري في " المسهب " (٣) ، وسبب رحلته للمشرق أنّه لمّا تولى المعتضد بن عبّاد خاف منه، فاستأذنه في الحج سنة ٤٤٤، ورحل إلى مصر، ثم إلى مكّة، وسمع [في طريقه كتاب] صحيح البخاري، وعنه أخذه أهل الأندلس، ورجع، وسكن إشبيلية وخدم المعتضد، فقتله [ومن خاف (٤) من شيء سلط عليه، وكان قتله يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول (٥) ] سنة ستين وأربعمائة. ومن شعره يحرّضه على الجهاد: أعبّاد جلّ الرّزء والقوم هجّع ... على حالةٍ من مثلها يتوقّع فلقّ كتابي من فراغك ساعة ... وإن طال فالموصوف للطول موضع إذا لم أبثّ الداء ربّ شكاية ... أضعت، وأهلٌ للملام المضيّع [ووصله بنثر، وهو] : وما أخطأ السبيل من أتى البيوت من أبوابها،

стр. 803

ولا أرجأ الدليل من أناط الأمور بأربابها، ولربّ أمل بين أثناء المحاذير مدمج، ومحبوب في طي المكاره مدرج، فانتهز فرصتها فقد بان من غيرك العجز، وطبّق مفاصلها (١) فقد أمكنك الحزّ، ولا غرو أن يستمطر الغمام في الجدب، ويستصحب الحسام في الحرب. وله (٢) : صرّح الشرّ فلا يستقلّ ... إن نهلتم جاءكم بعد علّ بدء صعق الأرض رشٌّ وطلّ ... ورياحٌ ثم غيمٌ أبلّ خفّضوا فالداء رزءٌ أجلّ ... واغمدوا سيفاً عليكم يسلّ وابنه أبو القاسم هو الذي كان سبب فساد دولة المعتمد بن عباد بسبب قتل المعتضد والده كما مرّ (٣) ؛ [وبيت بني الهوزني بالأندلس بيت كبير مشهور ومنهم عدّة علماء وكبراء، رحم الله الجميع] (٤) . ٥١ - ومنهم أبو عمرو عثمان بن الحسين (٥) ، أخو الحافظ أبي الخطاب ابن دحية الآتي ذكره (٦) ، كان أسنّ من أخيه أبي الخطاب، وكان حافظاً للغة العرب، قيّماً بها، وعزل الملك الكامل أبا الخطاب عن دار الحديث الكاملية التي أنشأها بين القصرين ورتب مكانه أخاه أبا عمرو المذكور، ولم يزل بها إلى أن توفّي

стр. 804

سنة ٦٣٤ بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم كأخيه، وكان موت أبي عمرو بعد أبي الخطاب بسنة، رحمهما الله تعالى. ٥٢ - ومنهم الكاتب أبو بكر محمد بن القاسم (١) ، من أهل وادي الحجارة، ويعرف باشكنهادة (٢) ، وارتحل إلى المشرق لما نبت به حضرة قرطبة عند تقلب دولها، وتحول ملوكها وخولها، فجال في العراق، وقاسى ألم الفراق، واجتاز بحلب، وأقام بها مقام غريب لم يصف له حلب، وقال (٣) : أين أقصى الغرب من أرض حلب ... أملٌ في الغرب موصول التّعب حنّ من شوقٍ إلى أوطانه ... من جفاه صبره لمّا اغترب جال في الأرض لجاجاً حائراً ... بين شوقٍ وعناء ونصب كلّ من يلقاه لا يعرفه ... مستغيثاً بين عجمٍ وعرب لهفّ نفسي أين هاتيك العلا ... واضياعاه ويا غبن الحسب والذي قد كان ذخراً وبه ... أرتجي المال وإدراك الرّتب صار لي أبخس ما أعددته ... بين قومٍ ما دروا طعم الأدب يا أحبّاي اسمعوا بعض الذي ... يتلقّاه الطّريد المغترب وليكن زجراً لكم عن غربةٍ ... يرجع الرأس لديها كالذنب واحملوا طعناً وضرباً دائماً ... فهو عندي بين قومي كالضّرب ولئن قاسيت ما قاسيته ... فيما أبصر لحظي من عجب ولقد أخبركم أن ألتقي ... بكم حتى تقولوا قد كذب

стр. 805

واجتاز بدمشق فقال من أبيات رحمه الله تعالى: دمشقٌ جنّة الدنيا حقيقاً ... ولكن ليس تصلح للغريب بها قومٌ لهم عددٌ ومجدٌ ... وصحبتهم تؤول إلى حروب ثم إنّه ودع الشرق بلا سلام، وحلّ بحضرة دانية لدى ملكها مجاهد العامري في بحبوحة عزٍّ لا يخشى فيه الملام، واستقبل الأندلس بخاطر جديد، ونال بها بعد من بلوغ الآمال ما ليس له عليه مزيد، وقال (١) : وكم قد لقيت الجهد قبل مجاهد ... وكم أبصرت عيني وكم سمعت أذني ولاقيت من دهري وصرف خطوبه ... كما جرت النكباء في معطف الغصن فلا تسألوني عن فراق جهنم ... ولكن سلوني عن دخولي إلى عدن وله من كتاب: وحامل كتابي - سلّمه الله تعالى وأعانه - ممّن أخنى عليه الزمان، وأدار عليه وما صحا إلى الآن كؤوس الهوان، وقد قصد على بعدٍ جنابك الرحيب الخصيب، قصد الحسن محلّ الخصيب، ويمم جناب ابن طاهر حبيب، وإنّي لأرجو أن يرجع منك رجوع نصيب عن سليمان (٢) ، ويستعين في شكرك بكل لسان، وأنت عليم بأن الثناء هو الخلف، وقد قال الأول: أرى الناس أحدوثةً ... فكوني حديثاً حسن وأنا القائل: فلا تزهدن في الخير قد مات حاتمٌ ... وأخباره حتى القيامة تذكر

стр. 806

ومع هذا فهو عليه بقدر ما يحتمل من التكليف هذا الأوان، عارف وجوه الأعذار غير ذي عجل في العتب قبل البيان، وعند سيدي من التهدي للإيصاء، ما يحقق فيه جميع الرجاء، ودامت أرجاؤه مؤملة، ولا برحت نعمه سابغة مكملة. ٥٣ - ومنهم الكاتب أبو عبد الله محمد بن عبد ربه المالقي (١) ، وقال بعضهم: إنّه من الجزيرة الخضراء، له رحلة إلى الديار المصريّة، صنع فيها مقامة يقول فيها: في جنبات الروض نهرٌ ودوحةٌ ... يروقك منها سندسٌ ونضار تقول وضوء البدر فيه مغرّبٌ (٢) ... ذراع فتاةٍ دار فيه سوار ومن شعره: ما كلّ إنسانٍ أخٌ منصف ... ولا الليالي أبداً تسعف فلا تضع إن أمكنت فرصةً ... واصحب من الإخوان من ينصف وانتف من الدهر ولو ريشةً ... فإنّما حظّك ما تنتف وقوله يرثي السيد أبا عمران ابن أمير المؤمنين يوسف ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي ملك المغرب والأندلس: بجيد المعالي أيّ عقدٍ تبدّدا ... وصدر العوالي أيّ رمحٍ تقصّدا

стр. 807

ولمّا دهت خيل الشقيّ فجاءةً ... وسال العدا بحراً من الموت مزبدا شهدت بوجهٍ كالغزالة مشرقاً ... وإن كان وجه الشمس بالنّقع مربدا عزائم صدقٍ ليس تصرف هكذا ... إلى الموت تسعى أو على الموت يعتدى وكان السيد أبو عمران المرثي قتله الميورقي (١) صاحب فتنة إفريقية في الهزيمة المشهورة على تاهرت، وجمع ابن عبد ربّه المذكور شعر السيد أبي الربيع ابن عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي، وكان ابن عبد ربه المذكور كاتباً للسيد أبي الربيع سليمان المذكور، ولما أنشد لبعض الشعراء (٢) : حاكت يمين الرّياح محكمةً ... في نهرٍ واضح الأسارير فكلّما ضعّفت به حلقاً ... قام لها القطر بالمسامير أنشد لنفسه (٣) : بين الرياض وبين الجوّ معتركٌ ... بيضٌ من البرق أو سمرٌ من السّمر إن أوترت قوسها كفّ السماء رمت ... نبلاً من الماء في زغفٍ من الغدر لأجل ذاك إذا هبّت طلائعها ... تدرّع النهر واهتزت قنا الشجر واجتمع ابن عبد ربه المذكور في رحلته بالسعيد ابن سناء الملك، وأخذ عنه شيئاً من شعره، ورواه بالمغرب.

стр. 808

٥٤ - ومنهم الشاعر الأديب أبو محمد عبد المنعم بن عمر بن حسان المالقيّ (١) ، ومن نظمه في السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب من قصيدة رحمه الله تعالى (٢) : وفي صهوات المقربات وفي القنا ... حصون حمىً لا في هضاب المعاقل ومنها: ولا ملك يأتي كيوسف آخراً ... كما لم يجئ مثلٌ له في الأوائل ٥٥ - ومنهم الحافظ أبو الخطاب ابن دحية (٣) ، وهو مجد الدين عمر بن الحسن بن علي بن محمد [بن الجميّل] بن فرح بن خلف، الظاهري المذهب، الأندلسي، كان من كبار المحدثين، ومن الحفاظ الثّقات الأثبات المحصلين، استوطن بجاية في مدة أبي عبد الله ابن يومور، وروى بها، وأسمع، وكان من أحفظ أهل زمانه باللغة، حتى صار حوشيّ اللغة عنده مستعملاً غالباً، ولا يحفظ الإنسان من اللغة حوشيّها إلاّ وذلك أضعاف أضعاف محفوظه من مستعملها، وكان قصده - والله تعالى أعلم - أن ينفرد بنوع يشتهر به دون غيره، كما فعل كثير من الأدباء حيث تركوا طريق المعرب وانفردوا بالطريق الآخر، ولو سلكوا طريق المعرب لكانوا فيه كآحاد الناس، وكذا الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له رسائل ومخاطبات كلّها مغلقات مقفلات، وكان - رحمه الله تعالى - إذا كتب اسمه فيما يجيزه أو غير ذلك يكتب ابن دحية ودحية معاً التشبّه به جبريل وجبرائيل، ويذكر ما ينيّف على ثلاثة عشرة لغة مذكورة

стр. 809

في جبريل، ويقول عند فاطر السموات والأرض، وهذا فرع انفرد به عمّن عداه من أهل العلم. قال صاحب عنوان الدراية: رأيت له تصنيفاً في رجال الحديث لا بأس به، وارتحل إلى المشرق في دولة بني أيوب، فرفعوا شأنه، وقربوا له مكانه، وجمعوا له علماء الحديث، وحضروا له مجلساً أقروا له بالتقدم، وعرفوا أنّه من أولي الضبط والإتقان والتفهم، وذكروا أحاديث بأسانيد حوّلوا متونها، فأعاد المتون المحوّلة، وعرّف عن تغييرها، ثم ذكر الأحاديث على ما هي عليه من متونها الأصلية، ومثل هذه الحكاية اتفق لأبي عمر ابن عات في كتاب مسلم بمراكش ببيت الطلبة منها. ومن شعر أبي الخطاب ما كتب به إلى الكامل بن العادل بن أيوب: ما لي أسائل برق بارق عنكم ... من بعد ما بعدت دياري منكم فمحلّكم قلبي وأنتم بالحشا ... لا بالعقيق ولا برامة أنتم وأنا المقيم على الوفاء بعهدكم ... يا مالكين، وفيتم أو خنتم وهو طويلة، ومنها: رفعت له الأملاك منه سجيّةً ... ملك السّماك الرمح وهو محرّم ومنها أيضاً: لذوي النّهى والفهم سرّ حكومة ... قد حار فيها كاهنٌ ومنجّم فاقصد مرادك حيث سرت مظفّراً ... والله يكلأ والكواكب نوّم وليهنك الشهر السعيد تصومه ... وتفوز فيه بالثواب وتغنم فلأنت في الدنيا كليلة قدره ... قدراً، فقدرك في الملوك معظّم فأجابه السلطان مكافأةً بنثر ونظم، فمن النظم:

стр. 810

وهيّجن شوقي للأجارع باللّوى ... وأين اللّوى مني وأين الأجارع مرابع لو أنّ المرابع أنجمٌ ... لكان نجوم الأرض تلك المرابع رعى الله أياماً لها ولو أنّها ... إليّ وقد ولّى الشباب رواجع ليالي لا ليلى إذا رمت وصلها ... يلوح لها من صبح شيبي مواقع في جملة أبيات. ومن النثر: الحمد لله ولي الحمد، وقف ولده على الأبيات التي حسن شعرها، وصفا درّها، وليس من البديع أن يقذف البحر درّاً، أو ينظم الخليل شعراً، وقد أخذت الورقة لأتنزه في معانيها، وأستفيد بما أودعه (١) فيها، فالله تعالى لا يخلينا من فوائد فكرته، وصالح أدعيته، والسلام. فأجابه الحافظ أبو الخطاب عن الأبيات بقوله من قصيدة: شجتني شواجٍ في الغصون سواجع ... ففاضت هوامٍ للحفون هوامع وأكثر فيها من التغزل، إلى أن قال: ولا حاكمٌ أرضاه بيني وبينها ... سوى حاكمٍ دهري له اليوم طائع يدافع عني الضّيم قائم سيفه ... إذا عزّ من للضّيم عنّي يدافع هو الكامل الأوصاف والملك الذي ... تشير إليه بالكمال الأصابع وبيض أياديه الكريمة في الورى ... قلائد في الأعناق وهي الصّنائع ويوماه يوماه اللّذان هما هما ... إذا جمعت غلب (٢) الملوك المجامع ومنها: فما روضةٌ غنّا بها مرّت الصّبا ... ونشر شذاها الطّيّب النّشر ذائع
следующие страницы →