ومع هذا فهو عليه بقدر ما يحتمل من التكليف هذا الأوان، عارف وجوه الأعذار غير ذي عجل في العتب قبل البيان، وعند سيدي من التهدي للإيصاء، ما يحقق فيه جميع الرجاء، ودامت أرجاؤه مؤملة، ولا برحت نعمه سابغة مكملة.
٥٣ - ومنهم الكاتب أبو عبد الله محمد بن عبد ربه المالقي (١) ، وقال بعضهم: إنّه من الجزيرة الخضراء، له رحلة إلى الديار المصريّة، صنع فيها مقامة يقول فيها:
في جنبات الروض نهرٌ ودوحةٌ ... يروقك منها سندسٌ ونضار
تقول وضوء البدر فيه مغرّبٌ (٢) ... ذراع فتاةٍ دار فيه سوار ومن شعره:
ما كلّ إنسانٍ أخٌ منصف ... ولا الليالي أبداً تسعف
فلا تضع إن أمكنت فرصةً ... واصحب من الإخوان من ينصف
وانتف من الدهر ولو ريشةً ... فإنّما حظّك ما تنتف وقوله يرثي السيد أبا عمران ابن أمير المؤمنين يوسف ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي ملك المغرب والأندلس:
بجيد المعالي أيّ عقدٍ تبدّدا ... وصدر العوالي أيّ رمحٍ تقصّدا
стр. 807
ولمّا دهت خيل الشقيّ فجاءةً ... وسال العدا بحراً من الموت مزبدا
شهدت بوجهٍ كالغزالة مشرقاً ... وإن كان وجه الشمس بالنّقع مربدا
عزائم صدقٍ ليس تصرف هكذا ... إلى الموت تسعى أو على الموت يعتدى وكان السيد أبو عمران المرثي قتله الميورقي (١) صاحب فتنة إفريقية في الهزيمة المشهورة على تاهرت، وجمع ابن عبد ربّه المذكور شعر السيد أبي الربيع ابن عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي، وكان ابن عبد ربه المذكور كاتباً للسيد أبي الربيع سليمان المذكور، ولما أنشد لبعض الشعراء (٢) :
حاكت يمين الرّياح محكمةً ... في نهرٍ واضح الأسارير
فكلّما ضعّفت به حلقاً ... قام لها القطر بالمسامير أنشد لنفسه (٣) :
بين الرياض وبين الجوّ معتركٌ ... بيضٌ من البرق أو سمرٌ من السّمر
إن أوترت قوسها كفّ السماء رمت ... نبلاً من الماء في زغفٍ من الغدر
لأجل ذاك إذا هبّت طلائعها ... تدرّع النهر واهتزت قنا الشجر واجتمع ابن عبد ربه المذكور في رحلته بالسعيد ابن سناء الملك، وأخذ عنه شيئاً من شعره، ورواه بالمغرب.
стр. 808
٥٤ - ومنهم الشاعر الأديب أبو محمد عبد المنعم بن عمر بن حسان المالقيّ (١) ، ومن نظمه في السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب من قصيدة رحمه الله تعالى (٢) :
وفي صهوات المقربات وفي القنا ... حصون حمىً لا في هضاب المعاقل ومنها:
ولا ملك يأتي كيوسف آخراً ... كما لم يجئ مثلٌ له في الأوائل ٥٥ - ومنهم الحافظ أبو الخطاب ابن دحية (٣) ، وهو مجد الدين عمر بن الحسن بن علي بن محمد [بن الجميّل] بن فرح بن خلف، الظاهري المذهب، الأندلسي، كان من كبار المحدثين، ومن الحفاظ الثّقات الأثبات المحصلين، استوطن بجاية في مدة أبي عبد الله ابن يومور، وروى بها، وأسمع، وكان من أحفظ أهل زمانه باللغة، حتى صار حوشيّ اللغة عنده مستعملاً غالباً، ولا يحفظ الإنسان من اللغة حوشيّها إلاّ وذلك أضعاف أضعاف محفوظه من مستعملها، وكان قصده - والله تعالى أعلم - أن ينفرد بنوع يشتهر به دون غيره، كما فعل كثير من الأدباء حيث تركوا طريق المعرب وانفردوا بالطريق الآخر، ولو سلكوا طريق المعرب لكانوا فيه كآحاد الناس، وكذا الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له رسائل ومخاطبات كلّها مغلقات مقفلات، وكان - رحمه الله تعالى - إذا كتب اسمه فيما يجيزه أو غير ذلك يكتب ابن دحية ودحية معاً التشبّه به جبريل وجبرائيل، ويذكر ما ينيّف على ثلاثة عشرة لغة مذكورة
стр. 809
في جبريل، ويقول عند فاطر السموات والأرض، وهذا فرع انفرد به عمّن عداه من أهل العلم.
قال صاحب عنوان الدراية: رأيت له تصنيفاً في رجال الحديث لا بأس به، وارتحل إلى المشرق في دولة بني أيوب، فرفعوا شأنه، وقربوا له مكانه، وجمعوا له علماء الحديث، وحضروا له مجلساً أقروا له بالتقدم، وعرفوا أنّه من أولي الضبط والإتقان والتفهم، وذكروا أحاديث بأسانيد حوّلوا متونها، فأعاد المتون المحوّلة، وعرّف عن تغييرها، ثم ذكر الأحاديث على ما هي عليه من متونها الأصلية، ومثل هذه الحكاية اتفق لأبي عمر ابن عات في كتاب مسلم بمراكش ببيت الطلبة منها.
ومن شعر أبي الخطاب ما كتب به إلى الكامل بن العادل بن أيوب:
ما لي أسائل برق بارق عنكم ... من بعد ما بعدت دياري منكم
فمحلّكم قلبي وأنتم بالحشا ... لا بالعقيق ولا برامة أنتم
وأنا المقيم على الوفاء بعهدكم ... يا مالكين، وفيتم أو خنتم وهو طويلة، ومنها:
رفعت له الأملاك منه سجيّةً ... ملك السّماك الرمح وهو محرّم ومنها أيضاً:
لذوي النّهى والفهم سرّ حكومة ... قد حار فيها كاهنٌ ومنجّم
فاقصد مرادك حيث سرت مظفّراً ... والله يكلأ والكواكب نوّم
وليهنك الشهر السعيد تصومه ... وتفوز فيه بالثواب وتغنم
فلأنت في الدنيا كليلة قدره ... قدراً، فقدرك في الملوك معظّم فأجابه السلطان مكافأةً بنثر ونظم، فمن النظم:
стр. 810
وهيّجن شوقي للأجارع باللّوى ... وأين اللّوى مني وأين الأجارع
مرابع لو أنّ المرابع أنجمٌ ... لكان نجوم الأرض تلك المرابع
رعى الله أياماً لها ولو أنّها ... إليّ وقد ولّى الشباب رواجع
ليالي لا ليلى إذا رمت وصلها ... يلوح لها من صبح شيبي مواقع في جملة أبيات.
ومن النثر: الحمد لله ولي الحمد، وقف ولده على الأبيات التي حسن شعرها، وصفا درّها، وليس من البديع أن يقذف البحر درّاً، أو ينظم الخليل شعراً، وقد أخذت الورقة لأتنزه في معانيها، وأستفيد بما أودعه (١) فيها، فالله تعالى لا يخلينا من فوائد فكرته، وصالح أدعيته، والسلام.
فأجابه الحافظ أبو الخطاب عن الأبيات بقوله من قصيدة:
شجتني شواجٍ في الغصون سواجع ... ففاضت هوامٍ للحفون هوامع وأكثر فيها من التغزل، إلى أن قال:
ولا حاكمٌ أرضاه بيني وبينها ... سوى حاكمٍ دهري له اليوم طائع
يدافع عني الضّيم قائم سيفه ... إذا عزّ من للضّيم عنّي يدافع
هو الكامل الأوصاف والملك الذي ... تشير إليه بالكمال الأصابع
وبيض أياديه الكريمة في الورى ... قلائد في الأعناق وهي الصّنائع
ويوماه يوماه اللّذان هما هما ... إذا جمعت غلب (٢) الملوك المجامع ومنها:
فما روضةٌ غنّا بها مرّت الصّبا ... ونشر شذاها الطّيّب النّشر ذائع
стр. 811
له من شذيّ الزهر بردٌ مفوّفٌ ... أتيح له من أرض صنعاء صانع
فراقك منها أخضر الثوب ناضرٌ ... وشاقك منها أصفر اللون فاقع
وأحمر قانٍ للخدود مورّدٌ ... وأبيض كالثغر المفلّج ناصع
بأحسن من توشيع مدحي الذي له ... بدائع من وشي البديع وشائع
وما ضائعٌ من نشر شكري الذي به ... تأرجت الأرجاء عندك ضائع
ولو لم يقيّدني نداك لكان لي ... مجالٌ فسيح في البسيطة واسع
فأنت الذي لي والأعادي كثيرة ... فويق مكان النجم في الأفق دافع ومنها:
بقيت لعبدٍ جدّه دحية الذي ... يشابه جبريلٌ له ويضارع
وجدّته الزهراء بن محمدٍ ... ﵇ الدائم المتتابع
ولا عدمت منك الممالك مالكاً ... يقرّب للآمال ما هو شاسع
ومنك عيونٌ للمهمّات يقّظٌ ... وعنك عيون الحادثات هواجع وقال المقريزي في ترجمة الملك الكامل: إنّه كان مشغوفاً بسماع الحديث النبوي، وبقدم عنده أبو الخطاب ابن دحية، وبنى له دار الحديث الكامليّة بين القصرين بالقاهرة، انتهى.
وقال أبو الخطاب ابن دحية: أنشدني أبو القاسم السّهيلي لنفسه (١) ، وذكر أنّه ما سأل الله تعالى بها إلاّ أعطاه:
يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعدّ لكلّ ما يتوقّع
يا من يرجّى للشدائد كلّها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
стр. 812
يا من خزائن رزقه في قول كن ... امنن فإن الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ ... فبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلةٌ ... فلئن رددت فأيّ بابٍ اقرع
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
حاشا لجودك أن يقنّط عاصياً ... الفضل أجزل والمواهب أوسع ومن نظم السّهيلي رضي الله تعالى عنه (١) :
أسائل عن جيرانه من لقيته ... وأعرض عن ذكراه والحال تنطق
وما بي إلى جيرانه من صبابةٍ ... ولكنّ نفسي (٢) عن صبوحٍ ترقّق وله (٣) :
لمّا أجاب بلا طمعت بوصله ... إذ حرف لا حرفان معتنقان
وكذا نعم بنعيم وصلٍ آذنت ... فنعم ولا في اللفظ (٤) متفقان ولد أبو الخطاب ابن دحية في ذي القعدة سنة سبع - أو ثمان - وأربعين وخمسمائة (٥) وتوفّي في انفجار الفجر ليلة الثلاثاء رابع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم.
وتكلم فيه جماعة فيما ذكره ابن النجار، وقدره أجلّ ممّا ذكروه، وقد روى رحمه الله تعالى بالمغرب ومصر والشام والعراق وخراسان وعراق العجم، وكل ذلك في طلب الحديث، وسمع بالأندلس من ابن بشكوال وابن
стр. 813
زرقون في جمع كبير، وببغداد من أبي الفرج ابن الجوزي، وبأصبهان من أبي جعفر الصيدلاني معجم الطبراني ومن غيره، وبنيسابور من أبي سعيد ابن الصفّار ومنصور بن الفراوي والمؤيد الطوسي، وحصل الكتب والأصول، وحدّث، وأفاد، وكان من أعيان العلماء، ومشاهير الفضلاء، متقناً لعلم الحديث وما يتعلّق به، عارفاً بالنحو واللّغة وأيّام العرب وأشعارها.
وصنّف كتباً كثيرة مفيدة جدّاً، منها كتاب التنوير في مولد السراج المنير صنفه عند قدومه إلى إربل سنة أربع وستمائة، وهو متوجه إلى خراسان لمّا رأى ملك إربل مظفر الدين كوكبري معتنياً بعمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول كل عام، مهتمّاً به غاية الاهتمام، وكمله وقرأه عليه بنفسه، وختمه بقصيدة طويلة، فأجازه بألف دينار، وصنف أيضاً العلم المشهور في فضائل الأيّام والشهور، والآيات البيّنات في ذكر ما في أعضاء رسول الله صلّى اله عليه وسلّم من المعجزات وكتاب شرح أسماء النبي ﷺ وكتاب " النبراس في أخبار خلفاء بني العباس وكتاب الإعلام المبين في المفاضلة بين أهل صفّين " (١) .
وولي قضاء بلد أصوله دانية مرتين، ثم صرف عن ذلك لسيرة نعيت عليه، فرحل عنها وحدث بتونس سنة ٥٩٥، ثم حجّ وكتب بالمشرق عن جماعة بأصبهان ونيسابور، وعاد إلى مصر، فاستأدبه العادل لولده الكامل، وأسكنه القاهرة، فنال بذلك دنيا عريضة، ثم زادت حظوته عند الكامل، وأقبل عليه إقبالاً عظيماً وكان يعظمه ويحترمه، ويعتقد في الخير، ويتبرك به، حتى كان يسوي له المداس حين يقوم، وهو بلنسي كما قاله ابن خلّكان وغيره، وبلنسية مشهورة بشرق الأندلس.
стр. 814
٥٦ - ومنهم خلف بن القاسم بن سهل بن الدباغ، الحافظ، الأندلسي (١) ، رحل إلى المشرق، وكان حافظاً فهماً عارفاً بالرجال، حدث حديث مالك وشعبة وأشياء في الزهد، وسم بمصر أبا الحسن ابن الورد البغدادي ومسلم بن الفضل والحسن بن رشيق وجماعة، وسم بدمشق عليّ بن أبي العقب وأب الميمون ابن راشد وبمكّة من بكير الحداد وأي الحسن الخزاعي والآجري، وبقرطبة من أحمد بن يحيى بن الشاهد ومحمد بن معاوية، وتوفّي سنة ٣٩٣.
٥٧ - ومنهم خلف بن سعيد بن عبد الله بن زرارة أبو القاسم ابن المرابط (٢) ، الكلبي، من ذرية الأبرش الكلبي، ويعرف بالمبرقع (٣) ، المحتسب، القرطبي، رحل إلى المشرق مرتين، أولاهما سنة ٣٣٢ (٤) ، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وسمع أبا سعيد ابن الأعرابي وابن الورد وأبا بكر الآجري، وروى عنه أبو إسحاق ابن شنظير وأبو جعفر الزهراوي، وقال ابن شنظير: إنّه توفّي في نحو الأربعمائة، رحمه الله تعالى، ورضي عنه.
٥٨ - ومنهم سابق فضلاء زمانه، أبو الصّلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصّلت الإشبيلي (٥) .
يقال: إن عمره ستون سنة، منها عشرون في بلده إشبيلية، وعشرون في إفريقية عند ملوكها الصّنهاجيين، وعشرون في مصر محبوساً في خزانة الكتب، وكان وجّهه صاحب المهدية إلى ملك مصر فسجن بها طول تلك المدة في خزانة الكتب، فخرج في فنون العلم إماماً، وأمتن علومه الفلسفة والطب والتلحين،
стр. 815
وله في ذلك تواليف تشهد بفضله ومعرفته، وكان يكنى بالأديب الحكيم، وهو الذي لحن الأغاني الإفريقية؛ قال ابن سعيد: وإليه تنسب إلى الآن. وذكره العماد في الخريدة. وله كتاب الحديقة على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي، وتوفّي سنة ٥٢٠، وقيل: سنة ٥٢٨، بالمهدية، وقيل: مستهل السنة بعدها، ودفن بها.
وله فيمن اسمه واصل (١) :
يا هاجراً سمّوه عمداً واصلاً ... وبضدّها تتبين الأشياء
ألغيتني حتى كأنّك واصلٌ ... وكأنّني من طول هجري الراء وقوله، وهو من بدائعه (٢) :
لا غرو أن سبقت لهاك مدائحي ... وتدفقت جدواك ملء إنائها
يكسىالقضيب ولم يحن إثماره ... وتطوّق (٣) الورقاء قبل غنائها وقال في الأفضل (٤) :
تردي بكلّ فتى إذا شهد الوغى ... نثر الرماح على الدروب كعوبا
قد لوّحته يد الهواجر فاغتدى ... مثل القناة قضافةً وشحوبا
تخذوا القنا أشطانهم واستنبطوا ... في كلّ قلبٍ بالطّعان قليبا ومنها (٥) :
تعطي الذي أعطتكه سمر القنا ... أبداً فتغدو سالباً مسلوبا
стр. 816
ومنها:
وأنا الغريب مكانه وبيانه ... فاجعل صنيعك في الغريب غريبا وله (١) :
ومهفهفٍ شربت (٢) محاسن وجهه ... ما مجّه في الكاس من إبريقه
ففعالها من مقلتيه، ولونها ... من وجنتيه، وطعمها من ريقه أخذه من ابن حيّوس، وقصر عنه، في قوله:
ومهفهفٍ يغنى بلحظ جفونه ... عن كاسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه ولأبي الصلت فيمن اسمه محسن:
أيّها الظالم المسي ... ء مدى دهره بنا
ما لهم أخطأوا الصوا ... ب فسمّوك محسنا وله في لابس قرمزية حمراء (٣) :
أقبل يسعى أبو الفوارس في ... مرأى عجيبٍ ومنظرٍ أنق
أقبل في فرمزيّةٍ عجبٍ ... قد صبغت لون خدّه الشرق
كأنّما جيده وغرّته ... من دونها إذ بدون (٤) في نسق
عمود فجرٍ من فوقه (٥) قمرٌ ... دارت به قطعةٌ من الشّفق
стр. 817
وله في ثقيل (١) :
لي جليسٌ عجبت كيف استطاعت ... هذه الأرض والجبال تقلّه
أنا أرعاه مكرهاً (٢) وبقلبي ... منه ما يقلق الجبال أقلّه
فهو مثل المشيب أكره مرآ ... هـ ولكن أصونه وأجلّه أخذه من قول أبي الحسن جعفر بن الحاج اللورقي (٣) ، وهم في عصر واحد:
لي صاحبٌ عميت عليّ شؤونه ... حركاته مجهولةٌ وسكونه
يرتاب بالأمر الجليّ توهّماً ... فإذا تيقّن نازعته ظنونه
إنّي لأهواه على شرقي به ... كالشيب تكرهه وأنت تصونه وأوصى (٤) أن يكتب على قبره أبو الصلت المذكور ممّا نظمه قبيل موته (٥) :
سكنتك يا دار الفناء مصدّقاً ... بأنّي إلى دار البقاء أصير
وأعظم ما في الأمر أنّي صائرٌ ... إلى عادلٍ في الحكم ليس يجور
فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها ... وزادي قليلٌ والذنوب كثير
فإن أك مجزيّاً بذنبي فإنّني ... بشرّ عقاب المذنبين جدير
وإن يك عفوٌ ثمّ عنّي ورحمةٌ ... فثمّ نعيمٌ دائمٌ وسرور وله أيضاً (٦) :
стр. 818
إذا كان أصلي من تراب فكلّها ... بلادي، وكلّ العالمين أقاربي
ولا بدّ لي أن أسال العيس حاجةً ... تشقّ على شمّ الذّرا والغوارب وقال (١) :
دبّ العذار بخدّه ثم انثنى ... عن لثم مبسمه البرود الأشنب
لا غرو أن خشي الرّدى في لثمه ... فالريق سمٌّ قاتلٌ للعقرب وقد ذكروا أن من خواصّ ريق الإنسان أنّه يقتل العقرب، وهو مجرّب.
وقال (٢) :
لا تدعني ولتدع من شئته ... إليك من عجمٍ ومن عرب
فنحن أكّالون للسّحت في ... ذراك سمّاعون للكذب وقال (٣) :
لا تسألنّي عن صنيع جفونها ... يوم الوداع وسل بذلك من نجا
لو كنت أملك خدّه للثمته ... حتى أعيد به الشقيق بنفسجا
أن كنت أهجع لاحتضنت خيالها ... ومنعت ضوء الصبح أن يتبلّجا
وبثثت في الظّلماء كحل جفونها ... وعقدت هاتيك الذوائب بالدّجى وقال مهنّئاً بمولود (٤) :
يلوح في المهد على وجهه ... تجهّم البأس وبشرى (٥) النّدى
стр. 819
الشمس والبدر إذا استجمعا ... لم يلبثا أن يلدا فرقدا
فابق له حتى ترى نجله ... وإن عرا خطبٌ فنحن الفدا قال ابن سعيد: وهذا البيت الأخير من أثقل الشعر يتطير من سماعه، وتركه أولى.
وقال رحمه الله تعالى في الرصد:
فذا غديرٌ وذا روضٌ وذا جبلٌ ... فالضّبّ والنّون والملاّح والحادي ٥٩ - ومنهم الفقيه أبو محمد عبد الله بن يحيى بن محمد بن بهلول السّرقسطي، ذكره العماد الأصبهاني في " الخريدة " (١) وذكره السمعاني في الذيل، وأنّه دخل بغداد في حدود سنة ست عشرة وخمسمائة (٢) .
ومن شعره (٣) :
أيا شمس إنّي إن أتتك مدائحي ... وهيّ لآلٍ نظّمت وقلائد
فلست بمن يبغي على الشّعر رشوةً ... أبى ذاك لي جدٌّ كريمٌ ووالد
وأني من قوم قديماً ومحدثاً ... تباع عليهم بالألوف القصائد ٦٠ - ومنهم الفقيه المقرئ أبو عامر التياري (٤) ، من رجال الذخيرة رحل إلى المشرق، وقرأ على أبي جعفر الديباجي كتابه في العروض وسائر كتبه، ولقي شيخ القيروان في العربية ابن القزاز وأديبها الحصري. وأخبر عن نفسه أنّه كان بين يديه تلميذ له وسيم، فمرّ به أبو جعفر التّجاني
стр. 820
بسحاءة كتب له فيها وخلاّها بين يديه، وهو قد غلب النوم عليه، فقال:
يا نائماً متعمّداً ... إبصار طيف حبيبه
هو جوهرٌ فاثقبه إ ... ن الطيب في مثقوبه
أو أركبنّي ظهره ... إن لم تقل بركوبه فلمّا قرأها علم أنّها للتّجاني (١) ، فكتب تحتها:
يا طالباً أضحى حجا ... بٌ دون ما مطلوبه
لو لم يكن في ذاك إث ... مٌ لم أكن أسخو به
إنّي أغار عليه من ... أثوابه ورقيبه وأنشد يوماً في حلقته لابن الرومي في خبّاز:
إن أنس لا أنس خبّازاً مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفّه كرةً ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلاّ بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر فقال بعض تلامذته: أما إنّه لا يقدر على الزيادة على هذا، فقال:
فكاد يضرط إعجاباً برؤيتها ... ومن رأى مثل ما أبصرت منه خري فضحك من حضر وقال: البيت لائق بالقطعة، لولا ما فيه من ذكر الرجيع، فقال:
إن كان بيتي هذا ليس يعجبكم ... فعجّلوا محوه أو فالعقوه طري ٦١ - ومنهم الأديب الطبيب أبو الحجاج يوسف بن عتبة الإشبيلي (٢) ،
стр. 821
مطبوع في الشعر والتوشيح، قال ابن سعيد (١) : اجتمعت به في القاهرة مراراً بمجلس الأمير جمال الدين أبي الفتح موسى بن يغمور بن جلدك وفي غيره، وتوفّي في مارستان القاهرة. ومن شعره:
أمّا الغراب فإنّه سبب النّوى ... لا ريب فيه وللنّوى أسباب
يدعو الغراب وبعد ذاك يجيبه ... جملٌ وتعوي بعد ذاك ذئاب
لا تكذبنّ فهذه أسبابه ... لكنّ منها بدأة وجواب ٦٢ - ومنهم الإمام المحدث الحافظ جمال الدين أبو بكر محمد بن يوسف ابن موسى، الأندلسي، المعروف بابن مسدي (٢) ، وهو من الأئمة المشهورين بالمشرق والمغرب، قال رحمه الله تعالى: أنشدني رئيس الأندلس وأديبها أبو الحسن سهل بن مالك الأزدي (٣) الغرناطي لنفسه سنة ٦٣٧ في شوّال بداره بغرناطة (٤) :
منغص العيش لا يأوي إلى دعةٍ ... من كان ذا بلدٍ أو كان ذا ولد
والسّاكن النفس من لم ترض همّته ... سكنى مكانٍ ولم يسكن إلى أحد ٦٣ - ومنهم الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن فتّوح بن عبد الله الأزدي
стр. 822
الحميدي (١) ، نسبة لجده حميد الأندلسي، ولد أبوه بقرطبة، وولد هو بالجزيرة بليدة بالأندلس، قبل العشرين وأربعمائة، وكان يحمل على الكتف للسماع سنة ٤٢٥، فأول ما سمع من الفقيه أبي القاسم أصبغ. قال: وكنت أفصح من يقرأ عليه؛ وكان قد لقي ابن أبي زيد وقرأ عليه وتفقّه، وروى عنه رسالته ومختصر المدوّنة، ورحل سنة ٤٤٨، وقدم مصر وسم بها من الضّرّاب والقضاعي وغير واحد، وكان سمع بالأندلس من ابن عبد البر وابن حزم ولازمه وقرأ عليه مصنّفاته وأكثر من الأخذ عنه وشهر بصحبته وصار على مذهبه إلاّ أنّه لم يكن يتظاهر به، وسمع بدمشق وغيرها، وروى عن الخطيب البغدادي وكتب عن أكثر مصنّفاته، وسمع بمكّة من الزنجاني، وأقام بواسط مدّة بعد خروجه من بغداد، ثم عاد إلى بغداد واستوطنها وكتب بها كثيراً من الحديث والأدب وسائر الفنون، وصنّف مصنّفات كثيرة، وعلق فوائد، وخرّج تخاريج للخطيب ولغيره، وروى عنه أبو بكر الخطيب أكثر مصنفاته وابن ماكولا، وكان إماماً من أئمة المسلمين في حفظه ومعرفته وإتقانه وثقته وصدقه ونبله وديانته وورعه ونزاهته، حتى قال بعض الأكابر ممّن لقي الأئمة: لم تر عيناي مثل أبي عبد الله الحميدي في فضله ونبله ونزاهة نفسه وغزارة علمه وحرصه على نشر العلم وبثّه في أهله، وكان ورعاً ثقة إماماً في علم الحديث وعلله ومعرفة متونه ورواته، محقّقاً في علم الأصول على مذهب أصحاب الحديث، متبحّراً في علم الأدب والعربية، ومن تصانيفه كتاب جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس وكتاب تاريخ الإسلام وكتاب من ادعى الأمان من أهل الإيمان وكتاب الذهب المسبوك في وعظ الملوك وكتاب تسهيل السبيل إلى علم الترسيل وكتاب مخاطبات الأصدقاء في
стр. 823
المكاتبات واللقاء وكتاب ما جاء من النصوص والأخبار في حفظ الجار وكتاب النميمة وكتاب الأماني الصادقة وغير ذلك من المصنفات والأشعار الحسان في المواعظ والأمثال. وكان من كثرة اجتهاده ينسخ بالليل في الحرّ ويدلس في إجانة ماء يتبرد به، ومن مشهور مصنفاته كتابا لجمع بين الصحيحين.
وذكره الحجاري في المسهب وقال عنه: إنّه طرق ميورقة بعدما كانت عطلاً (١) من هذا الشأن، وترك لها فخراً تباري به خواص البلدان، وهو من علماء أئمة الحديث، ولازم أبا محمد ابن حزم في الأندلس واستفاد منه، ورحل إلى بغداد، وبها ألف كتاب الجذوة، ومن شعره قوله رضي الله تعالى عنه:
ألفت النّوى حتى أنست بوحشها ... وصرت بها لا في الصّبابة مولعا
فلم أحص كم رافقته من مرافق ... ولم أحص كم خيّمت في الأرض موضعا
ومن بعد جوب الأرض شرقاً ومغرباً ... فلا بدّ لي من أن أوافي مصرعا وقال رحمه الله تعالى (٢) :
لقاء النّاس ليس يفيد شيئاً ... سوى الهذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلاّ ... لأخذ العلم أو إصلاح حال وذكره ابن بشكوال في " الصّلة "، وتوفّي ببغداد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
قال ابن ماكولا: أخبرنا صديقنا أبو عبد الله الحميدي، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ، لم أر مثله في عفّته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم، وكان أوصى مظفّراً ابن رئيس الرؤساء أن يدفنه عند قبر بشر الحافي، فخالف وصيته
стр. 824
ودفنه في مقبرة باب أبرز (١) ، فلمّا كانت مدّة رآه مظفر في النوم كأنّه يعاتبه على مخالفته، فنقل في صفر سنة ٤٩١ إلى مقبرة باب حرب، ودفن عند قبر بشر، وكان كفنه جديداً وبدنه طريّاً تفوح منه رائحة الطيب، ووقف كتبه على أهل العلم، رحمه الله تعالى.
ومن مناقبه أنّه قال لمن دخل عليه فوجده مكشوف الفخذ: تعديت بعين إلى موضع لم ينظره أحد منذ عقلت، انتهى.
ومن شعر الحميدي أيضاً قوله:
طريق الزّهد أفضل ما طريقٍ ... وتقوى الله تالية الحقوق
فثق بالله يكفك، واستعنه ... يعنك، ودع بنيّات الطّريق وقوله:
كلام الله قولي ... وما صحّت به الآثار ديني
وما اتفق الجميع عليه بدءاً ... وعوداً فهو عن حقّ مبين
فدع ما صدّ عن هذي وخذها ... تكن منها على عين اليقين ٦٤ - ومنهم الكمال أبو العباس أحمد الشريشي (٢) ، وهو أحمد بن عبد المؤمن ين موسى بن عيسى بن عبد المؤمن، القيسي، من أهل شريش. روى عن أبي الحسن ابن لبّال وأبي بكر ابن أزهر وأبي عبد الله ابن زرقون وأبي الحسين ابن جبير وغيرهم، وأقرأ العربية، وله تواليف أفاد بما حشر فيها: منها شرح الإيضاح للفارسي، والجمل للزجّاج، وله في العروض تواليف، وجمع مشاهير قصائد العرب، واختصر نوادر أبي علي القالي.
стр. 825
قال ابن الأبار: لقيته بدار شيخنا أبي الحسن ابن حريق من بلنسية، قبل توجهي إلى إشبيلية في سنة ست عشرة وستمائة، وهو إذ ذاك يقرأ عليه شرحه للمقامات، فسمعت عليه بعضه، وأجاز لي سائره مع رواياته وتواليفه، وأخذ عنه أصحابنا، ثم لقيته ثانية مقدمه من مرسية، انتهى.
ومن بديع نظمه وهو بمصر يتشوق إلى الشام:
يا جيرة الشام هل من نحوكم خبر ... فإن قلبي بنار الشوق يستعر
بعدت عنكم فلا والله بعدكم ... ما لذّ للعين لا نومٌ ولا سهر
إذا تذكرت أوقاتاً نأت ومضت ... بقربكم كادت الأحشاء تنفطر
كأنّني لم أكن بالنيربين ضحىً ... والغيم يبكي ومنه يضحك الزهر
والورق تنشد، والأغصان راقصةٌ ... والدوح يطرب بالتصفيق والنهر
والسفح أين عشيّاتي التي سلفت ... لي منه فهي لعمري عندي العمر
سقاك يا سفح سفح الدّمع منهملاً ... وقلّ ذاك له إن أعوز المطر وله رحمه الله تعالى شروح لمقامات الحريري: كبير، ووسط، وصغير، وفي الكبير من الآداب ما لا كفاء له (١) ، وكان رحمه الله تعالى معجباً بالشام.
وقال ابن الأبار عندما ذكره: إنّه شرح مقامات الحريري في ثلاث نسخ: كبراها الأدبية، ووسطاها اللغوية، وصغراها المختصرة، انتهى.
وتوفّي بشريش بلده سنة تسع عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى.
٦٥ - ومنهم أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد، الأزدي، القرطبي، الملقّب بضياء الدين (٢) ، أحد الأئمة المتأخرين في القراءات وعلوم القرآن الكريم والحديث والنحو واللغة وغير ذلك.
стр. 826
قال القاضي الشمس ابن خلّكان: إنّه رحل من الأندلس في عنفوان شبابه وقدم مصر فسمع بالإسكندرية أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي، وبمصر أبا صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المدني المصري وأبا طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني المعروف بالسّلفي وغيرهم، ودخل بغداد سنة ٥١٧ (١) ، وقرأ بها القرآن الكريم على الشيخ أبي محمد عبد الله بن علي المقرئ المعروف بابن بنت الشيخ أبي منصور الخياط، وسمع عليه كتباً كثيرة منها كتاب سيبويه، وقرأ الحديث على أبي بكر محمد بن عبد الباقي البزار المعروف بقاضي المارستان وأبي القاسم ابن الحصين وأبي العز وغيرهم، وكان ديّناً ورعاً عليه وقار وسكينة، وكان ثقة صدوقاً ثبتاً نبيلاً قليل الكلام كثير الخير مفيداً، أقام بدمشق مدّة، واستوطن الموصل، ورحل منها إلى أصبهان، ثم عاد إلى الموصل، وأخذ عنه شيوخ ذلك العصر. وذكره الحافظ ابن السمعاني في كتاب الذيل، وقال: إنّه اجتمع به بدمشق، وسمع عنه مشيخة أبي عبد الله الرازي، وانتخب عليه أجزاء، وسأله عن مولده، فقال: ولدت سنة ٤٨٦ في مدينة قرطبة، ورأيت في بعض الكتب أن مولده سنة ٤٨٧، والأول أصح، وكان شيخنا القاضي بهاء الدين أبو المحاسن (٢) يوسف بن رافع بن تميم المعروف باب شداد قاضي حلب رحمه الله تعالى يفتخر بروايته وقراءته عليه، وقال: كنّا نقرأ عليه بالموصل، ونأخذ عنه، وكنّا نرى رجلاً يأتي إليه كل يوم فيسلّم عليه وهو قائم، ثم يمد يده إلى الشيخ بشيء ملفوف، فيأخذه الشيخ من يده، ولا نعلم ما هو، ويتركه ذلك الرجل ويذهب، ثم تقفّينا ذلك فعلمنا أنّها دجاجة مسموطة كانت ترسم للشيخ في كل يوم، يبتاعها له ذلك الرجل ويسمطها ويحضرها، وإذا دخل الشيخ إلى منزله تولى طبخها بيده.
стр. 827
وذكر في كتاب (١) دلائل الأحكام أنّه لازم القراءة عليه إحدى عشرة سنة، آخرها سنة ٥٦٧.
وكان الشيخ أبو بكر القرطبي المذكور كثيراً ما ينشد مسنداً إلى أبي الخير الكاتب الواسطي:
جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيّان التحرّك والسكون
جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين وتوفّي القرطبي المذكور بالموصل يوم عيد الفطر سنة ٥٦٧، رحمه اله تعالى.
انتهى كلام ابن خلّكان ببعض اختصار.
٦٦ - ومنهم الوزير أبو عبد الله محمد، ابن الشيخ الأجلّ أبي الحسن ابن عبد ربه (٢) ، وهو من حفداء صاحب كتاب العقد المشهور. حدث الشيخ الأجل أبو عبد اله محمد بن علي اليحصبي القرموني رفيقه قال: اصطحبت معه في المركب من المغرب إلى الإسكندرية، فلمّا قربنا منها هاج علينا البحر، وأشفينا على الغرق، فلاح لنا ونحن على هذه الحال منار الإسكندرية، فسررنا برؤيته، وطمعنا في السلامة، فقال لي: لا بد أن أعمل في المنار شيئاً، فقلت له: أعلى مثل هذه الحال التي نحن فيها فقال: نعم، فقلت: فاصنع، فأطرق ثم عمل بديهاً:
لله درّ منار إسكندريّة كم ... يسمو إليه على بعدٍ من الحدق
من شامخ الأنف في عرنينه شممٌ ... كأنّه باهتٌ في دارة الأفق
يكسّر الموج منه جانبي رجلٍ ... مشمّر الذيل لا يخشى من الغرق
لا يبرح الدهر من وردٍ على سفنٍ ... ما بين مصطبحٍ منها ومغتبق
стр. 828
للمنشآت الجواري عند رؤيته ... كموقع النوم من أجفان ذي أرق وتقدمت ترجمة الكاتب أبي عبد الله ابن عبد ربه، وأظنّه هذا، فليتنبّه له، بل أعتقد أنّه هو لا غيره، والله تعالى أعلم.
٦٧ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن الصفار، القرطبي (١) . قال في القدح المعلى: بيتهم (٢) مشهور بقرطبة، لم يزل يتوارث في العلم والجاه وعلو المرتبة، ونشأ أبو عبد اله هذا حافظاً للآداب (٣) ، إماماً في علم الحساب، مع أنّه كان أعمى مقعداً مشوّه الخلقة، ولكنّه إذا نطق علم كلّ منصف حقّه، ومن عجائبه أنّه سافر على تلك الحالة، حتى غدت بغداد له هالة. اجتمعت به (٤) بحضرة تونس فرأيت بحراً زاخراً، وروضاً ناضراً، إلا أنّه حاطب ليلٍ، وساحب ذيل، لا يبالي ما أورده، ولا يلتفت إلى ما أنشده، جامعاً بين السمين والغث، حافظاً للمتين والرث، وكان يقرئ الأدب بمراكش وفاس وتونس وغيرها.
ومن مشهور حكاياته أنّه لمّا قال أبو زيد الفازازي في أبي العلاء المستنصر قصيدته التي مطلعها:
الحزم والعزم منسوبان للعرب ... عارضه بقصيدة (٥) ، ثم قال فيه وفي ابن أخيه يحيى بن الناصر الذي نازعه في ذلك الأوان [رداء السلطان] (٦) :
стр. 829
وإن ينازعك في المنصور ذو نسبٍ ... فنجل ونوحٍ ثوى في قمّة (١) العطب
وإن يقل أنا عمٌّ فالجواب له ... عمّ النبيّ بلا شكٍّ أبو لهب وشاعت القصيدة فبلغت أبا العلاء، فحرض على قتله، وسلّمه الله تعالى منه، ومات سنة ٦٣٩.
ومن شعره قوله (٢) :
لا تحسب الناس سواءً متى ... تشابهوا فالناس أطوار
وانظر إلى الأحجار، في بعضها ... ماءٌ، وبعضٌ ضمنها نار وقوله:
يا طالعاً في جفوني ... وغائباً في ضلوعي
بالغت في السّخط ظلماً ... وما رحمت خضوعي
إذا نويت انقطاعاً ... فاحسب حساب الرجوع انتهى باختصار يسير.
٦٨ - ومنهم أبو الوليد ابن الجنّان محمد بن المشرف أبي عمرو ابن الكاتب أبي بكر ابن العالم الجليل أبي العلاء ابن الجنّان الكناني الشاطبي (٣) . قال ابن سعيد: توارثوا بشاطبة، مراتب تحسدها النجوم الثاقبة، وأبو الوليد أشعرهم، وقد تجدّد به في أقطار المشرق (٤) مفخرهم، وهو معروف هناك بفخر الدين، ومتصدر في أئمة النحويين، ومرتب في شعراء الملك الناصر صاحب الشام، ومقطّعاته الغرامية قلائد أهل الغرام، صحبته بمصر ودمشق
стр. 830
وحلب، وجريت معه طلق الجموح في ميادين الأدب، وأنشدني بدمشق (١) :
أنا من سكر هواهم ثمل ... لا أبالي هجروا أم وصلوا
فبشعري وحديثي فيهم ... زمزم الحادي وسار المثل
إنّ عشاق الحمى تعرفني ... والحمى يعرفني والطّلل
رحلوا عن ربع عيني فلذا ... أدمعي عن مقلتي ترتحل
ما لها قد فارقت أوطانها ... وهي ليست لحماهم تصل
لا تظنّوا أنّني أسلوا فما ... مذهبي عن حبّكم ينتقل وقوله رحمه الله تعالى (٢) :
بالله يا بانة الوادي إذا خطرت ... تلك المعاطف حيث الشيح والغار
فعانقيها عن الصّبّ الكئيب فما ... على معانقة الأغصان إنكار
وعرّفيها بأنّي فيك مكتئب ... فبعض هذا لها بالحبّ إخبار
وأنتم جيرة الجرعاء من إضمٍ ... لي في حماكم أحاديث وأسمار
وأنتم أنتم في كلّ آونةٍ ... وإنّما حبّكم في الكون أطوار
ويا نسيماً سرى تحدو ركائبه ... لي بالغوير لباناتٌ وأوطار وله (٣) :
يا رعى الله أنسنا بين روضٍ ... حيث ماء السرور فيه يجول
تحسب الزهر عنده يتثنى ... وتخال الغصون فيه تميل وله (٤) :
стр. 831
هات المدام فقد ناح الحمام على ... فقد الظلام وجيش الصبح في غلب
وأعين الزهر من طول البكا رمدت ... فكحّلتها يمين الشمس بالذهب
والكأس حلّتها حمراء مذهبةٌ ... لكن أزرّتها من لؤلؤ الحبب
كم قلت للأفق لمّا أن بدا صلفاً ... بشمسه عندما لاحت من الحجب
إن تهت بالشمس يا أفق السماء فلي ... شمسان وجه نديمي وابنة العنب
قم اسقنيها وثغر الصبح مبتسمٌ ... والليل تبكيه عين البدر بالشّهب
والسّحب قد لبست سود الثياب وقد ... قامت لترثيه الأطيار في القضب وله (١) :
عليك من ذاك الحمى يا رسول ... بشرى علامات الرضى والقبول
جئت وفي عطفيك منهم شذاً ... يسكر من خمر هواه العذول ومنها:
أحبابنا ودّعتم ناظري ... وأنتم بين ضلوعي نزول
حللتم قلبي وهو الذي ... يقول في دين الهوى بالحلول
أنا الذي حدّث عني الهوى ... بأنّني عن حبّكم لا أحول
فليزد العاذل في عذله ... وليقل الواشي لكم ما يقول انتهى كلام النور بن سعيد.
وقال غيره: ولد المذكور بشاطبة منتصف وشوال سنة ٦١٥، ومات بدمشق ودفن بسفح قاسيون، وكان عالماً فاضلاً، دمث الأخلاق كريم الشمائل، كثير الاحتمال واسع الصدر، صحب الشيخ كمال الدين ين العديم وولده قاضي
стр. 832
القضاة مجد الدين، فاجتذبوه إليهم، وصار حنفيّ المذهب، ودرس بالمدرسة الإقبالية الحنفيّة بدمشق، وله مشاركة في علوم كثيرة، وله يد في النظم، ومنه قوله:
لله قومّ يعشقون ذوي اللحى ... لا يسألون عن السواد المقبل
وبمهجتي قومٌ وإنّي منهم ... جبلوا على حبّ الطراز الأول وله أيضاً:
قم اسقنيها وليل الهمّ منهزمٌ ... والصبح أعلامه محمرّة العذب
والسّحب قد نثرت في الأرض لؤلؤها ... تضمّه الشمس في ثوبٍ من الذهب وقد تقدم عن ابن سعيد له ما يقارب هذا (١) .
وله - رحمه الله تعالى - في كاتب:
وبي كاتبٌ أضمرت في القلب حبّه ... مخافة حسّادي عليه وعذّالي
له صنعةٌ في خطّ لام عذاره ... ولكن سها إذ نقّط اللام بالخال ٦٩ - ومنهم أبو محمد القرطبي (٢) ، قال ابن سعيد: لقيته بالقاهرة، وكأنّه لا خبر عنده من الآخرة، وقد طال عمره في أكل الأعراض، وفساد الأغراض، وممّا بقي في أذني من شعره قوله:
رحم الله من لقيت قديما ... فلقد كان بي رؤوفاً رحيما
أتمنى لقاء حرٍّ وقد أع ... وز بختي كما عدمت (٣) الكريما
стр. 833
وتوفّي بالقاهرة سنة ٦٤٣، انتهى.
٧٠ - ومنهم علي بن أحمد القادسي، الكناني (١) ، قال ابن سعيد: لقيته ببيت المقدس على زي الفقراء، وحصّلت منه هذه الأبيات، وندمت بعد ذلك على ما فات، وهي:
ذاك العذار المطلّ ... دمي عليه يطلّ
كأنّما الخدّ ماءٌ ... وقد جرى فيه ظلّ
عقود صبري عليه ... مذ حلّ قلبي تحلّ
جرت دموعي عليه ... فقلت آسٌ وطلّ ٧١ - ومنهم أبو عبد الله ابن العطار، القرطبي (٢) ، قال ابن سعيد: هو حلو المنازع، ظريف المقاطع والمطالع، مطبوع النوادر، موصوف بالأديب الشاعر، مازجته بالإسكندرية، وبهذه الحضرة العلية، وما زال يدين بالانفراد، والتجول في البلاد، حتى قضى مناه، وألقى بهذه المدينة عصاه، لا يخطر الهمّ له ببال، ولا يبيت إلاّ على وعد من وصال، وله حين سمع ما ارتجلته في السكين بالإسكندرية حين داعبني باختلاسها القاضي زين القضاة ابن الرّيغي، وقال: ما لي إليه سبيل، حتى يحضر مصري نبيل:
أيا سارقاً ملكاً مصوناً ولم يجب ... على يده قطعٌ وفيه نصاب
ستندبه الأقلام عند عثارها ... ويبكيه إن يعد الصواب كتاب فقال:
стр. 834
أحاجيك ما شيء إذا ما سرقته ... وفيه نصابٌ ليس يلزمك القطع
على أن فيه القطع والحدّ ثابتٌ ... ولا حدّ فيه، هكذا حكم الشرع انتهى كلام ابن سعيد من كتابه " القدح المعلى " فيما أظن.
[رسالة للسان الدين]
ويعني والله أعلم بقوله وبهذه الحضرة العلية حضرة تونس المحروسة (١) ، فإنّها كانت محط رحال الأفاضل، من الأواخر والأوائل، حتى إن قاضي القضاة ابن خلدون أقام بها مدة، ومنها ارتحل إلى مصر، وكذلك الخطيب الجليل سيدي أبو عبد الله ابن مرزوق رحمه الله تعالى، ومنها خاطب الوزير لسان الدين بن الخطيب وسلطانه في الشفاعة له عند سلطان المغرب، فكتب لسان الدين عن سلطانه في ذلك ما نصّه: المقام الذي نؤكد إليه ببر سلفه الوداد، ونغري بتخليد فخره وأمره القلم والمداد، ونصل به الاستظهار على عدو الله تعالى والاعتداد، ونخطب له من الله بهزّ أعطافه للخير والتوفيق والسداد، والإعانة منه والإمداد، مقام محل أخينا الذي اشتهر فضله ودينه، ووضح سعده متألّقةً براهينه، وحيّاه الصنع الجميل وبيّاه مشرقاً جبينه، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله يرعى الذمم، ويسلك من الفضائل المنهج الأمم، ويغلي البضائع النافقة عند الله تعالى ويعلي الهمم، معظم قدره، وملتزم بره، الحريص على توفير أجره وتخليد فخره، فلان. أمّا بعد حمد الله تعالى ناصر الإمرة المطاعة، المحافظة على السنّة والجماعة،
стр. 835
وحافظها من الإضاعة، إلى قيام الساعة، الذي جعل المودّة فيه أنفع الوسائل النفّاعة، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمد رسوله المخصوص بمقام الشفاعة على العموم والإشاعة، متمم مكارم الأخلاق من الفضل والبذل والحياء والشجاعة، والرضى عن آله وصحبه الذين اقتدوا بهديه بحسب الاستطاعة، وزرعوا الخير في العاجلة ففازوا في الآجلة بفائدة تلك الزراعة، والدعاء لمقامكم الأعلى بصنع يروي فيه عن الأشمط الباتر خبر النصر المتواتر لسان البراعة، وتأييد لا ترضى في القنا بمقام القناعة، فإنّا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لثنائكم العاطر بتخليد المفاخر منشور الإذاعة، في أيدي النواسم الضّوّاعة، من حمراء غرناطة - حرسها الله تعالى - عن خيرٍ هامي السحاب، وبشر مفتّح الأبواب، وعز للإسلام - ببركة الاعتداد بملككم المنصور الأعلام - مقتبل الشباب، ويمن ضافي الجلباب، والحمد لله على تضافر الأيدي في ذاته وتوفّر الأسباب، وجانبكم الرفيع الأمل للمنتاب، إذا حدت الحداة ذوات الأقتاب، ومطمح الوسائل المطرزة المسائل بتصحيح الود اللّباب، وإلى هذا وصل الله تعالى، سوابغ نعمة وآلائه دائمة الانسكاب، وجعل ما عجل لكم من نعمه كفيلةً بالزلفى وحسن المآب، وألهمكم تقييد شواردها بالشكر قولاً وعملاً فالشكر مستدعي المزيد كما وعد في الكتاب، فإن من المنقول الذي اشتهر، وراق فضله وبهر، قوله " اشفعوا تؤجروا " وما في معناه من المعتبر في الخبر، وتنفيس كربة عن مسلم، وسماع شكوى من متظلّم، ولولا أن مقامكم السني أغنى، لجلبنا الكثير من هذا المعنى، ولم تحقّق ما أنتم عليه من سلوك سبيل والدكم الملك الصالح - قدس الله تربته، وضاعف قربته - من يمن الظفر، وسلوك سبيل الخير وإقامة رسوم الدين، والاهتداء من هديه بالنور المبين، خفّ علينا أن نقصدكم بالشفاعات مع الساعات، ونتّجر لكم مع الله بأنفس البضاعات، فما أثمر من ذلك شكرنا الله تعالى عليه حقيقة وشكرناكم عليه شريعة، وما تأخّر أوسعناكم فيه عذراً يسد ذريعة، وعلمنا أن الله تعالى لم يأذن في تعجيله
стр. 836
وسألناه في تيسيره وتسهيله، سواء لدينا في ذلك ما عاد، بإعانة عامة وإمداد، وساهم في قصد جهاد، وما لم يعد علينا خصوصاً وعلى المسلمين عموماً بإعانة ولا إرفاد، إنّما علينا أن نجلب الخير الباقي والأجر الراقي إلى بابكم، وندلّ عليه كريم جنابكم، بمقتضى وداد، صبحه باد، وجميل ظن في دينكم المتين واعتقاد، وسلم مجمله ومفصّله من انتقاد، وذلك أن الشيخ الخطيب الفقيه الكبير الشهير الصدر الأوحد سلالة الصالحين، وخطيب والدكم كبير الخلفاء والسلاطين، ويا لها من مزية دنيا ودين، أبا عبد الله ابن مرزوق جبر الله تعالى على يدكم البرة حاله، وسنّى من مقامكم السني آماله، جرى عليه من المحن، وتباريح (١) الإحن، ما يعلم كلّ ذي مروءة وعقل، واجتهاد ونقل (٢) ، أن ذلك من الجنايات على والدكم السلطان محسوب، وإلى معقّاته منسوب، ولو كانت ذنوبه رضوى وثبيرا، لاستدعت إلى تعمدها عفواً كبيراً، رعياً لذلك الإمام الصالح الذي كبر خلفه وأحرم، وتشهّد وسلّم، وأمّن عقب دعائه، ونصب كفّه
لمواهب الله تعالى وآلائه، وأنصت لخطبته ووعظه، وأوجب المزيّة لسعة حفظه وعذوبة لفظه، فأحبط ذلك من أحبط الأعمال الصالحة، وعطّل المتاجر الرابحة، وأسف الملك المذكور بدم ولده، وإحراق خزائنه وعدده، وتغيير رسومه وحدوده، وإسخاطه وإسخاط الله معبوده، إلى أن طهّر سيفكم الملك من عاره، وأخذ منه بثاره، وتقرّب إلى الله وغلى السلف الكريم بمحو آثاره، والحمد لله تعلى ما خصّه من إيثاره، وتدارك الإسلام بإقالة عثاره، وإنّه خاطبنا الآن من حضرة تونس يقرّر من حاله ما يفتّ الفؤاد، ويوجب الامتعاض له والاجتهاد، يطلب منّا الإعانة بين يديكم والإنجاد، ويشكو العيلة والأولاد، والغربة التي أحلّته الأقطار النازحة والبلاد، والحوادث التي سلبته الطارف
стр. 837
والتّلاد، وأن نذكركم بوسيلته، وضعف حيلته، فبادرنا لذلك عملاً بالواجب، وسلوكاً من بره ورعي حقّه على السّنن اللاحب، وإن كنّا نطوقه في أمرنا عند الحادثة علينا تقصيراً، ولا نشكر إلاّ الله وليّاً ونصيراً، فحقّه علينا أوجب، فهو الذي لا يجحد ولا يحجب، ولا يلتبس منه المذهب، وكيف لا يشفع فيمن جعله السلف إلى الله تعالى شفيعاً، وأحلّه محلاًّ منيعاً رفيعاً، إلى وليّه الذي جبر ملكه سريعاً، وصير جنابه بعد المحول مريعاً، وجدّد رسومه تاصيلاً لها وتفريعاً، ومثلكم من اغتنم برّه في نصر مظلوم، وسبر مكلوم، وإعداء كرم على لوم، وهي منّا ذكرى تنفع، وحرص على أجر من يشفع، وإسعاف لمن سأل ما يعلي من قدركم ويرفع، وتأدية لحق سلفكم الذي توفّرت حقوقه، وإبلاغ نصيحة دينيّة إلى مجدكم الذي لا يمنعه عن المجد مانع ولا يعوقه، ومطلبه في جنب ملككم الكبير حقير، وهو إلى ما يفتح الله تعالى به على يد صدقتكم فقير، ومنهلكم الأروى، وباعكم في الخير أطول ساعدكم أقوى " وما تفعلوا من خيرٍ يعلمه الله " " وتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التقوى " والله، ، يسلك بكم المسالك التي تخلد بالجميل ذكركم، تعظم عند الله أجركم، فما عند الله خير للأبرار، والدنيا دار الغرور والآخرة دار القرار، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، انتهى.
والسلطان المخاطب بهذا هو أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان الكبير الشهير أبي الحسن المريني، وكان ابن مرزوق غالباً على دولة السلطان أبي سالم أخي أبي فارس المذكور، فقتله الوزير عمر بن عبد الله الفودودي، وتغلّب على الملك، ونصب أخاً لأبي سالم معتوهاً، وسجن ابن مرزوق، ورام قتله، فخلّصه الله تعالى منه، ثم إن السلطان أبا فارس ثار على الوزير المتغلّب وقتله، واستقل بالملك، فخوطب في شأن ابن مرزوق بما ذكر.
стр. 838
رجع إلى ما كنّا فيه من ذكر الراحلين من أعلام الأندلسيين إلى البلاد المشرقية المحروسة بالله ، فنقول:
٧٢ - ومنهم أبو الوليد وأبو محمد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر، الأزدي، القرطبي، المعروف بابن الفرضي، الحافظ المشهور (١) ، كان فقيهاً عالماً (٢) عارفاً بعلم الحديث ورجاله، بارعاً في الأدب وغيره، وله من التصانيف تاريخ علماء الأندلس، وقفت عليه بالمغرب، وهو بديع في بابه وهو الذي ذيّل عليه ابن بشكوال بكتاب الصلة، وله كتاب حسن في المؤتلف والمحتلف وفي مشتبه النسبة، وكتاب في أخبار شعراء الأندلس، وغير ذلك، ورحل من الأندلس إلى المشرق سنة ٣٨٢، فحجّ وسمع من العلماء وأخذ منهم وكتب من أماليهم، وروى عن شيوخ عدّة من أهل المشرق.
ومن شعره:
أسير الخطايا عند بابك واقف ... على وجلٍ ممّا به أنت عارف
يخاف ذنوباً لم يغب عنك غيبها ... ويرجوك فيها فهو راجٍ وخائف
ومن ذا الذي يرجى سواك ويتّقى ... وما لك في فصل القضاء مخالف
فيا سيّدي لا تخزني في صحيفتي ... إذا نشرت يوم الحساب الصحائف
وكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما ... يصدّ ذوو القربى ويجفو المؤالف
لئن ضاق عني عفوك الواسع الذي ... ارجّي لإسرافي فإنّي لتالف وكان - رحمه الله تعالى - حسن الشعر والبلاغة. ومن شعره أيضاً،
стр. 839
رحمه الله تعالى:
إن الذي أصبحت طوع يمينه ... إن لم يكن قمراً فليس بدونه
ذلّي له في الحبّ من سلطانه ... وسقام جسمي من سقام جفونه وله شعر كثير. ومولده في ذي القعدة ليلة الثلاثاء لتسع بقين منه سنة ٣٥١، وتولى القضاء بمدينة بلنسية في دولة محمد المهدي المرواني، وقتله البربر يوم فتح قرطبة يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة ٤٠٣، وبقي في داره ثلاثة أيّام، ودفن متغيراً من غير غسل ولا كفن ولا صلاة، رحمه الله تعالى.
وروي عنه أنّه قال: تعلقت بأستار الكعبة، وسألت الله تعالى الشهادة، ثم انحرفت وفكرت في هول القتل، فندمت وهممت أن أرجع فأستقيل الله فاستحييت. وأخبر من رآه بين القتلى ودنا منه فسمعه يقول بصوت ضعيف: لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلاّ جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك كأنّه يعيد على نفسه الحديث الوارد في ذلك، قال: ثم قضى على أثر ذلك.
وهذا الحديث أخرج مسلم في صحيحه.
وقد ساق في المطمح حكايته فال: كان حافظاً عالماً كلفاً بالرواية، رحل في طلبها، وتبحر في المعارف بسببها، مع حظ من الأدب كثير، واختصاص بنظيم منه ونثير، حجّ وبرع، في الزهادة والورع، فتعلّق بأستار الكعبة يسأل الله الشهادة ثم فكّر في القتل ومرارته، والسيف وحرارته، فأراد أن يرجع ويستقيل الله تعالى فاستحيا، وآثر نعيم الآخرة على شقاء الدنيا، فأصيب في تلك الفتن مكلوماً، وقتل مظلوماً، ثم ذكر مثل ما مرّ.
وممّا قال في طريقه، يتشوق إلى فريقه (١) :
стр. 840
مضت لي شهورٌ منذ غبتم ثلاثةٌ ... وما خلتني أبقى إذا غبتم شهرا
وما لي حياةٌ بعدكم أستلذّها ... ولو كان هذا لم أكن في الهوى حرّا
ولم يسلني طول التنائي عليكم ... بلى زادني وجداً وجدّد لي ذكرى
يمثّلكم لي طول شوقي إليكم ... ويدنيكم حتى أناجيكم سرّا
سأستعتب الدهر المفرّق بيننا ... وهل نافعي أن صرت أستعتب الدهرا
أعلّل نفسي بالمنى في لقائكم ... واستسهل البرّ الذي جبت والبحرا
ويؤنسني طيّ المراحل عنكم ... أروح على أرضٍ وأغدو على أخرى
وتالله ما فارقتكم عن قلىً لكم ... ولكنها الأقدار تجري كما تجرى
رعتكم من الرحمن عينٌ بصيرةٌ ... ولا كشفت أيدي النّوى عنكم سترا وقد عرّف به ابن حيان في المقتبس، وذكر قصّة شهادته، رحمه الله تعالى.
٧٣ - ومنهم الشيخ أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، البكري، الشريشي، المالكي (١)
ولد بشريش سنة ٦٠١، ورحل إلى العراق، فسمع به المشايخ كالقطيعيّ وابن روزبة (٢) وابن الكثير وغيرهم، واشتغل وساد أهل زمانه، واشتهر بين أقرانه، ثم عاد إلى مصر فدرس بالفاضلية، ثم انتقل إلى القدس الشريف، فأقام به شيخ الحرم، ثم جاء إلى دمشق المحروسة بالله، وتولى مشيخة الحديث بتربة أم صالح ومشيخة الرباط الناصري ومشيخة المالكية، وعرض عليه القضاء فلم يقبل، وكانت وفاته يوم الاثنين الرابع والعشرين من رجب، بالرباط الناصري، ودفن بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى، وذلك سنة خمس وثمانين وستمائة.
وليس هو بشارح المقامات (٣) ، بل هو غيره، وقد اشتركا في البلد، فبسبب
стр. 841
ذلك ربّما يقع في الأذهان الوهم في أمرهما، وشارح المقامات أحمد وهذا محمد، وقد ترجمنا صاحب شرح المقامات فيما تقدم من هذا الباب (١) ، فليراجع، والله أعلم.
٧٤ - ومنهم أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن السيد بن الغلّس، القيسي، الأندلسي، البلنسي (٢) : كان من أهل العلم باللغة والعربية، مشاراً إليه فيهما، رحل من الأندلس، وسكن بمصر واستوطنها، وقرأ الأدب على أبي العلاء صاعد اللغوي صاحب كتاب " الفصوص "، وعلى أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن خرّزاذ بن النّجيرمي (٣) . ودخل بغداد، واستفاد وأفاد، وله شعر حسن، فمن ذلك قوله:
مريض الجفون بلا علّةٍ ... ولكنّ قلبي به ممرض
أعان السّهاد على مقلتي ... بفيض الدموع فما تغمض
وما زار شوقاً ولكن أتى ... يعرّض لي أنّه معرض وله أشعار كثيرة. وتوفّي يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الأولى سنة ٤٢٧، وقيل: سنة ٤٢٩، بمصر، وكان استوطنها، وصلّى عليه الشيخ أبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي صاحب التفسير في مصلى الصّدفي، ودفن عند أبي إسحاق، رحمه الله تعالى.
ومغلّس: بضم الميم، وفتح الغين، وتشديد اللام المكسورة، وبعدها سين مهملة. وكانت بينه وبين أبي الطاهر إسماعيل بن خلف (٤) صاحب كتاب
стр. 842
" العنوان " معارضات في قصائد. ومن شعر ابن المغلّس أيضاً قوله في حمّام:
ومنزل أقوامٍ إذا ما اغتدوا به ... تشابه فيه وغده ورئيسه
يخالط فيه المرء غير خليطه ... ويضحي عدوّ المرء هو جليسه (١)
يفرّج كربي إن تزايد كربه ... يؤنس قلبي أن يعدّ أنيسه
إذا ما أعرت الحوض ماءً (٢) تكاثرت ... على مائه أقماره وشموسه ٧٥ - ومنهم أبو الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله الحكيم الأديب المعروف بالمغربي (٣) ، وهو من أهل المرية، وانتقل إلى المشرق، وكان كامل الفضيلة، وجمع بين الأدب والحكمة، وله ديوان شعر جيّد، والخلاعة والمجون غالبة عليه، وذكر العماد في الخريدة أنّه كان طبيب المارستان الستصحب في معسكر السلطان السلجوقي حيث خيّم، وكان السديد يحيى ابن سعيد المعروف بابن المرخّم الذي صار أقضى القضاة ببغداد في أيام المقتفي فاصداً وطبيباً في هذا المارستان. وأثنى العماد على أبي الحكم المذكور، وذكر فضله وما كان عليه، وأن له كتاباً سمّاه نهج الوضاعة، لأولي الخلاعة، ثم إن أبا الحكم انتقل إلى الشام، وسكن دمشق، وله فيها أخبار ومجاريات (٤) ظريفة تدل على خفّة روحه.
قال ابن خلّكان: رأيت في ديوانه أنّ أبا الحسين أحمد بن منير الطرابلسي كان عند الأمراء بني منقذ بقلعة شيزر، وكانوا مقبلين عليه، وكان بدمشق شاعر يقال له أبو الوحش (٥) ، وكانت فيه دعابة، وبينه وبين أبي الحكم المذكور
стр. 843
مداعبات، فسأل منه كتاباً إلى ابن منير بالوصية عليه، فكتب أبو الحكم:
أبا الحسين استمع مقال فتىً ... عوجل فيما يقول فارتجلا
هذا أبو الوحش جاء ممتدحاً ... للقوم فاهنأ به إذا وصلا
واتل عليهم بحسن شرحك ما ... أنقله من حديثه جملا
وخبّر القوم أنّه رجلٌ ... ما أبصر الناس مثله رجلا
تنوب عن وصفه شمائله ... لا يبتغي عاقلٌ به بدلا ومنها:
وهو على خفّةٍ به أبداً ... معترفٌ أنّه من الثّقلا
يمتّ بالثلب والرقاعة وال ... سّخف، وأمّا بغير ذاك فلا
إن أنت فاتحته لتخبر ما ... يصدر عنه فتحت منه خلا
فنبه عن حلّ خطة الخسف وال ... هون ورحّب به إذا رحلا
وأسقه السمّ إن ظفرت به ... وامزج له من لسانك العسلا وله أشياء مستملحة، منها مقصورة هزلية، ضاهى بها مقصورة ابن دريد، من جملتها:
وكلّ ملمومٍ فلا بدّ له ... من فرقةٍ لو ألزقوه بالغرا وله مرثية في عماد الدين زنكي بن آق سنقر الأتابكي، شاب فيها الجدّ بالهزل، والغالب على شعره الانطباع. وتوفّي ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة سنة ٥٤٩، وقيل: في السنة التي قبلها، بدمشق، رحمه الله تعالى.
والقاضي ابن المرخّم المذكور هو الذي يقول فيه أبو القاسم هبة الله ابن الفضل الشاعر المعروف بابن القطان (١) :
стр. 844
يا ابن المرخّم صرت فينا قاضياً ... خرف الزمان تراه أم جنّ الفلك
إن كنت تحكم بالنّجوم فربّما ... أمّا بشرع محمّدٍ من أين لك وكان أبو الحكم المذكور فاضلاً في العلوم الحكمية، متقناً للصناعة الطبيّة، حسن النادرة، كثير المداعبة، محبّاً للهو والخلاعة والشراب، وكان يعرف صنعة الموسيقى ويلعب بالعود، ويجلس في دكان بجيرون للطب، وسكناه باللبادين، وأتى في ديوانه نهج الوضاعة بكل غريب، يدل على أنّه أريب، سامحه الله تعالى وغفر له.
٧٦ - ومنهم من الراحلين من الأندلس إلى المشرق، من هو الأحق بالتقديم والسبق، الشهير عند أهل الغرب والشرق، الحافظ المقرئ الإمام الرباني، أبو عمرو الدّاني، عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر، الأموي (١) ، مولاهم، القرطبي، صاحب التصانيف التي منها المقنع والتيسير، وعرف بالدّاني لسكناه دانية، وولد سنة ٣٧١، وابتدأ بطلب العلم سنة ٣٨٧ ورحل إلى المشرق سنة ٣٩٧، فمكث بالقيروان أربعة أشهر، ودخل مصر في شوّالها، فمكث بها سنة، وحج، ورجع إلى الأندلس في ذي القعدة سنة ٣٩٩، وقرأ بالروايات على عبد العزيز بن جعفر الفارسي وغيره بقرطبة، وعلى أبي الحسن ابن غلبون وخلف بن خاقان المصري وأبي الفتح فارس بن أحمد، وسمع من أبي مسلم الكاتب، وهو أكبر شيخ له، ومن عبد الرحمن بن عثمان القشيري، حاتم بن عبد الله البزار (٢) ، وغير واحد من أهل مصر وسواها، وسمع من الإمام أبي الحسن القابسي، وخلف كتبه بالحجاز ومصر والمغرب والأندلس، وتلا عليه خلقٌ منهم مفرج الأقفالي وأبو داود ابن نجاح (٣) صاحب
стр. 845
التنزيل في الرسم، وهو من أشهر تلامذته، وحدّث عنه خلقٌ كثير، منهم خلف بن إبراهيم الطّليطلي.
قال أبو محمد عبيد الله الحجري: ذكر بعض الشيوخ أنّه لم يكن في عصر الحافظ أبي عمرو الدّاني ولا بعد عصره أحد يضاهيه في حفظه وتحقيقه. وكان يقول: ما رأيت شيئاً قط إلاّ كتبته، ولا كتبته إلاّ حفظته، ولا حفظته فنسيته.
قال ابن بشكوال: كان أبو عمرو أحد الأئمّة في علم القرآن ورواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه وإعرابه، وجمع في ذلك كلّه تواليف حساناً، وله معرفة بالحديث وطرقه وإعرابه (١) وأسماء رجاله، وكان حسن الخط والضبط، من أهل الحفظ والذكاء واليقين، وكان ديّناً فاضلاً ورعاً سنّياً.
وقال بعضهم، وأظنّه المغامي (٢) : كان أبو عمرو مجاب الدعوة، مالكي المذهب.
وقال بعض أهل مكة: إن أبا عمرو الدّاني مقرئ متقدّم، وإليه المنتهى في علم القراءات وإتقان القرآن، والقراء خاضعون لتصانيفه، واثقون بنقله في القراءات والرسم والتجويد والوقف والابتداء وغير ذلك، وله مائة وعشرون مصنّفاً، وروى عنه بالإجازة رجلان: أحمد بن محمد بن عبد الله الحولاني، وأبو العباس أحمد بن عبد الملك بن أبي حمزة، وكانت وفاته رحمه الله تعالى بدانية في نصف شوّال سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
٧٧ - ومنهم أبو محمد عبد الله بن عيسى بن عبد الله بن أحمد بن أبي حبيب، الأندلسي (٣) ، من بيت علم ووزارة، صرف عمره في طلب العلم،