← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

حقيقتي همت بها ... وما رآها بصري ولو رآها لغدا ... قتيل ذاك الحور فعندما أبصرتها ... صرت بحكم النّظر فبتّ مسحوراً بها ... أهيم حتى السحر يا حذري من حذري ... لو كان يغني حذري والله ما هيّمني ... جمال ذاك الخفر في حسنها من ظبيةٍ ... ترعى بذات الخمر إذا رنت أو عطفت ... تسبي عقول البشر كأنّما أنفاسها ... أعراف مسكٍ عطر كأنها شمس الضحى ... في النور أو كالقمر إن أسفرت أبرزها ... نور صباحٍ مسفر أو سدلت غيّبها ... سواد ذاك الشّعر يا قمراً تحت دجىً ... خذي فؤادي وذري عيني لكي أبصركم ... إذ كان حظّي نظري وقال الخويّي: قال الشيخ سيدي محيي الدين بن عربي رضي الله تعالى عنه: رأيت بعض الفقهاء في النوم في رؤيا طويلة، فسألني: كيف حالك مع أهلك فقلت (١) : إذا رأت أهل بيتي الكيس ممتلئاً ... تبسمت ودنت مني تمازحني وإن رأته خليّاً من دراهمه ... تجهّمت وانثنت عنّي تقابحني فقال لي: صدقت، كلّنا ذلك الرجل. وذكر الإمام العالم بالله تعالى لسان الحقيقة، وشيخ الطريقة، صفي الدين

стр. 877

حسين ابن الإمام العلامة جمال الدين أبي الحسن علي، ابن الإمام مفتي الأنام كمال الدين أبي منصور ظافر الأزدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه، في رسالته الفريدة المحتوية على من رأى من سادات مشايخ عصره، بعد كلام، ما صورته: ورأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف الوحيد محيي الدين بن عربي، وكان من أكبر علماء الطريق، جمع بين سائر العلوم الكسبية، وما وفّر (١) له من العلوم الوهبية، ومنزلته شهيرة، وتصانيفه كثيرة، وكان غلب عليه التوحيد علماً وخلقاً وحالاً، لا يكترث بالوجود، مقبلاً كان أو معرضاً، وله علماء أتباع أرباب مواجيد، وتصانيف، وكان بينه وبين سيدي الأستاذ الحرّار إخاء ورفقة في السياحات، رضي الله تعالى عنهما، في الآصال والبكرات، ومن نظم سيدي الشيخ محيي الدين رضي الله تعالى عنه قوله: يا من يراني ولا أراه ... كم ذا أراه ولا يراني قال رحمه الله تعالى: قال لي بعض إخواني لمّا سمع هذا البيت: كيف تقول: إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك فقلت له مرتجلاً: يا من يراني مجرماً ... ولا أراه آخذا كم ذا أراه منعماً ... ولا يراني لائذا قلت: من هذا وشبهه تعلم أن كلام الشيخ رحمه الله تعالى مؤوّل، وأنّه لا يقصد ظاهره، وإنّما له محامل تليق به، وكفاك شاهداً هذه الجزئية الواحدة، فأحسن الظنّ به ولا تنتقد، بل اعتقد، وللنّاس في هذا المعنى كلام كثير، والتسليم أسلم، والله سبحانه بكلام أوليائه أعلم. ومن النظم المنسوب لمحاسن الشيخ سيدي محيي الدين رضي الله تعالى عنه في ضابط ليلة القدر:

стр. 878

وإنّا جميعاً إن نصم يوم جمعةٍ ... ففي تاسع العشرين خذ ليلة القدر وإن كان يوم السبت أوّل صومنا ... فحادي وعشرين اعتمده بلا عسر وإن كان صوم الشّهر في أحدٍ فخذ ... ففي سابع العشرين ما شئت فاستقري ويوم الثلاثا إن بدا الشهر فاعتمد ... على خامس العشرين فاعمل بها تدري وفي الأربعا إن هلّ يا من يرومها ... فدونك نيل الوجد في تاسع العشر ويوم خميس إن بدا الشّعر فاجتهد ... ففي ثالث العشرين تظفر بالنّصر وضابطها بالقول ليلة جمعةٍ ... توافيك بعد النّصف في ليلة الوتر قلت: لست على يقين من نسبة هذا النظم إلى الشيخ رحمه الله تعالى، فإن نفسه أعلى من هذه النظم، ولكنّي ذكرته لما فيه من الفائدة، ولأن بعض الناس نسبه إليه، فالله تعالى غير واحد قوله: قلبي قطبي، وقالبي أجفاني ... سرّي خضري، وعينه عرفاني روحي هرون وكليمي موسى ... نفسي فرعون والهوى هاماني وذكر بعض الثقات أن هذين البيتين يكتبان لمن به القولنج في كفه ويلحسهما، فإنّه يبرأ بإذن الله تعالى، قال وهو من المجرّبات. وقد تأول بعض العلماء قول الشيخ رحمه الله تعالى بإيمان فرعون أن مراده بفرعون النفس بدليل ما سبق، وحكى في ذلك حكاية عن بعض الأولياء ممّن كان ينتصر للشيخ، رحمه الله تعالى.

стр. 879

[سعد الدين ابن الشيخ محيي الدين] ولد للشيخ محيي الدين - رحمه الله تعالى - ابنه محمدٌ المدعوّ سعد الدين (١) بملطية في رمضان سنة ٦١٨، ودرس، وقال الشعر الجيّد، وله ديوان شعر مشهور، وتوفّي بدمشق سنة ٦٥٦ سنة دخل هولاكو بغداد وقتل الخليفة الستعصم، ودفن المذكور عند والده بسفح قاسيون، وكان قدم القاهرة، وسكن حلبا، ومن شعره (٢) : لمّا تبدّى عارضاه في نمط ... قيل ظلامٌ بضياء اختلط وقيل سطر الحسن في خدّيه خطّ ... وقيل نملٌ فوق عاجٍ انبسط (٣) وقيل مسكٌ فوق وردٍ قد نقط ... وقال قوم: إنّها اللام فقط [حكاية عن ابن جزي] قلت: تذكرت بهذا ما قاله الكاتب أبو عبد الله ابن جزيٍّ الأندلسي (٤) كاتب سلطان المغرب أبي عنان حين تنازع الكتّاب أرباب الأقلام والرؤساء أصحاب السيوف في تشبيه العذار، وقالت كل فرقة: لا نشبهه إلاّ بما هو مناسب لصنعتنا، فلمّا فرغوا قال ابن جزي: أتى أولو الكتب والسيف الأولى عزموا ... من بعد سلمي على حربي وإسلامي

стр. 880

بكلّ معنىً بديعٍ في العذار على ... ما تقتضي منهم أفكار أحلامي فقال ذو الكتب: لا أرضى المحارب في ... تشبيهه لا وأنقاسي وأقلامي وقال ذو الحرب: لا أرضى الكتائب في ... تشبيهه ومظلاّتي وأعلامي فقلت: أجمع بين المذهبين معاً ... باللاّم، فاستحسنوا التّشبيه باللام وهذه الغاية التي لا تدرك مع البديهة ولزوم ما لا يلزم. رجع - ومن نظم سعد الدين قوله (١) : سهري من المحبوب أصبح مرسلاً ... وأراه متّصلاً بفيض مدامع قال الحبيب: بأنّ ريقي نافعٌ ... فاسمع رواية مالكٍ عن نافع ومن نظمه أيضاً قوله: وقالوا: قصيرٌ شعر من قد هويته ... فقلت: دعوني لا أرى منه مخلصا محيّاه شمسٌ قد علت غصن قدّه ... فلا عجبٌ للظلّ أن يتقلّصا وقوله (٢) : وربّ قاضٍ لنا مليح ... يعرب عن منطق لذيذ إذا رمانا بسهم لحظٍ ... قلنا له دائم النّفوذ وقوله (٣) : لك والله منظرٌ ... قلّ فيه المشارك إنّ يوماً تكون في ... هـ ليومٌ مبارك

стр. 881

ومن نظمه أيضاً ما كتب به إلى أخيه عماد الدين أبي عبد الله محمد ابن الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي أفاض الله تعالى علينا من فتوحاته، قوله: ما للنّوى رقّةٌ ترثي لمكتئب ... حرّان في قلبه والدمع في حلب قد أصبحت حلبٌ ذات العماد بكم ... وجلّق إرمٌ هذا من العجب وتوفّي الشيخ عماد الدين بالصالحيّة سنة ٦٦٧، ودفن بسفح قاسيون عند والده بتربة القاضي ابن الزكيّ، رحم الله تعالى الجميع. وابن الزكيّ أيضاً محيي الدين. ومن نظم سعد الدين المذكور في وسيم رآه بالزيادة في دمشق (١) : يا خليليّ في الزيادة ظبيٌ ... سلبت مقلتاه جفني رقاده كيف أرجو السّلوّ عنه وطرفي ... ناظرٌ حسن وجهه في الزياده وله: علقت صوفيّاً كبدر الدّجى ... لكنّه في وصلي الزاهد يشهد وجدي بغرامي له ... فديت صوفيّاً له شاهد وله أيضاً: صبوت إلى حريريٍّ مليح ... تكرّر نحو منزله مسيري أقول له: ألا ترثي لصبٍّ ... عديم للمساعد والنصير أقام ببابكم خمسين شهراً ... فقال: كذا مقامات الحريري وله: وغزال من اليهود أتاني ... زائراً من كنيسه أو كناسه

стр. 882

بتّ أجني الشقيق من وجنتيه ... وأشمّ العبير من أنفاسه واعتنقنا إذ لم نخف من رقيب ... وأمنّا الوشاة من حرّاسه من رآني يظنّني لنحولي ... واصفراري علامة فوق راسه وله: لي حبيبٌ بالنّحو أصبح مغرى ... فهو منّي بما أعانيه أدرى قلت: ماذا تقول حين تنادي ... يا حبيبي المضاف نحوك جهرا قال لي: يا غلام، أو يا غلامي ... قلت: لبّيك ثم لبّيك عشرا وله أيضاً: ساءلتني عن لفظةٍ لغويّةٍ ... فأجبت مبتدئاً بغير تفكّر خاطبتني متبسّماً فرأيتها ... من نظم ثغرك في صحاح الجوهري وله: وعلمت أنّ من الحديد فؤاده ... لمّا انتضى من مقلتيه مهنّدا آنست من وجدي بجانب خدّه ... ناراً ولكن ما وجدت بها هدى [رجع إلى الشيخ محيي الدين] وقال الشيخ محيي الدين - أفاض الله تعالى علينا من أنواره، وكسانا بعض حلل وأسراره - إنّه بلغني في مكّة عن امرأة من أهل بغداد أنّها تكلمت فيّ بأمور عظيمة، فقلت: هذه قد جعلها الله تعالى سبباً لخير وصل إليّ فلأكافئنّها، وعقدت في نفسي أن أجعل جميع ما اعتمرت في رجب لها، ففعلت ذلك، فلمّا كان الموسم استدل علي رجل غريب، فسأله الجماعة عن قصده، فقال: رأيت بالينبع في الليلة التي بتّ فيها كأن آلافاً من الإبل أوقارها المسك والعنبر والجوهر

стр. 883

فعجبت من كثرته، ثم سألت: لمن هو فقيل: هو لمحمد بن عربي يهديه إلى فلانة؛ وسمى تلك المرأة ثم قال: وهذا بعض ما تستحق، قال سيدي ابن عربي: فلمّا سمعت الرؤيا واسم المرأة، ولم يكن أحد من خلق الله تعالى علم منّي ذلك، علمت أنّه تعريف من حانب الحق، وفهمت من قوله إن هذا بعض ما تستحق أنّها مكذوب عليها، فقصدت المرأة وقلت: اصدقيني، وذكرت لها ما كان من ذلك، فقالت: كنت قاعدة قبالة البيت، وأنت تطوف، فشكرك الجماعة الذين كنت فيهم، فقلت في نفسي: اللهم إنّي أشهدك أنّي قد وهبت له ثواب ما أعمله في يوم الاثنين وفي يوم الخميس، وكنت أصومهما وأتصدّق فيهما، قال: فعلمت أن الذي وصل منّي إليها بعض ما تستحق فإنّها سبقت بالجميل، والفضل للمتقدّم. ومن نظم الشيخ محيي الدين بن عربي رحمه الله تعالى: يا غاية السؤل والمأمول يا سندي ... شوقي إليك شديدٌ لا إلى أحد ذبت اشتياقاً ووجداً في محبّتكم ... فآه من طول شوقي آه من كمدي يدي وضعت على قلبي مخافة أن ... ينشقّ صدري لمّا خانني جلدي ما زال يرفعها طوراً ويخفضها ... حتى وضعت يدي الأخرى تشدّ يدي وحكى سبط ابن الجوزي عن الشيخ محيي الدين أنّه كان يقول: إنّه يحفظ الاسم الأعظم، ويقول: إنّه يعرف السيميا بطريق التنزل، لا بطريق التكسب، انتهى والله تعالى أعلم، والتسليم أسلم. ومن نظم الشيخ محيي الدين قوله: ما فاز بالتّوبة إلاّ الذي ... قد تاب قدماً والورى نوّم فمن يتب أدرك مطلوبه ... من توبة الناس ولا يعلم وله، رحمه الله تعالى، من المحاسن ما لا يستوفى.

стр. 884

وأنشدني لنفسه بدمشق صاحبنا الصوفي الشيخ محمد بن سعد الكلشني - حفظه الله تعالى - قوله شيخنا: الحاتمي ... (الأبيات) (١) ؛ وأنشدني لنفسه: أمولاي محيي الدين أنت الذي بدت ... علومك في الآفاق كالغيث مذ همى كشفت معاني كلّ علمٍ مكتّمٍ ... وأوضحت بالتحقيق ما كان مبهما وبالجملة فهو حجّة الله الظاهرة، وآيته الباهرة، ولا يلتفت إلى كلام من تكلّم فيه، ولله درّ السيوطي الحافظ فإنّه ألّف تنبيه الغبي على تنزيه ابن عربي ومقام هذا الشيخ معلوم، والتعريف به يستدعي طولاً، وهو أظهر من نار (٢) على علم. وكان بالمغرب يعرف باب العربي بالألف واللام، واصطلح أهل المشرق على ذكره بغير ألف ولام، فرقاً بينه وبين القاضي أبي بكر ابن العربي. وقال ابن خاتمة في كتابه مزية المريّة ما نصّه: محمد بن علي محمد الطائي الصوفي، من أهل إشبيلية، وأصله من مرسية، يكنى أبا بكر، ويعرف بابن العربي وبالحاتمي أيضاً، أخذ عن مشيخة بلده، ومال إلى الآداب، وكتب لبعض الولاة بالأندلس، ثم رحل إلى المشرق حاجّاً فأدّى الفريضة، ولم يعد بعدها إلى الأندلس، وسمع الحديث من أبي القاسم الحرستاني ومن غيره، وسمع صحيح مسلم من الشيخ أبي الحسن ابن أبي نصر في شوّال سنة ٦٠٦، وكان يحدّث بالإجازة العامّة عن أبي طاهر السّلفي، ويقول بها، وبرع في علم التصوّف، وله في ذلك تواليف كثيرة: منها " الجمع والتفصيل في حقائق التنزيل " و " الجذوة المقتبسة والخطرة المختلسة " وكتاب " كشف المعنى في تفسير الأسماء الحسنى " وكتاب المعارف الإلهيّة وكتاب " الإسرا

стр. 885

إلى المقام الأسرى " وكتاب " مواقع النجوم ومطالع أهلّة أسرار العلوم " وكتاب " عنقاء مغرب في صفة ختم الأولياء وشمس المغرب " وكتاب " في فضائل مشيخة عبد العزيز بن أبي بكر القرشي المهدوي "، والرسالة الملقّبة ب " مشاهد الأسرار القدسيّة ومطالع الأنوار الإلهيّة " في كتب أخر عديدة، وقدم على المريّة من مرسية مستهلّ شهر رمضان سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وبها ألّف كتابه الموسوم ب " مواقع النجوم "، انتهى. وفي الكتاب المسمى ب " الاغتباط بمعالجة ابن الخيّاط " تأليف شيخ الإسلام قاضي القضاة مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الشيرازي الفيروزابادي الصديقي صاحب القاموس، قدّس الله تعالى روحه، الذي ألّفه بسبب سؤالٍ سئل فيه عن الشيخ سيدي محيي الدين بن عربي الطائي قدّس الله تعالى سرّه العزيز في كتبه المنسوبة إليه، ما صورته: ما تقول السادة العلماء شدّ الله تعالى بهم أزر الدين، ولمّبهم شعث المسلمين، في الشيخ محيي الدين بن عربي في كتبه المنسوبة إليه كالفتوحات والفصوص، هل تحلّ قراءتها وإقراؤها ومطالعتها وهل هي الكتب المسموعة المقروءة أم لا أفتونا مأجورين جواباً شافياً لتحوزوا جميل الثواب، من الله الكريم الوهّاب، والحمد لله وحده. فأجابه بما صورته: الحمد لله، اللهم أنطقنا بما فيه رضاك، الذي أعتقده في حال المسؤول عنه وأدين الله تعالى به، أنّه كان شيخ الطريقة حالاً وعلماً، وإمام الحقيقة حقيقة ورسماً، ومحيي رسوم المعارف فعلاً واسماً: إذا تغلغل فكر المرء في طرفٍ ... من بحره غرقت فيه خواطره وهو عباب لا تكدره الدّلاء، وسحاب لا تتقاصر عنه الأنواء، وكانت

стр. 886

دعواته تخترق السبع الطّباق، وتفترق بركاته فتملأ الآفاق، وإنّي أصفه وهو يقيناً فوق ما وصفته، وناطق بما كتبته، وغالب ظني أنّي ما أنصفته: وما عليّ إذا ما قلت معتقدي ... دع الجهول يظنّ العدل عدوانا والله والله والله العظيم ومن ... أقامه حجّةً للدين برهانا بأنّ ما قلت بعضٌ من مناقبه ... ما زدت إلاّ لعلّي زدت نقصانا وأما كتبه ومصنّفاته فالبحار الزواخر، التي لجواهرها وكثرتها لا يعرف لها أل ولا آخر، ما وضع الواضعون مثلها، وإنّما خصّ الله سبحانه بمعرة قدره أهلها، ومن خواص كتبه أن من واظب على مطالعتها والنظر فيها، وتأمّل ما في مبانيها، انشرح صدره لحل المشكلات، وفك المعضلات، وهذا الشأن لا يكون إلا لأنفاس من خصّه الله تعالى بالعلوم اللدنية الربانية، ووقفت على إجازة كتبها للملك المعظم فقال في آخرها: وأجزته أيضاً أن يروي عني مصنّفاتي، ومن جملتها كذا وكذا، حتى عد نيّفاً وأربعمائة مصنف، منها التفسير الكبير الذي بلغ فيه إلى تفسير سورة الكهف عند قوله تعالى " وعلّمناه من لدنّا علماً " وتوفّي ولم يكمل، وهذا التفسير كتاب عظيم، كل سفر بحر لا ساحل له، ولا غرو فإنّه صاحب الولاية العظمة، والصديقية الكبرى، فيما نعتقد وندين الله تعالى به. وثم طائفة، في الغي حائفة، يعظمون عليه النكير، وربّما بلغ بهم الجهل إلى حد التكفير، وما ذاك إلا لقصور أفهامهم عن إدراك مقاصد أقواله وأفعاله ومعانيها، ولم تصل أيديهم لقصرها إلى اقتطاف مجانيها: عليّ نحت القوافي من معادنها ... وما عليّ إذا لم تفهم البقر هذا الذي نعلم ونعتقد، وندين الله تعالى به في حقه، والله أعلم، وصورة استشهاده: كتبه محمد الصديقي الملتجئ إلى حرم الله تعالى

стр. 887

عفا الله عنه. وأما احتجاجه بقول شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام شيخ مشايخ الشافعية فغير صحيح، بل كذب وزور، فقد روينا عن شيخ الإسلام صلاح الدين العلائي عن جماعة من المشايخ كلّهم عن خادم الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام أنّه قال: كنّا في مجلس الدرس بين يدي الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام، فجاء في باب الردة ذكر لفظة الزنديق، فقال بعضهم: هل هي عربية أو عجميّة فقال بعض الفضلاء: إنّما هي فارسيّة معرّبة، أصلها زن دين، أي على دين المرأة، وهو الذي يضمر الكفر ويظهر الإيمان، فقال بعضهم: مثل من فقال آخر إلى جانب الشيخ: مثل ابن عربي بدمشق، فلم ينطق الشيخ ولم يردّ عله، قال الخادم: وكنت صائماً ذلك اليوم، فاتفق أن الشيخ دعاني للإفطار معه، فحضرت ووجدت منه إقبالاً ولطفاً، فقلت له: يا سيّدي، هل تعرف القطب الغوث الفرد في زماننا فقال: ما لك ولهذا كل، فعرفت أنّه يعرفه، فتركت الأكل وقلت له: لوجه الله تعالى عرّفني به، من هو فتبسّم، رحمه الله تعالى، وقال لي: الشيخ محيي الدين بن عربي، فأطرقت ساكتاً متحيراً، فقال: ما لك فقلت: يا سيّدي، قد حرت، قال: لم قلت: أليس اليوم قال ذلك الرجل إلى جانبك ما قال في ابن عربي وأنت ساكت فقال: آسكت، ذلك مجلس الفقهاء؛ هذا الذي روي لنا بالسند الصحيح عن شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام. وأمّا قول غيره من أضراب الشيخ عز الدين فكثير، كان الشيخ كمال الدين الزملكاني من أجلّ مشايخ الشام أيضاً يقول: ما أجهل هؤلاء! ينكرون على الشيخ محيي الدين بن عربي لأجل كلمات وألفاظ وقعت في كتبه قد قصرت أفهامهم عن درك معانيها، فليأتوني لأحلّ لهم مشكله، وأبين لهم مقاصده، بحيث يظهر لهم الحق، ويزول عنهم الوهم. وهذا القطب سعد الدين الحموي سئل عن الشيخ محيي الدين بن عربي لمّا

стр. 888

رجع من الشام إلى بلاده: كيف وجدت ابن عربي فقال: وجدته بحراً زخّاراً لا ساحل له. وهذا الشيخ صلاح الدين الصّفدين له كتاب جليل وضعه في تاريخ علماء العالم في مجلدات كثيرة، وهي موجودة في خزانة السلطان، تنظر في باب الميم ترجمة محمد بن عربي لتعرف مذاهب أهل العلم الذين باب صدورهم مفتوح لقبول العلوم اللدنية والمواهب الربانية. وقوله في شيء من الكتب المصنّفة كالفصوص وغيره: إنّه صنّفه بأمر من الحضرة الشريفة النبويّة، وأمره بإخراجه إلى الناس، قال الشيخ محيي الدين (١) الذهبي حافظ الشام: ما أظن المحيي يتعمّد الكذب أصلاً؛ وهو من أعظم المنكرين وأشدهم على طائفة الصوفية. ثمّ إن الشيخ محيي الدين، رحمه الله تعالى، كان مسكنه ومظهره بدمشق، وأخرج هذه العلوم إليهم، ولم ينكر عليه أحد شيئاً من ذلك، وكان قاضي القضاة الشافعيّة في عصره شمس الدين أحمد الخويّي يخدمه خدمة العبيد، وقاضي القضاة المالكيّة زوّجه بابنته، وترك القضاء بنظرة وقعت عليه من الشيخ. وأمّا كراماته ومناقبه فلا تحصرها مجلّدات، وقول المنكرين في حقّ مثله غثاء وهباء لا يعبأ به، والحمد لله تعالى، انتهى ما نقلته من كلام العارف بالله تعالى سيدي عبد الوهاب الشعراني، رضي الله تعالى عنه. وقد حكى الشيخ رضي الله تعالى عنه، عن نفسه في كتبه ما يبهر الألباب، وكفى بذلك دليلاً على ما منحه الله، الذي يفتح لمن شاء الباب، وقد اعتنى بتربته بصالحيّة دمشق سلاطين بني عثمان، نصرهم الله تعالى، على توالي الأزمان، وبنى عليه السلطان المرحوم سليم خان المدرسة العظيمة، ورتب له الأوقاف، وقد زرت قبره وتبركت به مراراً، ورأيت لوائح الأنوار عليه

стр. 889

ظاهرة، ولا يجد منصف محيداً إلى إنكار ما يشاهد عند قبره من الأحوال الباهرة، وكانت زيارتي له بشعبان ورمضان وأول شوال سنة ١٠٣٧. وقال في عنوان الدراية: إن الشيخ محيي الدين كان يعرف بالأندلس بابن سراقة، وهو فصيح اللسان، بارع فهم الجنان، قوي على الإيراد، كلّما طلب الزيادة يزاد، رحل إلى العدوة، ودخل بجاية في رمضان سنة ٥٩٧، وبها لقي أبا عبد الله العربي وجماعةً من الأفاضل، ولمّا دخل بجاية في التاريخ المذكور قال: رأيت ليلة أنّي نكحت نجوم السماء كلّها، فما بقي منها نجم إلاّ نكحته بلذّة عظيمة روحانيةّ، ثمّ لمّا كملت نكاح النجوم أعطيت الحروف فنكّحتها، ثمّ عرضت رؤياي هذه على من قصّها على رجل عارف بالرؤيا بصير بها، وقلت للّذي عرضتها عليه: لا تذكرني، فلمّا ذكر الرؤيا استعظمها وقال: هذا هو البحر الذي لا يدرك قعره، صاحب هذه الرؤيا يفتح الله تعالى له من العلوم العلويّة وعلوم الأسرار وخواص الكواكب ما لا يكون فيه أحد من أهل زمانه، ثم سكت ساعة، وقال: إن كان صاحب هذه الرؤيا في هذه المدينة فهو ذاك الشاب الأندلسي الذي وصل إليها. ثم قال صاحب العنوان ما ملخّصه: إن الشيخ محيي الدين رحل إلى المشرق، واستقرت به الدار، وألّف تواليفه، وفيها ما فيها، إن قيّض الله تعالى من يسامح ويتأول سهل المرام، وإن كان ممّن ينظر بالطاهر فالأمر صعب، وقد نقد عليه أهل الديار المصريّة وسعوا في إراقة دمه، فخلّصه الله تعالى على يد الشيخ أبي الحسن البجائي، فإنّه سعى في خلاصه وتأوّل كلامه، ولمّا وصل إليه بعد خلاصه قال له الشيخ، رحمه الله تعالى: كيف يحبس من حل منه اللاّهوت في الناسوت فقال له: يا سيّدي، تلك شطحت في محل سكر ولا عتب على سكران. وتوفّي الشيخ محيي الدين في نحو الأربعين وستمائة، وكان يحدّث بالإجازة العامة عن السّلفي، رحمه الله تعالى، انتهى.

стр. 890

ومن موشّحات الشيخ محيي الدين رضي الله تعالى عنه قوله (١) : سرائر الأعيان ... لاحت على الأكوان للناظرين والعاشق الغيران ... من ذاك في بحران (٢) يبدي الأنين يقول والوجد ... أضناه والبعد (٣) قد حيّره لمّا دنا البعد ... لم أدر من بعد من غيّره وهيّم العبد ... والواحد الفرد قد خيّره في البوح والكتمان ... والسرّ والإعلان في العالمين أنا هو الديّان ... يا عابد الأوثان أنت الضّنين كلّ الهوى صعب ... على الذي يشكو ذلّ الحجاب يا من له قلب ... لو أنّه يذكو عند الشباب قرّبه الرّبّ ... لكنّه إفك فانو المتاب وناد يا رحمن ... يا برّ يا منّان إنّي حزين أضناني الهجران ... ولا حبيب دان ولا معين فنيت بالله ... عمّا تراه العين من كونه في موقف الجاه ... وصحت أين الأين في بينه فقال: يا ساهي ... عاينت قط عين بعينه أما ترى غيلان ... وقيس أو من كان في الغابرين قالوا الهوى سلطان ... إن حلّ بالإنسان أفناه دين

стр. 891

كم مرّةٍ قالا ... أنا الذي أهوى من هو أنا فلا أرى حالا ... ولا أرى شكوى إلاّ الفنا لست كمن مالا ... عن الّذي يهوى بعد الجنى ودان بالسّلوان ... هذا هو البهتان للعارفين سلوهم ما كان ... عن حضرة الرحمن والآفكين دخلت في بستان ... الأنس والقرب كمكنسه فقام لي الرّيحان ... يختال بالعجب في سندسه أنا هو يا إنسان ... مطيّب الصّبّ في مجلسه جنّان يا جنّان ... اجن من البستان الياسمين وحلّل الرّيحان ... بحرمة الرحمن للعاشقين وقال الإمام الصفي ابن ظافر الأزدي في رسالته (١) : رأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف الوحيد محيي الدين بن عربي، وكان من أكبر علماء الطريق، جمع بين سائر العلوم الكسبية وما وفّر له من العلوم الوهبية، ومنزلته شهيرة، وتصانيفه كثيرة، وكان غلب عليه التوحيد علماً وخلقاً وحالاً، لا يكترث بالوجود مقبلاً كان أو معرضاً، وله علماء أتباع أرباب مواجيد وتصانيف، وكان بينه وبين سيدي الأستاذ الحرار إخاء ورفقة في السياحات، رضي الله تعالى عنهما، انتهى. وذكر الإمام سيّدي عبد الله بن سعد اليافعي اليمني في الإرشاد أنّه اجتمع مع الشهاب السّهروردي، فأطرق كل واحد منهما ساعة، ثم افترقا من غير كلام، فقيل للشيخ ابن عربي: ما تقول في السّهروردي فقال: مملوء سنّةً من قرنه إلى قدمه، وقيل للسّهروردي: ما تقول في الشيخ محيي

стр. 892

الدين فقال: بحر الحقائق. ثم قال اليافعين ما ملخّصه: إن بعض العارفين كان يقرأ عليه كلام الشيخ ويشرحه، فلمّا حضرته الوفاة نهى عن مطالعته، وقال: إنّكم لا تفهمون معاني كلامه، ثم قال اليافعي: وسمعت أن العز بن عبد السلام كان يطعن عليه ويقول: هو زنديق، فقال له بعض أصحابه: أريد أن تريني القطب، أو قال وليّاً، فأشار إلى ابن عربي، فقال له: فأنت تطعن فيه، فقال: أصون ظاهر الشرع، أو كما قال. وأخبرني بهذه الحكاية غير واحد من ثقات مصر والشام، ثم قال: وقد مدحه وعظمه طائفة كالنجم الأصبهاني والتاج بن عطاء الله وغيرهما، وتوقّف فيه طائفة، وطعن فيه آخرون، وليس الطاعن فيه بأعلم من الخضر ﵇، إذ هو أحد شيوخه، له معه اجتماع كثير. ثم قال: وما ينسب إلى المشايخ له محامل: الأول أنّه لم تصح نسبته إليهم، الثاني بعد الصحة يلتمس له تأويل موافق، فإن لم يوجد له تأويل في الظاهر فله تأويل في الباطن لم نعلمه، وإنّما يعلمه العارفون، الثالث: أن يكون ذلك صدر منهم في حال السكر والغيبة، والسكران سكراً مباحاً غير مؤاخذ ولا مكلّف، انتهى ملخّصاً. وممّن ذكر الشيخ محيي الدين الإمام شمس الدين محمد بن مسدي في معجمه البديع المحتوي على ثلاث مجلدات، وترجمه ترجمة عظيمة مطولة أذكر منها أنّه قال: إنّه كان ظاهري المذهب في العبادات، باطني النظر في الاعتقادات، خاض بحر تلك العبارات، وتحقق بمحيّا تلك الإشارات، وتصانيفه تشهد له عند أولي البصر بالتقدّم والإقدام، ومواقف النهايات في مزالق الأقدام، ولهذا ما ارتبت في أمره، والله تعالى أعلم بسرّه، انتهى. ونقلت من خط ابن علوان التونسي، رحمه الله تعالى: وقال الشيخ محيي الدين:

стр. 893

بالمال ينقاد كلّ صعبٍ ... من عالم الأرض والسماء يحسبه عالمٌ حجاباً ... لم يعرفوا لذّة العطاء لولا الذي في النفوس منه ... لم يجب الله في الدعاء لا تحسب المال ما تراه ... من عسجد مشرق لراء بل هو ما كنت يا بني ... به غنيّاً عن السّواء فكن بربّ العلا غنيّاً ... وعامل الخلق بالوفاء وقال: نبّه على السّرّ ولا تفشه ... فالبوح بالسّرّ له مقت على الذي يبديه فاصبر له ... واكتمه حتى يصل الوقت وقال: قد ثاب غلماننا علينا ... فما لنا في الوجود قدر أذنابنا صيّرت رؤوساً ... ما لي على ما أراه صبر هذا هو الدّهر يا خليلي ... فمن يقاسيه فهو قهر ونظم الشيخ محيي الدين هو البحر الذي لا ساحل له. ولنختم ما أوردنا منه بقوله: يا حبّذا المسجد من مسجد ... وحبّذا الروضة من مشهد وحبّذا طيبة من بلدةٍ ... فيها ضريح المصطفى أحمد صلّى عليه الله من سيّدٍ ... لولاه لم نفلح ولم نهتد قد قرن الله به ذكره ... في كلّ يوم فاعتبر ترشد عشرٌ خفيّاتٌ وعشرٌ إذا ... أعلنّ بالتأذين في المسجد فهذه عشرون مقرونة ... بأفضل الذكر إلى الموعد

стр. 894

١١٤ - ومنهم الصوفي الشهير أبو الحسن علي الشّشتري، وهو علي ابن عبد الله النميري (١) ، عروس الفقهاء، وأمير المتجردين، وبركة لابسي الخرقة، وهو من قرية ششتر من عمل وادي آش، وزقاق الشّشتري معلوم بها، وكان مجوّداً للقرآن، قائماً عليه، عارفاً بمعانيه، من أهل العلم والعمل، جال الآفاق، ولقي المشايخ، وحجّ حجّات، وآثر التجرّد والعبادات. وذكره القاضي أبو العباس الغبريني في عنوان الدراية فقال: الفقيه الصوفي، ومن الطلبة المحصّلين، والفقراء المنقطعين، له علم بالحكمة ومعرفة بطريق الصوفية، وتقدّم في النظم والنثر على طريقة التحقيق، وأشعاره وموشحاته وأزجاله الغاية في الانطباع. أخذ عن القاضي محيي الدين محمد بن إبراهيم بن الحسن بن سراقة الأنصاري الشاطبي وغيره من أصحاب السّهروردي صاحب عوارف المعارف واجتمع بالنجم بن إسرائيل الدمشقي سنة ٦٥٠، وخدم أبا محمد ابن سبعين، وتلمذ له، وكان ابن سبعين دونه في السن، لكن اشتهر باتباعه، وعول على ما لديه، حتى صار يعبّر عن نفسه في منظوماته وغيرها بعبد ابن سبعين، وقال له لما لقيه - يريد المشايخ -: إن كنت تريد الجنّة فسر إلى أبي مدين، وإن كنت تريد ربّ الجنّة فهلم إليّ، ولمّا مات أبو محمد انفرد بعده بالرئاسة والإمامة على الفقراء المتجرّدين، فكان يتبعه في أسفاره ما ينيّف على أربعمائة فقير فيتقسّمهم الترتيب في وظائف خدمته. صنف كتباً: منها كتاب العروة الوثقى في بيان السنن وإحصاء العلوم وما يجب على المسلم أن يعمله ويعتقده إلى وفاته وله كتاب المقاليد الوجوديّة في أسرار الصوفي والرسالة القدسيّة في توحيد العامّة والخاصّة والمراتب

стр. 895

الإيمانيّة والإسلاميّة والإحسانيّة والرسالة العلميّة وغير ذلك. وله ديوان شعر مشهور، ومن نظمه قوله، رحمه الله تعالى (١) : لقد تهت عجباً بالتجرد والفقر ... فلم أندرج تحت الزمان ولا الدهر وجاءت لقلبي نفحةٌ قدسيةٌ ... فغبت به عن عالم الخلق والأمر طويت بساط الكون والطيّ نشره ... وما القصد إلا الترك للطيّ والنشر وغمّضت عين القلب غير مطلّق ... فألفيتني ذاك الملقّب بالغير وصلت لمن لم تنفصل عنه لحظة ... ونزّهت من أعني عن الوصل والهجر وما الوصف إلاّ دونه غير أنّني ... أريد به التشبيب عن بعض ما أدري وذلك مثل الصوت أيقظ نائماً ... فأبصر أمراً جلّ عن ضابط الحصر فقلت له الأسماء تبغي بيانه ... فكانت له الألفاظ ستراً على ستر وقال (٢) : من لامني لو أنّه قد أبصرا ... ما ذقته أضحى به متحيّرا وغدا يقول لصحبه إن أنتم ... أنكرتم ما بي أتيتم منكرا شذّت أمور القوم عن عاداتهم ... فلأجل ذاك يقال سحرٌ مفترى وقال، وهي من أشهر ما قال (٣) : أرى طالباً منّا الزّيادة لا الحسنى ... بفكرٍ رمى سهماً فعدّى به عدنا وطالبنا مطلوبنا من وجودنا ... نغيب به عنّا لدى الصّعق إن عنّا وهي طويلة مشهورة بالشرق والغرب، وقد شرحها شيخ شيوخ شيوخنا

стр. 896

العارف بالله تعالى، سيّدي أحمد زرّوق، نفعنا الله تعالى ببركاته. وأشار ابن الخطيب في الإحاطة إلى أنّها لا تخلو عن شذوذ من جهة اللسان، وضعف في العربية، قال: ومع ذلك فهي غريبة المنزع، أشار فيه إلى مراتب الأعلام من أهل هذه الطريقة، وكأنّها مبنية على كلام شيخه الذي خاطبه به عند لقائه حسبما قدّمناه، إذ الحسنى: الجنّة، والزيادة: مقام النظر، وقوله فيها: وأظهر منها الغافقيّ لنا جنىً ... وكشّف عن أطواره الغيم والدّجنا هو شيخه أبو محمد ابن سبعين لأنّه مرسيّ الأصل غافقيّه. ولما وصل الشّشتري من الشام إلى ساحل دمياط وهو مريض مرض موته نزل قرية بساحل البحر الرومي فقال: ما اسم هذه القرية فقيل: الطينة، فقال: حنّت الطينة إلى الطينة، وأوصى أن يدفن بمقبرة دمياط، إذ الطينة بمفازة، وأقرب المدن إليها دمياط، فحمله الفقراء على أعناقهم إلى دمياط. وكانت وفاته يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة ٦٦٨، فدفن بدمياط، رحمه الله تعالى، ورضي عنه. ١١٥ - ومنهم سيدي أبو الحسن علي بن أحمد الحرالي الأندلسي (١) - وحرالة: قرية من أعمال مرسية - غير أنّه ولد بمراكش، وأخذ بالأندلس عن أبي الحسن ابن خروف وغير واحد، ورحل إلى المشرق فأخذ عن أبي عبد الله القرطبي إمام الحرم وغيره، ولقي جلّةً من المشايخ شرقاً وغرباً. وهو إمام ورع صالح زاهد، كان بقية السلف، وقدوة الخلف، وقد زهد في الدّنيا وتخلّى عنها، وأقام في تفسير الفاتحة نحواً من ستّة أشهر يلقي في التعليل قوانين تتنزّل في علم التفسير منزلة أصول الفقه من الأحكام، حتى منّ الله تعالى ببركات ومواهب لا تحصى، وعلى أحكام تلك القوانين

стр. 897

وضع كتابه مفتاح اللّبّ المقفل على فهم القرآن المنزل وهو ممّن جمع العلم والعمل، وصنّف في كثير من الفنون كالأصلين والمنطق والطبيعيّات والإلهيّات، وكان يقرئ النجاة لابن سينا فينقضه عروة عروة، وكان من أعلم الناس بمذهب مالك، ولمّا ظنّ فقهاء عصره أنّه لا يحسن المذهب لاشتغاله بالمعقولات أقرأ التهذيب وأبدى فيه الغرائب، وبيّن مخالفته للمدوّنة في بعض المواضع، ووقع بينه وبين الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام شيء، وطلب عزّ الدين أن يقف على تفسيره، فلمّا وقف عليه قال: أين قول مجاهد أين قول فلان وفلان وكثر القول في هذا المعنى، ثم قال: يخرج من بلادنا إلى وطنه - يعني الشام - فلمّا بلغ كلامه الشيخ قال: هو يخرج وأقيم أنا، فكان كذلك. وله عدّة مؤلّفات في الفنون؛ وقال، رحمه الله تعالى: أقمت ملازماً لمجاهدة النفس سبعة أعوام، حتى استوى عندي من يعطيني دينارً ومن يزدريني. وأصبح - رحمه الله تعالى - ذات يوم ولا شيء لأهله يقيمون به أودهم، وكانت أم ولده جارية تسمّى كريمة، وكانت سيّئة الخلق، فاشتدّت عليه في الطلب، وقالت له: إن الأصاغر لا شيء لهم، فقال: الآن يأتي من قبل الوكيل ما نتقوّت به، فبينما هم كذلك وإذا بالحمّال يضرب الباب ومعه قمح، فقال لها: يا كريمة، ما أعجلك، هذا الوكيل بعث بالقمح، فقالت: ومن يصنعه فأمر فتصدّق به، ثم قال لها: يأتيك ما هو أحسن منه، فانتظرت يسيراً، وبدا لها فتكلّمت بما لا يليق، فبينما هم كذلك، وإذا بحمّال سميذ، فقال لها: هذا السميذ أيسر وأسهل من القمح، فلم يقنعها ذلك، فأمر أيضاً بصدقته، فلمّا تصدّق به زادت في المقال، وإذا برجل على رأسه طعام، فقال لها: يا كريمة، قد كفيت المؤونة، هذا الوكيل قد علم بحالك. ومن كراماته أن بعض طلبته اجتمعوا في نزهة، وأخذوا حلياً من زينة النساء، فزيّنوا به بعض أصحابهم، فلمّا انقضى ذلك واجتمعوا بمجلس الشيخ صار الذي كان في يده الحلي يتحدّث ويشير بيده، فقال الشيخ: يد يجعل

стр. 898

فيها الحلي لا يشار بها في الميعاد. ومنها أنّه أصاب الناس جدبٌ ببجاية، فأرسل إلى داره من يسوق ماء إلى الفقراء، فامتنعت كريمة، ونهرت رسله، فسمع كلامها، فقال للرسول: قل لها يا كريمة، والله لأشربنّ من ماء المطر الساعة، فرمق السماء بطرفه، ودعا الله ، ورفع يده به، وشرع المؤذن في الأذان، ولم يختم المؤذن أذانه حتى كان المطر كأفواه القرب. وتوفّي، رحمه الله تعالى، بحماة من بلاد الشام سنة سبع وثلاثين وستمائة؛ انتهى ملخّصاً من عنوان الدراية للغبريني. ووقع للذهبي في حقّه كلام على عادته في الحطّ على هذه الطائفة، ثم قال: ورأيت شيخنا المجد التونسي يتغالى في تفسيره، رأيت غير واحد معظماً له وقوماً تكلّموا في عقيدته، وكان نازلاً عند قاضي حماة البارزي؛ وقال لها شرف الدين البارزي: تزوّج بحماة، وكانت زوجته تشتمه وتؤذيه وهو يتبسّم، وإن رجلاً راهن جماعةً على أن يحرجه، فقالوا: لا تقدر، فأتى وهو يعظ وصاح، وقال له: أنت أبوك كان يهوديّاً وأسلم، فنزل من الكرسي، فاعتقد الرجل أنّه غضب وأنّه تمّ له ما رامه حتى وصل إليه فخلع مرطيه (١) عليه، وأعطاه إيّاهما، وقال له: بشّرك الله بالخير، لأنّك شهدت لأبي أنّه كان مسلماً، انتهى. وظاهر كلام الغبريني أن تفسير الشيخ الحرالي كامل، وقال بعض: إنّه لم يكمل، وهو تفسير حسن، وعليه نسج البقاعيّ مناسباته، وذكر أن الذي وقف عليه منه من أوّل القرآن إلى قوله في سورة آل عمران " كلّما دخل عليها زكريّا المحراب وجد عندها رزقاً ".

стр. 899

وكلام الذهبي في الشيخ يرده كلام الغبريني، إذ هو أعرف به، والله تعالى أعلم. وحكى الغبريني أنّه أنشد بين يديه الزجل المشهور (١) : جنّان يا جنّان ... اجن من البستان الياسمين واترك الرّيحان ... بحرمة الرحمن للعاشقين فسأل بعض عن معناه، فقال بعض الحاضرين: أراد به العذار، وقال آخر: إنّما أشار إلى دوام العهد، لأن الأزهار كلّها ينقضي زمانها إلاّ الرّيحان فإنّه دائم، فاستحسن الشيخ هذا أو وافق عليه. ١١٦ - ومنهم ولي الله العارف به الشيخ الشهير الكرامات، الكبير [المقامات] (٢) سيدي أبو العباس المرسي، نفعنا الله تعالى به (٣) . وهو من أكابر الأولياء، صحب سيدي الشيخ الفرد القطب الغوث الجامع سيدي أبا الحسن الشاذلي، أعاد الله تعالى علينا من بركاته، وخلفه بعده، وكان قدم من الأندلس من مرسية، وقبره بالإسكندرية مشهور بإجابة الدعوات، وقد زرته مراراً كثيرة، ودعوت الله عنده بما أرجو قبوله. وقد عرّف به الشيخ العارف بالله ابن عطاء الله في كتابه لطائف المنن في مناقب الشيخ سيدي أبي العابس وشيخه سيدي أبي الحسن، رضي الله تعالى عنهما. وقال الصفدي في الوافي: أحمد بن عمر بن محمد الشيخ الزاهد الكبير العارف أبو العباس، الأنصاري المرسي، وارث شيخه الشاذلي تصوّفاً، الأشعري معتقداً،

стр. 900

توفّي بالإسكندريّة سنة ٦٨٦، ولأهل مصر ولأهل الثغر فيه عقيدة كبيرة، وقد زرته لما كنت بالإسكندرية سنة ٧٣٨، قال ابن عرّام سبط الشاذلي: ولولا قوّة اشتهاره وكراماته لذكرت له ترجمة طويلة، كان من الشهود بالثغر، انتهى. وكان سيّدي أبو العباس يكرّم الناس على نحو رتبهم عند الله تعالى، حتى إنّه ربّما دخل عليه مطيع في يحتفل به، ربّما دخل عليه عاصٍ فأكرمه، لأن ذلك الطائع أتى وهو متكثّر لعمله (١) ناظر لفعله، وذلك العاصي دخل بكسر معصيته وذلة مخالفته، وكان شديد الكراهة للوسواس في الصلاة والطهرة، ويثقل عليه شهود من كان على صفته، وذكر عنده يوماً شخصٌ بأنّه صاحب علم وصلاح، إلاّ أنّه كثير الوسوسة، فقال: وأين العلم العلم هو الذي ينطبع في القلب كالبياض في الأبيض والسواد في الأسود. وله كلام بديع في تفسير القرآن العزيز: فمن ذلك أنّه قال: قال الله " الحمد لله ربّ العالمين " علم الله عجز خلقه عن حمده، فحمد نفسه بنفسه في أزله، فلمّا خلق الخلق اقتضى منهم أن يحمدوه بحمده، فقال " الحمد لله ربّ العالمين " أي: الحمد الذي حمد به نفسه بنفسه هو له، لا ينبغي أن يكون لغيره، فعلى هذا تكون الألف واللام للعهد. وقال في قوله تعالى " إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ": إيّاك نعبد شريعة، عبادة، وإيّاك نستعين عبوديّة، إيّاك نعبد فرق، وإيّاك نستعين جمع. وله في هذا المعنى وغيره كلام نفيس يدلّ على عظيم ما منحه الله سبحانه من العلوم اللدنية. وقال، رضي الله تعالى عنه، في قوله تعالى " اهدنا الصّراط المستقيم ": بالتثبيت (٢) فيما هو حاصل، والإرشاد لما ليس بحاصل؛ وهذا

стр. 901

الجواب ذكره ابن عطيّة في تفسيره، وبسطه الشيخ، رضي الله تعالى عنه، فقال: عموم المؤمنين يقولون " اهدنا الصّراط المستقيم " معناه نسألك التثبيت فيما هو حاصل والإرشاد لما ليس بحاصل، فإنّهم حصل لهم التوحيد، وفاتهم درجات الصالحين، والصالحون يقولون " اهدنا الصّراط المستقيم " معناه نسألك التثبيت فيما هو حاصل والإرشاد لما ليس بحاصل، لأنّهم حصل لهم الصلاح، وفاتهم درجات الشهداء، والشهيد يقول " اهدنا الصّراط المستقيم " درجة الشهادة، وفاته درجة الصديقية، والصديق كذلك يقول " اهدنا الصّراط المستقيم " إذ حصلت له درجة الصديقية، وفاتته درجة القطب، والقطب كذلك يقول " اهدنا الصّراط المستقيم " فإنّه حصلت له رتبة القطبانية، وفاته علم إذا شاء الله تعالى أن يطلعه عليه أطلعه. وقال، رضي الله تعالى عنه: الفتوّة الإيمان، قال الله " إنّهم فتيةٌ آمنوا بربّهم وزدناهم هدى " وقال، رضي الله تعالى عنه، في قوله حاكياً عن الشيطان " ثمّ لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم ... الأية " ولم يقل من فوقهم ولا من تحتهم لأن فوقهم التوحيد وتحتهم الإسلام. وقال، رضي الله تعالى عنه: التقوى في كتاب الله، ، على أقسام: تقوى النّار، قال الله " واتّقوا النّار " وتقوى اليوم، قال الله تعالى " واتّقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، وتقوى الربوبية، قال الله تعالى " يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم " وتقوى الألوهية " واتّقوا الله " وتقوى الإنّية " واتّقوى يا أولي الألباب " وقال، رضي الله تعالى عنه، في قول رسول الله، ﷺ ، " أنا سيّد ولد آدم ولا فخر " أي: لا أفتخر بالسّيادة، وإنّما الفخر لي بالعبودية لله، وكان كثيراً ما ينشد:

стр. 902

يا عمرو ناد عبد زهراء ... يعرفه السامع والرائي لا تدعني إلاّ بيا عبدها ... فإنّه أشرف أسمائي وقال رضي الله تعالى عنه، في قول سمنون المحب: وليس لي في سواك حظٌّ ... فكيفما شئت فاختبرني الأولى أن يقول: فكيفما شئت فاعف عني إذ طلب العفو أولى من طلب (١) الاختبار. وقال رضي الله تعالى عنه: الزاهد جاء من الدنيا إلى الآخرة، والعارف جاء من الآخرة إلى الدنيا. وقال رضي الله تعالى عنه: العارف لا دنيا له، لن دنياه لآخرته، وآخرته لربّه. وقال: الزاهد غريب في الدّنيا، لأن الآخرة وطنه، والعارف غريب في الآخرة. قال بعض العارفين: معنى الغربة في كلام الشيخ، رضي الله تعالى عنه أن الزاهد يكشف له عن ملك الآخرة فتبقى الآخرة موطن قلبه ومعشّش روحه، فيكون غريباً في الدّنيا، إذ ليست وطناً لقلبه، عاين الآخرة فأخذ قلبه فيما عاين من ثوابها ونوالها، وفيما شهد من عقوبتها ونكالها، فتغرّب في هذه الدار. وأمّا العارف فإنّه غريب في الآخرة إذ كشف له عن صفات معروفة فأخذ قلبه فيما هناك، فصار غريباً في الآخرة، لأن سرّه مع الله تعالى، بلا أين، فهؤلاء العباد تصير الحضرة معشّش قلوبهم، إليها يأوون، وفيها يسكنون، فإن تنزلوا إلى سماء الحقوق، أو أرض الخصوص، فبالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، فلم ينزلوا إلى الخصوص لشهوة، ولم يصعدوا إلى الحقوق بسوء الأدب والغفلة، بل كانوا في ذلك كلّه بآداب الله تعالى وآداب رسله وأنبيائه متأدبين، وبما اقتضى منهم مولاهم عاملين، رضي الله تعالى عنهم، ونفعنا بهم آمين.

стр. 903

وكلام سيّدي الشيخ أبي العباس، رضي الله تعالى عنه، بحر لا ساحل له، وكراماته كذلك، ليراجع كتاب تلميذه ابن عطاء الله، فإن فيه من ذلك ما يشفي ويكفي، وما بقي أكثر. ومن كراماته، رضي الله تعالى عنه، أنّه عزم عليه إنسان وقدّم إليه طعاماً يختبره به، فأعرض عنه ولم يأكله، ثم التفت إلى صاحب الطعام وقال له: إن الحارث المحاسبي، رضي الله تعالى عنه، كان في إصبعه عرق إذا مدّ يده إلى طعام فيه شبهة تحرك عليه، وأنا في يدي سبعون عرقاً تتحرّك عليّ إذا كان مثل ذلك، فاستغفر صاحب الطعام، واعتذر إلى الشيخ، رضي الله تعالى عنه، ونفعنا به. ١١٧ - ومنهم أبو إسحاق الساحلي، المعروف بالطّويجن (١) - بضم الطاء المهملة، وفتح الواو، وسكون الياء التحتيّة، وكسر الجيم، وقيل بفتحها - العالم المشهور، والصالح المشكور، والشاعر المذكور، من أهل غرناطة من بيت صلاح وثروة وأمانة، وكان أبوه أمين العطّارين بغرناطة، وكان مع أمانته من أهل العلم فقيهاً متفنّناً، وله الباع المديد في الفرائض. وأبو إسحاق هذا كان في صغره موثّقاً بسماط شهود غرناطة، وارتحل عن الأندلس إلى المشرق، فحجّ، ثم سار إلى بلاد السودان فاستوطنها، ونال جاهاً مكيناً من سلطانها، وبها توفّي، رحمه الله تعالى، انتهى ملخّصاً من كلام الأمير ابن الأحمر في كتابه نثير الجمان، فيمن نظمني وإيّاه الزمان. وقال أبو المكارم منديل بن آخرّوم: حدّثني من يوثق بقوله أن أبا إسحاق الطّويجن كانت وفاته يوم الاثنين ٢٧ جمادى الأخيرة سنة ٧٤٧ (٢) بتنبكتو

стр. 904

موضع بالصحراء من عمالة مالي، رحمه الله تعالى، ثمّ ضبط الطويجن بكسر الجيم، قال: وبذلك ضبطه بخطّ يده، رحمه الله تعالى، قال: ومن نسبه للساحلي فإنّه نسبه لجدّه للأم، انتهى. ١١٨ - ومنهم الشيخ الأديب الفاضل المعمّر ضياء الدين أبو الحسن علي ابن محمد بن يوسف بن عفيف، الخزرجي، الساعدي (١) ، من أهل غرناطة، ويشهر بالخزرجي، ومولده ببيغة، رحل عن الأندلس قديماً واستقرّ أخيراً بالإسكندريّة، وبها لقيه الحافظ ابن رشيد غير مرّة، وقد أطال في رحلته في ترجمته، إلى أن قال: وذكره صاحبنا أبو حيان، وهو أحد من أخذ عنه ولقيه، فقال: تلا القرآن بالأندلس على أبي الوليد هشام بن واقف المقرئ، وسمع بها من أبي زيد الفازازي العشرينيّات، وسمع بمكّة من شهاب الدين السّهروردي صاحب " عوارف المعارف " وتلا بالإسكندريّة على أبي القاسم ابن عيسى، ولا يعرف له نظم في أحد من العالم إلاّ في مدح رسول الله، ﷺ . ومن شعره يعارض الحريري: أهن لأهل (٢) البدع ... والهجر والتّصنّع ودن بترك الطمع ولذ بأهل الورع ... وعدّ عن كلّ بذي ... لم يكترث بالنّبذ والهج ببر جهبذ وعالمٍ متّضع ... واندب زماناً قد سلف ... ولم تجد منه خلف وابعث بأنواع الأسف رسائل التّضرّع ...

стр. 905

وهي طويلة (١) ؛ فلتراجع ترجمته في ملء الغيبة لابن رشيد، رحمه الله تعالى. ١١٩ - ومنهم الفقيه الجليل، العارف النبيل، الحاذق الفصيح البارع أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر، الشهير بابن سبعين، العكي، المرسي، الأندلسي، ويلقّب من الألقاب المشرقيّة بقطب الدين (٢) . قال الشيخ المؤرخ ابن عبد الملك: درس العربية والآداب بالأندلس، ثم انتقل إلى سبتة، وانتحل التصوّف، وعكف برهة على مطالعة كتبه، والتكلّم على معانيها، فمالت إليه العامة، ثم رحل إلى المشرق، وحج حججاً، وشاع ذكره، وعظم صيته، وكثر أشياعه، وصنف أوضاعاً كثيرة تلقوها منه، ونقلوها عنه، ويرمى بأمورٍ، الله تعالى أعلم بها وبحقيقتها وكان حسن الأخلاق، صبوراً على الأذى، آية في الإيثار، انتهى. وقال غير واحد: إن أغراض الناس فيه متباينة، بعيدة عن الاعتدال، فمنهم المرهق المكفر، ومنهم المقلّد المعظم الموقّر، وحصل بهذين الطرفين من الشهرة والاعتقاد، والنفرة والانتقاد، ما لم يقع لغيره، والله تعالى أعلم بحقيقة أمره. ولما ذكر الشريف الغرناطي عنه أنّه كان يكتب عن نفسه ابن هـ يعني الدارة التي هي كالصفر، وهي في بعض طرق المغاربة في حسابهم سبعون، وشهر لذلك بابن دارة - ضمن فيه البيت المشهور: محا السّيف ما قال ابن دارة أجمعا ...

стр. 906

حسبما ذكره الشريف في شرح مقصورة حازم، وقد طال عهدي به، فليراجعه من ظفر به (١) . وقال صاحب درة الأسلاك في سنة ٦٦٩، ما صورته (٢) : وفيها توفّي الشيخ قطب الدين أبو محمد عبد الحقّ بن سبعين المرسي، صوفي متفلسف، متزهّد متقشّف، يتكلّم على طريق أصحابه، ويدخل البيت ولكن من غير أبوابه، شاع أمره، واشتهر ذكره، وله تصانيف وأتباع، وأقوال يميل إليها بعض القلوب وتملّها بعض الأسماع، وكانت وفاته بمكّة المشرّفة عن نحو خمسين سنة، تغمّده الله تعالى برحمته، انتهى. وقال بعض الأعلام في حقّ (٣) ابن سبعين: إنّه كان، رحمه الله تعالى، عزيز النفس، قليل التصنّع، يتولى خدمة الكثير من الفقراء والسّفارة أصحاب العباءات والدفافيس بنفسه، ويحفون به في السكك، ولمّا توفّرت دواعي النّقد عليه من الفقهاء كثر عليه التأويل، ووجّهت لألفاظه المعاريض، وفليت موضوعاته، وتعاورته الوحشة، وجرت بينه وبين الكثير من أعلام المشرق والمغرب خطوب يطول ذكرها. ووقع في رسالة لبعض تلامذة ابن سبعين المذكور، وأظن اسمه يحيى

стр. 907

ابن أحمد بن سليمان، سمّاها بالوراثة المحمديّة والفصول الذاتية ما صورته: فإن قيل: ما الدليل على أن هذا الرجل الذي هو ابن سبعين هو الوارث المشار إليه قلنا: عدم النظير، واحتياج الوقت إليه، وظهرو الكلمة المشار إليها عليه، ونصيحته لأهل الملّة، ورحمته المطلقة للعالم المطلق، ومحبّته لأعدائه، وقصده لراحتهم مع كونهم يقصدون أذاه، وعفوه عنهم مع قدرته عليهم، وجذبهم إلى الخير مع كونهم يطلبون هلاكه، وهذه كلّها من علامات الوراثة والتبعية المحضة التي لا يمكن أحداً أن يتصف بها إلاّ بمجد أزلي وتخصيص إلهي، وها أنا أصف لك بعض ما خصّه الله به من الأمور التي هي خارقة للعادة، ونلغي عن الأمور الخفيّة التي لا نعلمها، ونقصد الأمور الظاهرة التي نعلمها، والتي لا يمكن أحداً أن يستريب فيها إلاّ من أصمّه الله تعالى وأعماه، ولا يجحدها إلا حسود قد أتعب الله تعالى قلبه وأنساه رشده، ونعوذ بالله ممّن عاند من الله تعالى مساعده ومؤيده، وهو معه بنصره وعونه، فما أتعب معانده، وما أسعد موادده، وما أكبت مرادده، فنبدأ بذكر ما وعدنا، فنقول: أول ما ذكر في شرفه واستحقاقه لما ذكرنا، كونه خلقه الله تعالى من أشرف البيبوت التي في بلاد المغرب، وهم بنو سبعين، قرشيّاً هاشميّاً علويّاً، وأبواه وجدوده يشار إليهم، ويعوّل في الرئاسة والحسب والتّعين عليهم. والثاني: كونه من بلاد المغرب، والنبي ﵇ قال: " لا يزال أهل المغرب ظاهرين إلى قيام الساعة " وما ظهر من بلاد المغرب رجل أظهر منه، فهو المشار إليه بالحديث، ثمّ نقول: أهل المغرب أهل الحق، وأحق الناس بالحق وأحق المغرب بالحق علماؤه لكونهم القائمين بالقسط، وأحق علمائه بالحق محقّقهم وقطبهم الذي يدور الكل عليه ويعول في مسائلهم ونوازلهم السهلة والعويصة عليه، فهو حق المغرب، والمغرب حقّ الله تعالى، والملّة حقّ العالم، فهو المشار إليه بالوراثة، ثم نقول: أهل المغرب ظاهرون على الحق

стр. 908

أي على الدين، والحق سر الدين، والمحقّق سرّ الحق، فالمحقّق سرّ الدين، فهو المشار إليه بالوراثة. ثمّ نقول: أهل الله خير العالم، وأهل الحق هم خير أهل الله، والمحقّق خير أهل الحق، فالمحقّق خير العالم، فهو المشار إليه. ثمّ نقول: انظر في بدايته وحفظ القديم له في صغره، وضبطه له من اللهو واللّعب، وإخراجه من اللّذة الطبيعية التي هي في جبلّة البشرية، وتركه للرئاسة العرضيّة المعول عليها عند العالم، مع كونه وجدها في آبائه، وهي الآن في إخوته، وخروجه عن الأهل والوطن الذي قرنه الحق مع قتل الإنسان نفسه، وانقطاعه إلى الحق انقطاعاً صحيحاً تعلم تخصيصه وخرقه للعادة، ثم انظر في تأيّده وفتحه من الصغر، وتأليف كتاب بدء العارف وهو ابن خمس عشرة سنة، وفي جلالة هذا الكتاب وكونه يحتوي على جميع الصنائع العلمية والعمليّة، وجميع الأمور السّنيّة والسّنيّة، تجده خارقاً للعادة، وفي نشأته في بلاد الأندلس ولم يعلم له كثرة نظر وظهوره فيها بالعلوم التي لم تسمع قط تعلم أنّه خارق للعادة، وفي تواليفه واشتمالها على العلوم كلّها، ثمّ انفرادها وغرابتها وخصوصيتها بالتحقيق الشاذ عن أفهام الخلق تعلم بأنّه مؤيّد بروح القدس، وفي شجاعته وقوّة توكّله في عزمه ونصره لصنائعه وظهور حجّته على خصمائه وإقامة حقّه وبرهانه وفصاحة كلامه وبيان سلطانه تعلم أن ذلك بقوّة إلهيّة وعناية ربانيّة، وفي امتحان أهل المغرب له، واجتماعهم عليه في كل بلد معتبر للمناظرة، يظهر الله تعالى حجّته، ويقمع خصمه، ويكبت عدوّه، وعجز معارضه، ويفحم معترضه، وفي غيرة الحق عليه، وهلاك من تعرض بالأذى إليه - يعلم العاقل المخصوص، أنّه عند الله مخصوص، وفي خلقه وقهره لقواه النزعوية والغضبية وإسلام قرينه وجلالة قوّته الحافظة التي لا تنسى شيئاً والمفكّرة التي تتصوّر الذوات المجرّدة والمعلومة أسر عين الطيف (١) ،

стр. 909

وكذلك الذاكرة، وسرعة ظهوره وانتشار رايته واستجلاب ثنائه في الجهات كلّها، وبالجملة جميع ما ذكرت هو فيه خارق للعادة البشريّة، ومعجز لمعارضه من كل الجهات، ولولا خوف التطويل لكنت أفصّل كل صفة ذكرت في بالكلام الصناعي، ونقيم الأدلة القطعيّة على تعجيزها، ولكن أعطيت الأنموذج، وعرفت أن النبيه يمعن فكره، ويجد ذلك كما قلته. وبالجملة جميع جزئيّاته إذا تؤملت توجد خارقة للعادة، وتشهد لها ماهيّة الوجود بالتخصيص، فصحّ أنّه هو المشار إليه، والمعول في جملة الأمور عليه، وإنّما أعطيت الأمر المشهور، وتركت ما يعلم منه من خرق العوائد في ظهور الطعام والشراب والسمن والتمر وأخذ الدراهم من الكون، وإخباره عن وقائع قبل وقوعها بسنين كثيرة وظهرت كما أخبر، فصحّ أنّه هو المذكور؛ انتهى ما تعلّق به الغرض ممّا في الرسالة في شأن الشيخ ابن سبعين. وقد ذكر غير واحد من المؤرخين - ومنهم لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة كما سيأتي قريباً - أن ابن سبعين عاقه الخوف من أمير المدينة عن القدوم إليها، فعظم عليه بذلك الحمل، وقبحت الأحدوثة عنه، انتهى. لكمن قال شهاب الدين بن أبي حجلة التلمساني الأديب الشهير، وهو صاحب كتاب السكردان وديوان الصبابة ومنطق الطير والاعتراض على العارف بالله تعالى ابن الفارض، ما معناه: أخبرني الشيخ الصالح أبو الحسن ابن برغوش التلمساني شيخ المجاورين بمكّة وكانت له معرفة تامّة بهذا الرجل، انّه صدّه عن زيارة رسول الله، ﷺ ، أنّه كان منه دم كدم الحيض، والله تعالى أعلم بحقيقة أمره، انتهى. وقال غيره: نعم زار النبي، ﷺ ، مستخفياً على طريق المشاة، حدّث بذلك أصهاره بمكّة، انتهى.

стр. 910

وقال لسان الدين (١) : أما شهرته ومحلّه من الإدراك والآراء والأوضاع والأسماء والوقوف على الأقوال والتعمق في الفلسفة والقيام على مذاهب المتكلّمين فما يقضى منه العجب. وقال الشيخ أبو البركات ابن الحاج البلفيقي، رحمه الله تعالى (٢) : حدّثني بعض أشياخنا من أهل المشرق أن الأمير أبا عبد الله ابن هودٍ سالم طاغية النصارى، فنكث به (٣) ، ولم يف بشرطه، فاضطره ذلك إلى مخاطبة القس (٤) الأعظم برومية، فوكّل أبا طالب ابن سبعين أخا أبي محمد عبد الحق بن سبعين في التكلّم عنه، والاستظهار بين يديه، قال: فلمّا بلغ ذلك الشخص رومية (٥) ، وهو بلد لا يصل إليه المسلمون، ونظر إلى ما بيده، وسئل عن نفسه، فأخبر بما ينبغي، كلّم ذلك القس من دنا منه بكلام معجم ترجم لأبي طالب بما معناه: اعلموا أن أخا هذا ليس للمسلمين اليوم أعلم بالله منه، انتهى. وقال غير واحد: إنّه اشتهرت عنه أشياء كثيرة، الله تعالى أعلم باستحقاقه رتبة ما ادعاه منها: فمنها قوله - فيما زعموا - وقد جرى ذكر الشيخ وليّ الله، سيّدي أبي مدين نفعنا الله تعالى ببركاته: شعيبٌ عبد عملٍ، ونحن عبيد حضرة وممّن حكى هذا لسان الدين في الإحاطة (٦) . وقد ذكر ابن خلدون في تاريخه الكبير (٧) في ترجمة السلطان المستنصر بالله تعالى أبي عبد الله محمد ابن السلطان زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص ملك إفريقية وما إليها: أن أهل مكة بايعوه، وخطبوا له بعرفة، وأرسلوا له بيعتهم،

стр. 911

وهي من إنشاء ابن سبعين، وسردها ابن خلدون بجملتها، وهي طويلة، وفيها من البلاغة والتلاعب بأطراف الكلام ما لا مطمح وراءه، غير أن يشير فيها إلى أن المستنصر هو المهدي المبشّر به في الأحاديث الذي يحثو المال ولا يعدّه، وحمل حديث مسلم وغيره عليه، وذلك ما لا يخفى ما فيه، فليراجع كلام ابن خلدون في محله. ولابن سبعين من رسالة: سلام عليك ورحمة الله، سلام عليك ثم سلام مناجاتك، سلام الله ورحمة الله الممتدة على عوالمك كلها، السلام عليك يا أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته، وصلى الله عليك كصلاة إبراهيم من حيث شريعتك، وكصلاة أعز ملائكتك من حيث حقيقتك، وكصلاته من حيث حقه ورحمانيته، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا قياس الكمال، ومقدمة العلم، ونتيجة الحمد، وبرهان المحمود، ومن إذا نظر الذهن إليه قرأ " نعم العبد " السلام عليك يا من هو الشرط في كمال الأولياء، وأسرار مشروطات الأذكياء الأتقياء، السلام عليك يا من جاوز في السموات مقام الرسل والأنبياء، وزادك رفعة واستعلاء على ذوات الملإ الأعلى، وذكر قوله تعالى " سبّح اسم ربّك الأعلى ". وقال بعضه عند إيراده جملة من رسائله التي منها هذه: إنها تشتمل على ما يشهد له بتعظيم النبوة وإيثار الورع، انتهى. وقال بعض العلماء الأكابر، عند تعرضه لترجمة الشيخ ابن سبعين المترجم به، ما نصه ببعض اختصار: هو أحد المشايخ المشهورين بسعة العلم، وتعدد المعارف، وكثرة التصانيف، ولد سنة ٦١٤، ودرس العربية والأدب في طريقه، وجال في البلاد، وقدم القاهرة، ثم حج واستوطن مكة، وطار صيته، وعظم أمره، وكثر أتباعه، حتى إنه تلمذ له أمير مكة، فبلغ من التعظيم الغاية، وله كتاب الدرج وكتاب السفر وكتاب الأبوبة اليمنية وكتاب الكد

стр. 912

وكتاب " الإحاطة (١) " ورسائل كثيرة في الأذكار وترتيب السلوك والوصايا والمواعظ والغنائم. ومن شعره (٢) : كم ذا تموّه بالشعبين والعلم ... والأمر أوضح من نارٍ على علم وكم تعبّر عن سلعٍ وكاظمةٍ ... وعن زرودٍ وجيرانٍ بذي سلم ظللت تسأل عن نجدٍ وأنت بها ... وعن تهامة، هذا فعل متهم في الحيّ حيٌّ سوى ليلى فتسأله ... عنها سؤالك وهمٌ جرّ للعدم ونشأ، رحمه الله تعالى، ترفاً مبجّلاً في ظل جاه ونعمة، لم تفارق معها نفسه البأو، وكان وسيماً، جميلاً، ملوكي البزة، عزيز النفس، قليل التصنع، وكان آية من الآيات في الإيثار والجود بما في يده، رحمه الله تعالى. وقال في الإحاطة: للناس في أمره اختلاف بين الولاية وضدها (٣) ، ولما وجه إلى كلامه سهام الناقدين (٤) قصر أكثرهم عن مداه في الإدراك، والخوض في تلك البحار والاطلاع (٥) ، وساءت منهم في الممازجة له السيرة (٦) ، فانصرفوا عنه مكلومين (٧) ، يبذرون عنه في الآفاق من سوء القالة ما لا شيء فوقه، وجرت بينه وبين أعلام المشرق خطوب، ثم نزل مكة (٨) ، وعاقه الخوف من أمير المدينة

стр. 913

[المعظمة] (١) عن الدخول إليها إلى أن توفي فعظم بذلك الحمل عليه (٢) ، وقبحت الأحدوثة عنه، ولما وردت على سبتة المسائل الصقلية - وكانت جملة من المسائل الحكمية وجهها علماء الروم تبكيتاً للمسلمين - انتدب للجواب المقنع عنها، على فتاء من سنه، وبديهة من فكرته، رحمه الله تعالى، انتهى. وقال بعض من عرف به: إنّه من أهل مرسية، وله علم وحكمة ومعرفة ونباهة وبراعة وفصاحة وبلاغة. وقال في " عنوان الدراية " (٣) : رحل إلى العدوة، وسكن ببجاية مدة، ولقي من أصحابنا ناساً (٤) ، وأخذوا عنه، وانتفعوا به في فنون خاصة، له مشاركة في معقول العلوم ومنقولها، وله فصاحة لسان، وطلاقة قلم، وفهم جنان، وهو أحد الفضلاء، وله أتباع كثيرة من الفقراء ومن عامة الناس، وله موضوعات كثيرة هي موجودة بأيدي أصحابه، وله فيها ألغاز وإشارات بحروف أبجد، وله تسميات مخصوصة في كتبه من نوع الرموز، وله تسميات ظاهرة هي كالأسامي المعهودة، وله شعر في التحقيق، وفي مراقي أهل الطريق، وكتابته مستحسنة في طريق الأدباء، وله من الفضل والمزية ملازمته لبيت الله الحرام، والتزامه الاعتمار على الدوام، وحجّه مع الحجاج في كل عام، وهذه مزية لا يعرف قدرها ولا يرام، ولقد مشى به للمغاربة في الحرم الشريف حظ لم يكن لهم في غير مدته، وكان أهل مكة يعتمدون على أقواله، ويهتدون بأفعاله. توفي، رحمه الله تعالى، يوم الخميس تاسع شوّال ٦٦٩، انتهى ببعض اختصار (٥) .

стр. 914

وذكر (١) ، رحمه الله تعالى، في ترجمة تلميذه الشيخ أبي الحسن الشّشتري السابق الذكر أن أكثر الطلبة يرجّحونه على شيخه أبي محمد ابن سبعين، وإذا ذكر له هذا يقول: إنما ذلك لعدم إطلاعهم على حال الشيخ وقصور طباعهم. ومن تآليف ابن سبعين الفتح المشترك. [رجع إلى الششتري] وممّا حكاه صاحب " عنوان الدراية " (٢) في ترجمة الششتري - ممّا لم نذكره في ترجمته الماضية، ورأينا ذكره هنا تبركاً - أن الششتري كان في بعض أسفاره في البرية، وكان رجل من أصحابه قد أسر فسمعه الفقراء يقول: إلينا يا أحمد، فقيل له: من أحمد الذي ناديته يا سيدي في هذه البرية فقال لهم: من تسرّون به غداً إن شاء الله تعالى. فلما كان من الغد ورد الشيخ وأصحابه بلدة قابس، فعند دخولهم إذا بالرجل المأسور، فقال الشيخ للفقراء: هيئاً لنا باقتحام العقبة، صافحوا أخاكم، المنادى به. ومن مناقبه - نفع الله تعالى به - أنه لما نزل ببلدة قابس برباط البحر المعروف [بمسجد] الصهريج جاءه الشيخ الصالح أبو إسحاق الزرنانيّ (٣) نفع الله تعالى به بجميع أصحابه برسم الزيارة، فوافق وصوله وصول الشيخ الصالح الفاضل الولي أبي عبد الله الصّنهاجي - نفع الله تعالى به - مع جملة أصحابه للزيارة، فوجدوا الشيخ أبا الحسن قد خرج إلى موضع بخارج المدينة برسم الخلوة، فجلسوا لانتظاره، فلم يكن إلا قليل إذ أقبل الشيخ على هيئة معتبر متفكر، فلما دخل الرباط سلّم على الواصلين برسم الزيارة، وحيّا المسجد، وأقبل على الفقراء، وأثر العبرة على وجنته، فقال: ائتوني بمداد،

стр. 915

فلما أحضر بين يديه تأوّه تأوّهاً شديداً كاد أن يحرق بنفسه جليسه، وجعل يكتب في اللوح هذه الأبيات (١) : لا تلتفت بالله يا ناظري ... لأهيفٍ كالغصن الناضر يا قلب واصرف عنك وهم البقا ... وخلّ عن سرب حمى حاجر ما السّرب والبان وما لعلعٌ ... ما الخيف ما ظبي بني عامر جمال من سمّيته داثرٌ ... ما حاجة العاقل بالداثر وإنما مطلبه في الذي ... هام الورى في حسنه الباهر أفاد للشمس سناً كالذي ... أعاره للقمر الزاهر أصبحت فيه مغرماً حائراً ... لله درّ المغرم الحائر وكانوا يوماً ببلد مالقة، وكثيراً ما يجوّد عليه القرآن العزيز، فقرأ طالب قوله تعالى " إنني أنا الله لا إله إلاّ أنا فاعبدني " فقال معجلاً رضي الله تعالى عنه، وفهم من الآية ما لم يفهم، وعلم منها ما لم يعلم (٢) : انظر للفظ أنا يا مغرماً فيه ... من حيث نظرتنا لعلّ تدريه خلّ ادّخارك لا تفخر بعاريةٍ ... لا يستعير فقيرّ من مواليه جسوم أحرفه للسرّ حاملة ... إن شئت تعرفه جرّب معانيه ودخل عليه شخص ببجاية من أهلها يعرف بأبي الحسن ابن علال، من أهل الأمانة والديانة، فوجده يذاكر بعض أهل العلم، فاستحسن منه إيراده للعلم، واستعماله لمحاضرة الفهم، فاعتقد شياخته وتقديمه، ثم نوى أن يؤثر الفقراء من ماله بعشرين ديناراً شكراً لله تعالى، ويأتيهم بمأكول، فلما يسر جميع ما اهتم به أراد أن يقسمه فيعطيه شطره ويدع الشطر الثاني إلى حين انصراف الشيخ،
следующие страницы →