← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وهي من إنشاء ابن سبعين، وسردها ابن خلدون بجملتها، وهي طويلة، وفيها من البلاغة والتلاعب بأطراف الكلام ما لا مطمح وراءه، غير أن يشير فيها إلى أن المستنصر هو المهدي المبشّر به في الأحاديث الذي يحثو المال ولا يعدّه، وحمل حديث مسلم وغيره عليه، وذلك ما لا يخفى ما فيه، فليراجع كلام ابن خلدون في محله. ولابن سبعين من رسالة: سلام عليك ورحمة الله، سلام عليك ثم سلام مناجاتك، سلام الله ورحمة الله الممتدة على عوالمك كلها، السلام عليك يا أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته، وصلى الله عليك كصلاة إبراهيم من حيث شريعتك، وكصلاة أعز ملائكتك من حيث حقيقتك، وكصلاته من حيث حقه ورحمانيته، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا قياس الكمال، ومقدمة العلم، ونتيجة الحمد، وبرهان المحمود، ومن إذا نظر الذهن إليه قرأ " نعم العبد " السلام عليك يا من هو الشرط في كمال الأولياء، وأسرار مشروطات الأذكياء الأتقياء، السلام عليك يا من جاوز في السموات مقام الرسل والأنبياء، وزادك رفعة واستعلاء على ذوات الملإ الأعلى، وذكر قوله تعالى " سبّح اسم ربّك الأعلى ". وقال بعضه عند إيراده جملة من رسائله التي منها هذه: إنها تشتمل على ما يشهد له بتعظيم النبوة وإيثار الورع، انتهى. وقال بعض العلماء الأكابر، عند تعرضه لترجمة الشيخ ابن سبعين المترجم به، ما نصه ببعض اختصار: هو أحد المشايخ المشهورين بسعة العلم، وتعدد المعارف، وكثرة التصانيف، ولد سنة ٦١٤، ودرس العربية والأدب في طريقه، وجال في البلاد، وقدم القاهرة، ثم حج واستوطن مكة، وطار صيته، وعظم أمره، وكثر أتباعه، حتى إنه تلمذ له أمير مكة، فبلغ من التعظيم الغاية، وله كتاب الدرج وكتاب السفر وكتاب الأبوبة اليمنية وكتاب الكد

стр. 912

وكتاب " الإحاطة (١) " ورسائل كثيرة في الأذكار وترتيب السلوك والوصايا والمواعظ والغنائم. ومن شعره (٢) : كم ذا تموّه بالشعبين والعلم ... والأمر أوضح من نارٍ على علم وكم تعبّر عن سلعٍ وكاظمةٍ ... وعن زرودٍ وجيرانٍ بذي سلم ظللت تسأل عن نجدٍ وأنت بها ... وعن تهامة، هذا فعل متهم في الحيّ حيٌّ سوى ليلى فتسأله ... عنها سؤالك وهمٌ جرّ للعدم ونشأ، رحمه الله تعالى، ترفاً مبجّلاً في ظل جاه ونعمة، لم تفارق معها نفسه البأو، وكان وسيماً، جميلاً، ملوكي البزة، عزيز النفس، قليل التصنع، وكان آية من الآيات في الإيثار والجود بما في يده، رحمه الله تعالى. وقال في الإحاطة: للناس في أمره اختلاف بين الولاية وضدها (٣) ، ولما وجه إلى كلامه سهام الناقدين (٤) قصر أكثرهم عن مداه في الإدراك، والخوض في تلك البحار والاطلاع (٥) ، وساءت منهم في الممازجة له السيرة (٦) ، فانصرفوا عنه مكلومين (٧) ، يبذرون عنه في الآفاق من سوء القالة ما لا شيء فوقه، وجرت بينه وبين أعلام المشرق خطوب، ثم نزل مكة (٨) ، وعاقه الخوف من أمير المدينة

стр. 913

[المعظمة] (١) عن الدخول إليها إلى أن توفي فعظم بذلك الحمل عليه (٢) ، وقبحت الأحدوثة عنه، ولما وردت على سبتة المسائل الصقلية - وكانت جملة من المسائل الحكمية وجهها علماء الروم تبكيتاً للمسلمين - انتدب للجواب المقنع عنها، على فتاء من سنه، وبديهة من فكرته، رحمه الله تعالى، انتهى. وقال بعض من عرف به: إنّه من أهل مرسية، وله علم وحكمة ومعرفة ونباهة وبراعة وفصاحة وبلاغة. وقال في " عنوان الدراية " (٣) : رحل إلى العدوة، وسكن ببجاية مدة، ولقي من أصحابنا ناساً (٤) ، وأخذوا عنه، وانتفعوا به في فنون خاصة، له مشاركة في معقول العلوم ومنقولها، وله فصاحة لسان، وطلاقة قلم، وفهم جنان، وهو أحد الفضلاء، وله أتباع كثيرة من الفقراء ومن عامة الناس، وله موضوعات كثيرة هي موجودة بأيدي أصحابه، وله فيها ألغاز وإشارات بحروف أبجد، وله تسميات مخصوصة في كتبه من نوع الرموز، وله تسميات ظاهرة هي كالأسامي المعهودة، وله شعر في التحقيق، وفي مراقي أهل الطريق، وكتابته مستحسنة في طريق الأدباء، وله من الفضل والمزية ملازمته لبيت الله الحرام، والتزامه الاعتمار على الدوام، وحجّه مع الحجاج في كل عام، وهذه مزية لا يعرف قدرها ولا يرام، ولقد مشى به للمغاربة في الحرم الشريف حظ لم يكن لهم في غير مدته، وكان أهل مكة يعتمدون على أقواله، ويهتدون بأفعاله. توفي، رحمه الله تعالى، يوم الخميس تاسع شوّال ٦٦٩، انتهى ببعض اختصار (٥) .

стр. 914

وذكر (١) ، رحمه الله تعالى، في ترجمة تلميذه الشيخ أبي الحسن الشّشتري السابق الذكر أن أكثر الطلبة يرجّحونه على شيخه أبي محمد ابن سبعين، وإذا ذكر له هذا يقول: إنما ذلك لعدم إطلاعهم على حال الشيخ وقصور طباعهم. ومن تآليف ابن سبعين الفتح المشترك. [رجع إلى الششتري] وممّا حكاه صاحب " عنوان الدراية " (٢) في ترجمة الششتري - ممّا لم نذكره في ترجمته الماضية، ورأينا ذكره هنا تبركاً - أن الششتري كان في بعض أسفاره في البرية، وكان رجل من أصحابه قد أسر فسمعه الفقراء يقول: إلينا يا أحمد، فقيل له: من أحمد الذي ناديته يا سيدي في هذه البرية فقال لهم: من تسرّون به غداً إن شاء الله تعالى. فلما كان من الغد ورد الشيخ وأصحابه بلدة قابس، فعند دخولهم إذا بالرجل المأسور، فقال الشيخ للفقراء: هيئاً لنا باقتحام العقبة، صافحوا أخاكم، المنادى به. ومن مناقبه - نفع الله تعالى به - أنه لما نزل ببلدة قابس برباط البحر المعروف [بمسجد] الصهريج جاءه الشيخ الصالح أبو إسحاق الزرنانيّ (٣) نفع الله تعالى به بجميع أصحابه برسم الزيارة، فوافق وصوله وصول الشيخ الصالح الفاضل الولي أبي عبد الله الصّنهاجي - نفع الله تعالى به - مع جملة أصحابه للزيارة، فوجدوا الشيخ أبا الحسن قد خرج إلى موضع بخارج المدينة برسم الخلوة، فجلسوا لانتظاره، فلم يكن إلا قليل إذ أقبل الشيخ على هيئة معتبر متفكر، فلما دخل الرباط سلّم على الواصلين برسم الزيارة، وحيّا المسجد، وأقبل على الفقراء، وأثر العبرة على وجنته، فقال: ائتوني بمداد،

стр. 915

فلما أحضر بين يديه تأوّه تأوّهاً شديداً كاد أن يحرق بنفسه جليسه، وجعل يكتب في اللوح هذه الأبيات (١) : لا تلتفت بالله يا ناظري ... لأهيفٍ كالغصن الناضر يا قلب واصرف عنك وهم البقا ... وخلّ عن سرب حمى حاجر ما السّرب والبان وما لعلعٌ ... ما الخيف ما ظبي بني عامر جمال من سمّيته داثرٌ ... ما حاجة العاقل بالداثر وإنما مطلبه في الذي ... هام الورى في حسنه الباهر أفاد للشمس سناً كالذي ... أعاره للقمر الزاهر أصبحت فيه مغرماً حائراً ... لله درّ المغرم الحائر وكانوا يوماً ببلد مالقة، وكثيراً ما يجوّد عليه القرآن العزيز، فقرأ طالب قوله تعالى " إنني أنا الله لا إله إلاّ أنا فاعبدني " فقال معجلاً رضي الله تعالى عنه، وفهم من الآية ما لم يفهم، وعلم منها ما لم يعلم (٢) : انظر للفظ أنا يا مغرماً فيه ... من حيث نظرتنا لعلّ تدريه خلّ ادّخارك لا تفخر بعاريةٍ ... لا يستعير فقيرّ من مواليه جسوم أحرفه للسرّ حاملة ... إن شئت تعرفه جرّب معانيه ودخل عليه شخص ببجاية من أهلها يعرف بأبي الحسن ابن علال، من أهل الأمانة والديانة، فوجده يذاكر بعض أهل العلم، فاستحسن منه إيراده للعلم، واستعماله لمحاضرة الفهم، فاعتقد شياخته وتقديمه، ثم نوى أن يؤثر الفقراء من ماله بعشرين ديناراً شكراً لله تعالى، ويأتيهم بمأكول، فلما يسر جميع ما اهتم به أراد أن يقسمه فيعطيه شطره ويدع الشطر الثاني إلى حين انصراف الشيخ،

стр. 916

ليكون للفقراء زاداً، فلما كان في الليل رأى في منامه النبي، ﷺ ، ومعه أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما، قال الرجل: فنهضت إليه بسرور رؤية النبي، ﷺ ، وقلت: يا رسول الله ادع الله تعالى لي، فالتفت لأبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وقال: يا أبا بكر، أعطه، فإذا به، ﵁، قسم رغيفاً كان بيده وأعطاني نصفه، ثم أفاق الرجل من منامه، وأخذه وجدٌ من هذه الرؤيا المباركة، فأيقظ أهله، واستعمل نفسه في العبادة، فلما كان من الغد سار وأتى الشيخ ببعض الطعام ونصف الدراهم المحتسب بها، فلما دفعها للشيخ قال له الشيخ: يا علي، اقرب، فلما قرب قال له: يا علي، لو أتيت بالكل لأخذت منه الرغيف بكامله، انتهى. ١٢٠ - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، الشهير بابن غصن الإشبيلي (١) ، من ولد شداد بن أوس الأنصاري، الجزيري، نسبته إلى الجزيرة الخضراء، الإمام، المقرئ، الزاهد، عرض على الأستاذ ابن أبي الربيع الموطّأ من حفظه، وأخذ عنه النحو، وكان من أولياء الله تعالى الصالحين، وعباده الناصحين، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، قوّالاً بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، عارفاً بمتون الحديث وأحكامه، فقيهاً متقناً لمذاهب الأئمة الأربعة والصحابة والتابعين، لا يقبل من أحد شيئاً، مخلصاً لله تعالى، يتكلم على المنبر على عادة أهلا لعلم من تعليم المسائل الدينية، وأقرأ القرآن بمكة مدّة بالقراءات وبالمدينة وبيت المقدس، وممّن قرأ عليه خليل إمام المالكية بالحرم، والشهاب الطبري إمام الحنفية بالحرم، وله مصنفات في القراءات: منها " مختصر الكافي " وكتاب " في معجزات النبي " ﷺ ، ومولده سنة ٦٣١ تخميناً (٢) ،

стр. 917

وتوفي ببيت المقدس آخر سنة ٧٢٣ (١) ، رحمه الله تعالى. ١٢١ - ومنهم الشيخ الفقيه، الأستاذ النحوي التاريخي اللغوي أبو جعفر أحمد بن يوسف الفهري اللّبلي (٢) يكنى أبا العباس وأبا جعفر، قرأ بالأندلس على مشايخ من أفضلهم الأستاذ أبو علي عمر الشّلوبين، ثم ارتحل إلى العدوة وسكن بجاية، وأقرأ بها مدّة، وارتحل إلى المشرق فحج، ثم رجع إلى حضرة تونس واتخذها وطناً، واشتغل بها بالإقراء إلى أن مات. كان يتبسط لإقراء سائر كتب العربية، وله علم جليل باللغة، وله تواليف كثيرة: منها (٣) على الجمل وشرح الفصيح لثعلب، ولم يشذ فيه شيء من فصيح كلام العرب. قال الغبريني، رحمه الله تعالى: ورأيت له تأليفاً في الأذكار، وله عقيدة في علم الكلام، ورأيت له مجموعاً سمّاه الإعلام بحدود قواعد الكلام تكلم فيه على الكلم الثلاث، الاسم والفعل والحرف، وله تواليف أخر، وكان من أساتيذ إفريقية في وقته، وممّن أخذ عنه، واستفيد منه، انتهى. وذكر الشيخ أبو الطيب ابن علوان التونسي عن والده أحمد التونسي الشهير بالمصري أن للمذكور تأليفاً سمّاه التجنيس، وله شرح أبيات الجمل، سمّاه وشي الحلل رفعه للملك المستنصر الحفصي بتونس، فدفعه المستنصر للأستاذ أبي الحسن حازم، وأمره أن يتعقب عليه ما فيه من خلل وجده، فحكى أبو عبد الله القطان المسفّر - وكان يخدم حازماً - قال: كنت يوماً بدار أبي الحسن حازم وبين يديه هذا الكتاب، فسمعت نقر الباب، فخرجت فإذا بالفقيه أبي جعفر، فرجعت وأخبرت أبا الحسن، فقال مبادراً حتى أدخله وبالغ في بره وإكرامه، فرأى الكتاب بين يده، فقال له: يا أبا الحسن، قال الشاعر:

стр. 918

شطروعين الرضى عن كلّ عيب كليلة ... فقال له: يا فقيه أبا جعفر، أنت سيدي وأخي، ولكن هذا أمر الملك لا يمكن فيه إلا قول الحق، والعلم لا يحتمل المداهنة، فقال له: فأخبرني بما عثرت عليه، قال له: نعم، فأظهر له المواضع، فسلّمها أبو جعفر وبشرها وأصلحها بخطه. وأصل هذا اللّبلي من لبلة بالأندلس (١) ، اجتمع في رحلته للمشرق بالقاضي ابن دقيق العيد، وكان نحويّاً، فلما دخل عليه اللّبلي قال له القاضي: خير مقدمٍ، ثم سأله بعد حين: بم انتصبت خير مقدم فقال له اللبلي: على المصدر وهو من المصادر التي لا تظهر أفعالها، وقد ذكره سيبويه إلى آخره، فإنه كان يحفظ أكثره، فأكرمه القاضي وعظمه. ثم قال ابن علوان: وذكر والدي أيضاً، رحمه الله تعالى، ومن خطه المبارك نقلت، أن الأستاذ أبا جعفر اللبلي المذكور، رحمه الله تعالى، قرئ عليه يوماً قول امرئ القيس (٢) : حيّ الحمول بجانب العزل ... إذ لا يلائم شكلها شكلي فقال لطلبته: ما العامل في هذا الظرف يعني إذ فتنازعوا القول، فقال: حسبكم، قرئ هذا البيت على أستاذنا أبي علي الشّلوبين، فسألنا هذا السؤال، وكان أبو الحسن ابن عصفور قد برع واستقل وجلس للتدريس، وكان الشلوبين يغض منه، فقال لنا: إذا خرجتم فاسألوا ذلك الجاهل، يعني ابن عصفور، فلما خرجنا سرنا إليه بجمعنا، ودخلنا المسجد، فرأيناه قد دارت به حلقة كبيرة، وهو يتكلم بغرائب النحو، فلم نجسر على سؤاله لهبيته،

стр. 919

وانصرفنا، ثم جئنا بعد على عادتنا لأبي علي، فنسي حتى قرئ عليه قول النابغة: فعد عمّا ترى إذ لا ارتجاع له (١) ... فتذكر، وقال: ما فعلتم في سؤال ابن عصفور فصدقنا له الحديث، فأقسم ألاّ يخبرنا ما العامل فيه، ثم قال اللّبلي لطلبته: وأنا أقول لكم مثل ذلك، فانظروا لأنفسكم، قالوا: فنظرنا فإذا المسألة مسألة فحص ونظر، كلما حكمنا بحكم صدتنا عنه قوانين نحوية، حتى مضت مدة طويلة، فوفد علينا بتونس المحروسة أحد طلبة ابن أبي الربيع، وكان ابن أبي الربيع هذا ساكناً بسبتة، وهو أحد طلبة الشلوبين أيضاً، ومن كبار هذه الطبقة التي نشأت بعده، قالوا: فتذاكرنا مع هذا الطالب في مسائل نحوية، فمرت هذه المسألة في قوله تعالى " إذ نسويكم برب العالمين " فقال هذا الطالب إن هذا الظرف وقع موقع لام العلة، فعلمنا أن هذا هو الذي أراد الأستاذ أبو علي، ثم ناقشنا الطالب وقلنا له: إذا جعلته ظرفاً فلا بد من العامل، وإذا جعلته واقعاً موقع الحرف كان هذا على شذوذ قول الكوفيين، والذي يجوز عكسه على مذهب الجميع، وإنما الأولى أن يقال: إذ حرفٌ معناه التعليل تشترك فيه الأسماء والحروف كما اشتركت في عن، والله أعلم بغيبه، انتهى. ١٢٢ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر ابن فرح القرطبي (٢) ، قال الحافظ المقريزي: وفرح بسكون الراء، وقال الحافظ عبد الكريم فيحقه: إنه كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين، الزاهدين في الدنيا المشتغلين بما يعنيهم من أمور الآخرة، فيما بين توجه وعبادة وتصنيف، جمع في تفسير القرآن كتاباً خمسة عشر مجلداً، وشرح أسماء الله الحسنى في

стр. 920

مجلدين، وله كتاب التذكرة في أمور الآخرة في مجلدين (١) ، وشرح التقصي، وله تآليف غير ذلك مفيدة، وكان مطّرح التكلف، يمشي بثوب واحد، وعلى رأسه طاقية، سمع من الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي صاحب المفهم في شرح مسلم بعض هذا الشرح، وحدث عن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن حفص اليحصبي، وعن الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد البكري وغيرهما، وتوفي بمنية ابن خصيب ليلة الاثنين التاسع من شوال سنة ٦٧١، ودفن بها، رحمه الله تعالى. وفي تاريخ الكتبي في حقه ما نصه: كان شيخاً فاضلاً، وله تصاينف مفيدة تدل على كثرة اطلاعه ووفور علمه، منها تفسير القرآن مليح إلى الغاية اثنا عشر مجلداً، انتهى. وكتب بعض تلامذته على الهامش ما صورته: قد أجحف المصنف في ترجمته جدّاً، وكان متفنناً متبحراً في العلم، انتهى. وكتب بعض بإثر هذا الكلام ما نصه: قال الذهبي: رحل وكتب وسمع، وكان يقظاً فهماً حسن الحفظ مليح النظم حسن المذاكرة ثقة حافظاً، انتهى. وكتب آخر إثر ذلك الكلام ما صورته: مشاحة شيخنا للمصنف في هذه العبارة ما لها فائدة، فإن الذهبي قال في تاريخ الإسلام: العلاّمة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أب بكر ابن فرح الإمام القرطبي إما متفنن، متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة، تدل على كثرة اطلاعه ووفور عقله وفضله، ثم ذكر موته، وقال بعده: وقد سارت بتفسيره العظيم الشأن الركبان، وله الأسنى في شرح الأسماء الحسنى والتذكرة وأشياء تدل على إمامته وذكائه وكثرة اطلاعه، انتهى. وكتب آخر بإثر هذا الكلام ما نصه: غفر الله لك، إذا كان الذهبي ترجمه بما ذكرت، وهو والله فوق ذلك، فكيف تقول: إن مشاحة شيخك لا فائدة فيها، وتسيء الأدب معه

стр. 921

وتقول إن لامه لا فائدة فيه فالله يستر عليك، انتهى. ١٢٣ - ومنهم أبو القاسم ابن حاضر، الجزيري، الخزرجي، محمد بن أحمد، من جزيرة شقر، قدم مصر، وسكن قوص بعدما كان من عدول بلنسية، وكان فصيحاً، عالماً بصناعة التوريق، وله نظم لم يحضرني الآن شيء منه، ومات بالقاهرة سنة تسع وثلاثين وستمائة، رحمه الله تعالى. ١٢٤ - ومنهم أبو القاسم التّجيبي، محمد بن أحمد التّجيبي (١) ، من أهل بلّش، قرأ على ابن مفرّج وابن أبي الأحوص، ورحل فاستوطن القاهرة وكان شيخاً فاضلاً خيّراً، له أدب وشعر، منه قوله من أبيات (٢) : أحوى الجفون له رقيبٌ أحول ... الشيء في إدراكه شيئان يا ليته ترك الذي أنا مبصرٌ ... وهو المخيّر في الغزال الثاني ولد ببلّش سنة ٦٢٣، وتوفي بالحسينية خارج القاهرة سلخ المحرم سنة ٦٩٥ (٣) وممّن روى عنه نحويّ الزمان أثير الدين أبو حيّان وغيره، رحم الله تعالى الجميع. ١٢٥ - ومنهم أبو بكر الخزرجي، محمد بن أحمد بن حسن، وقيل: محمد بن عيسى المالقي المالكي (٤) ، قال الشريف أبو القاسم: إنه كان أحد الزهاد الورعين، وعباد الله المتقين، مشتغلاً بنفسه، متخلياً (٥) عمّا في أيدي الناس، يأكل من كسب يده، ولا يقبل لأحد شيئاً، مع وجد وعمل وفضل وأدب،

стр. 922

ولم يكن في زمانه من اجتمع فيه ما اجتمع له. وقال الحافظ عبد الكريم: إنه دخل إشبيلية، واشتغل بالعربية على الشّلوبين وقرأ القراءات السبع، ثم قدم مصر واشتغل بمذهب مالك، وكان والده نجاراً وكان لا يأكل إلاّ من كسب يده، يخيط الثياب، فازدحم الناس عليه تبركاً به، فترك ذلك وصار يدق القصدير ويأكل منه وتصدق بما فضل عنه، وكان شديد الزهد، كثير العبادة، لا يسلم يده إلى أحد ليقبّلها، وجاءه شخص قد زيد عليه في أجرة مسكنه ليشفع إلى صاحب الدار أن لا يقبل الزائد، فمضى إلى صاحب الدار وأعطاه الزائد مدة أشهر، فعلم بذلك الساكن بعد مدة، فقال له: يا سيدي ما سألت إلاّ شفاعة، وأنت تزن عني (١) ، فقال له: رجل له دار يأخذ أجرتها يجيء إليه الخزرجي يقطع عليه حقه والله ما يدفع هذا إلاّ أنا، فلم يزل يدفع الزائد إلى أن انتقل الساكن إلى غيره، ومات ليلة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ٦٥١، عن خمس وأربعين سنة، ودفن بالقرافة، رحمه الله تعالى، ونفعنا به. ١٢٦ - ومنهم أبو بكر محمد بن أحمد بن خليل بن فرج الهاشمي (٢) ، مولاهم، لأن ولاءه لبني العباس من أهل قرطبة، ولد في شهر رمضان سنة ٣٢٢ بقرطبة، وسمع بها من وهب بن مسرة، وخالد بن سعيد (٣) وغيره، ورحل فحج وأدرك بمصر ابن الورد وابن رشيق وأبا علي ابن السكن نظراءهم في سنة ٣٤٩، وعاد إلى بلده، وبها مات في شهر رمضان سنة ست وأربعمائة. قال ابن بشكوال (٤) : كان رجلاً صالحاً فاضلاً، من أهل الاجتهاد في العبادة مائلاً إلى التقشف والزهادة، قديم الطلب حسن المذهب متبعاً للسنن.

стр. 923

١٢٧ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان (١) بن أحمد بن إبراهيم الزهري الأندلسي الإشبيلي (٢) ، ولد بمالقة، وطاف الأندلس، وطلب العلم، وحصّل طرفاً صالحاً من علم الأدب، ودخل مصر قبل التسعين وخمسمائة فسمع الحديث بها، ودخل الشام وبلاد الجزيرة، وقدم بغداد سنة ٥٩٠، وعمره ثلاثون سنة، وأقام بها مدة، وسمع من شيوخها كأبي الفرج ابن كليب ونحوه، وقرأ ونسخ بخطه، وسافر إلى أصبهان وبلاد الجبل، وكان فاضلاً حسن المعرفة بالأدب، يقول الشعر، وينشئ المقامات، وصنف كتاب البيان والتبيين في أنساب المحدثين ستة أجزاء، وكتاب البيان فيما أبهم من الأسماء في القرآن مجلد، وكتاب " أقسام البلاغة وأحكام الصناعة " (٣) في مجلدين، وكتاب شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي في خمسة عشر مجلداً، وكتاب شرح المقامات مجلد، وكتاب " شرح اليميني " (٤) في مجلد، قال المنذري: توفي شهيداً قتله التتار في رجب؛ وقال ابن النجار: في سابع عشر رجب سنة ٦١٧، رحمه الله تعالى. ١٢٨ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الأعلى بن القاسم، القرطبي، المقرئ المعروف بالورشي، نسبة إلى قراءة ورش لاشتهاره بها، وهو أحد القراء المعروفين. قال الحاكم: هو من الصالحين المذكورين بالتقدم في علم القرآن، سمع بمصر والشام والحجاز والعراقين والجبل وأصبهان، وورد نيسابور، ودخل خراسان فسمع علي بن المرزبان بأصبهان، وبالأهواز عبد الواحد ابن خلف الجنديسابوري، وبفارس أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي،

стр. 924

وقال ابن النجار: قدم بغداد، وحدّث بها، توفي بسجستان في ربيع الأول سنة ٣٩٣. ١٢٩ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الباجي، اللخمي (١) ، قال ابن بشكوال: مولده في صفر سنة ٣٥٦، وسمع عن جده، ورحل إلى المشرق. وقال ابن غلبون في مشيخته: إنه كان من أهل العلم والحديث والرواية والحفظ للمسائل، قائماً بها، واقفاً عليها، قاعداً للشروط، محسناً لها، عارفاً، وبيتهم بيت علم، ونشأ فيهم هو وأبوه وجده، وكان جميعهم في الفضل والتقدم على درجاتهم في السن، وعلى منازلهم في السبق، وكانت رحلته مع أبيه وروايتهما واحدة، وشاركه في السماع والرواية عن جده، وسمع بمصر على أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن حميد بن رزيق المخزومي. وقال ابن بشكوال: كان من أجلّ الفقهاء عندنا دراية ورواية، بصيراً بالعقود، ومتقدماً على أهل الوثائق (٢) ، عارفاً بعللها، وألّف فيها كتاباً حسناً، وكتاباً في السجلات إلى ما جمع فيه من أقوال الشيوخ والمتأخرين، مع ما كان عليه من الطريقة المثلى، وتوفية العلم حقه من الوفاء والتصون، توفي في المحرم سنة ٤٣٣ لعشرين بقين منه. ١٣٠ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز، العتبي، الأندلسي، القرطبي، الفقيه المالكي المشهور، صاحب العتبيّة (٣) ، سمع بالأندلس من يحيى بن يحيى وسعيد ين حسان وغيرهما، ورحل إلى المشرق فسمع من سحنون وأصبغ بن الفرج وغيرهما، وكان حافظاً للمسائل، جامعاً لها، عالماً بالنوازل، وهو الذي جمع المستخرجة من الأسمعة المسموعة غالباً من مالك

стр. 925

ابن أنس، وتعرف بالعتبية، وأكثر فيها من الروايات المطوحة والمسائل الغريبة الشاذة، وكان يؤتى بالمسألة الغريبة الشاذة فإذا سمعها قال: أدخلوها في المستخرجة، ولذا روي عن ابن وضاح أنه كان يقول: المستخرجة فيها خطأ كثير، كذا قال، ولكن الكتاب وقع عليه الاعتماد من أعلام الملكية كابن رشد وغيره. قال ابن يونس: توفي بالأندلس سنة ٢٥٥. والعتبي: نسبة إلى عتبة بن أبي سفيان ابن حرب، وقيل: إلى جد للمذكور يسمى عتبة، وقيل: إلى ولاء عتبة بن أبي يعيش. ١٣١ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن زكريا المعافري، المقرئ، الفرضي، الأديب، ولد بالأندلس سنة ٥٩١، ونشأ ببلنسية، وأقام بالإسكندرية، وقرأ القرآن على أصحاب ابن هذيل، ونظم قصيدة في القراءات على وزن الشاطبية، لكن أكثر أبياتاً، وصرح فيها بأسماء القراء، ولم يرمز كما فعل الشاطبي، وكانت له يد في الفرائض والعروض، مع معرفة القراءات والأدب. ومن شعره: إذا ما اشترت بنتٌ أباها فعتقها ... بنفس الشرا شرعاً عليها تأصّلا وميراثه إن مات من غير عاصب ... ومن غير ذي فرضٍ لها قد تأثلا لها النصف بالميراث والنصف بالولا ... فإن وهب ابناً أو شرّاه تفضلا فأعتق شرعاً ذلك الابن ما لها ... سوى الثلث، والثلثان للأخ أصلا وميراثها فيه إذا مات قبلها ... كميراثها في الأب من قبل يجتلى ومولى أبيها ما لها الدهر فيه من ... ولاء ولا إرث مع الأب فاعتلى وهذه المسألة ذكر الغزالي في الوسيط أنه قضى فيها أربعمائة قاضٍ وغلطوا وصورتها ابنة اشترت أباها فعتق عليها، ثم اشترى الأب ابناً فعتق عليه، ثم

стр. 926

اشترى الأب عبداً فأعتقه، ثم مات الأب، فورثه الابن والبنت للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم مات العبد المعتق، فلمن يكون ولاؤه وفرضها المالكية على غير هذا الوجه وهي مشهورة. ١٣٢ - ومنهم محمد بن أحمد بن محمد بن سهل، أبو عبد الله الأموي، الأندلسي، الطّليطلي، المعروف بالنقاش، نزل مصر، وقعد للإقراء بجامع عمرو بن العاص، وأخذ عنه جماعة، وتوفي بمصر سنة ٥٢٩. ١٣٣ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد القيسي، القبري القرطبي، المؤدب (١) ، رحل من الأندلس سنة ٣٤٢، فسمع بمصر من أبي محمد ابن الورد وأبي قتيبة مسلم بن الفضل البغدادي وغيره، وكان صالحاً خيّراً مؤدباً، سمع الناس منه كثيراً (٢) ، وتوفي سنة ٣٦٢. والقبري - بفتح القاف، وسكون الباء الموحدة، ثم راء مهملة - نسبة إلى قبرة بلدٍ بالأندلس بقرب قرطبة بنحو ثلاثين ميلاً. ١٣٤ - ومنهم جمال الدين أبو بكر الوائلي، محمد بن أحمد بن محمد ابن عبد الله بن سجمان (٣) ، الشريشي، المالكي (٤) ، ولد بشريش سنة ٦٠١، ورحل فسمع بالإسكندرية من ابن عماد (٥) الحراني، وبدمشق من مكرم بن أبي الصقر، وبحلب من أبي البقاء يعيش بن علي النحوي، وسمع بإربل وبغداد، وأقام بالمدرسة الفاضلية من القاهرة مدة يفيد الناس فتخرّج به جماعة، وولي مشيخة المدرسة بالقدس، ومشيخة الرباط الناصري بالجبل، وأقام بدمشق يفتي

стр. 927

ويدرّس، وكان من العلماء الزهاد كثير العبادة والورع والزهد، أحد الأئمة المبرزين المتبحرين في العربية والفقه على مذهب الإمام مالك، والتفسير، والأصول، وصنّف كتاباً في الاشتقاق، وشرح ألفية ابن معطي، وأخذ عنه الناس، وطلب للقضاء بدمشق فامتنع منه زهاداً وورعاً، وبقي المنصب لأجله شاغراً إلى أن مات برجب سنة ٦٨٥، ودفن بقاسيون. وسجمان: بسين مهملة مضمومة، ثم جيم ساكنة، بعدها ميم مفتوحة، ونون. ١٣٥ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرّج القرطبي، المعروف والده بالقنتوري (١) ، وكان جد أبيه مفرج صاحب الركاب للحكم بن عبد الرحمن الداخل، وكان أبوه أحمد بن يحيى رجلاً صالحاً، وولد هو سنة ٣١٥ (٢) ، وكان سكناه بقرطبة بقرب عين قنت أورية، وسمع بقرطبة من قاسم ابن أصبغ كثيراً، ومن ابن أبي دليم والخشني، ورحل سنة ٣٣٧ فسمع بمكة من ابن الأعرابي، ولزمه حتى مات، وسمع بها من جماعة غيره، وسمع بجدة، وبالمدينة النبوية على ساكنها الصلاة والسلام، ودخل صنعاء وزبيد وعدن سمع بها من جماعة، وسمع بمصر من البرقي صاحب أحمد البزار، وسمع من السيرافي وجماعة كثيرة، وسمع بغزّة وعسقلان وطبرية ودمشق وطرابلس وبيروت وصيدا والرملة وصور وقيسارية والقلزم والفرما والإسكندرية، فبلغت عدة شيوخه إلى مائتين وثلاثين شيخاً، وروى عنه أبو عمر الطلمنكي وجماعة، وكتب تاريخ مصر عن مؤلفه أبي سعيد ابن يونس، وروى عنه ابن يونس وهو من أقرانه، وعاد إلى الأندلس من رحلته سنة ٣٤٥، واتصل بالحكم المستنصر، وصارت له عنده مكانة، وألّف له عدة كتب، واستقضاه على

стр. 928

إستجة ثم على المريّة، ومات برجب سنة ٣٤٨ (١) . قال الحميدي: هو محدّث، حافظ جليل، صنف كتباً في فقه الحديث، وفي فقه التابعين: فمنها فقه الحسن البصري في سبع مجلدات، وفقه الزهري في أجزاء كثيرة، وسمع مسند ابن افرضي وحديث قاسم بن أصبغ. قال ابن الفرضي: وكان عالماً بالحدث، بصيراً برجاله، صحيح النقل حافظاً، جيد الكتابة على كثرة ما جمع. وقال ابن عفيف في حقه: إنه كان من أعنى الناس بالعلم، وأحفظهم للحديث وأبصرهم بالرجال، ما رأيت مثله في هذا الفن، من أوثق المحدثين بالأندلس، وأصحهم كتباً، وأشدهم تعباً لروايته، وأجودهم ضبطاً لكتبه، وأكثرهم تصحيحاً لها، لا يدع فيها شبهة، رحمه الله تعالى. ١٣٦ - ومنهم أبو عبد الله القيسي الوضاحي، محمد بن أحمد بن موسى (٢) ، رحل من المغرب، وسمع من السّلفي وغيره جملة صالحة، ثم عاد إلى الأندلس بعد الحج، وسكن المرية مدة وبها مات سنة ٥٣٩، وقيل: في التي بعدها، وكان من أظرف الناس، وأحسنهم أدباً، فقيهاً، فاضلاً، ثقة، ذا فرائد جمة، عفيفاً، معتنياً بالعلم. ١٣٧ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى بن هذيل، العبدري، البلنسي (٣) ، ولد سنة ٥١٩، وسمع من أبيه وجماعة، ورحل حاجّاً فسمع من السّلفي وابن عوف (٤) والحضرمي والتنوخي والعثماني وغيرهم،

стр. 929

ورجع بعد الحج إلى الأندلس فحدّث، وكان غاية في الصلاح والورع وأعمال البر، وله حظ من علم العبارة، ومشاركة في اللغة، وكتب بخطه على ضعفه كثيراً، رحمه الله تعالى. ١٣٨ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن نوح الإشبيلي، ومولده سنة إحدى وثلاثين وستمائة بإشبيلية، وجال في بلاد المغرب والمشرق، وقرأ على الشيوخ الفضلاء، وحصّل كثيراً في علم القرآن والأدب، وله نظم ونثر، وكان كثير التلاوة للقرآن، جيد الأداء له، وأقام بدمشق حتى مات بها سنة ٦٩٩، رحمه الله تعالى. ١٣٩ - ومنهم محمد بن أسباط، المخزومي القرطبي (١) ، روى عن يحيى ابن يحيى، وقدم مصر فسمع من الحارث بن مسكين، وكان حافظاً للفقه، عالماً، توفي سنة ٢٧٩. ١٤٠ - ومنهم أبو بكر محمد بن إسحاق، الشهير بابن السليم (٢) ، قاضي الجماعة بقرطبة مولده سنة ٣٠٦، روى عن قاسم بن أصبغ وطبقته، ورحل سنة ٣٣٢، فسمع بمكة من ابن الأعرابي، وبمصر من الزبيريّ وابن النحاس وغيرهما، وعاد إلى الأندلس فأقبل على الزهد ودراسة العلم، وحدث، فسمع منه الناس، وكان حافظاً للفقه، بصيراً بالاختلاف، حسن الخط والبلاغة متواضعاً، وتوفي بجمادى الأولى سنة ٣٦٧. وسليم بفتح السين مكبراً. ١٤١ - ومنهم موسى بن بهيج المغربي الأندلسي الواعظ الفقيه العالم،

стр. 930

من أهل المرية، نزل مصر، يكنى أبا عمران، كان من أهل العلم والأدب، وله في الزهد وغيره أشعار حملت عنه، وحدث المرشاني عنه بمخمّسة في الحج وأعماله كلها، ولقيه بمصر وقرأها عليه. ولابن بهيج هذا قوله: إنّما دنياك ساعه ... فاجعل الساعة طاعه واحذر التقصير فيها ... واجتهد، ما قدره ساعه وإذا أحببت عزّاً ... فالتمس عزّ القناعه ١٤٢ - ومنهم أبو عمران موسى بن سعادة (١) ، مولى سعيد بن نصر (٢) ، من أهل مرسية (٣) ، سمع صهره أبا علي ابن سكرة الصّدفي، وكانت بنته عند أبي علي، ولازمه وأكثر عنه، وروى عن أبي محمد ابن مفوّز الشاطبي وأبي الحسن ابن شفيع، قرأ عليهما الموطأ، ورحل، وحج، وسمع السنن من الطرطوشي، وعني بالرواية، وانتسخ صحيحي البخاري ومسلم بخطه، وسمعهما على صهره أبي علي، وكانا أصلين لا يكاد يوجد في الصحة مثلهما، حكى الفقيه أبو محمد عاشر بن محمد أنهما سمعا على أبي علي نحو ستين مرة، وكتب أيضاً الغريبين للهروي، وغير ذلك، وكان أحد الأفاضل الصّلحاء، والأجواد السّمحاء، يؤم الناس في صلاة الفريضة، وتولى القيام بمؤن صهره أبي علي وبما يحتاج إليه من دقيق الأشياء وجليلها، وإليه أوصى عند توجّهه إلى غزوة كتندة التي فقد فيها سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكانت له مشاركة في علم اللغة والأدب، وقد حدث عنه ابن أخيه القاضي أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة بكتاب أدب الكتّاب لابن قتيبة، وبالفصيح لثعلب.

стр. 931

١٤٣ - ومنهم أبو محمد عبد الله بن طاهر، الأزدي (١) ، من أهل وادي آش، له رحلة إلى المشرق أدى فيها الفريضة، وسمع بدمشق من أي طاهر الخشوعي مقامات الحريري وابن عساكر وغيرهما، ثم قفل إلى بلده، انتهى ملخصاً من ابن الأبار. وحكى الصفدي (٢) أن ابن المستكفي اجتمع بالمتنبي بمصر، وروى عنه شيئاً من شعره، وممّا روى عنه أنه قال: أنشدني المتنبي لنفسه: لاعبت بالخاتم إنسانةً ... كمثل بدر في الدّجى الفاحم وكلّما حاولت أخذي له ... من البنان المترف الناعم ألقته في فيها فقلت: انظروا ... يقد خبّت الخاتم في الخاتم (٣) ١٤٤ - ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق أبو عبد الله ابن مالك (٤) ، صاحب التسهيل والألفية، وهو: جمال الدين محمد بن عبد الله بن عبد الله ابن مالك الإمام العلامة الأوحد الطائي الجياني المالكي حين كان بالمغرب، الشافعي حين انتقل إلى المشرق، النحوي، نزيل دمشق. ولد سنة ستمائة أبو في التي بعدها، وسمع بدمشق من مكرم وأبي صادق الحسن بن صبّاح وأبي الحسن السخاوي وغيرهم، وأخذ العربية عن غير واحد، فممن أخذ عنه بجيّان أبو المظفر، وقيل: أبو الحسن، ثابت بن خيار، عرف بابن الطيلسان، وأبي رزين ابن ثابت بن محمد بن يوسف بن خيار الكلاعي

стр. 932

من أهل لبلة، وأخذ القراءات عن أبي العباس أحمد بن نوّار، وقرأ كتاب سيبويه على أبي عبد الله ابن مالك المرشاني، وجالس يعيش وتلميذه ابن عمرون وغيره بحلب، وتصدّر بها لإقراء العربية، وصرف همته إلى إتقان لسان العرب، حتى بلغ فيه الغاية، وأربى على المتقدمين، وكان إماماً في القراءات، وعالماً بها، وصنف فيها قصيدة دالية مرموزة في قدر الشاطبية، وأما اللغة فكان إليه المنتهى فيها. قال الصفدي: أخبرني أبو الثناء محمود قال: ذكر ابن مالك يوماً ما انفرد به صاحب المحكم عن الأزهري في اللغة، قال الصفدي: وهذا أمر معجز، لأنه يحتاج إلى معرفة جميع ما في الكتابين (١) ، وأخبرني عنه أنه كان إذا صلّى في العادلية - لأنه كان إمام المدرسة - يشيعه قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان إلى بيته تعظيماً له. وقد روى عنه الألفية شهاب الدين محمود المذكور، ورواها الصفدي خليل عن شهاب الدين محمود قراءة، ورواها إجازةً عن ناصر الدين شافع بن عبد الظاهر وعن شهاب الدين بن غانم بالإجازة عنهما عنه. وأما النحو والتصريف (٢) فكان فيهما ابن مالك بحراً لا يشق لجّه، وأما اطلاعه على أشعار العرب التي يستشهد بها على النحو واللغة فكان أمراً عجيباً، وكان الأئمة الأعلام يتحيرون في أمره، وأما الاطلاع على الحديث فكان فيه آية، لأنه أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى الحديث، وإن لم يكن فيه شيء (٣) عدل إلى أشعار العرب، هذا مع ما هو عليه من الدين والعبادة وصدق اللهجة، وكثرة النوافل، وحسن السّمت، وكمال العقل،

стр. 933

وأقام بدمشق مدة يصنف ويشتغل بالجامع وبالتربة العادلية، وتخرج به جماعة، وكان نظم الشعر عليه سهلاً رجزه وطويله وبسيطه، وصنف كتاب تسهيل الفوائد، قال الصفدي (١) : ومدحه سعد الدين محمد بن عربي بأبيات مليحة إلى الغاية، وهي: إن الإمام جمال الدين جمّله ... ربّ العلا ولنشر العلم أهّله أملى كتاباً له يسمى " الفوائد " لم ... يزل مفيداً لذي لبٍّ تأمله وكلّ مسألة في النحو يجمعها ... إن الفوائد جمع لا نظير له قال: وفي هذه الأبيات مع حسن التورية فيها ما لا يخلو من إيراد ذكرته في كتابي " فض الختام (٢) "، انتهى. قلت: أجاب العجيسي عن ذلك بأن الأبيات ليست في التسهيل، وإنما هي في كتاب له يسمى " الفوائد " وهو الذي لخصه في " التسهيل "، فقوله في اسم التسهيل تسهيل الفوائد معناه تسهيل هذا الكتاب، وذكر أيضاً أنه مثل التسهيل في القدر على ما ذكره من وقف عليه، وقال: وإليه يشير سعد الدين محمد بن عربي بقوله إن الإمام - إلى آخره وسعد الدين ابن الشيخ محيي الدين صاحب الفصوص وغيرها. ثم قال العجيسي: وذكر غير واحد من أصحابنا أن له كتاباً آخر سمّاه بالمقاصد، وضمّنها تسهيله، فسماه لذلك تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد فعلى هذا لا يصح قول الصفدي: إن المدح المذكور في التسهيل، إلاّ بارتكاب ضرب من التأويل، انتهى كلام العجيسي. قلت: وذكر غيره أن قوله في الألفية " مقاصد النحو بها محوية " إشارة لكتاب المقاصد، وتعقب بقوله محوية فإنه لو كان كما ذكر لقال محويّ،

стр. 934

وأجاب بعضهم بأنه من باب الاستخدام، وفيه تعسف. رجع - من تصانيف ابن مالك " الموصل في نظم المفصل " وقد حل هذا النظم فسماه " سبك المنظوم وفك المختوم " ومن قال " إن اسمه فك المنظوم وسبك المختوم " فقد خالف النقل والعقل، ومن كتب ابن مالك كتاب " الكافية الشافية " ثلاثة آلاف بيت، وشرحها، و " الخلاصة " وهي مختصر الشافية، و " إكمال الإعلام بمثلث الكلام " وهو مجلد كبير كثير الفوائد يدل على اطلاع عظيم، و " لامية الأفعال " وشرحها، و " فعل وأفعل "، و " المقدمة الأسدية " وضعها باسم ولده الأسد، و " عدّة اللافظ وعمدة الحافظ "، و " النظم الأوجز فيما يهمز "، و " الاعتضاد في الظاء والضاد " مجلد، وإعراب مشكل البخاري، و " تحفة المودود في المقصور والممدود " وغير ذلك كشرح التسهيل، وروى عنه ولده بدر الدين محمد، وشمس الدين بن جعوان، وشمس الدين بن أبي الفتح، وابن العطار، وزين الدين أبو بكر المزّي، والشيخ أبو الحسين اليونيني، وأبو عبد الله الصيرفي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وشهاب الدين محمود، وشهاب الدين بن غانم، وناصر الدين بن شافع، وخلق كثير سواهم. ومن نظمه في الحلبة: خيل السباق المجلّي يقتفيه مص ... لٍّ والمسلّي وتعالٍ قبل مرتاح وعاطفٌ وحظيٌّ والمؤمّل وال ... لطيم والفسكل السّكيت يا صاح وله من هذه الضوابط شيء كثير. وكان يقول عن الشيخ ابن الحاجب: إنه أخذ نحوه من صاحب المفصل، وصاحب المفصل نحوه صغيرات، وناهيك بمن يقول هذا في حق الزمخشري. وكان الشيخ ركن الدين بن القوبع يقول: إن ابن مالك ما خلّى للنحو حرمة. وحكي عنه أنه كان يوماً في الحمّام وقد اعتزل في مكان يستعمل فيه الموسى، فهجم عليه فتى فقال: ما تصنع فقال: أكنس لك الموضع للقعود، قال

стр. 935

بعضهم: وهذا ممّا يستبعد على دين ابن مالك، والعهدة على ناقله، قال الصفدي: ولا يستبعد ذلك من لطف النحاة وطباع أهل الأندلس. وتوفي ابن مالك بدمشق سنة اثنتين وسبعين وستمائة. وقال بعضهم: من أحسن شعر ابن مالك قوله: إذا رمدت عيني تداويت منكم ... بنظرة حسن أو بسمع كلام فإن لم أجد ماء تيممت باسمكم ... وصليت فرضي والديار أمامي وأخلصت تكبيري عن الغير معرضا ... وقابلت أعلام السوى بسلام ولم أر إلا نور ذاتك لائحا ... فهل تدع الشمس امتداد ظلام وقدم - رحمه الله تعالى - القاهرة، ثم رحل إلى دمشق، وبها مات كما علم. وقال الشرف الحصيني يرثيه (١) : يا شتات الأسماء والأفعال ... بعد موت ابن مالك المفضال وانحراف الحروف من بعد ضبط ... منه في الانفصال والاتصال مصدرا كان للعلوم بإذن ال ... له من غير شبهة ومحال عدم النعت (٢) والتعطف والتو ... كيد مستبدلا من الأبدال ألم إعتراه أسكن منه ... حركات كانت بغير اعتلال يا لها سكتة لهمز قضاء ... أورثت طول مدة الانفصال رفعوه في نعشه فانتصبا ... نصب تمييز، كيف سير الجبال فخموه عند الصلاة بدل ... فأمليت أسراره للدلال صرفوه يا عظم ما فعلوه ... وهو عدل معرف بالجمال أدغموه في الترب من غير مثل ... سالما من تغير الإنتقال

стр. 936

وقفوا عند قبره ساعة الدف ... ن وقوفا ضرورة الإمتثال ومددنا الأكف نطلب قصرا ... مسكنا للنزيل من ذي الجلال آخر الآي من سبا الحظ منه (١) ... حظه جاء أول الأنفال يا بيان الإعراب (٢) يا جامع الإغ ... راب يا مفهما لكل مقال يا فريد الزمان في النظم والنث ... ر وفي نقل مسندات العوالي كم علوم بثثتها في أناس ... علموا ما بثثت (٣) عند الزوال انتهت ملخصة. قال الصفدي: وما رأيت مرثية في نحوي أحسن منها على طولها، انتهى. ودفن ابن مالك بسفح قاسيون، بتربة القاضي عز الدين ابن الصائغ، وقال العجيسي: بتربة ابن جعوان. ورثاه الشيخ بهاء الدين ابن النحاس بقوله (٤) : قل لابن مالك أن جرت بك أدمعي ... حمراً يحاكيها النّجيع القاني فلقد جرحت القلب حين نعيت لي ... وتدفقت بدمائه أجفاني لكن يهوّن ما أجنّ من الأسى ... علمي بنقلته إلى رضوان فسقى ضريحاً ضمّه صوب الحيا ... يهمي به بالرّوح والرّيحان وابن النحاس المذكور أحد تلامذة ابن مالك، وهو القائل يخاطب رضي الدين الشاطبي الأندلسي، وقد كلفه أن يشتري له قطراً: أيها الأوحد الرضيّ الذي طا ... ل علاءً وطاب في الناس نشرا أنت بحرٌ لا غرو إن نحن وافي ... ناك راجين من نداك القطرا

стр. 937

وابن النحاس المذكور له نظم كثير مشهور بين الناس، وهو: بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن نصر، الحلبي الأصل، المعروف بابن النحاس، وهو شيخ أبي حيّان، ولم يأخذ أبو حيّان عن ابن مالك وإن عاصره بنحو ثلاثين سنة. وقال بعض من عرّف بابن مالك: إنه تصدر بحلب مدة، وأمّ بالسلطانية، ثم تحول إلى دمشق، وتكاثر عليه الطلبة، وحاز قصب السبق، وصار يضرب به المثل في دقائق النحو، وغوامض الصرف، وغريب اللغات، وأشعار العرب، مع الحفظ والذكاء والورع والديانة وحسن السّمت والصيانة والتحري لما ينقله والتحرير فيه، وكان ذا عقل راجح، حسن الأخلاق مهذباً، ذا رزانة وحياء ووقار، وانتصاب للإفادة، وصبر على المطالعة الكثيرة، تخرج به أئمة ذلك الزمان كابن المنجي وغيره، وسارت بتصانيفه الرّكبان، وخضع لها العلماء الأعيان، وكان حريصاً على العلم، حتى إنه حفظ يوم موته ثمانية شواهد. وقال بعض الحفاظ حين عرّف بابن مالك: يقال إن عبد الله في نسبه مذكور مرتين متواليتين، وبعض يقول: مرة واحدة، وهو الموجود بخطه أول شرحه لعمدته، وهو الذي اعتمده الصفدي وابن خطيب داريّا محمد بن أحمد بن سليمان الأنصاري، وعلى كل حال فهو مشهور بجدّه في المشرق والمغرب. وحكى بعضهم أن ولادته سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وعليه عوّل شيخ شيوخ شيوخنا ابن غازي في قوله: قد خبع ابن مالك في خبعا ... وهو ابن عه وكذا وعى من قد وعى (١) وقيل، كما تقدم: إن مولده سنة ستمائة أو بعدها بجيّان الحرير مدينة من مدن الأندلس جبر الله كسرها - وهي مفتوحة الجيم وياؤها مشددة تحتانية - وتصدّر ابن مالك بحماة مدة، وانتقد بعضهم على ابن خلكان إسقاطه من تاريخه،

стр. 938

مع كونه كان يعظمه إلى الغاية، وقدّم، رحمه الله تعالى، لصاحب دمشق قصة يقول فيها عن نفسه: إنه أعلم الناس بالعربية والحديث، ويكفيه شرفاً أن من تلامذته الشيخ النووي (١) ، والعلم الفارقي، والشمس البعلي، والزين المزّي، وغيرهم ممن لا يحصى. وكان، رحمه اله تعالى، كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئاً من محفوظه حتى يراجعه في محله، وهذه حالة المشايخ الثقات، والعلماء الأثبات، ولا يرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرأ، وكذا كان الشيخ أبو حيّان، ولكن كان جدّه في التصنيف والإقراء. وحكي أنه توجه يوماً مع أصحابه للفرجة بدمشق، فلما بلغوا الموضع الذي أرادوه غفلوا عنه بسويعة، فطلبوه فلم يجدوه، ثم فحصوا عنه فوجدوه منكبّاً على أوراق. وأغرب من هذا في اعتنائه بالعلم ما مر أنه حفظ يوم موته عدة أبيات حدّها بعضهم بثمانية، وفي عبارة بعض أو نحوها لقنه ابنه إياها، وهذا ممّا يصدق ما قيل: بقدر ما تتعنى، تنال ما تتمنى، فجزاه الله خيراً عن هذه الهمة العلية. وذكر أبو حيان في الجوازم من تذييله وتكميله، أنه لم يصحب من له البراعة في علم اللسان، ولذا تضعف استنباطاته وتعقّباته على أهل هذا الشان، وينفر من المنازعة، والمباحثة والمراجعة، قال: وهذا شأن من يقرأ بنفسه، ويأخذ العلم من الصحف بفهمه، ولقد طال فحصي وتنقيري عمّن قرأ عليه، واستند في العلم إليه، فلم أجد من يذكر لي شيئاً من ذلك، ولقد جرى يوماً مع صاحبنا تلميذه علم الدين سليمان بن أبي حرب الفارقي الحنفي فقال: ذكر لنا أنه قرأ على ثابت بن خيار من أهل بلده، جيّان، وأنه جلس في حلقة

стр. 939

الأستاذ أبي علي الشلوبين نحواً من ثلاثة عشر يوماً، وثابت بن خيار ليس من أهل الجلالة والشهرة في هذا الشأن، وإنما جلالته وشهرته في إقراء القرآن، هذا حاصل ما ذكره أبو حيّان. قال بعض المحققين، وهو العلامة يحيى العجيسي: وليس ذلك منه بإنصاف ولا يحمل على مثله إلاّ هوى النفس وسرعة الانحراف، فنفيه المسند عنه والمتبع، شهادة نفي فلا تنفع ولا تسمع، ويكفي ما سطر في حقه قوله في أثنائه: نظم في هذا العلم كثيراً ونثر، وجمع باعتكاف على الاشتغال به ومراجعة الكتب ومطالعة الدواوين العربية وطول السن من هذا العلم غرائب، وحوت مصنفاته منها نوادر وعجائب، وإن منها كثيراً استخرجه من أشعار العرب وكتب اللغة إذ هي مرتبة الأكابر النقاد، وأرباب النظر والاجتهاد، وقوله في موضع آخر من تذييله لا يكون تحت السماء أنحى ممّن عرف ما في تسهيله وقرنه في بحره بمصنف سيبويه فما ينبغي له أن يغمصه، ولا أن يحط عليه، ولا أن يقع فيما وقع فيه، فإنه ممّا يجرّئ على أمثاله الغبي والنبيه، والحليم والسفيه، وما هذا جزاء السلف من الخلف، والدّرر من الصدف، والجيد من الحشف، أوما ينظر إلى شيخه أبي عبد الله ابن النحاس، فإنه لا يذكره إلاّ بأحسن ذكر كما هو أدب خيار الناس، ومن كلامه في نقله عنه: وهو الثقة فيما ينقل والفاضل حين يقول، وإلى تلميذه أبي البقاء المصري حيث يقول فيه، أعني في أبي حيّان: هو الأوحد الفرد الذي تمّ علمه ... وسار مسير الشمس في الشرق والغرب ومن غاية الإحسان مبدأ فضله ... فلا غرو أن يسمو على العجم والعرب ومن غاية الإحسان، في هذا الشان، التصانيف التي سارت بها الرّكبان، في جميع الأوطان، واعترف بحسنها الحاضر والبادي، والداني والقاصي، والصديق والعدو، فتلقّاها بالقبول والإذعان فسامح الله تعالى أبا حيّان، فإن

стр. 940

كلامه يحقق قول القائل: كما تدين تدان، ورحم الله تعالى ابن مالك، فلقد أحيا من العلم رسوماً دارسة، وبيّن معالم طامسة، وجمع من ذلك ما تفرق، وحقق ما لم يكن تبين منه ولا تحقق، ورحم شيخه ثابت بن الخيار، فإنه كان من الثقات الأخيار، وهو أبو المظفر ثابت بن محمد بن يوسف بن الخيار الكلاعي - بضم الكاف على ما كان يضبط بيده فيما حكاه ابن الخطيب في الإحاطة - وأصله من لبلة، وبعد في أهل جيّان، وتوفّي بغرناطة سنة ٦٢٨. وكان أبو حيّان يغض من هذا الكتاب ويقول: ما فيه من الضوابط والقواعد حائد عن مهيع الصواب والسداد، وكثيراً ما يشير إلى ذلك في شرحه المسمى منهج السالك ومن غضّه منه بالنظم في ملإ من الناس من جملتهم شيخه بهاء الدين ابن النحاس والأقسراني يجاريه مقتفياً له ومتأسياً في تسويد القرطاس: ألفية ابن مالك ... مطموسة المسالك وكم بها مشتغل ... أوقع في المهالك ولا تغتر أنت بهذا الغرر، فإنه ما كل سحاب أبرق مطر، ولا كل عود أورق ثمر، وقيل معارضة للقوم، وتنبيهاً لهم ممّا هم فيه من النوم: ألفية ابن مالك ... مشرقة المسالك وكم بها من مشغلٍ ... علا على الأرائك وما أحسن قول ابن الوردي في هذا المعنى: يا عائباً ألفيّة ابن مالك ... وغائباً عن حفظها وفهمها أما تراها قد حوت فضائلاً ... كثيرة فلا تجر في ظلمها وازجر لمن جادل من يحفظها ... برابع وخامس من اسمها يعني " صه " فإنه عند الاستقلال بمعنى اسكت، انتهى ملخصاً.

стр. 941

قال أيضاً عند ذكره مصنفات ابن مالك: وهي كما قيل غزيرة المسائل، ولكنها على الناظر بعيدة الوسائل، وهي مع ذلك كثيرة الإفادة، موسومة بالإجادة، وليست لمن هو في هذا الفن في درجة ابتدائه، بل للمتوسط يترقى بها درجة انتهائه، انتهى. واعلم أن الألفية مختصرة الكافية كما تقدم، وكثير من أبياتها فيها بلفظها، ومتبوعه فيها ابن معطي، ونظمه أجمع وأوعب، ونظم ابن معطي أسلس وأعذب، وذكر الصفدي عن الذهبي أن ابن مالك صنف الألفية لولده تقي الدين محمد المدعو بالأسد، واعترضه العلامة العجيسي بأن الذي صنفه له عن تحقيق المقدمة الأسدية قال: وأما هذه - يعني الألفية - فذكر لي من أثق بقوله أنه صنفها برسم القاضي شرف الدين هبة الله بن نجم الدين عبد الرحيم بن شمس الدين بن إبراهيم بن عفيف الدين بن هبة الله بن مسلم بن هبة الله بن حسان الجهني الحموي الشافعي الشهير بابن البارزي، ويقال: إن هذه النسبة إلى باب أبرز أحد أبواب بغداد، ولكن خفف لكثرة دوره على الألسنة، انتهى مختصراً. وقال بعض من عرّف بابن مالك: هو مقيم أود، وقاطع لدد، ومزين سماء موّهت الأصائل ديباجتها، وشعشعت البكر زجاجتها، وجاءت أيامه صافية من الكدر، ولياليه وما بها شائبة من الكبر، وقد خلّفها العشي بردعه، وخلفها الصباح بربعه، فكان كل متعين حول مسجده، وكل عين فاخرة بعسجده، هذا وزمر الطلاب، وطلبة الأجلاب، لا تزال تزجي إليه القلاص، وتكثر من سربه الاقتناص، كان أوحد وقته في علم النحو واللغة مع ثرة الديانة والصلاح، انتهى. وقال بعض المغاربة: لقد مزّقت قلبي سهام جفونها ... كما مزّق اللخميّ مذهب مالك وصال على الأوصال بالقدّ قدّها ... فأضحت كأبيات بتقطيع مالك

стр. 942

وقلدت إذ ذاك الهوى لمرادها ... كتقليد أعلام النحاة ابن مالك وملّكتها رقيّ لرقة لفظها ... وإن كنت لا أرضاه ملكاً لمالك وناديتها يا منيتي بذل مهجتي ... ومالي قليلٌ في بديع جمالك ويعني بقوله بتقطيع مالك مالك بن المرحّل السّبتي، رحمه الله تعالى. ولما سئل ابن مالك عن قول النبي، ﷺ : نعوذ بالله من الحور بعد الكور هل هو بالراء أو بالنون أنكر النون، فقيل له: إن في الغريبين للهروي رواية بالنون، فرجع عن قوله الأول، وقال: إنما هو بالنون، انتهى. وقد ذكر في المشارق النون والراء، فقال: الحور بعد الكور بالراء رواه العذري وابن الحذاّء، وللباقين بالنون، معناه النقصان بعد الزيادة، وقيل: من الشذوذ بعد الجماعة، وقيل: من الفساد بعد الصلاح، وقيل: من القلة بعد الكثرة، كار عمامته إذا لفها على رأسه واجتمعت، وحارها إذا نقضها فافترقت، ويقال: حار إذا رجع عن أمر كان عليه، ووهم بعضهم رواية النون، وقيل: معناها رجع إلى الفساد بعد أن كان على خير ممّا رجع إليه، وقال عياض في موضع آخر بعد: الحور بعد الكور، كذا للعذري، والكون للفارسي والسجزي وابن ماهان، وقول عاصم في تفسيره حار بعدما كار وهي روايته، ويقال: إن عاصماً وهم فيه، انتهى. والسائل لابن مالك عن اللفظة هو ابن خلّكان، لأن ابن الأثيرسأل ابن خلكان عنها، فسأل هو ابن مالك، رحم الله تعالى الجميع. [تعريف بابنه بدر الدين] وقد عرّف الحافظ الذهبي بابن مالك في تاريخ الإسلام، وذكر فيه ترجمة لولده بدر الدين محمد، وأنه كان حاد الذهن، ذكيّاً، إماماً في النحو وعلم

стр. 943

المعاني والمنطق، جيد المشاركة في الفقه والتدريس، وأنه تصدّر بعد والده للتدريس، ومات شابّاً قبل الكهولة سنة ٦٨٦، ومن أجلّ تصانيفه شرحه على ألفية والده، وهو كتاب في غاية الإغلاق، ويقال: إنه نظير الرضي في شرح الكافية، وللناس عليه حواشٍ كثيرة، رحمهم الله تعالى أجمعين. ١٤٥ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن طاهر القيسي، التّدميري (١) ويعرف بالشهيد كان عظيم القدر جدّاً بالأندلس، بعيد الأثر في الخير الاصلاح والعلم والنسك والانقطاع إلى الله تعالى، وكان من وجوه أهل كورة تدمير ذوي البيوت الرفيعة، وبرع بخصاله المحمودة، فكان في نفسه فقيهاً، عالماً، زاهداً، خيّراً، ناسكاً، متبتلاً، نشأ على الاستقامة والصلاح والاهتداء والدّعة، طلب العلم في حدثان سنّه، ورحل إلى قرطبة فروى الحديث وتفقّه وناظر، وأخذ بحظٍّ وافر من علم المسألة والجواب، وكان أكثر علمه وعمله الورع، والتشدد فيه، والتحفظ بدينه ومكسبه، ورسخ في علم السنّة، ثم ارتحل إلى المشرق، فمر بمصر حاجّاً، فأقام بالحرمين ثماينة أعوام يتعيش فيها من عمل يده بالنسخ، ثم سار إلى العراق، فلقي أبا بكر الأبهري وأخذ عنه، وأكثر من لقاء الصالحين وأهل العلم، ولبس الصوف، وقنع، وتورع جدّاً، وأعرض عن الشهوات، وكان إذا سئم من النسخ الذي جعل قوته منه آجر نفسه في الخدمة رياضةً لها، فأصبح عابداً متقشفاً منيباً مخبتاً عالماً عاملاً منقطع القرين، قد جرت منه دعوات مجابة، وحفظت له كرامات ظاهرة، ثم عاد إلى بلده تدمير سنة ست أو سبع وسبعين وثلاثمائة، وبها أبوه أبو الحسام طاهر حيّاً، فنزل خارج مدينة مرسية تورّعاً عن سكناها وعن الصلاة في جامعها، فاتخذ له بيتاً سقفه من حطب السّدر يأوي إليه، واعتمر جنينة بيده يقتات منها، وصار يغزو مع المنصور محمد بن أبي عامر، ثم تحول من قريته بعد عامين إلى الثغر، وواصل

стр. 944

الرّباط، ونزل مدينة طلبيرة، وكان يدخل منها في السرايا في بلد العدو فيغزو ويتقوت من سهمانه، ويعوّ ل على فرس له ارتبطه لذلك، وكان له بأس وشدة وشجاعة وثقافة، يحدّث عنه فيها بحكايات عجيبة، إلى أن استشهد مقبلاً غير مدبر، سنة ٣٧٩، أو في التي قبلها، عن اثنتين وأربعين سنة، وأبوه حي، رحم الله تعالى الجميع. ١٤٦ - ومنهم أبو عبد الله القيجاطي محمد بن عبد الجليل بن عبد الله بن جهور، مولده سنة ٥٩٠ بقيجاطة، وكتب عنه الحافظ المنذري، ومن شعره قوله: إذا كنت تهوى من نأت عنك داره ... فحسبك ما تلقى من الشّوق والبعد فيا ويح صبٍّ قد تضرّم ناره ... وواحرّ قلبٍ ذاب من شدّة الوجد ١٤٧ - ومنهم أبو عبد الله - ويقال: أبو حامد - محمد بن عبد الرحيم، المازنيّ، القيسي، الغرناطي (١) ، ولد سنة ٤٧٣، ودخل الإسكندرية سنة ٥٠٨، وسمع بها من أبي عبد الله الرازي، وبمصر من أبي صادق مرشد بن يحيى المديني وأبي الحسن الفراء الموصلي وأبي عبد الله محمد بن بركات بن هلال النحوي وغيرهم، وحدث بدمشق، وسمع أيضاً بها وببغداد، وقدمها سنة ٥٥٦، ودخل خراسان، وأقام بها مدة، ثم رجع إلى الشام، وأقام بحلب سنين، وسكن دمشق، وكان يذكر أنه رأى عجائب في بلاد شتى، ونسبه بعض الناس بسبب ذلك إلى ما لا يليق، وصنّف في ذلك كتاباً سماه تحفة الألباب وكان حافظاً عالماً أديباً، وتكلم فيه الحافظ ابن عساكر، وزنّه بالكذب، وقال ابن النجار: ما علمته إلاً أميناً.

стр. 945

ومن شعره قوله: تكتب العلم وتلقي في سفط ... ثم لا تحفظ لا تفلح قطّ إنّما يفلح من يحفظه ... بعد فهمٍ وتوقٍّ من غلط وقوله: العلم في القلب ليس العلم في الكتب ... فلا تكن مغرماً باللهو واللعب فاحفظه وافهمه واعمل كي تفوز به ... فالعلم لا يجتنى إلاّ مع التّعب توفي بدمشق في صفر سنة ٥٦٥. ١٤٨ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد السلام، القرطبي (١) ، من ذرية أبي ثعلبة الخشني صاحب رسول الله، ﷺ ، رحل قبل الأربعين ومائتين، فحج، وسمع بالبصرة من محمد بن بشار وأبي موسى الزّمن ونصر ابن علي الجهضمي، ولقي أبا حاتم السجستاني والعباس بن العرج الرياشي، وسمع ببغداد من أبي عبيد القاسم بن سلام (٢) ، وبمكة من محمد بن يحيى العدني، وبمصر من سلمة بن شبيب صاحب عبد الرزّاق والبرقي وغيرهما، وأدخل الأندلس علماً كثيراً من الحديث واللغة والشعر، وكان فصيحاً جزل المنطق، صارماً، أنوفاً، منقبضاً عن السلطان، أراده على القضاء فأبى، وقال: إباية إشفاق لا إباية عصيان (٣) ، فأعفاه، وكان ثقة مأموناً، وتوفي في رمضان سنة ٢٨٦ عن ثمان وستين سنة، رحمه الله تعالى.

стр. 946

١٤٩ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أيمن بن فرج، القرطبي (١) ، سمع من محمد بن وضاح وأكثر عنه، وأخذ عن محمد الخشني وقاسم بن أصبغ وإبراهيم بن قاسم بن هلال (٢) ، ورحل سنة ٢٧٤، فسمع بمصر من المطلب بن شعيب والمقدام (٣) بن داود الرّعيني، وأدرك بالعراق إسماعيل القاضي وعبد الله ابن أحمد بن حنبل. قال الحميدي: حدث بالمغرب وبالمشرق، وصنّف السنن، وممّن روى عنه خالد بن سعيد، وقال لنا أبو محمد ابن حزم: مصنّف ابن أيمن مصنف رفيع احتوى من صحيح الحديث وغريبه على ما ليس في كثير من المصنفات، وتوفي في ذي القعدة سنة ٣٣٠، بقرطبة، رحمه الله تعالى. ١٥٠ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن ضيفون اللخمي (٤) ، الرصافي، القرطبي، الحداد، سمع بقرطبة من عبد الله بن يونس وقاسم بن أصبغ، وحج سنة ٣٣٩ سنة ردّ القرامطة الحجر الأسود إلى مكانه، وسمع بمكة من ابن الأعرابي، وبمصر من ابن الورد (٥) وأبي علي ابن السكن وعبد الكريم النسائي وغيرهم وسمع بأطرابلس والقيروان من جماعة، وكان رجلاً صالحاً (٦) ، عدلاً، حدث وكتب عنه الناس، وعلت سنه، وتوفي بشوال سنة ٣٩٤، وولد فيما أظن سنة ٣٠٢، وكانت وفاته بقرطبة، وقد اضطرب في أشياء قرئت عليه، وممّن أخذ عنه الحافظ أبو عمران ابن عبد البر، رحم الله تعالى الجميع.

стр. 947

١٥١ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك، الخزرجي، السعدي، القرطبي أبو عبد الله روى عن أبي الحسن علي بن هشام، وروى عنه أبو القاسم ابن بشكوال، وقدم مصر وحدث بها، وممّن سمع منه بها ابن وردان وأبو الرضى القيسراني في آخرين، واستوطن مصر، وتوفي سنة ٥٨٨. ١٥٢ - ومنهم أبو بكر ابن السرّاج، النحوي (١) - بتشديد الراء - وهو محمد بن عبد الملك بن محمد ين السّرّاج الشّنتمري، أحد أئمة العربية المبرزين فيها، ويكفيه فخراً أنه أستاذ أبي محمد عبد الله بن بري المصري اللغوي النحوي، وحدث عن أبي القاسم عبد الرحمن (٢) بن محمد النفطي (٣) ، وقرأ العربية بالأندلس على ابن أبي العافية وابن الأخضر، وقدم مصر سنة ٥١٥، وأقام بها وأقرأ الناس العربية، ثم انتقل إلى اليمن، وروى عنه أبو حفص عمر بن إسماعيل وأبو الحسن علي والد الرشيد العطار، وله تواليف منها تنبيه الألباب في فضل الإعراب " (٤) وكتاب في العروض، وكتاب مختصر العمدة لابن رشيق وتنبيه أغلاطه. قال السلفي: كان من أهل الفضل الوافر، والصلاح الظاهر، وكانت له حلقة في جامع مصر لإقراء النحو، وكثيراً ما كان يحضر عندي - رحمه الله تعالى - مدة مقامي بالفسطاط، توفي بمصر سنة ٥٤٩، وقيل: سنة خمس وأربعين، وقيل: خمسين وخمسمائة، برمضان، والأول أثبت. ١٥٣ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن علي بن سعيد [العنسي] ، ويكنى أيضاً أبا القاسم، الغرناطي، سمع من الجلّة بمصر والإسكندرية ودمشق وبغداد: منهم الحراني أبو عبد الله وأبو محمد عبد الصمد

стр. 948

ابن داود بدمشق، وكتب الحديث [وعني] بالرواية أتم عناية، وفقد بأصبهان حين استولى عليها التتار قبل الثلاثين وستمائة. ١٥٤ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الدفاع (١) ، بالدال المهملة، وقيل: بالراء، قرطبي سمع عبد الملك بن حبيب، ورحل فسمع بمصر من الحارث بن مسكين وغيره، وكان زاهداً فاضلاً، وتوفي سنة ٢٨١، رحمه الله تعالى. ١٥٥ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن عابد، المعافري القرطبي (٢) ، ولد بقرطبة سنة ٣٥٨، ودخل مصر فسمع من أبي بكر ابن المهندس وأبي بكر البصري، وروى عن أبي عبد الله ابن مفرج وأبي محمد الأصيلي وجماعة، ولقي الشيخ أبا محمد ابن أبي زيد في رحلته سنة ٣٨١ فسمع منه رسالته في الفقه وغيرها، وحج من عامه، ثم عاد من مصر إلى المغرب سنة ٣٨٢، وكان معتنياً بالأخبار والآثار، ثقة فيما رواه، وعني به، خيّراً، فاضلاً، ديّناً، متواضعاً، متصاوناً، مقبلاً على ما يعنيه، صاحب حظ من الفقه، وبصر بالمسائل، ودعي إلى الشورى بقرطبة فأبى، ومات سنة ٤٣٩. وعابد جده بالباء الوحدة، رحم الله تعالى الجميع. ١٥٦ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سليمان بن عثمان بن هاجد (٣) الأنصاري البلنسي، أخذ القراءات (٤) عن جماعة من أهل بلده، وخرج حاجّاً سنة ٥٧١، فجاور بمكة، وسمع بها وبالإسكندرية من السّلفي، وعاد إلى بلده

стр. 949

سنة ٥٩٦ (١) ، وحدث وكان من أهل الصلاح والفضل والورع، كثير البر، ومفاداة الأسرى، ويحترف بالتجارة، ومولده بعد سنة ٥٣٠ (٢) ، ومات سنة ٥٩٨ بمرسية، رحمه الله تعالى. ١٥٧ - ومنهم أبو الوليد محمد بن عبد الله ابن محمد بن خيرة القرطبي، المالكي (٣) ، الحافظ، ولد سنة ٤٧٩ (٤) ، وأخذ الفقه عن القاضي أبي الوليد ابن رشد، والحديث عن ابن عتاب، وروى الموطأ عن أبي بحر سفيان بن العاص بن سفيان (٥) ، وأخذ الأدب عن أبي الحسين (٦) سراج بن عبد الملك بن سراج الأموي، وعن مالك بن عبد الله العتبي، وخرج من قرطبة في الفتنة بعدا درّس بها وانتفع الناس به في فروع الفقه وأصوله، وأقام بالإسكندرية خوفاً من بني عبد المؤمن بن علي، ثم قال: كأني والله بمراكبهم قد وصلت إلى الإسكندرية، ثم سافر إلى المصر بعدما روى عنه السّلفي، وأقام بها مدة، ثم قال: والله ما مصر والإسكندرية بمتباعدتين، ثم سافر إلى الصعيد، وحدث في قوص بالموطأ، ثم قال: والله يصلون إلى مصر ويتأخرون عن هذه البلاد، فمضى إلى مكة، وأقام بها، ثم قال: وتصل إلى هذه البلاد ولا تحج ما أنا إلاّ هربت منه إليه ثم دخل اليمن، فلما رآها قال: هذه أرض لا يتركها بنو عبد المؤمن، فتوجه إلى الهند، فأدركته وفاه بها سنة ٥٥١، وقيل: بل مات بزبيد من مدن اليمن، وكان من جلّة العلماء متقناً متفنناً في المعارف كلها جامعاً لها، كثير الرواية، واسع المعرفة، حافل الأدب، من كبار فقهاء المالكية

стр. 950

يتصرف في علوم شتى حافظاً للآداب، عارفاً بشعراء الأندلس، وكان علمه أوفر من منطقه، ولم يرزق فصاحة ولا حسن إيراد [والله أعلم] (١) . قال قال ابن نقطة: خيرة بكسر الخاء المعجمة وفتح الياء المنقوطة من تحتها باثنتين. ١٥٨ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل، السلمي، المرسي (٢) ، قال ابن النجار: ولد بمرسية سنة ٥٧٠، وقال غيره: في التي قبلها، وخرج من بلاد المغرب سنة ٦٠٧، ودخل مصر، وسار إلى الحجاز، ودخل مع قافلة الحجاج إلى بغداد، وأقام بها يسمع ويقرأ الفقه والخلاف والأصلين بالنّظامية، ثم سافر إلى خراسان، وسمع بنيسابور وهراة ومرو، وعاد إلى بلاد بغداد، وحدث بكتاب السنن الكبير (٣) للبيهقي عن منصور ابن عبد المنعم الفراوي، وبكتاب غريب الحديث للخطابي، وقدم إلى مصر فحدث بالكثير عن جماعة منهم أم المؤيد زينب وأبو الحسن المؤيد الطوسي، وخرج من مصر يريد الشام فمات بين الزّعقة والعريش من منازل الرمل في ربيع الأول سنة ٦٥٥، ودفن بتل الزعقة، وكان من الأئمة الفضلاء في جميع فنون العلم من علوم القرآن والحديث والفقه والخلاف والأصلين والنحو واللغة، وله فهم ثاقب، وتدقيق في المعاني، مع النظم والنثر المليح، وكان زاهداً، متورعاً، حسن الطريقة، متديّناً، كثير العبادة، فقيهاً، مجرداً (٤) ، متعففاً، نزه النفس، قليل المخالطة (٥) لأوقاته، طيب الأخلاق، متودداً، كريم النفس،
следующие страницы →