← Тараджим

Тараджим · id 1003

فوات الوفيات

ابن شاكر الكتبي

Полный текст (1 731 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٥٤ - (١) ابن الحلاوي الشاعر أحمد بن محمد بن أبي الوفا بن الخطاب بن الهزبر، الأديب الكبير شرف الدين أبو الطيب بن الحلاوي الربعي، الشاعر الموصلي؛ ولد سنة ثلاث وستمائة، وقال الشعر الجيد الفائق ومدح الخلفاء والملوك، وكان في خدمة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وكان من ملاح الموصل، وفيه لطف وظرف وحسن عشرة وخفة روح، وله القصائد الطنانة التي رواها الدمياطي عنه في معجمه؛ توفي سنة ست وخمسين وستمائة؛ فمما رواه الشيخ شرف الدمياطي له رحمه الله تعالى: حكاه من الغصن الرطيب وريقه ... وما الخمر إلاّ وجنتاه وريقه هلالٌ ولكن أفق قلبي محلّه ... غزالٌ ولكن سفح عيني عقيقه وأسمر يحكي الأسمر اللّدن قدّه ... غدا راشقاً قلب المحب رشيقه على خدّه جمر من الحسن مضرمٌ ... يشبّ ولكن في فؤادي حريقه أقرّ له من كلّ حسنٍ جليله ... ووافقه من كلّ معنىً دقيقه بديع التثنّي راح قلبي أسيره ... على أنّ دمعي في الغرام طليقه على سالفيه للعذار جديده (٢) ... وفي شفتيه للسّلاف عتيقه يهدد منه الطرف من ليس خصمه ... ويسكر منه الريق من لا يذيقه على مثله يستحسن الصبّ هتكه ... وفي حبه يجفو الصديق صديقه من الترك لا يصبيه وجدٌ إلى الحمى ... ولا ذكر بانات الغوير تشوقه

стр. 142

ولا حلّ في حيّ تلوح قبابه ... ولا سار في ركب يساق وسوقه (١) ولا بات صبّاً بالفريق وأهله ... ولكن إلى خاقان يعزى فريقه له مبسمٌ ينسي المدام بريقه ... ويخجل نوار الأقاحي بريقه تداويت من حرّ الغرام ببرده ... فأضرم من حرّ الحريق رحيقه إذا خفق البرق اليمانيّ موهناً ... تذكره قلبي فزاد خفوقه حكى وجهه بدر السّماء فلو بدا ... مع البدر قال الناس: هذا شقيقه رآني خيالاً حين وافى خياله ... فأطرق من فرط الحياء طروقه وأشبهت منه الخصر سقماً فقد غدا ... يحمّلني كالخصر ما لا أطيقه فما بال قلبي كلّ حب يهيجه ... وحتّام طرفي كلّ حسن يشوقه فهذا ليوم البين لم تطف ناره ... وهذا فبعد البعد ما جفّ موقه ولله قلبي ما أشدّ عفافه ... وإن كان طرفي مستمراً (٢) فسوقه أرى الناس أضحوا جاهلية حبّه ... فما باله عن كلّ صبّ يعوقه فما فاز إلاّ من يبيت صبوحه ... مدام ثناياه ومنها غبوقه وقال أيضاً: أأُلقى من صدودك (٣) في جحيم ... وثغرك كالصّراط المستقيم وأسهرني لديك رقيم خدّ ... فواعجبا أأسهر بالرقيم منها: وحتّام البكاء بكلّ رسم ... كأنّ عليّ رسماً للرسوم واجتمعوا في بعض الأيام عند شخص يلقب بالشمس، فقالوا له: أطعمنا شي فامتنع، فقال بعضهم: الطامع في منال قرص الشمس ...

стр. 143

فقال ابن الحلاوي: كالطامع في منال قرص الشمس ... وأنشده بعض الأفاضل لغزاً في شبابة: وناطقة خرساء بادٍ شحوبها ... تكنفها عشرٌ وعنهنّ تخبر يلذّ إلى الأسماع رجع حديثها ... " إذا سدّ منها منخرٌ جاش منخر " (١) فأجابه في الوقت: نهاني والنهى والشيب عن وصل مثلها ... " وكم مثلها فارقتها وهي تصفر " (٢) وسئل أن ينظم أبياتاً تكتب على مشط للملك العزيز محمد صاحب حلب، فقال: حللت من الملك العزيز براحةٍ ... غدا لثمها عندي أجلّ الفرائض وأصبحت مفترّ الثنايا لأنّني ... حللت بكفّ بحرها غير غائض وقبلت سامي كفه بعد خده ... فلم أخل في الحالين من لثم عارض وقال، وهو مشهور عنه: جاء غلامي وشكا ... أمر كميتي وبكى وقال لي لا ش؟ ... ك برذونك قد تشبكا قد سقته اليوم فما ... مشى ولا تحركا فقلت من غيظي له ... مجاوباً لما حكى تريد أن تخدعني ... وأنت أصل المشتكى ابن الحلاويّ أنا ... خلّ الرياء والبكا

стр. 144

ولا تخادعني ودع ... حديثك المعلّكا لو أنّه مسيّرٌ ... لما غدا مشبكا فمذ رأى حلاوة ال؟ ... ألفاظ منّي ضحكا وكتب إلى القاضي محيي الدين ابن الزكي يصف خطه: كتبت فلولا أنّ هذا محلّلٌ ... وذاك حرامٌ قست خطك بالسّحر فوالله ما أدري أزهر خميلةٍ ... بطرسك أم درٌّ يلوح على نحر فإن كان زهراً فهو صنع سحابةٍ ... وإن كان درّاً فهو من لجّة البحر وقال يمدح الملك الناصر داود صاحب الكرك: أحيا بموعده قتيل وعيده ... رشأ يشوب وصاله بصدوده قمرٌ يفوق على الغزالة وجهه ... وعلى الغزال بمقلتيه وجيده يا ليته يعد الصدود فإنّه ... ما زال ذا لهج بخلف وعوده يفترّ عن عذب الرضاب، حياتنا ... في ورده والموت دون وروده بردٌ يذيب ولا يذوب وإنّما ... أدنى زفير الوجد عذب بروده لم أنسه إذ جاء يسحب برده ... والليل يخطر في فضول بروده والصبح مأسورٌ أجدّ لأسره ... جنح الظلام تأسفاً لفقيده واللّيل يرفل في ثياب حداده ... والصبح يرسف في فضول حديده ولذاك لم تنم الجفون مخافةً ... من أن يعاني الصبح فكّ قيوده بمدامة صفراء يحمل شمسها ... بدر يغير البدر عند سعوده كأسٌ كأن مدامها من ريقه ... وحبابها من ثغره وعقوده ما زال يرشفنا شقيقة ريقه ... طيباً ويلثمنا شقيق خدوده حتى تحكم في النجوم نعاسها ... والتذّ كلّ مسهدٍ بهجوده ورأى الصباح تخلصاً من أسره ... فأتى يكرّ على الدجى بعموده قمرٌ أطاع الحسن سنّة وجهه ... حتى كأن الحسن بعض عبيده

стр. 145

أنا في الغرام شهيده ما ضرّه ... لو أنّ جنّة وصله لشهيده وقال أيضاً: تبدى له في الخد من تبّتٍ خطّ ... وأخجل منه القدّ ما ينبت الخط ولم ندر لما هزّ عامل قده ... وصارم جفنيه بأيهما يسطو رحيقيّ ثغر بابليّ لواحظٍ ... له سالف كالورد بالمسك مختط من الترك لا وادي الأراك محلّه ... ولا داره رمل المصلّى ولا السقط كليث الشّرى في الحرب بأساً وسطوةً ... وفي السّلم كالظبي الغرير إذا يعطو يخفّ به لين المعاطف مائساً ... فيمنعه ثقل الروادف أن يخطو حمى ثغره من مشرف القد عاملٌ ... له ناظرٌ ما العدل في شرعه شرط له حاجبٌ كالنون خطّ ابن مقلةٍ ... يزيّنها للخال في خده نقط فللبدر ما يثني عليه لثامه ... وللغصن منه ما حرى ذلك المرط يقولون يحكي البدر في الحسن وجهه ... وبدر الدجى عن ذلك الحسن منحط كما شبّهوا غصن النقا بقوامه ... لقد بالغوا بالمدح للغصن واشتطوا ولما توجه بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إلى العجم للاجتماع بهولاكو كان ابن الحلاوي معه، فمرض بتبريز، وتوفي بها، وقيل بسلماس، وهو في حدود الستين من عمره. ومن شعره أيضاً: لحاظ عينيك فاتنات ... جفونها الوطف فاترات فرّق بيني وبين صبري ... منك ثنايا مفرقات يا حسناً صدّه قبيح ... فجمع شملي به شتات قد كنت لي واحداً ولكن ... عداك عن وصلي العداة إن لم يكن منك لي وفاءٌ ... دنت بهجرانك الوفاة حيّات صدغيك قاتلاتٌ ... فما لملسوعها حياة

стр. 146

والثغر كالثغر في امتناعٍ ... تحميه من لحظك الرماة يا بدر تمٍّ له عذارٌ ... بحسنه تمّت الصفات منمنم الوشي في هواه ... يا طالما نمت الوشاة نبات صدغ حلاّك حسناً ... والحلو في السكر النّبات وكان السلطان بدر الدين لؤلؤ لا ينادمه ولا يحضره مجلسه، وإنما كان ينشده أيام المواسم والأعياد المدائح التي يعملها فيه، فلما كان في بعض الأيام رآه في الصحراء في روضة معشبة وبين يديه برذون له مريض يرعى، فجاء إليه ووقف عنده وقال: ما لي أرى هذا البرذون ضعيفاً؟ فقام وقبل الأرض وقال: يا مولانا السلطان، حاله مثل حالي، وما تخلفت عنه في شيء، يدي بيده في كل رزق رزقنا الله تعالى، هل عملت في برذونك هذا شيئاً؟ قال: نعم، وأنشده بديهاً: أصبح برذوني المرقّع بالل؟ ... زقات في حسرةٍ يكابدها رأى حمير الشعير عابرة ... عليه يوماً فظل ينشدها " قفا قليلاً بها عليّ فلا ... أقلّ من نظرةٍ أُزوّدها " (١) فأعجبت السلطان بديهته. وأمر له بخمسين ديناراً (٢) وخمسين مكوكاً من الشعير وقال له: هذه الدنانير لك، وهذا الشعير لبرذونك، ثم أمره بملازمة مجلسه كسائر الندماء، وأقطعه إقطاعاً، ولم يزل يترقى عنده إلى أن صار لا يصبر عنه، رحمهما الله تعالى.

стр. 147

٥٥ - (١) ابن المنير أحمد بن محمد بن منصور بن القاسم بن مختار القاضي، ناصر الدين ابن المنير الجذامي الجروي الإسكندراني؛ ولد سنة عشرين وستمائة؛ وكان عالماً فاضلاً مفنناً، وكان في علومه له اليد الطولى في الأدب وفنونه، وله مصنفات مفيدة، وتفسير نفيس، وسمع الحديث من ابن رواج وغيره، وله تأليف على تراجم صحيح البخاري وله كتاب الاقتفا عارض به الشفا للقاضي عياض، وولي قضاء الإسكندرية وخطابتها مرتين ودرس بعدة مدراس؛ وقيل إن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام كان يقول: ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها: ابن المنير بالإسكندرية، وابن دقيق العيد بقوص، وله ديوان خطب، وتفسير حديث الإسراء في مجلد على طريقة المتكلمين. وتوفي في مستهل ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وستمائة بالثغر. وكتب إلى الفائزي يسأله رفع التصقيع عن الثغر: إذا اعتلّ الزمان فمنك يرجو ... بنو الأيّام عاقبة الشّفاء وإن ينزل بساحتهم قضاء ... فأنت اللطف في ذاك القضاء وقال فيمن نازعه الحكم: قل لمن يبتغي المناصب بالجه؟ ... ل تنحّى (٢) عنها لمن هو أعلم إن تكن في ربيع وليت يوماً ... فعليك القضاء أمسى محرم وكتب إلى قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان:

стр. 148

ليس شمس الضحى كأوصاف شمس ال؟ ... دين قاضي القضاة حاشا وكلاّ تلك مهما علت محلاّ ثنت ظلا ... وهذا مهما علا زاد ظلاّ وفي ناصر الدين يقول أبو الحسين الجزار: قد اعتبرت البرايا ... فتوةً وفتاوي فمنهم من يساوي ... شيئاً ومن لا يساوي هم الدراهم، فيها ... محاسنٌ ومساوي من لم يكن ناصرياً ... فإنّه عكّاوي وفيه يقول البرهان الغزولي: أقول لخلّ قد غدا متكبّراً ... عليّ: ترفّق إنّني منك أكبر وإن كنت في شك فعندي دليله ... بأني غزولي وأنت منير وفيه يقول أيضاً، وقد قطع جواري المتصدرين: ألا يا ابن المنيّر لا تداري (١) ... فذنبك ليس يمحى باعتذار لبست ثياب لؤمٍ عنك شفت ... ومن يكسى ثياب العار عاري قوي حبّ العبيد عليك حتى ... أراك سعيت في قطع الجواري ٥٦ (٢) المتيم الأفريقي أحمد بن محمد الافريقي أبو الحسن المعروف بالمتيم أحد الأدباء الشعراء الفضلاء، له من التصانيف كتاب الشعراء الندماء. كتاب الانتصار المنبي

стр. 149

على فضل المتنبي وله ديوان شعر. قال الثعالبي: رأيته ببخارى شيخاً رث الهيئة، تلوح عليه سيما الحرفة، وكان يتطبب وينجم، فأما صناعته التي يعتمد عليها فالشعر. أنشدني لنفسه: وفتية أدباء ما علمتهم ... شبهتهم بنجوم الليل إذ نجموا فروا إلى الراح من خطب يلم بهم ... فما درت نوب الأيام أين هم (١) وأنشدني لنفسه: تلوم على ترك الصلاة حليلتي ... فقلت: اغربي عن ناظري أنت طالق فوالله لا صلّيت لله مفلساً ... يصلي له الشيخ الجليل وفائق ولا عجباً إن كان نوحٌ مصلياً ... لأنّ له قسراً تدين الخلائق لماذا أصلي؟ أين حالي (٢) ومنزلي؟ ... وأين خيولي والحلى والمناطق؟ أصلي ولا فترٌ من الأرض تحتوي ... عليه يميني؟ إنّني لمنافق بلى إن عليّ الله وسّع لم أزل ... أصلي له ما لاح في الجوّ بارق وقال في مليح تركي: قلبي أسيرٌ في يدي مقلةٍ ... تركية ضاق لها (٣) صدري كأنها من ضيقها عروة ... ليس لها (٤) زر سوى السّحر

стр. 150

٥٧ - (١) ابن البققي أحمد بن محمد، فتح الدين ابن البققي بباء واحدة وقافين الحموي؛ أقام بديار مصر، وكانت تبدو منه أشياء ضبطت عليه، وكان جيد الذهن ذكياً، ولكن أداه إلى الاستخفاف بالقرآن والشرع، فضرب القاضي المالكي عنقه بين القصرين، في ربيع الأول سنة إحدى وسبعمائة، وطيف برأسه، وقد تكهل. ومن شعره: الكسّ للجحر غدا ... معانداً من قدم (٢) فانظره يبكي حسدا ... ي كل شهرٍ بدم وله أيضاً: لحا الله الحشيش وآكليها ... لقد خبثت كما طاب السّلاف كما يصبي كذا تضني وتشقي ... كما يشفي وغايتها الحراف وأصغر دائها والداء جمٌّ ... بغاء أو جنون أو نشاف وله أيضاً: جبلت على حبي لها وألفته ... ولا بدّ أن ألقى به الله معلنا ولم يخل قلبي من هواها بقدر ما ... أقول وقلبي خالياً فتمكنا

стр. 151

ومنه قوله: أين المراتب في الدنيا ورفعتها ... من الذي حاز علماً ليس عندهم لا شكّ أن لنا قدراً رأوه وما ... لمثلهم عندنا قدرٌ ولا لهم هم الوحوش ونحن الإنس حكمتنا ... تقودهم حيثما شئنا وهم نعم وليس شيءٌ سوى الإهمال يقطعنا ... عنهم لأنّهم وجدانهم عدم لنا المريحان من علم ومن عدم ... وفيهم المتعبان الجهل والحشم قلت: عارض بهذه الأبيات أبياتاً نظمها الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد يأتي ذكرها في ترجمته إن شاء الله تعالى. ومن شعره: يا من يخادعني بأسهم مكره ... بسلاسةٍ نعمت كلمس الأرقم اعتدّ لي زرداً تضايق نسجه ... وعليّ فكّ عيونها بالأسهم وما أحسن قول شمس الدين ابن دانيال فيه: لا تلم البقّيّ في فعله ... إن زاغ تضليلاً عن الحقّ لو هذّب النّاموس أخلاقه ... ما كان منسوباً إلى البق وقوله فيه لما سجن ليقتل: يظنّ فتى البققي أنّه ... سيخلص من قبضة المالكي نعم سوف يسلمه المالكيّ ... قريباً ولكن إلى مالك

стр. 152

٥٨ - (١) موفق الدين ابن أبي الحديد أحمد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن حسين ابن أبي الحديد، أبو المعالي موفق الدين، ويدعى القاسم أيضاً؛ ولد سنة تسعين وخمسمائة بالمدائن، وكان أديباً فقيهاً فاضلاً شاعراً مشاركاً في أكثر العلوم، توفي سنة ست وخمسين وستمائة، وهو أخو عز الدين عبد الحميد المعتزلي الآتي ذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى ورأيت الشيخ شمس الدين قد قال في حق هذا إنه أشعري، والله أعلم. كتب الإنشاء للمستعصم بالله مدة (٢) . من شعره في عارض جيش خرج من دار الوزير بخلعة فعانقه وقبله: لمّا بدا رائق التّثنّي ... وهو بأثوابه يميد قبّلته باعتبار معنىً ... لأنّه عارضٌ جديد وقال أيضاً: بيتٌ من الشعر في تشبيه وجنته ... لمّا أحاط بها سطرٌ من الشّعر كالظلّ في النور أو كالشمس عارضها ... خطٌّ من الغيم أو كالمحو في القمر وقال أيضاً: لو يعلمون كما علمت لما لحوا ... في حبّه ولأقصروا إقصارا هلاّ أحدّثكم بسرّ لطيفةٍ ... دقّت إلى أن فاتت الأبصارا جادت صقال خدوده أصداغه ... فتمثلت للنّاظرين عذارا

стр. 153

وقال الشيخ شرف الدين الدمياطي: أنشدني موفق الدين لنفسه: قمر عدمت عواذلي في عشقه ... بل ما عدمت تزاحم العشاق يبدو فتسبقه العيون وإنها ... مأمورة بالغمض والإطراق عيناي قد شهدا بعشقك، إنما (١) ... لك أن تقول هما من الفسّاق ولما صنف أخوه الفلك الدائر على المثل السائر كتب إليه موفق الدين: المثل السائر يا سيّدي ... صنفت فيه الفلك الدائرا لكنّ هذا فلكٌ دائر ... أصبحت فيه المثل السائرا ٥٩ (٢) البلاذري أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري، أبو الحسن وقيل أبو بكر البغدادي؛ ذكره الصولي في ندماء المتوكل، مات في أيام المعتضد، كان جده جابر يخدم الخصيب صاحب مصر. وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق فقال: سمع بدمشق هشام بن عمار وأبا حفص ابن عمر بن سعيد، وبحمص محمد بن مصفى (٣) وبالعراق عفان بن مسلم وعبد الأعلى وعبد الله بن صالح العجلي ومصعباً (٤) الزبيري والقاسم بن سلام وعثمان بن أبي شيبة. ووسوس في آخر عمره بشربه البلاذر، وكان كثير الهجاء بذيء اللسان آخذاً لأعراض الناس. وتناول

стр. 154

وهب بن سليمان بن وهب لما ضرط فمزقه، فمن قوله فيه وكانت الضرطة بحضرة عبيد الله بن يحيى بن خاقان: أيا ضرطة حسبت رعده ... تنوّق في سلّها جهده تقدّم وهبٌ بها سابقاً ... وصلّى أخو صاعدٍ بعده لقد هتك الله ستريهما ... كذلك من يطعم الفهده وقال في عافية ابن شيث (١) : من رآه فقد رأى ... عربيّاً مدلّسا ليس يدري جليسه ... أفسا أم تنفّسا (٢) قال البلاذري: كنت من جلساء المستعين بالله وقد قصده الشعراء فقال: ليس أقبل إلا من الذي يقول مثل قول البحتري في المتوكل: فلوانّ مشتاقاً تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر فرجعت إلى داري وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري في المتوكل، فقال: هات، فأنشدته: ولو أنّ برد المصطفى إذ لبسته ... يظنّ لظنّ البرد أنك صاحبه وقال وقد أعطيته ولبسته: ... نعم هذه أعطافه ومناكبه فقال لي: ارجع إلى منزلك فافعل ما آمرك به، فرجعت، فبعث إلي سبعة آلاف دينار وقال: ادخر هذه للحوادث بعدي، ولك علي الجراية والكفاية ما دمت حياً. وقال في عبيد الله بن يحيى بن خاقان وقد صار إلى بابه فحجبه، فأنشده:

стр. 155

قالوا اصطبارك للحجاب مذلّة ... عارٌ عليك مدى الزمان وعابٌ فأجبتهم ولكلّ قولٍ صادقٍ ... أو كاذبٍ عند المقال جواب إنّي لأغتفر الحجاب لماجدٍ ... أمست له مننٌ عليّ رغاب قد يرفع المرء اللئيم حجابه ... ضعةً ودونه العرف منه حجاب وله من الكتب: كتاب البلدان الصغير. كتاب البلدان الكبير ولم يتم. كتاب جمل أنساب الأشراف وهو كتابه المعروف بالمشهور. كتاب الفتوح. كتاب عهد أزدشير. وكان أحد النقلة من الفارسي إلى العربي، رحمه الله تعالى (١) . ٦٠ - (٢) شهاب الدين ابن فضل الله أحمد بن يحيى بن فضل الله بن مجلي بن دعجان بن خلف بن أبي الفضل نصر ابن منصور بن عبيد الله بن علي بن محمد بن أبي بكر عبد الله بن عبيد الله بن أبي بكر بن عبيد الله الصالح بن أبي سلمة عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، القاضي شهاب الدين أبو العباس، ابن القاضي أبي المعالي محيي الدين، القرشي العدوي العمري. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في حقه: هو الإمام الفاضل البليغ المفوه الحافظ، حجة الكتاب، إمام أهل الآداب، أحد رجالات الزمان كتابةً وترسلاً،

стр. 156

وتوصلاً إلى غايات المعاني (١) ، وتوسلاً، وإقداماً على الأسود في غابها، وإرغاماً لأعاديه بمنع رغابها، يتوقد ذكاء وفطنة ويتلهب، ويتحدر سيله ذاكرةً وحفظاً ويتصبب، ويتدفق بحره بالجواهر كلاماً، ويتألق إنشاؤه بالبوارق المسرعة (٢) نظاماً، ويقطر كلامه فصاحةً وبلاغةً، وتندى عبارته انسجاماً وصياغة، وينظر إلى غيب المعاني من ستر رقيق، ويغوص في لجة البيان فيظفر بكبار اللؤلؤ من البحر العميق؛ استوت بديهته وارتجاله، وتأخر عن فروسيته من هذا الفن رجاله، يكتب من رأس قلمه بديهاً، ما يعجز تروّي القاضي الفاضل أن يدانيه تشبيهاً، وينظم من المقطوع والقصيدة جوهراً، ما يخجل الروض الذي باكره الحيا مزهراً، صرف الزمان أمراً ونهيا، ودبر الممالك تنفيذاً ورأيا، ووصل الأرزاق بقلمه، ورويت تواقيعه وهي إسجالات حكمه وحكمه، لا أرى أن اسم الكاتب يصدق على غيره ولا يطلق على سواه: لا يعمل القول المكرّ ... ر منه والرأي المردّد ظنٌّ يصيب به الغيو ... ب إذا توخّى أو تعمد مثل الحسام إذا تأل ... ق والشهاب إذا توقّد كالسيف يقطع وهو مس ... لولٌ ويرهب حين يغمد ولا أعتقد أن بينه وبين القاضي الفاضل من جاء مثله؛ على أنه قد جاء مثل تاج الدين ابن الأثير ومحيي الدين ابن عبد الظاهر وشهاب الدين محمود وكمال الدين بن العطار وغيرهم، هذا إلى ما فيه من لطف أخلاق وسعة صدر وبشر محيا؛ رزقه الله أربعة أشياء لم أرها اجتمعت في غيره. وهي: الحافظة، قلما طالع شيئاً إلا كان مستحضراً لأكثره، والذاكرة التي إذا أراد ذكر شيء من زمن متقدم كان ذلك حاضراً كأنه إنما مر به بالأمس، والذكاء الذي تسلط

стр. 157

به على ما أراد، وحسن القريحة في النظم والنثر، أما نثره فلعله في ذروة كان أوج الفاضل لها حضيضاً، ولا أرى أحداً (١) يلحقه فيه جودة وسرعة، وأما نظمه فلعله لا يلحقه فيه إلا الأفراد، وأضاف الله تعالى له إلى ذلك كله حسن الذوق الذي هو العمدة في كل فن. وهو أحد الأدباء الكملة الذين رأيتهم. وأعني بالكملة الذين يقومون بالأدب علماً وعملاً في النظم والنثر ومعرفة بتراجم أهل عصره ومن تقدمهم على اختلاف طبقاتهم وبخطوط الأفاضل وأشياخ الكتابة، ثم إنه مشارك من رأيته من الكملة في أشياء، وينفرد عنهم بأشياء بلغ فيها الغاية لأنه جود فن الإنشاء والنثر، وهو فيه آية، والنظم وسائر فنونه، والترسل البارع عن الملوك، ولم أر (٢) من يعرف تواريخ الملوك المغل من لدن جنكيزخان وهلم جراً معرفته، وكذلك ملوك الهند والأتراك. وأما معرفة الممالك والمسالك وخطوط الأقاليم والبلدان وخواصها، فإنه فيها إمام وقته، وكذلك معرفة الاصطرلاب وحل التقويم وصور الكواكب. وقد أذن له العلامة شمس الدين الأصفهاني في الإفتاء على مذهب الإمام الشافعي ﵁، فهو حينئذ أكمل الكملة الذين رأيتهم. ولقد استطرد الكلام يوماً في ذكر القضاة فسرد ذكر القضاة الأربعة (٣) الذين عاصرهم شاماً ومصراً، وألقابهم وأسماءهم وعلامة كل قاض منهم، حتى إني ما كدت أقضي العجب مما رأيت. ولد بدمشق ثالث شوال سنة سبعمائة. قرأ العربية أولاً على الشيخ كمال الدين ابن قاضي شهبة، ثم على قاضي القضاة شمس الدين ابن مسلم، وتفقه على قاضي القضاة شهاب الدين ابن المجد عبد الله، وعلى الشيخ برهان الدين، وقرأ الأحكام الصغرى على الشيخ تقي الدين بن تيمية، والعروض على الشيخ شمس الدين الصائغ وعلاء الدين الوداعي وقرأ جملة من المعاني والبيان على العلامة

стр. 158

شهاب الدين محمود (١) وقرأ عليه جملة من دواوين العرب، والأصول على الشيخ شمس الدين الأصفهاني، وأخذ اللغة عن الشيخ أثير الدين، وصنف فواضل السمر في فضائل آل عمر أربع مجلدات، وكتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار في عشرين مجلد كبار، وهو كتاب حافل ما أعلم أن لاحد مثله، والدعوة المستجابة، مجلد وصبابة المشتاق في المدائح النبوية مجلد، وسفرة السفرة ودمعة الباكي ويقظة الساهر ونفحة الروض ونظم كثيراً من القصائد والأراجيز والمقطعات والذوبيت والموشح والبليق، وأنشأ كثيراً من التقاليد والمناشير والتواقيع ومكاتبات الملوك وغير ذلك. ومن شعره: شربت مع غادة عجوز طلا ... فاستصحبت بعد منعها العاده ليّنها السكر لي فحينئذٍ ... سلّمت أن العجوز قوّادة وقال: شادنٌ جدّد وجدي بعدما ... صرت شيخاً ليس ترضاني العجوز قلت جاوز لي متاعي قال قل ... غير هذا ذاك شيء لا يجوز وقال: سل شجيّاً عن فؤادٍ نزحا ... وخليّاً فيهم كيف صحا ومحبّاً لم يذق بعدهم ... غير تبريحٍ بهم ما برحا مزج الدمع بذكراه لهم ... مثل خدي من سقاه القدحا زاره الطيف وهذا عجب ... شبحٌ كيف يلاقي شبحا وقال: أأحبابنا والعذر منّا إليكم ... إذا ما شغلنا بالنّوى أن نودّعا

стр. 159

أبثّكم شوقاً أباري ببعضه ... حمام العشايا رنّة وتوجعا أبيت سمير البرق قلبي مثله ... أقضّي به الليل التمام مروعا وما هو شوق مدّة ثمّ ينقضي ... ولا أنّة لكن محبّ مفجّعا ولكنه شوق على القرب وانوى ... أغصّ الأماقي مدمعاً ثمّ مدمعا ومن فارق الأحباب في العمر ساعةً ... كمن فارق الأحباب في العمر أجمعا وقال: يقول بي من شعره أسودٌ ... كالليل بل بينهما فرق قلت وبي من وجهه أبيضٌ ... فقال لي هذا هو الحق وكانت وفاته سنة تسع وأربعين وستمائة (١) . ٦١ - (٢) إدريس ابن اليمان إدريس بن عبد الله بن اليمان العبدري الأندلسي الشاعر؛ روى عن أبي العلاء صاعد اللغوي، وتوفي سنة سبعين وأربعمائة. من شعره: وموسدين على الأكفّ رءوسهم ... قد غالهم نوم الصباح وغالني ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالني والكاس (٣) تعرف كيف تأخذ ثأرها ... إنّي أمّلت إناءها فأمالني

стр. 160

وقال: وفتيان صدق عرّسوا تحت دوحة ... وليس لهم إلاّ النبات فراش كأنهم والنّور يسقط فوقهم ... مصابيح تهوي نحوهنّ فراش وقال: ثقلت زجاجاتٌ أتتنا فرّغاً ... حتى إذا ملئت بصرف الراح خفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف (١) بالأرواح ٦٢ (٢) اسبهدوست أسبهدوست بن محمد بن الحسن بن شيرويه الديلمي أبو منصور الشاعر؛ روى عن ابن الحجاج ديوانه وكان يسلك طريقته. قال سبط ابن الجوزي: كان يهجو الصحابة والناس، ثم تاب وحسنت توبته؛ من شعره في الحمى: وزائرةٍ تزور بلا رقيبٍ ... وتنزل بالفتى من غير حبّه وما أحد يحبّ القرب منها ... ولا تحلو زيارتها بقلبه تبيت بباطن الأحشاء منه ... فيطلب بعدها من عظم كربه وتمنعه لذيذ العيش حتى ... تنغّصه بمأكله وشربه أتت لزيارتي من غير وعدٍ ... وكم من زائرٍ لا مرحبا به وقال في أبي الفتوح الواعظ، ولم يكن في زمانه أحسن صورة منه ولا أعذب لفظاً:

стр. 161

وواعظٍ تيّمني وعظه ... فعرفه شيب بإنكار ينهى عن الذنب وألحاظه ... تأمر بالذنب بإصرار وما رأينا قبله واعظاً ... مكسب آثامٍ (١) وأوزار لسانه يدعو إلى جنّةٍ ... ووجهه يدعو إلى نار ومن شعره أيضاً: يا طالب التزويج إنّك بالذي ... تبغيه منه (٢) جاهلٌ معذور هل أبصرت عيناك صاحب زوجةٍ ... إلاّ حزيناً ما لديه سرور لا تبغ في الدنيا نكاحاً لازماً ... وافعل بها ما يفعل الزنبور أو ما تراه حين يدرك فرصةً ... يدنو ويلسع لسعةً ويطير وتوفي سنة تسع وستين وأربعمائة، رحمه الله تعالى وإيانا، بمنه وكرمه. ٦٣ - (٣) ابن الطبيب الشاعر إسحاق بن خلف الشاعر المعروف بابن الطبيب، من شعراء المعتصم؛ كان رجلاً شأنه الفتوة ومعاشرة الشطار والتصيد بالكلاب وإيثار أصحاب الطنابير، وكان من أحسن الناس إنشاداً كأنه يتغنى في إنشاده، وكان إذا راجعك الكلام لم تكد تسأم مراجعته من حسن ألفاظه. حبس مرة بجناية جناها فقال الشعر في السجن، ثم ترقى في ذلك حتى مدح الملوك، ودون شعره، ولم يزل

стр. 162

على رسم الفتوة وضرب الطنبور إلى أن توفي في حدود الثلاثين ومائتين. ومن شعره ﵀: النحو يبسط من لسان الألكن ... والمرء تعظمه إذا لم يلحن وإذا طلبت من العلوم أجلّها ... فأجلّها عندي مقيم الألسن وقال في السيف: ألقى بجانب خصره ... أمضى من الأجل المتاح وكأنّما ذرّ الهبا ... ء عليه أنفاس الرياح وقال المبرد (١) : قالت الشعراء في رونق السيف ضروباً من الأقاويل ما سمعت فيها بأحسن من هذا. وقال في ابنة أخت كان رباها (٢) : لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظّلم وزادني رغبةً في العيش معرفتي ... ذلّ اليتيمة يجفوها ذوو الرحم أخشى فظاظة عمّ أو جفاء أخٍ ... وكنت أبقي عليها من أذى الكلم تهوى لقائي وأهوى موتها شفقاً ... والموت أكرم نزّالٍ (٣) على الحرم إذا تذكّرت بنتي حين تندبني ... فاضت لعبرة بنتي عبرتي بدم

стр. 163

٦٤ - (١) مجد الدين النشابي أسعد بن إبراهيم بن حسن الأجل مجد الدين النشابي الكاتب؛ ولد بإربل سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وكان في صباه نشاباً (٢) ثم تنقل في الجزيرة والشام. وولي كتابة الإنشاء لصاحب إربل، ونفذه رسولاً إلى الخليفة المستنصر فلما وقعت عينه على الخليفة قال: جلالة هيبة هذا المقام ... تحيّر عالم علم الكلام كأنّ المناجي به قائماً ... يناجي النبيّ ﵇ ثم إن مخدومه غضب عليه وحبسه، ثم إنه بعد موت صاحب إربل خدم ببغداد واختفى أيام التتار، فسلم، ثم مات في تلك السنة وهي سنة ست وخمسين وستمائة. ومن شعره في شرف الدين إبراهيم بن علي بن حرب لما ولي وزارة إربل: فرحنا وقلنا تولّى الوزير ... وأفلح ديواننا بالوزاره فما زادنا غير جاويشه ... وفي كتبنا كتبت بالإشاره ولما وقع بين الأخوين الكامل والأشرف، والكامل صاحب مصر والأشرف صاحب خلاط، ومال ملوك الشام والشرق إلى الكامل، وتحاملوا على الأشرف فقال مجد الدين: صاحب مصرٍ ثنى الملوك عن ال ... أشرف من كل مسعدٍ عون

стр. 164

واحتج كلٌّ به فقلت وهل ... يؤخذ موسى بذنب فرعون وله في شرف الدين المبارك (١) مستوفي إربل: إنّ المبارك فيه ... توقّفٌ ولجاجه صديقه أنت ما لم ... تعرض إليه بحاجه وله في صدر الدين ابن نبهان، وكان صديق عارض الجيش فعزل، ثم صار صدر الدين صورة وزير الأمير شجاع الدين العزي فتوفي، فاتصل صدر الدين بالملك فتح الدين، فخرج من بغداد مغاضباً، فقال: رجل ابن نبهان الأعرج شومها معلوم ... ما دار قط بأحد إلاّ لقي المحتوم قلع ملك وعزل عارض بهذا الشّوم ... وعاد حر وزعيمه مبعر أخت البوم ومن شعره: والأفق روضٌ زهره ... أمسى يفتّح لي كمامه قبضت به كف الثري ... افالهلال لها قلامه وأغن يشهد أنّ ري ... قته الطلا عود البشامه يصمي القلوب إذا رمى ... باللحظ يا ربّ السّلامه ومنه قوله: تقلد أمر الحسن فاستعبد الورى ... وراحت له الأفكار تنظم ديوانا وعامله ولّى على القلب ناظراً ... فأصبح لما حل بالقلب سلطانا غدا باحمرار الخدّ للحسن مالكاً ... ومن فيه أبدى للتبسّم رضوانا فأبدى لنا من ثغره ورضابه ... وعارضه راحاً وروحاً وريحانا رأى خدّه ميدان حسن وخاله ... به كرةً فاستعمل الصدغ جوكانا

стр. 165

أجل نظراً في خدّه يا معنّفي ... تجد فيه من إنسان عينك إنسانا ومنه أيضاً: والبرق يخفق في خلال سحابه ... خفق الفؤاد لموعدٍ من زائر وقال: يا لقومي قد جئتكم مستجيرا ... لا أرى منكم وليّاً نصيرا أنا ما بين عاذلٍ ورقيب ... منهما خلت منكراً ونكيرا بأبي شادنٌ تبدّى فأبدى ... من محيّاه بهجةً وسرورا وعذار في ذلك الخدّ أبدى ... ببها الحسن جنّةً وحريرا وثنايا كأنها من لجين ... قدّروها في ثغره تقديرا لا رعى الله يوم زمّوا المطايا ... إنّه كان شرّه مستطيرا أودعوا حين ودّعوا الصبّ وجدا ... وتناءوا والقلب يصلى سعيرا وأسالوا الدموع من نرجسٍ غ ... ضٍّ على الخدّ لؤلؤاً منثورا فغدا الصبّ يرتضي الحب دينا ... ويرى ناظر السّلوّ حسيرا وهدى قلبه السّبيل فإمّا ... صابراً شاكراً وإمّا كفورا صمّ سمعي عن الكلام كما صر ... ت بمدحي زنكي سميعاً بصيرا كم سقى سيفه شراباً حميما ... وسقى سيبه شراباً طهورا سرح الطّرف في ذراه ترى ث ... مّ نعيماً به وملكاً كبيرا لم ير النّازلون في ظلّه المع ... مور شمساً يوماً ولا زمهريرا ويبيح الطّعام والمال كم ع ... مّ يتيماً بزاده وأسيرا وأرانا نواله وسطاه ... فرأينا منه بشيراً نذيرا كلّ ساعٍ داعٍ له بدوام ال ... ملك ما زال سعيه مشكورا

стр. 166

٦٥ - (١) أسماء بن خارجة أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة الفزاري؛ أحد الأجواد من الطبقة الأولى من التابعين من الكوفة، كان قد ساد الناس بمكارم الأخلاق. حكى ابن عساكر قال: أتى الأخطل الشاعر إلى عبد الملك بن مروان في حمالات (٢) تحملها عن قومه، فأبى أن يعطيه شيئاً، فسألها بشر بن مروان أخا عبد الملك فقال كما قال عبد الملك، فأتى أسماء بن خارجة، فتحملها عنه جميعاً، فقال: إذا ما مات خارجة بن حصنٍ ... فلا مطرت على الأرض السماء ولا رجع البشير بغنم جيشٍ ... ولا حملت على الطّهر النساء فيومٌ منك خير من رجال ... كثير حولهم نعمٌ وشاء فبورك في بنيك وفي بنيهم ... وإن كثروا، ونحن لك الفداء وبلغ الشعر عبد الملك فقال: عرض بنا الخبيث في شعره. وحكى أبو اليقظان قال: دخل أسماء بن خارجة على عبد الملك بن مروان فقال له: بم سدت الناس؟ فقال: هو من غيري أحسن، فقال له: بلغني عنك خصال شريفة، وأنا أعزم عليك إلا ذكرت بعضها، فقال: أما إذ عزمت علي فنعم، فقال عبد الملك: هذه أولها، فقال أسماء: ما سألني أحد حاجة إلا ورأيت له الفضل علي، ولا دعوت أحداً (٣) إلى طعام إلا ورأيت له المنة علي، ولا جلس إلي رجل إلا ورأيت له الفضل علي، ولا قصدني أحد في حاجة

стр. 167

إلا وبالغت في قضائها، ولا شتمت أحداً قط، لأنه إنما يشتمني أحد رجلين: إما كريم فكانت منه هفوة فأنا أحق بعفوها، وإما لئيم فأصون عرضي منه، فقال له عبد الملك: حق لك أن تكون سيداً شريفاً. وقال الكلبي: خرج أسماء في أيام الربيع إلى ظاهر الكوفة فنزل في رياض معشبة، وهناك رجل من بني عبس نازل، فلما رأى قباب أسماء وخيامه قوض خيامه ليرحل، فقال له أسماء: ما شأنك؟ فقال: لي كلب هو أحب إلي من ولدي، وأخاف أن يؤذيكم فيقتله بعض غلمانكم، فقال له أسماء: أقم وأنا ضامن كلبك، ثم قال لغلمانه: إذا رأيتم كلبه قد ولغ في قدوري وقصاعي فلا تهيجوه، وأقام على ذلك مدة، ثم ارتحل أسماء ونزل في الروضة رجل من بني أسد، وجاء الكلب على عادته فضربه الأسدي فقتله، فجاء العبسي إلى أسماء فقال له: أنت قتلت كلبي، قال له: وكيف؟ قال: عودته عادة ذهب يرومها من غيرك فقتل، فأمر له بمائة ناقة دية الكلب. ولما أراد أسماء أن يهدي ابنته إلى زوجها قال لها: يا بنية، كوني لزوجك أمة يكن لك عبداً، ولا تدني منه فيملك، ولا تتباعدي عنه فيتغير عليك، وكوني له كما قلت لأمك: خذي العفو مني تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب فإني رأيت الحبّ في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب وقال الرياشي: قال أسماء بن خارجة لامرأته: اخضبي لحيتي، فقالت: إلى كم ترقع منك ما خلق؟ فقال: عيّرتني خلقاً أبليت جدّته ... وهل رأيت جديداً لم يعد خلقا كما لبست جديدي فالبسي خلقي ... فلا جديد لمن لم يلبس الخلقا وأسند أسماء عن علي بن أبي طالب وابن مسعود، وتوفي في سنة ست وستين وقيل: سنة اثنتين وثمانين، وهو ابن ثمانين سنة، رحمة الله عليه.

стр. 168

٦٦ - (١) تقي الدين بن أبي اليسر إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله ابن أبي المجد، مسند الشام، تقي الدين شرف الفضلاء أبو محمد التنوخي المعري الأصل الدمشقي؛ ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وتوفي سنة اثنتين وسبعين وستمائة. سمع من الخشوعي وعبد اللطيف وشيخ الشيوخ وابن عساكر والدولعي الخطيب وحنبل وابن طبرزد والكندي، وأجاز له جماعة (٢) . تفرد بأشياء كثيرة، وكان متميزاً في كتابة الإنشاء جيد النظم حسن القول، ديناً متصوناً، صحيح السماع، من بيت كتابة وجلالة، وكان جده كاتب الإنشاء لنور الدين، وكتب هو للناصر داود وولي بدمشق نظر البيمارستان وسمع ببغداد من الداهري والزبيدي وولي مشيخة أم الصالح ومشيخة الرواية بدار الحديث الأشرفية. روى عنه قاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى وابن العطار وابن تيمية وأخواه وابن أبي الفتح. سأله أبو حفص ابن أبي المعالي أن يحل أبيات ابن الرومي الزائية التي أولها: وحديثها السحر الحلال لو انّه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ودّ المحدّث أنها لم توجز

стр. 169

فقال: وحديثها الحديث لا كالحديث، عذب فهو الماء الزلال، وأسكر فأشبه العتيق الجريال، واستملي من غير ملل ولا ملال، وشغل عن غرر من واجب الأشغال، وجنى من قتل المسلم المتحرز ما ليس بحلال، وصادت بشركه النفوس، ومالت إلى وجهه الأعناق والرؤوس، فهو نزهة العيون وعقال العقول، والموجز الذي ود المحدث أن يطول: حديثٌ حديث الروض فتح نوره ... فن نوره قد زاد في السمع والبصر يخرّون للأذقان عند سماعه ... كأنهم من شيعةٍ وهو منتظر يلذّ به طول الحديث لسامر ... ولا يعتريه من إطالته ضجر به طرف للطّرف تجنى وعقلة ... لعاقل ركبٍ قد سبقن إلى سفر هي البدر فاسمع ما تقول فإنه ... غريبٌ وحدّ بالرواية عن قمر وكتب على لسان سيف الدين مقلد ابن الكامل بن شاور إلى الملك الأشرف وكان أبطأ عليه عطاؤه رقعةً مضمونها: يقبل الأرض بين يدي الملك الأشرف - أعز الله نصره، وشرح ببقائه نفس (١) الدهر وصدره وينهي أنه وصل إلى باب مولانا كما قال المتنبي: حتى وصلت بنفس مات أكثرها ... وليتني عشت منها بالذي فضلا ويرجو ما قاله في البيت الآخر: أرجو نداك ولا أخشى المطال به ... يا من إذا وهب الدنيا فقد بخلا فأعطاه صلة سنية وقرر له جامكية، وأحسن قراه، ورتب له ما كفاه. وكتب إلى القاضي بدر الدين السنجاري: لولا مواعيد آمالٍ أعيش بها ... لمتّ يا أهل هذا الحيّ من زمن وإنّما طرف آمالي به مرحٌ ... يجري بوعد الأماني مطلق الرّسن

стр. 170

ومن شعره: ليلي كشعر معذّبي ما أطوله ... أخفى الصباح بفرعه إذ أسبله قصصي بنمل عذاره مكتوبة ... يا حسن ما خطّ الجمال وأجمله والله لا أهملت لام عذاره ... يا عاذلي ما كلّ لامٍ مهمله اقرأ على قلبي سبا في حبّه ... والذّاريات لمدمع قد أهمله آيات تحريم الوصال أظنّها ... بطلاق أسباب الحياة مرتّله ثبت الغرام بحاكمٍ من حسنه ... وشهادة الألفاظ وهي معدّله إن أبعدته يد النوى عن ناظري ... فله بقلبي إن ترحّل منزله بالعاديات قد اغتدى عنّا ضحىً ... وبدا له في كلّ قلبٍ زلزله شمس النفوس لبينه قد كوّرت ... والنار في الأحشاء فيه مشعله وقال ﵀: ركبني دين فوق عشرة آلاف درهم، وبقيت في قلق، فرأيت والدي في النوم فشكوت له ثقل الدين، فقال: امدح النبي ﷺ ، فقلت: أعجز عن مدحه ﷺ ، فقال: امدحه يوفى دينك، فقلت وأنا نائم: أجد المقال وجدّ في طول المدى ... فعساك تظفر أو تنال المقصدا هي حلبة للمدح ليس يحوزها ... بالسبق إلاّ من أعين وأسعدا وانتبهت فأتممت القصيدة، فوفى الله ديني على تلك السنة. ومن شعره: يا أحمد إن فترة الأجفان ... نبّيت بها في آخر الأزمان والمعجز منك واضح البرهان ... تحيي بالوصل ميت الهجران

стр. 171

٦٧ - (١) الحمدوني إسماعيل بن إبراهيم بن حمدويه، أبو علي الحمدوني، وجده حمدويه صاحب الزنادقة على عهد الرشيد. قال المرزباني: بصري مليح الشعر حسن التضمين، اشتهر بقوله في طيلسان ابن حرب ابن أخي يزيد المهلبي وشاة سعيد، وكان يقول: أنا ابن قولي: يا ابن حربٍ كسوتتي طيلسانا ... ملّ من صحبة الزمان وصدّا طال ترداده إلى الرّفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدّى وله ويقال إنه أول شعر قاله فيه وقد قال فيه خمسين مقطوعاً: كساني ابن حربٍ طيلساناً كأنّه ... فتى ناحلٌ بالٍ من الوجد كالشّنّ تغنّى لإبراهيم لمّا لبسته ... ذهبت من الدنيا وقد ذهبت مني يريد إبراهيم بن المهدي، وهذا الشعر له وتتمته: ذهبت من الدنيا وقد ذهبت مني ... هوى الدهر بي عنها وولّى بها عني فإن أبك نفسي أبك نفساً نفيسةً ... وإن احتبسها أحتسبها على ضنّ ومن شعر الحمدوني في شاة سعيد: ما أرى إن ذبحت شاة سعيد ... حاصلاً في يديّ غير الإهاب ليس إلاّ عظماها لو تراها ... قلت: هذي أزايف في جراب من خساس الشاء اللّواتي إذا ما ... أبصروهنّ قيل: شاء النهاب

стр. 172

ستراهنّ كيف ينفضن في وج ... هـ المضحّي بهنّ يوم الحساب وقوله أيضاً فيها: أيا سعيد لنا في شاتك العبر ... جاء وما إن لها بولٌ ولا بعر وكيف تبعر شاةٌ عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان الماء والقمر لو أنها أبصرت في نومها علفاً ... غنّت له ودموع العين تنحدر: يا مانعي لذية الدنيا بأجمعها ... إنّي ليقنعني من وجهك النظر وقال فيها: أسعيد قد أعطيتني أضحيّةً ... مكثت زماناً عندكم ما تطعم نضواً تغامزت الكلاب بها وقد ... شدّوا (١) عليها كي تموت فيولموا فإذا الملا ضحكوا بها قالت لهم ... لا تهزؤوا بي وارحموني ترحموا مرت على علف فقامت لم ترم ... عنه وغنت والمدامع تسجم وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم (٢) وقال فيها: لسعيد شويهةٌ ... سلّها الضرّ والتلف قد تغنّت وأبصرت ... رجلاً حاملاً علف: بأبي من بكفّه ... برء دائي من الدنف فأتاها مطمّعاً ... فأتته لتعتلف فتولّى فأقبلت ... تتغنّى من الأسف: ليته لم يك وقف ... عذب القلب وانصرف وقال في الطيلسان الذي وهبه إياه ابن حرب (٣) :

стр. 173

يا طيلسان ابن حربٍ قد هممت بأن ... تودي بجسمي كما أودى بك الزمن ما فيك من ملبسٍ يغني ولا ثمنٍ ... قد أوهنت حيلي أركانك الوهن فلو تراني لدى الرفّاء مرتبطاً ... كأنّني في يديه الدهر مرتهن أقول حسين رآني النّاس ألزمه ... كأنّما لي في حانوته وطن من كان يسأل عنا أي منزلنا ... فالأقحوانة منّا منزلٌ قمن (١) وقال فيه: يا ابن حربٍ كسوتني طيلساناً ... أنحلته الأزمان فهو سقيم فإذا ما رفوته قال سبحا ... نك محيي العظام وهي رميم وقال فيه: قل لابن حرب طيلسانك قد ... أودى قواي بكثرة الغرم متبّينٌ فيه لمبصره ... آثار رفو أوائل الأمم فكأنه الخمر التي وصفت ... في يا شقيق النفس من حكم (٢) فإذا رممناه فقيل لنا ... قد صحّ، قال له البلى انهدم مثل السقيم بري فراجعه ... نكسٌ فأسلمه إلى سقم أنشدت حين طغى فأعجزني ... ومن العناء رياضة الهرم (٣) وقال فيه: طيلسانٌ لو كان لفظاً (٤) إذن ما ... شكّ قومٌ في أنّه بهتان فهو كالطيور إذ تجلى له الل ... هـ فدكّت قواه والأركان كم رفوناه إذ تمزق حتى ... بقي الرفو وانقضى الطيلسان

стр. 174

وقال فيه: طيلسانٌ لابن حربٍ جاءني ... خلعةً في يوم نحسٍ مستمر فإذا ما صحت فيه صيحةً ... تركته كهشيم (١) المحتظر وإذا ما الريح هبّت نحوه ... طيّرته كالجراد المنتشر مهطع الدّاعي إلى الرافي إذا ... ما رآه قال: ذا شيءٌ نكر فإذا رفاؤه حاول أن ... يتلافاه تعاطى فعقر وقال فيه: أيا طيلساني أعييت طبي ... أسلٌّ بجسمك أم داء حبٍّ ويا ريح صيرتني أتقيك ... وقد كنت لا أتقي أن تهبي ومستخبرٍ خبر الطيلسان ... فقلت له: الروح من أمر ربي وقال فيه: طيلسانٌ لابن حربٍ جاءني ... قد قضى التمزيق منه وطره أنا من خوفي عليه أبداً ... سامريٌّ ليس يألو حذره يا ابن حرب خذه أو فابعث بما ... نشتري عجلاً بصفرٍ عشره فلعلّ الله يحييه لنا ... إن ضربناه ببعض البقره فهو قد أدرك نوحاً فعسى ... قد حوى من علم نوح خبره أبداً يقرأ من يبصره ... أإذا كنّا عظاماً نخره وقال فيه: يا ابن حربٍ كسوتني طيلساناً ... يزرع الرّفو فيه وهو سباخ مات رفاؤه ومات بنوه ... وبدا الشيب في بنيهم وشاخوا وقال فيه:

стр. 175

يا ابن حرب أطلت فقري برفوي ... طيلساناً قد كنت عنه غنيّا فهو في الرفو آل فرعون فيا العر ... ض على النار بكرة وعشيا زرت فيه معاشراً فازدروني ... فتغنّيت إذ رأوني زريا: جئت في زيّ سائلٍ كي أراكم ... وعلى الباب قد وقفت مليّا وقيل إنه عمل في هذا الطيلسان مائتي مقطوع، وكان قد وقف على أبيات عملها أبو حمران السلمي في طيلسانه، وكان قد بلي، وهي: يا طيلسان أبي حمران قد برمت ... بك الحياة فما تلتذّ بالعمر في كلّ يومين رفّاءٌ يجدّده ... هيهات ينفع تجديدٌ مع الكبر إذا ارتداه لعيدٍ أو لجمعته ... تنكب الناس أن يبلى من النظر وذكرت ها هنا ما كتبه ناصر الدين ابن النقيل إلى السراج الوراق: لو فرّ بغلي من اصطبلي لقلت لمن ... يجري وراه تمهّل أيها الساري ففي زقاق سراج الدين موقفه ... أو ذلك الخطّ أو في حومة الدار وطيلسان ابن حرب قد سمعت به ... من طول بعث وترداد وتكرار فأجابه السراج: أفدي خطاك ولو كانت على بصري ... لكان في ذاك تشريفٌ بمقداري وإن دارك صان الله مالكها ... أعز عندي من أهلي ومن داري وطيلسان ابن حرب في تردّده ... قلبي إليك من الأشواق في نار إذا تمزق ألفاك الشّريّ له ... في رفو بالٍ وفي حوكٍ لأشعار

стр. 176

٦٨ - (١) شرف الدولة ابن منقذ إسماعيل بن سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، شرف الدولة أبو (٢) الفضل بن أبي العساكر الكناني الشيزري الأمير؛ كان فاضلاً شاعراً، وكان أبوه صاحب شيزر وابن صاحبها، فلما مات أبوه وليها أخوه تاج الدولة، وأقام هو تحت كنف أخيه إلى أن خربتها الزلزلة، ومات أخوه وطائفة تحت الردم، وتوه نور الدين فتسلمها، وكان إسماعيل غائباً عنها، فانتقل إلى دمشق؛ وكانت الزلزلة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. وأبوه عم مؤيد الدولة أسامة. ومات إسماعيل بدمشق سنة إحدى وستين وخمسمائة. ومن شعره: ومهفهف كتب الجمال بخده ... سطراً يحيّر ناظر المتأمل بالغت في استخراجه فوجدته ... لا رأي إلاّ رأي أهل الموصل وقال لغز (٣) في زنبور ونحلة: ومغردين ترنما في مجلسٍ ... فنفاهما لأذاهما الأقوام هذا يجود بما يجود بعكسه ... هذا، فيحمد ذا وذاك يذام ومن شعره: سقيت كاس الهوى علاًّ على نهلٍ ... فلا تزدني كأس اللوم والعذل نأى الحبيب فبي من نأيه حرقٌ ... لو لامست (٤) جبلاً هدّت قوى الجبل

стр. 177

ولو تطلّبت سلواناً لزدت هوىً ... وقد تزيد رسوباً نهضة الوحل عفت رسومي فعج نحوي لتندبني ... فالجسم (١) غبّ زيال الحب كالطل صحوت من قهوة تنفى الهموم بها ... لكنّني ثملٌ (٢) من طرفه الثمل أصبّر النفس عنه وهي قائلةٌ ... ما لي بعاديةٍ الأشواق من قبل كم ميتةٍ وحياةٍ ذقت طعمهما ... مذ ذقت طعم النوى لليأس والأمل والنفس إن خاطرت في غمرة وألت ... منها وإن خاطرت في الوجد لم تئل لها دروعٌ تقيها من سهام يدٍ ... فهل دروعٌ تقيها أسهم المقل فانظر إليه تر (٣) الأقمار في قمر ... وانظر إليّ تر العشّاق في رجل بأيّ أمرٍ سأنجو من هوى رشأ ... في جفنه سحر هاروت وسيف علي إذا رمى لحظه بالسّحر قال له ... قلبي: أعد لا رماك الله بالشلل إن خفت روعة هجران الحبيب فقد ... أمنت في حبّه من روعة العذل ٦٩ (٤) ابن عز القضاة إسماعيل بن علي بن محمد بن عبد الواحد بن أبي اليمن، فخر الدين المعروف بابن عز القضاة؛ كان في أول أمره كاتباً أديباً خدم في جهات كبار، وله دخول على الملك الناصر صاحب حلب مع الشعراء وأهل حضرته، فلما أن جفل الناس

стр. 178

من الشام إلى مصر أيام التتار توجه إلى مصر، وعاد بصورة عظيمة من الزهد والاعراض عن الدنيا، ولازم كتب الشيخ محيي الدين ابن العربي، نسخ منها جملة، وواظب (١) زيارة قبره، واشتهر بالخير واعتقد الناس فيه. وتوف سنة تسع وثمانين وستمائة، ولم يخلف شيء (٢) ، وفرغت نفقته ليلة مات، وتوفي بعقربا، وكانت له جنازة عظيمة، ودفن في تربة أولاد الزكي، وتلوا الناس على قبره ختمات كثيرة، وتفجع (٣) الناس عليه، ورؤيت له المنامات الصالحة. ومن شعره ما كتبه إلى الشيخ شرف الدين الرقي، وهو مجاور بمكة، شرفها الله تعالى: من الخادم إلى سيده وأخيه في الله إن ارتضاه، أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإني كنت أرجو بركة دعائه لما أظنه من عناية الله به، فكيف الآن وهو جار الله، فانضاف إلى عناية الله تعالى بسيدي عناية الوطن، وكان الخادم عند توجه الحاج نظم أبياتاً حسنة مشوقة إلى تقبيل الحجر المكرم، وها هي: أوفد الله أعطاكم قبولاً ... وكان لكم حفيظاً أجمعينا إن الرحمن أذكركم بأمري ... هناك فقبّلوا عنّي اليمينا فإنّي أرتجي منه جناناً ... لأنّ إليه في قلبي حنينا وأرجو لثم أيدٍ بايعته ... إذا عدتم بخيرٍ آمنينا فأجابه الشيخ شرف الدين: نعم أسعى على بصري ورأسي ... وألثم عنكم الركن اليمينا نعم وكرامةً وأطوف أيضاً ... ببيت الله ربّ العالمينا وأنت أخي وخلّي ثمّ عندي ... كريمٌ في إخائك ما بقينا

стр. 179

وأرجو أن نكون غداً جميعاً ... إلى وجه المهيمن ناظرينا ومن شعر ابن عز القضاة: لم أنت في ودّ الصديق تفرط ... ترضى بلا سببٍ عليه وتسخط يا من تلّون في الوداد أما ترى ... ورق الغصون إذا تلون يسقط وقال يصف شموعاً: وزهر شموعٍ إن مددن بنانها ... بمحو سطور الليل نابت عن البدر وفيهنّ كافوريّةٌ خلت أنها ... عمود صباح فوقه كوكب الفجر وصفراء تحك شاحباً شاب رأسه ... فأدمعها تجري على ضيعة العمر وخضراء يبدو وقدها فوق قدها ... كنرجسة تزهى على الغصن النضر ولا غرو أن تحكي الأزاهر حسنها ... أليس جناها النحل قدماً من الزهر وله أيضاً: وملتثم بالشّعر من فوق ثغره ... غدا قائلاً شبّهه لي بحياتي فقلت سترت الليل بالصبح قال لا ... ولكن سترت الدرّ بالظلمات وقال على طريقة الشيخ محيي الدين ابن العربي ﵁: يقولون دع ذكرى (١) بثينة كيف لي ... وقد ملكت قلبي بحسن اعتدالها ولكن إن اسطعتم تردّون ناظري ... إلى غيرها فالعين نصب جمالها وأُقسم ما عاينت في الكون صورةً ... لها الحسن إلاّ قلت طيف خيالها ومن لي بليلي العامريّة إنّما ... عظيم الغنى من نال وهم وصالها فما الشمس أدنى من يدي لامسٍ لها ... وليس السّها في بعد نقطة خالها ولكن دنت لطفاً له فتنزّلت ... على عزها في أوجها وجلالها وأبدت لنا مرآتها غيب حضرة ... غدت هي مجلاها وسرّ كمالها فحسبي فخراً أن نسبت لحبّها ... وحسبي قرباً أن خطرت ببالها

стр. 180

٧٠ - (١) العين زربي إسماعيل بن علي، العين زربي نسبة إلى عين زربة، ثغر بقرب المصيصة (٢) الشاعر، سكن دمشق ومات بها سنة ثمان وستين وأربعمائة، ﵀. ومن شعره: وحقكم لا زرتكم في دجنة ... من الليل تخفيني كأني سارق ولا زرت إلاّ والسيوف شواهرٌ ... عليّ وأطراف الرماح لواحق ومنه أيضاً: ألا يا حمام الأيك عشّك آهلٌ ... وغصنك ميّاد وإلفك حاضر أتبكي وما امتدت إليك يد النوى ... ببين ولم يذعر جنابك ذاعر وله أيضاً: أعينيّ لا تستبقيا فيض عبرة ... فإنّ النّوى كانت لذلك موعدا فلا تعجبا أن تمطر العين بعدهم ... فقد أبرق البين المشتّ وأرعدا ويومٍ كساه الغيم ثوباً مصندلاً ... فصاغت طرازيه يد البرق عسجدا كأنّ السما والرعد فيه تذكّرا ... هوىً لهما فاستعبرا وتنهّدا ذكرت به فياض كفك في الندى ... وأن كانتا أهمى وأبقى وأجودا ومنه أيضاً:
следующие страницы →