بحلب سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. ومن شعره:
برغمي أن أعنّف فيك (١) دهرا ... قليلا فكره بمعنّفيه
وأن أرعى النّجوم ولست فيها ... وأن أطأ التراب وأنت فيه ومنه أيضاً:
أرى نفسي تحدّثها (٢) الظنون ... بأن البين بعد غدّ يكون
وما ترك الفراق عليّ دمعاً ... يسحّ ولا تشحّ به الجفون
وجيش الصبر منهزمٌ فقل لي ... عليك بأيّ دمعٍ أستعين
كأني من حديث النفس عندي ... جهينة عندها الخبر اليقين ومنه أيضاً:
من صحّ قبلك في الورى (٣) ميثاقه ... حتى تصحّ، ومن وفى حتى تفي؟
عرف الهوى في الخلق مذ عرف الهوى ... بمذلّة الأقوى وعزّ الأضعف
يا من توقّد في الحشا بصدوده ... نارٌ بغير وصاله لا تنطفي وقال:
أموجبة الدعوى عليها ولا تفي ... وسامعة الشكوى إليها ولا تشكي
أظنّ الأسى والدمع لا يبقيان لي ... فؤاداً به أهوى وعيناً بها أبكي
стр. 107
٤٤ - (١)
ابن الخل
أحمد بن المبارك بن أحمد بن عبد الله بن الخل؛ ولد سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، ﵀؛ كان فاضلاً أديباً شاعراً، وهو أخو الفقيه ابن الخل شارح التنبيه؛ من شعره ذوبيت:
ساروا وأقام في فؤادي الكمد ... لم يلق كما لقيت منهم أحد
شوقٌ وجوى ونار وجدٍ تقد ... مالي جلدٌ، ضعفت، مالي جلد وله أيضاً:
هذا ولهي وقد كتمت الولها ... صوناً لحديث من هوى النفس لها
يا آخر محنتي ويا أوّلها ... آيات غرامي فيك من أوّلها (٢) وله في بعض الوعاظ:
ومن الشقاوة أنهم ركنوا إلى ... نزغات ذاك الأحمق النمّام (٣)
شيخٌ يبهرج دينه بنفاقه ... ونفاقه منهم على أقوام
وإذا رأى الكرسيّ تاه بأنفه ... أي أنّ هذا موطني (٤) ومقامي
ويدقّ صدراً ما انطوى إلاّ على ... غلٍّ يواريه بكفّ عظام
ويقول أيش أقول، من حصرٍ به ... لا لازدحام عبارةٍ وكلام
стр. 108
٤٥ - (١)
ابن خلكان
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان قاضي القضاة شمس الدين الإربلي الشافعي؛ ولد باربل سنة ثمان وستمائة، وسمع بها صحيح البخاري من ابن مكرم الصوفي، وأجاز له المؤيد الطوسي، وروى عنه البرزالي والمزي. وكان فاضلاً بارعاً متقناً عارفاً بالمذهب، حسن الفتاوي، بصيراً (٢) بالعربية، علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع حلو المذاكرة، وافر الحرمة، وصنف كتاب وفيات الأعيان وقد اشتهر كثيراً. وله مجاميع أدبية.
قدم الشام في شبيبته، وتفقه بالموصل على كمال الدين ابن يونس، وبحلب على بهاء الدين ابن شداد وغيرهما، ودخل مصر وسكنها وتأهل بها، وناب بها في القضاء عن بدر الدين السنجاري، ثم قدم الشام على القضاء في ذي الحجة سنة تسع وخمسين منفرداً بالأمر، ثم أقيم معه في القضاء سنة أربع وستين شمس الدين ابن عطا الحنفي وزين الدين عبد السلام الزواوي المالكي وشمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر الحنبلي، وكان الحنفي قبل ذلك نائباً للشافعي (٣) . ثم عزل عن القضاء سنة تسع وستين بالقاضي عز الدين ابن الصايغ، ثم عزل ابن
стр. 109
الصايغ بعد سبع سنين به، وقدم من مصر، فدخل دخولاً لم يدخله غيره مثله من الحكام، وكان يوماً مشهوداً، وجلس في منصب حكمه، وتكلم الشعراء، فقال الشيخ رشيد الدين الفارقي:
أنت في الشام مثل يوسف في مص؟ ... ر وعندي أن الكرام جناس
ولكلٍّ سبعٌ شداد وبعد الس؟ ... بع عام فيه يغاث الناس ثاني وقال سعد الدين الفارقي:
أذقت الشام سبع سنين جدباً ... غداة هجرته هجراً جميلاً
فلمّا زرته من أرض مصرٍ ... مددت عليه من كفيك نيلا وقال نور الدين ابن مصعب:
رأيت أهل الشآم طرّاً ... ما فيهم قطّ غير راض
نالهم الخير بعد شرٍّ ... فالوقت بسطٌ بلا انقباض
وعوّضوا فرحةً بحزن ... مذ أنصف الدهر في التقاضي
وسرهم بعد طول غم ... قدوم قاض وعزل قاضي
فكلهم شاكرٌ وشاكٍ ... بحال مستقبلٍ وماض وكان كريماً ممدحاً فيه ستر وعفو وحلم، وحكاياته في ذلك مشهورة؛ ثم عزل بابن الصايغ، وبقي في يده الأمينية والنجيبية إلى أن مات ﵀، سادس رجب سنة إحدى وثمانين وستمائة بالنجيبية جوار النورية، وشيعه الخلايق، ودفن بسفح قاسيون.
وكان وجيه الدين ابن سويد صاحبه وكان يسومه قضاء أشغال كثيرة، ويقضيها فحضر في بعض الأيام ورام منه أمراً متعذراً فاعتذر، فقال وجيه الدين: ما يكون الصاحب صاحباً حتى يعرق جبينه مع صاحبه في جهنم، فقال له ابن خلكان: يا وجيه الدين، صرنا معك قشل مشل (١) وما ترضى.
стр. 110
ويقال إنه عمل سيرة (١) للملك الظاهر، وأوصل نسبه بجنكزخان، فلما وقف عليه قال: هذا يصلح أن يكون وزيراً، اطلبوه، فطلبوه فبلغ الخبر الصاحب بهاء الدين ابن حنا، فسعى في القضية إلى أن أبطل ذلك، وناسى السلطان عليه، فبقي في القاهرة يركب كل يوم، ويقف في باب القرافة، ويمشي قدام الصاحب إلى أن يوصله إلى بيته، وافتقر حتى لم يبق له غير البغلة لركوبه، وكان له عبد يعمل بابا (٢) ويطعمه. وكان الشيخ بهاء الدين ابن النحاس يؤثره، والصاحب بهاء الدين لا يحنو عليه، حتى فاوضه الدوادار وقال له: إلى متى يبقى هذا على هذه الحالة؟ فجهز إلى دمشق على القضاء.
ولما كان بطالاً أمر له بدر الدين الخازن دار بألفي درهم ومائة إردب قمح فأبى من قبولها وقال: تجوع الحرة ولا تأكل بثديها، ولم يقبل وأصر على الامتناع مع الفاقة الشديدة (٣) .
وكان له ميل إلى بعض أولاد الملوك، وله فيه أشعار رائقة، يقال، إنه أول يوم زاره بسط له الطرحة، وقال له: ما عندي أعز من هذه، طأ عليها، ولما فشا أمرهما وعلم به أهله منعوه الركوب، فقال ابن خلكان:
يا سادتي إني قنعت وحقكم ... في حبّكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطفاً ... ورأيتهم هجري وفرط تجنّبي
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى ... يوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي ... ألقاه من كمدٍ إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالة ... لولاك لم يك حملها من مذهبي
ومن البليّة والرزيّة أنني ... أقضي وما تدري الذي قد حل بي
قسماً بوجهك وهو بدرٌ طالعٌ ... وبليل طرتك التي كالغيهب
стр. 111
وبقامة لك كالقضيب ركبت من ... أخطارها في الحب أعظم مركب
وبطيب مبسمك الشهيّ البارد ال ... عذب النمير اللؤلؤيّ الأشنب
لو لم أكن في رتبة أرعى لها ال ... عهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذّ لي ... خلع العذار ولجّ فيك مؤنبي
لكن خشيت بأن تقول عواذلي ... قد جنّ هذا الشيخ في هذا الصبي
فارحم فديتك حرقةً قد قاربت ... كشف القناع بحق ذيّاك النبي
لا تفضحنّ بحبّك الصبّ الذي ... جرعته في الحبّ أكدر مشرب قال القاضي جمال الدين عبد القاهر التبريزي وسيأتي ذكره إن شاء الله: كان الذي يهواه القاضي شمس الدين ابن خلكان الملك المسعود ابن الزاهر صاحب حماة، وكان قد تيمه حبه، وكنت أنا عنده في العادلية، فتحدثنا في بعض الليالي إلى أن راح الناس من عنده، فقال: نم أنت ها هنا، وألقى عليّ فروة (١) قرض وقام يدور حول البركة في بيت العادلية، ويكرر هذين البيتين، إلى أن أصبح، وتوضينا وصلينا، والبيتان المذكوران:
أنا والله هالكٌ ... آيسٌ من سلامتي
أو أرى القامة التي ... قد أقامت قيامتي ويقال: إنه سأل بعض أصحابه عما يقولوه (٢) أهل دمشق فيه فاستعفاه، فألح عليه فقال: يقولون: إنك تكذب في نسبك، وتأكل الحشيشة، وتحب الصبيان، فقال: أما النسب والكذب فيه فإذا كان لا بد منه كنت أنتسب إلى العباس، أو إلى علي بن أبي طالب، أو إلى أحد الصحابة، وأما النسب إلى قوم لم يبق لهم بقية، وأصلهم قوم مجوس، فما فيه فايدة، وأما الحشيشة فالكل ارتكاب محرم، وإذا كان ولا بد فكنت أشرب الخمر لأنه ألذ، وأما محبة
стр. 112
الغلمان فإلى غد أجيبك عن هذه المسألة.
وذكره الصاحب كمال الدين ابن العديم، ونسبه إلى البرامكة. ومن شعره أيضاً:
وسرب ظباء في غدير تخالهم ... بدوراً بأفق الماء تبدو وتغرب
يقول عذولي والغرام مصاحبي ... أما لك عن هذي الصبابة مذهب
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترى ... فقلت له: دعهم يخوضوا ويلعبوا وقال أيضاً:
كم قلت لما أطلعت وجناته ... حول الشقيق الغضّ روضة آس
أعذاره الساري العجول بخدّه ... ما في وقوفك ساعة من باس وقال أيضاً:
لمّا بدا العارض في خدّه ... بشّرت قلبي بالسلو المقيم
وقلت: هذا عارضٌ ممطر ... فجاءني فيه العذاب الأليم وقال أيضاً:
وما سرّ قلبي منذ شطّت بك النوى ... نعيمٌ ولا لهوٌ ولا متصرّف
ولا ذقت طعم الماء إلاّ وجدته ... سوى ذلك الماء الذي كنت أعرف
ولم أشهد اللذّات إلاّ تكلفا ... وأيّ سرور يقتضيه التكلّف وقال:
أحبابنا لو لقيتم في إقامتكم ... من الصبابة ما لاقيت في ظعني
لأصبح البحر من أنفاسكم يبساً ... والبر من أدمعي ينشق بالسفن وقال:
стр. 113
تمثّلتم لي والديار بعيدةٌ ... فخيل لي أن الفؤاد لكم مغنى
وناجاكم قلبي على البعد والنوى ... فأوحشتم لفظا وآنستم معنى وقال أيضاً:
انظر إلى عارضه فوقه ... لحاظه يرسل منها الحتوف
تعاين الجنّة في خدّه ... لكنها تحت ظلال السيوف وقال في ملاح أربعة يلقب أحدهم بالسيف:
ملاّك بلدتنا بالحسن أربعة ... بحسنهم في جميع الخلق قد فتكوا
تملكوا مهج العشّاق وافتتحوا ... بالسيف قلبي ولولا السيف ما ملكوا وقال:
ألا يا سائراً في قفر عمرٍ ... يقاسي في السّرى حزناً وسهلا
قطعت نقا المشيب وجزت عنه ... وما بعد النّقا إلاّ المصلى وقال:
أيّ ليلٍ على المحبّ أطاله ... سائق الظّعن يوم زمّ جماله
يزجر العيس طاوياً يقطع المه؟ ... مه عسفاً سهوله ورماله
أيها السّائق المجدّ ترفّق ... بالمطايا فقد سئمن الرحاله
وأنخها هنيهةً وأرحها ... قد براها فرط السرى والكلاله
لا تطل سيرها العنيف فقد برّ ... ح بالصّبّ في سراها الإطاله
قد تركتم وراءكم حلف وجدٍ ... بادياً في محلّكم إطلاله
يسأل الربع عن ظباء المصلّى ... ما على الربع لو أجاب سؤاله
ومحالٌ من المحيل جوابٌ ... غير أن الوقوف فيها علاله
هذه سنة المحبّين يبكو ... ن على كلّ منزل لا محاله
يا ديار الأحباب لا زالت الأد ... مع في ترب ساحتيك مُذاله
стр. 114
وتمشى النّسيم وهو عليلٌ ... في مغانيك ساحباً أذياله
أين عيش مضى لنا فيك ما أس؟ ... رع عنّا ذهابه وزواله
حيث وجه الشباب طلقٌ نضيرٌ ... والتصابي غضونه ميّاله
ولنا فيك طيب أوقات أنس ... ليتنا في المنام نلقى مثاله
وبأرجاء جوّك الرحب سربٌ ... كلّ عينٍ تراه تهوى جماله
من فتاةٍ بديعة الحسن ترنو ... من جفون لحاظها مغتاله
ورخيم الدّلال حلو المعاني ... تتثنّى أعطافه مختاله
ذو قوام تودّ كلّ غصون الب ... ان لو أنها تحاكي اعتداله
وجهه في الظلام بدر تمامٍ ... وعذاراه (١) حوله كالهاله
ظبية تبهر العيون جمالاً ... وغزال تغار منه الغزالة
يا خليلي إذا أتيت ربى الجز ... ع وعاينت روضه وظلاله
قف به ناشداً فؤادي فلي ثمّ ... فؤادٌ أخشى عليه ضلاله
وبأعلى الكثيب بيت أغضّ ... الطّرف عنه مهابةً وجلاله
كلّ من جئته لأسأل عنه ... أظهر العيّ غيرةً وتباله
أنا أدري به ولكنّ صوناً ... أتعامى عنه وأبدي جهاله
منزلٌ حبّه عليّ قديمٌ ... في زمان الصّبا وعصر البطاله
يا عريب الحمى اعذروني فإني ... ما تجنبت أرضكم عن ملاله
حاش لله غير أنّي أخشى ... من عدوّ يسيء فينا المقاله
فتأخرت عنكم قانعاً من ... طيفكم في المنام يهدي خياله
أتمنّى في النّوم زور خيالٍ ... والأماني أطماعها قتّاله
يا أهيل النّقا وحق ليالي الوص؟ ... ل ما صبوتي عليكم ضلاله
لي مذ غبتم عن العين نارٌ ... ليس تخبو وأدمعٌ هطّاله
стр. 115
فصلونا إن شئتم أو فصدّوا ... لا عدمناكم على كل حاله وقال:
يا ربّ إن العبد يخفي عيبه ... فاستر بحلمك ما بدا من عيبه
ولقد أتاك وما له من شافعٍ ... لذنوبه فاقبل شفاعة شيبه وقال:
أعديتني بالجوى يا فاتر المقل ... فصحّ وجدي على ما بي من العلل
وملت عني إلى الواشي فلا عجبٌ ... والغصن ما زال مطبوعاً على الميل
يا واحد الحسن عدني زورةً حلماً ... وها يدي إن نومي قد جفا مقلي
يا جيرةً بأعالي الخيف من إضمٍ ... خيّبتم بجفاكم في الهوى أملي
وملتم بجميل الصبر عن دنفٍ ... أجلّ ما يتمنى سرعة الأجل
تجري على الخد (١) مذ غبتم مدامعه ... وما عسى ينفع الباكي على طلل وقال أيضاً ﵀:
أيا غادراً خانت مواثيق عهده ... لقد جرت في حكم الغرام على الصبّ
وأقصيته من بعد أنسٍ وصحبةٍ ... وما هكذا فعل الأحبّة والصحب
فلله أيّامٌ تقضّت حميدةً ... بقربك واللّذات في المنزل الرحب
وإذ أنت في عيني ألذّ من الكرى ... وأشهى إلى قلبي من البارد العذب
فلهفي على ذاك الزمان الذي غدت ... عليه دموع العين دائمة السّكب
ومذ صرت ترضيني بقولٍ منمّقٍ ... وتظهر لي سلماً أشدّ من الحرب
ثنيت عناني عن هواك زهادةً ... وإن كنت في أعلى المراتب من قلبي
لأني رأيت القلب عندك ضائعاً ... تعذبه كيف اشتهيت بلا ذنب
ولم تحفظ الودّ الذي هو بيننا ... ولم ترع أسباب المودّة والحب
стр. 116
ولا أنت في قيد المحبّ إذا غدا ... تقلبه الأشواق جنباً إلى جنب
ولا أنت ممّن يرعوي لمقالتي ... فأشفي قلبي بالشّكيّة والعتب
ولا رمت منك القرب إلاّ جفوتني ... وأبعدتني حتى يئست من القرب
وأصغيت للواشي وصدقت قوله ... وضيّعت ما بيني وبينك بالكذب
فلم يبق لي والله فيك إرادةٌ ... كفاني الذي قاسيته فيك من عجب
ولا لي في حبيك ما عشت رغبةٌ ... أبى الله أن تسبي فؤادي أو تصبي
ومن ذا الذي يقوى على حمل بعض ما ... تجرعته بالذلّ من خلقك الصعب
فلا ترج منّي بعد ذا حسن صحبة ... فحسبي سلواً بعض ما قلته حسبي
فلا تعتبنّي قد قطعت مطامعي ... وخففت حتى في الرسائل والكتب وقال في المعنى:
أيا معرضاً عنّي بغير جنايةٍ ... أما تستحي من فرط تيهك والعجب
سلوتك فاصنع ما تشاء فإنّه ... محا كثرة التقبيح حبك من قلبي وقال أيضاً ذوبيت:
هذا الصلف الزائد في معناه ... قد حيرني فلست أدري ما هو
كم يحمل قلبي من تجنيك ولا ... يدري أحدٌ بذاك إلاّ الله وقال أيضاً:
في هامش خدك البديع القاني ... تصحيح غرام كلّ صبٍّ عاني
قد خرجها الباري فما ألطفها ... من حاشيةٍ بالقلم الريحاني وقال أيضاً:
يا سعد عساك تطرق الحي عساك ... قصداً فإذا رأيت من حلّ هناك
قل صبك ما زال به الوجد إلى ... أن مات غراماً أحسن الله عزاك
стр. 117
٤٦ - (١)
الزين كتاكت
أحمد بن محمد بن أحمد، أبو العباس الأندلسي الإشبيلي المعروف بزين الدين كتاكت المصري الواعظ؛ مولده سنة خمسة وستمائة، وتوفي بالقاهرة سنة أربع وثمانين وستمائة، وكان له معرفة بالأدب ﵀ (٢) ، فمن شعره:
حضروا فمذ نظروا جمالك غابوا ... والكلّ مذ سمعوا خطابك طابوا
فكأنّهم في جنّةٍ وعليهم ... من خمر حبك طافت الأكواب
يا سالب الألباب يا من حسنه ... لقلوبنا الوهّاب والنهاب
القرب منك لمن يحبك جنّة ... قد زخرفت والبعد منك عذاب
يا عامراً منّي الفؤاد بحبّه ... بيت العذول على هواك خراب
أنت الذي ناولتني كأس الهوى ... فإذا سكرت فما عليّ عتاب
وعلى النّقا حرمٌ لعلوة آمنٌ ... من حوله تتخطّف الألباب
لغريقها كيف الوصول ودونه ... نار لها بحشاشتي إلهاب قال أيضاً:
يا بارق الحيّ كرّر في حديثك لي ... تذكارهم وأعد روحي إلى بدني
وأنت يا دمع ما هذا الوقوف وقد ... جرى حديث الحمى النجديّ في أذني قال:
стр. 118
وقال:
أحن ولكن نحو ضمّ قوامه ... وأصبو ولكن نحو لثم لثامه
وأعشق ما لي نغمة (١) من حديثه ... تفرّج إلاّ من هموم غرامه وقال:
حلوتم أهل نعمان بقلبي ... فكلّ عذاب حبكم نعيم
وقد أصبحتم كنز الأماني ... فواجد غيركم عندي عديم وقال:
جواز الصبر (٢) في أذني محال ... وما للصبر في قلبي مجال
شغلتم كلّ جارحةٍ بحسن ... فليس لها بغيركم اشتغال
سقى الهضبات من نجدٍ سحابٌ ... ملثّ الغيث تحدوه الشمال
ولا برحت أثيلات المصلى ... ترف (٣) على منابتها الظلال
منازل جبرة ما كان أهنا ... بهم لي العيش لو جام الوصال
يهبّ نسيمها فأميل سكراً ... فهل هبّت شمول أم شمال ٤٧ (٤)
ابن الشريشي
أحمد بن محمد بن أحمد البكري المعروف بابن الشريشي، الشيخ كمال الدين
стр. 119
أبو العباس الشافعي وكيل بيت المال بدمشق، وشيخ دار الحديث الأشرفية، ومدرس الناصرية. ترشح لقضاء القضاة بالشام، وكان ذا هيبة (١) وشكل، مولده بسنجار سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وتوفي بدرب الحجاز بالكرك (٢) سنة ثمان عشرة وسبعمائة ﵀.
اشتهر عنه أنه كتب إلى بدر الدين ابن الدقاق ناظر أوقاف حلب:
مولاي بدر الدين صل مدنفا ... صيره حبّك مثل الخلال
لا تخش من عارٍ إذا زرتني ... فما يعاب البدر عند الكمال فلما بلغا صدر الدين ابن وكيل بيت المال قال:
يا بدر لا تسمع قول الكمال ... فكلّ ما نمّق زورٌ محال
فالنقص يعرو البدر في تمه ... وربما يخسف عند الكمال [فزار البدر المذكور ابن الشريشي، فلم يحفل به، فكتب:
إنّ كمال الدين إذ زرته ... أصلحه الله على كلّ حال
وجدت حظّي عنده ناقصاً ... فصح أنّ النقص عند الكمال] (٣) وكتب إلى ابن الرقاقي (٤) يستعفيه من وكالة بيت المال، وقد بلغه أنه سعى له فيها:
إلى بابك الميمون وجّهت آمالي ... وفي فضلك المعهود قصدي وإقبالي
وأنت الذي في الشام ما زال محسناً ... إليّ، وفي مصرٍ على كلّ أحوالي
أتتني أيادٍ منك في طيّ بعضها ... تملّك رقّ الحر بالثمن الغالي
وقمت بحقّ المكرمات وإنما ... هو الرزق لا يأتي بحيلة محتال
стр. 120
عليّ لكم أن أعمر العمر بالثنا ... وبالمدح مهما عشت من غير إخلال
وقد بقيت لي بعد ذلك حاجةٌ ... لها أنت مسئولٌ فلا تلغ تسآلي
أرحني من واو الوكالة عاطفاً ... عليّ بإحسانٍ بدأت وإفضال
وصن ماء وجهي عن مشاققة الورى ... فهذا على أرضٍ وهذا على مال
ولا تتأول في سؤالي تركها ... فوالله مالي نحوها وجه إقبال
ورزقي يأتيني وإنّي لقانع ... لراحة قلبي من زماني بإقلال
وحالي حالٍ بافتقارٍ يصونني ... ولبسي أسمالي مع العز أسمى لي
وتجبر وقتي كسرة الخبز وحدها ... وأرضى ببالي الثوب مع راحة البال
فهذي إليكم قصتي قد رفعتها ... لتغتنموا أجري، ورأيكم العالي فقطع ابن الرقاقي الأبيات كلها من الورقة، وأبق البيت الأخير، وكتب تحتها:
[رأينا] (١) العالي أن تعود إلى شغلك وعملك.
٤٨ - (٢)
الصنوبري الشاعر
أحمد بن محمد بن الحسن ابن مرار الضبي الحلبي المعروف بالصنوبري الشاعر؛ كان جده الحسن صاحب بيت الحكمة للمأمون، فتكلم بين يديه فأعجبه
стр. 121
كلامه وشكله فقال: إنك لصنوبري الشكل، فلزمه هذا اللقب. وتوفي الصنوبري الشاعر صاحب هذه الترجمة سنة أربع وثلاثين وثلثمائة. ومن شعره في الورد (١) :
زعم الورد أنه هو أبهى ... من جميع الأنوار والريحان
فأجابته أعين النرجس الغض ... بذلٍّ من فوقها وهوان
أيما أحسن التورّد أم مق ... لة ريم مريضة الأجفان
أم فماذا يرجوا بحمرته الخ ... د إذا لم يكن له عينان
فزها الورد ثم قال مجيباً ... بقياسٍ مستحسنٍ وبيان
إنّ ورد الخدود أحسن من عي؟ ... نٍ بها صفرة من اليرقان وله أيضاً (٢) :
أرأيت أحسن من عيون النرجس ... أم من تلاحظهنّ وسط المجلس
در تشقّق عن يواقيت على ... قضب الزمرد فوق بسط السندس
أجفان كافور حففن (٣) بأعينٍ ... من زعفرانٍ ناعمات الملمس
فكأنها أقمار ليل أحدقت ... بشموس أفق فوق غصن أملس وقال أيضاً (٤) :
يا ريم قومي الآن ويحك فانظري ... ما للرّبى قد أظهرت إعجابها
كانت محاسن وجهها محجوبة ... فالآن قد كشف الربيع حجابها
ورد بدا يحكي الخدود، ونرجس ... يحكي العيون إذا رأت أحبابها
ونبات باقلاء يشبه نوره ... بلق الحمام مشيلة أذنابها
والسّرو تحسبه العيون غوانيا ... قد شمّرت عن سوقها أثوابها
стр. 122
وكأنّ إحداهنّ من نفح الصبا ... خود تلاعب موهنا أترابها
لو كنت أملك للرّياض صيانةً ... يوماً لما وطىء اللئام ترابها وقوله أيضاً (١) :
خجل الورد حين لاحظه (٢) النر ... جس من حسنه وغار البهار
فعلت ذاك حمرة وعلت ذا ... حيرةٌ واعترى البهار اصفرار
وغدا الأقحوان يضحك عجباً ... عن ثنايا لثاتهنّ نضار
ثمّ نمّ النمام واستمع السو ... سن لما أذيعت الأسرار
عندها أبرز الشقيق خدوداً ... صار فيها من لطمه آثار
سكبت فوقها دموع من الطّ ... لّ كما تسكب الدموع الغزار
فاكتسى ذا البنفسج الغض أثوا ... ب حدادٍ إذ خانه الاصطبار
وأضر السقام بالياسمين ال؟ ... غض حتى أذابه الإضرار (٣)
ثمّ نادى الخيريّ في سائر الزه ... ر فوافاه جحفل جرار
فاستجاشوا على محاربة النر ... جس بالخرّم الذي (٤) لا يبار
فأتوا (٥) في جواشن سابغات ... تحت سجف من العجاج يثار
ثمّ لما رأيت ذا النرجس الغ ... ضّ ضعيفاً ما إن لديه انتصار
لم أزل أعمل التلطف للور ... د حذاراً أن يغلب النّوّار
فجمعناهم لدى مجلسٍ تص؟ ... خب فيه الأطيار والأوتار
لو ترى ذا وذا لقلت خدود ... تدمن اللحظ نحوها الأبصار
стр. 123
وله أيضاً (١) :
بدر غدا يشرب شمساً غدت ... وحدّها في الوصف من حدّه
تغرب في فيه ولكنّها ... من بعد ذا تطلع في خدّه وله أيضاً (٢) :
ولم أنس ما عاينته من جماله ... وقد زرت في بعض الليالي مصلاّه
ويقرأ في المحراب والنّاس خلفه ... " ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله "
فقلت: تأمّل ما تقول؛ فإنّه ... فعالك يا من تقتل الناس عيناه ٤٩ (٣)
قاضي القضاة ابن صصرى
أحمد بن محمد بن سالم بن الحافظ أبي المواهب بن صصرى، الشيخ الإمام العالم قاضي القضاة، نجم الدين أبو العباس الربعي التغلبي الدمشقي الشافعي؛ ولد سنة خمس وخمسين وستمائة، وحضر على الرشيد العطار والنجيب عبد اللطيف، وسمع من ابن عبد الدايم وابن أبي اليسر وجده لأمه المسلم بن علان، وتفقه على الشيخ تاج الدين، ودخل ديوان الإنشاء، ونظم ونثر، وشارك في فنون.
стр. 124
وكان فصيح العبارة، قادراً (١) على الحفظ، طويل الروح مسالماً محسناً إلى من أساء إليه. بلغه أن الشيخ صدر الدين نظم فيه بليقة (٢) ، فتحيل إلى أن وقعت بخطه في يده وسير خلف الشيخ صدر الدين، ووضع الورقة مفتوحة على مصلاه، فلما دخل الشيخ صدر الدين رأى الورقة وعرفها، وقاضي القضاة مشتغل عنه، فلما تحقق أن صدر الدين قد رأى الورقة وعرفها قال للطوشي: أحضر للشيخ ما عندك، فأحضر له بقجة قماش وصرة فيها ستمائة درهم، وقال: هذه جائزة تلك البليقة.
وكان يوماً قد توجه إلى صلاة الصبح بالجامع، فلما كان ببعض الطريق ضربه إنسان بمطرق رماه إلى الأرض، وظن أنه قد مات، فلما أفاق حضر إلى بيته وكان يقول: أعرفه وما أذكره لأحد.
وكان ينطوي على دين وتعبد، وله أموال وخدم، وهو من بيت حشمة.
وقيل إنه قال يوماً للشيخ صدر الدين: فرق ما بيننا أنني أشتغل على الشمع الكافوري، وأنتم على قناديل المدارس.
ودرس بالعادلية الصغرى والأمينية ثم بالغزالية، مع قضاء العسكر ومشيخة الشيوخ، ثم ولي قضاء القضاة سنة اثنتين وسبعمائة إلى أن مات ﵀. وأذن لجماعة في الفتوى، وقيل إنه لم يقدر أحد يدلس عليه قضية ولا يشهد زور (٣) ، وكان متحرياً في أحكامه بصيراً بقضاياها، وما سمع عنه أنه ارتشى (٤) في حكومة.
وتوفي بعد تعلل أصابه فجأة ببستانه في نصف شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وكان موته مفتاحاً لموت رؤساء دمشق وعلمائها.
ورثاه شعراء عصره، ورثاه المرحوم شهاب الدين محمود، ولشعراء زمانه فيه مدائح كثيرة.
стр. 125
ووجدت منسوباً إليه من الشعر:
ومذ خفيت عنّي بدور جمالهم ... غدا سقمي في حبهم وهو ظاهر
وقد بتّ ما لي في الغرام مسامرٌ ... سوى ذكرهم يا حبذاك المسامر
وإني على قرب الديار وبعدها ... مقيمٌ على عهد الأحبة صابر
ودمعي سريعٌ والتشوّق كامل ... ووجدي مديدٌ والتأسف وافر
ومالي أنصار سوى فيض أدمعي ... إذا بات من أهواه وهو مهاجر
أأحبابنا غبتم فغابت مسرّتي ... وأصبح حزني بعدكم وهو حاضر
وما القصد إلاّ أنتم ورضاكم ... وغير هواكم ما تسرّ السرائر
وما في فؤادي موضعٌ لسواكم ... ولا غيركم في خاطر القلب خاطر
وما راقني من بعدكم حسن منظرٍ ... ولا شاقني زاهٍ من الروض زاهر
وما كلفي بالدار إلاّ لأجلكم ... وإلاّ فما تغني الرسوم الدواثر
وما حاجرٌ إلاّ إذا كنتم بها ... إذا غبتم عنها فما هي حاجر ٥٠ (١)
شهاب الدين ابن غانم
أحمد بن محمد بن سلمان بن حمائل بن علي بن معلى بن طرف ابن أبي جميل بن جعفر بن موسى بن إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي الزينبي الجعفري، ابن بنت القدوة الشيخ غانم؛ إمام كاتب مترسل، نديم أخباري يتفيهق في كلامه، يستحضر من اللغة ومن شعر العرب شيئاً كثيراً،
стр. 126
ويحفظ شعر المعري؛ باشر الإنشاء بصفد وغزة وقلعة الروم وفي كل مكان له وقائع مع نواب ذلك وأوابد، ويخرج هارباً، وكتب قدام الصاحب شمس الدين غبريال، فاتفق أنه هرب مملوك الأمير شهاب الدين قرطاي، فظفر به الصاحب، وأمره أن يكتب على يده كتاباً إلى مخدومه يقول فيه: إنما هرب خوفاً منك، فكتب الكتاب، وجاء في المعنى المقصود، فقال: إذا خشن المقر حسن المفر، فلما وقف الصاحب على ذلك أنكره وقال: ما هذه مليحة، فطار عقل شهاب الدين، لأنه ظن أن ذلك يصادف موقعاً يهش له، فضرب الدواة بالأرض، وقال: ما أنا ملزوم بالقلف الغلف وخرج متوجهاً إلى اليمن وكتب لصاحبها، ثم خرج منها هارباً.
وكان خشن الملبس شظف (١) العيش مطرح الكلفة، يلبس البابوج والجمجم (٢) ، ويلف الطول المقصص (٣) الإسكندراني والقماش القصير. وكان حلو المعاشرة، ألف به القاضي فخر الدين ناظر الجيش واستكتبه في باب السلطان.
ولما مات فخر الدين رجع إلى الشام كاتب إنشاء، واختل (٤) قبل موته بسنتين.
وكان مولده سنة خمسين بمكة، شرفها الله تعالى، ووفاته بعد أخيه علاء الدين في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، ومات وله سبع وثمانون سنة تقريباً؛ وسمع من ابن عبد الدايم وقرأ على ابن مالك وعلى ولده بدر الدين وعلى مجد الدين ابن الظهير الإربلي.
وكان إذا أنشأ أطال فكره، ونتف شعر ذقنه، أو وضعه في فمه وقرضه بثناياه، ﵀.
فمن شعره:
стр. 127
والله ما أدعو على هاجري ... إلاّ بأن يمحن بالعشق
حتى يرى مقدار ما قد جرى ... منه وما قد تمّ في حقّي وله أيضاً:
يا حسنها من رياضٍ ... مثل النّضار نضاره
كالزّهر زهراً وعنها ... حسن (١) العبير عباره وله أيضاً:
بأبي صائغ مليح التّثنّي ... بقوامٍ يزري بخوط البان
أمسك الكلبتين يا صاح فاعجب ... لغزالٍ بكفّه كلبتان وله أيضاً:
طرفك هذا به فتور ... أضحى كقلبي به فتون
قد كنت لولاه في أمانٍ ... لله ما تفعل العيون وله أيضاً:
ما اعتكاف الفقيه أخذاً بأجرٍ ... بل لحكم قضى به رمضان
هو شهر تغلّ فيه الشياطي؟ ... ن ولا شك أنه شيطان وله أيضاً:
أيها اللائمي لأكلي كروشاً ... أتقنوها في غاية الإتقان
لا تلمني على الكروش فحبي ... وطني من دلائل (٢) الإيمان أخذ هذا المعنى من النصير الحمامي حيث قال:
رأيت شخصاً آكلاً كرشةً ... وهو أخو ذوقٍ وفيه فطن
стр. 128
وقال ما زلت محبّاً لها ... قلت من الإيمان حب الوطن وكان قد أضافه الملك الكامل، ولما خرج نسي جبّته عنده، فطلبها منه فمطله بها فكتب إليه:
يا ذا الذي أطعمني ... في بيته سبع لقم
ورام أخذ جبّتي ... هذا على الرطل بكم ولما كان قراسنقر نائباً بدمشق أمر أن يبيت كل ليلة بالقصر واحد من الموقعين، فنام ليلة الشيخ نجم الدين الصفدي، وكتب في حائط المكان الذي يبيتون فيه:
عذبت ليلة المبيت بقلبي ... فهي عندي مأمولة التوقيت فلما كانت الليلة الثانية نام الشيخ شهاب الدين ابن غانم، ورأى البيت فكتب تحته:
ليت شعري من بيّت الشيخ حتى ... راح يثني خيراً على التبييت وكتب إلى قاضي القضاة جمال الدين بن واصل، وقد أقعده عاقداً بحماة في مكتب فيه السيف ابن المغيزل:
مولاي قاضي القضاة يا من ... له على العبد ألف منّه
إليك أشكو قرين سوء ... بليت منه بألف محنه
شهرته بيننا اعتداء ... أغمده فالسيف سيف فتنه وكان ليلة في سماع فرقصوا ثم جلسوا، وقام من بينهم شخص وطال الحال في استماعه، وزاد الأمر وشهاب الدين ساكت مطرق، فقال له شخص: أيش بك مطرق كأنه يوحى إليك؟ فقال: نعم، قد أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن.
стр. 129
وكان يوماً عند صاحب حماة الملك المنصور وقد حضر السماط، وكان أكثره مرق، فقال شهاب الدين، لما قيل له الصلاة، بسم الله الرحمن الرحيم، نويت رفع الحدث واستباحة الصلاة، الله أكبر. وكان المظفر ولد المنصور يكره شهاب الدين فاغتنم الوقيعة فيه عند والده، فقال: اسمع ما يقوله ابن غانم، يهجن طعامنا ويشبهه بالماء الذي يرفع به الحدث، فعاتبه المنصور على ذلك فقال: ما قصدت ذلك، ولكن البسملة في بدء كل شيء مستحبة، والحدث الذي نويت رفعه حدث الجوع، واستباحة الصلاة في الأكل، قال: فما معنى الله أكبر، قال: على كل ثقيل، فاستحسن الملك ذلك وخلع عليه.
واجتمع ليلة عند كريم الدين الكبير في مولد بعلاء الدين ابن عبد الظاهر، فجاء إليه شخص وقال: معاوية الخادم يقصد الاجتماع بك، فقال: ويلك من يفارق علي (١) ويروح إلى معاوية؟.
كان شهاب الدين قد فارق أباه هو صغير، وتوجه إلى السماوة ونزل على الأمير حسين ابن خفاجة، وأقام عنده مدة يصلي به، وكان الوقت قريب العهد بخراب بغداد وقتل المستعصم وتشتت أهل بغداد في البلاد فظن به أنه ابن المستعصم واشتهر ذلك، واتصل بالملك الظاهر، فلم يزل في اجتهاد إلى أن أقدمه عليه لما أهمه من أمره، فلما حضر سأله: ابن من أنت؟ فقال: ابن شمس الدين ابن غانم، فطلب والده إلى القاهرة وحضرا بين يدي الملك الظاهر واعترف والده به، فقال: خذه فأخذه وتوجه به إلى دمشق.
وكان مع صاحب حماة قد خرج مرة إلى شجرات (٢) المعرة، وكان إذ ذاك في خدمة الملك الظاهر، وقد ضربت الوطاقات، وامتلأت الصحراء خياماً، فاحتاج شهاب الدين إلى الخلا، وما كان يرى الدخول إلى الخربشت (٣) ، فصعد
стр. 130
إلى شجرة تين ليتخلى، والملك المنصور يشاهده ولم يعلم ما يريد، فأرسل إليه شخصاً ليرى ما يصنع، فلما صار تحت الشجرة قال له: يا من في هذه الشجرة أطعمني من هذه التينة، فقال له: خذ، وسلح في وجهه، قال: ما هذا؟ قال: أطعمتك من التينة، فلما اطلع المنصور على القضية وقع مغشياً عليه من الضحك.
ومن شعره:
قالوا: ذؤابته مقصوصة حسداً ... فقلت: قاطعها للحسن صواغ
صدغان كان فؤادي هائماً بهما ... فكيف أسلو وكلّ الشعر أصداغ ٥١ (١)
ابن المدبر
أحمد بن محمد بن عبيد الله المدبر الكاتب أبو الحسن؛ كان أسن من أخيه إبراهيم - وقد تقدم ذكره (٢) -؛ تقلد أحمد ديوان الخراج والضياع للمتوكل ثم تمالأ عليه الكتاب فأخرجوه إلى الشام والياً فكسب بها مالاً عظيماً، ثم قتله أحمد ابن طولون في سنة سبعين ومائتين (٣) . وكان فاضلاً يصلح للقضاء، وللبحتري فيه مدائح. مات تحت العذاب، رحمه الله تعالى؛ وهو القائل:
أتصبر للدهر أم تجزع ... وماذا عسى جزعٌ ينفع
فأمّا تصابيك بالغانيات ... فولّى به الفاحم الأفرغ
стр. 131
غداة ابتدلت به حلةً ... من الشيب ناصعها يلمع
وقد كنت أزمان شرخ الشباب ... تصول مدلاًّ ولا تخشع
تطاع ويعصى لديك العذول ... ويصفو لك العيش والمربع (١) وكتب إليه أخوه إبراهيم يشكو حاله وهو محبوس (٢) فكتب إليه:
أبا إسحاق إن تكن اللّيالي ... عطفن عليك بالخطب الجسيم
فلم أر صرف هذا الدهر يجني ... بمكروهٍ على غير الكريم وقال أيضاً:
صباح الحبّ ليس له مساء ... وداء الحبّ ليس له دواء
ولي نفس تنفّسها اشتياق ... وعينٌ فيض عبرتها الدماء
وليلي والنّهار عليّ ممّا ... أقاسي فيهما أبداً سواء وقال المعتصم يوماً للفضل بن مروان، وقد أراد الخروج إلى القاطول: غلماني تحت السماء ما لهم شيء يكنهم، فابن لهم غداً أربعة آلاف بيت؛ فخرج مفكراً، فلقيه أحمد بن المدبر فسأله عن غمه فأخبره بقول المعتصم فقال: إنما أمرك أن تشتري لهم أربعة آلاف لباد (٣) ليستكنوا فيها، فاشترى لهم ما وجد وتقدم في عمل الباقي لمن بقي، فلما أصبح المعتصم ورآها على غلمانه قال للفضل: أحسنت، بهذا أمرتك.
وقيل إن أحمد بن المدبر قال: حبست في حبس لابن طولون ضيق، وفيه خلق وبعضنا على بعض، فحبس معنا أعرابي فلم يجد مكاناً يقعد فيه، فقال: يا قوم، لقد خفتت من كل شيء إلا أني ما خفت قط ألا يكون لي موضع في الأرض في الحبس أقعد فيه، ولا خطر ذلك ببال، فاستعيذوا بالله من حالنا.
стр. 132
وقال يموت بن المزرع: كان أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر لم يرضه شعره قال لغلامه: امض به إلى الجامع ولا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة، ثم خله؛ فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدون، فجاءه الجمل المصري واسمه حسين (١) فاستأذنه في النشيد فقال له: قد عرفت الشرط؟ قال: نعم، قال: فهات إذن؛ فأنشده:
أردنا في أبي حسنٍ مديحاً ... كما بالمدح تنتجع الولاة
فقلنا أكرم الثقلين طراً ... ومن كفّاه دجلة والفرات
فقالوا يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهنّ الصلاة
فقلت لهم وما يغني عيالي ... صلاتي إنما الشأن الزكاة
فيأمر لي بكسر الصاد منها ... فتضحي لي الصلاة هي الصِّلات فضحك ابن المدبر وقال: من أين لك هذا؟ قال: من قول أبي تمام الطائي:
هن الحمام فإن كسرت عيافةً ... من حائهنّ فإنهنّ حِمامُ فأعطاه مائة دينار، رحمهما الله تعالى، وعفا عنهم.
٥٢ - (٢)
سيف الدين السامري
أحمد بن محمد بن علي بن جعفر، الصدر الأديب الرئيس سيف الدين
стр. 133
السامري - بفتح الميم وتشديد الراء - نسبة إلى سامرا، نزيل دمشق؛ شيخ متميز متمول ظريف حلو المجالسة مطبوع النادرة جيد الشعر، طويل الباع في الهجو، من سروات الناس ببغداد، قدم الشام بأمواله وحظي عند الملك الناصر صاحب الشام وامتدحه، وعمل تلك الأرجوزة المشهورة بالسامرية التي أولها:
يا سائق العيس إلى الشّآم ... وقاطع الوهاد والآكام حط فيها على الكتاب وأغرى الناصر بمصادرتهم.
وكان مزاحاً كثير الهزل، لا يكاد يتحمل، مع أن الصاحب بهاء الدين ابن حنا صادره وأخذ منه نحو ثلاثين ألف دينار عندما قدم أخوه نور الدولة السامري من اليمن، ونكب في دولة المنصور، وطلبه الشجاعي إلى مصر، وأخذت منه حزرما وغيرها ومائتا (١) ألف درهم، وكان يسكن داره المليحة التي وقفها خانقاه ووقف عليها باقي أملاكه. وكانت وفاته سنة ست وتسعين وستمائة.
ومولده ... ؛ من شعره:
من سرّ من رّاء ومن أهلها ... عند اللطيف الخالق الباري
وأي شيء أنا حتى إذا ... أذنبت لا تغفر أوزاري
يا رب ما لي غير سبّ الورى ... أرجو به الفوز من النّار وكان قد سافر مع وجيه الدين ابن سويد إلى الموصل، فحضر المكاسة فعفوا عن جمال الوجيه، ومكسوا جمال السامري وأجحفوا به، فقال:
صحبت وجيه الدين في الدهر مرةً ... ليحمل أثقالي ويخفر أحمالي
فوزّنني عن كلّ حق وباطل ... وعن فرسي والبغل والجمل الخالي فبلغ ذلك صاحب الموصل فأطلق القفل بأجمعه.
стр. 134
وقال:
قبّح الله كلّ من بدمشقٍ ... من أصيحابنا سوى ابن سعيد
فهو مع شحّه وما يتعاطا ... هـ من اللُّؤم أصلح الموجود وقال يهجو خاله وخال أبيه:
إذا ما قيل من بالكرخ نذلٌ ... لئيم الأصل مذموم الفعال
أجبتهم إجابة لوذعيٍّ ... هما النّذلان خال أبي وخالي وكتب إلى نور الدين الإسعردي مع غلام حسن الصورة يأخذ له ورقة برواحه إلى مصر من والي دمشق، وكان النور كاتباً عنده:
أمولاي نور الدين عارض هذه ... بغير كلامٍ إن أردت ينام
فلا تخش أمراً إن خلوت ولطبه ... حلالاً فتأخير اللّياط حرام
وقد رام إطلاقاً إلى مصر فانهه ... فلي فيه وجدٌ زائد وغرام
ونجل الخطيب التاج نصر ينيكه ... إذا حلّ مصراً ليس فيه كلام
أغار على تلك الروادف أنها ... تذال لغيري لائط وتسام
وليس على المملوك إن غاب شخصه ... عن العين في أرض الشآم مقام
ومولاي من عهد التفقه شيخنا ... به نهتدي في الفسق وهو إمام
سقى الله أيام النظامية التي ... فسقنا بها والمنكرون نيام
نغازل فيها كلّ أحوى مهفهف ... يدار علينا من لماه مدام
من الغيد يحكي الخيزرانة قامةً ... على مثلها عذر المحبّ يقام
وإن علم المولى الوجيه محمد ... وعاتبني فيه فأنت تلام
وليس على المملوك بعد وصوله ... إليك وإيصال الجواب ملام فأجابه نور الدين الإسعردي يقول:
عجبت لسيف الدين كيف يجود لي ... بظبي له فيه هوىً وغرام
стр. 135
يميناً لقد بالغت فهي مروءة ... كعادتك الحسنى ولست تلام
فلا تخش من نصر فليس بضائر ... إذا ما تراضوا ما عليك أثام
وذكرتني عهد النظاميّة الذي ... أفاد المنى والمنكرون نيام
ولم أنس بالمستنصريّة أنسنا ... على الأنس في دار السلام سلام
سقى نهر عيسى والمحول والحمى ال؟ ... رصافيّ والكرخ المنيع غمام
وعيشك ما ذكري لعيشي بها أسىً ... ووجد ولا بي لوعة وغرام
ولكنّ لي قلباً له أريحيّة ... وذكر لمن فارقته وذمام ومن شعر سيف الدين السامري:
أترى وميض البارق الخفاق ... يهدي إلى أهل الحمى أشواقي
ولعلّ أنفاس النسيم إذا سرى ... يحكي تحيّة مغرم مشتاق
أحبابنا ما آن بعد فراقكم ... أن تسمحوا لمحبكم بتلاق
بنتم فضنّت بالرقاد نواظري ... أسفاً وجادت بالدّموع مآقي
أجريت من جفني على أطلالكم ... دمعاً غدا وقفاً على الإطلاق
أتراكم ترعون صبّاً رعتم ... أحشاءه بقطيعةٍ وفراق
بين الدّموع وحرّ نار جوانحي ... عذّبت بالإغراق والإحراق
بالله يا ريح الشّمال تحمّلي ... واقري سلام الواله المشتاق
وإذا مررت على الدّيار فبلّغي ... أهل الكثيب بكلّ ما أنا لاقي
فهناك لي رشأ أغنّ مهفهفٌ ... يصمي القلوب بأسهم الأحداق
متمنّعٌ من قدّه بمثقّف ... ومن الجفون بأسهمٍ ورقاق
فإذا انثنى فضح القنا وإذا رنا ... سفكت لواحظه دما العشاق
ويزين غصن القدّ منه شعره ... وكذا الغصون تزان بالأوراق ومن شعره في ابن المقدسي لما حبس بالعذراوية (١) :
стр. 136
ورد البشير بما أقرّ الأعينا ... فشفى الصدور وبلّغ الناس المنى
واستبشروا وتزايدت أفراحهم ... فالخلق مشتركون في هذا الهنا
ثبتت مخازي ابن القتيلة عند من ... وجدت لديه في الخيانة والخنا
بشهادة الستر الرفيع وقولها ... من غير واسطة لسلطان الدنا
وبنى البناء بلا أساسٍ ثابتٍ ... فانهار ما شاد النكيح وما بنى
وتقدّم الأمر الشريف بأخذ ما ... نهب اللعين من البلاد وما اقتنى
يا سيد الأمراء يا شمس الهدى ... يا ماضي العزمات يا رحب الفنا
يا من له عزمٌ وجأشٌ ثابتٌ ... يغنيه عن حمل الصوارم والقنا
عجّل بذبح العلق وادفنه وما ... من حقّ علقٍ مثله أن يدفنا
واغلظ عليه ولا ترقّ، وكل ما ... يلقى بما كسبت يداه وما جنى
فلكم يتيم مدقع ويتيمة ... من جوره ماتا على فرش الضنى
ولكم غنيّ ظلّ في أيامه ... مسترفداً (١) للناس من بعد الغنى
إن أنكر العلق القطيم فعاله ... بالمسلمين فأوّل القتلى أنا ولما عدل القاضي صدر الدين ابن سني الدولة جمال الدين ابن اليزدي، وخلع عليه خلعة بطيلسان، وأحضره مجلسه مع العدول وأشهد (٢) عليه، قال السامري:
طاب شرب المدام في رمضان ... واصطفاق العيدان عند الأذان
والزنا واللواط في حرم الل؟ ... هـ وترك الصلاة بالقرآن
منذ صار اليزديّ في سكك الشا ... م يطوف الحانات بالطيلسان
وإذا صارت العدالة في الفس؟ ... اق واللاّئطين بالمردان
فجديرٌ بأن أكون نبياً ... ويكون الصديق لي التلمساني
يا عدول الشآم قد سمح القا ... ضي لأصحابه بنيل الأماني
стр. 137
قامروا واشربوا وقودوا ولوطوا ... وافسقوا والحدوا إذن بأمان
وارفعوا عنكم التستر بالفس؟ ... ق فلا حاجةٌ إلى كتمان قال: فلما بلغت الأبيات القاضي صدر الدين عز عليه، وأعرض عن اليزدي ومنعه من الشهادة، فحضر اليزدي إلى سيف الدين السامري، ودخل عليه. ولا زال به إلى أن عمل:
قل لقاضي القضاة أيده الل؟ ... هـ ولا زال للجماعة ظلاّ
قد تصدّقت بالعدالة حوشي؟ ... ت بقول الأغراض إن يقض عدلا
ولئن أجمعوا على فسق ذاك الشي؟ ... خ والبائس الذي قلّ عقلا
عدلوا عن طرائق العدل فيه ... ورموه بالزور والإفك نقلا
نبزوه بقلّة الدين والخي؟ ... ر وترك الصلاة ظلماً وجهلا
وإذا لاط أو زنى وهو شاب ... ما عليه عارٌ إذا صار كهلا
وجهه في مجالس الحكم يجزي ... من رآه بشراً وكيساً وفضلا
إن تحلّى بالطّيلسان فبالح ... قّ جدير بمثله يتحلّى
كل من كان شاهداً بمحال ... أو بزور لما تولّى تولّى
وكذا لم يزل لكلّ اجتماع ... بين خلين بالتجمع أهلا وكتب إلى طوغان وأسندمر، ولكل منهما أستادار يسمى العلم سنجر ونائب البر يسمى الشجاع همام:
اسم الولاية للأمير وما له ... فيها سوى الأوزار والآثام
وجباية (١) القتلى وكل مصيبةٍ ... تجبى منافعها إلى همام
سيفان قد وليا وكلٌّ منهما ... ماضي العزائم دائم الإقدام (٢)
стр. 138
وبباب كلٍّ منهما علم ينكِّ؟ ... ل ما يجود به من الإنعام (١)
ما الناس عندهما بناسٍ لا ولا ... يريان هاذ الناس كالأنعام
وقد استحلاّ منهم ما لم يزل ... من مالهم ودمائهم بحرام
فمتى أرى الدنيا بغير سناجرٍ ... والقطع والتنكيس للأعلام ٥٣ (٢)
المستعين
أحمد بن محمد بن هارون، أمير المؤمنين أبو العباس المستعين ابن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور؛ ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين، وبويع في ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين عند موت المنتصر ابن المتوكل، واستقام له الأمر، واستوزر أبا موسى أوتامش بإشارة شجاع بن القاسم ثم قتلهما، ثم استوزر صالح ابن شيرزاد، فلما قتل وصيف وبغا باغراً (٣) التركي الذي قتل المتوكل تعصب الموالي وتنكروا له، فخاف وانحدر من سامرا إلى بغداد، فأخرجوا المعتز بالله من الحبس وبايعوه وخلعوا المستعين. ثم إن المعتز جهز أخاه أحمد لحرب المستعين واستعد المستعين للحصار، وتجرد أهل بغداد للقتال، ودام أشهراً (٤) ، وغلت الأسعار ببغداد، ودام البلاء، وصاح أهل بغداد: الجوع، فانحل أمر المستعين، فانتقل إلى الرصافة وانحل أمره وخلع نفسه، وانحدر إلى واسط تحت الحوطة وأقام
стр. 139
بها محبوساً، ثم إنه رد إلى سامرا فقتل بقادسيتها في ثالث شوال سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وله أحد وثلاثون سنة.
وكان مربوع القامة أحمر الوجه خفيف العارضين حسن الوجه والجسم، بوجهه أثر جدري، وكان يلثغ بالسين فيجعلها ثاء، وكان مسرفاً مبذراً للخزائن ويقال إنه قيل له: اختر أي بلد تكون فيه، فاختار واسط، فلما أحدروه لها قال له في السفينة بعض أصحابه: لأي شيء اخترتها وهي شديدة الحر؟ فقال: ما هي بأحر من فقد الخلافة.
وأورد له المرزباني في معجم الشعراء لما خلع (١) :
أستعين الله في أم؟ ... ري على كل العباد
وبه أدفع عنّي ... كيد باغٍ ومعادي وأورد له صاحب المرآة:
أحببت ظبياً ثمين ... كأنّه غثن تين
بالله يا عالمين ... ما في الثما مثلمين
من لامني في هواه ... لوّثته بالعجين قلت يريد:
أحببت ظبياً سمين ... كأنه غصن تين
بالله يا عالمين ... ما في السما مسلمين قلت: ولا في الأرض، لأنهم اتخذوك خليفة.
وقيل إنه كان يأمر المغنين أن يغنوه بهذا الشعر وأشباهه، فيتضاحكون
стр. 140
ويتغامزون عليه. وصنع يوماً هذين البيتين:
شربت كأساً أذهبت ... عن ناظريّ الخمرا
فنشّطتني ولقد ... كنت حزيناً خاسرا (١) ثم قال: أجيزوهما، فقال أحدهم:
هذا خرا هذا خرا ... هذا خرا هذا خرا وكان للطف أخلاقه يحتمل ذلك منهم.
وقال لهم يوماً وأومأ بيده إلى الباب: أي شيء تصحيف باب؟ فقالوا: لا ندري، فقال: لم لا تقولوا باب (٢) ؟ فيقولون: بسم الله عليك، ويقول: أي شيء تصحيف مخدة؟ ويضع يده عليها، فيقولون: لا نعلم، فيقول: لم لا تقولون: مخدة فيقولون: بسم الله عليك!
وكان السبب في توليته الخلافة أن الأتراك لما قتلوا المستنصر خافوا من تولية الخلافة لأحد أولاد المتوكل فيأخذ بثأر أبيه وأخيه، فولوا المستعين، وكان خاملاً يرتزق بالنسخ، ولما جاءه الأمر بغتة من غير تطلع إليه قال:
جاء لطف الله بالأمر الذي لا أرتجيه ... فعليّ اليوم أن أقضي حقّ الله فيه ... وأعداؤه رووا أنه قال: حق الشرب فيه، رحمه الله تعالى وإيانا بمنه وكرمه.
стр. 141
٥٤ - (١)
ابن الحلاوي الشاعر
أحمد بن محمد بن أبي الوفا بن الخطاب بن الهزبر، الأديب الكبير شرف الدين أبو الطيب بن الحلاوي الربعي، الشاعر الموصلي؛ ولد سنة ثلاث وستمائة، وقال الشعر الجيد الفائق ومدح الخلفاء والملوك، وكان في خدمة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وكان من ملاح الموصل، وفيه لطف وظرف وحسن عشرة وخفة روح، وله القصائد الطنانة التي رواها الدمياطي عنه في معجمه؛ توفي سنة ست وخمسين وستمائة؛ فمما رواه الشيخ شرف الدمياطي له رحمه الله تعالى:
حكاه من الغصن الرطيب وريقه ... وما الخمر إلاّ وجنتاه وريقه
هلالٌ ولكن أفق قلبي محلّه ... غزالٌ ولكن سفح عيني عقيقه
وأسمر يحكي الأسمر اللّدن قدّه ... غدا راشقاً قلب المحب رشيقه
على خدّه جمر من الحسن مضرمٌ ... يشبّ ولكن في فؤادي حريقه
أقرّ له من كلّ حسنٍ جليله ... ووافقه من كلّ معنىً دقيقه
بديع التثنّي راح قلبي أسيره ... على أنّ دمعي في الغرام طليقه
على سالفيه للعذار جديده (٢) ... وفي شفتيه للسّلاف عتيقه
يهدد منه الطرف من ليس خصمه ... ويسكر منه الريق من لا يذيقه
على مثله يستحسن الصبّ هتكه ... وفي حبه يجفو الصديق صديقه
من الترك لا يصبيه وجدٌ إلى الحمى ... ولا ذكر بانات الغوير تشوقه
стр. 142
ولا حلّ في حيّ تلوح قبابه ... ولا سار في ركب يساق وسوقه (١)
ولا بات صبّاً بالفريق وأهله ... ولكن إلى خاقان يعزى فريقه
له مبسمٌ ينسي المدام بريقه ... ويخجل نوار الأقاحي بريقه
تداويت من حرّ الغرام ببرده ... فأضرم من حرّ الحريق رحيقه
إذا خفق البرق اليمانيّ موهناً ... تذكره قلبي فزاد خفوقه
حكى وجهه بدر السّماء فلو بدا ... مع البدر قال الناس: هذا شقيقه
رآني خيالاً حين وافى خياله ... فأطرق من فرط الحياء طروقه
وأشبهت منه الخصر سقماً فقد غدا ... يحمّلني كالخصر ما لا أطيقه
فما بال قلبي كلّ حب يهيجه ... وحتّام طرفي كلّ حسن يشوقه
فهذا ليوم البين لم تطف ناره ... وهذا فبعد البعد ما جفّ موقه
ولله قلبي ما أشدّ عفافه ... وإن كان طرفي مستمراً (٢) فسوقه
أرى الناس أضحوا جاهلية حبّه ... فما باله عن كلّ صبّ يعوقه
فما فاز إلاّ من يبيت صبوحه ... مدام ثناياه ومنها غبوقه وقال أيضاً:
أأُلقى من صدودك (٣) في جحيم ... وثغرك كالصّراط المستقيم
وأسهرني لديك رقيم خدّ ... فواعجبا أأسهر بالرقيم منها:
وحتّام البكاء بكلّ رسم ... كأنّ عليّ رسماً للرسوم واجتمعوا في بعض الأيام عند شخص يلقب بالشمس، فقالوا له: أطعمنا شي فامتنع، فقال بعضهم:
الطامع في منال قرص الشمس ...
стр. 143
فقال ابن الحلاوي:
كالطامع في منال قرص الشمس ... وأنشده بعض الأفاضل لغزاً في شبابة:
وناطقة خرساء بادٍ شحوبها ... تكنفها عشرٌ وعنهنّ تخبر
يلذّ إلى الأسماع رجع حديثها ... " إذا سدّ منها منخرٌ جاش منخر " (١) فأجابه في الوقت:
نهاني والنهى والشيب عن وصل مثلها ... " وكم مثلها فارقتها وهي تصفر " (٢) وسئل أن ينظم أبياتاً تكتب على مشط للملك العزيز محمد صاحب حلب، فقال:
حللت من الملك العزيز براحةٍ ... غدا لثمها عندي أجلّ الفرائض
وأصبحت مفترّ الثنايا لأنّني ... حللت بكفّ بحرها غير غائض
وقبلت سامي كفه بعد خده ... فلم أخل في الحالين من لثم عارض وقال، وهو مشهور عنه:
جاء غلامي وشكا ... أمر كميتي وبكى
وقال لي لا ش؟ ... ك برذونك قد تشبكا
قد سقته اليوم فما ... مشى ولا تحركا
فقلت من غيظي له ... مجاوباً لما حكى
تريد أن تخدعني ... وأنت أصل المشتكى
ابن الحلاويّ أنا ... خلّ الرياء والبكا
стр. 144
ولا تخادعني ودع ... حديثك المعلّكا
لو أنّه مسيّرٌ ... لما غدا مشبكا
فمذ رأى حلاوة ال؟ ... ألفاظ منّي ضحكا وكتب إلى القاضي محيي الدين ابن الزكي يصف خطه:
كتبت فلولا أنّ هذا محلّلٌ ... وذاك حرامٌ قست خطك بالسّحر
فوالله ما أدري أزهر خميلةٍ ... بطرسك أم درٌّ يلوح على نحر
فإن كان زهراً فهو صنع سحابةٍ ... وإن كان درّاً فهو من لجّة البحر وقال يمدح الملك الناصر داود صاحب الكرك:
أحيا بموعده قتيل وعيده ... رشأ يشوب وصاله بصدوده
قمرٌ يفوق على الغزالة وجهه ... وعلى الغزال بمقلتيه وجيده
يا ليته يعد الصدود فإنّه ... ما زال ذا لهج بخلف وعوده
يفترّ عن عذب الرضاب، حياتنا ... في ورده والموت دون وروده
بردٌ يذيب ولا يذوب وإنّما ... أدنى زفير الوجد عذب بروده
لم أنسه إذ جاء يسحب برده ... والليل يخطر في فضول بروده
والصبح مأسورٌ أجدّ لأسره ... جنح الظلام تأسفاً لفقيده
واللّيل يرفل في ثياب حداده ... والصبح يرسف في فضول حديده
ولذاك لم تنم الجفون مخافةً ... من أن يعاني الصبح فكّ قيوده
بمدامة صفراء يحمل شمسها ... بدر يغير البدر عند سعوده
كأسٌ كأن مدامها من ريقه ... وحبابها من ثغره وعقوده
ما زال يرشفنا شقيقة ريقه ... طيباً ويلثمنا شقيق خدوده
حتى تحكم في النجوم نعاسها ... والتذّ كلّ مسهدٍ بهجوده
ورأى الصباح تخلصاً من أسره ... فأتى يكرّ على الدجى بعموده
قمرٌ أطاع الحسن سنّة وجهه ... حتى كأن الحسن بعض عبيده
стр. 145
أنا في الغرام شهيده ما ضرّه ... لو أنّ جنّة وصله لشهيده وقال أيضاً:
تبدى له في الخد من تبّتٍ خطّ ... وأخجل منه القدّ ما ينبت الخط
ولم ندر لما هزّ عامل قده ... وصارم جفنيه بأيهما يسطو
رحيقيّ ثغر بابليّ لواحظٍ ... له سالف كالورد بالمسك مختط
من الترك لا وادي الأراك محلّه ... ولا داره رمل المصلّى ولا السقط
كليث الشّرى في الحرب بأساً وسطوةً ... وفي السّلم كالظبي الغرير إذا يعطو
يخفّ به لين المعاطف مائساً ... فيمنعه ثقل الروادف أن يخطو
حمى ثغره من مشرف القد عاملٌ ... له ناظرٌ ما العدل في شرعه شرط
له حاجبٌ كالنون خطّ ابن مقلةٍ ... يزيّنها للخال في خده نقط
فللبدر ما يثني عليه لثامه ... وللغصن منه ما حرى ذلك المرط
يقولون يحكي البدر في الحسن وجهه ... وبدر الدجى عن ذلك الحسن منحط
كما شبّهوا غصن النقا بقوامه ... لقد بالغوا بالمدح للغصن واشتطوا ولما توجه بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إلى العجم للاجتماع بهولاكو كان ابن الحلاوي معه، فمرض بتبريز، وتوفي بها، وقيل بسلماس، وهو في حدود الستين من عمره.
ومن شعره أيضاً:
لحاظ عينيك فاتنات ... جفونها الوطف فاترات
فرّق بيني وبين صبري ... منك ثنايا مفرقات
يا حسناً صدّه قبيح ... فجمع شملي به شتات
قد كنت لي واحداً ولكن ... عداك عن وصلي العداة
إن لم يكن منك لي وفاءٌ ... دنت بهجرانك الوفاة
حيّات صدغيك قاتلاتٌ ... فما لملسوعها حياة