← Тараджим

Тараджим · id 1003

فوات الوفيات

ابن شاكر الكتبي

Полный текст (1 731 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

يراع لأن مهجته يراع ... له في الجوف من خوف صفير يحور إلى يمين من شمال ... وما يعيا بذا لكن يخور غدا يسعى بأربعة سراع ... وليس لمشيه بهم نظير يخالف بين رجليه فيجري ... وترفعه يداه فيستطير له نول يسير لكل حي ... وميت منه إحسان كثير إذا أسدى إليه الخير مسد ... جزاه عليه وهو بذا قدير كذاك صفاتك الحسنى ولكن ... بدأت تطولاً وبنا قصور فغفراً ثم ستراً ثم قصراً ... فأين الثمد والبحر الغزير توفي جمال الدين المذكور رحمه الله تعالى " ... " (١) . ٥٨٩ - (٢) مهمندار العرب يوسف بن سيف الدولة بن زماخ بالزاي والميم المشددة والخاء المعجمة بعد الألف الحمداني المهمندار؛ شيخ متجند، قال الشيخ أثير الدين: أنشدني بدر الدين المهمندار المذكور لنفسه: وليلة مثل عين الظبي وهي معي ... قطعتها آمناً من يقظة الرقبا أردفته فوق دهم الليل مختفياً ... والصبح يركض خلفي خيله الشهبا حتى دهاني وعين الشمس فاترة ... وقد جذبت بذيل الليل ما انجذبا

стр. 1682

ما هي بأول عادات الصباح معي ... ليل الشباب بصبح الشيب كم هربا وقال: أنشدني لنفسه: فلا تعجب لحسن المدح مني ... صفاتك أظهرت حكم البوادي وقد تبدي لك المرآة شخصاً ... ويسمعك الصدا ما قد تنادي وقال: أنشدني لنفسه: ما شيمة العرب العرباء شيمتكم ... ولا بهذا عرفن الخرد الغيد كانت سليمى ولبنى والرباب إذا ... أزمعن هجراً أتتهن الأناشيد ودار بينهما فحوى معاتبة ... أرق مما أراقته العناقيد وآفة الصب مثل يأ، يبث جوى ... لمن يحب ولا يثني له جيد وقال لما خاض الملك الظاهر الفرات يمدحه ويصف الوقعة (١) : لو عاينت عيناك يوم نزالنا ... والخيل تطفح في العجاج الأكدر وسنا الأسنة والضياء من الظبا ... كشفا لأعيننا قتام العثير وقد اطلخم الأمر واحتدم الوغى ... وهي الجبان وساء ظن المجتري لرأيت سداً من حديد ما يرى ... فوق الفرات وفوقه نار تري ورأيت سيل الخيل قد بلغ الزبى ... ومن الفوارس أبحراً في أبحر طفرت وقد منع الفوارس مدها ... تجري ولولا خيلنا لم تطفر حتى سبقنا أسهماً طاش لنا ... منهم إلينا بالخيول الضمر لم يفتحوا للرمي منهم أعيناً ... حتى كحلن بكل لدن أسمر فتسابقوا هربً ولكن ردهم ... دون الهزيمة رمح كل غضنفر ملأوا الفضاء فعن قليل لم ندع ... فوق البسيطة منهم من مخبر سدت علينا طرقنا قتلاهم ... حتى جنحنا للمكان الأوعر

стр. 1683

ما كان أجرى خيلنا في إثرهم ... لو أنها برءوسهم لم تعثر من كل أشهب خاض في بحر الدما ... حتى بدا لعيوننا كالأشقر كم قد فلقنا صخرة من صرخة ... ولكم ملأنا محجراً من محجر وجرت دماؤهم على وجه الثرى ... حتى جرت منها مجاري النهر والظاهر السلطان في آثارهم ... يذري الرؤوس بكل عضب أبتر ذهب العجاج مع النجيع بصقله ... فكأنه في غمده لم يشهر إن شئت تمدحه فقف بازائه ... مثلي غداة الروع وانظم وانثر وكتب إليه ناصر الدين ابن النقيب: أيوسف بدر الدين والحسن كله ... ليوسف يعزي إذ إلى البدر ينسب أتيت أخيراً غير أنك أول ... تعد من الآحاد شعراً وتحسب وأحسن ما في شعرك الحر أنه ... به ليس يستجدي ولا يتكسب توفي المذكور بعد الثمانين والستمائة، رحمه الله تعالى. ٥٩٠ - (١) محيي الدين ابن الجوزي يوسف بن عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي؛ هو الصاحب العلامة محيي الدين ابن الإمام جمال الدين ابن الجوزي الواعظ البغدادي الحنبلي أستاذ دار أمير المؤمنين المستعصم بالله؛ ولد سنة ثمانين وخمسمائة، وتوفي مقتولاً

стр. 1684

سنة ست وخمسين وستمائة. تفقه وسمع الكثير، وكان إماماً كبيراً وصدراً معظماً، عارفاً بالمذهب كثير المحفوظ حسن المشاركة في العلوم، مليح الوعظ حلول العبارة، ذا سمت ووقار وجلالة وحرمة وافرة، درس وأفتى وصنف، ورسول به إلى الملوك، ورأى من العز والإكرام والاحترام من الملوك شيئاً كثيراً، وكان محبباً إلى الناس، ولي الأستاذ دارية بضع عشرة (١) سنة. قال الدمياطي: أجازني جميع مصنفات أبيه، وأجازني بجائزة جليلة من الذهب. قال الشيخ شمس الدين: ضربت عنقه بمخيم التتار هو وأولاده تاج الدين عبد الكريم وجمال الدين المحب وشرف الدين عبد الله في شهر صفر سنة ست وخمسين. وكان محتسب بغداد ومدرس المستنصرية للحنابلة، وكان إذا سافر استناب ولده في التدريس والحسبة؛ توفي والده وله سبع عشرة (٢) سنة، فأذن له بالجلوس للوعظ على قاعدة والده، وخلع عليه الخليفة القميص والعمامة، وجعل على رأسه طرحة، وحضر يوم الجمعة في حلقة والده بجامع القصر وعنده الفقهاء للمناظرة، ونودي له في الجامع بالجلوس، فحضره الخلائق وتكلم فأجاد، ثم أذن له في الجلوس بباب بدر الشريف (٣) في بكرة كل يوم ثلاثاء، فبقي على ذلك مدة. ولما أقام عسكر الشام في أيام الناصر ابن العزيز على تل العجول قبالة عسكر مصر وتجاوزت مدة إقامتهم السنة، وأشاعوا الناس أن الباذرائي رسول الخليفة واصل يصلح بين الفريقين فأبطأ وكثرت الأقاويل في ذلك، فقال شهاب الدين غازي ابن إياز المعروف بابن المعمار أحد الأجناد المقاردة،

стр. 1685

وكان حاجب ابن يغمور: يذكرنا زمان الزهد ذكرى ... زمانه اللهو في تل العجول ونطلب مسلماً يوري حديثاً ... صحيحاً من أحاديث الرسول واختلف الأقاويل أن محيي الدين ابن الجوزي يصل رسولاً من الخليفة وأبطأ حضروه فقال صلاح الدين الأربلي: قالوا الرسول أتى وقالوا إنه ... ما رام يوماً عن دمشق نزوحا ذهب الزمان وما ظفرت بمسلم ... يروي الحديث عن الرسول صحيحا ٥٩١ (١) الشيخ جمال الدين المزي يوسف بن الزكي عبد الرحمن (٢) بن يوسف بن عبد الملك بن أبي الزهر، الشيخ الإمام العالم العلامة حافظ العصر، ومحدث الشام ومصر، جمال الدين أبو الحجاج القضاعي الكلبي المزي، الحلبي المولد، خاتمة الحفاظ، نافذ (٣) الأسانيد والألفاظ. مولده بظاهر حلب في عاشر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة، وطلب الحديث في أول سنة خمس وسبعين وهلم جرا وإلى آخر وقت، لا يفتر ولا يقصر من الطلب والاجتهاد والرواية. توفي في ثاني عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، ودفن بمقابر الصوفية.

стр. 1686

سمع أصحاب ابن طبرزد والكندي وابن الحرستاني وحنبل، وسمع الكتب الأمهات الستة والمعجم الكبير تاريخ الخطيب والنسب لابن الزبير و " السيرة " و " الموطأ " من طرق، والزهد والمستخرج على مسلم و " الحلية " و " السنن " للبيهقي و " دلائل النبوة " وأشياء يطول ذكرها. ومن الأجزاء ألوفاً، ومشيخته نحو الألف. حفظ القرآن الكريم وعني باللغة وبرع فيها وأتقن النحو والتصريف. ولما ولي دار الحديث الأشرفي تمذهب للشافعي وأشهد عليه بذلك. وكان فيه حياء وسكينة وحلم واحتمال وقناعة واطراح تكلف وترك التجمل والتودد والانجماع عن الناس وقلة الكلام إلا أنه يسأل فيجيب ويجيد، وكلما طالت مجالسة الطالب له ظهر له فضله. وكان لا يتكثر بفضائله، كثير السكوت لا يغتاب أحداً. وكان معتدل القامة مشرباً بحمرة قوي التركيب متع بحواسه وذهنه. وكان قنوعاً غير متأنق في ملبس أو مأكل، يصعد إلى الصالحية وغيرها ماشياً وهو في عشر التسعين. وكان يستحم بالماء البارد في الشتاء. وكان قد امتحن بالمطالب (١) وتتبعها فيعثر به من الشياطين جماعة فيأكلون ما معه، ولا يزال في فقر لأجل ذلك. وأما معرفة الرجال فإليه تشد الرحال، فإنه (٢) كان الغاية وحامل الراية. ولما ولي دار الحديث قال الشيخ تقي الدين: لم يل (٣) هذه المدرسة من حين بنائها وإلى الآن أحق منه بشرط الواقف، وقد وليها جماعة كبار مثل ابن الصلاح ومحيي الدين النواوي وابن الزبيدي، لأن الواقف قال: فإن اجتمع من فيه الرواية ومن فيه الدراية قدم من فيه الدراية؛ قال الشيخ شمس الدين: لم أر أحفظ منه، ولم ير (٤) هو مثل نفسه. قال الشيخ شمس الدين:

стр. 1687

لم يسألني ابن دقيق العيد إلا عنه. وكان قد أغتر في شبيبته وصحب عفيف الدين التلمساني، فلما تبين له مذهبه هجره وتبرأ منه. صنف كتاب " تهذيب الكمال " في أربعة عشر مجلداً، كشف به الكتب القديمة في هذا الشأن، وسارت به الركبان، واشتهر في حياته، وألف كتاب " أطراف الكتب الستة " في تسعة أسفار. قال الشيخ شمس الدين: قرأت بخط الحافظ فتح الدين ابن سيد الناس: ووجدت بدمشق الحافظ المقدم، والإمام الذي فاق من تأخر وتقدم، أبا الحجاج المزي: بحر هذا العلم الزاخر، القائل من رآه: كم ترك الأوائل للأواخر، أحفظ الناس للتراجم، وأعلمهم بالرواة من أعارب وأعاجم، لا يخص بمعرفته مصراً دون مصر، ولا ينفرد عليمه بأهل عصر دون عصر، معتمداً آثار السلف الصالح، مجتهداً فيما نيط به البيت حفظ السنة من المصالح، معرضاً عن الدنيا وأشباهها، مقبلاً على طريقته التي أربى بها على أربابها، لا يبالي ما ناله من الأزل (١) ، ولا يخلط جده بشيء من الهزل، وكان بما يضعه بصيراً، وبتحقيق ما يأتيه جديراً، وهو في اللغة إمام، وله بالقريض إلمام. وكنت أحرص على فوائده لأحرز منها " ما " أحرز، وأستفيد من حديثه الذي إن طال لم يملل وإن أوجز وددت أنه لم يوجز، رحمه الله تعالى.

стр. 1688

(١) ٥٩٢ سبط ابن الجوزي يوسف بن قزغلي بالقاف والزاي والغين المعجمة واللام الإمام المؤرخ الواعظ شمس الدين، أبو المظفر التركي البغدادي سبط الشيخ الإمام جمال الدين، نزيل دمشق. ولد سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وخمسين وستمائة. سمع من جده، وسمع بالموصل ودمشق من جماعة، وكان إماماً فقيهاً واعظاً وحيداً في الوعظ، علامة في التاريخ والسير، وافر الحرمة، محبباً إلى الناس، حلو الوعظ؛ قدم دمشق وهو ابن نيف وعشرين سنة ونفق على أهلها، وأقبل عليه أولاد الملك العادل، وصنف في الوعظ والتاريخ. وكان والده قزغلي من مماليك الوزير عون الدين ابن هبيرة، وهو صاحب " مرآة الزمان "؛ قال الشيخ شمس الدين: وقد اختصره قطب الدين اليونيني وذيل عليه إلى وقتنا هذا. ولما مات حضر جنازته السلطان ومن دونه. ودرس بالشبلية (٢) مدة وبالمدرسة البدرية (٣) . وقرأ الأدب على أبي البقاء، والفقه على الحصيري، ولبس الخرقة من عبد الوهاب ابن سكينة. وكان حنبلياً فانتقل وصار حنفياً لأجل الدنيا، وصنف في مناقب أبي حنيفة جزءاً.

стр. 1689

وله " معادن الأبريز في التفسير " تسعون وعشرون (١) مجلداً، و " شرح الجامع الكبير " في مجلدين. ٥٩٣ - (٢) ابن طملوس المغربي يوسف بن محمد بن طملوس، من أهل جزيرة شقر من عمل بلنسية. كان أحد علمائها الأماثل، وآخر المتحققين بعلوم الأوائل. توفي سنة عشرين وستمائة، واورد له ابن الأبار من شعره: بسمت به الأيام بعد عبوسها ... وتهللت بشراً عيون الناس وتمهدت أراؤهم لما رسا ... ما بينها جبل الملوك الراسي هيهات أين الصبح من لألائه ... أيقاس نور الشمس بالنبراس ملك أبت هماته وهباته ... من أن تجاري في الندى والباس وقال أيضاً: جاد على الجزع بوادي الحمى ... صوب الحيا سكباً على سكب حيث الصبا يهدي نسيم الربى ... طيبة المسرى إلى الغرب تمر بالركب سحيراً فيا ... موقع رياها من الركب وبالكثيب الفرد من لعلع ... غزيل ضل (٣) عن السرب أفلت مني واغتدى قانصاً ... قلبي فيا ويحي من قلبي

стр. 1690

فسرت أشتد على إثره ... أنشده في ذلك الشعب يا هل رأت عيناك من ناشد ... يسعى بلا قلب ولا لب أحبب به من ملك جائر (١) ... أحكامه تجري على الصب يثنيه من خرم الصبا نشوة ... لعب الصبا بالغصن الرطب يا جائر اللحظ على صبه ... سلطت عيناك على قلبي ٥٩٤ (٢) المستنجد بالله يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن جعفر، أمير المؤمنين المستنجد بالله ابن المقتفي لأمر الله ابن المستظهر ابن المعتمد ابن القائم ابن القادر ابن المقتدر ابن المعتضد ابن الموفق ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد ابن المهدي ابن المنصور العباسي. خطب له والده بولاية العهد من بعده مستهل الحجة سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وبويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه ثاني شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة. مولده سنة ثمان عشرة (٣) وخمسمائة، وتوفي ثامن شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة وعمره ثمان وأربعون (٤) سنة وولايته إحدى عشرة (٥) سنة؛ وكانت أمراضه قولنجية.

стр. 1691

وكان طويل القامة جسيماً أسمر اللون كثيف اللحية، وكانت أيامه أيام خصب ورخاء وأمن عام، ودولته زاهرة، وسياسته قاهرة، وهيبته رائعة، وسطوته قامعة، ذلت له رقاب الجبابرة في الآفاق، وخضعت له منهم الأعناق، وأشحن بالظلمة الحبوس (١) وأزال الظلم والمكوس، وتمكن تمكن الخلفاء المتقدمين، قلما انتهت إليه حالة مكروهة إلا أزالها، وعثرة إلا أقالها؛ ويقال إنه رأى في منامه مكتوباً (٢) في كفه أربع خاءات فعبرها أنه يلي الخلافة سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وكتب إليه كمال الدين الشهرزوري قصة لما قدم إلى بغداد رسولاً من قبل نور الدين ابن زنكي مترجمة: " محمد بن عبد الله الرسول "، فوقع عند اسمه " ﷺ "؛ يقال إن ليلته حانت من ابنة عمه فلما توجه إليها وجد في طريقه بعض حجرات جواريه مفتوح الباب، فدخل إليها، فقالت له الجارية: امض (٣) إلى ابنة عمك فإني أخاف أن تعلم بنا فلا آمن شرها، فقال: في ساقها خلخال إذا جاءت عرفت بها. فمضت إليها (٤) جارية ووشت بالحال، فرفعت خلخالها إلى أعالي ساقها وقصدت المقصورة، ففاحت روائح الطيب، فنم ذلك عليها، فخرج من المقصورة من الباب الآخر وقال: استكتمت خلخالا ومشت ... تحت الظلام به فما نطقا حتى إذا هبت نسيم صبا ... ملأ العبير بنشرها الطرقا وللشيخ صلاح الدين الصفدي في هذا المعنى:

стр. 1692

إذا شئت حليك أن لا يشي ... وقد زرت في الحندس المظلم فردي السوار مكان الوشاح ... وخلي وشاحك في المعصم وله أيضاً: قالوا وشى الحي بها إذ مشت ... إليك من قبل ابتسام الصباح فقلت: لا، خلخالها صامت ... ثم تذكرت فضول الوشاح ومن شعر المستنجد: إذا مرضنا نوينا كل صالحة ... وإن شفينا فمنا الزيغ والزلل نرضي الإله إذا خفنا ونغضبه ... إذا أمنا فيما يزكو لنا عمل ومنه أيضاً: عيرتني بالشيب وهو وقار ... ليتها عيرت بما هو عار إن تكن شابت الذوائب مني ... فالليالي تنيرها الأقمار وقال أيضاً: يا هذه إن الخيال يزورني ... لو كان يسعف أو يرد سلاما ما إن رأيت كزائر يعتادني ... يغضي العيون ويقظ النواما وقال أيضاً: وباخل أشعل في بيته ... طرمذة منه لنا شمعه فما جرت من عينها دمعة ... حتى جرت من عينه دمعه وقال أيضاً: وصفراء مثلي في القياس ودمعها ... سجام على الخدين مثل دموعي تذوب كما في الحب ذبت (١) صبابة ... وتحوي حشاها ما حوته ضلوعي

стр. 1693

٥٩٥ - (١) الملك الناصر صاحب الشام يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي، السلطان الملك الناصر صلاح الدين ابن الملك العزيز ابن الملك الظاهر ابن الناصر صلاح الدين؛ هو صاحب حلب ثم صاحب الشام. ولد بقلعة حلب في رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة وقتل سنة تسع وخمسين؛ تولى الملك عند موت والده العزيز سنة أربع وثلاثين وستمائة، وقام بتدبير دولته الأمير شمس الدين لؤلؤ الأميني والأكرم ابن القفطي وعز الدين ابن المجلي والطواشي جمال الدولة إقبال الخاتوني، والأمر كله لجدته الصاحبة صفية خاتون بنت العادل. ولما توجه القاضي بهاء الدين إلى الكامل بوصية العزيز - وكان قد مات وعمره أربع وعشرون سنة - فلما رآها الكامل بكى وحلف للناصر لأجل أخته صفية خاتون، فلما توفيت سنة أربعين اشتد الناصر وأمر ونهى؛ فلما كانت سنة ست وأربعين، سار من جهته نائبه شمس الدين لؤلو وحاصر حمص، وطلب النجدة من الصالح نجم الدين أيوب فلم ينجده، وغضب، واستمرت حمص في ملك الناصر؛ فلما كان شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين، قدم إلى دمشق وأخذها بلا كلفة. وفي أثناء السنة قصد الديار المصرية، فما تم له ذلك. وفي سنة اثنتين وخمسين دخل على بيت السلطان علاء الدين صاحب الروم.

стр. 1694

وكان الناصر سمحاً جواداً حليماً حسن الأخلاق محبباً إلى الرعية، فيه عدل وصفح ومحبة للفضلاء والأدباء، وكان سوق الشعر نافقة في أيامه، وكان يذبح في مطبخه كل يوم أربعمائة راس غنم سوى الدجاج والطيور والأجدية. وكان يبيع الغلمان من سماطه شي كثير عند باب القلعة بدمشق بأرخص الأثمان من المآكل الفاخرة. حكى علاء الدين بان نصر الله أن الناصر جاء إلى داره بغتة؛ قال: فمددت له شيئاً كثيراً في الوقت بالدجاج المحشي بالسكر والفستق وغيره، فقال: كيف تهيأ لك هذا؟ فقلت: هو من نعمتك، اشترتيه من باب القلعة. وكانت نفقته في كل يوم أكثر من عشرين ألف درهم. وكان يحاضر الأدباء والفضلاء، وعلى ذهنه كثير من الشعر والأدب، وله نوادر ونظم، وحسن ظن بالصالحين. وبني بدمشق مدرسة جوا باب الفراديس، وبالجبل رباطاً، وبنى الخان عند المدرسة الزنجيلية (١) . وبلغه عن بعض الفقراء من الأجناد أنه تسمح في حقه فأحضره ليؤدبه، فلما رأى وجله رق له وأرم له بذهب وصرفه ولم يؤاخذه. وكانت تمر له الأيام الكثيرة يجلس فيها من أول النهار إلى نصف الليل يوقع على الأوراق ويصل الأرزاق، وقيل إنه خلع في أقل من سنة أكثر من عشرين ألف خلعة. وكانوا الفرنج قد ضمنوا له أخذ الديار المصرية على أن يسلم إليهم القدس وبلاد أخر، ودار الأمر على أن تعطى لهم أو للمصريين، فبذل ذلك للمصريين اتباعاً لرضى الله ، وقال: والله لا لقيت الله تعالى وفي صحيفتي إخراج القدس عن المسلمين. ولما بعد عن خزائنه احتاج إلى قرض أرهن أملاكه وضرب أواني الذهب والفضة، وقيل له في أخذ القابض (٢) من الأوقاف،

стр. 1695

فما مد يده إلى شيء منها بدمشق ولا بحلب. قال ابن العديم: حضر بعض المدرسين إلى العسكر، ورفع على يدي قصة بين يديه تتضمن التضور من قلة معلومه، ويذكر أن عياله وصلوا من مصر وأنه لا يطلب التثقيل على السلطان في مثل هذا الوقت الذي يحتاج فيه إلى الكلف بن يطلب زيادة في المدرسة التي هو بها. فسأل عن شرط الواقف، فقيل: شرطه ما يتناوله الآن، لكن ذكر أنه في كتاب الوقف ما يدل على أن السلطان يزيده إذا رأى في ذلك مصلحة. فأطرق كما هي عادته إذ لم يرى قضاء ما طلب، ولم يرد في ذلك جواباً، ولم يهن عليه رده خائباً، وتورع عن مخالفة الواقف، فقرر له ما طلبه على ديوانه دون الوقف. قال ابن العديم: أنشدني لنفسه، ﵀: البدر يجنح للغروب ومهجتي ... لفراق مشبهه أسى تتقطع والشرب قد خاط النعاس جفونهم ... والصبح من جلبابه يتطلع ومن شعره أيضاً: سقى حلب الشهاب كل مرنة (١) ... سحائب غيث نوؤها ليس يقلع فتلك ربوعي لا العقيق ولا الحمى ... وتلك دياري لا زرود ولعلع وقال أيضاً: فو الله لو قطعت قلبي تأسفاً ... وجرعتني كاسات دمعي دما صرفا لما زادني إلا هوى ومحبة ... ولا اتخذت روحي سواك لها إلفا وورد الخبر في منتصف صفر من سنة ثمان وخمسين وستمائة بورود التتار إلى حلب ودخولها بالسيف، فهرب السلطان مع الأمرا الموافقين له، وزال ملكه، ودخل التتار بعده بيوم إلى دمشق، وقري فرمان الملك بأمان

стр. 1696

أهل دمشق وما حولها حتى وصل السلطان إلى قطيا وتفرق عنه عسكره، فتوجه مع خواصه إلى وادي موسى ثم جاء إلى بركة زيزا فكبسه كتبغا، فهرب وأتى إلى التتار بالأمان، فبقي معهم البيت ذل وهوان. فلما بلغ هولاكوا قتل كتبغا قتله، قيل إنه قتله بالسيف عقيب واقعة عين جالوت، وقيل خصل بعذاب دون أصحابه، وقيل جعل هدفاً للسهام، وقيل جمع له نخلتان وربط بينهما وافترقتا فذهبت كل واحدة بشق منه. قال شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز بن العجمي: أنشدني الناثر لنفسه: يا برق أنش من الغمام سحابة ... وطفاء هامية على بطياس وأدم على تلك الربوع وأهلها ... غيثاً (١) يرويها مع الأنفاس وعلى ليال بالصفاء قطعتها ... مع كل غانية وظبي كناس فأنشدته ارتجالاً: فلتلك (٢) أوطاني ومعهد أسرتي ... ومقر أحبابي ومجمع ناسي ليس (٣) الفؤاد وإن تناءت سالياً ... عنها ولا لعهودها بالناسي (٤) وكان قتله في الخامس وعشرين من شوال سنة ثمان وخمسين وستمائة، وعمل عزاؤه في سادس وعشرين ربيع الآخر سنة تسع وخمسين بقلعة الجبل من الديار المصرية، رحمه الله تعالى. ورثاه غير واحد من شعراء دولته وغيرهم. فممن (٥) رثاه أمين الدين

стр. 1697

السليماني، قال حين توجه الملك الناصر (١) مع التتار وانقطعت أخباره والتبس أمره: بكى الملأ الأعلى على الملك الأعلى ... وأصبحت الدنيا لفقدانه ثكلى تولى صلاح الدين يوسف وانقضت (٢) ... محاسنه الحسنى وسيرته المثلى وفارق ملك الشام والشرق عنوة ... فريداً كما جردت من غمده نصلا وأضحى أسيراً في التتار مروعاً ... فبكوا عزيزاً لم يكن يعرف الذلا وأني لأرجو أن يكون كصارم ... يجرده قين ليحكمه صقلا تناقضت الأخبار عنه لبعده ... فيا لحديث ما أمر وما أحلى فيا ليت عيني عاينت كنه حاله ... لقد شفني حزني عليه وقد أبلى أبكيه في الأسرى وأرجو خلاصه ... رجاء بعيد أم أرثيه في القتلى أبن مخبراً: يا يوسف بن محمد ... أحي ترجى أنت أم ميت تسلى ووالله ما يسلوك قلب ابن حرة ... جعلت له من طولك الفرض والنفلا وقال فيه حين بلغه أن التتار قتلوه: رمت الخطوب فأقصدتك نبالها ... والأرض بعدك زلزلت زلزالها أأبا المظفر يوسف بن محمد ... لا قلت بعدك للحوادث يا لها خذلتك أسرتك الذين ذخرتهم ... للنائبات وقد وقفت حيالها تركوك منفرداً بقطية ذاهلاً ... تسفي عليك العاصفات رمالها تبكيك ولولة الحريم حواسراً ... من كل معولة تضم عيالها ومصونة البيت خدرها ما شاهدت ... قبل الرزية ما يروع بالها كيف الخلاص من المنية لامريء ... من بعد ما نصبت عليه حبالها أأبا المظفر يوسف بن محمد ... جرعت نفسي صابها وخبالها

стр. 1698

إن الملوك إذا تخاذل بعضها ... عن بعضها ففعالها أفعى لها ذكري مصيبات الملوك تعللاً ... إذ كان حالك في المصية حالها إني لأجتنب المراثي طامعاً ... ببقاء نفسك بالغاً آمالها ٥٩٦ (١) فخر الدين ابن الشيخ يوسف بن محمد بن عمر بن علي بن محمد بن حموية، الأمير فخر الدين ابن صدر الدين شيخ الشيوخ الحموي الجويني؛ كان أميراً كبير عالي الهمة فاضلاً متأدباً سمحاً جواداً محبوباً إلى الخاص والعام، خليقاً بالملك لما فيه من الأوصاف الجميلة، تعلوه الهيبة والوقار. وكانت أمه ابنة المطهر ابن أبي عصرون قد أرضعت الملك الكامل، فكانوا أولادها الأربعة أخوة الملك الكامل من الرضاعة، وكان يحبهم ويعظمهم، ولم يكن عنده أحد في رتبة الأمير فخر الدين، لا يطوي عنه سراً ويثق به ويعتمد عليه في سائر أموره، ونال الأمير فخر الدين وإخوته من السعادة ما لا ناله غيرهم. ولما ملك الملك الصالح البلاد، أعرض عن الأمير فخر الدين واطرحه ثم اعتقله ثم أفرج عنه وأمره بلزوم بيته. ثم إنه ألجأته الضرورة إلى ندبه للمهمات لما لم يجد من يقوم مقامه، فجهزه إلى بلاد الملك الناصر داوود، فأخذها ولم يترك بيده سوى الكرك، ثم جهزه لحصار حمص، ثم ندبه لقتال الفرنج، فاستشهد.

стр. 1699

وكان أول أمره معمماً، فألزمه الكامل أن يلبس الشربوش وزي الجند، فأجابه إلى ذلك، وأقطعه منية السوادان بالديار المصرية، ثم طلب منه " أن " ينادمه، فأجابه إلى ذلك، فاقطعه شبراً، فقال ابن بطريق: على منية السودان صار مشربشا ... وأعطوه شبراً عندما شرب الخمرا فلو ملكت مصر الفرنج وأنعموا ... عليه ببسوس (١) تنصر للأخرى وقال فيه وفي أخيه عماد الدين، وكان يذكر الدرس بالشافعي (٢) ﵀: ولدى الشيخ في العلوم وفي الإم ... رة بالمال وحده والجاه فأمير ولا قتال عليه ... وفقيه والعلم عند الله وكان لهم مع الاقطاعات المناصب الدينية، منها مدرسة الشافعي والمدرسة التي إلى جانب مشهد الحسين ﵁، وخانقاه سعيد السعدا؛ ولم تزل هذه المناصب بأيديهم إلى أن ماتوا. وكان قد قدم دمشق ونزل في دار أسامة، فدخل عليه الشيخ عماد الدين ابن النحاس وقال له يا فخر الدين، إلى كم؟ - يشير إلى تناوله للشراب - فقال له: يا عماد الدين والله لأسبقنك إلى الجنة، فاستشهد على المنصورة في الوقعة سنة سبع وأربعين وستمائة، وتوفي عماد الدين سنة سبع وخمسين فسبقه كما قال إلى الجنة، وحمل إلى القاهرة، وكان دفنه يوماً مشهوداً، وعمل له عزاء عظيم. وكان مولده سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. ومن شعره: صيرت فمي لفيه باللثم لثام ... غصباً ورشفت من ثناياه مدام فاغتاظ وقال أنت في الفقه إمام ... ريقي خمر وعندك الخمر حرام ومن شعره:

стр. 1700

وتعانقنا فقل ما شيت ... في ماء وخمر وتعاتبنا فقل ما شيت ... في غنج وسحر ثم لما أدبر الليل ... وجاء الصبح يجري قال إياك رقيبي ... بك يدري قلت يدري وقال: في حبك هجرت أمي وأبي ... الراحة للغير وحظي تعبي يا ظالم في الهوى أما تنصفني ... وحدتك في العشق فلم تشرك بي وقال سيف الدين المشد يرثيه: فض فم نهى لنا ... يوم الخميس يوسفا وا أسفا من بعده ... على العلا وا أسفا ٥٩٧ (١) " بدر الدين الذهبي " يوسف بن لؤلؤ الذهبي الأديب، بدر الدين الدمشقي الشاعر؛ كان والده لؤلؤ عتيق ولدرم الياروقي صاحب تل باشر. له نظم يروق الأسماع، ويعقد (٢) على فضله الإجماع، مدح الناصر ابن العزيز والكبار، وكن له بيت في الصادرية جوار جامع بني أمية. عاش ثلاثاً وسبعين سنة وتوفي ﵀ في شعبان سنة ثمانين وستمائة. فمن شعره: رفقاً أذبت حشاشة المشتاق ... وأسلتها دمعاً من الآماق

стр. 1701

وأحلته من بعد تسويف على الص ... بر الذي لم يبق منه بواقي وطلبت مني في هواك مواثقاً ... والقلب عندك في أشد وثاق (١) قلب بعين قد أصيب وعارض ... فأعده لي فالدمع ليس براقي أشقيق بدر التم طال وتلهفي ... وأطال فيك العاذلون شقاقي أنفقت من صبر يعليك وإنه ... لرضاك لا لتملق ونفاق وصبا بعثت بها إليك فلم تعد ... وأظنها حالت عن الميثاق وبمهجتي المتحملون عشية ... والركب بين تلازم وعناق وحداتهم أخذت حجازاً (٢) عندما ... غنت وراء الظعن في عشاق وتنبهت ذات الجناح بسحرة ... بالواديين فنبهت أشواقي ورقاء قد أخذت فنون الحزن عن ... يعقوب والألحان عن إسحاق (٣) قامت على ساق تطارحني الهوى ... من دون صحبي بالحمى ورفاقي أني تباريني جوى وصبابة ... وكآبة وهوى وفيض مآقي وأنا الذي أملي الجوى من خاطري ... وهي التي تملي من الأوراق ولقد صفحت عن الزمان لليلة ... عدل الحبيب بها وجار الساقي بسلافة الأقداح ذا يسعى وذا ... يعطو بسالفتيه والأحداق وقال يتذكر أيام شبابه وملاعب أترابه ويصف طيور الواجب (٤) : هل ذاك برق بالغوير أنارا ... أم أضرموا بلوى المحصب (٥) نارا فكلاهما إن لاح من هضب الحمى ... لي شائق ومهيج تذكارا فبم (٦) التعلل والشباب منكب ... عني وقد شط الحبيب مزارا

стр. 1702

وقد استرد الدهر أثواب الصبا ... وكذاك يرجع ما يكون معارا فارفق بدمعك في الفراق فما الذي ... يبقى ليسقي أربعاً وديارا ودع النسيم يراوح القلب الذي ... أورى زناد الشوق فيه أوارا مع أنني أصبو إلى بان الغضا ... إن شمت برقاً أو شممت عرارا فاليوم لا دار بمنعرج اللوى ... تدنو بمحبوب لنا فتزارا كلا ولا قلبي المشوق بصابر ... عنهم فأندب دمنة وديارا فسقى اللوى لا بل سقى عهد اللوى ... صوب الغمائم هامياً مدرارا ولقد ذكرت على الصراة مرامياً ... تنسي بحسن وجوهها الأقمارا وعلى الحمى يوماً ونحن بلهونا ... نصل النهار ونقطع الأنهارا في فتية مثل النجوم تطلعوا ... وتخيروا صدق المقال شعارا من كل نجم في الدياجي قد لوى ... في كفه مثل الهلال فدارا متعطفاً من حزم داود الذي ... فاق الأنام صناعة وفخارا والآن قد حن المشوق إلى الحمى ... وتذكر الأوطان والأوطارا وصبا إلى البرزات قلب كلما ... طارت به خزر اللغالغ (١) طارا فلأي مرمى أرتميه وليس لي ... قوس رشيق مدمج خطارا وأغن أحوى كالهلال رشيقاً ... بل راشقاً بغروضه (٢) سحارا جبل على ضعفي إذا استعطفته ... ألوى علي العنق والدستارا (٣) وبوجهه المنقوش أولما بدا ... وبه أقم وأقعد الشطارا وبدا بتجريمي بلا سبب بدا ... مني وأودعه الرماة مرارا يا حسنه من مخلف لكنه ... في الجو عال لا يسف مطارا ويطير عن مقامي عاضداً ... ولشقوتي لا يدخل المقدارا

стр. 1703

لا بندقي مهما خطوت يناله ... أنى ينال مراوغاً طيارا وسنان من خزر اللغالغ لم يزل ... يرعى الرياض وليس يرعى الجارا لا قادم بل راحل عني إلى ... ماء الفرات يخوض منه غمارا أو ما تراني فاقداً ومنعماً ... في الجو ليلاً (١) خلفه ونهارا دعني فقد برد الهواء وقد أتى ... أيلول يطفيء للهجير مارا ووراءه تشرين جاء برعده ... عجلان يحدو للسحاب قطارا والبارق الهامي على طلل الحمى ... سدى هناك خيوطه وأنارا والفيض (٢) طام ماؤه متدفق ... والطير فيه يلاعب التيارا والنهر جن به فراح مسلسلاً ... صب تحير لا يصيب قرارا بهر النواظر حين أنبت شطه ... للناظرين شقائقاً وبهارا والصبح في آفاقه يا سعد قد ... أخفى النجوم وأطلع الغرارا فانهض إلى المرمى الأنيق بنا فقد ... هب الصباح ونبه الأطيارا وتتابعت جفاتها (٣) في أفقها ... مثل النعام قوادماً تتبارى من جو زوراء العراق قوادماً ... يا مرحباً بقدومها زوارا فأصخ إلى رشق القسي إذا ارتمت ... مثل الحريق أطار عنه شرارا واطرب إلى نغمات أطيار بدت ... في الجو وهي تجاوب الأوتارا من كل طيار كأن له دماً ... عند الرماة فثار يبغي الثارا هل جاء في طلب القسي لحتفه ... أم جاء يطلب عندها الأوتارا خاض الظلام وعب فيه فسود ال ... رجلين منه وسود المنقارا وأتى يبشر باللقاء فضمخت ... تلك المغارز عنبراً ونضارا والكي (٤) كالشيخ الرئيس مزمل ... في بردتيه هيبة ووقارا

стр. 1704

يسطو على الأسماك (١) يوماً كلما ... أذكى له حر الماعة نارا والوز كم قد هاجنا بنغيمه ... ليلاً وكم قد شاقنا أسحارا فإذا بدا ضوء الصباح ثنى له ... عطفاً وصفق بالجناح وطارا وترى اللغالغ تستبيك بأعين ... خزرية صفر الجفون صغرا فكأن ورساً ذيب في أجفانها ... فحكى النضار وحير النظارا وترى الأنيسات الأوانس تنقضي ... بين الرياض كأنهن عذارى يسلبن أرباب العقول عقولهم ... ويرغن منه حيلة ونفارا وترى الحبارج (٢) كالقطا أرياشها ... أو كالرياض تفتحت أزهارا هجرت منازلها على برح الظما ... واستبدلت دوية وقفارا والنسر سلطان لها لكنه ... لم يلقها (٣) لدمائها مهدارا قد شاب منه رأسه من طول ما ... كرت عليه عصوره الأدورا أرخى جناحيه عليه كجوشن ... لو كان يمنع دونه الأقدارا وإذا العقاب سطا وصال بكفه ... عاينت منه كاسراً جبارا يعطي ومينع غيرة وتكرماً ... ويبيح ممنوعاً ويمنع جارا وترى الكراكي كالرماد وربما ... قرقت فأذكت في القلوب النارا قد سطرت في الجو منها أسطر ... وطوت سجل سخائها أسفارا فإذا انصرعن فلاتكن ذا غفلة ... عن أن تنقط (٤) حليهن مرارا وبدت غرانيق لهن ذوائب ... لولا البياض لخلتهن عذاري حمر العيون تدير من أحداقها ... فينا كؤوساً (٥) قد ملين عقارا

стр. 1705

والصوغ (١) في أفق السماء محلق (٢) ... مثل الغمام إذا استقل وسارا ذو مغرز ذرب (٣) فلو يسطو (٤) به ... فضح السنان وأخجل البتارا ومرازم بيض وحمر ريشها ... كالورد بين الياسمين نثارا خفقت بأجنحة على محمره ... كمراوح أضرمن منه جمارا وعجبت كيف صبت إلى صلبانها ... تلك الرماة وما هم بنصارى وشبيطر (٥) ما إن يحل له دم ... مهما علا شجراً (٦) وحل جدارا الشرط فيه إلفه لمنازل ... فاصبر له حتى يفارق دارا وكأنما العناز (٧) لما أن بدا ... لبس السواد على البياض غيارا وكأنه قد ضاق عنه مزرراً ... فوق القميص فحلل الأزرارا هل عب في صرف العقار بمغرز ... أم كان خاض من الرماء بحارا خذ مالكي وصف الجليل منقحاً ... يا سعد واقض برمها الوطارا واستغنم اللذات في زمن الصبا ... لا زال كفك للندى مدرارا وقال أيضاً: لو بلغ الشوق هذا البارق الساري ... أو بعض وجدي الذي أخفي وتذكاري ما بت أرعى الدجى شوقاً إلى قمر ... ولا معنى بطيف طارق طاري جيراننا كنتم بالرقمتين فمذ ... بعدتم صار دمعي بعدكم جاري فكم أواري غراماً من جوى وأسى ... زناده تحت أثناء الحشا واري

стр. 1706

وكم أداري فؤاداً عز مطلبه ... يوم اللوى وأداري الوجد بالدار أشتاق إن نفحت بالغور ريح صبا ... تهدي شذا شيخه المطلول والغار وقد أنحلتني الغواني غير راحمة ... وعقتني الليالي بعد إبداري وأضرمت أضلعي ناراً مؤججة ... وحيرت أدمعي في العين يا حار (١) فصرت كالسيف يغضي (٢) الجفن منه على ... ماء ويطوى الحشا منه على نار ذكرت عيشاً على لبنان جدد لي ... من عهد لبني صباباتي وأوطاري فراجع القلب من أطرابه طرب ... وعاود العين طيف منهم ساري فبت بالدمع كالغدران طافحة ... مني على ناقض للعهد غدار فيا له من غرير غر بي طمعاً ... بموعد من خيال منه غرار بقامة وعذار حول وجنته ... قامت بها وبه في الحب أعذاري ألقى إليه القنا الخطار مقتحماً ... ولا أبالي بأهوال وأخطار أغن ألمى رشيق القد معتدل ... رخص البنان كحيل الطرف سحار قد زنر الخصر منه بالنحول وقد ... أغناه إفراطع عن شد زنار يسعى بشمسية كالشمس دائرة ... على مزاهر قينات وأزهار تكللت بلآل من فواقعها ... وزررت طوقها منه بأزارا صهباء من عهد كسرى حين عتقها ... في دنها وبه كانت بذي قار قد أمطرت راحة الساقي الكؤوس لنا ... فأنتبتتها رياضاً ذات نوار (٣) تألفت مثل زهر الروض عن حبب ... فنحن ما بين نوار وأنوار صلى (٤) المجوس إليها واصطلوا لهباً ... منها فصلوا لذات النور والنار وسبح القوم لما أن رأوا عجباً ... في أكؤس الراح نواراً على نار

стр. 1707

في فتية هم أباحوا قتلها بيد ... لكاعب معصر أو رجل عصار على اصطخاب المثاني كان سفكهم ... دماءها بين عيدان وأوتار ثارت لتقتص من قوم فما برحت ... في حث كاس على الوتار والثار فالقوم من بعض قتلاها وما ظلمت ... وإنما أخذت منهم بأوتار فاخلع عذارك والبس من أشعتها ... ولا تكونن من كاس لها عار ولا تطع أمر لاح في هوى رشأ ... وكاس راح فما اللاحي بأمار وقال رحمه الله تعالى: تذكر ربعاً بالشآم ومربعا ... وملهى لأيام الشباب ومرتعا فعاوده داء من الشوق مؤلم ... أصاب حرارات القلوب فأوجعا على حين شطت بالفريق ركائب ... وأسرى بها الحادي الطروب فأسرعا وأتبعهم قلباً مطيعاً على الغضا ... وخليت لي جفناً على السفح أطوعا وساروا يؤمون الكثيب وخلفوا ال ... كئيب المعنى في الديار مضيعا يكابد حر الشوق بعد رحيلهم ... وفرط التشكي والحنين الموجعا (١) وأوجع من هذا وذلك كله ... شباب أراه كل يوم مودعا تولى وأبقى في الجوانح حرقة ... وأودع قلبي حسرة حين ودعا وعاجلني صبح من الشيب قبل أن ... أهوم في ليل الشباب وأهجعا وحجب عني الغانيات كأنه ... بياض على العينين والفود أجمعا فيا ربة الخلخال والخال حفضي ... على مغرم لولا النوى ما تضعضعا ولا تذكريني الواديين ولا تري ... لعيني أطلال الديار فتدمعا فلولاك ما حن المشوق إلى الحمى ... ولا شام برق الشام من سفح لعلعا ولا راح يستسقي سقيط دموعه ... لسقط بنعمان الأراك وأجرعا ومما شجاني في الصباح حمامة ... تحرك بالشجو الأراك المفرعا

стр. 1708

تذكرني أيامنا بسويقة ... وليلاتنا اللاتي مضت بطويلعا فقلت لها لا تظهري من لواعج ... فنوناً بأفنان الأراك تصنعا فغصنك قد أضحى عليك منعماً ... وغصني قد أمسى علي ممنعا بلى طارحيني ما شجاك فكلنا ... على غصن نبدي الأسى والتفجعا وذي هيف عذب اللمى زارني وقد ... تلفع خوفاً بالدجى وتدرعا فبت أعاطيه الحديث منمقاً ... وبات يعاطيني العتيق مشعشعا إلى أن دعا داعي الفلاح ولم يكن ... سوى أنه داع على شملنا دعا ولم أدر أن الصبح كان مراقباً ... لنا من وراء الليل حتى تطلعا فقام كظبي الرمل وسنان خائفاً ... يكفكف من خوف التفر أدمعا " فلما تفرقنا كأني ومالكاً (١) ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا " (٢) فسحقاً لدهر لم أزل من صروفه ... بنابة في كل يوم مروعا إلى غرضي (٣) الأقصى يسدد سهمه ... وعهدي به لم يبق في القوس منزعا فحتام لا أنفك أشكو ليالياً ... ودهراً (٤) بتفريق الأحبة مولعا وقد زجرتني الأربعون فلم تدع ... لي الآن في وصل الكواكب مطمعا ومر الشباب الغض مني فمذ نأى ... تتابعه العيش اللذيذ تتبعا وكانت بأحناء الضلوع حشاشة ... فأسبلتها فوق المحاجر أدمعا وقال أيضاً: بدا صدغ من أهواه في ماء خده ... فحيرني لما التوى وتعقربا " وقالوا يصير الشعر في الماء حية ... فكيف غدا في ذلك الخد عقربا " (٥)

стр. 1709

وأنشدني الحاج الدين الذهبي قال، أنشدني بدر الدين لنفسه وقد تواترت الأمطار بدمشق: إن أقام الغيث شهراً هكذا ... جاء بالطوفان والبحر المحيط ما هم من قوم نوح يا سما ... أقلعي عنهم فهم من قوم لوط وقال في مليح بوجهه حب الشباب: تعشقته لدن القوام مهفهفاً ... شهي المى أحوى المراشف أشنبا وقالوا بدا حب الشباب بوجهه ... فيا حسنه وجهاً إلي محببا وقال في النجم العيادي الكحال، وقد كحل غلاماً غدوة ومات النجم في عشية ذلك النهار: يا قوم قد غلط الحكيم وما دري ... في كحله الرشأ الغرير بطبه وأراد أن يمضي نصال جفونه ... ويحدها لتصيبنا فبدت به وقال أيضاً: هلم يا صاح إلى روضة ... يجلو بها العاني صدا همه نسيمها يعثر في ذيله ... وزهرها يرقص في كمه وقال أيضاً: أدر كؤوس الراح في روضة ... قد نمقت أزهارها السحب الطير فيها مغرم شيق ... وجدول الماء بها صب وقال أيضاً: لم لا أهيم إلى الرياض وطيبها ... وأبيت منها تحت ظل ضافي والزهر يلقاني بثغر باسم ... والماء يلقاني بقلب صافي وقال:

стр. 1710

أرأيت وادي النيربين، وماؤه ... يبدي لناظرك العجيب الأعجبا يتكسر الماء الزلال على الحصى ... فإذا غدا بين الرياض تشعبا وقال في دولاب: وروضة دولابها ... إلى الغصون قد شكا من حيث ضاع زهرها ... دار عليه وبكى وقال: رب ناعوة روض ... بات يندى ويفوح تضحك الزهار منها ... وهي تبكي وتنوح وقال: رفقاً بصب مغرم ... أبليته صداً وهجرا وافاك سائل دمعه ... فرددته في الحال نهرا وقال: يا عاذلي فيه قل لي ... إذا بدا كيف أسلوا يمر بي كل وقت ... وكلما مر يحلو وقال: باكر إلى الروضة تستجلها ... فثغرها في الصبح بسام والنرجس الغض أعراه الحيا ... فغض طرفاً فيه أسقام وبلبل الدوح فصيح على ال ... أيكة والشحرور تمتام ونسمة الريح على ضعفها ... لها بنا مر وإلمام فعاطني الصهباء مشمولة ... عذراء فالواشون نوام واكتم أحاديث الهوى بيننا ... في خلال الروض نمام وقال أيضاً في معذر:

стр. 1711

صدوا وقد دب العذار بخده ... ما ضرهم لو أنهم جبروه هل ذاك غير نبات خد قد حلا ... لكنهم لما حلا هجروه وقال وقد أحيل على ديوان الحشر (١) : أمولاي محيي الدين طال ترددي ... لجائزة قد عيل من دونها صبري وقد كنت قبل الحشر أرجو نجازها ... فكيف وقد صيرتموها إلى الحشر وقال في نجم الدين ابن اسرائيل، وكان النجم قد هوي مليحاً يلقب بالجويرح: قلبك اليوم طائر ... عنك أم في الجوانح كيف يرجى خلاصه ... وهو في كف جارح ثم بلغه أنه تركه فكتب إليه: خلصت طائر قلبك العاني ترى ... من جارح يغدو به ويروح ولقد يسر خلاصه إن كنت قد ... خلصته منه وفيه روح وقال في مليح وراق: خليلي جد الوجد واتصل الأسى ... وضاقت على المشتاق في قصده السبل وقد أصبح القلب المعنى كما ترى ... معنى بوراق وما عنده وصل وقال في زهر اللوز: الزهر أحسن ما رأي ... ت إذا تكاثرت الهموم تحنو علي غصونه ... ويرق لي فيه النسيم وقال فيه أيضاً:

стр. 1712

عرج على الزهر يا نديمي ... ومل إلى ظله الظليل فالزهر يلقاك بابتسام ... والريح تلقاك بالقبول وقال ملغزاً في السرطان: ما اسم إذا ما أنت صحفته ... صار مثنى باعتبارين في الراس والعين يرى دائماً ... وهو بلا راس ولا عين وقال في واقعة: ومعذر قد بيتته جماعة ... ولووا بما وعدوه طول الليل واكتاله كل هناك وما رأى ... منهم سوى حشف وسوء الكيل وقال أيضاً: حلا نبات الخد يا عاذلي ... لما بدا في خده الأحمر فشاقني ذاك العذار الذي ... نباته أحلى من السكر وقال في الشمعة: وذات قد أهيف ... فؤادها قد التهب كصعدة من فضة ... لها سنان من ذهب وقال فيها: وشمعة وقفت تشكو لنا حرقاً ... وأدمعاً لمتزل تهمي سواكبها وحيدة في الدجى من طول ما مكثت ... تكابد الليل قد شابت ذوائبها وكتب إلى صاحب (١) له: شوقي إليك مع البعاد تقاصرت ... عني خطاي وقصرت أقلامي واعتلت النسمات فيما بيننا ... مما أحملها إليك سلامي

стр. 1713

وقال في مليح يلقب بالشقيق: يا قامة الغصن الرطيب إذا انثنى ... ولوى معاطفه نسيم الريح أشقيق روض أنت يا بدر الدجى ... بالله قل لي أم شقيق الروح وقال في مليح رفا: وبمهجتي الرفا الذي ... فضح الذوابل لينه لم يرف قلب متيم ... قد مزقته جفونه وقال في مليح اسمه داود: قد كنت جلداً في الخطوب إذا عرت ... لا تزدهيني الغانيات الغيد وعهدت قلبي من حديد في الحشا ... فألانه بجفونه داود وقال في الذهبيات: انظر إلى الأغصان كيف تذهبت ... وأتى الخريف بحمرها وبصفرها تحلو شمائلها إذا ما أدبرت ... وتزيد حسناً في أواخر عمرها وقال في الكاس المصورة: انظر إلى صور الفوراس إذ بدت ... بالخيل في كاس المدامة ترتمي ما بين طاف في المدام وراسب ... كفوارس الهيجاء تسبح في الدم وقال: ورياض وقفت أشجارها ... وتمشت نسمة الصبح إليها طالعت أرواقها شمس الضحى ... بعد أن وقعت الورق عليها وقال: وجنان ألفتها إذ تغنت ... فوقها الورق بكرة وأصيلا نهرها مسرعاً جرى وتمشت ... في رباها الصبا قليلاً قليلا

стр. 1714

وقال في مليح يلقب بالشهاب: يا قضيب الأراك عند التثني ... هز عطفيه حين ماس الشباب عجباً كيف ضل فيك المحبو ... ن بليل الأسى وأنت شهاب وقال في مليح أراد تقبيله في فمه فامتنع فجاءت القبلة في خده: منعت ارتشاف الثغر يا غاية المنى ... وزحزحتني منه إلى خدك القاني لئن فاتني منه الأقاحي فإنني ... حصلت على ورد جني وريحان وقال، وكان يبات كثيراً بالجامع الأموي: طال نومي بالجامع الرحب والبر ... د مبيدي وليس منه خلاص كيف أدفا فيه وتحتي بلاط ... ورخام حولي وفوقي رصاص وقال: لا تلحني اليوم في ساق وصهباء ... وسقتني كاسها صرفاً بلا ماء وأنف الهموم بها عني فقد كثرت ... آلامها واشف ما بالقلب من داء عذراء مشمولة تطفو فواقعها ... كأنها أدمع في خد عذراء أبدي الحباب لها خطاً فأحسن ما ... قد كان حرر من ميم ومن هاء قديمة ذاتها في روض جنتها ... كانت وكان لها عرش على الماء وقال يذكر بوعد: إني أذكر مولانا الأمير وما ... أظنه ناسي الوعد الذي ذكرا والدوح يبدي (١) الجنى لكن أغصنه ... لو لم تهز لما ألقت لك الثمرا وقال في مليح نجار: بروحي نجار حكى الغصن قده ... رشيق التثني أحول الطرف وسنان

стр. 1715

يميل على الأعواد قطعاً بما جنت ... وما سرقت الناس قده وهي أغصان وقال يحذر من صحبة الناس: لا ترم في الدنو وداً من النا ... س وإن كنت عندهم مشكوراً ودهم في الدنو منهم قليل ... فإذا ما بعدت كان كثيراً وكذا الشمس والهلال اصطحاباً ... كلما زاد بعده زاد نورا وقال في مليح يسمى زهر السفرجل: أحن إلى الأزهار ما هبت الصبا ... وما ناح في الأيك الحمام المطوق وأشتاق زهر اللز كل عشية ... وإني إلى زهر السفرجل أشوق وكتب إلى شهاب الدين السنبلي يعرض بطلب فحم: جاء الشتاء الغث يا سيدي ... بل يا شهابي في دجى الهم وفصله البارد قد جاءني ... منه بكانون بلا فحم وقال من قصيدة: وأرقني خيال من حبيب ... تناءت داره حتى نآني فيمن سهري (١) يلم فما أراه ... ومن سقمي يطوف فما يراني وقال أيضاً: أمولاي أشكو إليك الخمار ... وما فعلت بي كؤوس العقار وجور الساقة التي لم تزل ... تريني الكواكب وسط النهار

стр. 1716

٥٩٨ - (١) " محيي الدين ابن زيلاق " يوسف بن يوسف بن يوسف بن سلامة بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم، الصدر محيي الدين ابن زيلاق العباسي الهاشمي الموصلي الكاتب الشاعر؛ مولده سنة ثلاث وستمائة، وقتله التتار حين ملكوا الموصل في سنة ستين وستمائة. قال بهاء الدين ابن الفخر عيسى في وصفه: الصاحب محيي الدين يضرب به المثل في العدالة، وله الرتبة العليا في الشرف والأصالة، وكان شاعراً مجيداً فاضلاً حسن المعاني، ﵀. فمن شعره ما كتبه إلى بعض أصحابه وهو بدمشق يصفها: أدمشق لا زالت تجودك ديمة ... ينمى بها زهر الرياض ويونق أهوى لك السقيا وإن ضن الحيا ... أغناك عنه ماؤك المتدفق ويسر فلبي لو تصح لي المنى ... أني أنال بك المقام وأرزق وإذا امرؤ كانت ربوعك حظه ... من سائر الأمصار فهو موقف أني التفت فجدول متسلسل ... أو جنة مرضية أو جوسق يبدو لطرفك حيث مال حديقة ... غناء نور النور منها يشرق يشدو الحمام بدوحها فكأنما ... في كل عود منه عود مورق وإذا رأيت الغصن ترقصه (٢) الصبا ... طرباً رأيت الماء وهو يصفق لبست جنان النيربين محاسناً ... وقفت عليها كل طرف يرمق

стр. 1717

فحمامها غرد ونبت رياضها ... خضل وركب نسميها مترفق وسرت لداريا (١) المعطر تربها ... ريا ذكي المسك منها يعبق وترى من الغزلان في ميدانها ... فرقاً أسود الغيل منها تفرق من كل وسنان الجفون محبه ... سهران من وجد عليه مؤرق حيث الهوى في جانبيه مخيم ... وخيول فرسان الشبيبة تعنق والقاصدون إليه إما شائق ... متنزه أو عاشق متشوق صفان هذا باسم عن ثغره ... عجباً، وهذا بالمامع يشرق هذي المنازل لا أثيلات الحمى ... بعداً لهن ولا اللوى والأبرق لا تخدعن فما اللذاذة والهوى ... ومواطن الأفراح إلا جلق خذه الخدمة - حرس الله مجد المجلس العالي، وجعل السعادة من صحبه، والأيام من حزبه، والمكرمات من كسبه، وأهدى القرة إلى طرفه والمسرة إلى قلبه، وأوجب له لباس الإقبال ولا روعه بسلبه، وعوض عن الوحشة ببعده الإيناس بقربه - نائبة عن مسطرها في تقبيل يده الكريمة، ووصف مسراته النازحة وأحزانه المقيمة، وشكاية ما أجداه البعد من تحرقه وتلهفه، ووفرته الغيبة من تشوقه إلى الحضرة السامية وتشوفه، هذا مع أن الذكرى تمثل شخصه فلا يكاد يغيب، ويناجيه الخاطر وهو بعيد كمناجاته (٢) وهو قريب، وبحسن ذلك أورد هذه الخدمة مطولاً، وأفاض فيها مسترسلاً، متأنساً بمفاوضته، ومتذكراً أوقات محاضرته، وراغباً أن يريه دمشق بعين وصفه، ويثبت نعتها لديه فكأنها حيال طرفه، وأول ما يبدأ بوصف الرحلة إليها ويقول: إن الزمان صورها للنظر قبل الإشراف (٣) عليها، فقدمناها

стр. 1718

والفصل ربيع، ومنظر الروض بديع، والربى محضرة أكنافها، مائسة أعطافها، تبكي بها عيون السحاب فتتبسم، وتخلع (١) عليها ملابس السباب فتتقمص وتتعمم، فما أتينا على مكان إلا وجدنا غيره أحق بالثناء وأجدر، ولا أفل بدر من الزهر إلا بزغت شمس فقلنا هذا أكبر، حتى إذا بلغت النفس أمنيتها، وأقبلنا على دمشق فقبلنا ثنيتها، رأينا منظراً (٢) يقصر عنه المتوهم، ويملأ عين الناظر المتوسم، ظل ظليل، ونسيم عليل، ومغنى (٣) بنهاية الحسن كفيل، يطوى الحزن بنشره، ويقف قدر البلدان دون قدره، فيصغر عند صفته شعب بوان، ويغمد في مفاصله سيف غمدان، ويبهت لمباهاته ناظر الإيوان، فالأغصان مائسة في سندسيها، متظاهرة بفاخر حليها، قد ألقحتها الأنهار فأثقلتها بحملها، ولا عبتها الصبا فتلقت كل واحدة بمثلها: لها ثمر تشير إليك منه ... بأشربة وقفن بلا أواني (٤) وأمواه يصل بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني فسرنا منها بين جنات، كظهور البزاة، وجداول كبطون الحيات، قد هز الشوق أطيارها فصدحت، وحرك النسيم رباها فنفحت، فحنت عليها أفنانها حنو الوالدات على اليتيم، وحجبت عن معارضتنا حاجب الشمس وأذنت للنسيم، فإذا أصابت شمسها فرجة لاحظتنا ملاحظة الحياء، وألقت فضة الماء شعاعها فصححت صنعة الكيمياء؛ ثم أفضينا إلى فضاء قد أثرى من الروض ثراه، وغني عن منة السحاب ذراه، قد تشابه فيه الشقيقان خداً وزهرا، واقترن به الياسمين أقاحاً وثغراً، وتغاير أخضراه آساً وعذارا،

стр. 1719

وأصفراه (١) عاشقاً وبهاراً، فأي هم لا تطرده أنهارها المطردة، وفرح لا تجليه أطيارها المغردة. ولما وصلنا إلى محلها الذي هو مجتمع الأهواء، ومقر السراء، ومقتنص الظباء، واستوطنا وطنها الذي هو للظامي نهلة، وللمستوفز عقلة: أجد لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا هذا مع إكثاره لا يبلغ اليسير من نعتها، وما نرى آية من الحسن إلا هي أكبر من أختها: وإن دمشقاً وهي في الأرض جنة ... محاسنها للبعد عنك معايب والله تعالى يجمع الشمل على الإيثار، ويملأ أوطان المولى باليسار. تمت. ومن شعر ابن زيلاق، رحمه الله تعالى: إلى الله أشكو هاجري ومعنفي ... عليه فكل جائر في احتكامه حبيب نأى عني الكرى بملاله ... وواش دنا مني الأسى بملامه غريب المعاني قام عذر صبابتي ... بحسن عذاربيه ولين قوامه له هيف الغصن الرطيب ولينه ... ولي من تجنيه بكاء حمامه تفرد قلبي دونه بهمومه ... وشارك جسمي خصره في سقامه سقى الله ليلاً حين جاد بوصله ... وقد كان لا يسخو برد سلامه فطاف كمثل الظبي عند التفاته ... بحمراء مثل الجمر عند اضطرامه كسا المزج (٢) أعلاها حباباً كأنه ... ثناياه أبداهن حسن ابتسامه شككنا فلم نعرف أمنظوم عقده ... من الدر أم من ثغره أم كلامه ولم ندر هذا السكر من سحر طرفه ... ومن خده والريق أم من مدامه

стр. 1720

وقال أيضاً: يفديك جفن بمائه شرق ... جار عليه البكاء والأرق ومهجة لم تزل حشاشتها ... منك بنار الجفاء تحترق يا قمراً أصبحت محاسنه ... تنهب ألبابنا وتسترق تجمعت فيك للورى فتن ... على تلاف النفوس تنفق طرف كحيل ووجنة كسيت ... حمرة دمعي ومبسم يقق جالت على عطفه ذوائبه ... كالغصن زانت فروعه الورق رأوك لي بجنة معجلة ... ما وجدوا مثلها ولا رزقوا هم حسدوني عليك فاختلفوا ... بكل زور عليك واختلفوا سعوا بتفريقنا فلا اجتمعوا ... على وصال يوماً ولا اتفقوا فأين كانوا وأدمعي بدد ... تركض في وجنتي وتستبق ومقلتي حشوها السهاد وأح ... ناء ضلوعي تعتادها الحرق ماذا يضر الوشاة أنهم ... رقوا لقلبي الموجوع أو رفقوا بمن كسا وجنتيك من حلل ال ... حسن رياضاً نسيمها عبق وأطلع البدر من جبينك مح ... فوفاً بصدغ كأنه الغسق لا تثن عطفاً إلى الوشاة فما ... سلاك قلبي لكنهم عشقوا أنت بحالي أدري وحالهم ... قد وضحت في حديثنا الطرق ما كنت يوماً إليك معتذراً ... لو أنهم في مقالهم صدقوا وقال أيضاً: أظهرت حسن معانيه الشمول ... فاختفى اللائم واستحيا العذول وثنت منه الحميا قامة ... علمت بأن الحمى كيف يميل رشأ يفتك في عشاقه ... صارم من لحظه الساجي صقيل أصل وجدي فيه فرع مرسل ... مثل ليلي فاحم اللون طويل
следующие страницы →