إلى أن أملت بي من الفضل نفحة ... فأصبحت عن كل الشواغل مصروفا
وفارقت إخوان الصفا متجنبا ... وثقفت نفسي في الرياضة تثقيفا
ودمت على حسن العبادة عاكفا ... وأصبح حسن الظن حولي معكوفا
فأورثني عزا لدى الناس عفتي ... فصرت بأفواه المحبة مرشوفا
فلما أبت إلا النكاح خواطري ... تجشمت أمرا غادر الدمع مذروفا
ولم ار بدا من معاشرة الورى ... فعاشرت قوما لا يغيثون ملهوفا
فأبغضني من كان منهم يحبني ... وأوسعني لوما شديدا وتعنيفا
وأعرض عن ودي حميم وصاحب ... وارجف في (١) الحاسدون الأراجيفا
كأني قد أظهرت للناس بدعة ... وأحدثت للدين الحنيفي تحريفا
على أنني لم أبد للناس صفحتي ... وما زلت في ثوب الصيانة ملفوفا
فما صح لي فقر وما صح لي غنى ... بل ازددت في علم التقلب تعريفا
وعدت أجيل الفكر فيمن أعده ... يكون به ما بي من الضيم (٢) مكشوفا
فلم أر لي كالصالحين وسيلة ... ألذ الورى عرفا وأطيب معروفا
رجال إذا ما طبق الأرض حادث ... رموه بصدق العزم فانجاب مكسوفا
أتتهم عليات الأمور مطيعة ... وأضحى بهم قلب المكارم مشغوفا
هم القوم لا يشقى الجليس لديهم ... ولم يعدموا العافين بشرا وتضييفا
هم العروة الوثقى وهم أنجم الهدى ... بهم يحفظ الله المهامه والسيفا
أعزاء محروس الجناب فناؤهم ... تخطف من ناواهم الذل تخطيفا
إذا ظهروا للدهر أورق عوده ... وأصبح مجني المحاسن مقطوفا
وإن هجروا المأنوس أصبح مقفرا ... وإن نزلوا بالقفر تحسبه ريفا
إذا وجدوا في الوقت كانوا طرازه ... وقد طرزوا من قبل ذاك التصانيفا
صفاتهم أسنى من الشمس في الضحى ... وأحسن من در المراسيل مصفوفا
стр. 1647
وقال رحمه الله تعالى يعاتب نفسه:
يا قسوة القلب مالي حيلة فيك ... ملكت قلبي فأضحى شر مملوك
حجبت عني إفادات الخشوع فلا ... يشفيك ذكر ولا وعظ يداويك
وما تماديك من كسب الذنوب ول ... كن الذنوب أراها من تماديك
لكن تماديك من كسب نشأت به ... طعام سوء على ضعفي يقويك
وأنت يا نفس مأوى كل معضلة ... وكل داء بقلبي من عواديك
أنت الطليعة للشيطان في جسدي ... فليس يدخل غلا من نواحيك
لما فسحت بتوفير الحظوظ له ... أضحى مع الدم يجري في مجاريك
واليته بقبول الزور منك فلن ... يوالي الله إلا من يعاديك
ما زلت في أسره تهوين موثقة ... حتى تلفت فأعياني تلافيك
يا نفس توبي إلى الرحمن مخلصة ... ثم استقيمي على عزم ينجيبك
واستدركي فارط الأوقات واجتهدي ... عساك بالصدق أن تحمي مساويك
واسعي إلى البر والتقوى مسارعة ... فربما شكرت يوما مساعيك
حب التكاثر في الدنيا وزينتها ... هي التي عن طلاب الخير تلهيك
لا تكثري الحرص في تطلابها فلكم ... دم لها بسيوف الحرص مسفوك
بل اقنعي بكفاف الرزق راضية ... فكل ما جاز ما يكفيك يطغيك
ثم اذكري غصص الموت الفظيع يهن ... عليك أكدار دنيا لا تصافيك
وظلمة القبر لا تنسي ووحشته ... عند انفرادك عن خل يوازيك
والصالحات ليوم الفاقة ادخري ... في موقف ليس فيه من يواسك
وأحسني الظن بالرحمن مخلصة ... فحسن ظنك بالرحمن يكفيك وقال رحمه الله تعالى وقد عاتبه بعض إخوانه على انقطاعه عن زيارته:
سكوني في بيتي لقلي راحة ... وستر من الله العظيم لحالي
أكف عن الإخوان شرة عثرتي ... وأسلم من قيل وكثرة قال
стр. 1648
وأحيا عزيزا لا أرى متعرضا ... ورزقي يأتيني بغير سؤال
وإن أنا زرت الناس فالناس فيهم ... نصيح ومذاق وآخر قالي
وإن أنا أكثرت المقام فربما ... رماني إخوان الصفا بملال
وقلبي كالمرآة إن صنته انجلى ... وإلا فبالأنفاس محو صقالي وقال رحمه الله تعالى:
أنا المدنف الجاني وجهل ألجاني ... إليكم فألفاني مكبا (١) على الفاني
فهل يا عظيم الشان لي منك عطفة ... فتصلح لي شاني وإن رغم الشاني وقال أيضا:
ما بين بعدك والتداني ... يا منيتي يفنى زماني
أحيا بقربك تارة ... ويميتني بعد المغاني
ما دام لي منك النعي ... م ولا الضنا مني بفاني
أطمعتني حتى إذا ... ملك الهوى طوعا عناني
أبديت لي منك القلى ... أنى وقد غلقت (٢) رهاني
بجمال طلعت التي ... أنوارها تحيي جناني
ومجال أمواه الحيا ... ة على جبينك كالجمان
وبلؤلؤ الثغر الذي ... يفتر عن برق يماني
نعم علي بنظرة ... فيها الشفاء لما أعاني
ما لي بأثقال الهوى ... إن غبت عن عيني يدان وقال ﵀ وهي من المجانسات الأواخر:
أئمة أهل الحب ما القول في فتى ... يرى حكم من يهواه من حكمه أولى
ويرضى بما يقضيه سراً وجهرة ... فهل واجب في شرعكم هجره أو لا
стр. 1649
في من عن المحبوب ليس بصابر ... نهاراً فهل يقوى على بعده حولا
فهل شافع بالوصل منه فلا قوى ... لقلبي بطول الصدر منه ولا حولا
أعبر عن أنوار طلع وجهه ... ببرق سرى من نحو كاظمة ليلا
وأكني بهند عن هواه ولم أشم ... وميضا ولا أحببت هندا ولا ليلى وقال رحمه الله تعالى:
ذهب الشباب وخانني جلدي ... وتمشت الأسقام في جسدي
ورمتني الستون من عمري ... فأصاب رشق سهامها كبدي
أودى الحمام بمن أحب من ال ... غر الحسان ففت في عضدي
وبقيت مسلوب القرين بلا ... عدد أسر به ولا عدد
لله ما وارى الثرى وحوى ... من والد بر ومن ولد
ومن ابن أم مشفق حدب ... وخليل صدق غير ذي فند
كم عاينت عيناي من رجل ... علم لمرتفد ومرتشد
شمس إذا ما المشكلات دجت ... غيث ووجه العام غير ندي
كانوا الهداة لأهل وقتهم ... سلكا بهم في أوضح الجدد
ومضوا وقد خلفت بعدهم ... فرداً أعالج لوعة الكمد
يا رب فاختم لي بخاتمه ال ... حسنى وخذ في شدتي بيدي وقال في بحر الذوبيت:
يا سامري الدجى بذات السمر ... هل عندكما لناشد من خبر
كم يسأل بالحمى ومن يخبره ... عن سر هوى يخفى على ذي نظر
من علم ذا الحمام شدو الشجن ... من هز من الغرام عطف الغصن
من أي صبابة حنين البدن ... ما ذلك إلا لهوى مستتر
يا طالب برء الدنف المشتاق ... هل عندك للديغ من درياق
стр. 1650
تا لله لقد أعجز رقي الراقي ... من يسحر لبه نسيم السحر
لله فتى مزق ثوب السلوى ... ثم ادرع الصبر لحمل البلوى
ما أظهر من شدة وجد شكوى ... قد باع لذاذة الكرى بالسهر
ما هز البرق سيفه أو ضحكا ... إلا وتذر الحمى ثم بكى
يقفو أثر الغرام أنى سلكا ... إما المأمول أو ذهاب العمر
قد لجج في بحر الهوى واقتحما ... واختار على الصحة فيه السقما
يرضى بقضاء الحب فيما حكما ... إن جار عليه الحب أو لم يجر
يا أعظم منيتي وأقصى أملي ... يا أشهر أدوائي وأخفى عللي
فيك اتسع الخرق وضاقت حيلي ... فاجبر بالوصل ما وهي من عمري
لا فزت مع الجمع بوادي جمع ... بالقصد وخانني وفي الدمع
إن لذ سوى حديثكم في سمعي ... أو راق مال غيركم في بصري
قد كف هوام لساني ويدي ... كم أخضع للعدا وأنتم عددي
أنتم أصل القرح الذي في كبدي ... والبرء بأيديكم (١) وكشف الضرر (٢)
أنتم لغزي في كل " ما " أكنيه ... أنتم سر في باطني أخفيه
أنتم معنى المعنى الذي أبديه ... أنتم قصدي أشرت أو لم أشر
لم آت إلى الموسم كي أذكركم ... كالغائب، بل أردت أن أنظركم
ما أصنع بالحج إذا لم أركم ... أنتم حجي وأنتم معتمري
ما قصدي في منى وفي دوحتها ... إلا أرج يفوح في ساحتها
تالله لقد شممت من نفحتها ... من نشركم ريا نسيم عطر
стр. 1651
لولا معنى يلوح بين الخيم ... ما عجت ولا وقفت عند العلم
لولا أنتم وحبكم في القدم ... ما سرت على الهول للثم الحجر
أخفيت إشاراتي عن العذال ... بالرند وبانة الحمى والضال
لما قامت شواهد الأحوال ... أخفيت عبارتي عن المعتبر
دق المعنى فحار لب الفهم ... في متضح عن الورى منعجم
كم قصر عنه من بعيد الهمم ... لا يدرك (١) بالحسن ووهم الفكر ٥٧٦ (٢)
ابن أبي خالد الكاتب الاشبيلي
يزيد بن عبد الله بن أبي خالد اللخمي الإشبيلي؛ قال ابن الأبار في " تحفة القادم ": هو صدر من نبهاء إشبيلية وأدبائها، وممن له قدر في منجبيها ونجبائها، وإلى سلفه (٣) ينسب المعقل المعروف بحجر أبي خالد، وتوفي بها سنة اثنتي عشرة (٤) وستمائة، ﵀. وأورد له في فتح المهدية (٥) :
كم غادر الشعراء من متردم ... ذخرت عظائمه لخير معظم
تبعا لمذخور الفتوح فإنها ... جاءت له بخوارق (٦) لم تعلم
من كل سامية المنال إذا انتمت ... رفعت إلى اليرموك صوت المنتمي
стр. 1652
وتوسطت في النهروان بنسبة ... كرمت ففازت بالمحل الأكرم وأورد له أيضاً قوله:
ويا للجواري المنشآت وحسنها ... طوائر بين الماء والجو عوما
إذا انتشرت في الجو أجنحة لها ... رأيت به روضا ونورا مكمما
وإن لم تهجه الريح جاء مصافحا ... فمدت (١) له كفا خضيبا ومعصما
مجاذف كالحيات مدت رؤوسها ... على وجل في الماء كي تروي الظما
كما أسرعت عدا أنامل حاسب ... بقبض وبسط يسبق العين والفما
هي الهدب في أجفان أكحل أوطف ... فهل صبغت من عندم أو بكت دما قال ابن الأبار: أجاد ما أراد في هذا الوصف وإن نظر إلى قول أبي عبد الله ابن الحداد يصف أصطول المعتثم بن صمادح:
هام صرف الردى بهام الأعادي ... أن سمت نحوهم لها أجياد
وتراءت بشركها (٢) لعيون ... دأبها ملء جانبيها سهاد
ذات هدب من المجاذيف حاك ... هدب باك لدمعه إسعاد
حمم فوقها من البيض نار ... كل من أرسلت عليه رماد
ومن الخط في يدي كل ذمر (٣) ... ألف خطها على البحر صاد قال: وما أحسن قول شيخنا أبي الحسن ابن حريق في هذا المعنى من قصيدة:
وكأنما سكن الأراقم جوفها ... من عهد نوح خشية الطوفان
فإذا رأي الماء يطفح نضنضت ... من كل خرت حية بلسان
стр. 1653
قال: ولم يسبقهم إلى الإحسان وإن سبقهم بالزمان علي بن محمد الإيادي التونسي في قوله:
شرعوا جوانبها مجاذف أتعبت (١) ... شأو الرياح لها ولما تتعب
تنضاع (٢) من كثب كما نفر (٣) القطا ... طورا وتجتمع اجتماع الربرب
والبحر يجمع بينها فكأنه ... ليل يقرب عقربا من عقرب ومن هذه القصيدة الفريدة في ذكر الشراع:
ولها جناح يستعار يطيرها (٤) ... طوع الرياح وراحة المتطرب
يعلو بها حدب (٥) العباب مطا ره ... في كل لج زاخر معلولب
يتنزل الملاح منه ذؤابة ... لو رام يركبها القطا لم يركب
وكأنما رام استراقة مقعد ... للسمع إلا أنه لم يشهب (٦) وقال أبو عمر (٧) القسطلي (٨) :
وحال الموج بين بني سبيل ... يطير بهم إلى الغول (٩) ابن ماء
أغر له جناح من صباح ... يرفرف فوق جنح من سماء أخذه ابن خفاجة فقال (١٠) :
стр. 1654
وجارية ركبت بها ظلاما ... يطير من الصباح بها جناح قال ابن الأبار: وقد عملت أنا في ذلك:
يا حبذا من بنات الماء سابحة ... تطفو لما شب أهل النار تطفئه
تطيرها الريح غربانا بأجنحة ال ... حمائم البيض للأشراك ترزؤه
من كل أدهم لا يلفى به جرب ... فما لراكبه بالقار يهنؤه
يدعى غرابا وللفتخاء سرعته ... وهو ابن ماء وللشاهين جؤجؤه ٥٧٧ (١)
" يزيد بن عبد الملك "
يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أمير المؤمنين أبو خالد الأموي الدمشقي؛ ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز لست بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وله سبع (٢) وثلاثون سنة وتوفي بأرض البلقاء، وقيل بعمان، لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة، وله إحدى وأربعون سنة، وكانت أيامه أربع سنين وشهرا.
وكان طويلا جسيما مدور الوجه، لم يشب، وكان شديد الكبر عاجزا، وهو صاحب حبابة وسلامة، وهما جاريتان (٣) شغف بهما، وماتت حبابة
стр. 1655
فمات بعدها بيسير أسفا عليها ولما ماتت تركها أياما لم يدفنها، وعوتب في ذلك فدفنها، وقيل إنه دفنها ثم نبشها بعد الدفن؛ وكان يسمى يزيد الماجن.
ولما تولى الخلافة أقبل على الشرب والانهماك، وكان يضع حبابة عن يمينه وسلامة عن يساره ثم يشرب إلى أن يسكر وتغنيانه فيطرب ويشق ما عليه ويقول: أطير، أطير؟! فيقولان: إلى من تترك الخلافة؟ فيقول: إليكما.
ولما ولي الخلافة قالت له زوجته: هل بقي لك أمل بعد الخلافة؟ قال: نعم، أن تحصل في ملكي حبابة، وفيها يقول:
أبلغ حبابة سقى ربعها المطر ... ما للفؤاد سوى ذكراكم وطر
إن سار صحبي لم أملك تذكركم ... أو عرسوا بي فأنت الهم والفكر فسكتت عنه، وأنفذت تاجراً اشتراها بمال عظيم وأحضرتها له خلف ستارة وأمرتها بالغناء، فلما سمعها اهتز وطرب وقال: هذا غناء أجد له في قلبي وقعاً فما الخبر؟ فكشفت الستر وقالت: هذه حبابة وهذا غناؤها فدونك وإياها، فغلبت على قلبه من ذلك، ولم ينتفع به في الخلافة.
وقال في بعض أيام خلواته: الناس يقولون إنه (١) لم يصف لأحد يوم كامل، وأنا أريد أن أكذبهم في ذلك، ثم أقبل على لذاته وأمر أن يحجب عن سمعه وبصره كل ما يكره، فبينما هو في صفو عيشه إذ تناولت حبابة حبة رمانة فشرقت بها فماتت، فاختل عقله، وتركها ثلاثة أيام لم يدفنها ثم دفنها ثم نبشها من قبرها، وتحدث الناس في خلعه من الخلافة، ولم يعش بعدها إلا خمسة عشر يوما. وفيها يقول رحمهما الله تعالى وعفا عنهما:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد (٢)
стр. 1656
٥٧٨ - (١)
ابن صقلاب
يزيد بن محمد بن صقلاب، أبو بكر الكاتب من أهل المرية؛ قال ابن الآبار: كان غزلا صاحب إبداع في قوله وأسجاع، مع سراوة وسخاوة، وكانت وفاته سنة تسع عشرة (٢) وستمائة. واورد له:
من الناس من يبقى (٣) من اللؤم عرضه ... وإن زانه ثوب عليه جديد
ومنهم جواد النفس لو سيل نفسه ... لكان بها طلق الجبين يجود
فذاك الذي تبقى مآثر مجده ... وآثارها في العالمين شهود
فإن عاش فالآمال خالدة به ... وإن مات فالأمداح فيه خلود وقال أيضاً:
أما ورياض من ضميرك ما درت ... غزارة بحر لا ولا بنت راقم
ولا رقمت كف الغمامة بردها ... وقد خلعت فيها جلود أراقم
فللخاطر السيال فيها سحابة ... وللقلم الجاري بها كف راقم
لقد أنعمتني إذ تنسمت عرفها ... على رمق لا يستلين (٤) لناقم
وإن جاد يوما بالرضى فهو مازج ... على إثره شهد الرضى بالعلاقم
مسحت بها حر الجوى عن جوانح ... حوت ضعف ما تحويه حرة واقم
стр. 1657
وقال أيضا:
أنا صب وابن صب ... بالعوالي والمعالي
وبناني (١) وجناني ... بهما قد المعالي
فهما إن فسح الله ... مدى العمر معا لي ٥٧٩ (٢)
الراضي ابن عباد
يزيد بن محمد بن عباد (٣) ، الراضي ابن المعتمد بن عباد؛ كان قد ولاه أبوه المعتمد الجزيرة الخضراء وعقل رندة إلى أن غلبه الملثمون على الجزيرة ثم حصروه برندة فلم يقدروا عليها لحصانتها، إلى أن حصل أبوه في أسرهم، فحملوه على أن خاطبه (٤) بالنزول إليهم اتباعا لرضاه، فنزل برأي أبيه وأخذ منهم عهدا وموثقا، فلما نزل إليهم ذبحوه.
وكان ناظما ناثرا، كتب إليه ابن عمار لما كان في حبس أبيه يسأله الشفاعة عند أبيه فأجاب: " ألان الله لك (٥) قلبا صيره غليظا عليك، وعطف عليك من غالبت فيه قوة الله وحوله بقوتك وحولك، فجاذبته رداء ملكه، وجهدت جهدك في نثر سلكه؛ تعلم أن سيدي ومولاي المعتمد
стр. 1658
- أيد الله سلطانه - إذا أصرم في شيء فلا يعارض:
ومن يسد طريق العارض الهطل ... وطلبت مني الشفاعة إليه فيك، وأنا عنده دون أن أشفع، وذنبك عنده فوق أن يشفع فيه، وبعد: فمن بره الذي أوجب الله علي أن لا أوالي له عدوا، ولا أعادي له وليا:
ولا تبغ من فرع زكي مخالفا ... لأصل فإن الأصل يتبعه الفرع
أغض جفوني عنك ما غض جفنه ... وإن كنت أطويها فينشرها الدمع
وأمنع صدري أن يلم بفكرة ... وفيه لما تشكوه من ألم لذع ومع هذا: فإني أبلغ النفس عذرها في استلطافه لك:
ومبلغ نفس عذرها مثل منجح ... ومن شعره:
مروا بنا أصلا من غير ميعاد ... فأوقدوا نار قلبي أي إيقاد
لا غرو أن زاد في شوقي مرورهم ... فرؤية الماء تذكي غلة الصادي وقال يخاطب أباه وقد نوه بغيره من إخوته:
حنانك إن يكن جرمي قبيحا ... فإن الصفح عن جرمي جميل
وإن عثرت بنا قدم سفاها ... فإني من عثاري مستقيل
ألست بفرعك الزاكي، وماذا ... يرجي الفرع خانته الأصول ووصل أبوه إلى لورقة لمحاربة العدو، وجهز إليه عسكرا وأمر ابنه الراضي أن يتقدم عليه، فاعتذر وأظهر المرض، فتقدم عليه المعتمد بنفسه ولاقى العدو فكانت الدائرة على المعتمد، فحجب عنه وجه رضاه، وكتب إليه بشعر منه:
стр. 1659
الملك في طي الدفاتر ... فتمثل عن قود العساكر
طف بالسرير مسلماً ... وارجع لتوديع المنابر
وازحف إلى جيش المعا ... رف (١) تقهر الجد المناظر (٢)
واضرب بسكين الدوا ... ة مكان ماضي الجد باثر
واقعد فإنك طاعم ... كاس وقل هل من مفاخر فأجابه الراضي شعر منه:
مولاي قد أصبحت كافر ... بجميع ما تحوي الدفاتر
وفللت سكين الدوا ... ة وظلت للأقدام كاسر
وعلمت أن الملك ما ... بين الأسنة والبواتر
هبني أسأت كما ذكر ... ت أما لهذا العتب آخر
هب زلتي لبنوتي ... واغفر فإن الله غافر فقربه وصفح عنه.
٥٨٠ - (٣)
يزيد بن معاوية
يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أمير المؤمنين أبو خالد؛ ولد سنة خمس أو سنة ست وعشرين
стр. 1660
للهجرة، بويع له بدمشق في شهر رجب سنة ستين للهجرة، وتوفي بدمشق لأربع عشرة (١) ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين، وكان مدة ملكه ثلاث سنين وثمانية أشهر واثنين وعشرين يوما، وصلى عليه ابنه معاوية، وسنه ثماني وثلاثون (٢) سنة.
وكان ضخما آدم (٣) سمينا مجدورا، وله ديوان لا يصح عنه منه إلا القليل، وقد جمع ديوانه (٤) الصاحب جمال الدين علي بن يوسف القفطي وأضاف إليه كل من اسمه يزيد.
وقال الشيخ شمس الدين الذهبي: لما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل، وقتل الحسين ﵁ وإخوته، وأكثر من شرب الخمر وارتكب أشياء منكرة أبغضه الناس وخرج عليه غير واحد ولم يبارك الله تعالى في عمره.
سئل الكيا الهراسي (٥) عن يزيد بن معاوية فقال إنه لم يكن من الصحابة لأنه ولد في زمن عمر بن الخطاب؛ وأما قول السلف ففيه قولان: تلويح وتصريح، ولنا قول واحد: التصريح دون التلويح (٦) ، وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالشطرنج والنرد والمتصيد بالفهود ومدمن الخمر؟!
قيل إن معاوية في بعض الليالي أنهي إليه أن يزيد ولده يشرب، فأتى إليه ليوقع به فوجده يقول:
ألا إن أهنا العيش ما سمحت به ... صروف الليالي والحوادث نوم
стр. 1661
فقال معاوية: والله لا كنت عليه في هذه الليلة من الحوادث، ثم رجع من حيث أتى.
رجعنا إلى الأصل:
وكتب الكيا فصلا طويلا ثم قلب الورقة وكتب: " لو " مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل، وكتب فلان ابن فلان.
وقد أفتى الغزالي رحمه الله تعالى بخلاف ذلك، فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد: هل يحكم بفسقه؟ فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلا، ومن لعن مسلما فهو الملعون، وقد قال رسول الله ﷺ : " المسلم ليس بلعان "، وكيف يجوز لعن المسلم ولا يجوز لعن البهائم، وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي ﷺ ؛ ويزيد صح إسلامه، وما صح قتله الحسين ﵁ ولا أمره ولا رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك منه لا يجوز أن يظن ذلك به، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام، وقد قال الله تعالى " اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم " " الحجرات: ١٢ " وقال النبي ﷺ : إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء. ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به فينبغي أن يعلم غاية حمقه (١) ، فإن كان من عصره من الأكابر والوزراء والسلاطين لو أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله أو رضي به أو كرهه لم يقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف لو كان في بلد بعيد وزمن بعيد وقد انقضى، فكيف نعلم ذلك في ما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد؟ وقد تطرق التعصب في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث، فهذا أمر لا تعرف حقيقته أصلا، وإذا لم تعرف وجب إحسان الظن بكل
стр. 1662
مسلم، ومع هذا فلو ثبت على مسلم أنه قتل مسلما فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر بل هو معصية، فإذا مات القاتل ربما مات بعد التوبة، والكافر لو تاب من كفره لم تجز لعنته، فكيف بمن تاب عن قتل؟ وكيف نعرف أن قاتل الحسين ﵁ مات قبل التوبة، " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده " " الشورى ٢٥ " فإذن لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقاً عاصياً لله ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصياً بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة: لم لم تلعن إبليس، ويقال للاعن: لم لعنت؟ ومن أين عرفت أنه ملعون مطرود؟ والملعون هو المبعود من الله ، ولك عيب ولا يعرف إلا في من مات كافراً، فإن ذلك علم بالشرع، وأما الترحم عليه فهو جائز، بل هو مستحب، بل هو داخل في قولنا كل صلاة: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنه كان مؤمنا، والله أعلم، كتبه الغزالي.
وحكى ابن القفطي أن يزيد كان له قرد يجعله بين يديه ويكنيه أباقيس، ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل أصاب خطيئة فمسخ، وكان يسقيه النبيذ ويضحك منه، وكان يحمله على أتان، فحمله يوما وجعل يقول:
تمسك أبا قيس بفضل عنانها ... فليس عليها إن هلكت ضمان
فقد سبقت خيل الجماعة كلها ... وخيل أمير المؤمنين أتان وجاء أبا قيس في ذلك اليوم ريح فمال ميتا والأتان، فحزن عليه وأمر بدفنه بعد أن كفنه، وأمر أهل الشام أن يعزوه فيه وأنشأ يقول:
لم يبق قرم (١) كريم ذو محافظة ... إلا أتانا يعزي في أبي قيس
شيخ العشيرة أمضاها وأحملها ... له المساعي مع القربوس والديس
стр. 1663
لا يبعد الله قبرا أنت ساكنه ... فيه الجمال وفيه لحية التيس ومن شعره:
شربت على الجوزاء كأسا روية ... وأخرى إذا الشعرى العبور استهلت
معتقة كانت قريش تعافها ... فلما استحلوا دم عثمان حلت ومنه:
أقول لصحب ضمت الكاس شملهم ... وداعي صبابات الهوى يترنم
خذوا بنصيب من نعيم ولذة ... فكل وإن طال المدى يتصرم
ولا تتركوا يوم السرور إلى غد ... فرب غد يأتي بما ليس يعلم
ألا إن أهنأ العيش ما سمحت به ... صروف الليالي والحوادث نوم
لقد كادت الدنيا تقول لأهلها ... خذوا لذة، لو أنها تتكلم
وسيارة ضلوا (١) عن القصد بعدما ... تداركهم جنح من الليل مظلم
أناخوا على قوم ونحن عصابة ... وفينا فتى من سكره يترنم
أضاءت لهم منا على البعد قهوة ... كأن سناها ضوء نار تضرم
إذا ما حسوناها أناخوا مطيهم ... وإن مزجت حثوا الركاب ويمموا وقال أيضا:
ولقد طعنت الليل في أعجازه ... بالكاس بين غطارف كالأنجم
يتمايلون على النعيم كأنهم ... قضب من الهندي لم تتثلم
ولقد شربناها بخاتم ربها ... بكرا وليس البكر مثل الأيم
ولها سكون في الإناء ودونه ... شغب يطوح بالكمي المعلم وقال أيضا:
ولي ولها إذا الكاسات دارت ... رقى سحر يحل عرى الهموم
стр. 1664
محادثة ألذ من الأماني ... وبث جوى أرق من النسيم وقال أيضا:
وساق أتاني والثريا كأنها ... قلائص قد أعنقن خلف فنيق
وناولني كأسا كأن بنانه ... مخلفة من نورها بخلوق
وقال اغتنم من دهرنا غفلاته ... فعقد وداد الدهر غير وثيق
وإني من لذات دهري لقانع ... بحلو حديث أم بمر عتيق
هما ما هما لم يبق شيء سواهما ... حديث صديق أم عتيق رحيق
إذا شجها الساقي حسبت حبابها ... نجوما (١) تبدت في سماء عقيق ويقال إنه لما أتي برأس الحسين ﵁ صاح بنات معاوية وعيالهم وسمعهم يزيد فذرفت عيناه وقال:
يا صيحة تحمد من صوائح ... ما أهون الموت على النوائح ثم قال: إذا قضى الله أمرا كان مفعولا، كنا نرضى من أهل العراق بدون قتل الحسين. وعرض عليه في من عرض علي بن الحسين ﵄ فأراد قتله والأمن من غائلته ثم كف وارعوى وقال:
هممت بنفسي همة لو فعلتها ... لكان قليلا بعدها ما ألومها
ولكنني من عصبة أموية ... إذا هي زلت أدركتها حلومها ولما تحقق معاوية أن يزيد يشرب الخمر عز عليه ذلك وأنكر عليه وقال: إن رسول الله ﷺ قال: من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر، وإنك تقدر على بلوغ لذتك في ستر؛ فتماسك عن الشرب ثم دعته نفسه لما اعتاده، فجلس على شرابه، فلما استخفه الخمر وداخله الطرب قال يشير إلى أبيه:
стр. 1665
أمن شربة من ماء كرم شربتها ... غضبت علي؟! الآن طاب لي السكر
سأشرب فاغضب لا رضيت، كلاهما ... حبيب إلى قلبي: عقوقك والخمر ٥٨١ (١)
يزيد بن الوليد أمير المؤمنين
يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان؛ لقب الناقص لأنه نقص الناس من أعطائهم، وقيل لقرب مدته، وقيل غير ذلك. ويقال له: " المعتزلي " و " الضال ". وكان أسمر حسن الوجه نحيف الجسم معتدل القد أعرج، وقال المدائني (٢) : ناقص الوركين، ولذلك قيل له الناقص.
ولد في الكعبة سنة إحدى وتسعين للهجرة في حياة جده عبد الملك، وبويع له بدمشق يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة (٣) سنة ست وعشرين وائة، وله خمس وثلاثون سنة، وكانت خلافته خمسة أشهر ويومين وتوفي في ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، ونبشه مروان بن محمد وصلبه.
وكان أبلغ بني أمية، بلغه عن مروان بن محمد أمر فكتب إليه: " أما بعد فإني رأيتك تقدم رجلا وتؤخر أخرى فاعتمد على أيهما شئت "، فقال له مروان: أنا على لقاء العساكر أقوى مني على لقاء هؤلاء الكلمات؛ ثم أذعن ودخل فيما فيه الجماعة.
стр. 1666
ويزيد هذا هو أول من خرج بالسلاح في العيد؛ يقال إنه مات بالطاعون ودفن بين باب الجابية والباب الصغير، وصلى عليه أخوه إبراهيم، رحمه الله تعالى.
٥٨٢ - (١)
يعقوب النيسابوري
يعقوب بن أحمد بن محمد النيسابوري اللغوي الأديب الكردي؛ توفي في شهر رمضان سنة أربع وسبعين وأربعمائة، قرأ الأصول على الحاكم أبي سعد ابن دوست، وصحب الأمير أبا الفضل الميكالي، ورأى العميد القهستاني، وقرأ الحديث الكثير على المشايخ، ونسخ الكتب بخطه الحسن، وكان متواضعا يخالط الأدباء وله نظم ونثر وتصانيف وفرائد ونكت وطرف.
وذكره العماد الكاتب في " الخريدة " وقال: إن له من الكتب كتاب " البلغة " وكتاب: " جونة الند " وأورد له من الشعر:
كم من كتاب قد تصفحته ... وقلت في ذهني صححته
ثم إذا طالعته ثانيا ... رأيت تصحيفا فأصلحته ومن شعره:
حلاوة أيام الوصال شهية ... ولكن ليالي الهجر أمررن طعمها
ولي كبد حرى ونفس عليلة ... كليم تولى كلمها البيض كالمها وقال:
стр. 1667
وقالوا لي: أبو حسن كريم ... فقلت الميم هاء في العباره
وما لجلاله أرجوه لكن ... رأيت الكلب يرمى بالحجاره وقال:
يرى الناس منه كالمسيح ابن مريم ... وفي ثوبه التمساح أو هو أغدر
أغركم منه تقلص ثوبه ... وذلك حب دونه الفخ فاحذروا ٥٨٣ (١)
الخازن الشافعي
يعقوب بن سليمان بن داود، أبو يوسف الخازن الإسفراييني؛ سافر " إلى " العراق والشام وسكن بغداد، وتفقه على القاضي أبي الطيب الطبري، وكان خازن الكتب بالنظامية، وهو فقيه فاضل حسن المعرفة بالأصول على مذهب الأشعري، وله معرفة بالأدب، وكان يكبت خطا جيدا، وصنف كتاب " المستظهري " في الإمامة وشرائط الخلافة والسير العادلة، وكتاب " سير الخلفاء " و " محاسن الآداب " و " بدائع الأخبار وروائع الأشعار " وتوفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، ﵀.
ومن شعره:
إن الذي قسم المعيشة بيننا ... قد خصني بالسعي في الآفاق
متشتتا لا أستقر ببلدة ... في كل يوم أبتلى بفراق ومنه:
стр. 1668
لم بنا وهنا فقال سلام ... خيال لسلمى الرفاق نيام
الم وفي أجفان عيني وصارمي ... غراران نوم غالب وحسام
أجيراننا بالخيف سقاكم الحيا ... مراضع در ما لهن فطام
ظعنتم فسلمتم إلى الوجد مهجتي ... كأن قلوب الظاعنين (١) سلام ٥٨٤ (٢)
أبو البشر البندنيجي
اليمان بن أبي اليمان، أبو البشر البندنيجي؛ أصله من الأعاجم من الدهاقين، ولد أكمه لا يرى الدنيا في سنة مائتين، وتوفي سنة أربع وثمانين ومائتين: نشأ بالبندنيجين (٣) وحفظ هناك أدبا كثيرا وأشعارا كثيرة، قال: حفظت في مجلس واحد مائة وخمسين بيتا من الشعر بغريبه. وخرج إلى بغداد وسر من رأى ولقي العلماء، وقرأ على محمد بن زياد الأعرابي وسمع منه، ولقي أبا نصر صاحب الأصمعي وهو ابن أخته.
وكان لأبي بشر ضياع كثيرة وبساتين خلفها أبوه فباعها وأنفقها في طلب العلم، ولقي يعقوب ابن السكيت والزيادي والرياشي وقرأ عليهما من حفظه كتبا كثيرة.
ومن تصانيفه كتاب " معاني الشعر " كتاب " العروض " ومن شعره:
أنا اليمان بن أبي اليمان ... أشعر من أبصرت في العميان
стр. 1669
إن تلقني تلق عظيم الشان ... تلاقني أفصح من سحبان في العلم والحكمة والبيان ... ومر يوماً بباب الطاق فسمع صوت قمرية من حانوت خباز فبكى بكاء شديدا وقال لقائده: مل بي إليه، فأقامه عليه فقال: يا خباز، أتبيع هذه؟ قال: نعم، قال: بكم؟ قال: بعشرة دراهم، ففتح منديله فعد له الدراهم ثم أخذ الحمامة فأطلقها وأنشأ يقول:
ناحت مطوقة بباب الطاق ... فجرت سوابق معي المهراق
حنت إلى أرض الحجاز بحرقة ... تسبي فؤاد الهائم المشتاق
تعس الفراق وجذ حبل وتينه ... وسقاه من سم الأساود ساقي
يا ويحه ما باله قمرية ... لم تدر ما بغداد في الآفاق
كانت تفرخ في الأراك وربما ... كانت تفرخ في فروع الساق
فأتى الفراق بها العراق فأصبحت ... بعد الأراك تنوح في الأسواق
إني سمعت حنينها فابتعتها ... وعلى الحمامة جدت بالإطلاق
بي مثل ما بك يا حمامة فاسألي ... من فك أسرك أن يفك وثاقي ومن شعره:
فديوان الضياع بفتح ضاد ... وديوان الخراج بغير جيم
إذا ولي ابن عباس وموسى ... فما أمر الإمام بمستقيم
стр. 1670
٥٨٥ - (١)
الحافظ اليغموري
يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد، الحافظ جمال الدين اليغموري أبو المحاسن الأسدي الدمشقي؛ ولد في حدود الستمائة، وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبعين وستمائة، سمع الكثير بدمشق والموصل ومصر والإسكندرية، وعني بالحديث وتعب وحصل وكتب الكثير من الحدي والأدب، وكان له فهم ومعرفة وإتقان ومشاركة في الآداب والتواريخ، وله مجاميع حسنة. وتوفي عند شهاب الدين ابن يغمور، وكان يصحب والده.
كتب شهاب الدين ابن الخيمي إلى الحافظ اليغموري، وكانا أرمدين:
أبثك يا خليل أن عيني ... غدت رمداء تجري مثل عين
حديث أنت تعرفه يقينا ... لأنك قد رمدت وأنت عيني فأجاب الحافظ:
كفاك الله ما تشكو وحيا ... محاسن مقلتيك بكل زين
فإني من شفائك ذو يقين ... لأنك قد شفيت وأنت عيني ومن شعر الحافظ:
رجع الود على رغم الأعادي ... وأتى الوصل على وفق المراد
стр. 1671
ما على الأيام ذم بعدها ... كفر القرب إساءات البعاد وقال:
أنا مرآة فإن أبصرتم ... حسنا أنتم بها ذاك الحسن
أو تروا ما ليس يرضيكم فقد ... صدئت أن لم تروها من زمن ٥٨٦ (١)
علم الدين القناوي
يوسف بن أحمد بن إبراهيم، علم الدين الخطيب القناوي الشافعي الأديب؛ كان من الرؤساء الأعيان الكرماء الأجواد الأذكياء، وكانت له معرفة جيدة بحل الألغاز ونظم منها أشياء كثيرة، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، ﵀.
وله لغز في " لابس " (٢) ، البيت الثاني منه:
يبين إن صحف مع قول لا ... وهو إذا صحفته " لا يبين " وله لغز في مغني:
ما اسم إذا عكسته ... يطرب إن سمعته
ينعم بالوصل متى ... صحف ما عكسته وله لغز في زغل:
وما لغز إذا فتشت شعري ... تراه مسطرا فيه مسمى
стр. 1672
وإن تعكسه كان من التحري ... إذا حققته في البير يرمي
وفاعله إذا نموا عليه ... فيخشى أن تزل يداه حتما ٥٨٧ (١)
الحافظ ابن بكار
يوسف بن الحسن بن بدر بن الحسن بن مفرج بن بكار، الحافظ المفيد الإمام السيد شرف الدين النابلسي الأصل الدمشقي الشافعي؛ ولد سنة ثلاثة وستمائة، وتوفي سنة إحدى وسبعين وستمائة. سمع من ابن البن وغيره، ورحل وعني (٢) بهذا الشان، ونسخ بنفسه وبالأجرة، وخطه طريقة مشهورة حلوة، وخرج لنفسه " الموافقات " في خمسة أجزاء، وحدث بدمشق والإسكندرية والقاهرة؛ روى عنه الدمياطي وابن الخباز (٣) وابن العطار والكندي، وكان ثقة حافظا متقنا جيد المذاكرة جيد النظم حسن الديانة ذا عقل ووقار، ولي مشيخة دار الحديث النورية بدمشق.
ومن شعره رحمه الله تعالى:
بحق خضوعي في الهوى وتملقي ... وفيض دموعي والضنا وتقلقي
وشدة وجدي والغرام ولوعتي ... وفرط هيامي فيكم وتمزقي
стр. 1673
بعزكم يا سادتي بتذللي ... بعظم حنيني نحوكم وتشوقي
بوقفتنا يوم اجتمعنا برامة ... على يمنة الوادي، بعهدي بموثقي
أجيروا فؤادي من جفاكم وأسعفوا ... بقرب ولا تصغوا لزور منمق
أتاكم به الواشي وما خلت أنه ... غداة سعى بي عندكم بمصدق
تعلقكم قلبي قديما من الصبا ... وما حال عن ذاك الهوى والتعلق
وها هو يرجو أن يراكم لعله ... يبثكم ماذا لقي حين نلتقي وقال:
سلوا عذبات الرند أو نسمة الصبا ... إلى غيركم هل مال قلبي أو صبا
فعندهما أخبار كل متيم ... محب لكم ما حال من زمن الصبا
يحن إليكم كلما لاح بارق ... ويشتاقكم يا ساكني ذلك الخبا
ويرتاح نحو المنحنى وطويلع ... ويهفو إلى تلك المعالم والربى وقال أيضاً:
رأى البرق نجديا فجن بمن يهوى ... ولاحت له نار فحن إلى حزوى
وهبت له من جانب الغور نفحة ... أتته بريا ساكني السفح من رضوى
محب لهم مغرى بهم كلف جو ... إلى اللوم فيهم ما أصاخ ولا ألوى
يناجي نسيم الصبح عند هبوبه ... بأخبار ذاك الحي يا طيبها نجوى
ويشكو إليه ما يلاقي من الهوى ... كذا كل صب يستريح إلى الشكوى
فيا راحة الروح التي شغفت بهم ... ويا منتهى المطلوب والغاية القصوى
رويتم حديث الصد عال مسلسل (١) ... فلم ذا أحاديث التواصل لا تروى
مرابع ذكراكم بقلبي أواهل ... ومغنى التسلي عن محبتكم أقوى
أرى كل خلق يدعيكم وينتمي ... إليكم ولكن من تصح له الدعوى
سلام على أهل الغرام جميعهم ... وخفف عنهم ما يلاقوا من البلوى (٢)
стр. 1674
عذاب الهوى مستعذب عند أهله ... وغلتهم فيه مدى الدهر لا تروى
سكارى وما دارت على القوم خمرة ... سوى أن خمر الحب طرحهم نشوى وقال أيضا:
أهيل الحمى والنازلين برامة ... ومن حل تلك الدار بالأجرع الفرد
أحن إليكم كل حين ولحظة ... وتطلبكم عيني وإن كنتم عندي
وفي القلب ما فيه من الشوق والجوى ... سلام على نجد ومن حل في نجد
وأذكركم والدار قد نزحت بنا ... فأسبل دمعي كالجمان على خدي
فيا أهل ذياك الحمى وحياتكم ... يمين وفي لا يحول عن العهد
هواي الهوى المعهود ليس بزائل ... وإن بعدت داري، ووجدي لكم وجدي
مقيم على رعي العهود وحفظها ... فيا ليت علمي كيف حالكم بعدي
ترى بعد هذا البعد يرجى لقاؤنا ... ويجمعنا ظل لدى البان والرند
وأشرح ما قاسيته ولقيته ... فيا نيل آمالي بذاك ويا سعدي وقال أيضا:
شفيعي إليكم ذلتي وخضوعي ... وفرط غرامي فيكم وولوعي
وشدة أشواقي إليكم وحرقتي ... عليكم وأنفاسي وفيض دموعي
جنابكم لي موطن وحماكم ... ملاذ وأنتم مفزعي ونزوعي
تقضى زماني في هواكم فلا أرى ... سواكم إليه موئلي ورجوعي وقال أيضاً:
سلام عليكم شطت الدار بيننا ... على أن ذكراكم قريب إلى قلبي
إذا العين لم تلقاكم " وتراكم " (١) ... ففكري يلقاكم على البعد والقرب
стр. 1675
٥٨٨ - (١)
جمال الدين الشاعر
يوسف بن سليمان بن أبي الحسين (٢) بن إبراهيم، الفقيه الأديب الشاعر الخطيب الصوفي الشافعي، جمال الدين؛ سألته عن مولده فقال لي: سنة ثلاث وتسعين وستمائة بنابلس، ونشأ بدمشق وقرأ بها الأدب على الشيخ تاج الدين المني والنحو على الشيخ نجم الدين القحفازي وغيره. وحج سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، ثم حج في سنة سبع وأربعين وسبعمائة عقيب موت ولده سليمان، فإنه حصل له عليه وجد عظيم وألم كثير فما رأى لنفسه دواء غير الحج.
وهو شاعر مجيد في المقاطيع يجيد نظمها ومعناها، وله بديهة مطاوعة وارتجال مسرع، لذيذ المفاكهة جميل الود حسن الملقى؛ توفي رحمه الله تعالى في ثامن عشر ربيع الآخر سنة خمسين وسبعمائة " ولم " ينقطع (٣) غير يوم واحد.
أنشدني لنفسه:
أسر الفؤاد ودم عيني أطلقا ... والوجد جده وصبري مزقا
حلو الشمائل ما أمر صدوده ... متنعم قد لذ لي فيه الشقا
كملت محاسنه فلو أهدي السنا ... للبدر عند كماله ما أشرقا
يا عاذلي أقصر وتب عما مضى ... ما أنت في عذل المحب موفقا
يا فاتر الأجفان أحرقت الحشا ... مني فمت صبابة وتشوقا
يمضي الزمان وما أزور دياركم ... من خشية الرقباء عند الملتقى
стр. 1676
وأريد أسبح في الدموع عليكم ... فأخاف من ضعف القوى أن أغرقا
أما غرامي في هواك فإنه ... حي ولكن في السلو لك البقا وله رحمه الله تعالى موشح:
زائر بالخيال ... زائل عن قربي
باهر بالجمال ... ناهر بالعجب
أي غصن نضير ... نزهة للنظر
لحظ عيني خفير ... منه ورد الخفر
يا له من غرير ... في هواه غرر
ساحر بالدلال ... ساخر بالصب
فائق في الكمال ... لائق بالحب
بشذا المسك فاح ... ثغر هذا الغزال
باسم عن أقاح ... أو فريد اللآل
رد نور الصباح ... كظلام الليال
ريقه حين جال ... في لماه العذب
صرت بين الزلال ... والهوى في كرب
ذو قوام رطيب ... منه تجني الحرق
رام ظلم القضيب ... فاشتكى بالورق
فتثنى الحبيب ... ورنا بالحدق
سل بيض النصال ... من سواد الهدب
والعوالي أمال ... بالقوام الرطب
لو رأته القسوس ... حسبته المسيح
стр. 1677
وهو يحيى النفوس ... بالكلام الفصيح
ما تبين الشموس ... عند هذا المليح
خل عنك الغزال ... يرتعي في الكثب
ثم قل للهلال ... يحتجب بالغرب
ثغره في بريق ... إذ جلاه بريق
كل حر رقيق ... للسماه الرقيق
خده والشقيق ... ذا لهذا شقيق
قد بدا فيه خال ... كسواد القلب
إذ غدا في اشتعال ... فوق نار الحب
ما لصب صبا ... في هواه نصيب
منه قبل الصبا ... قد علاني المشيب
يا نسيم الصبا ... جز بأرض الحبيب
واجتهد أن تنال ... منه طيب القرب
ثم عد بالنوال ... من هدايا حبي
جائر قد ظهر ... عدله في القوام
في الوجود اشتهر ... مثل بدر التمام
فيه يحلو السهر ... ويمر المنام
صد تيهاً وقال ... وهو يبغي حربي
لحظ عيني نبال (١) ... قلت آه وا قلبي وقال في صفة فرس أدهم:
وأدهم اللون فات البرق وانتظره ... فغارت الريح حتى غيبت أثره
стр. 1678
فواضع رجله حيث انتهت يده ... وواضع يده أني رمى بصره
سهم تراه يحاكي السهم منطلقاً ... وما له غرض مستوقف خبره
إذا توقل قطب الدين صهوته ... أبصرت ليلاً بهيماً حاملاً قمره وقال أيضاً:
قد مضت ليلة الوصال بحال ... قصرت عن محصل الأزمان
أخبرتنا أن الزمان جميعاً ... قد تقضي في ليلة الهجران وقال:
يعيبون من أهوى بكسرة جفنه ... وعندي بهذا (١) العيب قد تم حسنه
فقلت وما قصدي سوى سيف لحظه ... إذا دام فتك السيف يكسر جفنه وقال في دولاب الصاحب شمس الدين:
ودولاب يحن بجبس عود ... على وتر يساس بغير حس
فلما أن بدت منه نجوم ... حكى فلكاً يدور بسعد شمس وقال أيضاً في زهر الخشخاش:
ونوار خشخاش بكرنا نزوره ... وقد دهش الرائي بحسن
تغني به الشحرور من فرط شجوه ... فنقط بالياقوت ملء دفوفه وقال:
كأن السحاب الغر لما تجمعت ... وقد فرقت عنها الهموم بجمعها
نياق ووجه الأرض قعب وثلجها ... حليب ومر الريح حالب ضرعها وقال:
كأن ضوء البدر لما بدا ... ونوره بين غضون (٢) الغصون
стр. 1679
وجه حبيب زار عشاقه ... فاعترضت من دونه الكاشحون فقال زين الدين الصفدي رحمه الله تعالى:
نظرت في الشهب وقد أحدقت ... بالبدر منها في الدياجي عيون
والروض يستحلي سنا نوره ... فتحسد الأرض عليه الغصون
وكلما صانته أوراقها ... نازعها الريح فلاح المصون
فقلت حتى البدر لم يخله ... ريب الليالي في السما من يعون ونظم الشيخ صلاح الدين الصفدي حرسه الله تعالى:
كأنما الأغصان لما انثنت ... أمام بدر التم في غيهبه
بنت مليح خلف شباكها ... تفرجت منه على موكبه ونظم أيضاً:
وكأنما الأغصان يثنيها الصبا ... والبدر من خلل يولح ويحجب
حسناء قد عامت وأرخت شعرها ... في لجة والموج فيها يلعب وكتب الشيخ صلاح الدين الصفدي إلى جمال الدين المذكور ملغزاً في مكوك الحائك:
أيا من فاق في الآداب حتى ... أقر بفضله الجم الغفير
وأحرز في المنى قصبات سبق ... فدون محله الفلك الأثير
وأطلع في سماء النظم زهراً ... يلوح فمن زهير أو جرير
قطعت أولي النهى وافضل بحثاً ... فمالك في مناظرة نظير
إذا أعربت في الإعراب وجهاً ... فكم ثلجت بما تدبي صدور
وإن قيل المعمى والمورى ... فذهنك ناقد فيه بصير
وها أنا قد دعوتك للتحاجي ... لأنك في الحجا طب خبير
فما ساع يرى في غير أرض ... ولا هو في السما مما يطير
стр. 1680
تراه مردداً ما بين طرد ... وعكس قصرت عنه الطيور
ويلطم كلما وافى مداه ... ويسحب وهو مغلول أسير
وتنزع كل آونة حشاه ... ويلقى وهو للبلوى صبور
ويرشف بعد ذلك منه ثغر ... ولا عذب هناك ولا نمير
إذا ما سار أثر في خطاه ... طرائق دونها الروض النضير
يجر إذا سعى ذنباً طويلاً ... ويفتر حين يعلوه قصور
ويسمع منه عند الجري صوت ... له في صدره منه خرير
قليل المكث كم قد بات تطوى ... له من شقة لما يسير
ويفترش الحرير ويرتديه ... غطاء وهو مع هذا فقير
وتظهر في جوانبه نجوم ... وفي أحشائه فلك يدور
فأوضح ما ذكرت فغير خاف ... على مجموع فضلك ما أشير
ودم في نعمة وسعود جد ... وعز ما سقى روضاً (١) غدير فكتب جمال الدين الجواب:
أوجهك لاح أم قمر منير ... وذكرك فاح أم نفح العبير
طلعت طلوع شمس الصحو صبحاً ... على فرس حكى فلكاً يسير
ويا لله روض ضمن طرس ... زهير في جوانبه جرير
رميت به إلي فقلت هذا ... شاع الشمس مأخذه عسير
أراني رمزه الوضاح حسناً ... ينبهني على أني حقير
وأني ملحق بأقل صنف ... إذا ما حقق الجم الغفير
فمذ صحفته فكري مكوك ... ومذ نشرته باعي قصير
هو المأسور بالماسور لكن ... له في أسره مرح كثير
نشيط أيد ويعاد طوعاً ... بخيط متنه واه طرير
стр. 1681
يراع لأن مهجته يراع ... له في الجوف من خوف صفير
يحور إلى يمين من شمال ... وما يعيا بذا لكن يخور
غدا يسعى بأربعة سراع ... وليس لمشيه بهم نظير
يخالف بين رجليه فيجري ... وترفعه يداه فيستطير
له نول يسير لكل حي ... وميت منه إحسان كثير
إذا أسدى إليه الخير مسد ... جزاه عليه وهو بذا قدير
كذاك صفاتك الحسنى ولكن ... بدأت تطولاً وبنا قصور
فغفراً ثم ستراً ثم قصراً ... فأين الثمد والبحر الغزير توفي جمال الدين المذكور رحمه الله تعالى " ... " (١) .
٥٨٩ - (٢)
مهمندار العرب
يوسف بن سيف الدولة بن زماخ بالزاي والميم المشددة والخاء المعجمة بعد الألف الحمداني المهمندار؛ شيخ متجند، قال الشيخ أثير الدين: أنشدني بدر الدين المهمندار المذكور لنفسه:
وليلة مثل عين الظبي وهي معي ... قطعتها آمناً من يقظة الرقبا
أردفته فوق دهم الليل مختفياً ... والصبح يركض خلفي خيله الشهبا
حتى دهاني وعين الشمس فاترة ... وقد جذبت بذيل الليل ما انجذبا
стр. 1682
ما هي بأول عادات الصباح معي ... ليل الشباب بصبح الشيب كم هربا وقال: أنشدني لنفسه:
فلا تعجب لحسن المدح مني ... صفاتك أظهرت حكم البوادي
وقد تبدي لك المرآة شخصاً ... ويسمعك الصدا ما قد تنادي وقال: أنشدني لنفسه:
ما شيمة العرب العرباء شيمتكم ... ولا بهذا عرفن الخرد الغيد
كانت سليمى ولبنى والرباب إذا ... أزمعن هجراً أتتهن الأناشيد
ودار بينهما فحوى معاتبة ... أرق مما أراقته العناقيد
وآفة الصب مثل يأ، يبث جوى ... لمن يحب ولا يثني له جيد وقال لما خاض الملك الظاهر الفرات يمدحه ويصف الوقعة (١) :
لو عاينت عيناك يوم نزالنا ... والخيل تطفح في العجاج الأكدر
وسنا الأسنة والضياء من الظبا ... كشفا لأعيننا قتام العثير
وقد اطلخم الأمر واحتدم الوغى ... وهي الجبان وساء ظن المجتري
لرأيت سداً من حديد ما يرى ... فوق الفرات وفوقه نار تري
ورأيت سيل الخيل قد بلغ الزبى ... ومن الفوارس أبحراً في أبحر
طفرت وقد منع الفوارس مدها ... تجري ولولا خيلنا لم تطفر
حتى سبقنا أسهماً طاش لنا ... منهم إلينا بالخيول الضمر
لم يفتحوا للرمي منهم أعيناً ... حتى كحلن بكل لدن أسمر
فتسابقوا هربً ولكن ردهم ... دون الهزيمة رمح كل غضنفر
ملأوا الفضاء فعن قليل لم ندع ... فوق البسيطة منهم من مخبر
سدت علينا طرقنا قتلاهم ... حتى جنحنا للمكان الأوعر
стр. 1683
ما كان أجرى خيلنا في إثرهم ... لو أنها برءوسهم لم تعثر
من كل أشهب خاض في بحر الدما ... حتى بدا لعيوننا كالأشقر
كم قد فلقنا صخرة من صرخة ... ولكم ملأنا محجراً من محجر
وجرت دماؤهم على وجه الثرى ... حتى جرت منها مجاري النهر
والظاهر السلطان في آثارهم ... يذري الرؤوس بكل عضب أبتر
ذهب العجاج مع النجيع بصقله ... فكأنه في غمده لم يشهر
إن شئت تمدحه فقف بازائه ... مثلي غداة الروع وانظم وانثر وكتب إليه ناصر الدين ابن النقيب:
أيوسف بدر الدين والحسن كله ... ليوسف يعزي إذ إلى البدر ينسب
أتيت أخيراً غير أنك أول ... تعد من الآحاد شعراً وتحسب
وأحسن ما في شعرك الحر أنه ... به ليس يستجدي ولا يتكسب توفي المذكور بعد الثمانين والستمائة، رحمه الله تعالى.
٥٩٠ - (١)
محيي الدين ابن الجوزي
يوسف بن عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي؛ هو الصاحب العلامة محيي الدين ابن الإمام جمال الدين ابن الجوزي الواعظ البغدادي الحنبلي أستاذ دار أمير المؤمنين المستعصم بالله؛ ولد سنة ثمانين وخمسمائة، وتوفي مقتولاً
стр. 1684
سنة ست وخمسين وستمائة.
تفقه وسمع الكثير، وكان إماماً كبيراً وصدراً معظماً، عارفاً بالمذهب كثير المحفوظ حسن المشاركة في العلوم، مليح الوعظ حلول العبارة، ذا سمت ووقار وجلالة وحرمة وافرة، درس وأفتى وصنف، ورسول به إلى الملوك، ورأى من العز والإكرام والاحترام من الملوك شيئاً كثيراً، وكان محبباً إلى الناس، ولي الأستاذ دارية بضع عشرة (١) سنة.
قال الدمياطي: أجازني جميع مصنفات أبيه، وأجازني بجائزة جليلة من الذهب.
قال الشيخ شمس الدين: ضربت عنقه بمخيم التتار هو وأولاده تاج الدين عبد الكريم وجمال الدين المحب وشرف الدين عبد الله في شهر صفر سنة ست وخمسين.
وكان محتسب بغداد ومدرس المستنصرية للحنابلة، وكان إذا سافر استناب ولده في التدريس والحسبة؛ توفي والده وله سبع عشرة (٢) سنة، فأذن له بالجلوس للوعظ على قاعدة والده، وخلع عليه الخليفة القميص والعمامة، وجعل على رأسه طرحة، وحضر يوم الجمعة في حلقة والده بجامع القصر وعنده الفقهاء للمناظرة، ونودي له في الجامع بالجلوس، فحضره الخلائق وتكلم فأجاد، ثم أذن له في الجلوس بباب بدر الشريف (٣) في بكرة كل يوم ثلاثاء، فبقي على ذلك مدة.
ولما أقام عسكر الشام في أيام الناصر ابن العزيز على تل العجول قبالة عسكر مصر وتجاوزت مدة إقامتهم السنة، وأشاعوا الناس أن الباذرائي رسول الخليفة واصل يصلح بين الفريقين فأبطأ وكثرت الأقاويل في ذلك، فقال شهاب الدين غازي ابن إياز المعروف بابن المعمار أحد الأجناد المقاردة،
стр. 1685
وكان حاجب ابن يغمور:
يذكرنا زمان الزهد ذكرى ... زمانه اللهو في تل العجول
ونطلب مسلماً يوري حديثاً ... صحيحاً من أحاديث الرسول واختلف الأقاويل أن محيي الدين ابن الجوزي يصل رسولاً من الخليفة وأبطأ حضروه فقال صلاح الدين الأربلي:
قالوا الرسول أتى وقالوا إنه ... ما رام يوماً عن دمشق نزوحا
ذهب الزمان وما ظفرت بمسلم ... يروي الحديث عن الرسول صحيحا ٥٩١ (١)
الشيخ جمال الدين المزي
يوسف بن الزكي عبد الرحمن (٢) بن يوسف بن عبد الملك بن أبي الزهر، الشيخ الإمام العالم العلامة حافظ العصر، ومحدث الشام ومصر، جمال الدين أبو الحجاج القضاعي الكلبي المزي، الحلبي المولد، خاتمة الحفاظ، نافذ (٣) الأسانيد والألفاظ. مولده بظاهر حلب في عاشر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة، وطلب الحديث في أول سنة خمس وسبعين وهلم جرا وإلى آخر وقت، لا يفتر ولا يقصر من الطلب والاجتهاد والرواية. توفي في ثاني عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، ودفن بمقابر الصوفية.