← Тараджим

Тараджим · id 1003

فوات الوفيات

ابن شاكر الكتبي

Полный текст (1 731 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مع كل مصقولة الترائب ... كاعب هيفاء رود تفترّ عن جوهر ثمين ... جلاّ أن يجتلى يحمى بقضب من الجفون وأهيفٍ ناعم الشّمايل ... مايل في برده في أنفس العاشقين عامل ... عامل من قده يرنو بطرف إلى المقاتل ... قاتل في غمده أسطى من الأسد في العرين ... فعلا وأقتلا لعاشقيه من المنون قاسوه بالبدر وهو أحلى ... شكلا من القمر فراش هدب الجفون نبلا ... أبلى بها البشر وقال لي وهو قد تجلّى ... جلا باري الصور ينتصف البدر من جبيني ... أصلا فقلت لا قال: ولا السحر من عيوني علّقته كامل المعاني ... عاني قلبه به مبلبل البال مذ جفاني ... فاني في حبّه كم بتّ من حيث لا يراني ... راني لقربه وبات من صدغه يريني ... نملا يسعى إلى رضابه العاطر المصون بتنا وما نال ما تمنّى ... منا طيب الوسن نفض من خمره لدنّا ... دنا يشفي الحزن وكلّما مال أو تثنّى ... غنى صوتاً (١) حسن لا تستمع في هوى المجون ... عذلا وانهض إلى راح تقي سورة الشجون وكانت وفاة أيدمر المحيوي في شهور سنة...... (٢)

стр. 212

٧٩ - (١) أيدمر النسائي هو عز الدين أيدمر بن عبد الله، كان جندياً وله معرفة بتعبير الرؤيا والأدب، وكانت وفاته في ربيع الآخر سنة سبع وسبعمائة (٢) ؛ فمن شعره: تخذ النسيم إلى الحبيب رسولا ... دنفٌ حكاه رقّةً ونحولا فتسيل في أثر الفريق سيولا ويقول من حسدٍ له يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا وله أيضاً: سفر فخلت الصبح حين تبلجا ... في جنح فودٍ كالظلام إذا سجا فتانة فتاكةٌ من طرفها ... كم حاول القلب النجاة فما نجا نحت نضير الغصن قامة قدها ... وحبت مهاة الجزع طرفاً أدعجا تفترّ عن بردٍ نقيٍّ برده (٣) ... بالرشف حرّ حشاشتي قد أثلجا ما إن دخلت رياض جنة خدها ... فرأت عنها الدهر يوماً مخرجا ولما رشفت رحيق فيها ظامياً ... فازددت إلاّ حرقةً وتوهجا تعطو برخصٍ طرّفته بعندمٍ ... وتريك ثغراً كالأقاح مفلجا أنّى نظرت إلى رياض جمالها ... عاينت ثمّ مفوفاً ومدبّجا زارت وعمر الليل في غلوائه ... فغدا من الشمس المنيرة أبهجا وسرى نسيم الروض ينكر إثرها ... فتعرفت آثاره وتأرّجا

стр. 213

ومن شعره أيضاً: ورد الورد فأوردنا المداما ... وأرح بالراح أرواحاً هيامى واجلها بكراً على خطّابها ... بنت كرم قد أبت إلاّ الكراما ذات ثغر جوهريٍّ وصفه ... في رحيق رشفه يشفي الأواما برقعت باللؤلؤ الرطب على ... وجنةٍ كالنار لا تألو اضطراما أقبلت تسعى بها شمس الضحى ... تخجل البدر إذا يبدو تماما بجفونٍ بابلي سحرها ... سقمها أهدى إلى جسمي السّقاما ونضير الورد في وجنتها ... نبته أنبت في قلبي الغراما ودّت الأغصان لما خطرت ... لو حكت منها التثني والقواما قال لي خالٌ على وجنتها ... حين ناديت أما تخشى الضراما منذ ألقيت بنفسي في لظى ... خدها ألفيت برداً وسلاما

стр. 214

فراغ

стр. 215

حرف الباء

стр. 216

فراغ

стр. 217

٨٠ - (١) بكر بن النطاح بكر بن النطاح الحنفي، قيل هو عجلي، كان شاعراً حسن الشعر كثير التصرف فيه، وكان صعلوكاً يقطع الطريق ثم اقصر عن ذلك، وكان كثيراً ما يصف نفسه بالشجاعة والإقدام، وهو القائل: هنيئاً لإخواني ببغداد عيدهم ... وعيدي بحلوانٍ قراع الكتائب وأنشدها أبا دلف، فقال له: إنك لتصف نفسك بالشجاعة، ما رأيت عندك لذلك أثراً (٢) ، فقال أيها الأمير، وما ترى عند رجل حاسر أعزل؟ فقال: أعطوه سيفاً ورمحاً ودرعاً وفرساً، فأعطوه ذلك أجمع، فأخذه وركب الفرس وخرج على وجهه، فلقيه مال لأبي دلف يحمل إليه من بعض ضياعه فأخذه وجرح جماعة من غلمانه فهربوا وسار بالمال، فلم ينزل إلا على عشرين فرسخاً، فلما اتصل خبره بأبي دلف قال: نحن جنينا على أنفسنا وكنا أغنياء عن إهاجته، وكتب إليه بالأمان (٣) وسوغه المال وأمره بالقدوم عليه، فرجع ولم يزل معه يمدحه حتى مات. وكان قد لحق أبو دلف إنساناً قد أردف آخر خلفه، فطعنهما فشكهما بالرمح، فتحدث الناس في ذلك، فلما عاد دخل عليه بكر بن النطاح فأنشده: قالوا أينظم فارسين بطعنةٍ ... يوم اللقاء ولا يراه جليلا

стр. 218

لا تعجبن لو كان مدّ قناته ... ميلاً إذاً نظم الفوارس ميلا فأمر له أبو دلف بعشرة آلاف درهم. وله فيه: له راحةٌ لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر ولو أن خلق الله في جسم فارسٍ ... وبارزه كان الخليّ من العمر أبا دلف بوركت في كل بلدة ... كما بوركت في شهرها ليلة القدر وله فيه أيضاً: إذا كان الشتاء فأنت شمسي ... وإن حضر المصيف فأنت ظلّ وما تدري إذا أعطيت مالاً ... أيكثر في سماعك أم يقلّ فأعطاه عشرة آلاف درهم. وقصد مالك بن طوق، ومدحه فأثابه، فلم يرضه، فخرج من عنده وكتب رقعة وبعث بها إليه وفيها: فليت جدا مالكٍ كلّه ... وما يرتجى منه مطلب أصيب بأضعاف أضعافه ... ولم أنتجعه ولم أرغب أسأت اختياري فقلّ الثواب ... لي الذنب جهلاً ولم يذنب فلما قرأها وجه جماعة في طلبه، وقال: الويل لكم إن فاتكم، فلحقوه وردوه، فلما رآه قام إليه وتلقاه وقال: يا أخي عجلت علينا، وما كنا نقتصر على ذلك وإنما بعثت إليك نفقة، وعولنا على ما يتلوها، واعتذر إليه، ثم أعطاه حتى أرضاه، فقال بكر بن النطاح يمدحه: فتىّ جاد بالأموال من كل جانبٍ ... وأنهبها في عوده وبداته فلو خذلت أمواله جود كفّه ... لقاسم من يرجوه شطر حياته فإن لم يجد في العمر قسمة باذلٍ ... وجاز له الإعطاء من حسناته

стр. 219

لجاد بها من غير كفرٍ بربه ... وشاركهم في صومه وصلاته وقال أيضاً: كريمٌ إذا ما جئت طالب فضله ... حباك بما تحوي عليه أنامله ولو لم يكن في كفّه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق الله سائله ومن شعره: بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو جثلٌ أسحم فكأنها فيه نهارٌ ساطعٌ ... وكأنه ليلٌ عليها مظلم وله أيضاً: ملأت يدي من الدنيا مراراً ... فما طمع العواذل في اقتصادي وما وجبت عليّ زكاة مالٍ ... وهل تجب الزكاة على جواد؟ وتوفي بكر بن النطاح في حدود المائتين. ٨١ - (١) الصابوني بكر بن علي الصابوني؛ قال ابن رشيق في الأنموذج: كان شيخاً معمراً شاعراً مطبوعاً صاحب نوادر هجاء خبيثاً، وأقدر الناس على بديهة، وكان نقي الشيبة والثياب، حسن الصمت والخطاب، وكان مولعاً بأذى أبي بكر الوسطاني، وضرب بينه وبين القاضي محمد بن عبد الله بن هاشم عداوة، وكان سبب خروجه من القيروان ناجياً بروحه إلى مصر، وكان قد صنع قبل ذلك قصيدة أولها:

стр. 220

أمرض بالوعظ القلوب الصّحاح ... ما قاله الهاتف عند الصباح أيقظني (١) من نومتي في الدجى ... شخصٌ سمعت القول منه كفاح يقول: كم ترقد يا غافلاً ... والدهر إن لم يغد بالموت راح تركن للدنيا كأن لا براح ... منها وتغدو لاهياً في مزاح ما الدهر والأيام في مرّها ... إلاّ كبرقٍ خاطفٍ ثم راح مدح فيها عبد الله بن محمد الكاتب بعد مواعظ كثيرة، وهجا ابن الوسطاني أقبح هجاء، وذكر أنه يستتر بالعزائم والرقى، ويسر الفسق والزنا، وأنشده إياها حذاء باب السلام بحضرة أشياخ الدولة، وكان الراي الشاعر حاضر (٢) ، وله عناية بابن الوسطاني، فقال: أتيت بشعر غيرك تسفه به على أهل الرتب بين يدي الملوك، والله إنك مستحق العقوبة، فقال: أما قولك تسفه فسفه منك وقلة أدب لأني جئت محتسباً فيما يعلمه الله والقاضي وجماعة المسلمين. وأما قولك أهل الرتب فتلك الرتبة التي اشتكينا بما سمعت، لأنها رتبة مصحفة، وأما قولك شعر غيرك فإن أذن لي أبو محمد عرفتك أنه شعري، فقال عبد الله للراي: ما ترى؟ فقال: إيذن له، فقال: شأنك، فأنشد كأنه يحفظه: سألتك بالقمر الأزهر ... وبالعين والحاجب الأنور وبالسيد الماجد المرتجى ... لدفع المظالم والمنكر حسام الخلافة وابن الحسام ... ومنصورنا جوهر الجوهر أجرني من الناقص الأعور ... فلولاك في النّاس لم يذكر هو النّحس حلّ به نحسه ... فلا خلق أنحس من أعور إذا رام خيراً وما رامه ... أبته شيمة البربر فقال الراي: قد انتقصت بسيدنا العزيز بالله لأنه من البربر، فقال بكر:

стр. 221

لحا الله ناقصه بيننا ... وإن كنت ذاك ولم تشعر وفي أي شيء تنقصته ... وقد حلّ في (١) البيت من حمير فكأنما ألقمه حجراً. ودخل إلى صاحب قيان، فوجد جماعة من أصحابه يشربون، منهم أبو (٢) حفص الكاتب، ورأى برذونه قائماً في السقيفة، فقال: كم لكم ها هنا فقالوا: كذا وكذا يوم، فشرب نهاره أجمع وليلته، وأراد الانصراف من الغد، فافتقد رداه ودراهم كانت معه، وسأل القوم فما وقع على عين ولا أثر، فقال لابن أبي حفص: سألتك بالله إلا ما نزلت إلى هذا العبد الصالح، فاستوهب لنا منه بأن يفضح الله سارقنا، أو يجمع علينا ما راح منا، فإنه صائم النهار قائم الليل، قال: أي عبد يكون هذا؟ قال: هو برذونك يا سيدي. فضحك الجماعة وخرج وهو يقول: وغرفةٍ نكّس أعلاها ... للفسق والعصيان أنشاها قد وضع الميزان في وسطها ... وكنت من أول قتلاها من يعرف الله فلا يأتها ... فما بها من يعرف الله ومن هجائه: أذاب والٍ بسوسة مخّي ... يعرف بين الأنام بالفرخ يزعم عبد العزيز والده ... وأير عبد العزيز مسترخي وتوفي سنة تسع وأربعمائة، وقد زاحم المائة، رحمه الله تعالى وإيانا.

стр. 222

٨٢ - (١) ابن قوام أبو بكر بن قوام بن علي بن قوام بن منصور بن معلى البالسي، أحد مشايخ الشام؛ كان شيخاً زاهداً عابداً قانتاً لله، عديم النظير (٢) كثير المحاسن، وافر النصيب من العلم والعمل، صاحب أحوال وكرامات. ولد بصفين سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ونشأ ببالس، وكان حسن الأخلاق لطيف الصفات، وافر الأدب والعقل، دائم البشر، كثير التواضع، شديد الحياء، متمسك (٣) بالآداب الشرعية، تخرج به غير واحد من العلماء والمشايخ، وتتلمذ له خلق كثير، وقصد بالزيارة. قال: كنت في بدايتي تطرقني الأحوال كثيراً، فأخبر شيخي بها فينهاني عن الكلام فيها ويقول: متى تكلمت في هذا ضربتك بهذا الصوط، ويقول: لا تلتفت إلى شيء من هذه الأحوال، إلى أن قال لي: سيحدث لك في هذه الليلة أمر عجيب فلا تجزع، فذهبت إلى أمي وكانت ضريرة، فسمعت صوتاً من فوق فرفعت رأسي، فإذا نور كأنه سلسلة متداخلٌ بعضه في بعض، فحمد الله تعالى وقبلني بين عينيّ وقال: الآن تمت عليك النعمة يا بني، أتعلم ما هذه السلسلة؟ قلت: لا، قال: هذه سنة رسول الله ﷺ ، وأذن لي في الكلام حينئذ. قال حفيده: حدثني الشيخ الإمام شمس الدين الخابوري قال: سألت الشيخ

стр. 223

عن قوله " إنكم وما تعبدون من دون الله حَصَبُ جهنم " الأنبياء فقد عبد عيسى وعزير، فقال: تفسيرها " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون " الأنبياء فقلت له: يا سيدي، لا تعرف تكتب ولا تقرأ، من أين لك هذا؟ قال: يا أحمد، وعزة المعبود لقد سمعت الجواب فيها كما سمعت سؤالك. وبعث إليه الملك الكامل على يد فخر الدين خمسة عشر ألف درهم، فما قبلها وقال: لا حاجة لنا بها، أنفقها في جند المسلمين. وجاءته امرأة وقالت: عندي دابة قد ماتت، ومالي من يخرجها عني، قال: امضي وحصلي حبلا حتى أبعث من يجرها، فمضت وفعلت، فجاء بنفسه وجر الدابة، فجاء الناس وجروها عنه. وكان لا يدع أحد (١) يقبل يديه ويقول: من أمكن من تقبيل يده نقص من حاله شي. وتوفي بقرية علم سنة ثمان وخمسين وستمائة ودفن بها، فأوصى أن يدفن في تابوت، وقال لابنه: يا بني لا بد أن أنقل إلى الأرض المقدسة، فنقل بعد اثنتي (٢) عشرة سنة إلى دمشق سنة سبعين ودفن بزاويته أسفل عقبة دمر، رحمه الله تعالى.

стр. 224

٨٣ - (١) الملك الأمجد بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، السلطان الملك الأمجد مجد الدين أبو المظفر، صاحب بعلبك؛ ولي بعلبك بعد أبيه، وكان أديباً فاضلاً شاعراً، له ديوان شعر موجود بأيدي الناس. أخذت منه بعلبك سنة سبع وعشرين وستمائة، أخذها منه الأشرف موسى، وسلمها إلى أخيه الصالح إسماعيل، فقدم الأمجد إلى دمشق، وأقام بها قليلاً، وقتله مملوك له مليح في أوائل سنة ثمان وعشرين وستمائة، ودفن بتربة والده على الشرف الشمالي، وكان سبب قتله أنه كان له غلام محبوس في خزانة الدار، فجلس ليلة يلهو بالنرد، فولع الغلام برزة الباب فقلعها، وهجم على الأمجد وهو غافل مشتغل باللعب فقتله وهرب، ورمى بنفسه من السطح فمات، وقيل لحقه المماليك عند وقعته فقطعوه بالسيوف. وقيل رآه بعض أصحابه في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: كنت من ذنبي على وجلٍ ... زال عنّي ذلك الوجل أمنت نفسي بوائقها ... عشت لما متّ يا رجل ومن شعره: دعوت بماء في إناء فجاءني ... غلامٌ بها صرفاً فأوسعته زجرا فقال: هو الماء القراح وإنما ... تجلّى لها خدّي فأوهمك الخمرا وكتب إليه الشيخ تاج الدين الكندي:

стр. 225

لا تضجرنكم كتبي وإن كثرت ... فإن شوقي أضعاف الذي فيها والله لو ملكت كفّي مسالمة ... من اللّيالي التي حظّي يحاكيها لما تصرّم لي في غير داركم ... عمرٌ ولا متّ إلاّ في نواحيها فأجابه الأمجد: إنا لتتحفنا بالأُنس كتبكم ... وإن بعدتم فإن الشوق يدنيها وكيف نضجر منها وهي مذهبة ... من وحشة البين لوعاٍ نعانيها فإن وصفتم لنا فيها اشتياقكم ... فعندنا منكم أضعاف ما فيها سلو نسيم الصبا يهدي تحيتنا ... إليكم فهو يدري كيف يهديها ومن شعره: طوبى لقيّمنا أحنى على قمرٍ ... يجلو براحته عن وجهه الكلفا أو درة كمنت في خدرها فغدا ... يفض باللطف عن أنوارها الصّدفا وأورد له القوصي في معجمه: أمّا هواك وإن تقادم عهده ... فشفيع وجهك ما يزال يجدّه لا تحسبنّ على التقاطع والنّوى ... ينساك مشتاقٌ تعاظم وجده يهواك ما هبّ النسيم وحبّذا ... نفح النسيم الحاجريّ وبرده ما كان يكلف بالرياح صبابةً ... لولا تجنّيه ولولا بعده تسري إليه بنفحةٍ من عقده ... إنّ المنى يما تضمن عقده ماذا الملام مع الغرام وفي الحشا ... منه لهيب هوىً تضرم وقده؟ أيروم عاذله المضلّل ردّه ... عن رأيه؟ هيهات خيّب قصده ماذا عليه إذا تضاعف ما به ... حتى يعود وقد تناهى حده إنّ الهوى طمع يولد داءه ... أملٌ يقوّيه الهوى ويمده فلكم تملك رقّ حر عنوة ... أمسى وأصبح وهو فيه عبده وبأيمن الوادي غزال أراكةٍ ... أصبو إليه وإن تزايد صده

стр. 226

يختال والأغصان تعطفها الصبا ... فيغار منه إذا تمايل قدّه والأقحوان إذا تبسّم ثغره ... والورد مطلول الجوانب خدّه قد كان شوّفني الوصال وليته ... من بعد مطل أن ينجّز وعده وله أيضاً: قولوا لجيران العقيق والنّقا ... حتّام تهدون إلينا القلقا يا ساكني قلبي عسى مبشرٌ ... يخبرني متى يكون الملتقى ما لبقائي بعد بعدي عنكم ... معنىً، فإن لقيتكم طاب البقا أشقاني الدّهر فإن أسعدني ... بجمع شملي بكم زال الشقا أهواكم أتّقي، وقلّما ... يجمع ما بين الغرام والتّقى حبكم سفينة ركبتها ... مأمونة فكيف أخشى الغرقا حاشا لمن أصبح يرجو الوصل أن ... يمسي بنار هجركم محترقا وله أيضاً: يميناً لقد بالغت يا خلّ في العذل ... وما هكذا فعل الأخلاء بالخلّ إذا أنت لم تسعد خليلك في الهوى ... فذره لقد أمسى عن العذل في شغل ولا تحسبنّ اللوم يذهب وجده ... فلومك بالمحبوب يغري ولا يسلي وما كنت ممن يذهب الوجد حزمه ... لعمرك لولا أسه الأعين النجل ٨٤ (١) بهلول المجنون بهلول بن عمرو، أبو وهيب الصيرفي المجنون، من أهل الكوفة؛ حدث

стр. 227

عن أيمن بن نابل وعمرو بن دينار وعاصم بن أبي النجود، وكان من عقلاء المجانين ووسوس، وله كلام مليح ونوادر وأشعار، واستقدمه الرشيد أو غيره من الخلفاء ليسمع كلامه. توفي في حدود التسعين والمائة. قال الأصمعي: رأيت بهلولاً قائماً ومعه خبيص، فقلت له: أيش معك؟ قال: خبيص، فقلت: أطعمني، قال: هو ليس لي، قلت: لمن هو؟ قال: هو لحمدونة ابنة الرشيد بعثته لي آكله لها. وقال محمد بن أبي إسماعيل ابن أبي فديك: رأيت بهلولاً في بعض المقابر وقد أدلى رجليه في قبر وهو يلعب بالتراب، فقلت: ما تصنع ها هنا؟ قال: أجالس أقواماً لا يؤذوني وإن غبت لا يغتابوني، فقلت: قد علا السعر مرة، فهل تدعو الله فيكشف عن الناس؟ فقال والله ما أبالي، ولو كان حبة بدينار، لله علينا أن نعبده كما أمرنا، وعليه أن يرزقنا كما وعدنا، ثم صفق يده وأنشأ يقول: يا من تمتّع بالدنيا وزينتها ... ولا تنام عن اللذات عيناه شغلت نفسك فيما لست تدركه ... تقول لله ماذا حين تلقاه وقال الحسن بن سهل: رأيت الصبيان يرمون بهلولاً بالحصى، فأدمته حصاة فقال: حسبي الله توكّلت عليه ... من نواصي الخلق طرّاً بيديه ليس للهارب في مهربه ... أبداً من راحة إلاّ إليه ربّ رام لي بأحجار الأذى ... لم أجد بدّاً من العطف عليه فقلت له: تعطف عليهم وهم يرمونك؟ فقال: اسكت لعل الله يطلع على غمي ووجعي وشدة فرح هؤلاء فيهب بعضنا لبعض. وقال عبد الله بن عبد الكريم: كان لبهلول صديق قبل أن يجن، فلما أصيب بعقله فارقه صديقه، فبينما بهلول يمشي في بعض طرقات البصرة إذ رأى صديقه، فلما رآه صديقه عدل عنه، فقال بهلول:

стр. 228

ادن منّي ولا تخافنّ غدري ... ليس يخشى الخليل غدر الخليل إنّ أدنى الذي ينالك مني ... ستر ما يتّقى وبثّ الجميل قال الفضل ابن سليمان: كان بهلول يأتي سليمان ابن علي فيضحك منه ساعة ثم ينصرف، فجاءه يوماً، فضحك منه ساعة ثم قال: عندك شيء نأكل؟ فقال لغلامه: هات لبهلول خبزاً وزيتوناً، فأكل ثم قام لينصرف وقال لسليمان: يا صاحب إن جئنا إلى بيتكم يوم العيد يكون عندكم لحم؟ فخجل سليمان. وجاء إلى بعض أشراف الكوفة وقال له: أشتهي آكل عسل بسرقين، فدعا بهما، فأكل من العل وأمعن فيه، فقال له الرجل: لم لا تأكل السرقين كما قلت؟ قال: العسل وحده أطيب. وعبث به الصبيان يوماً ففر منهم والتجأ إلى دار بابها مفتوح فدخلها، وصاحب الدار قائم له ضفيرتان (١) ، فصاح به: ما أدخلك داري؟ فقال: " يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض " الكهف. وسأله يوماً علي بن عبد الصمد البغدادي: هل قلت شيئاً في رقة البشرة، فقال: اكتب: أضمر أن أضمر حبي له ... فيشتكي إضمار إضماري رقّ فلو مرّت به ذرّةٌ ... لخضبته بدمٍ جاري فقال: أريد أرق من هذا، فقال: أضمر أن يأخذ المراة لكي ... يبصر وجهاً له فأدناها فجازوهم الضمير منه إلى ... وجنته في الهوى فأدماها فقال: أريد أرق من هذا أيها الأستاذ، فقال: نعم وما أظنه، اكتب: شبّهته قمراً إذ مرّ مبتسماً ... فكاد يجرحه التشبيه أو كلما

стр. 229

ومرّ في خاطري تقبيل وجنته ... فسيّلت فكرتي في وجنتيه دما فقال: أريد أرق من هذا، فقال: يا ابن الفاعلة أرق من هذا كيف يكون؟ رويدك لأنظر إن كان قد طبخ في المنزل حريرة أرق من هذا، رحمه الله تعالى. ٨٥ - (١) الفرنسيس الإفرنجي بولش الافرنجي المعروف بالفرنسيس؛ أجل ملوك الافرنج وأعظمهم قدراً وأكثرهم عساكر (٢) وأموالاً وبلاداً، قصد الديار المصرية واستولى على طرف منها، وملك دمياط سنة سبع وأربعين وستمائة، واتفق موت الملك الصالح نجم الدين أيوب، وتملك المعظم توران شاه الآتي ذكره في موضعه وأسر الفرنسيس فبقي في أيدي المسلمين مدة، ثم أطلق بعد تسليم دمياط إلى المسلمين، وتوجه إلى بلاده وفي قلبه النار مما جرى عليه من ذهاب أمواله وقتل رجاله وأسره، فبقيت (٣) نفسه تحدثه بالعود إلى مصر لأخذ ثأره، فاهتم بذلك اهتماماً عظيماً في مدة سنين، إلى سنة ستين وستمائة، فقصد مصر، فقيل له: إن قصدت مصر ربما يجري لك مثل النوبة الأولى، والصواب أن تقصد تونس، وكان ملكها

стр. 230

محمد بن يحيى الملقب بالمستنصر، فإنك إن ظفرت به تمكنت من قصد مصر في البر والبحر، فقصد تونس وكاد يستولي عليها، ومعه جماعة من الملوك، فأوقع الله في عسكره وباء عظيماً (١) ، فهلك افرانسيس سنة إحدى وستين وستمائة، ورجع من بقي من عسكره إلى بلادهم ووصلت البشرى بذلك إلى الملك الظاهر. ولما أسر الفرنسيس نوبة دمياط تسلمه الطواشي جمال الدين صبيح المعظمي ووضع في رجليه قيد، وسجنه في الدار التي كان فيها فخر الدين ابن لقمان كاتب الإنشاء، فلذلك قال الصاحب جمال الدين ابن مطروح لما بلغ المسلمين عودة الفرنسيس في المرة الثانية: قل للفرنسيس إذا جئته ... مقال حق من مقول فصيح آجرك الله على ما جرى ... من قتل عبّاد يسوع المسيح أتيت مصر تبتغي ملكها ... تزعم أن الزمر يا طبل ريح فساقك الحين إلى أدهمٍ ... ضاق به عن ناظريك الفسيح وكل أصحابك أوردتهم ... بسوء أفعالك بطن الضّريح خمسون ألفاً لا يرى (٢) منهم ... إلاّ قتيل أو أسير جريح وفقك الله لأمثالها ... لعلّ عيسى منكم يستريح إن كان باباكم بذا راضياً ... فربّ غش قد أتى من نصيح وقل لهم إن أضمروا عودة ... لأخذ ثأر أو لقصد صحيح دار ابن لقمانٍ على حالها ... والقيد باقٍ والطواشي صبيح واشتهرت هذه الأبيات وسارت بها الركبان، خصوصاً البيت الأخير فلهذا قال بعض المغاربة لما قدم الفرنسيس تونس: يا فرنسيس هذه أخت مصرٍ ... فتيقّن لما إليه تصير لك فيها دار ابن لقمان قبرٌ ... وطواشيك منكر ونكير

стр. 231

وقال آخر في المعنى الأول أيضاً: قل للفرنسيس إنّ كلاًّ ... له من المسلمين شاكر لأنّه محسنٌ إلينا ... بقوده نحونا العساكر ساق إلى مصر ما اقتناه ... أمة عيسى من الذخائر وأورد الجمع بحر حربٍ ... مصدره بالمنون آخر أركبهم أدهماً خضمّاً ... ورابح الشرّ فهو خاسر ورام باباهم أموراً ... فأخلفت ظنّه المقادر وأذهل القوم هول حربٍ ... تشخص من خوفه النواظر لم تعم أبصارهم ولكن ... قد عميت منهم البصائر ولم يفد وفق فيلسوف (١) ... طلّسمه كاهنٌ وساحر فإن يعد طالباً لثارٍ ... من أرض دمياط فليبادر فذلك البحر تعرفوه ... والسيف ماض والجيش حاضر أعاده الله عن قريب ... لمثلها؛ إنّه لقادر بحيث لا يبق للنصارى ... من بعد كسر الصليب جابر ويستريح المسيح منهم ... من كلّ علجٍ وكل كافر ٨٦ (٢) الحبيس الراهب بولص الراهب المعروف بالحبيس؛ كان كاتباً أولاً، ثم ترهب وانقطع

стр. 232

في جبل حلوان بالديار المصرية؛ يقال إنه ظفر بمال دفين في مغارة، فواسى به الفقراء من كل ملة، وقام عن المصادرين بجملة وافرة. وكان أول ظهور أمره أنه وقعت نار (١) بحارة الباطلية (٢) سنة ثلاث وستين وستمائة فأحرقت ثلاثاً وستين دار (٣) جامعة، ثم كثر الحريق بعد ذلك حتى أحرقت ربع فرج (٤) ، وكان وقفاً على أشراف المدينة، والوجه المطل على النيل من ربع العادل، واتهم بذلك النصارى، فعزم الملك الظاهر على استئصال النصارى واليهود، وأمر بوضع الحلفا والأحطاب في حظيرة كانت في القلعة وأن تضرم النار فيها ويلقى فيها اليهود والنصارى، فجمعوا حتى لم يبق منهم إلا من هرب، وكتفوا ليرموا فيها، فشفع فيهم الأمرا، فأمر أن يشتروا أنفسهم، فقرر عليهم في كل سنة خمسمائة ألف دينار، وضمنهم الحبيس المذكور، وحضر موضع الجباية منهم، فكان كل من عجز عما قرر عليه وزن الحبيس عنه، سواء إن كان يهودياً أو نصرانياً، وكان يدخل الحبوس ومن كان عليه ديناً (٥) وزنه عنه، وسافر إلى الصعيد وإلى الاسكندرية ووزن عن النصارى ما قرر عليهم وكان للناس به رفق وكان الناس قد عرفوه، فكان بعض الناس يتحيل عليه، فإذا رآه قد دخل المدينة أخذ معه اثنين صورة أنهما من رسل القاضي أو المتولي، وأخذا يضربانه ويجذبانه، فيستغيث به: يا أبونا يا أبونا، فيقول: ما باله؟ فيقولان: عليه دين واشتكت عليه زوجته، فيقول: على كم؟ فيقال: على ألفين، أو أقل أو أكثر، فيكتب له على شقفة أو غيرها إلى بعض الصيارف بذلك المبلغ، فيقبضه منه. وقيل إن مبلغ ما وصل إلى السلطان وما واسى به الناس في مدة سنتين ستمائة ألف دينار مضبوطة بقلم الصيارف الذي كان يجعل عندهم المال، وذلك

стр. 233

خارجاً عن ما كان يعطي من يده. وكان لا يأكل من هذا المال ولا يشرب، بل النصارى يتصدقون عليه بمؤنته، فلما كان سنة ست وستين وستمائة أحضره الملك الظاهر بيبرس، وطلب منه المال أن يحضره أو يعرفه من أين وصل إليه، فجعل يغالطه ويدافعه ولا يفصح له عن شي، فعذبه حتى مات ولم يقر بشي، وأخرج من قلعة الجبل ورمي ظاهرها على باب القرافة، وكانت قد وصلت إلى الظاهر فتاوى فقهاء إسكندرية بقتله، وعللوا ذلك بخوف الفتنة من ضعفاء النفوس من المسلمين. ٨٧ - (١) الملك الظاهر بيبرس بن عبد الله، السلطان الأعظم الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح الصالحي؛ قال عز الدين محمد بن علي بن إبراهيم بن شداد: أخبرني الأمير بدر الدين بيبرس أن مولد الملك السلطان الظاهر بأرض القبجاق سنة خمس وعشرين وستمائة تقريباً، وكانت الغيارة قد أغارت على القبجاق فأسروا جماعة، وكنت أنا والظاهر فيمن أسر، فبيع فيمن بيع وحمل إلى سيواس، فاجتمعت به في سيواس، ثم افترقنا (٢) ، واجتمعت به في حلب بخان ابن قليج ثم افترقنا، وحمل إلى القاهرة، فشراه الأمير علاء الدين ايدكين البندقدار وبقي عنده، فلما قبض عليه الملك

стр. 234

الصالح نجم الدين أيوب أخذ الملك الظاهر في جملة ما استرجعه، وقدمه على طائفة من الجمدارية (١) ، فلما مات الصالح وملك بعده المعظم وقتل وولوا عز الدين أيبك التركماني، وقتل الفارس أقطاي الجمدار، ركب الظاهر والبحرية وقصدوا القلعة فلم ينالواً مقصوداً، فخرجوا من القاهرة مجاهرين بالعداوة للتركماني مهاجرين إلى الملك الناصر صاحب الشام، وكان مع الظاهر بلبان الرشيدي وأزدمر السيفي وسنقر الأشقر وبيسري الشمسي، وقلاون الألفي وبلبان المستعرب وغيرهم، فأكرمهم الملك الناصر، وأطلق للظاهر ثلاثين ألف درهم وثلاث قطر بغال وثلاث قطر جمال وخيل وملبوس (٢) ، وفرق في البقية الأموال والخلع، وكتب إليه المعز أيبك يحذره منهم، فلم يصغ إليه، وعين للظاهر إقطاع بحلب، فسأله العوض عن ذلك بزرعين وجينين، فأجابه، فتوجه إليهما، ثم خاف الناصر فتوجه بمن معه من خوشداشيته (٣) إلى الكرك، فجهز صاحبها معه عسكر إلى مصر فخرج إليهم عسكر من مصر فكسروهم، ونجا الظاهر وبيليك الخزندار إلى الكرك، وتواترت إليه كتب المصريين يحرضونه على قصد مصر، وجاء إليه جماعة من عسرك الناصر، وخرج عسكر مصر مع الأمير سيف الدين قطز وفارس الدين أقطاي المستعرب، فلما وصل المغيث صاحب الكرك والظاهر إلى غزاة انعزل إليهما من عسكر مصر أيبك الرومي وبلبان الكافري وسنقرشاه العزيزي وبدر الدين ابن خان بغدي وأيبك الحموي وهارون القيمري، واجتمعوا فقويت شوكة الظاهر، وتوجهوا إلى الصالحية، والتقيا بعسكر مصر سنة ست وخمسين، واستظهروا عليهم، ثم انكسر الظاهر والمغيث وهربا، وأسر جماعة وقتلوا صبراً ممن ذكرته أولاً.

стр. 235

ثم حصل بين الظاهر والمغيث وحشة ففارقه، وعاد إلى الناصر على أن يقطعه خبز (١) مائة فارس، من جملتها نابلس وجينين وزرعين، فأجابه إلى ذلك، ومعه جماعة حلف لهم الناصر: منهم بيسري الشمسي وأوتامش السعدي وطيبرس الوزيري وأقوش الرومي الدوادار (٢) وكشتغدي الشمسي، ولاجين الدرفيل وأيدغمش الحلبي وأيبك الشيخي وخاص ترك الصغير وبلبان المهراني وسنجر الاسعردي (٣) ، وسنجر الهمامي وجماعة، فأكرمهم ووفى لهم، فلما قبض قطز على أستاذه (٤) حرض الملك الظاهر الملك الناصر على قصد مصر فلم يجبه، فسأله أن يقدمه على أربعة آلاف فارس، أو يقدم غيره ليتوجه إلى شط الفرات ليمنع التتار من العبور، فلم يمكنه، ففارقه وتوجه إلى الشهرزورية وتزوج منهم، ثم جهز إلى المظفر قطز من استحلفه له، وعاد إلى القاهرة ودخلها سنة ثمان وخمسين فخرج المظفر إلى لقائه وأنزله في دار الوزارة، وأقطعه قصبة قليوب لخاصته، فلما خرج المظفر للقاء التتار جهز الظاهر في عسكر لكشف أخبارهم، فأول ما وقعت عينه عليهم ناوشهم القتال. ولما انقضت الوقعة بعين جالوت: تبعهم الظاهر يقتص آثارهم إلى حمص، وعاد فوافى المظفر بدمشق. ولما عاد المظفر إلى مصر اتفق الظاهر مع الرشيدي وبهادر المعزي وبكتوت الجوكنداري (٥) وبيدغان الركني وبلبان الهاروني وأنس (٦) الأصفهاني، على قتل المظفر، فقتلوه على الصورة التي تذكر في ترجمته إن شاء الله،

стр. 236

وساقوا إلى الدهليز، فبايع الأمير فارس الدين أتابك للملك الظاهر وحلف له، ثم الرشيدي ثم الأمراء، وركب معه الأتابك وبيسري وقلاون وجماعة من خواصه، ودخل قلعة الجبل سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين، وجلس في إيوان القلعة، وكتب إلى الأشرف صاحب حمص، وإلى المنصور صاحب حماة، وإلى مظفر الدين صاحب صهيون، وإلى الإسماعيلية، وإلى علاء الدين ابن صاحب الموصل نائب حلب، وإلى من بالشام، يعرفهم ما جرى، وأفرج على من في الحبوس من أصحاب الجرائم. وأقر الصاحب زين الدين ابن الزبير على الوزارة؛ وكان قد تلقب بالملك القاهر، فقال له الصاحب زين الدين: ما لقب أحد بالملك القاهر فأفلح، لقب به القاهر ابن المعتضد، فلم تطل أيامه ثم خلع وسمل عينيه، ولقب به الملك القاهر ابن صاحب الموصل فسم ولم تطل أيامه. فأبطل ولقب بالظاهر. وزاد إقطاعات من رأى استحقاقه من الأمراء وخلع عليهم، وسير أقوش المحمدي بتواقيع الأمير علم الدين الحلبي فوجده قد تسلطن بدمشق، فشرع الظاهر في استفساد من عنده، فخرجوا عليه ونزعوه من السلطنة، وتوجه إلى بلعبك فأحضروه منها وتوجهوا به إلى مصر؛ وصفا الملك بالشام للملك الظاهر وضبط الأمور وساس الملك أتم سياسة، وفتح الفتوحات وباشر الحروب بنفسه. وكان جباراً في الأسفار والحصارات والحروب، وخافه الأعادي من التتار والفرنج وغيرهم، لأنه روعهم بالغارات والكبسات، وخاض الفرات بنفسه فألقت العساكر بأنفسها خلفه، ووقع على التتار فقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر مائتي نفس، وفي ذلك قال محيي الدين ابن عبد الظاهر: تجمّع جيش الشرك من كل فرقة ... وظنوا بأنا لا نطيق لهم غلبا وجاءوا إلى شاطي الفرات وما دروا ... بأن جياد الخيل تقطعها وثبا وجاءت جنود الله في العدد التي ... تميس لها الأبطال يوم الوغى عجبا فعمنا بسدٍّ من حديدٍ سباحةً ... إليهم، فما اسطاع العدو له نقبا

стр. 237

وقال بدر الدين يوسف بن المهمندار (١) : لو عاينت عيناك يوم نزالنا ... والخيل تطفح في العجاج الأكدر وقد اطلخمّ الأمر واحتدم الوغى ... ووهى الجبان وساء ظنّ المجتري لرأيت سدّاً من حديد ما يرى ... فوق الفرات وفوقه نار تري طفرت وقد منع الفوارس مدّها ... تجري ولولا خيلنا لم تطفر ورأيت سيل الخيل قد بلغ الزُّبى ... ومن الفوارس أبحراً في أبحر لما سبقنا أسهماً طاشت لنا ... منهم إلينا بالخيول الضّمّر لم يفتحوا للرمي منهم أعيناً ... حتى كحلن بكلّ لدنٍ أسمر فتسابقوا هرباً ولكن ردهم ... دون الهزيمة رمح كلّ غضنفر ما كان أجرى خيلنا في إثرهم ... لو أنها برؤوسهم لم تعثر كم قد فلقنا صخرةً من صخرةٍ ... ولكم ملأنا محجراً من محجر وجرت دماؤهم على وجه الثرى ... حتى جرت منها مجاري الأنهر والظاهر السلطان في آثارهم ... يذري الرؤوس بكلّ عضب أبتر ذهب الغبار مع النجيع بصقله ... فكأنّه في غمده لم يشهر وقال ناصر الدين حسن ابن النقيب: ولمّا تراءينا الفرات بخيلنا ... سكرناه منّا بالقوى والقوائم فأوقفت التيار عن جريانه ... إلى حيث عدنا بالغنى والغنائم وقال الحكيم موفق الدين عبد الله بن عمر المعروف بالورن: الملك الظاهر سلطاننا ... نفديه بالمال وبالأهل اقتحم الماء ليطفي به ... حرارة القلب من المغل

стр. 238

وقال الشيخ شهاب الدين محمود من قصيدة: لما تراقصت الرؤوس وحركت ... من مطربات قسيّك الأوتار خضت الفرات بسابح أقصى منى ... هوج الصبا من نعله الآثار حملتك أمواج الفرات ومن رأى ... بحراً سواك تقلّه الأنهار وتقطعت فرقاً ولم يك طودها ... إذ ذاك إلاّ جيشك الجرار رشّت دماؤهم الصعيد فلم يطر ... منهم على الجيش السعيد غبار شكرت مساعيك المعاقل والورى ... والترب والآساد والأطيار هذي منعت وهؤلاء حميتهم ... وسقيت تلك وعمّ ذي الإيثار وعمر الجسور الباقية إلى اليوم بالساحل والأغوار، وأمن الناس في أيامه. فلما عاد من وقعة البلستين (١) أقام بالقصر الأبلق في دمشق، فأحس في نفس توعكاً، فشكا ذلك إلى الأمير شمس الدين سنقر السلحدار، وكان قد شرب قمز (٢) ، فأشار عليه بالقيء، فاستدعاه فاستعصى عليه، فلما كان ثاني يوم وهو يوم الجمعة ثاني عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة ركب من القصر إلى الميدان على عادته والألم يقوى عليه، فلما أصبح اشتكى حرارة في باطنه، فصنعوا له دواء فشربه فلم ينجع، فلما حضروا الأطباء أنكروا استعماله الدواء وأجمعوا على أن يسقوه مسهلاً، فسقوه فلم ينجع، فحركوه بدواء آخر فأفرط الإسهال به ودفع دماً محتقناً، فتضاعفت حماه وضعفت قواه، فتخيل خواصه أن كبده تتقطع وأن ذلك عن سم شربه، فعولج بالجوهر، وذلك يوم عاشره، ثم أجهده المرض إلى أن توفي يوم الخميس ثامن عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة، فأخفوا موته، وحمل إلى القلعة ليلاً، وغسلوه وحنطوه وصبروه، وكفنه

стр. 239

مهتاره (١) الشجاع عنبر، والفقيه كمال الدين المعروف بابن المنبجي وعز الدين الأفرم، وجعلوه في تابوت وعلقوه في بيت من بيوت البحرة بقلعة دمشق، وكتب الأمير بدر الدين بيليك الخزندار مطالعة بيده إلى ولده الملك السعيد. وركب الأمراء يوم السبت ولم يظهروا الحزن، وكان الظاهر قد أوصى أن يدفن على السابلة قريباً من داريا وأن يبنى عليه هناك، فرأى الملك السعيد أن يدفنه داخل الصور فابتاع دار العقيقي بثمانية وأربعين ألف درهم، وأمر أن تبنى مدرسة للشافعية والحنفية ودار حديث وقبة للدفن، ولما نجزت حضر الأمير علم الدين سنجر الحموي المعروف بأبي خرص، والطواشي صفي الدين جوهر الهندي إلى دمشق لدفن الملك الظاهر، وكان النائب عز الدين أيدمر، فعرفاه ما رسم به الملك السعيد، فحمل تابوته ليلاً ودفن خامس شهر رجب الفرد من السنة، فقال محيي الدين ابن عبد الظاهر: صاح هذا ضريحه بين جفن ... يّ فزوروا من كل فج عميق كيف لا وهو من عقيق جفوني ... دفنوه منها بدار العقيقي وفي سنة سبع وسبعين عملت أعزيته بالديار المصرية، ونصبت الخيام العظيمة وصنعت الأطعمة الفاخرة واجتمع الخاص والعام وحضر القراء والوعاظ، وخلع عليهم وأجيزوا بالجوائز السنية. ذكر أولاده رحمه الله تعالى: الملك السعيد ناصر الدين بركة، وأمه بنت حسام الدين بركة خان الخوارزمي، والملك نجم الدين خضر، وأمه أم ولد، والملك بدر الدين سلامش، وله من البنات سبع من بنت سيف الدين دماجي التتري (٢) .

стр. 240

ذكر فتوحاته: قيسارية. أرسوف. صفد. طبرية. يافا. الشقيف. أنطاكية. بغراس. القصير. حصن الأكراد. حصن عكار. القرين، صافيتا. مرقبة حلبا (١) . وناصف الفرنج على: المرقب وبليناس (٢) وبلاد أنطرسوس، وعلى سائر ما بقي في أيديهم من البلاد والحصون. وولى في نصيبه الولاة والعمال، واستعاد من صاحب سيس: دربساك، ودركوش، وبليس، وكفردنين، ورعبان، والمرزبان. وملك من المسلمين: دمشق وبعلبك وعجلون وبصرى وصرخد والصلت وحمص وتدمر والرحبة وزلبيا وتل باشر وصهيون وبلاطنس وبرزيه وحصون الإسماعيلية والشوبك والكرك وشيزر والبيرة. وفتح الله عليه بلاد النوبة ودنقلة وغيرها. ذكر عمائره رحمه الله تعالى: عمر بقلعة الجبل دار الذهب، وبرحبة الحبارج قبة عظيمة محمولة على اثني عشر عمود من الرخام الملون، وطبقتين مطليتين على رحبة الجامع، وعمر برج الزاوية المجاور لباب السر، وأخرج منه رواشن وبنى عليه قبة، وأنشأ جواره طباق للمماليك، وأنشأ برحبة القلعة دار كبيرة لولده الملك السعيد، وأنشأ دور كثيرة للأمراء ظاهر القاهرة مما يلي القلعة، وإصطبلات، وأنشأ حماماً بسوق الخيل لولده، والجسر الأعظم، والقنطرة الذي على الخليج والميدان. وجدد الجامع الأقمر والجامع الأزهر، وبنى جامع العافية بالحسينية، أنفق عليه ألف ألف درهم، وزاوية للشيخ خضر (٣) ، وحماماً وطاحوناً وفرناً وقبة على المقياس مزخرفة، وعدة جوامع في الأعمال المصرية، وجدد قلعة الجزيرة،

стр. 241

وقلعة العمودين ببرقة، وقلعة السويس، وعمر جسراً بالقليوبية، وجدد الجسر الأعظم على بركة الفيل، وأنشأ القنطرة المعروفة بقنطرة السباع التي أخربها الملك الناصر بن قلاون بعده، وقنطرة على بحر ابن منجى لها سبعة أبواب، وقنطرة بمنية الشيرج، وقنطرة عند القصير بسبعة أبواب، وستة عشر قنطرة تسلك منها إلى دمياط، وقنطرة على خليج القاهرة للمرور عليها إلى الميدان، وقنطرة عظيمة على خليج الإسكندية، وحفر خليج الإسكندرية وكان ارتدم، وحفر بحر أشموم وكان قد عمي، وحفر ترعة الصلاح وخور سرسخا (١) ، وحفر المحايري والكافوري وترعة كيساد وزاد فيها قصبة، وحفر بحر الصمصام وحفر بحر السردوس وحفر في ترعة أبي الفضل ألف قصبة، وتمم عمارة حرم رسول الله ﷺ ، وعمل منبره، وأحاط بالضريح درابزيناً، وذهب سقفه وبيضه، وجدد البيمارستان بالمدينة، ونقل إليه سائر المعاجين والأكحال والأشربة، وبعث إليه طبيباً من الديار المصرية، وجدد قبة الخليل ﵇ ورمم شعثه وأصلح أبوابه وميضأته وبيضه، وزاد في راتبه المجرى عليه وعلى قوامه ومؤذنيه، ورتب له من مال البلد ما يجري على الواردين عليه والمقيمين به، وجدد بالقدس الشريف ما كان تداعى من قبة الصخرة، وجدد قبة السلسلة وزخرفها، وأنشأ خاناً للسبيل، وبنى به مسجداً وطاحوناً وبستاناً وفرناً، وبنى على قبر موسى ﵇ قبة ومسجداً، وهو عند الكثيب الأحمر، ووقف عليه وقفاً، وبنى على قبر أبي عبيدة ﵁ مشهداً بعمتا من الغور ووقف عليه وقفاً، وجدد بالكرك برجين كانا صغيرين فهدمهما وكبرهما وعلاهما، ووسع مشهد جعفر الطيار، ووقف عليه وقفاً زيادة على وقفه، وعمر جسر دامية بالغور، ووقف عليه وقفاً برسم ما عساه يتهدم من عمارته، وأنشأ جسور كثيرة بالساحل والغور، وعمر قلعة قاقون، وبنى بها جامعاً ووقف عليه وقفاً،

стр. 242

وبنى حوض السبيل، وجدد جامع الرملة وأصلح مصالحها، وأصلح جامع زرعين وما عداه من جميع البلاد الساحلية، وجدد باشورة (١) لقلعة صفد، بنى بربضها جامعاً حسناً، وكانت الشقيف قلعتين مجاورتين فجمع بينهما، وبنى بها جامعاً وحماماً ودار نيابة، وجدد عمارة قلعة الصبيبة (٢) بعدما خربها التتار، وكان التتار هدموا شراريف قلعة دمشق ورؤوس أبراجها فجدد ذلك، وبنى الطارمة (٣) التي على سوق الخيل، وبنى حمام خارج باب النصر، وجدد ثلاث إصطبلات على الشرف الأعلى، وبنى القصر الأبلق بالميدان، ولم يكن مثله، وجدد مشهد زين العابدين بجامع دمشق، وجدد رؤوس الأعمدة والأساطين وذهبها، وجدد باب البريد وفرشه بالبلاط، ورم شعث مغارة الدم، وجدد دور الضيافة للرسل والمترددين مجاورة للحمام، وجدد ما تهدم من قلعة صرخد وجامعها ومساجدها، وكذلك فعل ببصرى وبعجلون والصلت، وجدد ما تهدم من قلعة بعلبك، وجدد قبر نوح ﵇، وجدد أسوار حصن الأكراد، وعقد قلعتها حنايا، وحال بينها وين المدينة بخندق، وبنى عليها أبرجة بطلاقات، وجدد من حصن عكار ما كان استهدم وزاد الأبرجة، وبنى خان المحدثة، وعمل به الخفرا، وبنى من القصير إلى المناخ إلى قارا إلى حمص أعمدة أبرجة فيه الحمام والخفرا، وكذلك من دمشق إلى تدمر والرحبة إلى الفرات، وجدد سفح قلعة حمص والدور السلطانية بها، وقلعة شميمس (٤) أنشأها بجملتها، وأصلح قلعة شيزر وقلعتي الشغر وبكاس وقلعة بلاطنس، وبنى قلاع الإسماعيلية الثمان، وبنى ما تهدم من قلعة عين تاب والراوندان، وبنى بأنطاكية جامعاً مكان الكنيسة وكذلك ببغراس، وأنشأ قلعة البيرة، وبنى بها الأبرجة ووسع

стр. 243

خندقها وجدد جامعها، وأنشأ الميدان الأخضر شمالي حلب مسطبة كبيرة مرخمة، وأنشأ الجسر للقلعة، وبنى في أيامه ما لم يبن في أيام غيره. وكانت العساكر بالديار المصرية في أيام غيره عشرة آلاف فارس فضاعفها أربعة أضعاف، وكانوا الملوك قبله مقتصدين في النفقات والعدد، وعسكره بالضد من ذلك، وكانت كلف المطبخ الصالحي النجمي ألف رطل لحم بالمصري كل يوم فضاعفها عشر مرات، فكانت في الأيام الظاهرية كل يوم عشرة آلاف رطل، وتوابلها عشرون ألف درهم، ويصرف من خزانة الكسوة كل يوم عشرون ألف درهم، ويصرف في ثمن القرط (١) لدوابه ودواب من يلوذ به كل سنة ثمانمائة ألف درهم، ويقوم بكلف الخيل والجمال والبغال والحمير كل يوم خمس عشر ألف عليقة عنها ستمائة إردب، ويصرف للمخابز للجرايات خلا ما يصرف لأرباب الرواتب لمصر خاصة كل شهر عشرون ألف إردب. وكان رحمه الله تعالى قد منع الخمر والحشيش وجعل الحد على ذلك السيف، فأمسك ابن الكازروني وهو سكران، فصلب وفي حلقه جرة خمر، فقال الحكيم شمس الدين ابن دانيال ﵀: لقد كان حدّ السكر من قبل صلبه ... خفيف الأذى إذ كان في شرعنا جلدا فلما بدا المصلوب قلت لصاحبي: ... ألا تب فإن الحد قد جاوز الحدا وقال القاضي ناصر الدين ابن المنير: ليس لإبليس عندنا طمعٌ ... غير بلاد الأمير مأواه منعته الخمر والحشيش معاً ... أحرمته ماءه ومرعاه وقال ناصر الدين ابن النقيب الفقيسي: منع الظاهر الحشيش مع الخم ... ر فولّى إبليس من مصر يسعى

стр. 244

قال مالي وللمقام بأرضٍ ... لم أمتّع فيها بماء ومرعى وقال الحكيم شمس الدين ابن دانيال: نهى السلطان عن شرب الحميّا ... وصيّر حدّها حدّ اليماني فما جسرت ملوك الجن خوفاً ... لأجل الخمر تدخل في القناني وقال آخر: الخمر يا إبليس إن لم تقم ... وتوسع الحيلة في ردها لا نفقت سوق المعاصي ولا ... أفلحت يا إبليس من بعدها ولما أراد الظاهر أن يقرر القطيعة (١) على البساتين بدمشق واحتاط عليها وعلى الأملاك والقرى وهو نازل على الشقيف قال له القاضي شمس الدين ابن عطا الحنفي: هذا ما يحل ولا يجوز لأحد أن يتحدث فيه، وقام مغضباً وتوقف الحال، وصقعت (٢) البساتين تلك السنة وعدمت الثمار جملة كافية، فقال في ذلك مجد الدين ابن سحنون خطيب النيرب ﵀: واهاً لأعطاف الغصون وما الذي صنعته أيدي البرد في أثوابها صبغت خمائلها الصّبا وكأنها قد ألبست أسفاً على أربابها وقال نور الدين ابن مصعب: لهفي على حلل الغصون تبدلت من بعد خضرة لونها بسواد وأظنّها حزنت لفرقة أهلها فلذاك قد لبست ثياب حداد وظن الناس أن السلطان يرحمهم لذلك، فلما أراد التوجه إلى مصر أحضر العلماء، وأخرج فتاوى الحنفية باستحقاقها، بحكم أن دمشق فتحها عمر بن

стр. 245

الخطاب ﵁ عنوة، ثم قال: من كان معه كتاب عتيق أجريناه، وإلا فنحن فتحنا هذه البلاد بسيوفنا، ثم قرر عليهم ألف ألف درهم، فسألوه تقسيطها فأبى، وتمادى الحال، فعجلوا له أربعمائة ألف درهم بواسطة فخر الدين الأتابك وزير الصحبة، ثم أسقط الباقي عنهم بتوقيع قرىء على المنبر، رحمه الله تعالى.

стр. 246

فراغ

стр. 247

حرف التاء

стр. 248

فراغ

стр. 249

٨٨ - (١) الأمير تنكز نائب الشام تنكز الأمير الكبير المعظم المهيب، سيف الدين نائب السلطنة بالشام؛ جلب إلى مصر وهو حدث فنشأ بها، وكان أبيض إلى السمرة، رشيق القد مليح الشعر خفيف اللحية قليل الشيب حسن الشكل، جلبه الخواجا علاء الدين السيواسي، فاشتراه الأمير حسام الدين لاجين، فلما قتل في سلطنته صار من خاصكية السلطان الملك الناصر، وشهد معه وادي الخزندار، ثم وقعة شقحب. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في تاريخه: أخبرني القاضي شهاب الدين ابن القيسراني قال، قال لي: أنا والأمير سيف الدين طينال من مماليك الأشرف أمره الملك الناصر عشرة قبل توجهه إلى الكرك، وكان قد سلم إقطاعه إلى الأمير صارم الدين صاروجا المظفري، فكان على مصطلح الترك آغا له، ولما توجه السلطان إلى الكرك كان في خدمته، وجهزه إلى دمشق رسولاً إلى الأفرم، فاتهمه أن معه كتباً إلى أمراء الشام، فحصل له منه مخافة شديدة، وفتش وعرض عليه العقوبة، فلما عاد إلى السلطان عرفه ما جرى له فقال له: إن عدت إلى الملك فأنت نائب دمشق، فلما عاد إلى المملكة جعل الملك سيف الدين أرغون الدوادار نائب مصر بعد إمساك الجوكندار الكبير، وقال لتنكز ولسودي: احضرا كل يوم عند أرغون وتعلما منه النيابة والأحكام، فبقيا كذلك سنة يلازمانه، فلما مهرا جهز سيف الدين سودي إلى حلب نائباً، وسيف الدين تنكز إلى دمشق

стр. 250

نائباً، فحضر إليهما على البريد هو والحاج سيف الدين أرقطاي وحسام الدين طرنطاي البشمقدار (١) ، فكان وصولهم إليها في شهر ربيع الأول سنة اثني عشرة وسبعمائة، وتمكن في النيابة، وسار بالعساكر إلى ملطية فافتتحها، وعظم شأنه، وهابه الأمراء بدمشق ونواب الشام، وآمن الرعايا، ولم يمكن أحداً من الأمراء ولا أرباب الجاه يقدر يظلم أحد ذمياً أو غيره، خوفاً من بطشه وشدة إيقاعه، ولم يزل في ارتفاع علو درجة يتضاعف إقطاعه وإنعامه وعوائده من الخيل والقماش والطيور والجوارح حتى كتب له: أعز الله أنصار المقر الكريم العالي الأميري وفي الألقاب: الأتابكي الزاهدي العابدي وفي النعوت: معز الإسلام والمسلمين سيد الأمراء في العالمين؛ وهذا لم يكتب عن سلطان لنائب ولا غير نائب على اختلاف الوظائف (٢) . وكان السلطان لا يفعل شيء في الغالب حتى يسير يشاوره فيه، وقلما كتب إلى السلطان في شيء فرده، وكل ما قرره من إمرة ونيابة وإقطاع وقضاء أو غير ذلك ترد التواقيع السلطانية بإمضاء ذلك. وكان قد اعتمد شيئاً ما سمع عن غيره، وهو أنه كان له كاتب ليس له شغل ولا عمل إلا حساب ما يدخل خزانته من الأموال وما يستقر له، فإذا حال الحول عمل أوراقاً بما يجب صرفه من الزكاة، فيأمر بإصرافه إلى ذوي الاستحقاق. وزادت أمواله وأملاكه. وعمر الجامع المعروف به بحكر السماق بدمشق، وأنشأ إلى جانبه تربة وحماماً، وعمر تربة إلى جانب الخواصين لزوجته، وعمر داراً للقرآن إلى جانب داره دار الذهب، وأنشأ بالقدس رباطاً، وعمر القدس وساق إليه الماء وأدخله الحرم، وعمر به حمامين وقيسارية مليحة إلى الغاية، وعمر بصفد البيمارستان المعروف به، وجدد القنوات بدمشق، وكانت مياهها قد تغيرت، وجدد عماير المساجد والمدارس، ووسع الطرقات بها واعتنى بأمرها، وله في
следующие страницы →