٨٨ - (١)
الأمير تنكز نائب الشام
تنكز الأمير الكبير المعظم المهيب، سيف الدين نائب السلطنة بالشام؛ جلب إلى مصر وهو حدث فنشأ بها، وكان أبيض إلى السمرة، رشيق القد مليح الشعر خفيف اللحية قليل الشيب حسن الشكل، جلبه الخواجا علاء الدين السيواسي، فاشتراه الأمير حسام الدين لاجين، فلما قتل في سلطنته صار من خاصكية السلطان الملك الناصر، وشهد معه وادي الخزندار، ثم وقعة شقحب.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في تاريخه: أخبرني القاضي شهاب الدين ابن القيسراني قال، قال لي: أنا والأمير سيف الدين طينال من مماليك الأشرف أمره الملك الناصر عشرة قبل توجهه إلى الكرك، وكان قد سلم إقطاعه إلى الأمير صارم الدين صاروجا المظفري، فكان على مصطلح الترك آغا له، ولما توجه السلطان إلى الكرك كان في خدمته، وجهزه إلى دمشق رسولاً إلى الأفرم، فاتهمه أن معه كتباً إلى أمراء الشام، فحصل له منه مخافة شديدة، وفتش وعرض عليه العقوبة، فلما عاد إلى السلطان عرفه ما جرى له فقال له: إن عدت إلى الملك فأنت نائب دمشق، فلما عاد إلى المملكة جعل الملك سيف الدين أرغون الدوادار نائب مصر بعد إمساك الجوكندار الكبير، وقال لتنكز ولسودي: احضرا كل يوم عند أرغون وتعلما منه النيابة والأحكام، فبقيا كذلك سنة يلازمانه، فلما مهرا جهز سيف الدين سودي إلى حلب نائباً، وسيف الدين تنكز إلى دمشق
стр. 250
نائباً، فحضر إليهما على البريد هو والحاج سيف الدين أرقطاي وحسام الدين طرنطاي البشمقدار (١) ، فكان وصولهم إليها في شهر ربيع الأول سنة اثني عشرة وسبعمائة، وتمكن في النيابة، وسار بالعساكر إلى ملطية فافتتحها، وعظم شأنه، وهابه الأمراء بدمشق ونواب الشام، وآمن الرعايا، ولم يمكن أحداً من الأمراء ولا أرباب الجاه يقدر يظلم أحد ذمياً أو غيره، خوفاً من بطشه وشدة إيقاعه، ولم يزل في ارتفاع علو درجة يتضاعف إقطاعه وإنعامه وعوائده من الخيل والقماش والطيور والجوارح حتى كتب له: أعز الله أنصار المقر الكريم العالي الأميري وفي الألقاب: الأتابكي الزاهدي العابدي وفي النعوت: معز الإسلام والمسلمين سيد الأمراء في العالمين؛ وهذا لم يكتب عن سلطان لنائب ولا غير نائب على اختلاف الوظائف (٢) .
وكان السلطان لا يفعل شيء في الغالب حتى يسير يشاوره فيه، وقلما كتب إلى السلطان في شيء فرده، وكل ما قرره من إمرة ونيابة وإقطاع وقضاء أو غير ذلك ترد التواقيع السلطانية بإمضاء ذلك. وكان قد اعتمد شيئاً ما سمع عن غيره، وهو أنه كان له كاتب ليس له شغل ولا عمل إلا حساب ما يدخل خزانته من الأموال وما يستقر له، فإذا حال الحول عمل أوراقاً بما يجب صرفه من الزكاة، فيأمر بإصرافه إلى ذوي الاستحقاق.
وزادت أمواله وأملاكه. وعمر الجامع المعروف به بحكر السماق بدمشق، وأنشأ إلى جانبه تربة وحماماً، وعمر تربة إلى جانب الخواصين لزوجته، وعمر داراً للقرآن إلى جانب داره دار الذهب، وأنشأ بالقدس رباطاً، وعمر القدس وساق إليه الماء وأدخله الحرم، وعمر به حمامين وقيسارية مليحة إلى الغاية، وعمر بصفد البيمارستان المعروف به، وجدد القنوات بدمشق، وكانت مياهها قد تغيرت، وجدد عماير المساجد والمدارس، ووسع الطرقات بها واعتنى بأمرها، وله في
стр. 251
سائر الشام أملاك وعمائر وآثار.
ولم يكن عنده دهاء ولا له باطن، ولا يحتمل شيئاً ولا يصبر على أذى، ولم يكن عنده مداراة للأمراء ولا يرفع بهم راساً، وكان الناس في أيامه آمنين على أموالهم ووظائفهم (١) ، وكان في كل سنة يتوجه إلى الصيد بالعسكر إلى نواحي الفرات، وعدى بعض السفرات الفرات وأقام في ذلك البر خمسة أيام يتصيد، وكان الناس يجفلون قدامه إلى بلاد توريز والسلطانية، وكان ما قصده غير الحق والعمل به ونصرة الشرع. خلا أنه كان به سوداء يتخيل بها الأمر فاسداً ويبني عليه، فهلك بذلك أناس، ولا يقدر أحد من مهابته يوضح له الصواب، ولا يقول له الحق فيما يفعله، وكان إذا غضب لا سبيل له إلى الرضى ولا العفو، وإذا بطش بطش بطش الجبارين، ويكون الذنب يسيراً فلا يزال يكبره ويزيده ويوسعه إلى أن يخرج فيه عن الحد.
وكان الشيخ حسن ابن دمرتاش قد أهمه أمره وخافه، فيقال إنه تمم عليه عند السلطان وقال له إنه قصد الحضور إلى عندي والمخامرة عليك، فتنكر السلطان، وكان في ذلك الأيام قد عزم السلطان على أن يجهز الأمير بشتاك ويلبغا اليحياوي وعشرين أمير من الخاصكية ليحضروا عرس أولاده، ويجهز معهم بنات السلطان، فبعث يقول: يا خوند، إيش الفايدة في حضور هؤلاء الأمراء الكبار إلى دمشق، والبلاد الساحلية في هذا العام ممحلة، ويحتاج العسكر إلى كلفة كثيرة، أنا أحضر بأولادي إلى الباب ويكون الدخول هناك، فجهز إليه السلطان طاجار الدوادار وقال له: السلطان يسلم عليك ويقول لك: إنه ما بقى يطلبك إلى مصر، ولا يجهز إليك أمير كبير حتى لا تتوهم، فقال تنكز: أنا أتوجه بأولادي إليه، فقال طاجار: لو وصلت إلى بلبيس ردك، وأنا أكفيك هذا المهم، وبعد ثمانية أيام أكون عندك بتقليد جديد وإنعام جديد، فلبثه بهذا الكلام، ولو كان
стр. 252
توجه إلى السلطان كان خيراً له، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً
وكان أهل دمشق في تلك المدة قد أرجفوا بأنه قد عزم على التوجه إلى بلاد التتار، فوقع هذا الكلام في سمع طاجار الدوادار، وكان قد عامله تنكز في هذه المرة معاملة لا تليق به، فتوجه من عنده مغضباً، وكأنه حرف الكلام، والله أعلم، فتغير السلطان تغيراً عظيماً، وجرد عشرة آلاف فارس من مصر، وجهز بريدي إلى الأمير طشتمر حمص أخضر نائب صفد، وأمره بالتوجه إلى دمشق لمسك تنكز، وكتب إلى الحاجب وإلى الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري وإلى الأمراء بالقبض عليه وقال: إن قدرتم على تعويقه فهو المراد، والعساكر تصل إليكم من مصر، فوصل الأمير سيف الدين طشتمر الظهر إلى المزة، وجهز إلى الأمير سيف الدين الفخري، وكان دواداره قد وصل بكرة النهار واجتمع بالأمراء فاتفقوا، وتوجه اللمش الحاجب إلى القابون ووعر الطريق ورمى الأخشاب فيها وأحمال التبن، وقال للناس: إن غريم السلطان يعبر الساعة عليكم فلا تمكنوه، وركب الأمراء واجتمعوا على باب النصر. هذا كله وهو في غفلة عما يراد به، ينتظر ورود طاجار الدوادار، وكان قد خرج ذلك النهار إلى القصر الذي بناه في القطايع، فتوجه إليه الأمير سيف الدين قرشي وعرفه بوصول طشتمر، فبهت لذلك وسقط في يده. وقال: ما العمل؟ قال: تدخل إلى دار السعادة، فحضر ودخل إلى دار السعادة، وغلقت أبواب المدينة، وأراد اللبس والمحاربة. ثم علم أن الناس ينهبون ويعمل السيف في البلد، فآثر إخماد الفتنة وأن لا يجرد سلاح، فجهز إلى الأمير سيف الدين طشتمر وقال له: في أي شيء جيت؟ قال: أنا جيتك رسول من عند أستاذك، فإن خرجت إلي قلت لك ما قال لي، وإن رحت إلى مطلع الشمس تبعتك، ولا أرجع إلا إن مات أحدنا، فخرج إليهم واستسلم، وأخذ سيفه وقيد خلف مسجد القدم، وجهز إلى السلطان وجهز معه الأمير ركن الدين بيبرس السلاح دار، ثالث عشرين ذي الحجة سنة أربعين وسبعمائة، وتأسف أهل دمشق عليه ويا طول أسفهم؛
стр. 253
فسبحان مزيل النعم الذي لا يزول ملكه ولا يتغير عزه ولا تطرأ عليه الحوادث! واحتيط على حواصله، وأودع طغاي وجنغاي (١) مملوكاه في القلعة، وبعد مدة يسيرة حضر الأمير سيف بشتاك وطاجار الدوادار والحاج أرقطاي وتتمة عشرة أمرا، ونزلوا القصر الأبلق، وحال وصولهم حلفوا الأمراء، وشرعوا في عرض حواصله، وأخرجوا ذخايره وودايعه، وتوجه بشتاك إلى مصر ومعه من ماله ثلثمائة ألف وستة وثلاثون ألف دينا مصرية، وألف ألف وخمسمائة ألف درهم، وجواهر وبلخش، وأقطاع مثمنة، ولولو غريب الحب. وطرز زركش، وكلوتات (٢) زركش، وحوايص ذهب، بحامات (٣) مرصعة، وأطلس وغيره من القماش ما كان جملته ثمانمائة حمل، وأقام بعده برسبغا، وتوجه في أثره بعد ما استخلص من الناس ومن بقايا أموال تنكز، ومعه أربعون ألف دينار وألف ألف ومائة ألف درهم، وأخذ مماليكه وجواريه وخيله المثمنة إلى مصر، وأما هو فإنه جهز إلى اسكندرية وحبس بها مدة دون الشهر، ثم قضى الله تعالى فيه أمره. يقال: إن المقدم ابن صابر توجه إليه، وكان ذلك آخر العهد به، ومات وصلى عليه أهل اسكندرية:
فكأنّه برقٌ تألّق بالحمى ... ثمّ انثنى فكأنه لم يلمع ثم ورد مرسوم السلطان بتقويم أملاكه، فعمل ذلك بالعدول وأرباب الخبرة، وحضرت محاضر (٤) إلى ديوان الإنشاء لتجهز إلى الأبواب السلطانية.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي (٥) : فنقلت منها ما صورته: دار الذهب بمجموعها وإسطبلاتها ستمائة ألف درهم، دار الزمرد مائتا ألف درهم، دار
стр. 254
الزردكاش وما معها مائتا ألف وعشرون ألف درهم، الدار التي بجوار جامعه بدمشق مائة ألف درهم، الحمام التي بجوار الجامع مائة ألف أدرهم، خان العرصة مائة ألف وخمسون ألف درهم، إسطبل حكر السماق عشرون ألف درهم، الطبقة التي بجوار حمام ابن يمن أربعة آلاف وخمسمائة درهم، قيسارية المرحليين مائتا ألف وخمسون ألف درهم، الفرن والحوش (١) بالقنوات من غير أرض عشرة آلاف درهم، حوانيت التعديل ثمانية آلاف درهم، الأهراء من إصطبل بهادراص عشرة آلاف درهم، خان البيض وحوانيته مائة ألف وعشرة آلاف درهم، حوانيت باب الفرج خمسة وأربعون ألف درهم، حمام القابون عشرون ألف درهم، حمام القصير العمري ستة آلاف درهم، الدهيشة (٢) والحمام مائتا ألف وخمسون ألف درهم، بستان العادل مائة ألف وثمانون ألف درهم، بستان النجيبي والحمام والفرن مائة ألف وثلاثون ألف درهم، بستان الجبلي (٣) بحرستا أربعون ألف درهم، الحدائق بحرستا مائة ألف وخمسة وأربعون ألف درهم، بستان القوصي بحرستا ستون ألف درهم، بستان الدردور بزبدين خمسون ألف درهم، الجنينة المعروفة بالحمام بزبدين سبعة آلاف درهم، بستان الرزار خمسة وثلاثون ألف درهم، الجنينة وبستان عبرتهما (٤) ثمانون ألف درهم، مزرعة البوقي والعنبري مائة ألف درهم، الحصة بالدفوف القبلية بكفر بطنا ثلثاها ثلاثون ألف درهم، بستان السقلاطوني بالمنيحة خمسة وسبعون ألف درهم، حقل البيطارية بها خمسة عشر ألف درهم، الفاتكيات والرشيدي والكروم بزملكا مائة ألف وثمانون ألف درهم، مزرعة المرفع بالقابون مائة ألف وعشرة آلاف درهم، الحصة من غراس غيطة الأعجام عشرون ألف درهم، نصف الغيطة المعروفة
стр. 255
بزرنبه خمسة آلاف درهم، غراس قايم جواردار الجالق ألفا درهم، النصف من غراس الهامة ثلاثون ألف دهرم، الحوانيت التي قبالة الجامع مائة ألف درهم، الإسطبلات التي عند الجامع ثلاثون ألف درهم، بيدر زبدين ثلاثة وأربعين ألف درهم، أرض خارج باب الفرج ستة عشر ألف درهم، القصر وما معه خمسمائة ألف درهم وخمسون ألف درهم، ربع ضيعة القصرين مائة وعشرون ألف درهم، نصف البيطارية مائة ألف وثمانون ألف درهم، حصة من البويضا مائة ألف وخمسة وثمانون ألف درهم، نصف بوابة مائة وثمانون ألف درهم، العلانية بعيون الفاسرتا ثمانون ألف درهم، حصة دير ابن عصرون خمسة وسبعون ألف درهم، حصة دوير اللبن ألف وخمسمائة درهم، الدير الأبيض خمسون ألف درهم، التنورية اثنان وعشرون ألف درهم، العزيل مائة ألف وثلاثون ألف درهم، حوانيت داخل باب الفرج أربعون ألف درهم.
الأملاك التي بمدينة حمص:
الحمام خمسة وعشرون ألف درهم، الحوانيت سبعة آلاف درهم، الربع ستون ألف درهم، الطاحون الراكبة على العاصي ثلاثون ألف درهم، زور قبجق خمسة وعشرون ألف درهم، الخان مائة ألف درهم، الحمام الملاصقة للخان ستون ألف درهم، الحوش الملاصق له ألف وخمسمائة درهم، المناخ ثلاثة آلاف درهم، الحوش المجاور للفندق ثلاثة آلاف درهم، حوانيت العريضة ثلاثة آلاف درهم، الأراضي المحتكرة سبعة آلاف درهم.
الأملاك ببيروت:
الخان مائة وخمسة وثلاثون ألف درهم، الحوانيت والفرن مائة وعشرون ألف درهم، المصبنة بآلاتها عشرة آلاف درهم، الحمام عشرون ألف درهم، المسلخ عشرة آلاف درهم، الطاحون خمسة آلاف درهم، قرية زلايا خمسة وأربعون ألف درهم.
القرى بالبقاع:
مرج الصفا سبعمائة ألف درهم، التل الأخضر مائة ألف وثمانون ألف درهم، المباركة خمسة وسبعون ألف درهم، المسعودية مائة ألف
стр. 256
وعشرون ألف درهم. الضياع الثلاثة المعروفة بالجوهري أربعمائة ألف وسبعون ألف درهم، السعادة أربعمائة ألف درهم، أبروطيا ستون ألف درهم، نصف يبرود والصالحة والحوانيت أربعمائة ألف درهم، الناصرية مائة ألف درهم. رأس الماء بيم الروس سبعة وخمسون ألف درهم، حصة من خربة ورق: اثنان وعشرون ألف درهم، رأس الماء والدلي بمزارعها خمسمائة ألف درهم، حمام صرخد خمسون ألف درهم، طاحون الفوار ثلاثون ألف درهم، السالمية سبعة آلاف وخمسمائة درهم، طاحون المغار عشرة آلاف درهم، قيسارية أذرعات اثنا عشر ألف درهم، قيسارية عجلون مائة ألف وعشرون ألف درهم.
الأملاك بقارا: الحمام خمسة وعشرين ألف درهم، الهري ستمائة ألف درهم، الصالحية والطاحون والأراضي مائة ألف وخمسة وعشرون ألف درهم، راسليثا ومزارعها مائة وخمسة وعشرين ألف درهم، القصيبة أربعون ألف درهم، القريتين المعروفة إحداهما بالمزرعة والأخرى بالبينسية تسعون ألف درهم.
هذا جميعه خارج عما له من الأملاك في وجوه البر بصفد وعجلون والقدس الشريف ونابلس والرملة وجلجولية والديار المصرية.
ولما كان في أوائل شهر رجب سنة أربع وأربعين وسبعمائة حضر تابوته من الإسكندرية إلى دمشق، ودفن في تربته جوار جامعه المعروف بإنشائه، رحمه الله تعالى، فقال الشيخ صلاح الدين الصفدي:
في نقل تنكز سرّ ... أراده الله ربّه
أتى به نحو أرضٍ ... يحبّها وتحبّه رحمه الله تعالى وعفا عنه، بمنه وكرمه.
стр. 257
٨٩ - (١)
توبة ابن الحمير
توبة بن الحمير الخفاجي، أحد المتيمين، صاحب ليلى الأخيلية ويأتي ذكرها في حرف اللام إن شاء الله تعالى؛ كان يهوى ليلى فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه، وزوجها في بني الأولغ فكان يكثر زيارتها، فشكوه إلى قومه فلم يقلع فشكوه إلى السلطان فأهدر دمه إن أتاهم، فعلمت بذلك ليلى، ثم إن قومها كمنوا له في الموضع الذي يلقاها فيه، فلما جاء خرجت إليه سافرة حتى جلست في طريقه، فما رآها سافرة فظن لما أرادت فركض فرسه ونجا، وقال قصيدته التي منها:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها ثم إن توبة قتلته بنو (٢) عوف بن عقيل في حدود الثمانين من الهجرة، رحمه الله تعالى، فقالت ليلى ترثيه:
نظرت ودوني من عماية (٣) منكب ... وبطن الركاء أيّ (٤) نظرة ناظر منها:
وتوبة أحيى من وفاة حيية ... وأجرأ من ليث بخفّان خادر
стр. 258
ونعم فتى الدنيا وإن كان فاجراً ... ونعم الفتى إن كان ليس بفاجر وهي قصيدة طويلة أوردها صاحب الأغاني، ولها فيها مراث (١) أخر.
ثم إن ليلى أقبلت من سفر فمرت بقبر توبة وهي في هودج ومعها زوجها، فقالت: والله لا أبرح حتى أسلم على توبة، فجعل الزوج يمنعها وهي تأبى إلا أن تلم به، فتركها فصعدت أكمةً عليها قبر توبة، فقالت: السلام عليك يا توبة، ثم حولت وجهها نحو القبر وقالت: ما عرفت له كذبة قط، فقالوا: وكيف ذلك؟ قالت: أليس هو القائل:
ولو أن ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ ودوني جندلٌ وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدىً من جانب القبر صائح
وأُغبط من ليلى بما لا أناله ... ألا كلّ ما قرّت به العين صالح فما باله لم يسلم علي كما قال؟ وكان إلى جانب القبر بومة كامنة، فلما رأت الهودج واضطرابه فزعت وطارت في وجه الجمل، فنفر ورمى بليلى على رأسها فماتت من وقتها ودفنت إلى جانبه.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: ما كذب بعد موته؛ لأنه قال: أو زقا إليها صدى من جانب القبر والصدى هو ذكر البوم، وهذا من عجائب الاتفاق، رحمها الله تعالى.
стр. 259
٩٠ - (١)
تقي الدين التكريتي
توبة بن علي بن مهاجر بن شجاع بن توبة، الصاحب تقي الدين توبة التكريتي المعروف بالبيع؛ ولد يوم عرفة بعرفة سنة عشرين وستمائة وتعانى التجارة والسفر، وتعرف بالسلطان حسام الدين لاجين لما كان أمير، وعامله وخدمه، فلما صار سلطان ولاه وزارة الشام مدة ثم عزله، وصودر غير مرة، ثم يسلمه الله تعالى.
وكان مع ظلمه وعسفه فيه مروة وحسن إسلام وتقرب إلى أهل الخير وعدم خبث وهمة عالية وسماح، وحسن خلق ومزاح، واقتنى الخيل المسومة والدور الحسنة، واقتنى المماليك الملاح، وعمر لنفسه تربة حسنة تصلح لملك، وبها دفن لما مات سنة ثمان وتسعين وستمائة، وحضر جنازته ملك الأمراء والقضاة.
يقال عنه إنه كان عنده مملوك مليح اسمه أقطوان، فخرج ليلة وأقطوان خلفه إلى وادي الربوة، فمروا على مسطول وهو نائم، فلما أحس بوقع حوافر الخيل فتح عينيه وقال: يا الله توبة؟ فقال له: والك يا قواد، إيش تعمل بتوبة؟ شيخ نحس مقلع الأسنان قول: يا الله أقطوان.
ويقال إنه أتى إليه رجل من تكريت وقال له: يا مولانا الصاحب أشتهي منك شفاعة إلى شيخ الخانقاه الشميصاتية حتى ينزلني فيها، فدعا بنقيبه وقال له: روح مع هذا إلى شيخ الخانقاه، وسلم عليه من جهتي، وقولي له يقبل شفاعتي في هذا وينزله في الخانقاه، فلما جاء إلى شيخ الشيوخ وأدى
стр. 260
الرسالة قال له: قول للصاحب: هذا ما هو صوفي ولا ينزل عمره في خانقاه، وهذه الخانقاه شرطها أنه لا ينزل فيها إلا صوفي مربى يعرف آداب القوم، فجاء إليه الرجل باكي وقال: يا سيدي لم يسمع من رسالتك، فغضب وسير خلف الشيخ فلما دخل عليه قال: يا مولانا، لأي معنى ما تنزل هذا؟ قال: مولانا هذا ما هو صوفي، فقال الصاحب للرجل: ما تعرف تاكل أرز مفلفل؟ قال: بلى والله، قال: ما تعرف ترقص في السماع؟ قال: بلى، قال: ما تعرف تلوط على المليح، قال: بلى والله، قال: صوفي أنت من عمرك.
ولشمس الدين ابن منصور موقع غزة فيه، وقد أعيد إلى الوزارة:
عتبت على الزمان وقلت مهلاً ... أقمت على الخنا ولبست ثوبه
نفاق في التجاهل والتعامي ... وعاد إلى التقى وأتى بتوبه ولعلاء الدين الوداعي الكندي فيه، وقد سقط عن حصان:
فديناك لا تخش من وقعةٍ ... فإنّ وقوعك للأرض فخر
سقوط الغمام بفصل الربيع ... ففي البرّ برٌّ وفي البحر درّ وله أيضاً فيه رحمه الله تعالى:
إني حلفت يميناً ... لم آت فيها بحوبه
مذ أقعدتني الليالي ... لا قمت إلاّ بتوبه
стр. 261
٩١ - (١)
توران شاه
توران شاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل الكبير، الملك المعظم غياث الدين؛ لما توفي الملك الصالح والده جمع فخر الدين ابن الشيخ الأمراء وحلفوا له، وكان بحصن كيفا، وسيروا إليه الفارس أقطاي (٢) فساق على البريه لا يعترض عليه أحد من الملوك، فكاد يهلك عطشاً، حتى قدم دمشق ودخل بأبهة السلطنة في أواخر رمضان، ونزل القلعة وأنفق الأموال، وأحبه الناس، ثم سار إلى مصر بعد عيد الأضحى، فاتفق كسرة الإفرنج خذلهم الله تعالى عند قدومه، ففرح الناس وتيمنوا بوجهه، لكن بدت منه أمور نفرت الناس عنه:
منها أنه كان فيه خفة وطيش، وكان والده الصالح يقول: ولدي ما يصلح للملك، وألح عليه يوماً الأمير حسام الدين ابن أبو علي، وطلب إحضاره من حصن كيفا، فقال: أجيبه لكم حتى تقتلوه؟ فكان الأمر كما قال أبوه. وقال سعد الدين بن حيمويه: لما قدم المعظم طال لسان كل من كان خاملاً في أيام أبيه، ووجدوه مختل العقل سيء التدبير، دفع خبز فخر الدين شيخ الشيوخ بحواصله إلى جوهر الخادم، وانتظر الأمراء أن يعطيهم كما أعطى أمرا دمشق فلم يكن لذلك أثر، وكان لا يزال يحرك كتفه الأيمن مع نصف وجهه، وكثيراً ما يولع بلحيته، ومتى سكر ضرب الشمع بالسيف وقال: هكذا أفعل بمماليك أبي، ويتهدد الأمرا بالقتل، فشوش قلوب الجميع ومقتوه، وصادف بخله.
стр. 262
قال سبط ابن الجوزي: بلغني أنه كان يكون على السماط بدمشق، فإذا سمع فقيهاً يقول مسألة يقول: لا نسلم، ويصيح بها.
ومنها أنه احتجب عن أمر الناس وانهمك على اللذات والفساد مع الغلمان، على ما قيل، ويقال إنه تعرض لحظايا أبيه.
ومنها أنه قدم الأراذل وأخر خواص أبيه، وكان قد وعد الفارس أقطاي لما جاء إليه إلى حصن كيفا أن يؤمره، فما وفى له فغضب.
وكانت شجر الدر زوجة أبيه قد ذهبت من المنصورة إلى القاهرة، فجاء هو إلى المنصورة وأرسل إليها يتهددها ويطالبها بالأموال، فعاملت عليه، فلما كان اليوم السابع من المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة ضربه بعض البحرية وهو على السماط، فتلقى الضربة بيده فذهبت بعض أصابعه، فقام ودخل البرج الخشب الذي هناك وصاح: من جرحني؟ فقالوا: بعض الحشيشية، قال: لا والله إلا البحرية، والله لأفنينهم، وخاط المزين جرحه وهو يتهددهم، فقالوا: تمموه وإلا أبادنا، فدخلوا عليه فهرب إلى أعلى البرج، فرموا النار في البرج، ورموه بالنشاب، فرمى بنفسه وهرب إلى النيل وهو يقول: ما أريد ملكاً، دعوني أرجع إلى حصن كيفا، يا مسلمين ما فيكم من يصطنعني؟ فما أجابه أحد، فتعلق بذيل الفارس أقطاي فما أجاره، ونزل في البحر إلى حلقه، فقتلوه وبقي ملقىً على جانب النيل ثلاثة أيام حتى شفع فيه رسول الخليفة فواروه. وكان الذي باشر قتله أربعة، فلما قتل خطب على منابر الشام ومصر لأم خليل شجر الدر. ثم تسلطن الملك المعز أيبك التركماني.
وكان المعظم توران شاه قوي المشاركة في العلوم حسن البحث ذكياً. قال ابن واصل: لما دخل المعظم دمشق قام الشعراء، فابتدأ العدل تاج الدين ابن الدجاجية فقال:
كيف كان القدوم من حصن كيفا ... حين أرغمت للأعادي أنوفا فأجابه المعظم في الوقت:
стр. 263
الطريق الطريق يا ألف نحس ... تارة آمنا وطوراً (١) مخوفا وقال الصاحب جمال الدين ابن مطروح يرثيه:
يا بعيد الليل من سحره ... دائماً يبكي على قمره
خلّ ذا واندب معي ملكاً ... ولت الدنيا على أثره
كانت الدنيا تطيب لنا ... بين باديه ومحتضره
سلبته الملك أسرته ... واستووا غدراً على سرره
حسدوه حين فاتهم ... في الشباب الغضّ من عمره وفيه يقول نور الدين ابن سعيد:
ليت المعظّم لم يسر من حصنه ... يوماً ولا وافى إلى أملاكه
إن العناصر إذ رأته مكملاً ... حسدته فاجتمعت على إهلاكه واتفق يوم خروجه من دمشق مطر عظيم، فقال نور الدين ابن سعيد:
إنّ المعظّم خير أملاك الورى ... سرّت به الدّنيا وتعذر فيه
أوما رأيت دمشق يوم قدومه ... ضحكت ويوم وداعه تبكيه ٩٢ (٢)
توفيق الطرابلسي
توفيق بن محمد بن الحسين النحوي الطرابلسي؛ كان جده الحسين بن محمد ابن زريق يتولى الثغور من قبل الطائع، وولد توفيق بطرابلس، وسكن
стр. 264
دمشق، وكان أديباً فاضلاً شاعراً.
قال ياقوت: وكان يتهم بقلة الدين والميل إلى مذهب الأوائل، توفي في صفر سنة ست عشرة (١) وخمسمائة، ودفن بمقبرة باب الفراديس، وكان نحوياً، أقرأ العربية، وله معرفة بالحساب والهندسة.
ومن شعره، رحمه الله تعالى:
وجلنار كأعراف الديوك على ... خضرٍ تميس كأذناب الطواويس
مثل العروس تحلّت يوم زينتها ... حمر الحليّ على خضر الملابيس
في مجلس بعثت أيدي السرور به ... لدى عريشٍ يحاكي عرش بلقيس
سقى الحيا أربعاً تحيا النفوس بها ... ما بين مقرى إلى باب الفراديس
стр. 265
حرف الثاء
стр. 266
فراغ
стр. 267
٩٣ - (١)
ثابت قطنة
ثابت بن كعب أخو بني أسد بن الحارث بن العتيك، ويعرف بثابت قطنة لأنه أصابه سهم في عينه في بعض حروب الترك فذهبت، فجعل موضعها قطنة؛ وهو شاعر شجاع، وكان في صحابة يزيد بن المهلب، ولي عملاً في خراسان، فلما صعد المنبر يوم الجمعة رام الكلام فتعذر عليه وحصر، فقال: سيجعل الله بعد عسر يسراً، وبع عي بياناً، وأنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوال، ثم أنشأ:
وإلاّ أكن فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب فقال بعض الشعراء يهجوه بذلك (٢) :
أبا العلاء لقد لقيّت معضلةً ... يوم العروبة من كربٍ وتخنيق
أما القران فلم تخلق لمحكمه ... ولم (٣) تسدّد من الدنيا بتوفيق
لما رمتك عيون الناس هبتهم ... وكدت تشرق لما قمت بالريق
تلوي اللسان وقد رمت الكلام به ... كما هوى زلقٌ من شاهق النيق ولما ولي سعيد بن عبد العزيز خراسان جلس يعرض الناس، فرأى ثابتاً، وكان تام السلاح جميل الهيئة، فسأل عنه فقيل: هذا ثابت قطنة، وهو فارس
стр. 268
شجاع، فأمضاه وأجاز على اسمه، فلما انصرف قال رجل: هذا الذي يقول:
إنّا لضرابون في حمس الوغى (١) ... رأس الخليفة إن أراد صدودا فقال سعيد: عليّ به، فلما أتاه قال له: أنت القائل: إنا لضرابون ... ؟ فقال: نعم أنا القائل:
إنّا لضرابون في حمس الوغى (٢) ... رأس المتوّج إن أراد صدودا
عن طاعة الرحمن أو خلفائه ... أو رام إفساداً ولجّ عنودا فقال له سعيد: أولى لك، لولا أنك خرجت منها لضربت عنقك، وأخباره مستوفاة في كتاب الأغاني، رحمه الله تعالى.
٩٤ - (٣)
أبو البقاء التفليسي
ثابت بن تاوان بالتاء المثناة من فوق وبعد الألف واو وألف ونون الإمام نجم الدين أبو البقاء التفليسي الصوفي؛ كان له معرفة بالفقه والأصول والعربية والأخبار والأشعار والسلوك، وله رياضات ومجاهدات، وهو من كبار أصحاب الشيخ شهاب الدين السهروردي، وأذن له أن يصلح ما رآه في تصانيفه من الخلل وقدم مصر رسولاً من الديوان، وهو مليح الكتابة كتب الأجزاء، وتوفي سنة إحدى (٤) وثلاثين وستمائة، ووقف كتبه على الخانقاه الشميصاتية.
стр. 269
قال شهاب الدين القوصي، أنشدني لنفسه:
شرّ مالٍ حزته ذاك الذي ... حزت حدّ العلم في استحقاقه
اكتسبت الإثم في تحصيله ... وحرمت الأجر في إنفاقه وأنشدني أيضاً لنفسه:
إن شام طرفي عنك بارق سلوة ... طفق الغرام إلى هواك يحثّه
أو كاد يبدي ضرّه قال الهوى ... لا كان من يشكو الهوى ويبثه وقال أيضاً:
اغتنم يومك هذا ... إنّما يومك ضيف
وانتهب فرصة عمرٍ ... حاضرٍ فالوقت سيف
لا تضيّع هذه الأن ... فاس فالتضييع حيف
عدّ عن سوف أو ال ... ساعة أو أين وكيف رحمه الله تعالى وعفا عنه.
стр. 270
فراغ
стр. 271
حرف الجيم
стр. 272
فراغ
стр. 273
٩٥ - (١)
جابر بن حيان
جابر بن حيان، أبو موسى الطرسوسي؛ ألف كتاباً يشتمل على ألف ورقة يتضمن رسائل جعفر الصادق في الكيمياء، وهي خمسمائة رسالة.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: وأنا أنزه جعفر الصادق ﵁ عن الكيمياء، وإنما هذا الشيطان أراد الإغواء بكونه عزا ذلك إلى جعفر الصادق لتتلقاه النفوس بالقبول، ورأيته إذا ذكر الحجر يقول بعد ما يرمزه: وقد أوضحته في الكتاب الفلاني، فيتعب الطالب حتى يظفر بذلك المصنف المشوم، فيجده قد قال: وقد بينته في الكتاب الفلاني، فلا يزال يحيل على شيء بعد شيء.
ووجدت بعض الفضلاء قد كتب على بعض تصانيفه:
هذا الذي بمقاله ... غرّ الأوائل والأواخر
ما أنت إلاّ كاسرٌ ... كذب الذي سمّاك جابر وتصانيفه في هذا الفن كثيرة وليس تحتها طائل، وكانت وفاته في حدود التسعين والمائة، رحمه الله تعالى وعفا عنه.
стр. 274
٩٦ - (١)
الحطيئة الشاعر
جرول بن أوس بن مالك، الحطيئة الشاعر؛ لقب بالحطيئة لقربه من الأرض، فإنه كان قصيراً. وهو من فحول الشعراء وفصحائهم، وكان ذا شر، ونسبه متدافع بين القبائل كان ينتمي إلى كل واحدة منها إذا غضب على الأخرى، وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام وأسلم ثم ارتد وقال:
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا ... فيا لعباد الله ما لأبي بكر
أيورثها بكرٌ إذا مات بعده ... وتلك لعمر الله قاصمة الظهر وقال يهجو أمه:
تنحّي فاجلسي عني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا
أغربالاً إذا استودعت سراً ... وكانونا على المتحدّثينا
حياتك ما علمت حياة سوءٍ ... وموتك قد يسرّ الصالحينا والتمس يوماً إنساناً يهجوه فلم يجد، فضاق عليه ذلك فقال:
أبت شفتاي اليوم إلاّ تكلما ... بشرٍّ فما أردي لمن أنا قائله وجعل يدور هذا البيت في حلقه ولا يرى إنساناً، فاطلع في حوض ماء فرأى وجهه فيه فقال:
أرى لي وجهاً قبّح الله خلقه ... فقبّح من وجهٍ وقبح حامله
стр. 275
وقدم المدينة في سنة مجدبة، فجمع أشرافها له من بينهم شيئاً (١) إلى أن تكمل له أربعمائة دينار وأعطوه إياها، فلما كان يوم الجمعة استقبل الإمام ونادى: من يحملني على نعلين كفاه الله كبة جهنم.
قال الأصمعي: كان الحطيئة سؤولاً ملحفاً دنيء النفس كثير الشر قليل الخير، بخيلاً قبيح المنظر رث الهيئة مغموز النسب فاسد الدين.
وهجا الزبرقان بن بدر بالأبيات التي منها:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فاستعدى عليه الزبرقان إلى (٢) عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فرفعه عمر إليه واستنشده، وقال لحسان: أتراه هجاه؟ قال: نعم، وسلح عليه، فحبسه في بئر وأبقى عليه شيئاً، فقال:
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةٍ ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدّموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الاثر فأخرجه وقال: إياك وهجاء الناس، قال: إذن تموت عيالي جوعاً، هذا مكسبي ومنه معاشي، قال: إياك والمقذع، قال: وما المقذع؟ قال: أن تخاير بين الناس فتقول: فلان خير من فلان، وآل فلان خير من آل فلان، قال: فأنت والله أهجى مني، فقال عمر ﵁: لولا أن تكون سنة لقطعت لسانه، ولكن اذهب فأنت له يا زبرقان، فألقى الزبرقان في رقبته عمامته واقتاده بها، فعارضته غطفان وقالت له: يا أبا شذرة (٣) إخوتك وبنو عمك فهبه لهم، فوهبه لهم.
стр. 276
وقيل إن عمر لما أطلقه اشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، ليؤكد الحجة عليه.
ولما حضرت الحطيئة الوفاة واجتمع إليه القوم، فقالوا: يا أبا مليكة، أوص، فقال: ويل للشعراء من رواة السوء، فقالوا له: أوص يرحمك الله، فقال: من هو الذي يقول (١) :
إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز فقالوا: أوص ويحك بما ينفعك، فقال: أبلغوا امرأ القيس أنه أشعر العرب حيث يقول (٢) :
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل فقالوا: اتق الله ودع عنك هذا، فقال: أبلغوا الأنصار أن شاعرهم أشعر العرب حيث يقول (٣) :
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل فقالوا: إن هذا لا يغني عنك شيئاً، فقل غير ما أنت فيه، فقال:
الشعر صعبٌ وطويلٌ سلّمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلّت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه (٤) فيعجمه فقالوا: هذا مثل ما كنت فيه، فقال:
قد كنت أحياناً شديد المعتمد ... وكنت ذا غربٍ على الخصم الألد فوردت نفسي وما كادت ترد ...
стр. 277
فقالوا: يا أبا مليكة، ألك حاجة؟ قال: لا، ولكنني أجزع على المديح الجيد يمدح به من ليس له أهلاً، فقالوا: من أشعر الناس؟ فأومأ بيده إلى فيه، وقال: هذا إذا طمع في خير، واستعبر باكياً، فقالوا له: قل لا إله إلا الله، فقال:
قالت وفيها حيدةٌ وذعر ... عوذٌ بربي منكم وحجر ١ قالوا: ما تقول في عبيدك وإمائك؟ قال: هم عبيد قن، ما عاقب الليل النهار، قالوا: فأوص للفقراء بشيء، قال: أوصيهم بالإلحاح في المسألة، واست المسئول أضيق، قالوا: فما تقول في مالك؟ قال: للأنثى مثل حظ الذكر، قالوا: ليس هكذا قضى الله ، قال: لكني هكذا قضيت، قالوا: فما توصي لليتامى؟ قال: كلوا أموالهم وافعلوا بأمهاتهم، قالوا ٢: فهل تعهد غير هذا؟ قال: نعم، احملوني ٣ على أتان وتتركوني راكباً حتى أموت، فإن الكريم لا يموت على فراشه، والأتان مركب لم يمت عليه كريم قط، فحملوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون حتى مات، وهو يقول:
لا أحدٌ ألأم من حطيّه ... هجا بنيه وهجا المريّه من لؤمه مات على فريّه ... الفرية: الأتان.
وتوفي في حدود الثلاثين للهجرة.
стр. 278
٩٧ - (١)
شعر الزنج
أبو الجعد المعروف بشعر الزنج؛ وكان وقاداً ببغداد، قصته طويلة وأمره عجيب، اقتضت (٢) به الحال في تصرفاته إلى أن صار وقاداً في أتون حمام:
عشق غلاماً من أبناء بغداد، وقال الشعر فجوده، واشتد كلفه بالغلام، وكان الغلام ظريفاً مغرماً بالتفاح لا يكاد يفارقه في أوانه، فجاء يوماً شعر الزنج فقعد بإزاء الغلام، وبيد الغلام تفاحة وهو يقلبها تارة ويشمها تارة، ويدنيها من خده تارة ومن فيه تارة، فقال شعر الزنج:
تفاحة أكرمها ربها ... يا ليتني لو كنت تفاحه
تقبل الحب ولا تستحي ... من مسكه بالكف نفاحه
تجري على خديه جوّالةً ... نفسي إلى شمك مرتاحه فلما سمع الغلام ذلك رمى بها في الطريق، فأخذها شعر الزنج، واشتد كلفه بالغلام واشتد إعراض الغلام عنه، فعمد شعر الزنج إلى تفاحة حمراء عجيبة فكتب عليها بالذهب:
أني لأعذركم في طول صدكم ... من راقب الله أبدى بعض ما كتما
لكن صدودكم يؤذي لمن علقت (٣) ... به الصبابة حتى ترجع الكلما ورمى بالتفاحة إلى الغلام، فقرأ ما فيها ثم قام ودخل بيته فأبطأ وعاد
стр. 279
فرمى بها إلى شعر الزنج، فأخذها وهو يظن أنه قد رق له، وإذا هو قد كتب بالأسود تحت كل سطر:
نصدّ عنكم صدود المبغضين (١) لكم ... فلا تردّوا إلينا بعدها كلما
وما بنا الناس لو أنّا نريدكم ... فاصبر فؤادك أو مت هكذا ألما فاشتعلت نيران شعر الزنج وتضاعف وجده، ثم ظن أن الغلام يستوضع حرفته بالوقادة فتركها وصار ناطوراً يحفظ البساتين، وقصد بساتين التفاح التي لا يوجد في بغداد أكثر منها تفاحاً، فأتى إلى صاحب له ومعه تفاح كثير وقال: أحب أن تهدي هذا التفاح إلى الغلام، وتعمد المكتوب (٢) منه، فنظر وإذا هو قد كتب على بعضه ببياض لما كان في شجره، من جملتها تفاحة حمراء مكتوب عليها ببياض:
جودوا لمن هيّمه ... حبكم فهاما
وصار ضوء يومه ... من حزنه ظلاما وكتب على أخرى:
مهجة نفسك أتتك مرتاحه ... تشكو هواها بلفظ تفاحه فأهدى ذلك التفاح إليه، فلما قرأ ما عليه قام وقد خجل، وصار شعر الزنج يختار أكبر التفاح ويكتب عليه الشعر، ويحتال بصنوف الحيل في إيصاله إلى الغلام.
قال الحاكي: فإني يوماً لجالس أنا والغلام إذ اجتاز بنا بائع فاكهة جل ما معه تفاح، فأجلسه الغلام وابتاع منه التفاح بما أراد دون مماكسة، وسر الغلام برخص التفاح، وجعل يقلبه ويعجب من حسنه، وإذا هو بتفاحة صفراء مكتوب عليها بالأحمر:
تفاحة تخبر عن مهجة ... أذابها الهجر وأضناها
стр. 280
يا بؤسها ماذا بها ويلها ... أبعدها الحب وأقصاها ففطن حينئذ وغالطني وقال: ما ترى ما يكتبون الناس على التفاح طلباً للمعاش؟! فتغافلت عنه، وكان شعر الزنج قد دفع التفاح إلى البائع وقال له: تلطف في إيصاله إلى الغلام وبعه إياه بما أراد.
ثم إن شعر الزنج أهدى إلي يوماً تفاحاً كثيراً: أحمر كالشقائق، وأبيض كالفضة، وأصفر كالذهب، منه ما كتب عليه ببياض في حمرة، وبحمرة في بياض، وعلى أحدها:
نبتّ في الأغصان مخلوقةً ... من قلب ذي شوق وأحزان
صفرني سقم الذي لونه ... يخبر عن حالي وأشجاني وعلى أخرى بأحمر:
تفاحةٌ صيغت كذا بدعةً ... صفراء في لون المحبينا
زيّنها ذو كمدٍ مدنف ... بدمعه إذ ظل محزونا
فامنن فقد جئت له شافعاً ... وقيت من بلواه آمينا وعلى أخرى:
كتبت لما سفكت مهجتي ... بالدم كي ترحم بلوائي
رفعت هذي قصتي أشتكي ال ... هجر فوقّع لي بإغفائي قال: فرحمته وأدركتني رقة له، فحفظت التفاح جميعاً، وعملت دعوة ودعوت الغلام وإخوته، واجتمعنا على مجلس أنس، وأحضرت التفاح، فيما أحضرته فرأوا منه شيئاً لم يروا مثله، ثم تعمدت وضع التفاح المكتوب بين يدي الغلام، فعجب منه وقرأ ما عليه وقال لي خفية: ترى من كتب هذا الذي عليه؟ قال: فقلت: الذي كتب على ذلك التفاح الذي (١) ابتعته ذلك اليوم، قال:
стр. 281
ومن كتبه؟ قلت: شعر الزنج، قال: فخجل، ثم استهدانيه فقلت (١) : لا تستهده فإنه لك عمل ومن أجلك حضر، ثم أخذت في رياضته على الحضور مع شعر الزنج للفكاهة، فوجدته شديد النفور منه والبغض فيه، فتركته وعدلت إلى أبيه وقلت له: هل أنا عندك متهم في ولدك؟ فقال: حاش لله ولا في أهلي، فحكيت له خبر شعر الزنج مع ولده من أوله إلى آخره، وقلت له: إن هذا الأمر إن تمادى ظهر حاله واشتهر ولدك وصار أحدوثة للخاص والعام، وأنا أرى أن اجتماعه به في منزلي بمحضر من أهله سواك مما يكف لسانه ويستر أمره، فقال: افعل ما تراه مصلحة فأنت ممن لا يتهم، قال: فعرفت شعر الزنج بما جرى وقلت له: إذا كانت ليلة كذا وكذا فاحضر وادخل بلا استئذان كأنا لم نشعر بك، واجلس إلى أن نومىء إليك بالقيام، ثم دعوت الغلام وإخوته في الليلة المحدودة، واجتمعنا في مجلس أنس وشربنا، فلم نشعر إلا وشعر الزنج داخل علينا، فلما رآه الغلام خجل واستوحش وهم بالخروج فمنعناه، وكان بحضرتنا تفاح كثير أحمر والفتى يكثر شمه والعبث به والتنقل منه في أثناء شربه، فجعل شعر الزنج يتأمل الغلام ثم قال:
يا قمراً في سعد أبراجه ... وبيت أحزاني وأتراحي
ويا قضيباً ماثلاً مائلاً ... أكثر في حبي له اللاحي
أبصرته في مجلسٍ ساعةً ... والليل في حلة أمساح
في فتيةٍ كلهم سيّدٌ ... صالت عليهم سطوة الراح
يعضّ تفاحاً (٢) بتفّاحةٍ ... ويشرب الراح على الراح فخجل الغلام واحمر، فقال شعر الزنج عدة مقاطيع والغلام يزداد خجلاً وتوريداً، فقلنا لشعر الزنج: يكفيك قد أخجلت الفتى، فأومأنا إليه بالقيام على
стр. 282
الوفق الذي كان بيننا، فوثب وهو يبكي، وانصرف وقد انهار الليل، فلم نزل في ذكره بقية ليلتنا إلى الصباح، رحمه الله تعالى وعفا عنه.
٩٨ - (١)
المقتدر بالله
جعفر بن محمد، أبو الفضل المقتدر بالله أمير المؤمنين ابن المعتضد ابن العباس ابن أبي أحمد طلحة بن المتوكل؛ بويع بعد أخيه المكتفي بالله سنة خمس وتسعين ومائتين، وعمره ثلاث (٢) عشرة سنة، ولم يل (٣) أمر الأمة قبله أصغر منه، ولهذا انخرم النظام في أيامه، وجرت تلك العظائم، وخلع في أول خلافته، وبويع عبد الله بن المعتز، فلم يتم الأمر، وقتل ابن المعتز وأعيد المقتدر إلى الخلافة، ثم خلع في سنة سبع عشرة (٤) ، وكتب خطه لهم بالخلع نفسه، وبايعوا أخاه القاهر بالله محمداً، ثم أعيد بعد ثلاثة أيام وجددت له البيعة. وكان ربعة جميل الوجه أبيض مشرباً بحمرة، قد عاجله الشيب بعارضيه، وكان له يوم قتل ثمان وثلاثون سنة.
قال المحسن التنوخي: كان جيد العقل صحيح الذهن، ولكنه كان مؤثراً للشهوات؛ لقد سمعت أبا الحسن علي بن عيسى يقول: ما هو إلا أن يترك هذا
стр. 283
الرجل يعني المقتدر خمسة أيام، وكان ربما يكون في أصالة الرأي كالمأمون والمعتضد.
رماه بربري بحربة فقتله في شوال سنة عشرين وثلثمائة، وكانت قتلته في الموكب، رماه البربري غلام بليق، وولي الخلافة من أولاده ثلاثة: الراضي والمقتفي والمطيع؛ وكذلك المتوكل (١) قتل وولي من أولاده ثلاثة: المستنصر والمعتز والمعتمد؛ والرشيد ولي من أولاده ثلاثة: الأمين والمأمون والمعتصم؛ وأما عبد الملك بن مروان فولي من أولاده أربعة: الوليد ويزيد وهشام وسليمان؛ والملك العادل ولي من أولاده أربعة: الكامل والأشرف والمعظم والصالح إسماعيل.
قلت: والملك الناصر بن قلاون ولي من أولاده: المنصور أبو بكر والأشرف كجك والناصر أحمد والصالح إسماعيل والكامل شعبان والمظفر حاجي والناصر حسن.
٩٩ - (٢)
جعفر العلوي
جعفر بن أحمد العلوي، الأديب المصري؛ قال شهاب الدين القوصي في معجمه أنشدني الشريف جعفر المذكور لنفسه في مهندس مليح الصورة:
وذي هيئة يزهى بحسن وصنعة ... أموت به في كل يوم وأبعث
محيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأنّ به إقليدساً يتحدث
فعارضه خطّ استواء وخاله ... به نقطة والصدغ شكل مثلث
стр. 284
وأعاد هذه الأبيات النفيس القطرسي (١) . قال القوصي: وأنشدني لنفسه في مليح مغني بيده طار:
غنّى بطارٍ طار قلبي له ... بأنملٍ كالأنجم الخمس
كأنّه والطار في كفّه ... بدر الدجى يعلب بالشمس قال وأنشدني لنفسه:
وافيت نحوكم لأرفع مبتدا ... شعري وأنصب خفض عيش أخضرا
حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي ... أو تصرفوا من غير شيءٍ جعفرا قال: وأنشدني لنفسه في طفاءة القناديل:
طفاءةٌ تنفث في ... وسط القناديل الهبا
لأنّها نعامة ... تلقط منها لهبا توفي بعد الستمائة، رحمه الله تعالى.
١٠٠ - (٢)
أبو الفضل الدمشقي
جعفر بن عبيد الله أبو الفضل الأنصاري الدمشقي؛ كتب عنه ببغداد أبو البركات هبة الله بن المبارك السقطي وأبو الوفا أحمد بن الحسين، وتوفي سنة تسع
стр. 285
وتسعين وأربعمائة، ومولده سنة أربع وعشرين وأربعمائة.
من شعره:
شربت على زهر البنفسج قهوةً ... بجنح الدياجي وهي في الكاس مقباس
توهّمتها في الكاس وهماً (١) فخلتها ... لرقّتها نوراً (٢) يلوح به الكاس
وقبّلتها أحسو لذيذ شرابها ... فقلت فمي المشكاة والراح نبراس ومنه:
لله يوم سرورٍ قد نعمت به ... فيه على الراح والريحان معتكف
والكاس كالبدر في ليل الكسوف إذن ... قد انجلى بعضه والبعض منكشف ١٠١ (٣)
قمر الدولة ابن دواس
جعفر بن علي بن دواس، أبو طاهر الكتامي المعروف بقمر الدولة، من أهل مصر؛ نشأ بطرابلس الشام، وكان شاعراً رشيق الألفاظ عذب الإيراد لطيف المعاني، وله في الغنا وضرب العود طريقة حسنة بديعة. قدم بغداد وأقام بها مدة في خدمة قسيم الدولة البرسقي، وكان نديماً له، وتوفي بعد الخمسمائة.
من شعره:
إن صار مولاي ذا يسار ... فإنّني ذلك المقلّ