مقدمة المحقق
مؤلف الكتاب:
محمد بن شاكر بن أحمد بن عبد الرحمن بن شاكر بن هارون بن شاكر الملقب بصلاح الدين (١) : داراني المولد دمشقي الدار، سمع من ابن الشحنة والمزي وغيرهما من علماء بلده، ولكنه حصل أكثر ثقافته - فيما يبدو - عن طريق الوراقة والمتاجرة بالكتب، وقد كان شديد الفقر قبل أن يجد الحرفة الملائمة، فلما غدا كتبياً توفر له من عمله مال طائل. وربما كانت جودة خطه ووضوحه، وذلك الاتقان في الوراقة جملة (كما تدل على ذلك نسخة الفوات بخطه) مما كفل له إقبال الناس على ما ينسخه من كتب، وكسب له حسن المعاملة في التجارة مزيداً من ذلك الإقبال، فقد وصف بأنه كان ذا مروءة في معاملته للناس؛ كذلك كان يذاكر بعض معارفه ويفيد، غير أنه لم يشتهر بين معاصريه بثقافته، وإن وصف نفسه في مقدمة الفوات بإكتاره من مطالعة كتب التاريخ، ولم ينل من عمق الثقافة ودقة الحكم ما ناله مشهورو الوراقين أمثال أبي حيان التوحيدي وياقوت الحموي، بل ظلت ثقافته تقميشاً وتنسيقاً. ويبدو لمن يطلع على نسخة الفوات أن الرجل كان لا يكترث كثيراً بمراعاة الأصول النحوية واللغوية، وربما كانت معرفته بالنحو واللغة بسيطة ساذجة، وهذا يبدو واضحاً إذا قارناه بمؤلفي كتب التراجم من معاصريه، فهم يميلون - في الأغلب - إلى استعمال أسلوب مبسط فيه كثير من طبيعة الحديث الدارج، ولكنهم لا يبلغون في ذلك مبلغ ابن شاكر.
ولا نعرف على وجه قاطع متى ولد ابن شاكر؛ وفي إحدى نسخ الدرر الكامنة أن ذلك كان عام ٦٨٦، وهو تاريخ غير مستبعد، إلا أننا نعرف على
стр. 2
وجه اليقين أنه عاش حتى شهر رمضان سنة ٧٦٤؛ يقول ابن كثير: " وفي يوم السبت الحادي عشر من رمضان من العام المذكور صلينا بعد الظهر على الشيخ محمد بن شاكر الكتبي " (١) وبعد شهر، وفي ١٠ شوال ٧٦٤ على التحديد، توفي معاصره الشيخ صلاح الدين الصفدي.
مؤلفات الكتبي:
١ - عيون التواريخ: ذكر حاجي خليفة أنه في ست مجلدات، وقال صاحب هدية العارفين إنه في ٢٨ مجلداً، وإليه أشار ابن كثير حين قال: وجمع تاريخاً مفيداً نحواً من عشر مجلدات ولعل الاختلاف في عدد أجزاء الكتاب راجع إلى تفاوت في طبيعة النسخة التي اطلع عليها كل واحد منهم، وفي مكتبات استانبول عدة نماذج من نسخ هذا الكتاب، تشير إلى هذا التفاوت في التجزئة.
٢ - روضة الأزهار في حديقة الأشعار، ذكره صاحب هدية العارفين.
٣ - فوات الوفيات والذيل عليها.
كتاب فوات الوفيات:
يستفاد من المقدمة القصيرة التي صدر بها الكتبي كتابه هذا أنه قام يجمعه وترتيبه بعد أن أطلع على وفيات الأعيان لابن خلكان فوجد أنه لم يذكر أحداً من الخلفاء وأنه أخل بتراجم بعض فضلاء زمانه وجماعة ممن تقدم على أوانه، فأحب أن يستدرك عليه ما فاته ويذيل على كتابه؛ وفي ذكر هذه الغاية على هذا النحو شيء من المغالطة، فان ابن خلكان قد صرح بأنه لا ينوي أن يترجم للخلفاء، وأنه لن يدرج في كتابه إلا من عرف سنة وفاته، ولم يكن إغفاله الكثيرين ((لذهول عنهم أو لأنه لم تقع له ترجمة أحد منهم)) كما يدعي الكتبي، وإنما جرى ذلك خضوعاً لمنهج محدد.
ويتراءى لي أن مؤلف الفوات وجد أمامه كتاب الصفدي ((الوافي بالوفيات)) فاختار منه عدداً من التراجم (ربما لم تزد على ستمائة) ، وجعل مصنفه الجديد
стр. 3
في أربعة مجلدات، وتولى ما ينقله ببعض الاختصار، ولم يزد شيئاً في المعلومات التاريخية والأخبارية، وإنما زاد في بعض المختارات الشعرية، وأكثر منها بشكل واضح في بعض التراجم (١) ؛ وحاول حقاً إلا يكرر ما أورده ابن خلكان من تراجم، إلا أن ذلك لم يكن مطرداً دائماً.
ويبدو أن الكتبي كان يصنع كتبه بالاتكاء على مؤلفات معاصريه من مؤلفي الموسوعات، فقد ذكر حاجي خليفة أيضاً أنه في ((عيون التواريخ)) يتتبع في الغالب ابن كثير، ((ولا سيما في الحوادث، وكثيراً ما ينقل منه صفحة فأكثر بحروفه)) .
متى ألف الكتبي كتاب الفوات؟: في آخر نسخة الفوات التي كتبها المؤلف أن العمل قد تم سنة ٧٥٣؛ إن هذا التاريخ إن لم يكن تاريخاً لتأليف الكتاب فإنه يعد تاريخ الصورة النهائية التي اعتمدها مؤلفه وارتضاها (٢) ، وربما أنه يتكيء على الصفدي في ما نقله، فإن هذا التاريخ يشير إلى أن الصفدي نفسه كان قد انتهى من تأليف كتابه قبل ذلك العام.
تحقيق كتاب الفوات:
لم يكن في نيتي أن أعيد النظر في هذا الكتاب لإيماني بأن التوفير على نشر ما يزال مطوياً من التراث أجدى من إعادة تحقيق ما قد نشر، وخاصة وأني كنت أجد المطبوعات وافية بالمطلولب (٣) ، حتى اطلعت على نسخة منه بخط
стр. 4
المؤلف محفوظة بمكتبة أحمد الثالث (طوبقبو سراي) ، فوجدت لدى المقارنة أن المطبوعات صورة غير دقيقة من ((الفوات)) لعدة أسباب منها:
(١) أن ترتيب التراجم فيها مضطرب - وخاصة في حرف الهمزة - ولذلك اختلط بعض التراجم معاً، وبتر بعضها من جراء هذا الاضطراب في الترتيب.
(٢) أن معظم التراجم في المطبوعة يمثل صورة موجزة جداً، حذف منها الكثير مما قيده المؤلف من أخبار أو اختاره من أشعار.
(٣) أن عشرات التراجم سقطت من المطبوعات.
(٤) أن اللغة التي استعملها الكتبي في كتابه قد غيرت في كثير من المواطن لتصبح أقرب إلى الصحة وأخضعت لقواعد النحو، وأن بعض العبارات التركية والفارسية قد حذفت ووضع في مكانها عبارات عربية.
(٥) أن بعض التراجم قد دست في الفوات منقولة حرفياً عن ابن خلكان مثل ترجمة السيدة نفيسة وابن الشجري والبديع الاصطرلابي وابن القطان وواصل بن عطاء ووثيمة بن الفرات (رقم ٤٧٣ - ٤٧٩ في طبعة الشيخ محيي الدين عبد الحميد) ولا وجود لها في الأصل الذي ارتضاه المؤلف.
لكل ذلك قمت بتحقيق جديد لهذا الكتاب، معتمداً على نسختين:
(١) نسخة مكتبة أحمد الثالث باستانبول رقم ٢٩٢١ (ورمزت لها بالحرف ص لأنها أصل هام) ، وهي تقع في أربعة أجزاء، بخط المؤلف، إلا أن الجزء الثالث منها مفقود، وعدد أوراقها موزعة على الأجزاء الباقية كما يلي: الجزء الأول في ١٩٠ ورقة؛ الجزء الثاني في ١٨٩ ورقة؛ الجزء الرابع في ١٨٠ ورقة؛ وجاء في آخر الجزء الرابع: ((تم المجموع المسمى بفوات الوفيات والذيل عليها في العشر الأول من المحرم سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة من الهجرة النبوية)) . والأجزاء الثلاثة الباقية كتبت
стр. 5
كلها بخط واحد نسخي جميل واضح مشكول شكلاً جزيئاً، وفي الصفحة الواحدة ١٧ سطراً ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١١ كلمة. وعلى الجزء الرابع تملكات مختلفة، من أقدمها: ((استوعب هذا المجلد المبارك مطالعة العبد الفقير إلى الله تعالى يحيى بن عجلان بن محمد الطائي المكي (١) ... في أحد شهور سنة ٨٨١)) .
(٢) نسخة في مكتبة الصديق العلامة الأستاذ محمد زهير الشاويش (ورمزها: ر) وتقع في ١٤٠ ورقة، في الصفحة الواحدة منها ٢١ سطراً، ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١٢ كلمة، وخطها نسخي واضح جميل مقارب كثيراً لخط النسخة السابقة، حتى ليمكن أن تعد النسختان لدى النظرة العجلى بخط ناسخ واحد. وهي نسخة قديمة أيضاً ولا بد، إذ جاء على الورقة الأولى منها أنها ((للخزانة العالية المولوية المخدومية الأميرية الكبيرية الناصرية ابن فضل الله، عمرها الله ببقائه آمين)) . وعلى الورقة نفسها أنها ((الجزء الثاني من كتاب الفوات)) ، ولكنها في شكلها الحالي مجموعة من الأوراق قد اضطرب ترتيبها واختل، بسقوط أوراق كثيرة في عدة مواطن منها؛ وتمثل التراجم الباقية منها جانباً من الجزء الثاني وجانباً من الجزء الثالث حسب قسمة النسخة (ص) .
وقد كان لهذه النسخة قيمة كبيرة في التحقيق، وخاصة لأنها تسد مسد جانب من الجزء الثالث المفقود. ولما كان الجزء الثالث يتضمن عدداً كبيراً من تراجم المحمدين، فقد كان عرضه على الأجزاء الأربعة الأولى من كتاب الوافي المطبوع (وهي تضم تراجم المحمدين) وعلى مخطوطة عقود الجمان للزركشي (وهي صورة أخرى من الفوات مع اختلاف قليلة) مما ييسر
стр. 6
الاطمئنان إلى النص، ولكني لا أستطيع أن أجزم إن كان الجزء الثالث المفقود يحتوي تراجم لم ترد في مطبوعات الفوات.
وقد اتبعت في تحقيق هذا الكتاب منهجاً أحب توضيحه فيما يلي:
(١) ذهبت إلى اعتبار الصفدي والزركشي صورتين مشابهتين أو ماربتين لهذا الكتاب فقارنته بهما مقارنة دقيقة، ثم عرضت كل ترجمة على المصادر الأخرى، وأثبت هذه المصادر مجتمعة في الحاشية؛ وقد تعمدت في الجزء الأول أن أذكر كتاب الصفدي اعتماداً على ((تجريد الوافي)) لأقدم نموذجاً يشير إلى مدى الاتفاق في التراجم بين الكتابين، ولكني لم أشر إلى الصفدي في الأجزاء التالية إلا إذا كانت الترجمة موجودة في الأجزاء المطبوعة منه.
(٢) حرصت على إبقاء النص كما ورد في نسخة المؤلف، إلا حيث كان الخطأ اللغوي أو النحوي مما يمس رواية شعر قديم، أو يتصل بشخصٍ لم يعرف عنه التساهل في اللغة والنحو، فصوبت المتن، وأشرت إلى نص الأصل في الخاشية. أما ما كان أسلوباً حوارياً أو إخبارياً يمثل اللغة الدارجة في القرنين السابع والثامن - على وجه الخصوص - فقد أبقيته في المتن على حاله دوت تغيير.
(٣) بينت في كل موضع أن كانت الترجمة مما لم يرد في المطبوعات، كما أشرت بشكل عام إلى ما حذف من بعض التراجم، ليتكون لدى القارئ صورة واضحة عن مدى العلاقة بين المطبوعات ونسخة المؤلف.
(٤) حذفت التراجم الدخيلة التي وردت في المطبوعة.
(٥) اقتصرت في الشرح على تفسير بعض الألفاظ الاصطلاحية، وبعض الغريب، ولم أحاول التوسع في الشرح والتخريج.
هذا وأني أتقدم بجزيل الشكر إلى الصديق الأستاذ محمد زهير الشاويش الذي أعارني نسخته الأصلية من هذا الكتاب، وسمح لي باستخدامها في التحقيق وكل ما أرجوه أن تكون هذه المحاولة ذات نفع في خدمة العلم، والله الموفق.
بيروت في (أيلول) سبتمبر ١٩٧٣. إحسان عباس
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر واختم بخير
أحمد الله على نعمه التي جلَّت مواقع ديمها، وعمَّت فوائد كرمها، وأشكره على مننه التي جادت رياض التحقيق من سحب الأفكار بمنسجمها، فأظهرت أزاهر المعاني التي انثرت (١) فأشرق الكون بتبسُّمها، الذي حكم بالموت على عباده إظهاراً لبدائع قدرته وحكمها، وأسعد وأشقى فيا فوز فرقة نقل الرواة ما سلف من محاسن شيمها. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة، يقترن بالخلود ذكرها، ويتجدد في كل يوم فخرها، وينسدل على هفوات الإنسان سترُها. وأشهد أن سيدنا محمداً (٢) عبده ورسوله الذي قلد بدرر محاسنه الأعناق " وبعثه على حين فترة من الرسل متمماً لمكارم الأخلاق " (٣) وجعل شمس شريعته الغراء دائمة الإشراق. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين جملوا بذكر محاسنهم السير، وذهبوا وصف مفاخرهم الآصال والبُكر، ما دوّنت الأقلام ذكر الأفاضل، وجلَت الكتب على أسماع الأواخر ذكر الأوائل، وسلم.
وبعد، فإنّ علم التاريخ هو مرآة الزمان لمن تدبر، ومشكاة أنوار يطلع بها على تجارب الأمم مَن أمعن النظر وتفكر، وكنت ممن أكثر لكتبه المطالعة، واستحلى من فوائده المطالعة والمراجعة، فلما وقفت على كتاب " وفيات الأعيان "
стр. 8
لفاضي القضاة ابن خلكان، قدس الله روحه، وجدته من أحسنها وضعاً لما اشتمل عليه من الفوائد الغزيرة، والمحاسن الكثيرة، غير أنه لم يذكر أحداً (١) من الخلفاء، ورأيته قد أخلَّ بتراجم بعض فضلاء زمانه، وجماعة ممن تقدم على أوانه، ولم أعلم أذلك لذهول (٢) عنهم، أو لم يقع له ترجمة أحد منهم.
فأحببت أن أجمع كتاباً يتضمن ذكر مَن لم يذكره من الأئمة الخلفاء، والسادة الفضلاء أذيل فيه من حين وفاته إلى الآن، فاستخرت الله تعالى، فشرح لذلك صدري، وتوكلت عليه وفوضت إليه أمري. ووسمته ب؟ " فوات الوفيات ".
والله تعالى المسئول أن يوفق في القول والعمل، وأن يتجاوز عن هفوات الخطأ والخطل.
стр. 9
حرف الهمزة
стр. 10
فراغ
стр. 11
١ - (١)
إبراهيم بن أدهم
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر، أبو إسحاق العجلي وقيل النخعي البلخي الواعظ أحد الأعلام (٢) ، روى عن أبيه ومنصور ومحمد بن زياد الجمحي وأبي جعفر الباقر ومالك بن دينار وأبي نعيم وأبي موسى (٣) والأعمش.
قال الفضل بن موسى: حج أدهم إبراهيم وهي حبلى، فولدت إبراهيم بمكة، فجعلت تطوف به على الحلق في المسجد وتقول: ادعوا لابني أن يجعله الله صالحاً.
وأخباره مشهورة في مبتدإ زهده، وطريقه مشهورة. قيل غزا في البحر مع أصحابه، فاختلف في الليلة التي مات فيها إلى الخلاء خمساً (٤) وعشرين مرة، كل مرة يجدد الوضوء، فلما أحس بالموت قال: أوتروا لي قوسي، وتوفي وهي (٥) في كفه، ودفن في جزيرة من جزائر البحر في بلاد الروم (٦) .
قال إبراهيم بن يسار الصوفي: كنت ماراً مع إبراهيم بن أدهم، فأتينا على قبر مسنم، فترحم عليه إبراهيم، ثم قال: هذا قبر حميد بن جابر أمير هذه المدن كلها، كان غارقاً في بحار الدنيا ثم أخرجه الله منها، بلغني أنه سرّ ذات
стр. 12
يوم بشيء، نام، فرأى رجلاً بيده كتاب، فناوله ففتحه فإذا فيه مكتوب بالذهب: لا تؤثرن فانياً على باق (١) ، ولا تفرحن بملكك، فإن ما أنت فيه جسيم، إلا أنه عديم، فسارع إلى الآخرة، فإن الله تعالى يقول " وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربَّكم وجنَّةً عرضها السموات والأرض أعدَّت للمتقين " آل عمران: فانتبه فزعاً، وقال: هذا تنبيه من الله تعالى وموعظة، فخرج من ملكه فأتى هذا الجبل وعبد الله فيه حتى مات.
وقال: رأيت في النوم كأن قائلاً يقول لي: أيحسن بالحر المريد، أن يتذلل للعبيد، وهو يجد عند الله كل ما يريد؟
وقال النسائي: إبراهيم أحد الزهاد، وهو مأمون ثقة. وقال الدارقطني: ثقة. وقال البخاري: مات سنة إحدى وستين ومائة، وسيرته في تاريخ دمشق ثلاث وثلاثون ورقة وهي طويلة في حلية الأولياء، رحمه الله تعالى.
٢ - (٢)
إبراهيم الحربي
إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم، الفقيه أبو إسحاق الحربي أحد الأئمة الأعلام؛ ولد سنة ثمان وتسعين ومائة، وتفقه على الإمام أحمد بن حنبل، وكان من نجباء أصحابه، روى عنه ابن صاعد وابن السماك.
قال الخطيب: كان إماماً في العلم، رأساً في الزهد، عارفاً بالفقه، بصيراً
стр. 13
بالأحكام، حافظاً للحديث، مميزاً لعلله، قيماً بالأدب، صنف غريب الحديث وكتباً كثيرة. وحدث عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كان أبي يقول لي: امض إلى إبراهيم الحربي يلقي عليك الفرائض.
وأنشده رجل:
أنكرت ذلّي فأيّ شيء ... أحسن من ذلّة المحبّ (١) ؟
أليس شوقي وفيض دمعي ... وضعف جسمي شهود حبّي فقال إبراهيم: هؤلاء شهود ثقات.
قال إبراهيم: ما أنشدت شيئاً من الشعر إلا قرأت " قل هو الله أحد " ثلاث مرات.
قال ياقوت في كتاب معجم الأدباء (٢) : قد كان إسماعيل بن إسحاق القاضي يشتهي رؤية إبراهيم الحربي، وكان إبراهيم لا يدخل عليه، ويقول لا أدخل داراً عليها بواب، فأخبر إسماعيل بذلك، فقال: أنا أدع بابي كبابة (٣) الجامع، فجاء إبراهيم إليه، فلما دخل عليه خلع نعليه، فلفهما القاضي (٤) في منديل دبيقي وجعلهما في كمه، وجرى بينهما بحث كثير، فلما قام إبراهيم التمس نعليه، فأخرج القاضي النعل من كمه، فقال إبراهيم: غفر الله لك كما أكرمت العلم؛ فلما مات القاضي رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال أجيبت فيّ دعوة إبراهيم الحربي.
ودخل عليه قوم يعودونه، فقالوا: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟ فقال: أجدني كما قال (٥) :
стр. 14
دبّ فيّ السّقام سفلاً وعلوا ... وأراني أذوب عضوا فعضوا
بليت جدّتي بطاعة نفسي ... وتذكرت طاعة الله نضوا وقال ياقوت: حدثني صديقنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار قال: حدثني أحمد بن سعيد الصباغ يرفعه إلى أبي نعيم قال: كان يحضر مجلس إبراهيم الحربي جماعة من الشبان للقراءة عليه، ففقد أحدهم، فسأل عنه من حضر، فقالوا: هو مشغول، ثم سألهم يوماً آخر، فقالوا: هو مشغول، وكان الشاب قد ابتلي بمحبة شخص شغله عن الحضور، وعظموا قدر إبراهيم الحربي أن يخبروه بحقيقة الحال، فلما تكرر منه السؤال عنه وهم لا يزيدون على أنه مشغول قال: يا قوم إن كان مريضاً قوموا بنا لنعوده، وإن كان مديوناً اجتهدنا في مساعدته، أو محبوساً سعينا في خلاصه، فخبروني عن جلية حاله، فقالوا: نجلك عن ذلك، فقال: لا بد أن تخبروني، فقالوا: إنه ابتلي بعشق صبي، فوجم إبراهيم ساعة، ثم قال: هذا الصبي الذي ابتلي بعشقه أهو مليح أم قبيح؟ فعجب القوم من سؤاله عن مثل ذلك مع جلالته في أنفسهم، وقالوا: أيها الشيخ مثلك يسأل عن مثل هذا؟ فقال: إنه بلغني أن الإنسان إذا ابتلي بحب صورة قبيحة كان بلاءً تجب الاستعاذة من مثله، وإن كان مليحاً كان ابتلاء يجب الصبر عليه واحتمال المشقة، قال: فعجبنا مما أتى به.
ومن مصنفاته كتاب سجود القرآن. مناسك الحج. الهدايا والسنة فيها. الحمام وآدابه. مسند أبي بكر ﵁. مسند عثمان ﵁. مسند علي ﵁. مسند الزبير ﵁. مسند طلحة ﵁. مسند سعد بن أبي وقاص ﵁. مسند عبد الرحمن بن عوف ﵁. مسند العباس ﵁. مسند شيبة بن عثمان. مسند عبد الله بن جعفر. مسند المسور بن مخرمة. مسند المطلب بن ربيعة. مسند السائب. مسند خالد بن الوليد. مسند أبي عبيدة بن الجراح. مسند ما روي عن عاصم بن عمر. مسند
стр. 15
صفوان بن أمية. مسند عمرو بن العاص. مسند عمران بن حصين. مسند حكيم بن حزام. مسند عبد الله بن زمعة. مسند عبد الرحمن بن سمرة. مسند عبد الله بن عمرو. مسند ابن عمر.
وكان أصل إبراهيم الحربي من مرو، توفي لسبع بقين من ذي الحجة سنة خمس وثمانين ومائتين، ﵀.
٣ - (١)
المتقي لله
إبراهيم بن جعفر، أمير المؤمنين المتقي لله ابن المقتدر ابن المعتضد؛ ولد سنة سبع وتسعين ومائتين، واستخلف سنة تسعين وعشرين وثلثمائة بعد أخيه الراضي، فوليها إلى سنة ثلاث وثلاثين، ثم خلعوه وسملوا عينيه، وبقي في قيد الحياة، وكان حسن الجسم مشرباً بحمرة أبيض أشقر الشعر أشهل العينين، وكان فيه دين وصلاح، وكثرة صلاة وصيام، وكان لا يشرب الخمر.
وتوفي في السجن سنة سبع وخمسين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. وكانت مدته سنتين (٢) وأحد عشر شهراً، وكانت أيامه منغصة عليه لاضطراب الأتراك، حتى إنه أتى إلى الرقة، فلقيه الإخشيد صاحب مصر وأهدى له تحفاً كثيرة وتوجع لما ناله من الأتراك، ورغبه في أن يسير معه إلى مصر فقال: كيف أقيم في زاوية من الدنيا وأترك العراق متوسطة الدنيا وسرتها، ومستقر الخلافة وينبوعها؟ ثم سار حتى قدم بغداد، بعد أن خاطبه أمير الأتراك توزون، وحلف له أن لا
стр. 16
يغدر به، وزينت له بغداد زينة يضرب بها المثل، وضربت له القباب العظيمة العجيبة في طريقه، فلما وصل السندية على نهر عيسى قبض عليه توزون، وسمل عينيه، وبايع المستكفي من ساعته، ودخل بغداد في تلك الزينة فكثر تعجب الناس من ذلك، وقال المتقي:
كحلونا وما شكو ... نا إليهم من الرّمد
ثم عاثوا بنا ونح؟ ... ؟ ن أسودٌ وهم نقد (١)
كيف يغترّ من أذا ... نا وفي دستنا قعد ٤ (٢)
جمال الدين بن النجار
إبراهيم بن سليمان بن حمزة بن خليفة، جمال الدين بن النجار الدمشقي المجود. ولد بدمشق سنة تسع وخمسمائة وتوفي سنة إحدى وخمسين وستمائة، رحمه الله تعالى. وحدث وكتب في الإجازات، وكتب عليه أبناء البلد، وله نظم وأدب، وسافر إلى حلب وبغداد، وكتب للأمجد صاحب بعلبك، وسافر إلى الاسكندرية وتولى نقابة الأشراف بها، وسمع بدمشق من التاج الكندي وغيره.
ومن شعره ما قاله في أسود شائب:
يا ربّ أسود شائب أبصرته ... وكأنّ عينيه لظىً وقّاد
فحسبته فحماً بدت في بعضه ... نارٌ وباقيه عليه رماد
стр. 17
وله أيضاً:
ما لهذي العيون قاتلها الل؟ ... ؟ هـ تسمّى لواحظاً وهي نبل
ولهذا الذي يسمونه العش؟ ... ق مجازاً وفي الحقيقة قتل؟؟
ولقلبي يقول أسلو فإن قل؟ ... ت نعم قال لست والله أسلو وله أيضاً:
ومغرمٍ بالبدال قلت له ... يا ولدي قد وقعت في التعب
طوراً على الرّاحتين منبطحاً ... وتارة جاثياً على الركب
دخلٌ وخرجٌ وليس بينهما ... في اليد من فضة ولا ذهبِ (١)
أيسر ما فيه أن مسلكه ... تأمن فيه من عين مرتقب
وعندنا قهوةٌ معتّقةٌ ... كأنّ في كأسها سنا لهب
ومن بنات القيان مخطفةٌ ... تغار منها الأغصان في الكثب
ومطربٌ يحسن الغناء لنا ... إن كنت ممن يقول بالطرب
ولست تخلو مع كل ذلك من ... عمود أير كالزّند منتصب
ينطح نطح الكباش متصلاً ... بطول رهزٍ كالخرز في القربِ وله أيضاً:
لقد نبتت في صحن خدّك لحية ... تأنّق فيها صانع الإنس والجنّ
وما كنت محتاجاً إلى حسن نبتها ... ولكنها زادتك حسناً إلى حسن
стр. 18
٥ - (١)
ابن سهل الإسلامي
إبراهيم بن سهل الإسرائيلي؛ قال ابن الأبار في تحفة القادم (٢) : كان من الأدباء الأذكياء الشعراء، مات غريقاً مع ابن خلاص (٣) والي سبتة سنة تسع وأربعين وستمائة، وكان سنه نحو الأربعين أو ما فوقها، وكان قد أسلم وقرأ القرآن، وكتب لابن خلاص بسبتة فكان من أمره ما كان.
قال أثير الدين أبو حيان: هو إبراهيم بن سهل الإشبيلي الإسلامي، أديب ماهر، دون شعره في مجلد، وكان يهودياً فأسلم، وله قصيدة مدح بها رسول الله ﷺ قبل أن يسلم، وأكثر شعره في صبي يهودي كان يهواه، وكان يقرأ مع المسلمين ويخالطهم.
قلت: والقصيدة النبوية على حرف العين، ذكرها ابن الأبار في ترجمة المذكور.
وكان يهوى يهودياً اسمه موسى فتركه، وهو شاباً اسمه محمد، فقيل له في ذلك فقال:
تركت هوى موسى لحبّ محمّد ... ولولا هدى الرحمن ما كنت أهتدي
وما عن قلىً منّي تركت وإنما ... شريعة موسى عطّلت بمحمّدٍ
стр. 19
قال الشيخ أثير الدين: أخبرنا قاضي الجماعة قال: نظم الهيثم (١) قصيدة يمدح بها المتوكل على الله محمد بن يوسف بن هود ملك الأندلس، وكانت أعلامه سوداء لأنه كان بايع الخليفة ببغداد، فوقف إبراهيم بن سهل على قصيدة الهيثم وهو ينشدها لبعض أصحابه، وكان إبراهيم إذ ذاك صغيراً، فقال إبراهيم للهيثم: زد بين البيت الفلاني والبيت الفلاني:
أعلامه السود إعلاماً بسؤدده ... كأنهنّ بخدّ الملك خيلانُ فقال له الهيثم: هذا البيت ترويه أم نظمته؟ قال: بل نظمته الساعة، فقال الهيثم: إن عاش هذا ليكونن (٢) أشعر أهل الأندلس.
والقصيدة التي مدح بها النبي ﷺ (٣) :
وركبٍ دعتهم نحو طيبة نية ... فما وجدت إلاّ مطيعاً وسامعا
يسابق وخد العيس ماء شؤونهم ... فيقفون بالسوق المدى والمدامعا
إذا انعطفوا أو رجّعوا الذكر خلتهم ... غصوناً لداناً أو حماماً (٤) سواجعا
تضيء من التقوى حنايا صدورهم ... وقد لبسوا اللّيل البهيم مدارعا
تكاد مناجاة النبيّ محمّدٍ ... تنمّ بهم مسكاّ على الشم ذائعا
تلاقى على ورد اليقين قلوبهم ... خوافق يذكرن القطا والمشارعا
قلوبٌ عرفن الحقّ فهي قد انطوت ... عليها جنوبٌ ما عرفن المضاجعا
سقوا دمعهم غرس الأسى في ثرى الجوى ... فأنبت أزهار الشحوب الفواقعا
تساقوا لبان الصدق محضاً بعزمهم ... وحرّم تفريطي عليّ المراضعا
стр. 20
وهي طويلة؛ ومن شعره (١) :
سل في الظلام أخاك البدر عن سهري ... تدري النجوم كما تدري الورى خبري
أبيت أسجع بالشكوى وأشرب من ... دمعي وأنشق ريّا ذكرك العطر
حتى أخيّل أني شاربٌ ثملٌ ... بين الرياض وبين الكأس والوتر
بعض المحاسن يهوى بعضها عجباً ... تأملوا كيف هام الغنج بالخفر
إن تقصني فنفارٌ جاء من رشإٍ ... أو تضنني (٢) فمحاقٌ جاء من قمر وله أيضاً (٣) :
ردّوا على طرفي النوم الذي سلبا ... وخبروني بقلبي أيّةً ذهبا
علمت لما رضيت الحبّ منزلة ... أن المنام على عينيّ قد غضبا
فقلت (٤) واحربا والصمت أجدر بي ... قد يغضب الحبّ إن ناديت واحربا
إني له عن دمي المسفوك معتذرٌ ... قول حملته في سفكه تعبا
نفسي تلذّ الأسى فيه وتألفه ... هل تعملون لنفسي في الجوى نسبا
قالوا عهدناك من أهل الرشاد فما ... أغواك؟ قلت اطلبوا في لحظه السببا
من صاغه الله من ماء الحياة وقد ... جرت بقيّته في ثغره شنبا
يا غائباً مقلتي تهمي لفرقته ... والقطر إن حجبت شمس الضحى انسكبا
كم ليلةٍ بتّها والنجم يشهد لي ... رهين شوقٍ إذا غالبته غلبا
مردداً في الدجى لهفاً ولو نطقت ... نجومها ردّدت من حالتي عجبا
ماذا ترى في محبّ ما ذكرت له ... إلاّ بكى أو شكا أو حنّ أو طربا
يرى خيالك في الماء الزلال وما ... ذاق الشراب فيروى وهو ما شربا
стр. 21
وله أيضاً (١) :
ولما عزمنا ولم يبق من ... مصانعة الشوق غير اليسير (٢)
بكيت على النهر أخفي الدموع ... فعرّضها لونها للظّهور
ولو عرف السّفر حالي إذن ... لما صحبوني عند المسير
إذا ما سرى نفسي في الشراع ... أعادهم نحو حمصٍ زفيري
وقفت سحيراً وغالبت شوقي ... ونادى الأسى حسنه من مجيري
أنار وقد لفحت زفرتي ... فصار الغدوّ كوقت الهجير
ومنّ الفراق بتوديعه ... فشبهت ناعي النوى بالبشير
وقبّلت وجنته في الدّموع ... كما التقطت وردةٌ من غدير
وقبلت في الترب منه خطاً ... أميّزها بشميم العبير
تغرّب نومي عن مقلتي ... وأما حديث المنى في ضميري
أموسى تهنّ (٣) نعيم الكرى ... فليلي بعدك ليل الضرير وله أيضاً (٤) :
كأن الخال في وجنات موسى ... سواد العتب في نور الوداد
أخطّ لصدغه في الحسن واو ... فنقطة خاله بعض المداد
لواحظه محيّرة ولكن ... بها اهتدت الشجون إلى فؤادي وله مخمس (٥) :
غريب الحسن عنّ لنا فعنّى ... ووسنانٌ طريق الهجر سنّا
стр. 22
ثنى أعطافه فاستعطفتنا ... أغنّ عن الرشا والبدر أغنى فهمنا سرّ مقلته فهمنا ...
شكوت له من الحرق التهابا ... فأسداها مراشفه العذابا
فكانت رحمة لقيت عذابا ... ومال وقد تطارحنا العتابا كأني طائرٌ ناجيت غصنا ...
أمولىً حاز حتى الحسن عبدا ... حكيت الورد لي عهداً وخدّا
ونجم الأفق إشراقاً وبعدا ... وسوّى الله بدر التمّ فردا فإذ سوّاك قال الناس: ثنّى ...
أخاف على مكانك من فؤادي ... فلا تضرمه ناراً بالبعاد
ودع حظاً لطيفك من رقادي ... تنازعني الكواكب في سهاد وتعجز عن دموع سح معنا ...
أحوريّ الطّهارة والجمال ... هجرت الخلد هجراً عن دلال
أول تركت الحور بعدك في ضلال ... فمن للناس عندك بالوصال وقد فارقت رضواناً وعدنا ...
وسيم الحسن قيّض لي لأشقى ... فليت ابن البقاء عليّ أبقى
أيوسف إنني يعقوب حقّا ... كملت ملاحةً وكملت عشقا فمن ذا مثلنا حسناً وحزنا ... وله أيضاً موشح (١) :
يا لحظاتٍ للفتن ... في كرها أوفى نصيب
ترمي وكلّي مقتل ... وكلها سهمٌ مصيب
стр. 23
اللوم (١) للأحي مباح ... أما قبوله فلا
علّقته وجه صباح ... ريق طلاً عنق (٢) طلا
كالظبي ثغره أقاح ... وما ارتعى شيح الفلا (٣)
يا ظبي خذ قلبي وطن ... فأنت في الإنس غريب
وارتع فدمعي سلسل ... ومهجتي مرعىً خصيب
بين اللّمى والحور ... منه الحياة والأجل
سقت مياه الخفر ... في خده ورد الخجل
زرعته (٤) بالنّظر ... وأجتنيه بالأمل
في طرفه (٥) الساجي وسن ... سهّد أجفان الكئيب
والردف فيه ثقل ... خفّ له عقل اللبيب
أهدى إلى حرّ العتاب ... برد اللّمى وقد وقد
فلو (٦) لثمته لذاب ... من زفرتي ذاك البردْ
стр. 24
ثم لوى جيد كعاب ... ما حليه (١) إلاّ الغيد
في نزعة الظبي الأغن ... وهزة الغصن الرطيب
يجري لدمعي جدول ... فينثني منه قضيب
أأنت حورا أرسلك ... رضوان صدقاً للخبر
قطّعت القلوب لك ... وقيل ما هذا بشر
أمّ الصفا مضنىً هلك ... من النوى أم الكدر
حتى تزكيه المحن ... أمر الهوى أمر غريب
كأنّ عشقي مندل ... زاد (٢) بنار الهجر طيب
أغربت في الحسن البديع ... فصار دمعي مغربا
شمل الهوى عندي جميع ... وأدمعي أيدي سبا
فإستمع عبداً مطيع ... غنى لبعض الرقبا
هذا الرقيب ما أسواه يظن ... ايش لو كان لانسان مريب
مولاي قم تا نعملو (٣) ... ذاك الذي ظن الرقيب
стр. 25
وله أيضاً موشح (١) :
روض نضير وشادن وطلا ... فاجتن زهر الربيع والقبلا واشرب يا ساقياً ما وقيت فتنته ... حكت رحيق الكؤس صورته ... فمثّلت ثغره ووجنته ...
هذا حباب كالسلك (٢) معتدلا ... وذا رحيق لدى الزجاج علا كوكب أقمت حرب الهوى على ساق ... وبعت عقلي بالخمر من ساقي ... أسهر جفني بنوم أحداق ...
تمثّل السحر وسطها كحلا ... معتلةٌ وهي تبرىء العللا فاعجب قلبك صخر والجسم من ذهب ... أيا سميّ النبيّ يا ذهبي (٣) ... جاورت من مهجتي أبا لهب ...
يا باخلاً لا أذمّ ما فعلا ... صيرت عندي محبة البخلا مذهب يا منيتي المنى من الخدع ... ما نلت سؤلي ولا الفؤاد معي ... هل عنك (٤) صبر أو فيك من طمع ...
أفنيت فيك الدموع والحيلا ... فلا سلوّاً في الحب نلت ولا مأرب
стр. 26
أتيت أشكوه لوعتي عجبا ... فصدّ عنّي بوجهه غضبا ... فعند هذا ناديت واحربا ...
تصدّ عني يا منيتي مللا ... وأشتكي من صدودك العللا تغضب (١) وله من قصيدة في محبوبه موسى (٢) :
وإني لثوب الحزن أجدر لابسٍ ... وموسى لثوب الحسن أحسن مرتد (٣)
تأمّل لظى شوقي وموسى يشبّها ... تجد خير نار عندها خير موقد
إذا ما رنا شزراً فقل لحظ أحورٍ ... وإن يلو إعراضاً فصفحة أغيد
وعذّب بالي أنعم الله باله ... وسهّدني لا ذاق طعم التسهد
شكوت فجاءوا بالطبيب، وإنّما ... طبيب سقامي في لواحظ مبعدي
فقال على التأنيس طبّك حاضرٌ ... فقلت نعم لو أنه بعض عوّدي
بكيت فقال الحبّ هزواً أتشتري ... بماء جفونٍ ماء ثغر منضد
فأنشدته شعراً به أستميله ... فأبدى ازدراء بابن حجرٍ ومعبد
كأنّي بصرف البين حان فجاد لي ... بأحلى سلامٍ منه أفظع مشهد
تغنمت منه السير خلفي مشيّعاً ... فأقبلت أمشي مثل مشي المقيد
وجاء لتوديعي فقلت له اتئد ... مشت لك روحي في الزفير المصعد
جعلت يميني كالنّطاق لخصره ... وصاغت جفوني حلي ذاك المقلّد
وجدت بذوب التبر فوق مورّسٍ ... وضنّ بذوب الدرّ فوق مورد
ومسّح أجفاني ببرد بنانه ... فألّف بين المزن والسوسن الندي
فيا آفة العقل الحصيف وصبوة ال ... عفيف وغيّ النّاسك المتعبّد
стр. 27
رعيت لحاظي في جمالك آمناً ... فأذهلني عن مصدري حسن مورد
أظلّ ويومي فيك هجرٌ ووحشةٌ ... ويومي بحمد الله أحسن من غدي
وصالك أشهى من معاودة الصبا ... وأطيب من عيش الزمان الممهد
عليك فطمت العين من لذة الكرى ... وأخرجت قلبي طيّب النفس من يدي وله أيضاً (١) :
ضمانٌ على عينيك أني عاني ... صرفت إلى أيدي العناء عناني
وقد كنت أرجو الوصل منك غنيمة ... فحسبي منك اليوم نيل أماني
ومن لي بجسم أشتكي منه بالضنا ... وقلبٍ فأشكو منه بالخفقان
وما عشت حتى اليوم إلاّ لأنّني ... خفيت فما يدري الحمام مكاني
ولو أنّ عمري عمر نوح وبعته (٢) ... بساعة وصلٍ منك قلت: كفاني
وما ماء ذاك الريق عندي غالياً ... بماء شبابي واقتبال زماني
خليليّ عندي في السّلوّ بلادة ... فإن شئتما علم الهوى فسلاني
خذا عدداً من مات من ألم الهوى ... فإن كان فرداً فاحسباني ثاني وله أيضاً (٣) :
يقولون لو قبّلته لاشتفى الجوى ... أيطمع في التقبيل من يعشق البدرا
ولو غفل الواشي لقبلت نعله ... أنزّهه أن أذكر الجيد والثغرا
وما أنا من يستحمل الريح سرّه ... أغار حفاظاً أن أذيع له سرّا
إذا فئة العذّال جاءت بسحرها ... ففي وجه موسى آية تبطل السحرا وله من أبيات (٤) :
стр. 28
غضّ الصبا يسفر عن منظرٍ ... أحسن من عصر الصبا المقبل
صوّر من نور ومن فتنةٍ ... والناس من ماء ومن صلصل
أحلت أشواقي على ذكره ... أسلّط النار على المندل
أخشى عليك العار من قولهم: ... معتدل القمامة لم يعدل وقال أيضاً (١) :
أموسى ولم أهجرك والله إنّما ... هجرت الكرى والأنس واللب والصبرا
تركتك لا غدراً بعهدك بل أرى ... حياتي ذنباً بعد بعدك أو غدرا
قنعت على رغمي بذكرك وحده ... أدير عليه الخمر والأدمع الحمرا
أقبل من كاس المدير حبابها ... إذا مثلت عندي المنى ذلك الثغرا وله أيضاً (٢) :
لاموا فلما لاح موضع صبوتي ... قالوا لقد جئت الهوى من بابه
شرقت بدمعي وجنتي شوقاً إلى ... ذي وجنة شرقت بماء شبابه
حلو الكلام كأنّما ألفاظه ... يشربن عند النطق شهد رضابه
بالله يا موسى وقد لذّ الردى ... اجبر ولا تبق الجريح بما به
هاروت أودع في لحاظك سحره ... فأصاب قلبي منك مثل عذابه وديوانه كله من هذا النوع، رحمه الله تعالى وسامحه.
стр. 29
٦ - (١)
الشيخ إبراهيم الأرموي
إبراهيم بن عبد الله بن يوسف بن إبراهيم بن سليمان أبو إسحاق الأرمني، ويقال الأرموي، الشيخ الزاهد العابد؛ ولد سنة خمس عشرة وستمائة بجبل قاسيون، وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين (٢) وتسعين وستمائة. سمع من الشيخ الموفق وابن الزبيدي وغيرهما، وكان صالحاً خيراً كبير القدر مقصوداً (٣) للتبرك. ولما قدم الأشرف دمشق من فتح عكا طلع إليه وزاره وطلب منه الدعاء، ووصله. ولما مات طلع إلى جنازته ملك الأمراء والقضاة وحمل على الرءوس.
وله شعر جيد منه:
سهري عليك ألذّ من سنة الكرى ... ويلذ فيك تهتكي بين الورى
وسوى جمالك لا يروق لناظري ... وعلى لساني غير ذكرك ما جرى
وحياة وجهكَ لو بذلتُ حُشاشتي ... لمبشري برضاك كنتُ مُقصِّرا
أنا عبدُ حبك لا أحُول عن الهوى ... يوماً وإن لام العذول وأكثرا
стр. 30
٧ - (١)
الشيخ برهان الدين الفزاري
إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضبا؛ هو الشيخ الجليل الإمام العلامة الورع شيخ الشافعية برهان الدين أبو إسحاق الفزاري الصعيدي الأصل الدمشقي، مدرس الباذرائية (٢) وابن مدرّسها، وسيأتي ذكر والده الشيخ تاج الدين إن شاء الله تعالى في حرف العين.
كان جده فقيهاً بالرواحية (٣) ، وولد الشيخ برهان سنة ستين وستمائة، وأمّه أمّ ولد، عاشت إلى بعد العشرين وسبعمائة. سمّعه أبوه الكثير في الصغر من ابن عبد الدايم وابن أبي اليسر، وبرع في الفقه على والده، وقرأ العربية على عمه شرف الدين، وقرأ الأصول وبعض المنطق، وتفنن وجوّد الكتابة، ونشأ في صون وخير وإكباب على العلم والإفادة، وتخرج به الأصحاب، وأذن في الفتوى لجماعة، وانتهى إليه إتقان غوامض المذهب. علّق على " التنبيه " شرحاً في مجلدات.
وكان عذب العبارة صادق اللهجة، طلق اللسان، طويل الدروس، وكان له حظ من صلاة وصيام وذكر، وفيه لطف وتواضع ولزوم خير وكفٌّ عن
стр. 31
الغيبة وعن أذى الناس. وكان كل شهر يعمل طعاماً لفقهاء الباذرائية ويقف في خدمتهم، وكان واسع البذل، يعود المرضى ويشيع الجنائز؛ وكان لطيف المزاج نحيف الجسم أبيض حلو الصورة رقيق البشرة معتدل القامة، قليل الغذاء جداً، يديم التنقل بالخيار شنبر، وربما انزعج في المناظرة.
ولي الخطابة بالجامع الأموي بعد عمه شرف الدين، ثم عزل نفسه بعد شهر، ولما توفي قاضي القضاة نجم الدين ابن صصري (١) طلب للقضاء فامتنع، وكان فيه رفق ورحمة، يكره الفتن ولا يدخل فيها، وله جلالة ووقع في النفوس. وكانت وفاته في سنة تسع وعشرين وسبعمائة، ودفن عند والده بباب الصغير، وكانت جنازته مشهورة (٢) ، رحمه الله تعالى.
٨ - (٣)
الشيخ العماد
إبراهيم بن عبد الواحد علي بن سرور المقدسي، الشيخ عماد الدين الحنبلي الزاهد، أخو الحافظ عبد الغني؛ ولد بجماعيل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وتوفي سنة أربع عشرة (٤) وستمائة. هاجر إلى دمشق، وسمع وارتحل، وصارت له معرفة حسنة بالحديث مع كثرة السماع واليد الباسطة في الفرائض والنحو والخط المليح، وطوَّل الشيخ شمس الدين الذهبي في ترجمته، رحمه الله تعالى.
стр. 32
٩ - (١)
ابن هرمة
إبراهيم بن علي بن سلمة الفهري المدني الشاعر المعروف بابن هرمة، من شعراء الدولتين؛ كان شيخ الشعراء في زمانه، وكان منقطعاً إلى الطالبيين، وكان منهوماً في الشراب لا يكاد يصبر عنه، فقال للمنصور: يا أمير المؤمنين، إني مغرم بالشراب، وكلما أمسكني والي المدينة حدَّني، وقد طال هذا، فاكتب لي إليه، فقال: ويحك! كيف أكتب في حدّ من حدود الله تعالى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، احتلْ لي في ذلك؛ فكتب إلى عامله بالمدينة: " أما بعد، فمن أتاك بابن هرمة سكراناً، فحد ابن هرمة ثمانين واجلد الذي يأتيك به مائة "؛ فكان يمر به العسسُ وهو سكران ملقى على قارعة الطريق فيقولون: من يشتري ثمانين بمائة؟
ومرّ يوماً على جيرانه وهو ميت سكراً حتى دخل منزله، فلما كان من الغد عاتبوه (٢) في الحالة التي أوه فيها: أنا في طلب مثلها منذ دهر، أما سمعتم قولي (٣) :
أسأل الله سكرة قبل موتي ... وصياح الصبيان يا سكرانُ
стр. 33
فنهضوا من عنده، ونفضوا ثيابهم وقالوا: ما يفلح هذا أبداً.
ويقال إنه ولد سنة سبعين، ونادم المنصور سنة أربعين ومائة، وعمّر بعد ذلك دهراً؛ وهو القائل (١) :
ما أظنّ الزمان يا أمَّ عمروٍ ... تاركاً إن هلكتُ من يبكيني وكان كذلك، لقد مات وما يحمل جنازته إلا أربعة نفر لا يتبعهم (٢) أحد، حتى دُفن بالبقيع. وكانت وفاته سنة خمسين ومائة. وكان الأصمعي يقول: ختم الشعر بابن ميادة وابن هرمة، رحمه الله تعالى.
١٠ - (٣)
إبراهيم بن علي بن خليل الحراني، شيخ حائك، كان عامياً أمياً أناف على الثمانين، وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وسبعمائة؛ قصده قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان رحمه الله تعالى واستنشده من شعره فقال: أما القديم فما يليق، وأما نظم الوقت الحاضر فنعم، وأنشده:
وما كلَّ وقتٍ فيه يسمح خاطري ... بنظم قريض لائق اللفظ والمعنى
وهل يقتضي الشرع الشريف تيمماً ... بتربٍ وهذا البحر يا صاحبي معنا (٤)
стр. 34
وله أيضاً:
وقائلٍ قال إبراهيم عينُ بصل ... أضحى يبيعُ قَباً في الناس بعد قبا
فقلت: مَهْ يا عذولي لا (١) تعنفني ... لو جعتَ قدتَ ولو أفلست بعت قبا وله أيضاً في الشبكة والسمك:
كم كسبنا بيتاً لكي نمسكَ السكانَ منه في سائرِ الأوقاتِ ... فمسكنا السكانَ وانهزم البيتُ لدينا خوفاً من الطاقاتِ ... وله أيضاً:
جسمي بسُقم جفونه قد أسقما ... ريمٌ بسهمِ لحاظه قلبي رمى
كالرمح معتدل القوام مهفهفٌ ... مرّ الجفا لكنه حلو اللّمى
رشأ أحلّ دمي الحرام وقد رأى ... في شرعه وصلي الحلال محرّما
ربّ الجمال بوصله وبهجره ... لقّى (٢) وأصلى جنّةً وجهنّما
عن ورد وجنته بآس عذاره ... وبسيف نرجس طرفه الساجي حمى
عاتبته فقسا وفيت فخانني ... قربته فنأى بكيت تبسّما
حكّمته في مهجتي وحشاشتي ... فجنى وجار عليّ حين تحكّما
يا ذا الذي فاق الغصون بقدّه ... وسما بطلعته على قمر السّما
رفقاً بمن لولا جمالك لم يكن ... حلف الصبابة والغرام متيّما
أنسيت أيّاماً مضت ولياليا ... سلفت وعيشاً بالصّريم تصرّما
إذ نحن لم نخش الرقيب ولم نخف ... صرف الزمان ولا نطيع اللوما
والعيش غضٌّ والحواسد نوّمٌ ... عنا وعين البين قد كحلت عمى
في روضةٍ أبدت ثغور زهورها ... لمّا بكى فيها الغمام تبسّما
стр. 35
مدّ الربيع على الخمائل نوره ... فيها فأصبح كالخيام مخيّما
تبدو الأقاحي مثل ثغر مهفهفٍ ... أضحى المحبّ به كئيباً مغرما
وعيون نرجسها كأعين غادة ... ترنو فترمي باللواحظ أسهما
والطير يصدح في فروع غصونها ... صدحاً فيوقظ بالهديل النوما
والراح في راح الحبيب يديرها ... في فتيةٍ نظروا المسرة مغنما
فسقاتنا تحكي البدور وراحنا ... تحكي الشموس ونحن نحكي الأنجما وله أيضاً رحمه الله تعالى.
ربوع جلّق للأوطار أوطان ... وليس فيها من النّدمان ندمان
كم لي مع الحبّ في أقطارها أرباً ... إذ نحن في ساحتي جيرون جيران
أيام تجرير أذيالي بها طرباً ... ولي مكان له في السعد إمكان
إذ بت أنشد في غزلانها غزلاً ... لما غزت كبدي باللحظ غزلان
سقياً لجامعها كم قد جمعن لنا ... فيه من الغيد أقمارٌ وأغصان
وكم حوى الحسن في باب البريد لنا ... فهل ترى عند ذاك الحسن إحسان
أغنت عن السمر فيه السمر إذ خطرت ... وسود أجفانها للبيض أجفان
أهلّةٌ تحت ليل الشعر تحملها ... لفتنة الصبّ قضبان وكثبان
جمالها وأخو الأشواق حين بدت ... إليه في الحبّ مفتونٌ وفتان
وبعدها ليس يحلو في الهوى أبداً ... يوماً لإنسانه في الخلق إنسان
نواحه في نواحي جلّق وله ... بالحسن لا بالنقا والحزن أحزان
فجلق جنةٌ تبدو جواسقها ... مثل القصور بها حورٌ وولدان
والسبت كالعيد تلقى الغيد سانحةً ... وقد حوى الغيد ميدانٌ وبستان
أنزه الطرف في الميدان من فرح ... والقلب مني لطفل اللهو ميدان
قم يا نديمي إلى شرب المدام بها ... من قبل يدرك بدر السّعد نقصان
فأنت في جنّة منها مزخرفةٍ ... وقد تلقّاك بالرضوان رضوان
стр. 36
وأنت فيها عن اللذات في كسلٍ ... انهض فما بلغ اللذات كسلان
أما ترى الأرض إذ أبكي السحاب بها ... آذارها ضحكت إذ جاء نيسان
والزهر كالزهر حياه الحيا فبدت ... في الروض منه إلى الأبصار ألوان
زمرد قضبٌ فيها مركبة ... جواهرٌ ويواقيت ومرجان
كأنما الورد خدّ الحبّ حين غدا ... له العذار سياجاً وهو ريحان
كأن منثورها إذ لاح مبتسماً ... جيش من الروم بانت فيه صلبان
كأنما البان أهدى المسك حين بدا ... فعطر الكون لما أورق البان
كأن ريح الصبا طافت بخمر هوىً ... من الرياض فكل الكون نشوان
كأنما حمرة التفاح خدّ رشاً ... لي في هواه عن السلوان سلوان
كأن نارنجها نارٌ وباطنه ... ثلجٌ وفيه لجين وهو عقيان
والطير تطرب بالعيدان نغمتها ... ما ليس يطرب بالأوتار عيدان
أبدت فنوناً فأفنت صبر سامعها ... بالنوح إذ حملتها فيه أفنان
بلابلٌ هيّجت منّا بلابلنا ... وهاج منّا صباباتٌ وأشجان
وهزنا الشوق إذ غنّى الهزار بها ... فلا تجفّ لنا بالدمع أجفان
وربّ صافية في الكأس مشرقةٍ ... كانت وما كان في العلياء كيوان
راحٌ أراحت لمن حلّت براحته ... روحاً لها القار والفخار جثمان
صبّت لنا فهي ماء في زجاجتها ... وأشرقت فهي في الكاسات نيران
يسعى بها رشأ بالسحر مكتحلٌ ... حلو الدلال لجند الحسن سلطان
عذب اللمى ناعس الأجفان منتبه ... مهفهف القدّ صاحٍ وهو نشوان
كأنما وجهه فيه لعاشقه ... بستان والخال في البستان جنّان
كأنما خاله لما بدا كرةٌ ... والصدغ جوكانها والخد ميدان وشعره مقبول، غير أنه لا يخلو من اللحن، رحمه الله تعالى وإيانا.
стр. 37
١١ - (١)
الجعبري
إبراهيم بن عمر بن إبراهيم، الشيخ الإمام العلامة ذو الفنون شيخ القراء، برهان الدين الجعبري الشافعي ابن مؤذن جعبر؛ ولد في حدود الأربعين، وسمع في حياة ابن خليل، وتلا ببغداد بالسبع على ابن الوجوهي، وقرأ التعجيز حفظاً على مؤلفه تاج الدين ابن يونس، وسمع من جماعة، وقدم إلى دمشق، فنزل بالشميصاتية (٢) وأعاد بالغزالية (٣) ، وباحث وناظر، ثم ولي مشيخة الحرم ببلد الخيل ﵇، فأقام به بضعاً وأربعين سنة، وصنف التصانيف، واشتهر ذكره.
وألف شرحاً للشاطبية كبيراً، وشرحاً للرائية، ونظم في الرسم روضة الطرائف واختصر مختصر ابن الحاجب، ومقدمته في النحو، وكمل شرح التعجيز، وله ضوابط كثيرة نظمها، وله كتاب الافهام والإصابة في مصطلح الكتابة نظم، وله كتاب يواقيت المواقيت نظم، والسبيل الأحمد إلى علم الخليل بن أحمد وتذكرة الحفاظ في مشتبه الألفاظ ورسوم التحديث في علم الحديث وموعد الكرام لمولد النبي ﵇ وكتاب المناسك ومناقب الشافعي والشرعة في القراءات السبعة
стр. 38
وعقود الجمان في تجويد القرآن والترصيع في علم البديع وحدود الاتقان في تجويد القرآن وكتاب الاهتداء في الوقف والابتداء والإيجاز في الألغاز؛ وتصانيفه تقارب المائة كلها جيدة محررة.
وكان حلو العبارة، يحكى قال: كان قبلي لهذا الحرم شيخ، جاء السلطان مرة إلى زيارة الخليل ﵇ متخلياً عن الناس، فقال له المتحدثون في الدولة: يا شيخ ما تعرفنا حال هذا الحرم ودخله وخرجه، فقال: نعم، وأخذهم وجاء بهم إلى مكان يمدون فيه السماط، وقال لهم: الدخل ها هنا، ثم أخذهم وجاء بهم إلى الطاهرة، وقال: الخرج ها هنا، ما أعرف غير ذلك، فضحكوا منه.
وللجعبري شعر منه:
لمّا أعان الله جلّ بلطفه ... لم تسبني بجمالها البيضاء
ووقعت في شرك الرّدى متحبّلاً ... وتحكّمت في مهجتي السوداء وقال لي من سمعه يحكي: كنت في أول الأمر أشتري بفلس جزر أتقوت به ثلاثة أيام.
وكان ساكناً ذكياً وقوراً، وألف في كثير من العلوم، وتوفي في رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة.
ومن شعره:
أضاء لها دجى الليل البهيم ... وجدّد وجدها مرّ النسيم
فراحت تقطع الفلوات شوقاً ... مكلفةً بكلّ فتىً كريم
فقالوا لا نرى فيها أنيساً ... سوى نجمٍ وغصن نقاً وريم
نياقٌ كالحنايا ضامراتٌ ... يحاكي ليلها ليل السّليم
كأنّ لها قوائم من حديدٍ ... وأكباداً من الصّلد الصميم
لها بقبا وسفح منىً غرامٌ ... يلازمها ملازمة الغريم
стр. 39
تراها من هوى وجوىً ووجد ... تسير مع الدجى سير النجوم
لما تلقاه من نصبٍ نهاراً ... ترى الادلاج كالخلّ الحميم وله أيضاً:
لمّا بدا يوسف الحسن الذي تلفت ... في حبّه مهجتي استحيت لواحيه
فقلت للنسوة اللاتي شغفن به ... فذلكنّ الذي لمتنّني فيه ١٢ (١)
الرقيق الكاتب
إبراهيم بن القاسم المعروف بالرقيق النديم؛ أصله من القيروان، رجل فاضل له تصانيف كثيرة منها: كتاب تاريخ افريقية والقيروان في عدة مجلدات. كتاب النساء كبير. كتاب " الروح (٢) والارتياح ". كتاب نظم السلوك في مسامرة الملوك في أربع مجلدات. الاختصار البارع للتاريخ الجامع في عدة مجلدات. كتاب الأغاني مجلد. كتاب قطب السرور في أوصاف الخمور مجلدان، فضح العالمين فيه، وعندي منه نسخة، وله غير ذلك.
قال ابن رشيق في حقه: شاعر سهل الكلام، لطيف الطبع، غلب عليه اسم الكتابة وعلم التأريخ وتأليف الأخبار، وهو بذلك أحذق الناس؛ قدم مصر سنة ثمان وثمانين (٣) وثلثمائة بهدية من ابن باديس إلى الحاكم، وقال قصيدة يصف
стр. 40
فيها المنازل والمناهل، منها:
إذا ما ابن شهر قد لبسنا شبابه ... بدا آخرٌ من جانب الأفق يطلع
إلى أن أقرّت جيزة (١) النيل أعيناً ... كما قرّ عيناً ظاعن (٢) حين يرجع وقال أيضاً:
ريمٌ إذا ما معاريض المنى خطرت ... أجلّه المتمنّي عن أمانيه
يا إخوتي أأقاح فيه أقبل لي ... أم خطّ راءين من مسكٍ على فيه
أم حسن ذاك التراخي في تكلمه ... أم حسن ذك التهادي في تثنيه ١٣ (٣)
ابن كيغلغ
إبراهيم بن كيغلغ، أبو إسحاق، أديب فاضل. قال ابن النجار: ذكره الوزير أبو سعد محمد بن الحسين ابن عبد الرحيم في كتاب طبقات الشعراء وقال: من شعره:
لاعبت بالخاتم إنسانةً ... كالبدر في تاج دجىً عاتم
حتى إذا واليت أخذي (٤) له ... من البنان الترف النّاعم
خبّته في فيها، فقلت انظروا ... قد خبت الخاتم في الخاتم وله أيضاً: