← Акыда

Акыда · id 1004

التعليقات السنية على العقيدة الواسطية - محمد خليفة التميمي

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (271 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بل مُؤمنُ آلِ فِرعون كان يَعلم المَعاد، وإنَّما آمَنَ بموسى؛ قال تَعَالى: حكاية عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣]، إلى قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]، إلى قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. وقال موسى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وقد أخبر في قِصَّة البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]. وقد أخبرَ اللهُ أنَّه أرسلَ الرُّسل مُبَشِّرين ومُنذرين في آياتٍ مِنْ القُرآن، وأَخْبَر عن أهلِ النَّار أنَّهم إذا قال لهم خزنَتُها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]. وهذا اعترافٌ من أصناف الكفار الدَّاخلين جَهَنَّم: أنَّ الرسلَ أَنْذَرَتْهم لِقاء يومهم هذا. فجميعُ الرُّسلِ أَنذروا بما أَنْذَر به خَاتَمُهم من عقوبات المُذنبين في الدُّنيا والآخرة، فَعَامَّةُ سُور القرآن التي فيها ذِكر الوعد والوعيد يذكر ذلك فيها في الدُّنيا والآخرة، وأَمَرَ نَبِيَّه أن يُقسم به على المعاد فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣]، الآيات، وقال تَعَالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]، وقال تَعَالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، وأخبر عن اقترابها فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]،

стр. 177

﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: ١ - ٢]، إلى قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧]. وقد ذَمَّ اللهُ المُكَذِّبين بالمَعاد فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥]، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١]، ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨]، ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]، إلى أن قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩]، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩]، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨]، إلخ» (١). وقد دلَّ- أيضًا- على قيام السَّاعة وحَشر الناس في اليوم الآخر أدلةٌ مُستفيضة مِنْ السُّنَّة، منها: ما جاء في حديث جبريل ﵇؛ أنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه وشَرِّه» (٢)، وفي رواية: «والبَعْث بعدَ المَوْتِ» (٣).

стр. 178

وكذلك ما روي عن ابنِ عبَّاس ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «أيُّها النَّاس، إنَّكم مَحْشُورُونَ إلى الله حُفَاة عُرَاة غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثُمَّ إنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكسى يوم القيامة إبراهيمُ» (١). وقد أجمعَ على ذلك المُسلمون إجماعًا قطعيًّا، بل حتى أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى. وكذلك العَقلُ يقضي بأن هناك يوم آخر للجَزَاء والحِساب، وإلا لكان إيجاد الخلائق عَبَثًا، واللهُ مُنَزَّه عن ذلك، وهذا- أيضًا- من تمام إقامة العدل بين الخلق؛ قال ابنُ القيِّم: «ولهذا كان الصَّوَابُ أنَّ المَعاد معلومٌ بالعقل مع الشَّرع، وأنَّ كمالَ الرَّبِّ تَعالى، وكمالَ أسمائه وصفاته تَقتضيه وتُوجبه، وأنَّه مُنَزَّه عَمَّا يقولُه مُنكروه، كما يُنَزَّه كمالُه عن سائر العُيوب والنَّقائص» (٢). ثم قال المُصَنِّف ﵀: «فيقوم النَّاسُ مِنْ قُبُورهم لربِّ العَالمين حُفاة عُراة غُرْلًا». والحُفاة: جَمع حَاف، وهو الذي لا يلبس نِعالًا ولا خُفًّا. والعراة: جمع عار، وهو الذي ليس على جسده لباس، ولا شيء يستره. والغُرْل: جمع أغرل، وهو الذي لم يُختن؛ إذ ترجع إليه الجلدة التي قطعت عند الختان. فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «تُحْشَرُون حُفاة عُرَاة غُرْلًا». قالت عائشة ﵂: فقلت: يا رسول الله، الرِّجال والنِّساء

стр. 179

يَنظر بعضهم إلى بعض! فقال: «الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أن يَهُمَّهم ذلك» (١). ثم ذكر المُصَنِّفُ بعض أهوال هذا اليوم، فقال: «وتدنو الشَّمسُ منهم فَيُلْجِمُهم العَرَقُ». وقد صحَّ عن المِقداد بن الأسود أنَّه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «تُدنى الشَّمْسُ يوم القيامة من الخَلْقِ حَتَّى تَكون مِنهم كَمِقْدار مِيلٍ، فَيَكُون النَّاسُ على قَدْر أعمالِهم في العَرَقِ؛ فَمِنهم مَنْ يكون إلى كَعْبَيه، ومِنهم مَنْ يكون إلى رُكبتيه، ومنهم مَنْ يكون إلى حِقْوَيْه، ومِنهم مَنْ يُلجمه العَرَقُ إلجامًا» (٢). إلا أن هناك أناسًا يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظله، كما أخبر بذلك النَّبيُّ ﷺ في الحديث، وهم: «إمامٌ عادلٌ. وشَابٌّ نَشَأ في طاعة الله. ورَجُلٌ قَلْبُه مُعَلَّق بالمَساجد. ورَجُلان تَحَابَّا في الله اجتمعا عليه وتَفَرَّقا عليه. ورَجُلٌ دَعَتْه امرأةٌ ذاتُ مَنصب وجَمال فقال: إني أخافُ اللهَ. ورجل تَصَدَّق بصدقةٍ فَأَخْفاها حتى لا تَعلم شِمَالُه ما تُنفق يمينُه. ورجلٌ ذَكَر اللهَ خاليًا فَفَاضَتْ عَيْناه» (٣). وقد جاء في روايات أخرى تبين أنَّ الله يُظِلُّ في ظِلِّه في هذا اليوم العظيم الرهيب أصنافًا أخرى؛ منها: ما رواه أبو هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله يقول يوم القيامة: «أين المُتَحَابُّون بِجَلالي، اليوم أُظِلُّهم في ظِلِّي يوم لا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي» (٤).

стр. 180

وعن كعب بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَنْظَرَ مُعسرًا، أو وَضَع له- أَظَلَّهُ الله يوم القيامة تحت ظِلِّ عَرشه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه» (١). نسأل الله أن نكون من هؤلاء، وأن يسترنا في هذا اليوم الطويل الشديد الرَّهيب، وأن يُدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب.

стр. 181

قال المصنف ﵀: «فَتُنْصَبُ المَوَازينُ فَتُوزن بِها أعمالُ العِباد؛ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]. وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ، فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ مِنْ وَّراءِ ظَهْرِهِ؛ كَمَا قَالَ : ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣: ١٤]. وَيُحَاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ، وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا حَسَنَات لَهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ، فتُحْصَى، فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا وَيُقَرَّرُونَ بِهَا، ويُجْزَون بها». الشرح بعد أن يأذن الله ببعث الناس من قبورهم- تعود الأرواح إلى أجسادها، وترجع الأجساد كما كانت قَبل أن تَبلى، فتنبت كما ينبت الحِبَّة (١) في حميل السَّيل (٢). فترجع كلُّ رُوح إلى جسدها الذي كانت فيه في الدنيا، كما جاء في «مسند أحمد» مرفوعًا: «حَتَّى إذا كانوا يوم القيامة دَخَلَتْ

стр. 182

كلُّ نفسٍ في جَسدها» (١)، أي: دخلت كلُّ رُوح في جسدها. وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «كلُّ ابن آدم تأكله الأرض، إلا عَجْبَ الذَّنَب (٢) منه يَنبت، ويرسل الله ماء الحياة، فينبتون فيه نبات الخَضِر، حتى إذا أخرجت الأجساد أرسلَ اللهُ الأرواح، وكان كلُّ روح أسرع إلى صاحبه من الطَّرف، ثم يُنفخ في الصور فإذا هم قيام يَنظرون» (٣). قال ابن القيم ﵀: «تَنبت أجسادهم في القبور، فإذا نفخ في الصُّور رَجعت كلُّ روح إلى جسدها فدخلت فيه، فانشقَّت الأرض عنه فقام مِنْ قبره، وفي حديث الصُّور أنَّ إسرافيل ﵇ يدعو الأرواح فتأتيه جميعًا؛ أرواح المسلمين نورًا، والأخرى مظلمة؛ فيجمعها جميعًا، فيعلقها في الصور، ثم ينفخ فيه فيقول الرب ﷻ : «وعِزَّتي ليَرجعن كلُّ رُوح إلى جسده، فتخرج الأرواح من الصور مثل النَّحل قد ملأت ما بين السَّماء والأرض فيأتي كلُّ رُوح إلى جسده فيدخل، ويأمر الله الأرض فتَنشق عنهم فيخرجون سراعًا إلى ربهم يَنسلون، مُهطعين إلى الدَّاعي، يسمعون المنادي من مكان قريب، فإذا هم قيام ينظرون، وهذا معلوم بالضرورة أنَّ الرسول أخبر به، وأنَّ الله سبحانه لا يُنشئ لهم أرواحًا غير أرواحهم التي كانت في الدنيا، بل هي الأرواح التي اكتسبت الخير والشر، أنشأ أبدانها

стр. 183

نشأة أخرى، ثُمَّ رَدَّها إليها» (١). وقال أيضًا: «إن الروح والجسد يختصمان بين يدي الرب يوم القيامة، قال عليُّ بن عبد العزيز: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبى سعيد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ ما قال: «ما تَزال الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى يُخاصم الرُّوحُ الجسدَ، فيقول الروح: يا رب إنَّما كنت روحًا منك جعلتني في هذا الجسد، فلا ذنبَ لي! ويقول الجسد: يا رب كنت جسدًا خَلقتني ودخل فيَّ هذا الرُّوح مثل النار؛ فَبِه كنتُ أقوم، وبه كنت أقعد، وبه أذهب، وبه أجيء؛ لا ذنب لي! قال: فيقال: أنا أقضي بينكما؛ أخبراني عن أعمى ومقعد دخلَا حائطًا فقال المقعد للأعمى: إني أرى ثمرًا فلو كانت لي رِجْلان لتناولتُ! فقال الأعمى: أنا أحملُك على رقبتي. فحمله فتناول من الثمر فأَكَلَا جميعًا، فعلى مَنْ الذَّنب؟ قالا: عليهما جميعًا. فقال: قضيتُما على أنفسكما» (٢). ثم بعد إعادة الأرواح إلى أجسادها يساق الناس إلى أرض المحشر، حُفاة عُراة غُرلًا، وتدنو الشمس من الخلائق، فيكون الناس في عرقهم على قدر أعمالهم، حتى يبلغ بهم الأمر مبلغه، فيأتوا من نبي إلى نبي، حتى يأتوا النبي ﷺ ؛ فيشفع في أهل الموقف أن يُقضى بينهم. وهي أول شفاعاته ﷺ . ثم بعد ذلك يبدأ القضاء بالفصل بين الناس، وتُنصب الموازين، وبعد ذلك تكون أحوال الناس بين مَنْ ثقلت موازينه وبين

стр. 184

مَنْ خَفَّت موازينه؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]، وقال جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال : ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩]، وغير ذلك. ومن السُّنَّة: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «كَلِمَتان خَفِيفتان على اللِّسان، ثَقِيلتان في المِيزان، حَبِيبتان إلى الرَّحمن: سُبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (١). وعن أبي هريرة ﵁ أيضًا: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنَّه لَيُؤتى بالرَّجل العَظيم السَّمين يوم القيامة لا يَزن عند الله جناح بَعُوضة، وقال: اقْرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]» (٢). وعن عبد الله بن عُمر أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنَّ الله سَيُخَلِّصُ رجلًا من أُمَّتي على رُءوس الخَلائق يوم القيامة، فَيَنْشُر عليه تِسعة وتِسعين سِجلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ البَصر، ثُمَّ يقول له: أَتُنْكِر مِنْ هذا شيئًا؟ أَظَلَمَتك كَتَبَتي الحَافظون؟ قال: لا يا رب. فيقول: أَلَكَ عُذْرٌ أو حَسَنة؟ فيهيب الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة واحدة، لا ظُلم عليك؛ فَتُخرج له بطاقةٌ فيها أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسولُ الله. فيقول: أَحْضِروه. فيقول: يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السِّجلات؟ فيُقال: إنَّك لا تُظلم. قال: فَتُوضع

стр. 185

السِّجلات في كِفَّة والبطاقة في كِفَّة، قال: فَطاشت السِّجلات، وثَقُلت البِطاقة، ولا يَثْقُل شيءٌ بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ» (١). وعن ابن مسعود ﵁: أنَّه كان يَجني سِوَاكًا من الأَرَاك، وكان دقيقَ السَّاقين، فَجَعَلت الرِّيح تَكفؤه، فَضَحِك القومُ مِنه، فقال رسولُ الله ﷺ : «مِمَّ تَضْحَكُون؟». قالوا: يا نَبِيَّ الله مِنْ دِقَّة سَاقيه. فقال: «والَّذي نَفْسِي بيدِه لَهُما أثقلُ في المِيزان مِنْ أُحُدٍ» (٢). وعن أبي مالكٍ الأشعريِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «الطُّهورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحمدُ للهِ تَمْلَأُ المِيزانَ» (٣). وقال السَّفارينيُّ: «قال علماؤنا كغيرهم: نُؤمن بأن الميزان الذي تُوزن به الحسنات والسيئات حقٌّ، قالوا: وله لسان وكفتان تُوزن به صحائف الأعمال؛ قال ابن عباس ﵁ ما: تُوزن الحسنات في أحسن صورة، والسيئات في أقبح صورة. قال العلامة الشيخ مرعي في «بهجته»: الصحيح: أنَّ المراد بالميزان: الميزان الحقيقي لا مجرد العدل، خلافًا لبعضهم. وقال القرطبي في «تذكرته»: «قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها؛ ليكون الجزاء بحسبها». إلى أن قال: «قد بلغت أحاديثه- أي: الميزان- مبلغ التواتر،

стр. 186

وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه» (١). وقال في موضع آخر: «أَجْمَع أكابرُ مُحَقِّقي هذه الأمة من أهل السُّنَّة بأنَّ الإيمان بثبوت الوزن والميزان حقٌّ واجبٌ وفَرْضٌ لازبٌ لِثُبوته، وعدم استحالة ذلك عقلًا» (٢). قال الإمام القرطبي ﵀: «قال علماؤنا ﵏: الناس في الآخرة ثلاث طبقات: متقون لا كبائر لهم. ومخلطون وهم الذين يوافون بالفواحش والكبائر. والثالث: الكفار. فأمَّا المتقون: فإن حسناتهم تُوضع في الكفة النيرة، وصغائرهم- إن كانت لهم الكفة الأخرى- فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنًا، وتثقل الكفة النيرة حتى لا تَبرح، وترتفع المظلمة ارتفاع الفارغ الخالي. وأمَّا المخلطون فحسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بصؤابة دخل الجنة، وإن كانت السيئات أثقل و لو بصؤابة دخل النار إلا أن يغفر الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف على ما يأتي، هذا إن كانت للكبائر فيما بينه وبين الله، وأما إن كانت عليه تبعات وكانت له حسنات كثيرة فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات؛ لكثرة ما عليه من التبعات؛ فيُحمل عليه مِنْ أوزار مَنْ ظلمه، ثم يُعَذَّب على الجميع. هذا ما تقتضيه الأخبارُ» (٣). ثم تنشر صحائف الأعمال؛ فإمَّا آخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وإمَّا آخِذٌ

стр. 187

كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ؛ فالناس على هذين الحالين؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، فيجد في نفسه من السعادة والفرح بهذه الحال؛ لأنه قد آمن وصدق وعمل لهذا اليوم، فوجد ثمرة ذلك وثوابه عند الله ، وأمَّا حال الآخر فقد قال الله عنه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٢٩]، ثم يكون الجزاء: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٢]. فالله يجازي الناس بأعمالهم؛ فإمَّا آخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وإمَّا آخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ مِنْ وَّراءِ ظَهْرِهِ، ثم يبدأ بعد ذلك الحساب. فالمؤمن حسابه عرضٌ وتقرير وليس حساب نقاش؛ لأنَّ من نوقش الحساب بالعذاب؛ كما في حديث عائشة ﵁ ا، قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حُوسب يوم القيامة عُذِّب»، فقلت: أليس قد قال الله : ﴿فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ [الانشقاق: ٨]؟ فقال: «ليس ذاك الحساب، إنَّما ذاك العَرْضُ؛ مَنْ نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّب» (١). فيُقرر اللهُ العبدَ المؤمنَ بما فعل في الدنيا، كما جاء في الحديث: «إنَّ الله يُدني المؤمن، فيضع عليه كَنَفَه ويَستره، فيقول: أتعرف ذنبَ كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قَرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته، وأمَّا الكافر والمنافقون، فيقول الأشهاد: ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا

стр. 188

لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨]» (١). وأمَّا الكفار فلا تُوزن أعمالهم؛ إذ لا حسنات لهم، وما قَدَّموه مِنْ عمل نافع في الدنيا فإنَّهم يجازون به في الدنيا كذلك؛ قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦]، فيُوفون جزاء أعمالهم النافعة في الدنيا، وأما في الآخرة فليس لهم فيها نصيب من الحسنات والأجر، وإنما يجازون بكفرهم.

стр. 189

قال المصنف ﵀: «وفي عَرَصات القيامة: الحَوْضُ المَورود للنَّبي ﷺ ؛ ماؤه أشَدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العَسَل، وآنيتُه عددُ نجوم السماء، طولُه شَهْرٌ، وعَرْضُه شَهْرٌ، مَنْ يشربُ منه شربةً لا يَظمأُ بعدها أبدًا». الشرح هذا الحوضُ المورود الذي أَعطاه الله لنبيه محمد ﷺ ، كما قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١ - ٣]. قال الإمامُ القرطبيُّ: «والصَّحيح: أنَّ للنبي ﷺ حَوْضَيْن: أحدهما في المَوقف قبل الصِّراط. والثَّاني في الجَنَّة، وكلاهما يُسَمَّى كوثرًا» (١). وقد جاءت أحاديث كثيرة في وصفه؛ منها: عن أبي عُبيدة أنه سأل عائشة ﵂ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، فقالت: «نهرٌ أُعطيه نَبِيُّكم ﷺ ؛ شاطئاه عليه دُرٌّ مُجَوَّف، آنيته كَعَدد النُّجوم» (٢). وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينما أنا أسيرُ في الجَنَّة إذ أنا بنهرٍ حافتاه قِباب الدُّرِّ المُجَوَّف. قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاك رَبُّك، فإذا طِينُه- أو طِيبُه-

стр. 190

مِسك أذفر» (١). وقال شيخُ الإسلامِ ﵀: «خَصَّ الله نَبيَّه ﷺ أنَّه أعطاه الكوثر، وهو من الخير الكثير الذي آتاه اللهُ في الدُّنيا والآخرة؛ فمما أعطاه في الدُّنيا الهُدى والنَّصر والتأييد وقُرَّة العَين والنَّفس وشرح الصدر، ونَعَّم قلبَه بذكرِه وحُبِّه بحيث لا يُشبه نعيمُه نعيمَ الدُّنيا البتة، وأعطاه في الآخِرَة الوسيلةَ والمقامَ المحمودَ، وجعلَه أَوَّلَ مَنْ يُفتح له ولأمته باب الجنة، وأعطاه في الآخِرَة لواءَ الحمد والحوض العظيم في موقف القيامة، إلى غير ذلك» (٢). وقد حكم جمعٌ من أهل العلم بتواتر السُّنَّة في ذلك، قال ابن أبي العِزِّ: «الأحاديث الواردة في ذِكر الحوض تَبلغُ حَدَّ التواتر؛ رَوَاها من الصَّحابة بضعٌ وثلاثون صحابياًّ، ولقد استقصى طرقَها شيخُنا عمادُ الدِّين ابنُ كثير- تَغَمَّدَه اللهُ برحمتِه في آخر «تاريخه الكبير» (٣). والله قد خَصَّ هذه الأمة بفضائل كثيرة، ومنها مُضاعة الأجر؛ فعن ابن عمر ﵁ ما، عن رسول الله ﷺ ، قال: «إنَّما أجلُكم في أجلِ مَنْ خلا من الأمم ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنَّما مَثَلُكم ومَثَل اليهود والنصارى، كرجل استعمل عُمَّالًا، فقال: مَنْ يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: مَنْ يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، فعملت النَّصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: مَنْ يعمل

стр. 191

لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا، فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس، على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجر مرتين، فغَضِبَت اليهودُ والنصارى، فقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاء! قال الله: هل ظلمتُكم مِنْ حَقِّكم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فإنَّه فَضلي أُعطيه مَنْ شِئْتُ» (١). فَمن نعمة الله علينا أن جعلنا من أمة محمد ﷺ ، فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «نَحن الآخِرون السَّابقون يوم القيامة، بَيْدَ كلِّ أُمَّةٍ أُوتوا الكتاب مِنْ قبلنا، وأُوتينا مِنْ بعدهم، فهذا اليوم (٢) الذي اختلفوا فيه، فغدًا لليهود، وبعدَ غدٍ للنَّصارى» (٣). وأمة محمد ﷺ هم أكثر أهل الجنة، فعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أهلُ الجنة عشرون ومائة صف؛ ثمانون منها مِنْ هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم» (٤). وذلك لأن النبي ﷺ أكثر الأنبياء أتباعًا؛ فعن ابن عباس ﵁ ما قال: «خرج علينا النبي ﷺ يومًا فقال: «عُرِضت عليَّ الأمم، فجعل يمرُّ النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سوادًا كثيرًا سَدَّ الأفق، فرجوت أن تكون أُمَّتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر، فرأيت سوادًا كثيرًا سَدَّ الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادًا كثيرًا سَدَّ الأفق، فقيل: هؤلاء أُمَّتك، ومع هؤلاء سبعون ألفًا

стр. 192

يدخلون الجنة بغير حساب» (١). وهذا الفضل الذي أعطاه الله لنبيه الكريم ﷺ في الدنيا والآخرة- هو خير عظيم وعميم على هذه الأمة المرحومة؛ فصارت مَهْدِيَّة في الدنيا، مَرحومة وأكثر أهل الجنة في الآخرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 193

قال المصنف ﵀: «والصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ على مَتْن جَهَنَّم، وهو الجِسر الذي بين الجَنَّة والنَّار يَمُرُّ النَّاسُ عليه على قَدْرِ أعمالِهم؛ فَمنهم مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ البَصر، ومنهم من يَمُرُّ كالبَرق، ومنهم من يَمُرُّ كالرِّيح، ومِنهم من يَمُرُّ كالفَرس الجَواد، ومِنهم مَنْ يَمر كَرَاكِب الإبل، ومنهم مَنْ يَعْدُو عَدْوًا، ومنهم من يمشي مَشْيًا، ومنهم مَنْ يَزحف زحفًا، ومنهم مَنْ يُخطف ويُلقى في جهنم، فإنَّ الجسر عليه كلاليبُ تَخْطِفُ النَّاس بأعمالِهم». الشرح الصِّراط: جِسر منصوب على مَتن جهنم بين الجَنَّة والنَّار، يَمُرُّ النَّاسُ عليه على قَدْرِ أعمالِهم. قال السفاريني ﵀: «والصراط شرعًا: جِسر ممدود على مَتن جهنم يَرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار، وخُلِق مِنْ حين خُلِقت جهنم» (١). وفي قوله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١، ٧٢]، قال الشيخ السعدي: «هذا خطابٌ لسائر الخلائق؛ بَرِّهم وفاجرهم، ومؤمنهم وكافرهم: أنَّه ما منهم مِنْ أحدٍ إلا سيرد النار حكمًا حَتمه الله على نفسه، وأوعد به عباده، فلا بد مِنْ نفوذه، ولا محيد عن

стр. 194

وقوعه» (١). فالناس سيردون جهنم؛ لأنَّ الصراط مَنصوب على مَتْنِها. وتختلف أحوال الناس في المرور عليه، كما جاء عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَرِدُ الناس النَّارَ، ثم يَصدرون عنها بأعمالهم؛ فأولهم كلمح البَرق، ثم كالرِّيح، ثم كحُضْر الفرس (٢)، ثم كالرَّاكب في رَحْلِه، ثم كَشَدِّ الرَّجل ثم كمَشيه» (٣). وقد جاء في وصفه أنه: صراطٌ دقيق جدًّا، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: «بَلغني أنَّ الجسر أدق من الشعرة، وأحَدُّ من السيف» (٤). والصِّراط مِنْ عرصات وأهوال يوم القيامة، وأول مَنْ يجوز عليه: النبيُّ ﷺ وأمته؛ فعن أبي هريرة ﵁: « … ويُضْرَبُ الصِّراط بين ظَهْري جَهَنَّم فأكونُ أنا وأُمَّتي أَوَّل مَنْ يُجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلَّا الرُّسل، ودَعوى الرُّسل يَومئذ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جهنم كلاليب مِثل شَوْك السَّعدان؛ هل رأيتم السَّعدان؟»، قالوا: نَعم يا رسول الله. قال: «فإنَّها مِثل شَوك السَّعدان غَير أنَّه لا يَعلم قَدْرَ عِظَمِها إلَّا الله ، تَخطف النَّاسَ بأعمالهم، فمَنهم المُوبق بعملِه، والمُوثق بعمله، ومنهم المُخَرْدَل والمُجَازَى» (٥). قال الإمامُ القرطبيُّ ﵀: «فَتَفَكَّر الآن فيما يَحِلُّ بك من الفَزع

стр. 195

بفؤادك إذا رأيتَ الصِّراط ودِقَّتَه، ثُمَّ وَقَعَ بصرُك على سَوَادِ جَهنم من تحته، ثم قَرَعَ سَمْعَك شَهِيقُ النارِ وتَغَيُّظُها، وقد كُلِّفْت أن تَمشي على الصِّراط مع ضَعف حالك، واضطراب قلبِك، وتَزَلزُلِ قَدَمِك، وثِقَل ظَهْرك بالأوزار المانعة لك مِنْ المَشي على بساط الأرض فضلًا عن حِدَّة الصِّراط، فكيف بك إذا وَضَعْتَ عليه إحدى رِجليك فَأَحْسَسْتَ بِحِدَّتِه، واضطررت إلى أن تَرفع القَدَم الثاني، والخلائق بين يديك يَزِلُّون ويَعثرون، وتتناولهم زبانيةُ النَّار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون فَتَسْفُل إلى جهة النار رُءوسهم، وتَعْلُو أَرْجُلُهم؛ فَيَا له مِنْ مَنظر ما أَفْظَعَه! ومُرْتَقًى ما أَصْعَبَه! ومَجاز ما أَضْيَقَه!» (١). ومع كل هذا فالمؤمن يمر عليه مرورًا سريعًا جدًّا. ولذلك لا بد أن يعلم الإنسان أنه إذا أراد اجتياز الصراط إلى الجنة: أنه مطالب بمجاهدة نفسه في هذه الحياة؛ للثبات على منهج الله، وعليه النظر فيما هو مُقدم عليه من هذه الأهوال؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]؛ وإذا كان الإنسان يحتاط جدًّا في سفر الدنيا وخاصة إذا سَمِع أن فيه مشقة، وأنه قد يُصيبه العنت فيه- فماذا قَدَّم ليوم القيامة وما فيه من كربات وأهوال؟ وليحاسب نفسه هنا: لماذا هذه الغشاوة التي على عينيه، ولماذا هذه الغفلة التي في قلبه عن هذا المصير المحتوم؟! ولماذا الركون إلى الدنيا وعدم استثمار الأنفاس فيما ينفع وينجي في هذا اليوم؟!

стр. 196

فكيف يوقن العبد بهذه الحقائق ومع ذلك يفرط في جنب الله؟! ولماذا لا يجتهد في تحصيل مرضاة الله؟! وليعلم كل امرئ أن نفسه إن لم يشغلها بالحق شغلته بالباطل، وأن الله قد أعطاك قوة كامنة في نفسه؛ إمَّا أن يُوجهها للخير، وإما أن يوجهها للشر، ولا ينفعه يوم القيامة إلا ما قَدَّمه من أعمال صالحة في هذه الحياة صار قلبه بها سليمًا؛ كما قال الله عن الخليل إبراهيم ﵇: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩]. فعلى حسب حال المؤمن هنا من التنافس في فعل الخيرات، والمسارعة إلى مغفرة الله- سيكون حاله في الآخرة على الصراط؛ فمن استقام على صراط الله (منهجه) في الدنيا- ثَبَّته الله على الصراط المنصوب على ظهر جهنم؛ فاللهم ثَبِّتنا وسَلِّمنا دنيا وآخرة.

стр. 197

قال المصنف ﵀: «فإذا عَبَرُوا عليه وُقفوا على قَنْطَرة بين الجَنَّة والنَّار؛ فيُقتص لبعضِهم مِنْ بَعْضٍ؛ فإذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دُخول الجَنَّة. وأَوَّلُ مَنْ يَستفتحُ بابَ الجَنَّة مُحَمَّدٌ ﷺ ، وأَوَّلُ مَنْ يدخلُها من الأمم أُمَّتُه». الشرح إذا مَضَى المؤمنون على الصِّراط، ونَجَوْا من السُّقوط في النار- وُقفوا على قَنْطَرة بين الجَنَّة والنَّار؛ للقصاص. قال الإمام القرطبيُّ: «ولا يَخلص منه- أي: الصراط- إلا المؤمنون الذين عَلِم اللهُ منهم أنَّ القِصاص لا يَستنفد حسناتهم حُبِسوا على صِراط آخر لهم، ولا يَرجع إلى النار من هؤلاء أحدٌ إن شاء الله؛ لأنَّهم قد عَبروا الصِّراط الأول المَضروب على مَتْنِ جهنم الذي يَسقط فيها مَنْ أَوْبَقَه ذَنْبُه، وأَرْبَى على الحَسَنات بالقِصاص جُرْمُه» (١). وقد دلَّ على القصاص بعد المرور على الصراط: حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا خَلص المؤمنون من النار حُبِسوا بقنطرةٍ بين الجنة النار؛ فَيَتَقَاصُّون مَظالم كانت بينهم في الدُّنيا حتى إذا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذن لهم بدخول الجَنَّة، فوالذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه لَأَحَدُهم بِمَسْكَنِه في الجنة أَدَلُّ بمنزلِه كان في الدُّنيا» (٢).

стр. 198

ومعنى قوله: «فيُقتص لبعضِهم من بعض» - كما قال العلَّامةُ ابنُ عُثَيمين ﵀: أن «هذا القِصاص غير القِصاص الأَوَّل الذي في عرصات القيامة؛ لأنَّ هذا قصاصٌ أَخَصُّ لأجل أن يذهب الغِلُّ والحِقد والبغضاء التي في قلوب الناس، فيكون هذا بمنزلة التنقية والتطهير، وذلك لأنَّ ما في القلوب لا يَزول بمجرد القِصاص، فهذه القَنطرة التي بين الجنة والنار؛ لأجل تَنقية ما في القلوب حتى يدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غِلٌّ، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]» (١). ومعنى قوله: «هُذِّبُوا ونُقُّوا»، أي: خُلِّصُوا من الآثام بِمُقَاصَصَة بعضِها ببعضٍ. وقوله: «أُذن لهم في دخول الجنة» يعني أنَّهم سيَجدون أبواب الجنة مُغلقة، ولن يجرؤ أحد أن يستفتح باب الجنة، إلى أن يَشفع النبي ﷺ في دخولها، ويدخل الجنة أمامهم؛ فيكون أول مَنْ يطلب أن تُفتح الجنة، وهذا من شفاعته الخاصَّة التي لا يُشاركه فيها مشاركٌ؛ فعن أنس ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: «أنا أَوَّلُ النَّاس يَشفع في الجَنَّة، وأنا أكثرُ الأنبياء تَبَعًا» (٢)، وعنه- أيضًا- أنَّ النبي ﷺ قال: «آتِي بابَ الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازنُ: مَنْ أنتَ؟ فأقول: مُحَمَّدٌ. فيقول: بِكَ أُمِرْتُ لا أفتحُ لأحدٍ قَبْلَكَ» (٣). فيكون النبي ﷺ أَوَّلُ مَنْ يدخلُ الجنة، وتكون أُمَّته أول مَنْ يدخلُها من الأمم؛ كما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ

стр. 199

رسول الله ﷺ قال: «نَحن الآخِرُون الأَوَّلون يوم القيامة، ونحن أَوَّلُ مَنْ يدخل الجنة» (١).

стр. 200

قال المصنف ﵀: «وله في القيامة ﷺ ثلاثُ شَفاعات: أمَّا الشفاعة الأولى فَيَشفع في أهلِ المَوقف حتى يُقضى بينهم بعد أن يَتراجع الأنبياء (آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعِيسى ابن مريم) عن الشَّفاعة حتى تَنتهي إليه. وأمَّا الشفاعةُ الثانية: فيَشفع في أهلِ الجَنَّة أن يَدخلوا الجَنَّة، وهاتان الشَّفاعتان خَاصَّتان له. وأمَّا الشَّفاعة الثالثة: فيَشفع فيمن استحقَّ النار، وهذه الشفاعةُ له ولسائر النَّبيين والصِّدِّيقين وغيرهم، فيَشفع فِيمن استحقَّ النَّار أن لا يَدخلها، ويَشفع فيمن دَخَلَها أن يخرج منها. ويُخرجُ اللهُ مِنْ النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضلِه ورحمتِه، ويَبقى في الجنة فَضْلٌ عَمَّن دخلَها من أهل الدُّنيا؛ فيُنشئ اللهُ أقوامًا فيُدخلهم الجَنَّة. وأصنافُ ما تضمنته الدَّارُ الآخرة من الحساب والثَّواب والعِقاب والجَنَّة والنار وتفاصيل ذلك مَذكورةٌ في الكتب المُنَزَّلة من السَّماء، والآثار من العِلم المَأثور عن الأنبياء، وفي العِلم المَوروث عن محمَّدٍ ﷺ مِنْ ذلك ما يَشفي ويكفي؛ فَمَنْ ابتغاه وَجَدَه». الشرح ذكر المصنف ﵀ هنا أنواع الشفاعات للنبي ﷺ التي تكون في يوم القيامة، فقال: «وله في القيامة ﷺ ثلاثُ شَفاعات: أمَّا الشفاعة الأولى فتكون بعد أن يأتي أهل الموقف لآدم

стр. 201

فيعتذر عن الشفاعة لهم، ثم يأتون لنوح، ثم لإبراهيم، ثم لموسى، ثم لعِيسى ابن مريم، وكل واحد منهم يعتذر، ويدلهم عيسى ﵇ على نبينا محمد ﷺ ، فيأتونه ﷺ ؛ فيَشفع لهم حتى يُقضى بينهم، فعن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبي ﷺ قال: «يَجمع اللهُ النَّاسَ الأولين والآخرين في صَعيد واحدٍ يُسمعهم الدَّاعي وينفذهم البصر، وتَدنو منهم الشمسُ؛ فيَبلغ النَّاس من الغَمِّ والكرب ما لا يُطيقون ولا يَحتملون؛ فيقول النَّاس: أَلَا تَرَوْن ما قد بَلَغَكم؟ ألا تَنظرون مَنْ يشفعُ لكم إلى ربِّكم؟ فيقول بعضُهم لبعض: عليكم بآدم! فيَأتونه، فيقولون له: أنت أبو البَشر، خَلَقَك اللهُ بيدِه، ونفخ فيكَ مِنْ رُوحه، وأَمَر المَلائكة فَسجدوا لك، أَلَا تَرى ما نحن فيه؟ فيقول: إنَّ رَبِّي قد غَضِب اليوم غضبًا لم يَغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنَّه نهاني عن الشجرة فَعَصَيْتُه، نفسي، نفسي، نفسي! اذهبوا إلى نُوح. فيَأتون نوحًا فيقولون: يا نوحُ، إنَّك أَوَّلُ رسولٍ إلى أهل الأرض، فقد سَمَّاك اللهُ عبدًا شكورا؛ اشفع لنا إلى ربِّك، أَلَا تَرى ما نحن فيه؟ فيقول كما قال آدم في غَضَب الله، وإنَّه قد كانت لي دعوة دعوتُها على قومي؛ اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبيُّ الله وخليلُه من أهل الأرض؛ اشفع لنا إلى ربك، أَلَا ترى ما نحن فيه؟ فيقول كما قال آدم في غضب الله، وإني قد كَذبت ثلاث كذبات؛ اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسولُ الله، فَضَّلَك الله برسالتِه وبكلامِه على النَّاس؛ اشفع لنا إلى ربك، أَلَا ترى ما نحن فيه؟ فيقول كما قال آدم في غضب الله، وإني قد قتلتُ نَفْسًا لم أُومر بقتلِها؛ اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسولُ الله وكلمتُه إلى مريم ورُوح منه، وكَلَّمت النَّاس في المَهد صبيًّا؛ اشفع لنا إلى

стр. 202

ربِّك، أَلَا ترى ما نحن فيه؟ فيقول كما قال آدم في غضب الله، ولم يذكر ذنبًا، وكلهم يقولون كما قال آدم: نفسي، نفسي، نفسي! اذهبوا إلى محمَّد. فيأتون محمَّدًا ﷺ ، فيقولون: يا محمَّد، أنتَ رسولُ الله وخاتم الأنبياء، وقد غَفَر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؛ اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فأنطلقُ، فآتِي تحتَ العَرش، فأقعُ ساجدًا لربِّي ، ثُمَّ يَفتح اللهُ عليَّ مِنْ مَحامده وحُسن الثناء عليه شيئًا لم يَفتحه على أحدٍ قَبلي، ثم يقال: يا محمَّد، ارْفَع رأسَك، سَلْ تُعْطَه، واشفع تُشَفَّع … »، الحديث (١). وأمَّا الشفاعة الثانية؛ فيَشفع في أهل الجَنَّة أن يدخلوا الجنة. وقد تقدم قريبًا الكلامُ على هذا النَّوع من شفاعته ﷺ . وهاتان الشَّفاعتان خَاصَّتان له. وله ﷺ كذلك من الشَّفاعات الخاصَّة به: شفاعته في تخفيف العذاب عن عَمِّه أبي طالب، فعن أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّه سَمع النبي ﷺ وذكر عنده عمه- فقال: «لعَلَّه تَنفعه شَفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضَحضاح من النَّار يَبلغ كعبيه، يَغلي منه دماغه» (٢). وأمَّا الشَّفاعة الثالثة فغير مُختصة به ﷺ ؛ بل له ولسائر النَّبيين والصِّدِّيقين وغيرهم؛ فيَشفع فِيمن استحقَّ النَّار أن لا يَدخلها، ويَشفع فيمن دَخَلَها أن يخرج منها؛ فعن أنسٍ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائر مِنْ أُمَّتي» (٣).

стр. 203

قال شيخُ الإسلامِ ﵀: «إنَّ أحاديثَ الشَّفاعة في أهل الكبائر ثابتةٌ مُتواترةٌ عن النَّبي ﷺ ، وقد اتَّفق عليها السَّلفُ من الصَّحابة وتَابعيهم بإحسانٍ وأئمة المسلمين، وإنَّما نازع في ذلك أهلُ البِدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم» (١). وأما في حَقِّ غيره ﷺ فقد روي عن أبي سعيد ﵁: « … فيقول الله : شَفَعَتِ المَلائكةُ، وشَفَعَ النَّبِيُّون، وشَفَعَ المُؤمنون، ولم يَبق إلَّا أرحم الرَّاحمين … » الحديث (٢). وقال شيخ الإسلام ﵀: «وقد ثَبَتَ بالسُّنَّة المُستفيضة، بل المتواترة، واتِّفاق الأمة أنَّ نبينا ﷺ الشَّافع المُشَفَّع، وأنَّه يَشفع في الخلائق يوم القيامة، وأنَّ النَّاس يَستشفعون به يطلبون منه أن يَشفع لهم إلى ربِّهم، وأنَّه يَشفع لهم. ثم اتَّفق أهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة: أنَّه يَشفع في أهل الكبائر، وأنَّه لا يُخَلَّد في النار من أهل التَّوحيد أحدٌ. وأمَّا الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعتَه لأهل الكبائر، ولم يُنكروا شفاعته للمؤمنين، وهؤلاء مُبتدعة ضُلَّال، وفي تكفيرهم نِزَاعٌ وتَفصيلٌ» (٣).

стр. 204

قال المصنف ﵀: «ويُخرجُ اللهُ مِنْ النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضلِه ورحمتِه، ويَبقى في الجنة فَضْلٌ عَمَّن دخلَها من أهل الدُّنيا؛ فيُنشئ اللهُ أقوامًا فيُدخلهم الجَنَّة. وأصنافُ ما تضمنته الدَّارُ الآخرة من الحساب والثَّواب والعِقاب والجَنَّة والنار وتفاصيل ذلك مَذكورةٌ في الكتب المُنَزَّلة من السَّماء، والآثار من العِلم المَأثور عن الأنبياء، وفي العِلم المَوروث عن محمَّدٍ ﷺ مِنْ ذلك ما يَشفي ويكفي؛ فَمَنْ ابتغاه وَجَدَه». الشرح مِنْ عظيم فضل الله على عباده ورحمتِه بهم: أنه لا يُخَلَّد في النَّار مُوَحِّد؛ قال الله ﷻ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، وجاء في حديثِ أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: « … فَيقول اللهُ: شَفَعَت الملائكةُ، وشَفَع النَّبِيُّون، وشَفَع المُؤمنون، ولم يَبْقَ إلَّا أرحمُ الرَّاحمين؛ فيَقبض، فيُخرج منها قومًا لم يَعملوا خيرًا قط» (١). ثم قال المصنف ﵀: «ويَبقى في الجَنَّة فَضْلٌ عَمَّن دَخَلَها مِنْ أهل الدُّنيا فيُنشئ اللهُ أقوامًا فيُدخلهم الجَنَّة». وهذا- أيضًا- مما يدلُّ على عظيمِ سعة رحمة الله، وعظيم فضله وإحسانه، وأنَّ رحمتَه سَبَقت غضبَه؛ إذ يُنشئ أقوامًا لِيُسكنهم

стр. 205

فضلَ الجَنَّة، ولا يُنشئ آخرين للنار التي تقول: هل من مزيد؟ فعن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تَزال جَهنم يُلقى فيها وتقول: هل مِنْ مزيد؟ حتى يَضع ربُّ العِزَّة فيها قَدَمَه؛ فيَنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، بعِزَّتك وكرمك. ولا يَزال في الجنَّة فَضْلٌ حتى يُنشئ الله لها خلقًا؛ فيُسكنهم فضلَ الجَنَّة» (١). ثم قال: «وأصنافُ ما تضمنته الدَّارُ الآخرة من الحساب والثَّواب والعِقاب والجَنَّة والنار، وتفاصيل ذلك مَذكورةٌ في الكتب المُنَزَّلة من السَّماء». فلا شكَّ أنَّ النصوص في تفاصيل ذلك كثيرة جدًّا، بل غالبًا ما يأتي الإيمانُ بالله إلا مقرونًا بالإيمان باليوم الآخر؛ لأن الدار الآخرة هي دار القرار، ودار الخلود، وينقسم العباد فيها إما إلى جنة أبدًا، وإمَّا إلى نار أبدًا، بعد أن يُخرج من النار مَنْ شاء الله بشفاعة النبي ﷺ ، وبشفاعة الشافعين، ثم بشفاعته سبحانه وهو أرحم الراحمين؛ فيُخرج منها قومًا لم يَعملوا خيرًا قط، كما سبق في الحديث، ويُخرج منها مَنْ كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «يَدخل أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ»، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا مِنْ النار مَنْ كان في قلبه مِثقال حَبَّة مِنْ خردل من إيمان؛ فيُخرجون منها قد اسَوَدُّوا، فيُلقون في نهر الحياة؛ فينبتون كما تَنبت الحِبَّة في جانب السَّيل، ألم تر أنَّها تَخرج صفراء ملتوية» (٢). وتفاصيل أهوال اليوم الآخر مَذكورةٌ في الكتب المُنَزَّلة من

стр. 206

السَّماء، والقرآن العظيم آخر الكتب المنزلة من أوله إلى آخره يدعو إلى الإيمان باليوم الآخر، ويُقيم الأدلة الكثيرة والمتنوعة على حدوثه، ويُفَصِّل فيما سيكون فيه من أهوال جِسام. وكذلك في الآثار من العِلم المَأثور عن الأنبياء، وفي العِلم المَوروث عن محمَّدٍ ﷺ مِنْ ذلك ما يَشفي ويكفي؛ مما يجعلك ترى الجنة والنار كأنها رأي عين، فتعرف عرصات ومواقف ذلك اليوم، ثم منازل أهل الجنة ومنازل أهل النار، وما يكون فيهما. ولكن شيخ الإسلام يذكر هنا عقيدة مختصرة لجملة ما سيكون في اليوم الآخر، وإلا فالتفاصيل كثيرة، وتتسع لها المجلدات.

стр. 207

قال المصنف ﵀: «وتُؤمن الفِرقةُ النَّاجيةُ (أهل السُّنَّة والجَمَاعَة) بالقَدَر؛ خَيره وشَرِّه. والإيمانُ بالقَدَر على دَرجتين؛ كل درجة تتضمن شيئين: فالدَّرجة الأولى: الإيمانُ بأنَّ اللهَ- تَعالى عليمٌ بما الخلقُ عاملون بعلمِه القديم الذي هو مَوصوفٌ به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال. ثم كَتَبَ في اللوح المَحفوظ مقاديرَ الخَلْقِ، فَأَوَّلُ ما خَلَقَ اللهُ القَلمَ قال له: اكتب. قال: ما أكتبُ؟ قال: اكتب ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة؛ فما أصاب الإنسانَ لم يكن لِيُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ جَفَّت الأقلامُ، وطُويت الصُّحف، كما قال تَعَالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقال تَعَالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وهذا التقديرُ التَّابع لِعلمه- سبحانه- يكون في مَوَاضِعَ جُملة وتفصيلًا. فقد كَتَبَ في اللَّوح المَحفوظ ما شاء، وإذا خَلَقَ جَسَدَ الجَنين قبل نَفخ الرُّوح فيه بَعَثَ إليه مَلَكًا؛ فيُؤمر بأربعِ كلماتٍ، فيقال له: اكْتُب رِزْقَه وأجلَه وعَمَلَه وشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ، ونحو ذلك. فهذا التَّقديرُ قد كان يُنكره غُلاة القدريَّة قديمًا، ومُنكروه اليوم قليلٌ». الشرح هذا ما يتعلق بالإيمان بالقدر خيره وشره، وهو أصلٌ مِنْ أُصُول اعتقادِ أهل السُّنَّة والجَمَاعَة، وركنٌ مِنْ أركان الإيمان.

стр. 208

قال العلَّامة ابنُ القيِّم ﵀: «إنَّ أهمَّ ما يَجب معرفتُه على المُكَلَّف النَّبيل فضلًا عن الفاضل الجليل ما وَرَدَ في القضاء والقَدَر والحِكمة والتَّعليل، فهو مِنْ أَسْنَى المقاصد، والإيمانُ به قُطْب رَحَى التَّوحيد ونِظامه، ومبدأُ الدِّين المُبين وخِتامه، فهو أحدُ أركان الإيمان وقاعدة أساس الإحسان التي يَرجع إليها ويَدور في جميع تصاريفه عليها، فالعدلُ قِوَام المُلك، والحِكمة مَظهر الحمد، والتَّوحيد مُتضمن لنهاية الحِكمة وكمال النِّعمة، ولا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له المُلك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ فبالقدرة والحكمة ظَهَر خَلْقُه وشَرعه المُبين؛ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]» (١). والقَدَر في اللغة: مَصدر قَدَرْتُ الشَّيء إذا أَحَطْتُ بمقداره. وهو عند أهل السُّنَّة والجَمَاعَة: قُدرة الله وعِلمه ومَشيئته وخَلقه وكتابته، فلا تتحرك ذَرَّةٌ فما فوقها إلا بمشيئته وعِلمه وقُدرته (٢). ومن أدلة القَدَر: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢]. وحديثُ جِبريل لمَّا سأل رسولَ الله ﷺ عن الإيمان، فقال له رسولُ الله ﷺ : «أن تُؤمن باللهِ ومَلائكته وكُتُبه ورُسله واليوم الآخر، وتُؤمن بالقَدَر؛ خَيره وشَرِّه» (٣).

стр. 209

وقوله ﵀: «الإيمانُ بالقَدَر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين» - بَيَّن فيه مَراتب القَدَر الأربع التي هي: (العِلم والكتابة والمَشيئة والخَلْق). فذكر هنا مراتب القَدَر، وجمع هنا بين مرتبتين؛ مرتبة العلم ومرتبة الكتابة؛ باعتبار أنهما متلازمتان، كما أنَّه بالدرحة الثانية جمع بين الخلق والمشيئة، فالقسمة إما ثنائية وإمَّا رباعية، فإذا قلت: رباعية، فتقول: (العلم، الكتابة، الخلق، المشيئة). وإذا قلت ثنائية، فتقول: (العلم، الكتابة)، أي: عَلِم ذلك وكَتَبَه، ثم خَلَقَه وشاءه. فقال: «الإيمانُ بالقَدَر على دَرجتين؛ كل درجة تتضمن شيئين: فالدَّرجة الأولى: الإيمانُ بالعلم والكتابة»؛ فالله- تَعالى علم الأشياء قبل كونها، ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما أخبر- مثلًا- عن شأن أهل النار فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]؛ فلو رُدُّوا إلى الدنيا فسيكون منهم عودة إلى ما نَهاهم الله عنه، وهذا لا يكون ولكنه لو كان فسيكون بهذه الحال، فالله علم الأشياء قبل كونها، وهو عليم بها أثناء كونها، وعليم بما سيكون، وعليم بما لم يكن لو كان كيف يكون، فسبحان مَنْ وَسِع علمُه كل شيء! فهو عليمٌ بما الخلقُ عاملون بعلمِه القديم الذي هو مَوصوفٌ به أزلًا وأبدًا؛ ونحن نؤمن أن الله متصف بجميع الصفات أزلًا وأبدًا. وغُلاة القدرية- كما أشار المصنف- يقولون والعياذ بالله-: إن الله لا يعلم أنَّ العبد سيَعمل هذا العمل إلَّا عند وقوعه. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

стр. 210

والله عالمٌ بكل شيء أزلًا، قال عبادة بن الصامت لابنه: يا بُني، إنَّك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، سمعتُ رسول الله ﷺ ، يقول: «إنَّ أول ما خَلق اللهُ القلم، فقال له: اكتب. قال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كلِّ شيء حتى تقوم الساعة»، يا بُني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ مات على غير هذا فليس مِنِّي» (١). قال المصنف: «وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال». فمقادير كلِّ شيء حتى قيام السَّاعة قد كُتبت في اللوح المحفوظ. وعن ابن عباس ﵁ ما، قال: «كنتُ خلفَ رسول الله ﷺ يومًا، فقال: «يا غلام، إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يَضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللهُ عليك، رُفِعَت الأقلام وجَفَّت الصحف» (٢). فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ فهذا سابق في القدر، سابق في علم الله، والنصوص في العلم والكتابة- بحمد الله تعالى- كثيرة وواضحة في الدلالة على هاتين المرتبتين: العلم والكتابة.

стр. 211

أنواع التقدير: ذكر ابنُ القيِّم أقسامَ التَّقدير الخمسة، وأَوْضَحَها بأدلَّتِها، وهي باختصار: التقدير الأول: تقدير المَقادير قبل خَلق السَّماوات والأرض، وهو التقدير العام الشَّامل لكل شيءٍ في اللوح المحفوظ، وقد سبق ذِكر بعض الأدلة عليه. التقدير الثاني: تقدير الرَّبِّ- ﵎ شقاوة العِباد وسَعادتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خَلْقِهم، وهو تقديرٌ ثَان بعد التقدير الأَوَّل، فعن عِمران بن حُصين قال: «قيل: يا رسول الله، عُلِمَ أهلُ الجَنَّة من أهل النَّار؟ فقال: «نَعَمْ». قيل: فَفِيم يعملُ العاملون؟ قال: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له» (١). التقدير الثالث: المُتَعَلِّق بالجنين وهو في بطن أُمِّه، وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله؛ فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حَدَّثنا رسولُ الله ﷺ وهو الصَّادقُ المَصدوقُ: «إنَّ أحدَكم ليُجمع خَلْقُه في بَطن أُمِّه أربعين يومًا، ثُمَّ يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثُمَّ يكون في ذلك مُضغةً مثل ذلك، ثُمَّ يُرسل اللهُ إليه المَلك؛ فيَنفخ فيه الرُّوح، ويُؤمر بأربع كلماتٍ؛ بكتبِ رزقِه وأجلِه وعملِه وشقي أو سعيد، فوالذي لا إلهَ غيرُه، إنَّ أحدَكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتَّى ما يكون بينه وبينها إلَّا ذراع فيَسبق عليه الكتابُ فيَعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنَّ أحدَكم لَيعمل بعمل أهلِ النَّار حتى ما يكون بينه وبينها إلَّا ذِرَاع فيَسبق عليه الكتابُ فيَعمل بعمل أهلِ الجَنَّة فيَدخلها» (٢).

стр. 212

التقدير الرابع: التقدير في ليلة القَدْر؛ قال الله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ١ - ٥]. قال أبو عبد الرَّحمن السُّلَمِيُّ: «يُقَدِّر أمرَ السَّنَة كلها في ليلة القَدْر»، وهذا هو الصَّحيح: أنَّ القَدْر مَصدر قَدَرَ الشيء يَقْدُرُهُ قَدْرًا، فهي ليلة الحُكم والتقدير. التقدير الخامس: التقدير اليَومي؛ قال تَعَالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. قال مجاهدٌ والكلبيُّ وعُبيد بن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل: «مِنْ شأنِه: أن يُحيي ويُميت، ويَرزق ويَمنع، ويَنصر، ويُعزُّ ويُذلُّ، ويَفك عانيًا، ويَشفي مريضًا، ويجيب داعيًا، ويُعطي سائلًا، ويَتوب على قومٍ، ويكشف كربًا، ويَغفر ذنبًا، ويضع أقوامًا، ويَرفع آخرين. دخل كلامُ بعضهم في بعض … ». إلى أن قال ابن القَيِّم ﵀: «فهذا تقديرٌ يوميٌّ، والذي قبله تقديرٌ حَوْلِيٌّ، والذي قبلَه تقديرٌ عُمري عند تَعَلُّق النَّفس به، والذي قبله كذلك عند أَوَّل تخليقه، وكونه مضغة، والذي قبله تقديرٌ سَابق على وجوده، لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقديرٌ سابقٌ على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق، وفي ذلك الدليل على عِلم الرَّبِّ وقُدرته وحكمته، وزيادة التعريف لملائكته وعباده المؤمنين بنفسِه وأسمائه» (١).

стр. 213

وقولُ شيخِ الإسلامِ ﵀ هنا: «فهذا التقديرُ- أي: تقدير العِلم والكتابة- قد كان يُنكره غُلَاة القدرية قديمًا، ويقولون: إنَّ الأمرَ أُنف؛ أي: أنَّ اللهَ لا يَعلم أفعالَ العباد إلا بعد وجودها. قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: «واعلم أنَّ مَذهبَ أهلِ الحَقِّ إثباتُ القَدَر، ومعناه: أنَّ الله- ﵎ قَدَّر الأشياء في القِدَم، وعَلِمَ- سبحانه- أنَّها ستقع في أوقاتٍ معلومة عنده ، وعلى صفاتٍ مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قَدَّرها ، وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه لم يُقَدِّرها، ولم يتقدم علمُه بها، وأنَّها مُستأنفة العلم، أي: إنَّما يَعلمها- سبحانه- بعد وقوعِها، وكذبوا على الله وجَلَّ عن أقوالهم الباطلة علوًّا كبيرًا. وسُمِّيت هذه الفرقةُ قدريَّة؛ لإنكارهم القَدَر؛ قال أصحابُ المَقالات من المُتَكَلِّمين: وقد انقرضت القدريةُ القائلون بهذا القول الشَّنيع الباطل، ولم يَبق أحدٌ من أهل القِبلة عليه، وصارت القدريةُ في الأزمان المتأخرة تَعتقد إثبات القَدَر، لكن يقولون: الخير من الله، والشَّرُّ مِنْ غيره» (١).

стр. 214

قال المصنف ﵀: «وأمَّا الدرجة الثانية فهي مَشيئته النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأنَّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وأنَّه ما في السموات وما في الأرض مِنْ حركة ولا سُكون إلَّا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في مُلكه إلا ما يُريد، وأنه- سبحانه- على كلِّ شيء قدير مِنْ المَوجودات والمعدومات؛ فمَا مِنْ مخلوقٍ في الأرض ولا في السَّماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالقَ غيرُه، ولا رَبَّ سِواه. ومع ذلك فقد أَمَرَ العِباد بطاعته وطاعة رسوله، ونَهاهم عن مَعصيته، وهو- سبحانه- يُحِبُّ المُتَّقِين والمُحسنين والمُقسطين، ويَرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات، ولا يُحِبُّ الكافرين، ولا يَرضى عن القوم الفاسقين، ولا يَأمر بالفحشاء، ولا يَرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد. والعِبَادُ فاعلون حقيقة، واللهُ خالقُ أفعالِهم، والعبدُ هو المُؤمن والكافر، والبَرُّ والفاجر، والمُصَلِّي والصَّائم، وللعباد قُدرة على أعمالِهم، ولهم إرادة، واللهُ خالقُهم وخَالق قُدرتهم وإرادتهم، كما قال تَعَالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩، ٢٨]. وهذه الدرجةُ من القَدَر يُكَذِّب بها عامَّةُ القَدرية الَّذين سَمَّاهم النَّبيُّ ﷺ مجوسَ هذه الأُمَّة، ويَغلو فيها قومٌ من أهل الإثبات حتى سَلَبُوا العبدَ قُدرتَه واختيارَه، ويُخرجون عن أفعالِ الله وأحكامِه

стр. 215

حِكَمَها ومَصَالِحَها». الشرح هذه الدرجة الثانية وهي كذلك قد تَضَمَّنت مَرتبتين من مراتب القَدَر، وهما: (المشيئة والخَلْق). أمَّا المَشيئة، فقد قال ابنُ القيِّم ﵀: «المرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر، وهي مرتبة المَشيئة: وهذه المرتبةُ قد دلَّ عليها إجماعُ الرُّسل مِنْ أَوَّلهم إلى آخرهم، وجميع الكُتُب المُنزلة من عند اللهِ، والفِطرة التي فَطَرَ اللهُ عليها خلقه، وأدلة العقول والبيان، وليس في الوجود مُوجب ومُقتض إلا مشيئة الله وحده؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا عمومُ التوحيد الذي لا يقوم إلا به. والمسلمون مِنْ أَوَّلِهم إلى آخرهم مُجمعون على أنَّه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يقع في مُلكه إلا ما يريد حتى وإن كان مخالفًا لأمره الشرعي، فهو أراد أن يَمتحن عباده، فجعل لهم إرادة وقدرة؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملًا؛ فمن آمن واستقام فاز، ومن كفر وعاند فقد خسر خسرانًا مبينًا؛ فتُجزى كل نفس بما عملت، فالعِبَادُ فاعلون حقيقة، واللهُ خالقُ أفعالِهم، وللعباد قُدرة على أعمالِهم، ولهم إرادة، واللهُ خالقُهم وخَالق قُدرتهم وإرادتهم، كما قال تَعَالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩، ٢٨]، وقد يريد العبدُ الشَّرَّ، ولكن الله لا يُمكنه منه؛ فكلُّ شيء داخل تحت إرادته ومَشيئته، ولا يَخرجُ العباد أبدًا في كل أمورهم عن تلك الإرادة والمشيئة؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ
следующие страницы →