← Акыда

Акыда · id 1004

التعليقات السنية على العقيدة الواسطية - محمد خليفة التميمي

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (271 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد أُورد على شيخِ الإسلام ابنِ تيمِيَّة وتلميذِه ابنِ القيِّم قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وأن المرادَ بالإنسانِ كلُّ إنسانٍ، وَلِهَذَا قَالَ في آخرِ الآيةِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، إلى أن قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤]، فهو شاملٌ. وأُوردَ عليهما- أيضًا- قولُه تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾، ثمَّ قَسَّمَ هؤلاءِ الذينَ بَلَغَت أرواحُهم الحلقومَ إِلَى ثلاثةِ أَقسامٍ، وَمِنهُمُ الكافرُ (١)، وَأَنَّ هَذِهِ الآياتِ تدلُّ عَلَى أَنَّ قُربَ اللهِ يكونُ عامًّا. فأجابَ شيخُ الإسلامِ وتلميذُهُ ابنُ القيِّمِ بأنَّ القربَ هنا هوَ قربُ الملائكةِ، معَ إقرارهِمَا أنَّ طائفةً مِنَ السَّلفِ والخلفِ قالوا: إِنَّ المقصودَ بالقربِ قربُ اللهِ بعلمِهِ وإحاطتِهِ وقُدرتِهِ. قال شيخُ الإسلام: «قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ هُوَ قُرْبُ ذَوَاتِ المَلَائِكَةِ وَقُرْبُ عِلمِ اللَّهِ؛ فَذَاتُهُمْ أَقْرَبُ إلَى قَلبِ العَبْدِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَقْرَبَ إلَى بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِ الآيَةِ: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وهذا، كقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]. فقوله: ﴿إِذْ﴾ ظرف، فأخبر أنَّهم: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] حين يَتَلَقَّى المُتلقيان ما يقول: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ قَعِيدٌ، ﴿وَعَنِ الشِّمَالِ

стр. 142

قَعِيدٌ﴾، ثُمَّ قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾؛ أي: شاهدٌ لا يُغِيب. فهذا كله خبر عن الملائكة» (١). فسياق الآيتين يدلُّ على أنَّ المرادَ هنا: الملائكةُ، فإنَّهُ قَالَ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٦ - ١٨]. فقيدُ القربِ بِهَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ زَمان تَلَقِّي المُتَلَقِّيَين؛ قعيد عنِ اليمينِ، وقعيد عنِ الشِّمالِ، وهما المَلَكَانِ الحافظانِ اللذانِ يَكتبانِ، كَمَا قَالَ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. ومعلومٌ: أنَّهُ لو كانَ المرادُ قربَ ذاتِ الربِّ لم يختصَّ ذلكَ بهذِهِ الحالِ، ولم يكن لِذِكرِ القَعِيدينِ والرَّقيب والعَتيد معنى مناسب. وَكَذَلِكَ قوله فِي الآيةِ الأخرى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥]. فلو أرادَ قربَ ذاتِه لم يخصَّ ذلكَ بهذِهِ الحالِ، ولا قالَ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾، فإنَّ هذا إنَّما يقالُ إذا كانَ هناكَ مَنْ يجوزُ أَنْ يُبصرَ في بعضِ الأحوالِ، ولكن نحنُ لا نبصرُهُ، والربُّ- تعالى- لا يراهُ في هذِهِ الحالِ ولا الملائكةِ ولا البَشر. وأيضًا، فإنه قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾، فأخبرَ عمَّن هُوَ أقربُ إلى المُحتضرِ مِنَ النَّاسِ الذينَ عندَهُ في هذِهِ الحالِ (٢).

стр. 143

قال المصنف ﵀: «وَمِنَ الإيمانِ بِاللهِ وَكُتبِهِ: الإيمانُ بِأَنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ منزَّلٌ غيرُ مخلوقٍ؛ منهُ بَدَأَ، وَإِلَيهِ يَعُودُ، وَأَنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ هَذَا القرآنَ الذي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّد ﷺ هُوَ كلامُ اللهِ حَقِيقَةً لَا كَلام غَيرِهِ، وَلَا يَجُوزُ إِطلَاقُ القَولِ بِأَنَّهُ حكايةٌ عَنْ كلامِ اللهِ أَوْ عِبَارةٌ، بَلْ إِذَا قَرأهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي المصاحفِ لَم يَخرج بِذَلِكَ عَلَى أَنْ يكونَ كلامَ اللهِ- تعالى- حَقيقةً، فَإِنَّ الكلامَ إِنَّما يُضافُ حقيقةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِأ، لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا، وَهُوَ كَلامُ اللهِ؛ حُروفُهُ ومعانيه، لَيسَ كَلام اللهِ الحُرُوف دُونَ المَعَانِي، وَلَا المَعَاني دُونَ الحُرُوفِ». الشرح صفة الكلام تأتي- من حيث الأهمية- بعد صفة العُلو لله ؛ لذلك اهتم بها أئمة السلف، وأكدوا على ثُبوتها لله تعالى حقيقة، وأوردوا في ذلك أدلة كثيرة، ودفعوا شبهات المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومَن دَار في فَلَكهم القائلين بأنَّ الله خلق القرآن في غيره، وردوا كذلك على الكلَّابية الذين قالوا: القرآن حكاية عن كلام الله، وردوا- أيضًا- على الأشاعرة الذين قالوا: القرآن عبارة عن كلام الله. فالمُعطلة أرادوا بقولهم هذا: إسقاط قيمة الوحي؛ ليصبح لدى الناس خلل في اتباع الوحي، ونحن نؤمن أن أول مصدر للتشريع هو وحي الله تعالى إلى رسوله ﷺ ، أي: كلامه بحروفه ومعانيه، وأن الله تعالى قاله بحرف وصوت.

стр. 144

ومن أركان الإيمان السِّتة: الإيمانُ بالكُتُبِ التي أنزلها اللهُ، كما دلَّ على ذلك قولُه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]، وكذلك جاء في حديث جبريل ﵇، وفيه: «الإيمان، قال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه وشَرِّه» (١). ومن الإيمانِ بالكتب: الإيمانُ بِأَنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ. والقرآنُ في الأصل: مصدر قرأ قراءة وقرآنًا؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أي: قراءته، فهو مَصدر على وزن فُعلان- بالضم- كالغُفران والشُّكران (٢). وفي الاصطلاح هو: «كلام الله المُنَزَّل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ ، المُعجز بلفظه ومعناه، المكتوب في المصاحف، المَنقول إلينا بالتواتر، المُتعبد بتلاوته، المَبدوء بسورة الفاتحة، المُختتم بسورة الناس» (٣). والقرآنُ كلامُ الله، وهو صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ؛ قال تَعَالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وروي عن جَابِر بن عبد الله ﵁ ما أنه قَالَ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفسَهُ فِي المَوْسِمِ؛ فَيَقُولُ: «أَلَا رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ؛

стр. 145

لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» (١). وَالذِي عَلَيهِ إِجماعُ السَّلفِ الصَّالحِ مِنَ الصَّحابةِ ﵃ وَالتَّابعِينَ لَهم بِإحسَانٍ: أَنَّ القرانَ كلامُ اللهِ غَيرُ مَخلوقٍ؛ حُرُوفه وَمَعَانِيه، مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ نَزَلَ بِهِ جِبريلُ ﵇ إِلَى نَبِيِّنَا ﷺ . وقالَ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية ﵀: «وَمَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَخَلَفِهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ القُرْآنَ مِنْ جِبْرِيلَ، وَجِبْرِيلُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ » (٢). ثم قال: «الآثار مُتواترة عنهم- أي: عن الصحابة والتابعين- بأنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله، ولمَّا ظهر مَنْ قال: إنه مخلوق، قالوا ردًّا لكلامه: إنه غير مخلوق، ولم يريدوا بذلك أنه مُفترى، كما ظنه بعض الناس؛ فإن أحدًا من المسلمين لم يَقل: إنه مفترى، بل هذا كفر ظاهر يَعلمه كل مسلم، وإنَّما قالوا: إنه مخلوق خلقه الله في غيره، فرَدَّ السلف هذا القول، كما تواترت الآثار عنهم بذلك، وصنفوا في ذلك مصنفات متعددة، وقالوا: «منه بدأ وإليه يعود». وأوَّل مَنْ عُرف أنه قال: مخلوق- الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان. وأول مَنْ عُرف أنه قال: هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق الذين شاركوه في هذا القول؛ فمنهم مَنْ قال: الكلام معنى واحد قائم بذات الرَّبِّ، ومعنى القرآن كله والتوراة والإنجيل وسائر كتب الله وكلامه هو ذلك المعنى الواحد الذي لا يَتعدد ولا يتبعض،

стр. 146

والقرآن العربي لم يتكلم الله به، بل هو مخلوق خلقه في غيره. وقال جمهور العقلاء: هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار؛ فإنَّه مِنْ المعلوم بصريح العقل أن معنى (آية الكرسي) ليس معنى (آية الدَّيْن)، ولا معنى ﴿قل هو الله أحد﴾ معنى ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾؛ فكيف بمعاني كلام الله كله في الكتب المنزلة وخطابه لملائكته وحسابه لعباده يوم القيامة وغير ذلك من كلامه؟! ومنهم مَنْ قال: هو حروف، أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته لم يَزل ولا يزال موصوفًا بها. وكلا الحزبين يقول: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنه لم يزل ولا يزال يقول: يا نوح، يا إبراهيم، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، ولم يقل أحد من السلف بواحد من القولين، ولم يقل أحدٌ من السلف: إنَّ هذا القرآن عبارة عن كلام الله، ولا حكاية له، ولا قال أحد منهم: إن لفظي بالقرآن قديم أو غير مخلوق، فضلًا عن أن يقول: إن صوتي به قديم أو غير مخلوق؛ بل كانوا يقولون بما دلَّ عليه الكتاب والسنة من أن هذا القرآن كلام الله، والناس يَقرءونه بأصواتهم، ويكتبونه بمدادهم، وما بين اللوحين كلام الله، وكلام الله غير مَخلوق» (١). وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀ فِي نونيتِهِ: وَكَذِلِكَ القرآنُ عَينُ كَلَامِهِ الـ … مَسمُوع مِنهُ حَقِيقَة بِبَيَانِ هُوَ قَولُ رَبِّي كُلُّهُ لَا بَعضُهُ … لَفظًا وَمَعنًى مَا هُمَا خَلْقَانِ تَنزيلُ ربِّ العَالَمِينَ وَقَولُهُ … الَّلفظُ وَالمَعنَى بِلَا رَوَغَانِ

стр. 147

وأما المعتزلة والجهمية فقالوا: القرآن كلام الله مخلوق؛ فهم أضافوا الكلام إلى الله من باب إضافة الوصف على حد قولهم: (ناقة الله). ومن المتفلسفة مَنْ يزعم أن المعاني والحروف تأليفه؛ لكنها فاضت عليه كما يفيض العلم على غيره من العلماء. وقال شيخُ الإسلام: «وَاَلَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ: أَنَّ القُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَإِنَّمَا قَالَ السَّلَفُ: «مِنْهُ بَدَأَ» لِأَنَّ الجَهْمِيَّة- مِنْ المُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ- كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ خَلَقَ الكَلَامَ فِي المَحَلِّ. فَقَالَ السَّلَفُ: «مِنْهُ بَدَأَ». أَيْ: هُوَ المُتَكَلِّمُ بِهِ؛ فَمِنْهُ بَدَأَ، لَا مِنْ بَعْضِ المَخْلُوقَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]. وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: «إلَيْهِ يَعُودُ»: أَنَّهُ يُرْفَعُ مِنْ الصُّدُورِ وَالمَصَاحِفِ؛ فَلَا يَبْقَى فِي الصُّدُورِ مِنْهُ آيَةٌ وَلَا مِنْهُ حَرْفٌ، كَمَا جَاءَ فِي عِدَّةِ آثارٍ» (١). وأمَّا قوله ﵀: «وَأَنَّ هَذَا القُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً، لَا كَلَام غَيْرِهِ» - فيريدُ به شيخُ الإسلامِ: أنَّ اللهَ تكلَّمَ بالقرآنِ حقيقةً، وَأَنَّهُ لَيسَ بِكَلَامِ جبريل، وَلَا كلامِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ . وفي قوله ﵀: «وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ القَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ عِبَارَةٌ» - يُشير به إِلَى الكُلَّابيَّة الذينَ قالوا: إِنَّهُ حكايةٌ، وَإِلَى

стр. 148

الأشاعرةِ الذينَ قالوا: إِنَّهُ عبارةٌ، فالكُلَّابيَّة والأشاعرةُ متفقونَ عَلَى أنَّ هَذَا القرآنَ الذي بَينَ أيدينَا ليسَ كلامَ اللهِ، بَلْ هُوَ إِمَّا حِكَاية أَوْ عبارَة؛ فَالأشاعرةُ يقولونَ: إِنَّ اللهَ عَبَّرَ عن كلامِهِ النفسِيِّ بحروفٍ وَأصواتٍ مخلوقةٍ. والكُلَابيَّة يقولونَ: إنَّ القرآنَ معنى قائم بذاتِ اللهِ، وأنَّهُ لا يُسْمَعُ عَلَى الحقيقةِ، والحروفُ والأصواتُ حكايةٌ لَهُ ودالَّةٌ عَلَيهِ، كَمَا يَحْكِي الصَّدَى كلامَ المتكلِّمِ. وقوله ﵀: «بَلْ إذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي المَصَاحِفِ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ حَقِيقَةً؛ فَإِنَّ الكَلَامَ إنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا» - يريدُ به شيخُ الإسلامِ ﵀: أنَّ القرآنَ- وإن حُفِظَ في الصُّدورِ، أو تُلِي بالألسنِ، أو كُتِبَ في المَصاحفِ، أو سُمِعَ بالآذانِ- فإنَّ ذلكَ لا يُخرجُهُ عن كونِهِ كلام اللهِ وإن بلغهُ الرسولُ المَلَكِي جبريلُ للرَّسولِ البشريِّ محمَّدٍ ﷺ ، وبلغَهُ نبينا محمَّد ﷺ لأُمَّتِهِ، فإنَّ الكلامَ إنَّما يُضَافُ حقيقةً إلى مَنْ قالَهُ مُبتدئًا، لا إِلَى مَنْ قالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا. قال العلَّامةُ ابنُ عُثَيمين ﵀: «قوله: «هو كلامُ الله؛ حُرُوفه ومَعانيه» - هذا مذهبُ أهلِ السُّنَّة والجَمَاعَة. قالوا: إنَّ اللهَ- تَعَالَى- تَكَلَّمَ بالقرآنِ بِحُرُوفِهِ وَمَعانِيهِ. وقوله: «ليس كلامُ الله الحُرُوفُ دون المعاني». وهذا مذهبُ المعتزلَةِ وَالجهميَّةِ؛ لِأَنَّهُم يقولونَ: إِنَّ الكلامَ ليسَ معنًى يقومُ بذاتِ اللهِ، بل هُوَ شيءٌ مِنْ مَخلوقَاتِهِ؛ كَالسماءِ والأرضِ والناقةِ والبيتِ، وما أشبهَ ذلكَ؛ فليسَ معنًى قائمًا فِي نفسِهِ، فكلامُ اللهِ حروفٌ خَلَقهَا اللهُ ، وَسَمَّاها كلامًا، كَمَا خَلَقَ الناقةَ، وسمَّاهَا ناقة اللهِ، وَكَمَا

стр. 149

خَلَق البيتَ، وَسَمَّاه بَيت اللهِ. وَلِهَذَا كانَ الكلامُ عندَ الجهميَّةِ والمعتزِلَةِ هُوَ الحروفُ؛ لِأَنَّ كلامَ اللهِ عندَهُم عبارةٌ عَنْ حروفٍ وأصواتٍ خَلَقَهَا اللهُ ، وَنَسَبَهَا إِلَيهِ تَشريفًا وَتَعظِيمًا. قوله: «ولا المَعاني دون الحُرُوف»: وَهَذَا مَذهَبُ الكُلَابيَّةِ وَالأشعَرِيَّةِ؛ فَكَلامُ اللهِ عِنْدَهُمْ مَعنًى فِي نَفسِهِ، ثُمَّ خَلَقَ أَصوَاتًا وَحُرُوفًا تَدُلُّ عَلَى هَذَا المَعنَى؛ إِمَّا عِبَارة أَوْ حِكَايَة. واعلم أنَّ ابنَ القيِّمِ ﵀ ذَكرَ أَنَّنَا إِذَا أَنكَرنَا أَنَّ اللهَ يتكلَّمُ فَقَد أَبطَلنَا الشَّرعَ والقَدَر. أَمَّا الشرعُ؛ فَلِأَنَّ الرِّسالاتِ إِنَّمَا جَاءَت بِالوَحي، وَالوَحي كَلامٌ مُبَلَّغٌ إِلَى المُرْسَلِ إِلَيهِ، فَإِذَا نَفَينَا الكلامَ انتفَى الوحيُ، وإذا انتَفَى الوَحيُ انتَفَى الشرعُ. أَمَّا القَدرُ؛ فَلِأَنَّ الخَلقَ يَقَعُ بِأَمرِهِ بِقَولِهِ: «كن»؛ فيكون، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]» (١). وكل الأقوال الباطلة المخالفة لمعتقد أهل السنة- ظهرت بعد عهد الصحابة الذي كان سليمًا من الشوائب والانحرافات المشئومة، ولم يُحْدِث القول بخلق القرآن إلا الجهمية من المعتزلة، وهو مِنْ أعظم الفتن التي مَرَّت بها الأمة الإسلامية في تاريحها، وكان أول من أحدث القول بخلق القرآن هو (الجعد بن درهم) سنة أربع وعشرين ومائة هجرية، ولما هلك أخذ الراية من بعده (الجهم بن

стр. 150

صفوان) سنة ثمان وعشرين ومائة هجرية. ولمَّا بدأ القرن الثالث الهجري تولى نشر هذه البدعة بِشر بن غياث المريسي سنة ثماني عشرة ومائتين هجرية، ثم تلقاها أحمد بن أبي دؤاد سنة أربعين ومائتين هجرية، وزَيَّنها للمأمون حتى اعتنقها، وحمل الناس عليها وأكرههم على اعتقادها، وحذا حذوه مِنْ بعده أخوه المعتصم والواثق. وفي زمن هؤلاء الثلاثة الخلفاء العباسيين نزلت المحنة والبلاء بعلماء أهل السنة والجماعة الذين ثبتوا في اعتقادهم على منهج السلف ورَدُّوا كيد المعتزلة في نحورهم ببيان الحق في كلام الله تعالى، حتى إن الإمام أحمد ﵀ ضُرِب في هذه المحنة؛ كي يَحصلوا منه على أدنى كلمة تُوافق مذهب الاعتزال- فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا، فثبت- ﵀ على التمسك بعقيدة السلف الصالح حتى كان سببًا في حفظ العقيدة السلفية الصحيحة التي حماها الله من التلوث ببراثن الجهمية والمعتزلة، وبيَّن ﵀ بموقفه ذلك بُطلان ما دَبَّره الجهمية والمعتزلة من الكيد للإسلام، فبلغ الأمة فساد قولهم بأن القرآن مخلوق، ولم ترتفع تلك الفتنة، وهي فتنة القول بخلق القرآن إلَّا في زمن المتوكل سنة أربع وثلاثين ومائتين، وبسبب تلك المحنة التي امتُحن فيها أئمةُ الإسلام، وثَبَت فيها إمامُ أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل تَنازع الناسُ في القرآن نزاعًا كبيرًا (١).

стр. 151

قال المصنف ﵀: «وَقَدْ دَخَلَ- أيضًا- فِيما ذَكرنَاهُ مِنَ الإيمانِ بِهِ وَبِكتبِهِ وَبِملائكتِهِ وَرسلِهِ- الإيمانُ بِأَنَّ المؤمنينَ يَرونَهُ يومَ القيامةِ عِيَانًا بِأَبصَارِهِم، كَمَا يَرونَ الشَّمسَ صَحْوًا لَيسَ دُونَها سَحَابٌ، وَكَمَا يَرَونَ القَمَرَ لَيلَةَ البَدرِ لَا يُضَامُونَ فِي رُؤيَتِهِ. يَرَونَهُ- سبحانه- وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ القيامةِ، ثمَّ يَرَوْنَه بَعدَ دخولِ الجنَّةِ كَمَا يَشاءُ اللهُ». الشرح هذه المسألة يُلحقونها في باب الصِّفات، وهي تتعلق برؤية العبد لربه، ولكنهم يُلحقونها بباب الصفات، مع أن البحث في رؤية العبد لربه وليس العكس. ومسألة رؤية الله مُتشعبة؛ إذ تشتمل على ما يتعلق برؤيته في الدنيا عيانًا، ورؤيته جل وعلا منامًا، ورؤية النبي ﷺ لربِّه ليلة المعراج، ورؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وفي الجنة، وكذلك رؤية المنافقين والكافرين له ﷻ يوم القيامة. أولًا: رؤية الله في الدنيا يقظة: رؤية الله في الدنيا يقظة غير واقعة شرعًا، وغير مُمكنة، وقد اتفقت الأمةُ على أن الله تعالى لا يراه أحدٌ في الدنيا بعينه، ولم ينازعوا في ذلك إلا ما شَذَّ من بعض غُلاة الصُّوفية؛ فقد زعموا أنه يجوز رؤية الله في الدنيا، وأنه يَزورهم ويَزورونه في الحضرة الإلهية

стр. 152

ويَرَوْنه (١)، وهؤلاء لا عبرة بخلافهم؛ إذ كله كذب ودجل. ومَن ادَّعى رؤية الله في الدنيا بعيني رأسه فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة، وهو ضالٌّ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ في ردِّه على مَنْ زعم رؤية الله في الدنيا يقظة: «مَنْ قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضالٌّ، مُخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، لا سيما إذا ادَّعوا أنهم أفضل مِنْ موسى، فإن هؤلاء يُستتابون، فإن تابوا وإلا قُتلوا» (٢). وقد بَيَّن- ﵀ علة عدم إمكان رؤية الله في الدنيا بالعين، حيث قال: «وإنَّما لم نَره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤيا، فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها لا لامتناع في ذات المرئي، بل لعجز الرَّائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قُوى الآدميين حتى أطاقهم رؤيته، ولهذا لما تجلى الله للجبل خَرَّ موسى صعقًا، قال: سبحانك! تُبت إليك، وأنا أول المؤمنين بأنَّه لا يراك حيٌّ إلا مات، ولا يابس إلا تَدَهْدَه، ولهذا كان البشر يَعجزون عن رؤية المَلَك في صورته إلَّا مَنْ أيده الله، كما أيَّد نبينا ﷺ » (٣). والأدلة التي استند عليها أهل السنة في إجماعهم على عدم وقوع رؤية الله في الدنيا يقظة- كثيرة؛ منها: قول النبي ﷺ كما في «صحيح مسلم»: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يرى

стр. 153

أحدٌ مِنكم ربه- حتى يَموت» (١)، فهو صريح في عدم وقوع الرؤية البصرية لأحد من الناس لله جل وعلا في هذه الدار الدنيا حتى ولو كان نبيًّا؛ لأن الله-جل وعلا- قد مَنع موسى- ﵇ مِنْ أن يَرَاه، وهو أحد أُولي العزم من الرسل، فكيف بمن دونه مِنْ سائر المؤمنين؟! فإن الله- جل وعلا- لما قال له موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] فمنعه من أن يراه، وفي قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي: لما تجلى الله للجبل تدكدك ولم يَثبت، فكيف يَثبت البشر الضعيف؟! ثانيًا: رؤية الله- في المنام: ذهب جمهور العلماء إلى جواز رؤية الله في المنام، وأنها قد تقع صحيحة، بل ذكر القاضي عياض- ﵀ اتفاق العلماء على هذه المسألة؛ فقال: «ولم يختلف العلماء في جواز صحة رؤية الله في المنام» (٢). وقال الإمام البَغوي ﵀: «رؤية الله في المنام جائزة؛ قال معاذ عن النبي ﷺ : «إني نَعست فرأيت ربِّي»، وتكون رؤيته-جَلَّت قُدرته- ظهور العدل والفرج والخصب والخير لأهل ذلك الموضع، فإن رآه فوعد له جنة، أو مغفرة، أو نجاة من النار، فقوله حق، ووعده صدق، وإن رآه ينظر إليه فهو رحمته، وإن رآه معرضًا عنه فهو تحذير من الذنوب؛ لقوله : ﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وإن أعطاه شيئًا من متاع الدنيا فأخذه، فهو بلاء ومحن وأسقام تصيب بدنه، يَعظم بها أجرُه، لا يَزال

стр. 154

يضطرب فيها حتى يُؤديه إلى الرحمة، وحسن العاقبة» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومن رأى الله- في المنام فإنَّه يراه في صورة من الصور بحسب حال الرَّائي؛ إن كان صالحًا رآه في صورة حسنة، ولهذا رآه النبي ﷺ في أحسن صورة … » (٢). وقال في موضع آخر: «وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صورة متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحاً لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يُشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق … » (٣). وقال الإمام ابن كثير ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص: ٦٩]: «فأمَّا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: « … فإذا أنا بربي- في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب». أعادها ثلاثًا، «فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري، فتجلى لي كل شيء وعرفتُ … »، فهو حديث المنام المَشهور، ومَن جعله يقظة فقد غَلط، وهو في السُّنن من طرق» (٤). ثالثًا: رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج: بعد اتفاق أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا يقظة فقد اختلفوا في رؤية نبينا ﷺ ربه ليلة المعراج؛ قال الإمام ابن القيم: «حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب (الرؤية)

стр. 155

له: إجماع الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عباس فيمن قال ذلك، وشيخنا- أي: ابن تيمية- يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل: رآه بعيني رأسه، وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال: إنه ﷺ رآه ، ولم يقل: بعيني رأسه، ولفظ أحمد لفظ ابن عباس ﵁ ما، ويدل على صحة ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر ﵁ قوله ﷺ في الحديث الآخر: «حجابُه النُّورُ» (١)، فهذا النور هو- والله أعلم- النور المذكور في حديث أبي ذر ﵁: «رأيتُ نُورًا» (٢)» (٣). وهو ما رجَّحه- أيضًا- شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»، حيث قال ﵀: «ولم يتنازعوا إلا في النبي ﷺ خاصة مع أن جماهير الأئمة على أنَّه لم يَره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دَلَّت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ والصحابة وأئمة المسلمين، ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما أنهم قالوا: إن محمدًا رأى ربه بعينه، بل الثابت عنهم إمَّا إطلاق الرؤية، وإمَّا تقييدها بالفؤاد، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه، وقوله: «أتاني البارحةَ رَبِّي في أحسن صورة» (٤) الحديث الذي رواه الترمذي وغيره إنما كان بالمدينة في المنام هكذا جاءمفسرًا» (٥). فحملوا الآثار المُطلقة الواردة في الرؤية؛ كأثر ابن عباس: «رأى محمدٌ ربَّه» - على الرؤية القلبية، وحملوا الآثار النافية للرؤية؛ كأثر

стр. 156

عائشة ﵁ ا- على الرؤية البصرية؛ لأنه- من خلال التَّتبع- لم يَرِد عن أحد منهم أنه قال: رآه بعينه، وعليه فلا تعارض بين هذه النصوص. رابعًا: رؤية الله- في الآخرة: وأما في الآخرة فهي جائزة عقلًا وواقعة شرعًا، ولا يَرِد على هذا قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فقد استدل به المعتزلة على نفي الرؤية مطلقًا، مع أن المراد بالآية ليس نفي الرؤية، وإنما المراد نفي الإدراك؛ لأنها سِيقت مساق المدح، ولو كان المراد نفي الرؤية لما كان في ذلك مدح؛ لأن المعدوم هو الذي لا يُرَى، والكمال في إثبات الرؤية هو نفي الإدراك؛ لأن النفي المحض لا يأتي في صفات الله، وإنما الذي يأتي هو النفي الذي يستلزم إثبات ضده من الكمال. فالمعنى: أنه يُرى ولا يحاط به رؤيةً، فـ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؛ لكمال عظمته، كما أنه يُعلم ولا يُحاط به علمًا لكمال عظمته، و ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾؛ لكمال قوته واقتداره، وهكذا. وقد ورد عن بعض السلف أن الآية تفيد نفي الرؤية في الدنيا، فروى ابن كثير عن إسماعيل بن علية في قول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ أنه قال: «هذا في الدنيا». وقد ذهب الآخرون إلى أن هذا النفي العام لرؤية جميع الأبصار له مُخَصَّصٌ بما ثبت من رؤية المؤمنين له جل وعلا في الآخرة (١). وقال ابنُ القيِّم ﵀: «دلَّ الكتابُ والسنَّةُ المُتواتِرَةُ وَإجماعُ الصَّحابةِ وأئمةُ أهلِ الإسلامِ والحديثِ عَلَى أَنَّ اللهَ يُرى يومَ القيامَةِ

стр. 157

بِالأبصارِ عِيَانًا، كَمَا يُرى القَمَرُ ليلةَ البدرِ صَحْوًا، وَكَمَا تُرى الشَّمسُ في الظَّهيرة، فَإِنْ كَانَ مَا أَخبَرَ به اللهُ وَرَسُوله عنه من ذلك حَقِيقَةً- وإنَّ له والله حقَّ الحقيقة- فَلَا يُمكِنُ أن يَروهُ إِلَّا مِنْ فَوقِهم؛ لاستِحَالَةِ أَنْ يَروهُ أسفل منهم، أو مِنْ خلفهم، أَوْ أمامهم، وَنَحو ذَلِكَ … ، فلَا يَجتَمِعُ فِي قَلبِ العبد بعد الاطلاع عَلَى هَذِهِ الأَحَادِيث وَفَهِمَ مَعنَاهَا إنكارُها والشهادةُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ أَبَدًا» (١). أ- رؤية المؤمنين لربِّهم جل وعلا: بَيَّن المصنفُ ﵀ هنا أنه قَدْ دَخَلَ فِي الإيمانِ باللهِ وَكُتبِهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسلِهِ: الإيمانُ بِأَنَّ المُؤمِنِينَ يرونَهُ يومَ القيامةِ؛ فَمَنِ لَم يُؤمن بِأَنَّهُ- سبحانه- يُرَى يومَ القيامةِ فَقَد رَدَّ أَدِلَّةَ الكتابِ والسُّنَّةِ، وَخَالَفَ مَا عَلَيهِ سَلفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتها، وَلَم يُؤمن بِاللهِ وَمَلائكتِهِ وكتبِهِ وَرسلِهِ. فالله سيخص المؤمنين بمزيد من الإنعام يوم القيامة، وهو رؤيته جل وعلا، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله: «هَلْ تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «هل تُضارون في الشَّمس ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنَّكم ترونه كذلك … »، الحديث (٢). وسيخصهم في الجنة بأعظم نعمة أنعم عليهم بها؛ ألا وهي تشريفهم وإكرامهم بالنظر إلى وجهه الكريم في جنة عدن، كما قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].

стр. 158

وقال تعالى عن الكافرين: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥]. قال الإمامُ الشافعيُّ: «فَدَلَّ هذا على أنَّ المؤمنين لا يُحجبون عنه ﵎». وقال جل شأنه: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ [ق: ٣٥]. فالمزيد هنا هو: النَّظر إلى وجه الله ، كما فسَّره بذلك علي وأنس بن مالك ﵁ ما. وقال سبحانه: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦]. فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم، كما فَسَّرها بذلك رسول الله ﷺ بقوله: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ! فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا اعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِم مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ، وهي الزيادة، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾» (١). قال الإمام ابن كثير ﵀: «وأمَّا السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي ﷺ : أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه .. آمين (٢). ب- رؤية الكفار والمنافقين لربِّهم جل وعلا: أَمَّا الكفارُ والمُنَافِقِينَ، فَقَد ذكر شيخُ الإسلام أنَّ الناسَ قد

стр. 159

تَنَازَعَوا في ذلك على ثَلَاثَةِ أَقوالٍ؛ فقال: «فَأَمَّا مَسْأَلَةُ رُؤْيَةِ الكُفَّارِ فَأَوَّلُ مَا انْتَشَرَ الكَلَامُ فِيهَا، وَتَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا- فِيمَا بَلَغَنَا- بَعْدَ ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ الهِجْرَةِ، وَأَمْسَكَ عَنْ الكَلَامِ فِي هَذَا قَوْمٌ مِنْ العُلَمَاءِ، وَتَكَلَّمَ فِيهَا آخَرُونَ؛ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، مَعَ أَنِّي مَا عَلِمْت أَنَّ أُولَئِكَ المُخْتَلِفِينَ فِيهَا تَلَاعَنُوا وَلَا تَهَاجَرُوا فِيهَا؛ إذْ فِي الفِرَقِ الثَّلَاثَةِ قَوْمٌ فِيهِمْ فَضْلٌ، وَهُمْ أَصْحَابُ سُنَّةٍ». ثم قال ﵀: «وَالأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي (رُؤْيَة الكُفَّارِ): أَحَدُهَا: أَنَّ الكُفَّارَ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ بِحَالِ؛ لَا المُظْهِرُ لِلكُفْرِ، وَلَا المُسِرُّ لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ العُلَمَاءِ المُتَأَخِّرِينَ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ عُمُومُ كَلَامِ المُتَقَدِّمِينَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَرَاهُ مَنْ أَظْهَرَ التَّوْحِيدَ مِنْ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ، وَمُنَافِقِيهَا، وَغَبَرَاتٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَذَلِكَ فِي عَرْصَةِ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْ المُنَافِقِينَ، فَلَا يَرَوْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ خُزَيْمَة مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى نَحْوَهُ فِي حَدِيثِ إتْيَانِهِ لَهُمْ فِي المَوْقِفِ؛ الحَدِيث المَشْهُور. الثَّالِثُ: أَنَّ الكُفَّارَ يَرَوْنَهُ رُؤْيَةَ تَعْرِيفٍ وَتَعْذِيبٍ؛ كَاللِّصِّ إذَا رَأَى السُّلطَانَ، ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْهُمْ؛ لِيَعْظُمَ عَذَابُهُمْ، وَيَشْتَدَّ عِقَابُهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَوْلِ غَيْرِهِمْ؛ وَهُمْ فِي الأُصُولِ مُنْتَسِبُونَ إلَى الإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِلَى سَهْل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّسْتري» (١). وممَّن رَجَّحَ رؤيَةَ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ للهِ فِي عَرَصاتِ القيامةِ العَلَّامةُ ابنُ القيِّم ﵀ فِي «حادي الأرواح» (ص ٢٦٢).

стр. 160

قال المصنف ﵀: «وَمِنَ الإِيمَانِ بِاليَومِ الآخرِ: الإيمان بِكُلِّ مَا أَخبَرَ بِهِ النَّبيُّ ﷺ مِمَّا يَكونُ بَعدَ المَوتِ ؛ فَيُؤمِنُونَ بِفِتنَةِ القَبرِ، وَبِعَذَابِ القَبرِ وَنَعِيمِهِ. فَيُؤمِنُونَ بِفِتنَةِ القَبرِ، وَبِعَذابِ القَبرِ وَنَعِيمِهِ؛ فَأَمَّا الفِتنَةُ فَإِنَّ النَّاسَ يُفتَنُونَ فِي قُبُورِهِم فَيُقَالِ للرَّجُلِ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، فَيقُولُ المُؤمِنُ: رَبِّيَ اللهُ، وَدِينِيَ الإسلامُ، وَمُحَمَّد ﷺ نَبِيِّي. وَأَمَّا المُرتابُ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدرِي، سَمِعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيئًا فَقُلتُهُ! فَيُضرِبُ بِمرزبَّةٍ مِنْ حَدِيدٍ؛ فَيَصِيحُ صَيحَةً يَسمَعُهَا كُلُّ شَيءٍ إِلَّا الإنسان، وَلَو سَمِعَهَا لَصُعِقَ». الشرح ذكر المصنف ﵀ هنا الإِيمَان بالدار الآخرة، وتبدأ بأول منازلها بخروج الروح من الجسد، ثم ما يكون في القبر من فتنة، وأحوال الناس فيها بين مُثَبَّت ومُضَل، وما يترتب على هذه الفتنة من نعيم أو عذاب. فقال شَيخُ الإِسلَامِ ﵀: «وَمِنَ الإِيمَانِ بِاليَومِ الآخرِ: الإيمان بِكُلِّ مَا أَخبَرَ بِهِ النَّبيُّ ﷺ مِمَّا يَكونُ بَعدَ المَوتِ؛ فَيُؤمِنُونَ بِفِتنَةِ القَبرِ، وَبِعَذَابِ القَبرِ وَنَعِيمِهِ». واليوم الآخر سُمِّي كذلك؛ لتأخُّرِهِ عَنِ الدُّنيا. وَقِيلَ: لأنَّهُ لا يومَ بَعدَهُ، فَهُوَ آخرُ المراحِلِ، وسينقسم الناس فيه إلى فريقين؛ فريق

стр. 161

في الجنة وفريق في السعير. وقد اتَّفَقَت جَمِيعُ الشَّرائع السَّمَاويَّةِ على الإيمان باليوم الآخر؛ قَالَ الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]. وهذا مما يؤيده العَقلُ السَّليمُ والفِطرَةُ السَّويةُ؛ إذ ما خلق الله هذا الخلق عبثًا، وهو لن يتركهم هملًا بلا حساب على ما اقترفوه في هذا الحياة، بل من مقتضى عدله جل وعلا أن يجمع الأَوَّلين والآخرين للحساب والعرض، والقصاص من الظالم للمظلوم؛ قال ﷻ : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]، وقال جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الانبياء: ٤٧]. وقد دلَّ على سؤال القبر وما يكون فيه من نَعيم أو عذاب- بعض الآيات والسُّنَّة المُتواترة وكذلك إجماع أهل السُّنَّة والجَمَاعَة. أمَّا دلالة القرآن؛ فمنها: قوله تعالى في قصة آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. قال الحافظ ابن كثير: «وهذه الآية أصلٌ كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور» (١).

стр. 162

وقال العلامة الفوزان: «هذا في البرزخ قبل الآخرة؛ يُعرضون على النَّار صباحًا ومساء إلى أن تقوم الساعة، وهذا دليلٌ على عذاب القبر، والعياذ بالله، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] هذه ثلاثة عقوبات: الأولى: أنَّ الله أغرقهم ومحاهم عن آخرهم في لحظة واحدة. الثاني: أنَّهم يُعَذَّبون في البرزخ إلى أن تقوم الساعة. الثَّالثة: أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يدخلون أشد العذاب، والعياذ بالله» (١). ومنها: قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]. قال ابنُ تيمِيَّة: «قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ العُلَمَاءِ: المَرَّةُ الأُولَى فِي الدُّنْيَا، وَالثَّانِيَةُ فِي البَرْزَخِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ فِي الآخِرَةِ» (٢). ومنها: وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. وهذا خطابٌ لهم عند الَموت، وقد أخبر الملائكة- وهم الصادقون- أنَّهم حينئذ يُجزون عذاب الهون، ولو تأخَّر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا؛ لما صَحَّ أن يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾؛ فدل على أنَّ المراد به عذاب القبر (٣). وأمَّا السُّنَّة: فإنها متواترةٌ في ذلك، كما قال الحافظُ ابنُ رَجَب ﵀: «وقد تَوَاتَرَت الأحاديثُ في عذاب القبر» (٤).

стр. 163

وقال ابنُ أبي العِزِّ ﵀: «وقد تواترت الأخبارُ عن رسول الله ﷺ في ثُبُوت عذاب القبر ونعيمه لِمَنْ كان أهلًا» (١). وأمَّا الإجماعُ، فقد قال ابن تيمِيَّة ﵀: «فَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: أَنَّ المَيِّتَ إذَا مَاتَ يَكُونُ فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ» (٢). وقال أيضًا: «العَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى النَّفْسِ وَالبَدَنِ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ» (٣). وقال ابن القيِّم ﵀: «وَهَذَا كَمَا أنه مُقْتَضى السُّنَّة الصَّحِيحَة فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَين أهل السُّنَّة. قَالَ المروزي: قَالَ أَبُو عبد الله: عَذَاب القَبْر حقٌّ، لَا يُنكره إِلَّا ضالٌّ أَوْ مُضِلٌّ» (٤). والإنسانُ بمجرد موتِه يدخل فِي اليومِ الآخرِ بالنِّسبة له، وَلِهَذَا يُقَالُ: مَنْ مَاتَ قَامَت قِيَامَتُهُ. وقد ذكر شيخُ الإسلامِ ﵀ هُنَا مَسأَلَتَينِ عَظيمَتَينِ: الأولى: فِتنَةُ القَبر، والثانية: مَا يَكُونُ بَعدَ تِلكَ الفِتنَةِ مِنْ نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ.

стр. 164

المَسأَلَةُ الأُولى: فِتنَةُ القَبر: قَالَ شَيخُ الإسلامِ ابن تيمِيَّة ﵀: «وَأَمَّا الفِتْنَةُ فِي القُبُورِ فَهِيَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ لِلمَيِّتِ حِينَ يَسْأَلُهُ المَلَكَانِ» (١). وقَد رَوَت أَسمَاءُ بِنت أَبِي بَكر ﵂ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ قَرِيبًا، أَوْ مِثْل فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (٢). وعن عثمانَ بن عفَّان ﵁ قالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا فَرغَ مِنْ دَفنِ الميتِ وَقَفَ عليهِ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ» (٣). وَعَنْ أَبِي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يدعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (٤). وعن البرَاءِ بنِ عَازب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «إِنَّ العَبدَ المُؤمِنَ فِي قَبْرِهِ تُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ؛ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ؛ فَآمَنْتُ بِهِ، وَصَدَّقْتُ به … ». إِلَى أَنْ قَالَ فِي العَبدِ الكَافِرِ: «فتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ

стр. 165

مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدْرِي» (١). وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ التي بَلَغَت مَبلَغَ التَّوَاتُرِ. قَالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيمِيَّة ﵀: «وَقَدْ تَوَاتَرَت الأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الفِتْنَةِ مِنْ حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عَازِبٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ ﵃» (٢). وَقوله: «مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟» - هَذِهِ الأسئلة الثلاثة الِتي تُوَجَّهُ للمَيِّتِ فِي قَبرِهِ؛ قال العلَّامةُ ابنُ عُثَيمين ﵀: «يَعنِي: مَنْ رَبُّكَ الذِي خَلَقَكَ وَتعبدُهُ وَتَخصُّهُ بِالعِبَادَةِ؟ لِأَجلِ أَنْ تَنتَظِمَ هَذِهِ الكَلمةُ توحيد الربوبيَّةِ، وَتوحيد الألوهيَّةِ. و «المُرتاب»: الشَّاكُّ والمُنافقُ وشبههمَا، «فَيَقُولُ: هَاه هَاه؛ لَا أَدْري، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلتُهُ»، يعني: لم يَلجِ الإيمانُ قلبَهُ، وإنَّمَا كانَ يقولُ كما يقولُ النَّاسُ مِنْ غيرِ أن يَصِلَ الإيمانُ إلى قلبِهِ. وَتَأَمَّل قولَهُ: «هاه هاه» كأنَّ شيئًا غَابَ عنهُ يريدُ أن يَتذكرَه، وَهَذا أشدُّ في التَّحَسُّرِ أن يتخيَّلَ أنَّهُ يَعْرِفُ الجوابَ، ولكن يُحالُ بينهُ وبينهُ، ويقولُ: «هاه هاه»، ثمَّ يقولُ: «سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُهُ»، وَلَا يقولُ: رَبِّيَ الله، وَلَا ديني الإسلام، وَلَا نَبِيِّ محمَّد؛ لأَنَّهُ فِي الدُّنيا مُرتابٌ شاكٌّ. هذا إِذَا سُئِلَ فِي قَبرِهِ وَصَارَ أحوج مَا يكونُ إِلَى الجَوَابِ

стр. 166

الصَّوَابِ يَعجزُ، وَيَقولُ: «لَا أدري سَمِعتُ النَّاسَ يقولونَ شَيئًا فقلتُهُ». إِذًا؛ إيمانُه قولٌ فَقَط» (١). وقولُ شيخِ الإسلامِ ﵀: «فَيُضرِبُ بِمرزَبَّةٍ مِنْ حديدٍ؛ فيصيحَ صحيةً يسمعهَا كُلُّ شيءٍ إِلَّا الإنسان، وَلَو سَمِعَها لصعقَ» - يُشير إلى حديث أنس ﵁، وفيه: «وأمَّا المُنافق والكافر فيُقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنتُ أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ويُضرب بمطارقَ من حديد ضربةً؛ فيَصِيحُ صَيحةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيرَ الثَّقَلينِ» (٢)، والثَّقلان: هُمْ الإنسُ والجنُّ. قالَ ابنُ عُثَيمين ﵀: «فيُضرب»: يَعني الذِي لم يُجِب، سواء كانَ الكافرَ أو المنافقَ، والضارب لَهُ المَلَكَانِ اللذانِ يَسألانِهِ. والمرزبَّةُ: هِيَ مِطرقةٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بعضِ الرواياتِ: أَنَّهُ لَوِ اجتَمَعَ عَلَيهَا أَهلُ مِنى مَا أَقَلُّوها، فَإِذَا ضُرِب يَصيح صيحةً يَسمعها كلُّ شيء إلا الإنسان، أي: صِياحًا مَسموعًا يَسمعه كلُّ شيء يكون حوله مِمَّا يسمع صوته، وليس كلُّ شيء في أقطار الدُّنيا يَسمعه، وأحيانًا يتأثر به ما يسمعه كما مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِأَقْبُر للمُشركين على بَغْلَتِه، فَحَادت به حتى كادت تُلقيه؛ لأنَّها سَمِعت أصواتَهم يُعَذَّبون. قوله: «إلا الإنسان»، وقد سبق أنَّ في الحديث إلا الثَّقلين. يعني: أنه لا يَسمع هذا الصِّياح، وذلك لحكمٍ عظيمة منها: أولًا: ما أشار إليه النَّبيُّ ﷺ بقوله: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ القَبْرِ» (٣).

стр. 167

ثانيًا: أنَّ في إخفاء ذلك سترًا للميت. ثالثًا: أنَّ فيه عدم إزعاج لأهله؛ لأنَّ أهلَه إذا سَمعوا مَيِّتَهم يُعَذَّب ويَصيح لم يَسْتَقِرَّ لهم قَرَارٌ. رابعًا: عدم تَخْجِيل أهله؛ لأنَّ النَّاس يقولون: هذا ولدُكم، هذا أبوكم، هذا أخوكم، وما أشبه ذلك. خامسًا: أننا قد نَهْلِك؛ لأنَّها صيحة ليست هينة، بل صيحة قد تُوجب أن تسقط القلوب من مَعاليقها، فيموت الإنسان، أو يُغشى عليه. سادسًا: لو سَمِع النَّاسُ صُرَاخ هؤلاء المُعَذَّبين لكان الإيمانُ بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تَفُوت مصلحة الامتحان؛ لأنَّ النَّاس سوف يُؤمنون بما شاهدوه قطعًا، لكن إذا كان غائبًا عنهم ولم يعلموا به إلَّا عن طريق الخبر صار من باب الإيمان بالغيب» (١).

стр. 168

قال المصنف ﵀: «ثُمَّ بَعدَ هَذِهِ الفتنَةِ إِمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عذَابٌ إلى أن تقومَ السَّاعةُ الكُبرى فتُعاد الأرواحُ إلى الأجساد، وتقوم القيامةُ التي أَخْبَر اللهُ بها في كتابه، وعلى لِسانِ رسولِه، وأَجْمَع عليها المُسلمون؛ فيقوم النَّاسُ من قُبُورهم لِرَبِّ العالمين حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا وتدنو الشَّمسُ منهم فَيُلْجِمُهم العَرَقُ». الشرح هناك دور ثلاثة: (دنيا- برزخ- آخرة). والعلاقة بين الروح والبدن في الدار الدنيا: أن البدن هو الأصل، والروح تبع له؛ فإذا عُذِّب أو نُعِّم البدن أحس الروح بذلك تبعًا للبدن. وفي البرزخ، فالروح هو الأصل في النعيم والعذاب والبدن تبع له. وأمَّا في الدار الآخرة فيكتمل الاثنان (الروح والبدن)؛ فيكون النعيم والعذاب مشتركًا بين هذا وذاك. فلا بد من فهم العلاقة بين الروح والجسد في هذه الدور الثلاثة. قال ابن القيم ﵀: «الله جعل الدُّور ثَلَاثًا: دَار الدُّنْيَا، وَدَار البرزخ، وَدَار القَرار، وَجعل لكلِّ دَارٍ أحكامًا تَخْتَص بهَا، وَرَكَّب هَذَا الإنسان من بَدَنٍ وَنَفْس، وَجعل أَحْكَامَ دَار الدُّنْيَا على الأَبدَان والأرواح تبعًا لَهَا، وَلِهَذَا جَعَلَ أَحْكَامَه الشَّرْعِيَّة مُرتبَة على

стр. 169

مَا يَظْهر من حركات اللِّسَان والجوارح، وإن أَضْمَرت النُّفُوسُ خِلَافه، وَجعل أَحْكَامَ البَرزخ على الأَرْوَاح والأبدان تبعًا لَهَا. فَكَمَا تبِعت الأَرْوَاحُ الأَبدَانَ فِي أَحْكَام الدُّنْيَا؛ فَتَأَلَّمَت بِأَلَمِها، والْتَذَّت بِرَاحتها، وَكَانَت هي الَّتِي باشَرَت أَسبَابَ النَّعيم وَالعَذَاب تَبِعت الأَبدَانُ الأَرْوَاحَ فِي نعيمِها وعذابها، والأرواح حِينَئِذٍ هي الَّتِي تُباشر العَذَابَ وَالنَّعِيمَ، فالأبدانُ هُنَا ظَاهِرَة والأرواح خَفِيَّة والأبدان كالقبور لَهَا، والأرواح هُنَاكَ ظَاهِرَة والأبدان خَفِيَّة فِي قُبُورها تَجري أَحْكَامُ البرزخ على الأَرْوَاح، فَتَسْرِي إِلَى أبدانِها نعيمًا أَوْ عذَابًا، كَمَا تَجري أَحْكَامُ الدُّنْيَا على الأَبدَان فَتَسْري إِلَى أرواحِها نَعيمًا أَوْ عذَابًا، فَأَحِط بِهَذَا المَوضع عِلْمًا، واعرفه كَمَا يَنبغي يُزِل عَنْك كلَّ إشكالٍ يُورد عَلَيْك من دَاخل وخارج. وَقد أرانا اللهُ- سُبْحَانَهُ- بِلُطْفِهِ وَرَحمته وهِدايته من ذَلِك أُنموذجًا فِي الدُّنْيَا من حَال النَّائِم، فَإِنَّ مَا يُنَعَّم بِهِ أَوْ يُعَذَّب فِي نَومه يَجري على رُوحه أصلًا، وَالبدن تَبَعُ لَهُ، وَقد يَقوى حَتَّى يُؤَثِّر فِي البدن تأثيرًا مُشاهدًا، فَيَرَى النَّائِمُ فِي نَومه أَنَّه ضُرِب فَيُصْبِح وَأَثَر الضَّرْب فِي جِسْمه، وَيرى أَنه قد أكل أَوْ شَرِب فيستيقظ وَهُوَ يَجِد أَثَرَ الطَّعَام وَالشَّرَاب فِي فِيهِ، وَيذْهب عَنهُ الجُوعُ والظَّمأ. وأعجب من ذَلِك أَنَّك ترى النَّائِم يقوم فِي نَومه وَيَضْرب ويَبطش ويُدَافع كَأَنَّهُ يقظان، وَهُوَ نَائِم لَا شُعُور لَهُ بشيء من ذَلِك، وَذَلِكَ أَنَّ الحكم لما جَرَى على الرُّوح استعانت بِالبدنِ من خَارجه، وَلَو دخلت فِيهِ لاستيقظ وأَحَسَّ، فَإِذا كَانَتْ الرُّوح تتألم وتتنعم ويَصل ذَلِك إِلَى بدنهَا بطرِيق الاستتباع، فَهَكَذَا فِي البرزخ بل أعظم، فَإِنْ تَجَرُّد الرُّوح هُنَالك أكمل وَأقوى، وهى مُتَعَلقَةٌ ببدنِها لم تَنْقَطِع

стр. 170

عَنهُ كلَّ الِانْقِطَاع، فَإِذا كَانَ يَوْم حشر الأجساد وَقيام النَّاس من قُبُورهم- صَار الحكمُ وَالنَّعِيم وَالعَذَاب على الأَرْوَاح والأجساد ظَاهرًا باديًا أصلًا. وَمَتى أَعْطَيْتَ هَذَا المَوضع حَقَّه- تَبَيَّن لَك أَنَّ مَا أَخْبَر بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ عَذَاب القَبْر ونَعيمه وضِيقه وسَعَته وضَمه وَكَونه حُفْرَة من حفر النَّار أَوْ رَوْضَة من رياض الجنَّة- مُطَابق لِلعَقْلِ، وَأَنه حَقٌّ لَا مِرية فِيهِ، وَأنَّ مَنْ أشكل عَلَيْهِ ذَلِك فَمِنْ سُوء فَهمه وَقِلَّة عِلمه أُتِي، كَمَا قيل: وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا … وآفتُه من الفَهم السَّقيم وأَعْجَب مِنْ ذلك: أن تَجِد النَّائمين في فِرَاشٍ واحدٍ، وهذا رُوحُه في النَّعيم، ويَستيقظُ وأَثرُ النَّعيم على بَدنه، وهذا رُوحه في العَذَاب ويَستيقظ وأَثَرُ العَذاب على بَدَنِه، ولَيْسَ عند أحدِهما خَبَرٌ بما عند الآخَر، فَأَمْرُ البَرْزَخِ أعجبُ مِنْ ذَلك. والله- سبحانه- جَعَلَ أَمْرَ الآخرة، وما كان مُتَّصِلًا بها غَيْبًا، وحَجَبها عن إدراك المُكَلَّفين في هذه الدَّار، وذلك من كمال حكمته، ولِيتميز المؤمنون بالغيب عن غيرهم» (١). المَسأَلَةُ الثانية: مَا يَكُونُ بَعدَ فِتنَةِ القبر مِنْ نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ: وهي ما أشار إليها شيخ الإسلامِ بقوله: «ثُمَّ بَعْدَ هذِهِ الفِتْنَةِ إمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ». ويبدأ العبد يعاين مصيره من ساعة الاحتضار، كما في حديث البَراءِ بن عَازِبٍ ﵁ أنَّه قال: «كُنَّا فِي جنازة فِي بَقِيع الغَرْقَد، فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَعَدَ وقَعَدْنا حوله، كَأَنَّ على رُءوسنا الطَّير، وَهُوَ يُلحَدُ

стр. 171

لَهُ، فَقَالَ: «أعوذُ بِاللَّه من عَذَاب القَبْر»؛ ثَلَاث مَرَّات، ثمَّ قَالَ: «إنَّ العَبْدَ المُؤمن إِذا كَانَ فِي إقبالٍ من الآخِرَة وَانْقِطَاعٍ من الدُّنْيَا نزلت إِلَيْهِ مَلَائِكَة كَأَنَّ وُجُوهَهم الشَّمْسُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ البَصَر، ثمَّ يَجِيء مَلَكُ المَوْت حَتَّى يجلس عِنْد رَأسه، فَيَقُول: أَيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَة، اخرجي إِلَى مَغْفرَة من الله ورضوان، قَالَ: فَتخرج تَسِيلُ كَمَا تسيلُ القَطرة من فِيِّ السِّقاء، فيأخذها، فَإِذا أَخذهَا لم يَدَعُوها فِي يَدِه طَرْفَة عينٍ حَتَّى يأخذوها، فيَجعلوها فِي ذَلِك الكَفَنِ وَذَلِكَ الحَنُوطِ، وَيَخرج مِنْهَا كأطيب نَفْحَة مِسْكٍ وُجِدت على وَجهِ الأَرْض، قَالَ: فَيَصْعَدُون بهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بهَا- يعْني: على مَلأٍ من المَلَائِكَة- إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوح الطَّيِّب؟ فَيَقُولُونَ: فلَان ابْن فلَان، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونه فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهوا بهَا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، فيَستفتحون لَهُ؛ فَيفتح لَهُ، فَيُشَيِّعه من كلِّ سَمَاء مُقَرَّبوها إِلَى السَّمَاء الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا اللهُ تَعَالَى، فَيَقُول اللهُ : اكْتُبُوا كِتَاب عَبْدِي فِي عِلِّيين، وأَعِيدُوه إِلَى الأَرْض؛ فإني مِنْهَا خَلَقْتُهمْ، وفيهَا أُعِيدُهم، وَمنها أُخْرِجُهم تَارَة أُخْرَى. قَالَ: فَتُعاد رُوحُه فِي جسده، فيَأتيه مَلَكَان فيُجلسانه، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّك؟ فَيَقُول: رَبِّي الله. فَيَقُولُونَ لَهُ: مَا دينُك؟ فَيَقُول: ديني الإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرجلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُم؟ فَيَقُول: هُوَ رَسُولُ الله ﷺ . فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُك بِهَذَا؟ فَيَقُول: قَرَأتُ كِتَابَ الله؛ فآمنتُ بِهِ وصَدَّقْتُ. فيُنادي مُنَاد من السَّمَاء: أَنْ صَدَقَ عَبْدي. فَأَفْرِشُوه من الجنَّة، وافتحوا لَهُ بَابًا من الجنَّة. قَالَ: فيَأتيه من رِيحِهَا وطِيبِها، ويُفْسَح لَهُ فِي قَبرِه مَدَّ بَصَرِه. قَالَ: ويأتيه رجلٌ حَسَنُ الوَجْه، حَسَنُ الثِّيَاب، طَيِّبُ الرِّيح؛ فَيَقُول: أَبْشِر بِالَّذِي يَسُرُّك؛ هَذَا يَوْمُك الَّذِي كنت تُوعد. فَيَقُول لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُك الوَجْهُ الَّذِي

стр. 172

يَجِيء بِالخَيرِ! فَيَقُول: أَنا عَمَلكُ الصَّالح. فَيَقُول: رَبِّ أقِمِ السَّاعَة حَتَّى أَرْجِع إِلَى أَهلِي وَمَالِي. قَالَ: وَإِنَّ العَبْدَ الكَافِر إِذا كَانَ فِي انْقِطَاع من الدُّنْيَا وإقبال من الآخِرَة، نَزَل إِلَيْهِ من السَّمَاء مَلَائِكَة سُود الوُجُوه مَعَهم المُسُوح؛ فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ البَصَر، ثمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْت حَتَّى يَجلس عِنْد رَأسه، فَيَقُول: أَيَّتُها النَّفس الخبيثة اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ من الله وَغَضبٍ، قَالَ: فتتفرق فِي جَسده، فينتزعها كَمَا يُنتَزعُ السَّفُّود من الصُّوف المَبلول، فيأخذها، فَإِذا أَخذهَا لم يَدَعُوها فِي يَدِه طَرْفَة عَين حَتَّى يَجعلوها فِي تِلكَ المُسُوح، وَيخرج مِنْهَا كأنتنِ رِيح جِيفة وُجِدت على وَجهِ الأرض، فيَصعدون بهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بهَا على مَلأٍ من المَلَائِكَة إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرِّيحُ الخَبيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فلَان ابْن فلَان، بأقبح أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهِي بِهِ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا؛ فيُستفتح لَهُ فَلَا يُفتح، ثمَّ قَرَأَ رَسُولُ الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]؛ فَيقُول اللهُ : اكْتُبوا كِتَابَه فِي سِجِّين فِي الأَرْض السُّفْلى. فَتُطرح رُوحه طَرْحًا، ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، فتُعاد رُوحُه فِي جَسَدِه، ويأتيه مَلَكَان، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّك؟ فَيَقُول: هاه هاه، لَا أدري! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فِيكُم؟ فَيَقُول: هاه هاه، لَا أدري! فيُنادي مُنَاد من السَّمَاء: أَنْ كَذَبَ عَبدِي؛ فَأَفْرِشُوه من النَّار، وافتحوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّار؛ فيَأتيه من حَرِّهَا وسَمُومها، ويُضَيَّق عَلَيْهِ قَبرُه حَتَّى تخْتَلف فِيهِ أضلاعُه، ويأتيه رجلٌ قَبِيحُ الوَجْه، قَبِيحُ الثِّيَاب، مُنْتن الرِّيح، فَيَقُول: أَبْشِر بِالَّذِي يسوؤك! هَذَا يَوْمُك الَّذِي كنت تُوعد. فَيَقُول: من أَنْتَ؟ فَوَجْهُك الوَجْهُ الَّذِي

стр. 173

يَجِيء بِالشَّرِّ. فَيَقُول: أَنا عَمَلُك الخَبيثُ. فَيَقُول: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ» (١). ولمَّا فَرَغَ المصنف ﵀ من الكلام عَلى ما يكون في البرزخ بعد الموت من فِتنةٍ ونعيمٍ أو عذابٍ، أشار إلى ما يكون في الدَّار الآخرة التي تَبدأ بالقيامة الكُبرى؛ فقال: «إلى أن تقومَ السَّاعةُ الكُبرى فتُعاد الأرواحُ إلى الأجساد، وتقوم القيامةُ التي أَخْبَر اللهُ بها في كتابه، وعلى لِسانِ رسولِه، وأَجْمَع عليها المُسلمون». والقيامة في العَربية مَصدر قام يقوم، ودخلها التأنيثُ للمُبالغة على عادة العَرب. واختُلف في تَسميتها بذلك على أربعة أقوال: الأول: لوجود هذه الأمور فيها، أي: الأهوال والأمور التي تَحْدُث فيها. الثاني: لقيام الخَلْق مِنْ قُبُورهم إليها؛ قال تَعَالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: ٤٣]. الثالث: لقيام النَّاس لِرَبِّ العالمين؛ فعن ابنِ عمر ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، قال: «يقومُ أحدُهُم في رَشْحِه إلى نِصف أُذُنَيْه» (٢). الرَّابع: لِقيام الرُّوح والملائكة صفًّا؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]» (٣).

стр. 174

وتعبيرُ المصنف بـ «الكبرى» هنا إشارةٌ إلى القيامة الصُّغرى؛ فإنَّ القيامةَ قيامتان: قيامةٌ صُغرى، وهي الموتُ. وقيامةٌ كبرى، وهي التي يقومُ فيها النَّاسُ مِنْ قُبُورهم لربِّ العالمين. قال القرطبيُّ ﵀: «قال علماؤنا: واعلم أنَّ كُلَّ مَيِّتٍ مات فقد قامت قيامتُه، ولكنها قيامةٌ صُغرى وكُبرى. فالصُّغرى: هي ما يقومُ على كل إنسانٍ في خَاصَّتِه من خروج رُوحه، وفِراق أهله، وانقطاع سَعْيه، وحُصوله على عمله؛ إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًّا فَشَرٌّ. والقيامة الكبرى: هي التي تَعُمُّ النَّاسَ، وتأخذهم أخذةً واحدةً. والدَّليلُ على أنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يموتُ فقد قامت قيامتُه: قول النَّبي ﷺ لقومٍ من الأعرابِ وقد سألوه: مَتى القِيامةُ؟ فنظر إلى أحدث إنسانٍ منهم، فقال: «إِنْ يَعِشْ هذا لَم يُدركه الهَرَمُ قَامَت عليكم سَاعَتُكم» (١)» (٢). ثم قال ﵀: «فَتُعادُ الأرواحُ إلى الأجسادِ»، وذلك بعد النفخة الثانية بالصُّور، وهذه الإعادةُ غيرُ الإعادة التي كانت في البرزخ. قال ابنُ أبي العِزِّ ﵀: «الإيمانُ بالمَعاد مِمَّا دَلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّة والعَقل والفِطرة السَّليمة. فأخبرَ اللهُ- سبحانه- في كتابه العزيز، وأَقَامَ الدَّليل عليه، ورَدَّ على مُنكريه في غالب سُور القرآن، وذلك أنَّ الأنبياء- ﵈ كلهم مُتَّفِقون على الإيمانِ بالله، فإنَّ الإقرارَ بالربِّ عامٌّ في بني آدم، وهو فِطري، وكُلُّهم يُقِرُّ بالربِّ إلا مَنْ عانَدَ؛ كفِرعون، بخلاف الإيمان

стр. 175

باليوم الآخر فإنَّ مُنكريه كثيرون، ومحمَّد ﷺ لَمَّا كان خاتم الأنبياء، وكان قد بُعِثَ هو والسَّاعة كهاتين، وكان هو الحاشر والمُقَفِّي بَيَّن تفصيل الآخرة بيانًا لا يُوجد في شيء من كتب الأنبياء، ولهذا ظَنَّ طائفةٌ مِنْ المُتفلسفة ونحوهم أنَّه لم يُفصح بمعاد الأبدان إلا مُحَمَّد ﷺ ، وجَعلوا هذه حُجَّة لهم في أنَّه من باب التخييل والخِطاب الجُمهوري. والقرآنُ بَيَّن مَعاد النَّفس عند الموت، ومَعادَ البدن عند القيامة الكبرى في غير مَوضع، وهؤلاء يُنكرون القيامة الكبرى، ويُنكرون معاد الأبدان، ويقول مَنْ يقول منهم: إنَّه لم يُخبر به إلا محمَّدٌ ﷺ عن طريق التخييل. وهذا كذبٌ؛ فإنَّ القِيامة الكبرى هي معروفةٌ عند الأنبياء من آدم إلى نُوح إلى إبراهيم ومُوسى وعِيسى وغيرهم ﵈، وقد أخبر اللهُ بها من حين أهبط آدم؛ فقال تَعَالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٤ - ٢٥]، ولمَّا قال إبليس اللعين: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨]. وأمَّا نوحٌ ﵇ فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧ - ١٨]، وقال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، إلى آخر القصة وقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وأمَّا موسى ﵇ فقال الله لَمَّا ناجاه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٥ - ١٦].

стр. 176

بل مُؤمنُ آلِ فِرعون كان يَعلم المَعاد، وإنَّما آمَنَ بموسى؛ قال تَعَالى: حكاية عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣]، إلى قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]، إلى قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. وقال موسى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وقد أخبر في قِصَّة البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]. وقد أخبرَ اللهُ أنَّه أرسلَ الرُّسل مُبَشِّرين ومُنذرين في آياتٍ مِنْ القُرآن، وأَخْبَر عن أهلِ النَّار أنَّهم إذا قال لهم خزنَتُها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]. وهذا اعترافٌ من أصناف الكفار الدَّاخلين جَهَنَّم: أنَّ الرسلَ أَنْذَرَتْهم لِقاء يومهم هذا. فجميعُ الرُّسلِ أَنذروا بما أَنْذَر به خَاتَمُهم من عقوبات المُذنبين في الدُّنيا والآخرة، فَعَامَّةُ سُور القرآن التي فيها ذِكر الوعد والوعيد يذكر ذلك فيها في الدُّنيا والآخرة، وأَمَرَ نَبِيَّه أن يُقسم به على المعاد فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣]، الآيات، وقال تَعَالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]، وقال تَعَالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، وأخبر عن اقترابها فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]،

стр. 177

﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: ١ - ٢]، إلى قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧]. وقد ذَمَّ اللهُ المُكَذِّبين بالمَعاد فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥]، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١]، ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨]، ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]، إلى أن قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩]، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩]، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨]، إلخ» (١). وقد دلَّ- أيضًا- على قيام السَّاعة وحَشر الناس في اليوم الآخر أدلةٌ مُستفيضة مِنْ السُّنَّة، منها: ما جاء في حديث جبريل ﵇؛ أنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه وشَرِّه» (٢)، وفي رواية: «والبَعْث بعدَ المَوْتِ» (٣).

стр. 178

وكذلك ما روي عن ابنِ عبَّاس ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «أيُّها النَّاس، إنَّكم مَحْشُورُونَ إلى الله حُفَاة عُرَاة غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثُمَّ إنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكسى يوم القيامة إبراهيمُ» (١). وقد أجمعَ على ذلك المُسلمون إجماعًا قطعيًّا، بل حتى أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى. وكذلك العَقلُ يقضي بأن هناك يوم آخر للجَزَاء والحِساب، وإلا لكان إيجاد الخلائق عَبَثًا، واللهُ مُنَزَّه عن ذلك، وهذا- أيضًا- من تمام إقامة العدل بين الخلق؛ قال ابنُ القيِّم: «ولهذا كان الصَّوَابُ أنَّ المَعاد معلومٌ بالعقل مع الشَّرع، وأنَّ كمالَ الرَّبِّ تَعالى، وكمالَ أسمائه وصفاته تَقتضيه وتُوجبه، وأنَّه مُنَزَّه عَمَّا يقولُه مُنكروه، كما يُنَزَّه كمالُه عن سائر العُيوب والنَّقائص» (٢). ثم قال المُصَنِّف ﵀: «فيقوم النَّاسُ مِنْ قُبُورهم لربِّ العَالمين حُفاة عُراة غُرْلًا». والحُفاة: جَمع حَاف، وهو الذي لا يلبس نِعالًا ولا خُفًّا. والعراة: جمع عار، وهو الذي ليس على جسده لباس، ولا شيء يستره. والغُرْل: جمع أغرل، وهو الذي لم يُختن؛ إذ ترجع إليه الجلدة التي قطعت عند الختان. فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «تُحْشَرُون حُفاة عُرَاة غُرْلًا». قالت عائشة ﵂: فقلت: يا رسول الله، الرِّجال والنِّساء

стр. 179

يَنظر بعضهم إلى بعض! فقال: «الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أن يَهُمَّهم ذلك» (١). ثم ذكر المُصَنِّفُ بعض أهوال هذا اليوم، فقال: «وتدنو الشَّمسُ منهم فَيُلْجِمُهم العَرَقُ». وقد صحَّ عن المِقداد بن الأسود أنَّه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «تُدنى الشَّمْسُ يوم القيامة من الخَلْقِ حَتَّى تَكون مِنهم كَمِقْدار مِيلٍ، فَيَكُون النَّاسُ على قَدْر أعمالِهم في العَرَقِ؛ فَمِنهم مَنْ يكون إلى كَعْبَيه، ومِنهم مَنْ يكون إلى رُكبتيه، ومنهم مَنْ يكون إلى حِقْوَيْه، ومِنهم مَنْ يُلجمه العَرَقُ إلجامًا» (٢). إلا أن هناك أناسًا يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظله، كما أخبر بذلك النَّبيُّ ﷺ في الحديث، وهم: «إمامٌ عادلٌ. وشَابٌّ نَشَأ في طاعة الله. ورَجُلٌ قَلْبُه مُعَلَّق بالمَساجد. ورَجُلان تَحَابَّا في الله اجتمعا عليه وتَفَرَّقا عليه. ورَجُلٌ دَعَتْه امرأةٌ ذاتُ مَنصب وجَمال فقال: إني أخافُ اللهَ. ورجل تَصَدَّق بصدقةٍ فَأَخْفاها حتى لا تَعلم شِمَالُه ما تُنفق يمينُه. ورجلٌ ذَكَر اللهَ خاليًا فَفَاضَتْ عَيْناه» (٣). وقد جاء في روايات أخرى تبين أنَّ الله يُظِلُّ في ظِلِّه في هذا اليوم العظيم الرهيب أصنافًا أخرى؛ منها: ما رواه أبو هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله يقول يوم القيامة: «أين المُتَحَابُّون بِجَلالي، اليوم أُظِلُّهم في ظِلِّي يوم لا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي» (٤).

стр. 180

وعن كعب بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَنْظَرَ مُعسرًا، أو وَضَع له- أَظَلَّهُ الله يوم القيامة تحت ظِلِّ عَرشه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه» (١). نسأل الله أن نكون من هؤلاء، وأن يسترنا في هذا اليوم الطويل الشديد الرَّهيب، وأن يُدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب.
следующие страницы →