← Акыда

Акыда · id 1004

التعليقات السنية على العقيدة الواسطية - محمد خليفة التميمي

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (271 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة المصنف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ «الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليُظهره على الدين كُله، وكفى بالله شهيدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ إقرارًا به وتوحيدًا. وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه. صَلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسَلَّم تسليمًا مزيدًا».

стр. 2

مقدمة الشارح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ مَنْ يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد: قبل أن نشرع في بيان ما احتوت عليه هذه «العقيدة الواسطية» من مسائل وقضايا- أُحِبُّ أن أُقَدِّم ببعض المقدمات. المقدمة الأولى: مفهوم العقيدة: أولى تلك المقدمات: هي ما يتعلق بشأن هذا العلم؛ علم العقيدة، فإن كثيرًا من طلبة العلم قد يدرس جزئيات هذه العقيدة دون أن يستوعب كيفية الربط بينها وبين ما يَعنيه هذا العلم؛ لذا لا بد من وضع مقدمة هنا تتعلق بأمر هذه العقيدة؛ لكي يستطيع طالب العلم أن يربط بين جزئيات المسائل وبين كلياتها. فعلم العقيدة علم يُعنى بباطن الإنسان، فنحن إذا ما تأملنا حديث جبريل المعروف، والذي بَيَّن فيه النبي ﷺ أركان الإسلام وأركان الإيمان والإحسان، نرى أنَّ النبي ﷺ جعل أركان الإسلام هي الأمور الظاهرة، وجعل أركان الإيمان هي الأمور الباطنة، ثم ذكر الإحسان، والإحسان مجموع الأمرين؛ لأن الإحسان هو إتقان الظاهر والباطن، فإذا ما أتقن الإنسان الظاهر والباطن- فإنه بذلك

стр. 3

يكون من أهل الإحسان. فإذا قلنا: إن العقيدة أمر يُعنى بالباطن، فالسؤال الذي يفرض نفسه ما هو الباطن؟ والجواب: أن الباطن هو مجموع أمرين: أمر الفكر والنَّظر. وأمر الإرادة والعمل. ونحن لو تأملنا في عِدَّة نصوص من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ؛ لأرشدتنا إلى مفهوم هذا الباطن؛ وذلك كقول الله في تزكيته لنبيه ﷺ حيث قال: ﴿ما ضَلَّ صاحبكم وما غوى﴾؛ فقد زَكَّاه الله في جانبين، وكذا تزكية النبي ﷺ للخلفاء من بعده؛ كقوله: «عَليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (١). قال الراغب الأصفهاني: «والرُّشد: خلاف الغَي، يستعمل استعمال الهداية؛ يقال: رَشَدَ يَرْشُدُ، ورَشِدَ يَرْشَدُ؛ قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١]، وبين الرُّشدين- أعني: الرُّشد المؤنس من اليتيم، والرُّشد الذي أوتي إبراهيم ﵇ بونٌ بعيدٌ» (٢). وإذا ما جمعنا بين الآية والحديث نجد أن لكل لفظ ما يقابله؛ فالرشد ضد الغواية، والهدى ضده الضلال، فإذًا أخبر الله تعالى بكمال الهدى والرشد للنبي ﷺ ، وزكى النبي ﷺ الخلفاء وأخبر بأنهم راشدون مهديون.

стр. 4

والرشد مكانه العقل، ولذلك قال الله في شأن اليتامى: ﴿فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾؛ فلا يدفع المال إلى اليتيم إلا إذا بلغ رشده، وليس ببلوغه سن التكليف، فإذا أحسن التصرف في ماله فعند ذلك يُدفع إليه، وأما إذا لم يحسن ذلك فلا يدفع إليه هذا المال حتى يرشد. فالرشد مكانه العقل، والهدى مكانه الإرادة أو القلب بمفهومه الخاص؛ لأن القلب في الحقيقة هو الباطن، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب. والعقل يُراد به العلم، ويراد به العمل؛ فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المراد؛ فلا بد أن يكون القلب متصورًا، فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ، وآثاره صاعدة إلى الدماغ؛ فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء» (١). وإن كان في بعض النصوص قد يُطلق القلب ويراد به أحد الجانبين، كما في قول النبي ﷺ : «ألا وإنَّ في الجسد مُضغة إذا صَلَحت صَلَح الجسد كله، وإذا فَسَدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (٢). وقد كان من دعاء النبي ﷺ : «اللهم ألهمني رُشدي، وأَعِذني من شَرِّ نفسي» (٣)؛ فدعا هنا بكمال الأمرين: بكمال الإرادة والعمل،

стр. 5

وبكمال الفكر والنظر. ولو تأملنا قول النبي ﷺ : «أصدق الأسماء: حارثٌ وهَمَّام» (١). فهذان الاسمان أصدق وسمٍ على الإنسان؛ لأنه في إرادة دائمة وكسب دائم؛ إمَّا إلى خير وإما إلى شر، وفي همٍّ وتفكير دائم؛ إمَّا إلى خير وإما إلى شَرٍّ؛ فهذان الاسمان أصدق وصف للإنسان. والوحي قد جاء يخاطبك أيها الإنسان من داخلك، وهذه العقيدة جاءت لتعنى بك من داخلك، وداخلك هما هذان الأمران، ولذلك تأمل قول الله حيث قال: ﴿إنه إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٢]، لماذا ذكر الشعراء؟ ولماذا ذكر الكُهَّان هنا؟ وما وجه هذا الذكر في باب الثناء على الوحي؟ والجواب: لتعلم أن هذا الوحي جاء يخاطبك أيها الإنسان، وليس هذا الوحي مجرد قول شاعر يتلاعب بمشاعر الإنسان وإرادته، ويحاول في بعض الأحيان أن يقلب الحق باطلًا والباطل حقًّا، فقد يُزَيِّن الزنا باسم الحب والغرام وغير ذلك، وهذا ما يفعله كثير من الشعراء، وكذلك قال: ﴿ولا بقول كاهن﴾؛ لأن الكاهن يتلاعب بالحقائق العلمية. فإذًا نزه الله هذا الوحي عن أن يكون من هذا أو من ذاك. وتأمل كذلك هذا النص في سورة الشعراء: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم﴾؛ فذكر الكهان، ثم قال: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾؛ فذكر الصنفين، وأعاد

стр. 6

ذكر هذين الصنفين، والشيطان عدو الإنسان لا يدخل عليه إلا من أحد هذين البابين؛ إمَّا باب الشهوات المحرمة، وهذه تتسلط على الإرادة. وإما من باب شبهات الضلال، وهذه تتسلط على الفكر والنَّظر. فإذًا نخلص من هذه النصوص إلى أن الباطل مجموع الأمرين: مجموع الفكر والنظر ومجموع الإرادة والعمل. وقد لخَّص لك السلف هذه الحقائق بقولهم: «الإيمان قول وعمل». ومعنى قولهم: «قول» أي علم وعمل؛ فعلم يجعل الإنسان يُميز بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبالتالي يعرف الإيمان؛ فيقوم به، ويعرف الكفر ليجتنبه. وعمل وهو الجانب الإرادي. ولذلك وأنت تدرس العقيدة يجب أن تعلم أنها تقوم على مجموع الأمرين، وهذا ما تميز به منهج السلف؛ فقد اعتنى بكلا الجانبين (العلم والعمل)؛ فاعتنى بمجموع الأمرين في هذا الباطن الذي هو في الحقيقة بصلاحه يصلح أمر الإنسان كله؛ لأنه متى ما صلح الباطن صلح الظاهر، واستقامت الجوارح بناءً على استقامة هذا الباطن؛ فضلًا عن أن هذا هو المقصود بعلم العقيدة. وهاك بعض الأمثلة كتطبيقات على ما تقدم: كيف تكون مؤمنًا بالله تعالى؟ لا تكون مؤمنًا بالله تعالى حتى تعرف الله، وهذا جانب علمي. وحتى تعبد الله، وهذا جانب عملي. وإيمانك بالنبي ﷺ لا يصح حتى تصدق به، وهذا جانب علمي. وحتى تتبعه، وهذا جانب عملي. وكذلك القرآن وهو إما أخبار وإما أوامر؛ فحق الأخبار أن

стр. 7

تُصدق، وحق الأوامر أن تُتَّبع، إذًا ما جاء هذا الوحي إلا ليُصلح هذا الباطن. فهذا هو علم العقيدة إذا درسته وتعمقت فيه فبقدر هذا التعمق يجب أن تصلح من باطنك، وإذا أصلحت هذا الباطن استقام هذا الفكر؛ فرأيت الحق حقًّا والباطل باطلًا، وعندها تستقيم عندك أمور النظر، وتستقيم بهذا الوحي الذي هو كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وتستقيم كذلك باتباع الأوامر؛ فمن هنا قدمت بهذه المقدمة المختصرة. فالجانب العلمي هو أنك عرفت الله ، ومَيَّزت بين هذا الإله الحق وبين هذه الآلهة الباطلة، وعرفت ما يستحقه من أسماء حسنى وصفات عُلَا .. إلى غير ذلك من هذه الجوانب العلمية، وهكذا إذا درست أعمال القلوب من خوف ورجاء وتوكل وغير ذلك .. فهذه جوانب عملية، وطبعًا كلا الأمرين لا بد منه، فعندما يقول السلف: «الإيمان- أي: العقيدة- قولٌ وعملٌ»، فإنما يعنون مجموع الأمرين؛ فلا ينفع العلم وحده، ولا ينفع العمل وحده. ونحن لا نكتفي بباب العلم بالله ، فهذا العلم لا بد أن يتبعه العمل، لذا بوب البخاري بابًا سماه: (باب العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩] فبدأ بالعلم) (١). فلعل في هذه المقدمة المختصرة بيان لمفهوم العقيدة وهو أن اعتقاد الأسان في باطنه بمجموع الأمرين؛ فيؤمن بجانب العلم، ويؤمن بجانب العمل. وبالتالي دراسة هذه العقيدة تصلح هذين الجانبين، وبصلاحهما يَصلح الإنسان في جميع أحواله بإذن الله ؛ فمتى ما ازداد علمًا بها

стр. 8

وتعمُّقًا فيها فإنه بذلك يصلح من أمر هذا الباطن، وهذا سبب في سَدِّ منافذ الشيطان من شبهات الضلال وشهوات الحرام .. فنحن متى ما استقام فكرنا ونظرنا وعلمنا واستقامت كذلك إرادتنا صلح حالنا، ومن هنا يجب أن نُعنى بهذا الجانب أعظم العناية؛ فنأخذه من منبعه الصافي، لأننا أمناء على ما نتعلم ونعتقد وما نعمل، وسنسأل عما نعلم وعما نعمل؛ لذا يجب أن يكون ما نعلمه وما نعمله وفق ما أمر الله به ووفق ما أمر به رسوله ﷺ . فهذا مفهوم العقيدة، والعقيدة- بحمد الله تعالى- سهلة ميسرة ومحببة إلى النفس، لكن متى ما أحسن الإنسان أخذها من معينها الصافي، ومتى ما أحسن استيعابها وأخذها على الوجه الذي ينبغي، أما إذا حصل خلل من جهة المأخذ أو من جهة التطبيق؛ فهذا الخلل يعود إلى المتلقي. المقدمة الثانية: فهم الأوليات والأولويات: هناك أوليات وأولويات للعقيدة؛ لأن النبي ﷺ قد قال لمعاذ عندما بعثه إلى اليمن: «فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله» (١)، وفي رواية: «فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى» (٢). فينبغي أن تتأمل في ترتيب هذه الأولويات؛ كيف رتبها المصنف؟ وهذا هو ترتيب أهل السنة والجماعة؛ وكل خير في اتباع

стр. 9

من سلف وكل شر في ابتداع مَنْ خلف؛ فأول ما يبدأون به: الإيمان بالله ، ثم بقية أركان الإيمان. وقد يأتي وقت من الأوقات مَنْ يحاول أن يغير هذا الترتيب، وأن يقدم بعض الأمور التي جاءت في آخر العقيدة؛ فهل ننساق وراء رغباته؟ أو وراء هذا المنهج الذي قد يسلكه البعض؟ لا، بل يرجى أن يتم التمكن لهذه المسألة؛ لأننا أصحاب العقيدة، وفيها أوليات وفيها أولويات، ولسنا بحاجة إلى مَنْ يعيد لنا ترتيب هذه الأمور، فلا يأتي إنسان فيجعل من مسائل الأحكام أو مسائل الأسماء أولية، أو يجعل من مسائل الخلافة والإمامة أول هذه المسائل ويرجئ مسائل الإيمان بالله .. إلى آخر ذلك، فمثلًا إذا جاء إنسان يريد أن يحيد عن منهج أهل السنة والجماعة ومنهج أهل السلف؛ فيجب أن نعلم أن هذا هو سبيلنا؛ فأمورنا مرتبة بحمد الله تعالى. ونحن- بحمد الله تعالى- نتميز بأمرين: أولًا: ثبات العقيدة؛ فما كان عليه النبي ﷺ وما كان عليه أصحابه فنحن عليه إلى هذا اليوم، ووالله ما نرضى أن نحيد عن هذا قدر أنملة، وإن حدنا عن هذا المنهج فنحن- والله- في ضلال، والعقيدة منا براء. ثانيًا: اتصال العقيدة؛ فعقيدتنا ليست منقطعة، ولا شك أن العقيدة التي تركها النبي ﷺ واستقام عليها أصحابه رضوان الله عليهم محفوظة؛ قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أُمَّتي على الحق ظاهرين» (١)، وعندما سُئل النبي ﷺ عن الفرقة الناجية قال:

стр. 10

«مَنْ كان على مِثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (١). فإذا كنا على هذه العقيدة التي كان عليها النبي ﷺ وكان عليها أصحابه فنحن على الحق بإذن الله تعالى، وإذا حُدنا فضلالنا على أنفسنا. فلنعلم أننا أمام عقيدة ثابتة متصلة سندها إلى النبي ﷺ ، ولذلك تميز أهل السنة- أهل الحديث- بالإسناد. هذا ما أردتُ أن أُقَدِّم به بين يدي شرح هذه العقيدة. أمَّا عن سبب تأليف العقيدة الواسطية؛ فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «كان سبب كتابتها: أنه قدم عليَّ من أرض واسط بعض قُضاة نواحيها- شيخ يقال له: رضي الدين الواسطي من أصحاب الشافعي ﵀ قدم علينا حاجًا، وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد وفي دولة التَّتَر من غلبة الجهل، والظلم، ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته، فاستعفيت من ذلك، وقلت: قد كتب الناس عقائد متعددة، فخذ بعض عقائد أئمة السنة، فألحَّ في السؤال، وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت، فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر» (٢).

стр. 11

قال المصنف ﵀: «أمَّا بعد: فهذا اعتقاد الفرقة النَّاجية المنصورة إلى قيام الساعة؛ أَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة. وهو الإيمانُ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبَعث بعد الموت، والإيمان بالقدَر؛ خَيره وشَرِّه». الشرح نبدأ الآن بشرح كلام المصنف ﵀؛ إذ قال أنه سيذكر اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، وهم أهل السنة والجماعة. والفرقة الناجية لها ألقاب: (أهل السنة والجماعة- الطائفة المنصورة- أهل الحديث- الغرباء)؛ فهذه المسميات جاءت بها النصوص، وبحمد الله تعالى عُرف أهل السنة بأنهم هم أهل السنة، فهذا هو اسمهم ثم كما جاء في الحديث: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»؛ فهم الطائفة الناجية والطائفة المنصورة التي استقامت على هذا المنهج الذي جاء به الوحي؛ فلزمته علمًا وعملًا ودعوة. فأول ما بدأ به المصنف هنا أنه ذكر أركان الإيمان فقال: «الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر؛ خيره وشره»، فهذه أركان الإيمان التي جاء بها حديث جبريل (١).

стр. 12

ولفظ الإيمان تارة يُطلق ويراد به: مجموع الدين، وتارة يطلق ويراد به: الأمور الباطنة. ولفظ الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا؛ فحديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» (١) - شمل جميع أمور الدين؛ فالإيمان يشمل جميع أمور الدين أحيانًا، وتارة يراد بالإيمان الجانب الباطن من الإنسان، كما في حديث جبريل عندما سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وبالقدر؛ خيره وشره». فهنا يراد به الأمور الباطنة. وهكذا الإسلام تارة يُطلق ويراد به جميع الدين، كما قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، وتارة يطلق ويراد به: الأمور الظاهرة، كما في حديث جبريل المتقدم، وفيه: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، وتُقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». فمن هذا نعلم أن هذه الألفاظ أحيانًا تعم جميع الدين، وأحيانًا تختص ببعض أموره، ومراد المصنف هنا: ما يتعلق بالأمور الباطنة. والإيمان لغة: التصديق. أو أنه أمر يشمل التصديق، ويشمل معه غيره. والصواب: أن الإيمان ليس مجرد التصديق، فالإيمان يشمل التصديق ويشمل الإقرار والانقياد.

стр. 13

أركان الإيمان: ذكر المصنف أركان الإيمان السِّتة، وسنتحدث عنها بشيء من التفصيل. قال العلامة السّعْدي ﵀ في رسالته النافعة «التنبيهات اللطيفة»: «وأصلها الذي عليه تُبنى: أي: أصل هذه العقيدة هو الإيمان بهذه الأصول السِّتَّة التي صرَّح بها الكتاب والسنة في مواضع كثيرة جملة وتفصيلًا وتفريعًا، وهي المذكورة في حديث جبريل المشهور حيث قال جبريل للنبي ﷺ : ما الإيمان؟ فأجابه. فهذه الرسالة من أولها إلى آخرها تفصيل لهذه الأصول الستة» (١). ومن المواضع التي ذكر اللهُ فيها هذه الأركانَ السِّتَّةَ العظيمة قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. فهذه خمسة أركان، والسَّادس بيَّنه اللهُ في قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. وذكرها النبي ﷺ في سُنَّتِه في حديث جبريل المشهور، عندما سأله ﵇ عن الإيمان، فقال رسول الله ﷺ : «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيرِه وشرِّه».

стр. 14

الركن الأول: الإيمان بالله: وهو الاعتقاد الجازم بأن الله هو الرَّبُّ الخالق المدبِّر المتصف بصفات الكمال والجلال، المنزَّه عن كل نقص وعيب، المستحق للألوهية وحده لا شريك له، وهو أصل الأصول وأعظمها وأهمها، وعليه تُبنى العقيدة كلها. ثمرات الإيمان بالله : ذكر العلامة ابن عثيمين ﵀: أن «الإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته يثمر للعبد محبةَ الله وتعظيمَه الموجبةَ للقيامِ بأمرِه واجتنابِ نَهْيِهِ، ويحصل بهما كمال السَّعادة في الدنيا والآخرة للفرد والمجتمع؛ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]» (١). الركن الثاني: الإيمان بالملائكة: قال الكرماني: «الملائكةُ: جمع مَلَكٍ؛ نظرًا إلى أصله الذي هو (مألك) مَفْعَل من الألوكة، بمعنى الرسالة، والتاء زيدت فيه لتأكيد معنى الجمع، أو لتأنيث الجمع» (٢). والإيمان بالملائكة يجب أن يكون إيمانًا مُجملًا بجميعهم؛ مَنْ علمنا منهم ومَن لم نعلم، وأن الله خلقهم من نور، وأنهم عباد مُكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولا يأكلون ولا يشربون، ولا يتناكحون ولا يتناسلون، وكذلك يجب أن يكون إيمانًا مُفَصَّلًا بمن ذُكر منهم باسمه؛ كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ومالك، وبصفة مَنْ ذُكر منهم بوصفٍ؛ كحملة العرش وخزنة النار

стр. 15

وجبريل، وبعدد مَنْ ذُكِر منهم بعددٍ كخزنَة النار وحملة العرش. وبعمل مَنْ ذُكِر منهم بعملٍ؛ فمنهم الموكَّل بالجبال، ومنهم الموكَّل بالقَطر، ومنهم الموكَّل بفتنة القبر، ومنهم الموكَّل بالنفخ في الصور وغير ذلك. ومن ثمرات الإيمان بالملائكة: أولًا: العلم بعظمة خالقهم ﵎ وقدرته وسلطانه. ثانيًا: شكره تعالى على عنايته بعباده، حيث وكَّل بهم مِنْ هؤلاء الملائكة مَنْ يقوم بحفظهم وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم. ثالثًا: محبَّة الملائكة على ما قاموا به من عبادة الله على الوجه الأكمل واستغفارهم للمؤمنين (١). الرُّكن الثالث: الإيمان بالكتب: هو الاعتقادُ الجازمُ أن الله تعالى أنزل على رسله كتبًا حجة على العالمين، ومحجة للعاملين؛ يعلمونهم بها الحكمة، ويزكونهم. ونؤمن بأن الله تعالى أنزل مع كل رسول كتابًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. ونعلم من هذه الكتب: ١ - التوراة: التي أنزلها الله تعالى على موسى ﷺ ، وهي أعظم كتب بني إسرائيل؛ قال : ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ

стр. 16

كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾. ٢ - الإنجيل: الذي أنزله الله تعالى على عيسى ﷺ ، وهو مصدق للتوراة، ومتمم لها؛ قال جل وعلا: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. ٣ - الزَّبور: الذي آتاه الله تعالى داود ﷺ . ٤ - صُحف إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام. ٥ - القرآن العظيم: الذي أنزله الله على نبيه، محمد خاتم النبيين ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ فكان ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾؛ فنسخ الله به جميع الكتب السابقة، وتكفل بحفظه عن عبث العابثين، وزيغ المحرفين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؛ لأنه سيبقى حجة على الخلق أجمعين إلى يوم القيامة (١). من ثمرات الإيمان بالكتب: أولًا: العلم برحمة الله وعنايته بخلقه، حيث أنزل لكل قوم كتابًا يهديهم به. ثانيًا: ظُهُور حِكمته تعالى؛ حيث شرع في هذه الكتب لكل أمة ما يناسبها، وكان خاتم هذه الكتب القرآن العظيم مُناسبًا لِجَميع الخَلْقِ في كلِّ عَصر ومكانٍ إلى يوم القيامة. ثالثًا: شكر نعمة الله على ذلك (٢).

стр. 17

الركن الرابع: الإيمان بالرسل: والرسول: هو رجلٌ من بني آدم بَعَثَه اللهُ بشرعٍ، وأَمَرَه بتبليغه. والإيمان بالرسل مُجْمَلٌ، وذلك بجميع رسل الله؛ مَنْ علمنا منهم ومَن لم نعلم؛ قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، وإيمانٌ مفصَّلٌ، وذلك بجميع من ذُكر منهم باسمه في كتاب الله، أو في سنة رسول الله ﷺ الصحيحة. مِنْ ثمرات الإيمان بالرسل: أولًا: العلم برحمة الله وعنايته بخلقه، حيث أرسل إليهم أولئك الرسل الكرام للهداية والإرشاد. ثانيًا: شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى. ثالثًا: مَحَبَّة الرُّسل وتوقيرهم، والثناء عليهم بما يليق بهم؛ لأنهم رسل الله تعالى وخلاصة عبيده، قاموا لله بعبادته وتبليغ رسالته والنصح لعباده والصبر على أذاهم» (١). الركن الخامس: البعث بعد الموت: وهو الاعتقاد الجازم بأن الله سيبعث الناس بعد موتهم، ويُعيد إليهم أرواحهم، وذلك للحساب والجزاء. دلَّ على ذلك الأدلة المتوافرة من الكتاب والسُّنَّة وإجماع المسلمين، بل واليهود والنصارى وكل الشرائع السماوية السابقة. ومن ثمرات الإيمان باليوم الآخر: أولًا: الحرص على طاعة الله تعالى؛ رغبة في ثواب ذلك

стр. 18

اليوم، والبعد عن معصيته، خوفًا من عقاب ذلك اليوم. ثانيًا: تسلية المؤمن عما يفوته من نعيم الدنيا، ومتاعها بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها (١). الركن السَّادس: الإيمان بالقدر خيره وشره. هو الاعتقاد الجازم بتقدير تقدير الله تعالى للكائنات حسبما سبق به علمه، واقتضته حكمته؛ قال جل وعلا: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾، ونؤمن مع ذلك أن الله تعالى جعل للعبد اختيارًا وقدرة بهما يكون الفعل، وإن كان لا يخرج بهما عن مشيئته سبحانه؛ قال سبحانه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. والاعتقاد أن الله تعالى أرسل ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ولولا أن فعل العبد يقع بإرادته واختياره ما بطلت حجته جل وعلا على الناس بإرسال رسله. من ثمرات الإيمان بالقدر: أولًا: الاعتماد على الله تعالى عند فعل الأسباب؛ لأن السبب والمسبب كليهما بقضاء الله وقدره. ثانيًا: راحة النفس وطمأنينة القلب؛ لأنه متى علم أن ذلك بقضاء الله تعالى، وأن المكروه كائن لا محالة ارتاحت النفس واطمأن القلب ورضي بقضاء الرب، فلا أحد أطيب عيشًا، وأروح نفسًا، وأقوى طمأنينة ممن آمن بالقدر. ثالثًا: طرد الإعجاب بالنفس عند حصول المراد؛ لأن حصول

стр. 19

ذلك نعمة من الله بما قدره من أسباب الخير والنجاح؛ فيشكر الله تعالى على ذلك ويدع الإعجاب (١).

стр. 20

قال المصنف ﵀: «ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسَه في كتابه، وبما وصفه به رسوله مُحمد ﷺ ؛ من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ». الشرح بعد أن ذكر المصنف ﵀ أركان الإيمان إجمالًا- بدأ في بيان تفصيلِها؛ فبدأ بالأصلِ الأولِ، وهو الإيمان بالله ؛ فقال: «من الإيمان بالله: الإيمانُ بما وصف به نفسَه في كتابه، وبما وصفه به رسوله مُحمد ﷺ ؛ من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ». فعقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بوجود الله ، وأنه الأول بلا ابتداء، والآخِر بلا انتهاء، وأنَّه الرب الخالق الرازق المُدَبِّر، الإله الحق، المستحق للعبادة وحده، وأن من الإيمان به سبحانه: الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى، وذلك بأن نثبت له ما أثبته لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله محمد ﷺ ؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. فأهل السنة يؤمنون أن الله ليس كمثله شيء؛ فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ولا يكيفون ولا يُمَثِّلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سَمِيَّ له، ولا كُفء له، ولا نِدَّ له، ولا يقاس جل وعلا بخلقه.

стр. 21

وهذا ما دلَّت عليه أدلة الكتاب والسُّنَّة وإجماع سَلَف الأمة؛ قال الإمام أحمد ﵀: «لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله ﷺ ، لا يُتجاوز القرآن والحديث» (١). وقال ابن عبد البر ﵀: «أهل السُّنَّة مجتمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، وأما أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والخوارج فيُنكرونها ولا يحملونها على الحقيقة، ويزعمون أنَّ مَنْ أقَرَّ بها مُشَبِّه، وهم عند من أقَرَّ بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به الكتاب والسنة وهم أئمة الجماعة» (٢). وقال الحافظ ابن رجب: «والصواب: ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت؛ مِنْ غير تفسير لها، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك البتة» (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يُوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السَّابقون الأولون لا يُتَجاوز القرآن والحديث» (٤). فالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهم وَفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يُتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا بظواهر النصوص لمجرد

стр. 22

أنَّها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة (١). فنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تُحفظ لها حُرمتها، وذلك بأن نفهمها وَفق مراد الشارع؛ فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع. فمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومِن تمام العلم أن يُبحث عن مراد الله ورسوله بها ليُثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، ويُنفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني (٢). وبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلاً على وجهٍ أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب؛ فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فَصَّلت رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقَرَّرت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ. فالمُطَّلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه. ولا تَرُوج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف أُتِي مِنْ جهة جهله لا مِنْ قِلَّة النصوص الواردة في هذا الباب.

стр. 23

وأما معاني هذه الكلمات: فقد قال العلَّامة ابن القيم ﵀: «التَّحْرِيف: هو العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره، وهو نوعان: تحريف لفظه، وتحريف معناه: والنوعان مأخوذان من الأصل عن اليهود، فهم الراسخون فيها، وهم شيوخ المحرِّفين وسلفهم؛ فإنهم حرَّفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة، ولما غُلبوا عن تحريف لفظه حَرَّفوا معناه؛ ولهذا وُصِفُوا بالتَّحْرِيف في القرآن دون غيرهم من الأمم، ودرج على آثارهم الرافضةُ، فهم أشبه بهم من القُذَّة بالقُذَّة، والجهمية؛ فإنهم سلكوا في تحريف النصوص الواردة في الصفات مسالك إخوانهم من اليهود، ولمَّا لم يتمكنوا من تحريف نصوص القرآن حرَّفوا معانيه وسَطَوْا عليها، وفتحوا باب التَّأْوِيل لكل مُلْحِدٍ يكيد الدين، فإنه جاء فوجد بابًا مفتوحًا وطريقًا مسلوكًا، ولم يمكنهم أن يخرجوه من بابٍ أو يردوه من طريقٍ قد شاركوه فيها، وإن كان الملحد قد وسَّع بابًا هم فتحوه وطريقًا هم اشتقوه، فهما بمنزلة رجلين ائتُمِنا على مالٍ فتأول أحدهما وأكل منه دينارًا، وتأول الأخر وأكل منه عشرةً، فإذا أنكر عليه صاحبه قال: إن حلَّ أكل الدينار بالتَّأْوِيل حلَّ أكل العشرة به، ولا سيما إذا زعم آكل الدينار أن الذي ائتمنه إنما أراد منه التَّأْوِيل، وأن المتأول أعلم بمراده من المالك، فيقول له صاحبه: أنا أسعد منك، وأولى بأكل هذا المال. والمقصود أن التَّأْوِيل يتجاذبه أصلان: التفسير، والتَّحْرِيف. فتأويل التفسير هو الحق، وتأويل التَّحْرِيف هو الباطل. فتأويل التَّحْرِيف مِنْ جنس الإلحاد؛ فإنه هو الميلُ بالنصوصِ

стр. 24

عن ما هي عليه، إما بالطعن فيها أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها، وكذلك الإلحاد في أسماء الله يكون بجحد معانيها وحقائقها، وتارةً يكون بإنكار المسمَّى بها، وتارة يكون بالتشريك بينه وبين غيره فيها. فالتَّأْوِيل الباطل هو إلحادٌ وتحريفٌ، وإن سماه أصحابه تحقيقًا وعرفانًا وتأويلًا. فمِن تأويل التَّحْرِيف والإلحادِ تأويلُ الجهمية قولَه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: جَرَحَ قلبَه بالحِكم والمعارف تجريحًا. ومن تحريف اللفظ إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ من الرفع إلى النصب، وقال: (وكلَّم اللهَ) أي: موسى كلم اللهَ، ولم يكلمه اللهُ، وهذا من جنس تحريف اليهود، بل أقبح منه، واليهود في هذا الموضع أولى بالحق منهم. ولما حرَّفها بعضُ الجهمية هذا التَّحْرِيف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنعُ بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟! فَبُهِتَ المحرِّف. ومن هذا أنَّ بعض الفرعونيَّة سأل بعضَ أئمة العربية هل يمكن أن يُقرأ العرش بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ وقصد الفرعونيُّ بهذا التَّحْرِيف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق، لا للخالق. ولو تَيَسَّر لهذا الفرعوني هذا التَّحْرِيف في هذا الموضع لم يتيسر له في سائر الصفات» (١).

стр. 25

وأما التَّعْطِيل فهو في اللغة مأخوذ من العَطَل، وهو الخلو والفراغ. والمعطِّلة: هم نفاة الصفات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولهذا كان السلف والأئمة يُسَمُّون نُفاة الصفات: معطلة؛ لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله تعالى، وإن كانوا هم قد لا يعلمون أن قولَهم مستلزمٌ للتعطيل» (١). وقال العلَّامة ابن عثيمين ﵀: «والمراد بالتَّعْطِيل: إنكار ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات، سواءً كان كليًّا أو جزئيًّا، وسواء كان ذلك بتحريف أو بجحود، هذا كله يسمى تعطيلًا. فأَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة لا يعطِّلون أيَّ اسمٍ من أسماء الله، أو أي صفةٍ من صفاته، ولا يجحدونها، بل يقرون بها إقرارًا كاملًا. فإن قلت: ما الفرق بين التَّعْطِيل والتَّحْرِيف؟ قلنا: التَّحْرِيف في الدليل، والتَّعْطِيل في المدلول فمثلًا: إذا قال قائل: معنى قول تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: بل قوَّتاه، هذا محرف للدليل ومعطل للمراد الصحيح؛ لأن المراد اليد الحقيقية، فقد عطَّل المعنى المراد، وأثبت معنًى غير المراد. وإذا قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ لا أدري، أفوِّض الأمر إلى الله، لا أثبت اليد الحقيقية ولا اليد المحرف إليها اللفظ، نقول: هذا معطِّل، وليس بمحرِّف؛ لأنه لم يغير معنى اللفظ ولم يفسِّره بغير مراده، لكن عطَّل معناه الذي يراد به، وهو إثبات اليد لله .

стр. 26

أَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة يتبرءون من الطريقتين: الطريقة الأولى: التي هي تحريف اللفظ بتعطيل معناه الحقيقي المراد إلى معنى غير مراد. والطريقة الثانية: هي طريقة أهل التفويض، فهم لا يفوضون المعنى كما يقول المفوِّضة، بل يقولون: نحن نقول: ﴿بَلْ يَدَاهُ﴾، أي: يداه الحقيقيتان ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾، وهما غير القوة والنعمة. فعقيدة أَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة بريئة من التَّحْرِيف ومن التَّعْطِيل» (١). وأمَّا الفرق بين التحريف والتعطيل فقد بينه العلامة السِّعْدي بقوله: «التَّعْطِيل نفيٌ للمعنى الحق الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة، والتَّحْرِيف: تفسير للنصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها بوجه من الوجوه. فالتَّحْرِيف والتَّعْطِيل قد يكونان متلازمَيْن إذا أُثبت المعنى الباطل ونفي المعنى الحق، وقد يوجد التَّعْطِيل بلا تحريف كما هو قول النافين للصفات الذين ينفون الصفات الواردة في الكتاب والسنة، ويقولون: ظاهرها غير مراد ولكنهم لا يعيِّنونَ معنًى آخرَ، ويسمُّون أنفسهم: مفوِّضة، ويظنون أن هذا مذهب السلف، وهو غلط فاحش؛ فإن السلف يثبتون الصفات، وإنما يفوِّضون علم كيفيتها إلى الله، فيقولون: الوصف المذكور معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، وإثباته واجب، والسؤال عن كيفيته بدعة، كما قال الإمام مالك وغيره في الاستواء» (٢). وأمَّا التكييف والتمثيل: فالتكييف: هو جعل الشيء على حقيقة مُعَيَّنة من غير أن يُقَيِّدها

стр. 27

بمماثل. والتمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق: أنَّها مِثل صفات المخلوقين. فمنه قول المُمَثِّل: له يدٌ كيدي وسَمع كسمعي. تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا. فالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل، وأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين. والحق: أن التكييف أعم من التمثيل؛ فكل تمثيل تكييف؛ لأن مَنْ مَثَّل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كَيَّف تلك الصفة، أي: جعل لها حقيقة معينة مشاهدة. وليس كل تكييف تمثيلًا؛ لأن مِنْ التكييف ما ليس فيه تمثيل بصفات المخلوقين؛ كقولهم: (طوله كعرضه). وقد وقع في التمثيل والتكييف (المُشَبِّهة) الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق. قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀: «(تكييف) لم ترد في الكتاب والسنة، ولكن ورد ما يدل على النهي عنها. والتَّكْيِيف هو أن تذكر كيفيَّة الصفة، ولهذا تقول: كيَّفَ يُكَيِّفُ تَكْيِيفًا، أي: ذَكَرَ كيفية الصفة. التَّكْيِيف يُسأل عنه بكيف، فإذا قلت مثلًا: كيف جاء زيد؟ تقول: راكبًا. إذًا كيفت مجيئه. كيف لون السيارة. أبيض، فذكرت اللون. أَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة لا يكيِّفون صفات الله؛ مُستندين في ذلك

стр. 28

إلى الدليل السمعي، والدليل العقلي. فأما الدليل السَّمعي: فمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. فإذا جاء رجل وقال: إن الله استوى على العرش على هذه الكيفية، ووصف كيفيةً معينةً، نقول: هذا قد قال على الله ما لا يعلم، هل أخبرك اللهُ بأنه استوى على هذه الكيفية؟ لا، أخبرنا الله بأنه استوى، ولم يخبرنا كيف استوى، فنقول: هذا تكييف وقول على الله بغير علم. ولهذا قال بعض السلف: إذا قال لك الجهمي: إن الله حين ينزل إلى السماء كيف ينزل؟ فقل: إن الله أخبرنا أنه ينزل، ولم يخبرنا كيف ينزل؟ وهذه قاعدةُ مُفيدة. دليل آخر من السَّمع: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]: لا تتَّبع ما ليس لك به علم. ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. وأما الدليل العقلي: فكيفيةُ الشَّيءِ لا تُدرك إلا بواحد من أمور ثلاثة: مشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو خبر الصادق عنه. إما أن تكون شاهدته أنت وعرفت كيفيته، أو شاهدت نظيره، كما لو قال لك واحد: إن فلانًا اشترى سيارة (داتسون)، (موديل ثمان وثمانين)، رقم (ألفين)، فتعرف كيفيتها؛ لأن عندك مثلها.

стр. 29

أو خبر صادق عنه، أتاك رجل صادق وقال: إن سيارة فلان صفتها كذا وكذا، ووصفها تمامًا فتدرك الكيفية الآن. ولهذا قال بعض العلماء جوابًا لطيفًا: إن معنى قولنا: «بدون تكييف» ليس معناه ألا نعتقد لها كيفية، بل نعتقد لها كيفية، لكن المنفي علمنا بالكيفية؛ لأن استواء الله على العرش لا شك أن له كيفيةً، لكن لا تُعلم؛ لأنه ما من موجود إلا وله كيفية، لكنها قد تكون معلومة، وقد تكون مجهولة. سئل الإمام مالك ﵀ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى؟ فأطرق برأسه حتى علاه العرق، ثم رفع رأسه وقال: «الاستواء غير مجهول»، أي: من حيث المعنى معلوم؛ لأن اللغة العربية بين أيدينا، كل المواضع التي وردت فيها «استوى» مُعَدَّاة بـ (على) معناه العلو، فقال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول»؛ لأن العقل لا يدرك الكيف، فإذا انتفى الدليل السمعي والعقلي عن الكيفية وجب الكفُّ عنها. «والإيمان به واجب»؛ لأن الله أخبرنا عن نفسه، فوجب تصديقه. «والسؤال عنه بدعة» السؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنَّ مَنْ هم أحرصُ مِنَّا على العلم ما سألوا عنها، وهم الصحابة، لما قال الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، عرفوا عظمة الله ، ومعنى الاستواء على العرش، وأنه لا يمكن أن تسأل: كيف استوى؟ لأنك لا تدرك ذلك، فنحن إذا سئلنا فنقول: هذا السؤال بدعة. وكلامُ مالكٍ ﵀ ميزانٌ لجميعِ الصفاتِ. فإن قيل لك- مثلًا-: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف ينزل؟ فالنزول غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به

стр. 30

واجب، والسؤال عنه بدعة … ». إلى أن قال ﵀: «وهنالك كلام للسلف يدلُّ على أنهم يفهمون معاني ما أنزل الله على رسوله من الصفات، كما نُقل عن الأوزاعي وغيره أنهم قالوا في آيات الصفات وأحاديثها: «أَمِرُّوها كما جاءت، بلا كيفٍ» وهذا يدل على أنهم يثبتون لها معنًى من وجهين: أولًا: أنهم قالوا «أَمِرُّوها كما جاءت»، ومعلوم أنها ألفاظ جاءت لمعانٍ، ولم تأت عبثًا، فإذا أمررناها كما جاءت لزم من ذلك أن نثبت لها معنًى. ثانيًا: قولهم «بلا كيف»؛ لأن نفي الكيفية يدل على وجود أصل المعنى؛ لأن نفي الكيفية عن شيء لا يوجد لغوًا وعبثًا، إذًا فهذا الكلام المشهور عند السلف يدل على أنهم يثبتون لهذا النصوص معنًى» (١).

стр. 31

قال المصنف ﵀: «بل يؤمنون بأن اللهَ تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فلا ينفون عنه: ما وصف به نفسَه، ولا يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه، ولا يُلْحِدُونَ في أسمائه وآياته، ولا يُكَيفُونَ، ولا يُمَثلُونَ صفاتِه بصفاتِ خلقِه. لأنه- سبحانه- لا سَمِيَّ له، ولا كُفْءَ له، ولا نِدَّ له. ولا يُقاس بخلقه؛ فإنه- سبحانه- أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وبغيرِه، وأصدق قِيلًا، وأَحْسَنُ حديثًا من خلقه». الشرح لما بيَّن شيخُ الإسلام أن مِنْ الإيمان بالله الإيمانَ بما وصف به نفسَه أو وصفه به رسولُه ﷺ ، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ، بَيَّنَ أن الله جل وعلا قد «هدى الله أصحاب سواء السَّبيل للطريقة المُثلى؛ فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات؛ فكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين وهديًا بين ضلالتين. فقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف. بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نُؤول ولا نُمَثِّل ولا نجهل.

стр. 32

ولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه. ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم. بل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين. وله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين. وكذلك قولنا في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه. ولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك مَنْ أثبت لله شيئًا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يُكَلِّف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلًا» (١). لأن الصفة هي: ما قام بالذات مما يميزها عن غيرها من أمور ذاتية، أو معنوية، أو فعلية. وقد تنوعت تقسيمات أهل السنة للصفات، وذلك بحسب الاعتبارات التي يرجع لها كل تقسيم، ومن تلك التقسيمات: أقسام الصفات عمومًا.

стр. 33

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الصفات نوعان: أحدهما: صفات نقص؛ فهذه يجب تنزيه الله عنها مطلقًا؛ كالموت، والعجز، والجهل. والثاني: صفات كمال؛ فهذه يمتنع أن يماثله فيها شيء» (١). ومعتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته هو: أنهم يؤمنون بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة إثباتًا ونفيًا، فهم بذلك: ١ - يُسَمُّون الله بما سمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون منه. ٢ - ويُثبتون لله ويصفونه بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ٣ - وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ ، مع اعتقاد أنَّ الله موصوف بكمال ضد ذلك الأمر المنفي. فأهل السنة سلكوا في هذا الباب منهج القرآن والسنة الصحيحة فكل اسم أو صفة لله سبحانه وردت في الكتاب والسنة الصحيحة فهي من قبيل الإثبات؛ فيجب بذلك إثباتها. وأمَّا النفي فهو أن ينفى عن الله كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص، مع وجوب اعتقاد ثبوت كمال ضد ذلك المنفي. فقول المصنِّف ﵀: «فلا يَنْفُونَ عَنْهُ ما وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ»

стр. 34

- معناه: أنهم مع إيمانهم بأن الله ليس كمثله شيءٌ، لا يحملهم ذلك على نفي صفة من صفاته جل وعلا؛ لأنهم يؤمنون بالكتاب كله، لأن القائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هو نفسه القائل: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وهو الذي أثبت لنفسه صفات الكمال ونعوت الجلال الدَّالَّة على عظمته وجماله وجلاله. وأمَّا قوله ﵀: «ولا يُلْحِدُونَ في أسمائه وآياته» - فقد أشار به إلى أن أَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة من تمام وكمال إيمانهم بالله: أنهم لا يلحدون في أسمائه ولا في آياته. والإلحاد مأخوذ من المَيل، كما يدل عليه مادته (ل- ح- د)؛ فمنه: اللحد، وهو الشَّق في جانب القبر الذي قد مال عن الوَسط. ومنه المُلحد في الدين: المائل عن الحقِّ إلى الباطل؛ قال ابن السِّكِّيت: «الملحد: المائل عن الحقِّ المُدخِلُ فيه ما ليس فيه (١). وقد ذكر المصنف هنا قسمين من الإلحاد: القسم الأول: الإلحاد في أسماء الله ﷻ : هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحقِّ الثابت لها؛ قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - قال الإمام البغوي: «قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما لم يَتَسَمَّ به، ولم ينطق به كتابُ الله ولا سُنَّة رسوله ﷺ » (٢). وقال ابن حجر: «قال أهل التفسير: مِنْ الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم يَرد في الكتاب أو السنة الصحيحة» (٣).

стр. 35

والإلحاد في أسمائه تعالى أنواع. أحدها: أن يسمى الأصنام بها؛ كتَسميتهم اللات من الإلهيَّة، والعُزَّى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقة؛ فإنهم عَدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة (١). قال ابن عباس ومجاهد: «عدلوا بأسماء الله تعالى عما هى عليه، فسموا بها أوثانهم؛ فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من الله، والعُزَّى من العزيز، ومَناة من المنَّان» (٢). الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله؛ كتسمية النصارى له أبًا، وتسمية الفلاسفة له: مُوجبًا بذاته أو علَّةً فاعلةً بالطبع، ونحو ذلك (٣)؛ وذلك لأنَّ أسماء الله- تعالى- توقيفية، فتسميته تعالى بما لم يُسَم به نفسه ميلٌ بها عما يجب فيها، كما أنَّ هذه الأسماء التي سَموه بها نفسها باطلة يُنزه الله تعالى عنها. قال ابن حزم: «مَنع تعالى أن يُسَمَّى إلا بأسمائه الحسنى، وأخبر أنَّ مَنْ سَمَّاه بغيرها فقد ألحد» (٤). وفي قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومَن جعله تسبيحًا للاسم يقول: المعنى: إنَّك لا تسم به غير الله، ولا تُلحد في أسمائه، فهذا ما يستحقُّه اسم الله» (٥). القسم الثاني: الإلحاد في آيات الله ﵎: قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀: «وأما الإلحاد في آيات الله تعالى

стр. 36

فالآيات جمع آية، وهي العلامة المميِّزة للشيء عن غيره، والله بعث الرسل بالآيات، لا بالمعجزات؛ لهذا كان التعبيرُ بالآيات أحسنَ من التعبير بالمعجزات: أولًا: لأن الآيات هي التي يعبَّر بها في الكتاب والسنة. ثانيًا: أن المعجزات قد تقع من ساحرٍ ومشعوِذ وما أشبه ذلك، تعجِز غيرَه. ثالثًا: أن كلمةَ (آيات) أدلُّ على المعنى المقصود من كلمة معجزات، فآيات الله هي العلامات الدالة على الله ، وحينئذ تكون خاصَّة به، ولولا أنها خاصة ما صارت آيةً له. وآيات الله تنقسم إلى قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية: القسم الأول: الآيات الكونيَّة: ما يتعلق بالخلق والتكوين، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٣ - ٢٥]، فهذه آياتٌ كونيَّةٌ، وإن شئت فقل: كونيَّة قدريَّة، وكانت آيةَ الله؛ لأنه لا يستطيع الخلقُ أن يفعلوها، فمثلًا: لا يستطيع أحدٌ أن يخلق مثل الشمس والقمر، ولا يستطيع أن يأتي بالليل إذا جاء النهار، ولا بالنهار إذا جاء الليل، فهذه الآيات كونيَّة.

стр. 37

والإلحاد فيها: أن ينسبها إلى غير الله استقلالًا، أو مشاركةً، أو إعانةً، فيقول: هذا من الولي الفلاني، أو من النبي الفلاني، أو شارك فيه النبي الفلاني، أو الولي الفلاني، أو أعان اللهَ فيه، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]. فنفى كل شيء يتعلق به المشركون بكون معبوداتهم لا تملك شيئًا في السموات والأرض استقلالًا أو مشاركةً ولا معينة لله ، ثم جاء بالرابع: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، لما كان المشركون قد يقولون: نعم هذه الأصنام لا تملك ولا تشارك، ولم تعاون، لكنها شفعاء؛ قال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فَقَطَع كُلَّ سَبَبٍ يَتَعلَّقُ به المشركون. القسم الثاني من الآيات: الآيات الشرعية: وهي ما جاءت به الرُّسل من الوحي؛ كالقرآن العظيم، وهو آيات؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]، فجعله آياتٍ. ويكون الإلحادُ فيها إما بتكذيبها، أو تحريفها، أو مخالفتها، فتكذيبها أن يقول: ليست من عند الله، فيكذِّب بها أصلًا، أو يكذِّب بما جاء فيها من الخبر مع تصديقه بالأصل، فيقول مثلًا: قصة أصحاب الكهف ليست صحيحة، وقصة أصحاب الفيل ليست صحيحة، والله لم يرسل عليهم طيرًا أبابيل.

стр. 38

وأما التَّحْرِيف: فهو تغيير لفظها أو صرف معناها عما أراد الله بها ورسوله، مثل أن يقول: الله استوى على العرش، أي: استولى، أو ينزل إلى السماء الدنيا، أي: ينزل أمره. وأما مخالفتها: فبترك الأوامر أو فعل النواهي. قال تعالى- في المسجد الحرام-: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]؛ فكلُّ المعاصي إلحادٌ في الآيات الشرعية؛ لأنه خروجٌ بها عما يجب لها؛ إذ الواجب علينا أن نمتثل الأوامر، وأن نجتنب النواهي؛ فإن لم نقم بذلك فهذا إلحاد» (١). وقد تَقَدَّم الكلام عن التكييف والتمثيل في صفاته جل وعلا. ثم بَيَّن المصنف ﵀ السبب في أنَّ أهل السنة لا يُكَيِّفُونَ ولا يُمَثِّلُونَ صفاته بصفات خلقه، فقال: «لأنه- سبحانه- لا سَمِيَّ له، ولا كُفْءَ له، ولا نِدَّ له». ومعنى تسبيح الله: تَنْزِيهه عن النَّقَائِصِ والعيوب في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وقوله: «لا سَمِيَّ له، ولا كُفْءَ له، ولا نِدَّ له» هذه الأسماء الثلاثة معناها متقارب، لكن كل اسم منها له اختصاص بمورد أكثر من الآخر؛ فينزه الله جل وعلا عن السَّمِيِّ والكفء والمثل؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾. ومعنى: «لا سَمِيَّ له»: أنه لا يُساميه أحدٌ في ذاته ولا في أسمائه صفاته ولا في أفعاله، أو أنه لا يستحق أحد من الخلق مثل

стр. 39

اسمه؛ قال العَلَّامة محمد بن إبراهيم: «المعنى: لا يُساميه أحدٌ، أو لا يستحق مثل اسمه، وكلا المعنيين راجع إلى الآخر؛ لكون اسمِه تعالى دالًّا على الكمال، والخلقُ- وإن كان لهم نوعُ كمالٍ- فإن الله هو الذي أكسبهم إيَّاه» (١). والكفءُ: هو المكافئُ، والله يقول عن نفسه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، و ﴿كُفُوًا﴾: نَكِرَةٌ في سياق النفي، فتفيد العموم. والنِّدُّ: هو النظير؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. قال العلامة السِّعْدي ﵀ في تفسيره: «﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: أشباهًا ونُظَرَاءَ من المخلوقين، فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتُحِبُّونَهُم كما تحبونه، وهم مثلكم مخلوقون ومرزوقون مدبَّرون، لا يملكون مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا ينفعونكم ولا يضرون. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن اللهَ ليس له شريكٌ ولا نظيرٌ، لا في الخلق والرزق والتدبير، ولا في ألوهيته والكمال، فكيف تعبدون معه آلهةً أخرى مع علمكم بذلك؟! هذا من أعجب العجب وأَسْفَهِ السَّفَه» (٢). ثم قال المصنف ﵀: «ولا يُقاس بخلقه ؛ فإنه سبحانه أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وبغيرِه، وأصدق قِيلًا، وأَحْسَنُ حديثًا من خلقه». لأنَّ الله- ﷻ ليس له مَثيل حتى يُقاس عليه، وعقول البشر لا يمكن أن تستقلَّ بمعرفة الله تعالى استقلالًا؛ لأنها قاصرة عاجزة،

стр. 40

كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿الإسراء: ٨٥]؛ لذا وجب الوقوف على ما جاء في القرآن وصحَّ في السنة من أسماء الله وصفاته، وإثبات ذلك له- ﷻ على ما يليق بذاته. وقول المصنف ﵀: «فإنه سبحانه أعلمُ بنفسه وبغيرِه، وأصدقُ قِيلًا، وأحسنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِه» - بيان لعلة وجوب إثبات ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال ومنع قياسه بخلقه؛ لأنه سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ولا ندَّ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وقد بَيَّن العلَّامةُ ابنُ عُثيمين ﵀ أنواع القياس، وأوضح فساد قياس الله بخلقه في نوعين منها، وجوازه في الثالث؛ فقال: «القياسُ ينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: قياس شمولٍ، وقياس تمثيلٍ، وقياس أولويَّة. فهو لا يُقاس بخلقه لا قياسَ تمثيلٍ ولا قياسَ شمولٍ: ١ - قياس الشمول: هو ما يُعرفُ بالعامِّ الشاملِ لجميع أفراده، بحيث يكون كلُّ فردٍ منه داخلًا في مسمَّى ذلك اللفظ ومعناه، فمثلًا إذا قلنا: الحياة؛ فإنه لا تقاس حياة الله بحياة الخلق؛ من أجل أن الكُلَّ يشمله اسمُ (حي). ٢ - وقياس التَّمْثِيل: هو أن يلحق الشيء بمثيله، فيجعل ما ثبت للخالق مثل ما ثبت للمخلوق. ٣ - وقياس الأَوْلَوِيَّة: هو أن يكون الفرعُ أولى بالحكم من الأصل؛ وهذا يقول العلماء: إنه مُسْتَعْمَلٌ في حق الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، بمعنى: كل صفة كمال؛ فَلِلَّهِ تعالى أعلاها، والسمع والعلم والقدرة والحياة والحكمة وما أشبهها موجودة في المخلوق، لكن لله أعلاها وأكملها. ولهذا- أحيانًا- نستدل بالدلالة العقلية من زاوية القياس
следующие страницы →