← Акыда

Акыда · id 1004

التعليقات السنية على العقيدة الواسطية - محمد خليفة التميمي

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (271 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فالآيات جمع آية، وهي العلامة المميِّزة للشيء عن غيره، والله بعث الرسل بالآيات، لا بالمعجزات؛ لهذا كان التعبيرُ بالآيات أحسنَ من التعبير بالمعجزات: أولًا: لأن الآيات هي التي يعبَّر بها في الكتاب والسنة. ثانيًا: أن المعجزات قد تقع من ساحرٍ ومشعوِذ وما أشبه ذلك، تعجِز غيرَه. ثالثًا: أن كلمةَ (آيات) أدلُّ على المعنى المقصود من كلمة معجزات، فآيات الله هي العلامات الدالة على الله ، وحينئذ تكون خاصَّة به، ولولا أنها خاصة ما صارت آيةً له. وآيات الله تنقسم إلى قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية: القسم الأول: الآيات الكونيَّة: ما يتعلق بالخلق والتكوين، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٣ - ٢٥]، فهذه آياتٌ كونيَّةٌ، وإن شئت فقل: كونيَّة قدريَّة، وكانت آيةَ الله؛ لأنه لا يستطيع الخلقُ أن يفعلوها، فمثلًا: لا يستطيع أحدٌ أن يخلق مثل الشمس والقمر، ولا يستطيع أن يأتي بالليل إذا جاء النهار، ولا بالنهار إذا جاء الليل، فهذه الآيات كونيَّة.

стр. 37

والإلحاد فيها: أن ينسبها إلى غير الله استقلالًا، أو مشاركةً، أو إعانةً، فيقول: هذا من الولي الفلاني، أو من النبي الفلاني، أو شارك فيه النبي الفلاني، أو الولي الفلاني، أو أعان اللهَ فيه، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]. فنفى كل شيء يتعلق به المشركون بكون معبوداتهم لا تملك شيئًا في السموات والأرض استقلالًا أو مشاركةً ولا معينة لله ، ثم جاء بالرابع: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، لما كان المشركون قد يقولون: نعم هذه الأصنام لا تملك ولا تشارك، ولم تعاون، لكنها شفعاء؛ قال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فَقَطَع كُلَّ سَبَبٍ يَتَعلَّقُ به المشركون. القسم الثاني من الآيات: الآيات الشرعية: وهي ما جاءت به الرُّسل من الوحي؛ كالقرآن العظيم، وهو آيات؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]، فجعله آياتٍ. ويكون الإلحادُ فيها إما بتكذيبها، أو تحريفها، أو مخالفتها، فتكذيبها أن يقول: ليست من عند الله، فيكذِّب بها أصلًا، أو يكذِّب بما جاء فيها من الخبر مع تصديقه بالأصل، فيقول مثلًا: قصة أصحاب الكهف ليست صحيحة، وقصة أصحاب الفيل ليست صحيحة، والله لم يرسل عليهم طيرًا أبابيل.

стр. 38

وأما التَّحْرِيف: فهو تغيير لفظها أو صرف معناها عما أراد الله بها ورسوله، مثل أن يقول: الله استوى على العرش، أي: استولى، أو ينزل إلى السماء الدنيا، أي: ينزل أمره. وأما مخالفتها: فبترك الأوامر أو فعل النواهي. قال تعالى- في المسجد الحرام-: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]؛ فكلُّ المعاصي إلحادٌ في الآيات الشرعية؛ لأنه خروجٌ بها عما يجب لها؛ إذ الواجب علينا أن نمتثل الأوامر، وأن نجتنب النواهي؛ فإن لم نقم بذلك فهذا إلحاد» (١). وقد تَقَدَّم الكلام عن التكييف والتمثيل في صفاته جل وعلا. ثم بَيَّن المصنف ﵀ السبب في أنَّ أهل السنة لا يُكَيِّفُونَ ولا يُمَثِّلُونَ صفاته بصفات خلقه، فقال: «لأنه- سبحانه- لا سَمِيَّ له، ولا كُفْءَ له، ولا نِدَّ له». ومعنى تسبيح الله: تَنْزِيهه عن النَّقَائِصِ والعيوب في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وقوله: «لا سَمِيَّ له، ولا كُفْءَ له، ولا نِدَّ له» هذه الأسماء الثلاثة معناها متقارب، لكن كل اسم منها له اختصاص بمورد أكثر من الآخر؛ فينزه الله جل وعلا عن السَّمِيِّ والكفء والمثل؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾. ومعنى: «لا سَمِيَّ له»: أنه لا يُساميه أحدٌ في ذاته ولا في أسمائه صفاته ولا في أفعاله، أو أنه لا يستحق أحد من الخلق مثل

стр. 39

اسمه؛ قال العَلَّامة محمد بن إبراهيم: «المعنى: لا يُساميه أحدٌ، أو لا يستحق مثل اسمه، وكلا المعنيين راجع إلى الآخر؛ لكون اسمِه تعالى دالًّا على الكمال، والخلقُ- وإن كان لهم نوعُ كمالٍ- فإن الله هو الذي أكسبهم إيَّاه» (١). والكفءُ: هو المكافئُ، والله يقول عن نفسه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، و ﴿كُفُوًا﴾: نَكِرَةٌ في سياق النفي، فتفيد العموم. والنِّدُّ: هو النظير؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. قال العلامة السِّعْدي ﵀ في تفسيره: «﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: أشباهًا ونُظَرَاءَ من المخلوقين، فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتُحِبُّونَهُم كما تحبونه، وهم مثلكم مخلوقون ومرزوقون مدبَّرون، لا يملكون مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا ينفعونكم ولا يضرون. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن اللهَ ليس له شريكٌ ولا نظيرٌ، لا في الخلق والرزق والتدبير، ولا في ألوهيته والكمال، فكيف تعبدون معه آلهةً أخرى مع علمكم بذلك؟! هذا من أعجب العجب وأَسْفَهِ السَّفَه» (٢). ثم قال المصنف ﵀: «ولا يُقاس بخلقه ؛ فإنه سبحانه أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وبغيرِه، وأصدق قِيلًا، وأَحْسَنُ حديثًا من خلقه». لأنَّ الله- ﷻ ليس له مَثيل حتى يُقاس عليه، وعقول البشر لا يمكن أن تستقلَّ بمعرفة الله تعالى استقلالًا؛ لأنها قاصرة عاجزة،

стр. 40

كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿الإسراء: ٨٥]؛ لذا وجب الوقوف على ما جاء في القرآن وصحَّ في السنة من أسماء الله وصفاته، وإثبات ذلك له- ﷻ على ما يليق بذاته. وقول المصنف ﵀: «فإنه سبحانه أعلمُ بنفسه وبغيرِه، وأصدقُ قِيلًا، وأحسنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِه» - بيان لعلة وجوب إثبات ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال ومنع قياسه بخلقه؛ لأنه سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ولا ندَّ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وقد بَيَّن العلَّامةُ ابنُ عُثيمين ﵀ أنواع القياس، وأوضح فساد قياس الله بخلقه في نوعين منها، وجوازه في الثالث؛ فقال: «القياسُ ينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: قياس شمولٍ، وقياس تمثيلٍ، وقياس أولويَّة. فهو لا يُقاس بخلقه لا قياسَ تمثيلٍ ولا قياسَ شمولٍ: ١ - قياس الشمول: هو ما يُعرفُ بالعامِّ الشاملِ لجميع أفراده، بحيث يكون كلُّ فردٍ منه داخلًا في مسمَّى ذلك اللفظ ومعناه، فمثلًا إذا قلنا: الحياة؛ فإنه لا تقاس حياة الله بحياة الخلق؛ من أجل أن الكُلَّ يشمله اسمُ (حي). ٢ - وقياس التَّمْثِيل: هو أن يلحق الشيء بمثيله، فيجعل ما ثبت للخالق مثل ما ثبت للمخلوق. ٣ - وقياس الأَوْلَوِيَّة: هو أن يكون الفرعُ أولى بالحكم من الأصل؛ وهذا يقول العلماء: إنه مُسْتَعْمَلٌ في حق الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، بمعنى: كل صفة كمال؛ فَلِلَّهِ تعالى أعلاها، والسمع والعلم والقدرة والحياة والحكمة وما أشبهها موجودة في المخلوق، لكن لله أعلاها وأكملها. ولهذا- أحيانًا- نستدل بالدلالة العقلية من زاوية القياس

стр. 41

بالأولى، فمثلًا: نقول: العلو صفة كمال في المخلوق، فإذا كانت صفةَ كمالٍ في المخلوق فهي في الخالق من باب أولى، وهذا- دائمًا- نجده في كلام العلماء. فقول المؤلف ﵀: «ولا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ» بعد قوله: «لا سَمِيَّ ولا كُفْءَ له ولا نِدَّ لَهُ» يعني: القياس المقتضي للمساواة، وهو قياس الشُّمول، وقياس التَّمْثِيل. إذًا؛ يمتنع القياس بين الله وبين الخلق للتباين بينهما، وإذا كنا في الأحكام لا نقيس الواجب على الجائز أو الجائز على الواجب، ففي باب الصفات بين الخالق والمخلوق من باب أولى. لو قال لك قائل: الله موجود، والإنسان موجود، ووجود الله كوجود الإنسان بالقياس. فنقول: لا يصح؛ لأن وجود الخالق واجب، ووجود الإنسان ممكن. فلو قال: أَقِيسُ سَمْع الخالق على سمع المخلوق. نقول: لا يمكن؛ سمع الخالق واجبٌ له، لا يعتريه نقصٌ، وهو شامل لكل شيء، وسمع الإنسان ممكنٌ؛ إذ يجوز أن يُولد الإنسانُ أَصَمَّ، والمولود سميعًا يلحقه نقص السمع، وسمعه محدود. إذًا؛ لا يمكن أن يقاس الله بخلقه، فكل صفات الله لا يمكن أن تقاس بصفات خلقه؛ لظهور التباين العظيم بين الخالق والمخلوق» (١).

стр. 42

قال المصنف ﵀: «ثم رسلُه صادقون مصدَّقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون؛ ولهذا قال : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]؛ فَسَبَّح نفسَه عمَّا وصفه به المُخَالِفون للرسُّل، وسَلَّم على المُرسلين؛ لسلامة ما قالوه من النَّقْص والعَيب». الشرح اقتضت رحمة العزيز الحكيم أن بعث الرسل به مُعَرِّفين، وإليه داعين، وجعل معرفته- سبحانه- بأسمائه وصفاته وأفعاله هي مفتاح دعوتهم وزُبدة رسالتهم؛ فأساس دعوة الرسل- صلوات الله وسلامه عليهم- والأصل الأول فيها: معرفة الله- سبحانه- بأسمائه وصفاته وأفعاله. ثم يتبع هذا الأصل أصلان عظيمان هما: الأصل الأول: تعريف الناس الطريق الموصلة إلى الله، وهي: «شريعته المتضمنة لأمره ونهيه». الأصل الثاني: تعريفهم مآلهم في الآخرة. وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول مَبنيان عليه؛ فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق المُوصلة إليه، وأعرفهم بحال الناس عند القدوم عليه. وأساس العلم الصَّحيح هو الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، وعليه يقوم الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص، وتَنبني مطالب

стр. 43

الرسالة جميعها، فهذا التوحيد هو أساس الهداية والإيمان، وهو أصل الدِّين الذي يقوم عليه، ولذلك فإنه لا يُتصور إيمان صحيح ممن لا يعرف ربَّه، فهذا العلم لازم لانعقاد أصل الإيمان، وهو مهم جدًّا للمؤمن لشدة حاجته إليه؛ لسلامة قلبه وصلاح معتقده واستقامة عمله. فهذا العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله يُوجب للعبد التمييز بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك والإقرار والتعطيل، وتنزيه الرب عما لا يليق به ووصفه بما هو أهله من الجلال والإكرام. وذلك يتمُّ عن طريق تدبر كلام الله تعالى وما تعَرَّف به- سبحانه- إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله؛ لذا سَبَّح نفسَه عمَّا وصفه به المُخَالِفون للرُّسل، وسَلَّم على المُرسلين؛ لسلامة ما قالوه من النَّقْص والعَيب؛ فقال جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]؛ «والعلم بالله يُراد به في الأصل نوعان: أحدهما: العلم به نفسه، أي بما هو متصف به من نعوت الجلال والإكرام وما دلت عليه أسماؤه الحسنى. وهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فإنه لابد أن يَعلم أن الله يُثيب على طاعته، ويُعاقب على معصيته. والنوع الثاني: يُراد بالعلم بالله: العلم بالأحكام الشرعية من الأوامر والنواهي والحلال والحرام» (١).

стр. 44

وقول المصنف: «ثم رُسُلُه صَادقون مُصَدَّقون» عطفٌ على قوله: «فإنَّه أَعْلَمُ بنفسِه … »؛ وذلك لأن رسلَ الله صادقون فيما بَلَّغوه عنه؛ لأنَّهم بَلَّغوا ما عَلَّمهم الله إيَّاه وما أمرهم بتبليغه؛ وحاشاهم من الكذب؛ فهم اختيار الله؛ قال جل وعلا: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقد صدَّقهم- وأيدهم بالمعجزات الدَّالة على صدقهم. لذا يجب على الناس تصديقُهم، ومَن كَذَّبَهم أو كَذَّبَ واحدًا منهم فهو مُكَذِّبٌ بهم جميعًا، كافرٌ بِمَنْ أرسلهم؛ قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١]، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠]. وأمَّا قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ فقد قال الحافظُ ابنُ كثير ﵀ في تفسيرها: «يُنزِّه تعالى نفسَه ويُقَدِّسها ويبرِّئها عما يقوله الظَّالمون المُكَذِّبون المعتدون؛ تعالى وتَنَزَّه وتقدَّس عن قَولهم علوًّا كبيرًا؛ ولهذا قال ﵎: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: ذي العزَّة التي لا تُرَامُ. ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عن قول هؤلاء المُعتدين المُفترين. ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة؛ لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقِّيَّتِه، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال. ولما كان التَّسبيح يَتَضَمَّن التنزيه والتبرئة من النَّقص بدلالة المطابقة ويستلزم إثبات الكمال، كما أنَّ الحمد يدلُّ على إثبات صفات الكمال مطابقة ويستلزم التنزيه من النقص قُرن بينهما في هذا

стр. 45

الموضع، وفي مواضع كثيرة من القرآن» (١). وقد بَيَّن المُصَنِّف ﵀ معنى تسبيح الله تعالى، وذكر أنَّ «تسبيح الرَّبِّ نفسَه يتضمن تنزيهَه وتعظيمَه جميعًا، فقول العبد: «سبحان الله» يتضمن تنزيهَ الله وبراءته من السوء» (٢). والمُخالفون للرُّسل هم الذين حَرَّفوا أو عَطَّلوا أو كَيَّفوا أو مَثَّلُوا صفات الخالق جلَّ وعلا بالمخلوق؛ لأن الرسل ﵈ ما جاءوا بشيء من هذا.

стр. 46

قال المصنف ﵀: «وهو سبحانه قد جَمَع فيما وَصَفَ وسَمَّى به نفسَه بين: النفي والإثبات». الشرح أي: قد أخبرت الرسل أن لله تعالى أسماءً حسنى وصفاتٍ عُلَا وأفعالًا جليلة؛ فأثبتوا له كل كمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه كل نقص على وجه الإجمال. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فالربُّ- تعالى- مُستحقٌّ للكمال على وجهِ التَّفصيل، كما أخبرت به الرسل، فإن الله تعالى أخبر أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، وأنه عليم قدير عزيز حكيم غفور رحيم ودود مجيد، وأنه يحب المتقين والمُحسنين والصَّابرين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلَّم موسى تكليمًا، وناداه وناجاه، إلى غير ذلك مِمَّا جاء به الكتاب والسُّنَّة. وقال في التنزيه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، فنزَّه نفسه عن النظير باسم الكفء والمثل والنِّد والسَّمِيِّ.

стр. 47

فهذه طريقة الرسل وأتباعهم من سلف الأمة وأئمتها: إثباتٌ مفصَّلٌ، ونفيٌ مجملٌ. إثبات الكمال على وجه التفصيل ونفي النَّقص والتَّمْثِيل مُجملًا، كما ورد ذلك في سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]، وهي تَعْدِل ثُلُث القرآن، كما ثبت ذلك في الحديث الصَّحيح. فاسمه (الصَّمَدُ) يتضمَّنُ صفاتِ الكمالِ، كما روى الوالبيُّ عن ابن عباس ﵄، أنه قال: «هو العليم الذي كَمُلَ في علمه، والقدير الذي كَمُلَ في قُدرته، والسيِّدُ الذي كَمُلَ في سُؤْدَدِهِ، والشريفُ الذي كَمُلَ في شَرَفِهِ، والعظيم الذي كَمُلَ في عظمته، والحليم الذي كَمُلَ في حلمه، والحكيم الذي كَمُلَ في حكمته، وهو الذي كَمُلَ في أنواع الشرف والسُّؤْدَدِ، هو الله ، هذه صفته لا تنبغي إلا له». و (الأحد) يتضمن نفي المِثْل عنه. والتنزيه الذي يستحقه الرَّبُّ يَجمعه نوعان: أحدهما: نَفْيُ النَّقْصِ عنه. الثاني: نَفْيُ مماثلة شيء من الأشياء فيما يستحقه من صفات الكمال. فإثباتُ صفات الكمال له مع نفي مماثلة غيره له يجمعُ ذلك، كما دلت عليه هذه السورة. وأمَّا المخالفون لهم من المشركين والصَّابِئَةِ ومَن اتَّبَعَهُمْ من الجهمية والفلاسفة والمعتزلة ونحوهم، فطريقتهم: نفيٌ مفصَّلٌ، وإثباتٌ مجمَلٌ. ينفون صفات الكمال، ويثبتون ما لا يُوجد إلا في الخيال،

стр. 48

فيقولون: ليس بكذا ولا كذا، فمنهم من يقول: ليس له صفة ثبوتية، بل إمَّا سلبية، وإمَّا إضافية، وإمَّا مركبة منهما، كما يقوله من يقول من الصابئة والفلاسفة، كابن سينا وأمثاله، ويقول: هو وجود مطلق بشرط سلب الأمور الثبوتية عنه، ومنهم من يقول: وجود مطلق بشرط الإطلاق. وقد قرَّروا في منطقهم ما هو معلوم في العقل الصريح: أن المطلق بشرط الإطلاق إنما وجوده في الأذهان لا في الأعيان، فلا يُتصور في الخارج حيوانٌ مطلق بشرط الإطلاق، ولا إنسانٌ مطلَق بشرط الإطلاق، ولا جسمٌ مطلق بشرط الإطلاق، فيبقى واجب الوجود ممتنع الوجود في الخارج، وهذا مع أنه تعطيلٌ وجهلٌ وكفرٌ، فهو جمعٌ بين النقيضين» (١). وقد أشار العلامة السّعْدي ﵀ إلى ضابط مهم في كلام شيخ الإسلام فقال: «وهذا الذي ذكره المصنف ضابطٌ نافعٌ في كيفية الإيمان بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأنه مبني على أصلين: أحدهما: النفي، وثانيهما: الإثبات. أما النفي: فإنه ينفي عن الله ما يضاد الكمال من أنواع العيوب والنقائص، وينفي عنه أيضًا أن يكون له شريك، أو نديد، أو شبيه في شيء من صفاته، أو في حَقٍّ من حقوقه الخاصة، فكلُّ ما يُنافي صفات الكمال فإن اللهَ منزَّهٌ عنه مقدَّس. والنَّفي مقصود لغيره، والقصد منه إثبات ما لم يرد نفي شيء منه في الكتاب والسنة عن الله إلا بقصد إثبات ضده، فنفيُ الشَّريكِ والنَّديدِ عن الله لكمال عظمته وتفرُّده بالكمال، ونفي السِّنَةِ والنَّوْمِ

стр. 49

والموتِ لكمال حياته. ونفي عُزوب شيء عنه لعلمه وقدرته. ولهذا كان التنزيه والنفي لأمور مجملة عامة. وأمَّا الإثبات: فإنه يجمع الأمرين: إثبات المجملات كالحمد المطلق والكمال المطلق والمجد المطلق ونحوها، وإثبات المفصَّلَات كتفضيل علم الله وقدرته وحكمته ورحمته، ونحو ذلك من صفاته» (١).

стр. 50

قال المصنف ﵀: «فلا عُدُولَ لأَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة عما جاء به المرسلون؛ فإنه الصِّراطُ المستقيمُ؛ صراطُ الذين أَنْعَمَ اللهُ عَليهم من النَّبيين والصِّديقين والشُّهداء والصَّالحين». الشرح أي: لا ميل لأهل السنة ولا انحراف عما جاءت به الرسل من الإيمان، بل هم مُقْتَفُونَ آثارهم، مُسْتَضِيئُونَ بأنوارهم، ومن ذلك إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عما لا يليق به؛ فإن الرسل قد قرَّرُوا ذلك الأصل العظيم، وأما أعداء الرسل فإنهم قد عدلوا عن ذلك. وقوله: «فإنه الصراط المستقيم» تعليلٌ لقوله: «فلا عدول لأَهْل السُّنَّة» أي: لأن ما جاء به المرسلون هو الصراط المستقيم، والصراط المستقيم هو الطريق المعتدل الذي لا تعدُّد فيه ولا انقسام، وهو المذكور في قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وهو الذي ندعو الله في كل ركعة من صلواتنا أن يهدينا إليه (١). ولا يُوَفَّق لهذا الصِّراط المستقيم ولا يَثبت عليه إلا مَنْ أطاع الله ورسوله؛ قال الله في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ

стр. 51

أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. قال العلامة السِّعْدي ﵀: «﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، أي: النعمة العظيمة التي تقتضي الكمال والفلاح والسعادة. ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الذين فضَّلهم اللهُ بوحيه، واختصهم بتفضيلهم بإرسالهم إلى الخلق ودعوتهم إلى الله تعالى. ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾، وهم: الذين كَمُلَ تصديقهم بما جاءت به الرسل، فعلموا الحق، وصدَّقوه بيقينهم، وبالقيام به قولًا وعملًا وحالًا ودعوة إلى الله. ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ الذين قاتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله فَقُتِلُوا. ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ الذين صَلُحَ ظاهرُهم وباطنُهم، فصلحت أعمالهم، فكل مَنْ أطاع الله تعالى كان مع هؤلاء في صحبته. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ بالاجتماع بهم في جنَّات النعيم والأُنْس بقربهم في جِوَار ربِّ العَالمين. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ﴾ الذي نالوه ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ فهو الذي وَفَّقهم لذلك، وأعانهم عليه، وأعطاهم من الثواب ما لا تبلغه أعمالهم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ يعلم أحوال عباده ومَن يستحق منهم الثواب الجزيل، بما قام به من الأعمال الصالحة التي تَواطأ عليها القلبُ والجوارحُ» (١). فأَهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ هداهم الله لمعرفة هذا الطريق الذي هو الصِّراطُ المستقيمُ صراطُ الذين أنعم الله عليهم، ووفَّقَهم للثبات عليه، وبلزومهم لهذا الطريق النَّافع تَمَّت لهم النعمة، وصحَّت عقائدُهم، وكَمُلَتْ أخلاقُهم، أمَّا مَنْ سلك غير هذا السبيل فإنه مُنحرفٌ في عقيدته وأخلاقه وآدابه (٢).

стр. 52

قال المصنف ﵀: «وقد دَخَلَ في هذه الجُملة: ما وصف اللهُ به نفسَه في سورة الإخلاص، التي تَعدل ثلثَ القرآن، حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. وما وَصَفَ به نَفْسَهُ في أعظم آية في كتابه؛ حيث يقول: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ولهذا كان مَنْ قَرأ هذه الآية في ليلةٍ- لَم يَزل عليه من الله حافظٌ، ولا يَقربه شيطانٌ حتَّى يُصبح». الشرح ذكر العلَّامةُ ابنُ عثيمين في بيان المراد بقول المصنف: «وقد دخل في هذه الجملة» - احتمالين فقال: «يحتمل أنه يريد بها قوله: «وهو قد جمع فيما وَصَفَ وسَمَّى به نفسَه بين النفي والإثبات»، ويحتمل أن يريد ما سبق مِنْ أنَّ أَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة يصفون الله تعالى بما وصف به نفسَه وما وصفه به رسولُه، وأيًا كان فإن هذه السورة وما بعدها داخلةٌ في ضمن ما سبق من أنَّ اللهَ- تعالى- جَمَع فيما وَصَفَ وسَمَّى به نفسَه بين النفي والإثبات، وأن أَهْل السُّنَّة

стр. 53

يؤمنون بذلك» (١). ولعلَّ سورةَ الإخلاص قد سُمِّيت بهذا الاسم؛ لأنَّها تخلص الإخبار عن الله، أي: تُمَحِّضه وتُبَيِّنه. وبها يُخلص قارئها التوحيد ويتخلى عن الشرك. وتخلص السورة صاحبها يوم القيامة من العذاب أو من الخلود في النار. وقد ذكر الحافظ ابنُ حجر ﵀ سببَ تسميتها بسورة الإخلاص، وبَيَّن لماذا تعدل ثلث القرآن؟ فقال: «عادَلَت ثُلُثَ القرآن؛ لأن القرآن خبر وإنشاء، والإنشاء: أمر ونهي وإباحة. والخبر خبر عن الخالق، وخبر عن خلقه؛ فَأَخْلَصَت سورةُ الإخلاص الخبرَ عن الله، وخلَّصَتْ قارئَها من الشِّرك الاعتقادي» (٢). وكذلك قال العلَّامة ابن القَيِّم ﵀: «ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلثَ القرآن؛ لأنها أخلصت الإخبارَ عن الرب تعالى وصفاته، دون خلقه وأحكامه وثوابه وعقابه» (٣). ودليل ذلك: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁: أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُردِّدها، فلما أصبح جاء إلى الرسول ﷺ ، فذكر ذلك له- وكأن الرجل يتقالُّها- فقال رسول الله ﷺ : «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن» (٤). وروى أبو الدَّرْدَاء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أَيَعْجِزُ أحدُكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟». قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن» (٥).

стр. 54

وروي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سَرِيَّةٍ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته، فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: «سَلُوهُ لأي شيءٍ يصنع ذلك؟». فسألوه، فقال: لأنَّها صِفَةُ الرَّحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : «أخبروه أنَّ اللهَ يُحِبُّه» (١). فلما أحبَّ هذا الرجل المبارك هذه السورة المباركة؛ لأنها تشتمل على صفة الرحمن وتفرده بالوحدانية في الأسماء والصفات والأفعال- كان الجزاء أن أحَبَّه الله تعالى، وتلك الغاية العظمى والأمنية التي ليس بعدها أُمنية. وقد بَيَّن العلامةُ ابن القيم ﵀ بعضَ ما اشتملت عليه هذه السورة العظيمة؛ فقال: «سورةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: متضمنَّةٌ لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباتُه للرب تعالى من الأَحَدِيَّةِ المنافية لمطلق المشاركة بوجه من الوجوه، والصَّمِدِيَّة المثبتة له جميع صفات الكمال التي لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم الصَّمَدِيَّة، وغِنَاهُ وأَحَدِيَّتَهُ، ونفي الكفءِ المتضمِّن لنفي التشبيه والتَّمْثِيل والتَّنْظِير. فتضمَّنت هذه السورةُ إثباتَ كلِّ كمالٍ له، ونفي كل نقص عنه، ونفي إثبات شبيه أو مثيل له في كماله، ونفي مطلقِ الشَّريك عنه، وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبُه جميعَ فِرَقِ الضَّلَالِ والشِّرْكِ؛ ولذلك كانت تعدلُ ثُلُثَ القرآنِ» (٢).

стр. 55

وأمَّا عن تفسير هذه السورة الكريمة فقد قال الحافظُ ابنُ كثير: «قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ «يعني: هو الواحد الأحد الذي لا نظير له، ولا وَزِيرَ، ولا نَديد، ولا شَبيه، ولا عديل، ولا يُطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله ؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾. قال عكرمة، عن ابن عباس: يعني: الذي يَصمد الخلائقُ إليه في حوائجهم ومسائلهم. قال عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو السَّيد الذي قد كَمُل في سؤدده، والشريف الذي قد كَمُل في شرفه، والعظيم الذي قد كَمُل في عظمته، والحليم الذي قد كَمُل في حِلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كَمُل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشَّرف والسُّؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صِفته لا تَنبغي إلا له، ليس له كفءٌ، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار. وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. أي: ليس له ولدٌ ولا والدٌ ولا صاحبةٌ. قال مجاهد: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ يعني: لا صاحبةَ له. وهذا كما قال تعالى: ﴿بديع السماوات والأرض أنَّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، أي: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له مِنْ خلقه نَظير يُساميه، أو قريب يُدانيه، تعالى وتقدس وتنزه؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ

стр. 56

وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥]، وقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون سبحان الله عما يصفون﴾ [الصافات: ١٥٨، ١٥٩]. وفي «صحيح البُخاري»: «لا أحدَ أصبرُ على أذى سَمعه من الله؛ إنَّهم يجعلون له ولدًا، وهو يَرزقهم ويُعافيهم» (١). وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «قال الله : كَذبني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشَتمني ولم يكن له ذلك؛ فأمَّا تَكذيبه إيَّاي فقوله: لَنْ يُعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ مِنْ إعادته. وأمَّا شتمه إيَّاي فقوله: اتَّخذ الله ولدًا. وأنا الأحدُ الصَّمَدُ الَّذي لم يَلد ولم يُولد ولم يكن له كفوًا أحدٌ» (٢)» (٣). ثم قال المُصَنِّفُ: «وما وَصَفَ به نَفْسَهُ في أعظم آية في كتابه»، يعني: آية الكرسي، والدَّليلُ على أنَّها أعظمُ آية في كتاب الله: هو ما رواه أُبَي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا المُنْذِر، أَتَدْرِي أيَّ آيةٍ مِنْ كتاب الله معك أعظم؟». قال: قلت: اللهُ ورسوله أعلم، قال: «يا أبا المُنْذِر، أَتَدْرِي أيَّ آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟». قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾،

стр. 57

قال: فضرب في صدري، وقال: «واللهِ، لِيَهْنِكَ العلمُ أبا المُنْذِرِ» (١). وسُمِّيَت آية الكرسي؛ لأنَّ الله ﷻ ذَكَر صفة كُرسيِّه فيه. وقد تضَمَّنت هذه الآيةُ الجليلةُ أسماءً حُسنى وصفاتٍ عُلَا لله تَباركت أسماؤه وتقدست صفاته؛ بَيَّنها بالتفصيل العَلَّامة ابنُ عُثيمين ﵀؛ فقال: «وهذه الآية تتضمَّن من أسماء الله خمسة، وهي: (الله، الحي، القيوم، العَلِي، العظيم). وتتضمن من صفات الله ستًّا وعشرين صفة، منها خمس صفات تتضمنها هذه الأسماء. والسادسة: انفراده بالألوهية. السابعة: انتفاء السِّنَة والنَّوم في حقِّه؛ لكمال حياته وقَيُّومِيَّتِهِ. الثامنة: عموم ملكه؛ لقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. التاسعة: انفراد الله بالملك، ونَأْخُذُهُ مِنْ تقديم الخبر. العاشرة: قوَّة السلطان وكماله؛ لقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. الحادية عشرة: إثبات العِنْدِيَّة، وهذا يدلُّ على أنه ليس في كلِّ مكان، ففيه الردُّ على الحلولية. الثانية عشرة: إثبات الإذن من قوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. الثالثة عشرة: عموم علم الله تعالى؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. الرابعة عشرة والخامسة عشرة: أنه لا يَنسى ما مضى؛ لقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، ولا يَجهل ما يستقبل؛ لقوله ﴿مَا بَيْنَ

стр. 58

أَيْدِيهِمْ﴾. السادسة عشرة: كمال عظمة الله؛ لعجز الخلق عن الإحاطة به. السابعة عشرة: إثبات المشيئة؛ لقوله ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. الثامنة عشرة: إثبات الكرسي، وهو موضع القدمين. التاسعة عشرة والعشرون والحادية والعشرون: إثبات العظمة والقوة والقدرة؛ لقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ لأن عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق. الثانية والثالثة والرابعة والعشرون: كمال علمه ورحمته وحفظه، من قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. الخامسة والعشرون: إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ … «السادسة والعشرون: إثبات العظمة لله ؛ لقوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾» (١). وأمَّا تفسير آية الكرسي فقد جاء في «تفسير ابن كثير»: أنَّ هذه الآية مشتملةٌ على عشر جُمَلٍ مستقلَّة، فقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إخبارٌ بأنه المتفرِّد بالإلهيةِ لجميع الخلائق. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحيُّ في نفسه الذي لا يموت أبدًا، القَيِّمُ لغيره. وكان عُمَرُ يقرأ «القَيَّام»، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، لا قوام لها بدون أمره، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]. وقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، أي: لا يَعتريه نقصٌ ولا

стр. 59

غَفلة ولا ذُهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القَيُّومِيَّة أنه لا يَعْتَرِيهِ سِنَةٌ ولا نومٌ، فقوله ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾، أي: لا تغلبه سِنَةٌ، وهي الوَسَنُ والنُّعَاسُ، ولهذا قال: ولا نومٌ؛ لأنه أقوى مِنْ السِّنَةِ. وفي الصَّحيح عن أبي مُوسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات، فقال: «إن الله لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إليه عملُ النهار قبل عمل الليل، وعملُ الليل قبل عمل النهار، حِجَابُهُ النورُ- أو النارُ- لو كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (١). وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: إخبارٌ بأن الجميعَ عبيدُه وفي مُلكه وتحت قهره وسلطانه، كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥]. وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ كقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وكقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه أنه لا يَتَجَاسَرَ أحدٌ على أن يشفع لأحدٍ عنده إلا بإذنه له في الشَّفَاعة، كما في حديث الشفاعة: «آتي تحت العرش فَأَخِرُّ سَاجِدًا، فيدعني ما شاء الله أن يَدَعَنِي، ثم يُقَالُ: ارفع رأسَك، وَقُلْ تُسْمَع، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ- قال-:

стр. 60

فيحدُّ لي حَدًا فأُدخلهم الجنةَ» (١). وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله- إخبارًا عن الملائكة-: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، أي: لا يطَّلِعُ أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله وأطلعه عليه، كقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ثم ذكر الأقوال الواردة في ذلك، وصَحَّحَ أنَّ الكرسي موضع القدمين، وأنَّه غير العرش، وأنَّ العرش أكبر منه، كما دَلَّت على ذلك الآثار والأخبار. وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، أي: لا يُثْقِلُهُ ولا يُكْرِثُهُ حفظُ السماوات والأرض ومَن فيهما، ومَن بينهما، بل ذلك سهلٌ عليه يسيرٌ لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيبُ على جميع الأشياء، فلا يَعْزُبُ عنه شيءٌ ولا يغيب عنه شيءٌ. والأشياءُ كلُّها حقيرةٌ بين يديه، الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وهو القاهر لكل شيءٍ، الحسيب على كل شيءٍ، الرَّقيبُ العليُّ العظيمُ، لا إله غيرُه، ولا رَبَّ سِوَاهُ، فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأَجْوَدُ فيها طريقةُ السَّلَفِ الصالحِ: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ ولا تَشْبِيهٍ (٢).

стр. 61

ثم ذكر المصنفُ ﵀ أنَّ فضائل آية الكرسي: أنَّ مَنْ قرأها كل ليلة «لَم يَزل عليه من الله حافظٌ، ولا يَقربه شيطانٌ حتَّى يُصبح»، ويشير بهذا إلى ما رواه أبو هريرة ﵁، قال: «وَكَّلني رسول الله ﷺ بحفظِ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ؛ فجعل يَحثو من الطعام فأخذتُه، وقلتُ: والله لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج، وعليَّ عيال، ولي حاجة شديدة! قال: فخَلَّيت عنه، فأصبحتُ، فقال النبي ﷺ : «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرُك البارحة؟». قال: قلتُ: يا رسول الله، شَكَا حاجة شديدة وعيالًا؛ فَرَحمتُه، فخَلَّيت سبيله. قال: «أَمَا إنَّه قَدْ كَذَبك، وسيعودُ»، فعرفتُ أنه سيعود؛ لقول رسول الله ﷺ : إنَّه سيعود، فرصدتُه، فجاء يحثو من الطعام، فأخذتُه، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ! قال: دعني؛ فإني محتاجٌ وعليَّ عيال، لا أعود! فرحمتُه، فخَلَّيت سبيله، فأصبحتُ، فقال لي رسول الله ﷺ : «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرُك؟»، قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا؛ فرحمتُه، فخَلَّيت سبيله، قال: «أما إنَّه قد كذبك وسيعود»، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات، أنك تزعم لا تعود، ثم تعود! قال: دعني أُعَلِّمْك كلمات يَنفعك اللهُ بها! قلت: ما هو؟ قال: إذا أَوَيت إلى فراشك، فاقرأ آيةَ الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، حتى تَختم الآية، فإنَّك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يَقَرَبَنَّك شيطانٌ حتى تُصبح. فخَلَّيت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : «ما فعلَ أسيرُك البارحة؟». قلت: يا رسول الله، زعم أنه يَعلمني كلمات يَنفعني الله بها، فخَلَّيت سبيله، قال: «ما هي؟». قلت: قال لي: إذا أَوَيت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تَختم الآية: ﴿الله لا إله إلا هو الحي

стр. 62

القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال لي: لن يزال عليك مِنْ الله حافظ، ولا يَقربك شيطانٌ حتى تصبح- وكانوا أحرصَ شيء على الخير- فقال النبي ﷺ : «أَمَا إنَّه قَدْ صَدَقك وهو كذوبٌ، تَعلم مَنْ تُخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟». قال: لا. قال: «ذاكَ شَيطانٌ» (١).

стр. 63

قال المصنف ﵀: «وقوله سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وقوله سبحانه: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢]، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ

стр. 64

الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]. وقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤]. وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨]، وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]. وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٢]، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾

стр. 65

[المائدة: ٦٤]، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وقوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٣، ١٤]، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]. وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤]، وقوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]، وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦]. وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]. وقوله عن إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]. وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا

стр. 66

يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]. وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١، ٢]، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١، ٩٢]، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ في سبعة مواضع في سورة الأعراف، قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، وقال في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢]، وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال في سورة (الم) السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤]، وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]. وقوله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿بَلْ

стр. 67

رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧]. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، وقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠]، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ

стр. 68

مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥]، ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]. وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٣]. وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]. وهذا البابُ في كتابِ الله كثيرٌ، ومَن تَدَبَّرَ القُرآنَ طالبًا للهُدَى منه تَبين له طريقُ الحقِّ». الشرح ذكر المصنف- ﵀ هنا نصوصًا كثيرًا دالَّة على إثبات هذه الأسماء والصفات لله ، وسنتناولها بشكل عام؛ مُبيِّنين قواعد إثبات الأسماء والصفات، واختلاف العلماء فيما يَثبت به الاسم، ومناهجهم في جمع الأسماء الحسنى، والفرق بين ما هو اسم وما هو صفة وما هو خبر.

стр. 69

فهذه النُّصوص جاءت في ثلاثة أبواب: باب الأسماء، وباب الصِّفات، وباب الإخبار. أمَّا الأسماء: فقد سار العلماء في جمعهم للأسماء الحسنى على مناهج مختلفة إلى حدٍّ ما (عددًا وطريقة)؛ فمن حيث الكمِّ هناك مَنْ اقتصر على التِّسعة والتِّسعين، وهناك مَنْ قَصر عن ذلك، وهناك مَنْ زاد. ومن حيث الطَّريقة التي ساروا عليها في جمع تلك الأسماء هناك أربعة مناهج وقفتُ عليها من خلال استقراء جُهودهم في هذا المجال، أُوردها لك على النحو التالي: المنهج الأول: الاعتماد على العَدِّ الوارد في روايات حديثِ أبي هريرة ﵁، وبالأخص طريق الوليد بن مُسلم عند الترمذي وغيره، وذلك «لاعتقادهم بصحة حديثِ الأسماء وتعدادها على مذهب المُتساهلين في التصحيح وعدم النَّظر في العِلل الواردة فيه» (١). المنهج الثاني: الاقتصار على ما ورد من الأسماء بصورةِ الاسم فقط، أي: ما ورد إطلاقُه. وهذا مَنهجُ ابنِ حزم في عدِّ الأسماء (٢). قال عنه ابن حجر: «فإنَّه- أي: ابن حزم - اقتصر على ما ورد فيه بصورة الاسم لا ما يُؤخذ من الاشتقاق؛ كـ (الباقي) من

стр. 70

قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، ولا ما ورد مضافًا كـ (البديع) من قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾» (١). المنهج الثالث: منهج المُتوسطين الذين اشتقوا من كلِّ صفة وفِعل اسمًا، ولم يُفَرِّقوا بين البابين- أي: باب الأسماء وباب الصِّفات- بل إنهم يُدخلون ما يتعلق بباب الإخبار أحيانًا. ومِن هؤلاء ابنُ العربي المالكي، وابنُ المرتضى اليَماني، والشَّرَباصي. المنهج الرابع: منهج المُتوسطين الذين تَوَسَّطوا بين أصحاب المنهج الثاني والمنهج الثالث، فلا هُمْ الَّذين حَجَّروا تحَجُّر ابنِ حزم، ولا هم الذين تَوَسَّعُوا تَوَسُّعَ ابن العربى وأمثاله. وهذا المنهج هو الأشهر والأكثر تطبيقًا عند أهل العلم؛ فهم حافظوا على خاصية هذا الباب، وبالتالي جعلوا شروطًا لاشتقاق الاسم من الصفة، وهذه الشروط دَلَّت عليها النصوص. وليس الغرض هنا تفصيل تلك المناهج وبيان ما لها وما عليها، ولكن المقصود هنا هو الإشارة إلى أن هذا الاختلاف الحاصل بين المناهج الأربعة السابقة الذِّكر يُؤكد ضرورة تحديد ضابط للأسماء الحسنى يُعِين على معرفة الرَّاجح منها. وتبعًا لهذه المناهج فقد تباينت آراء العلماء في جمعهم لأسماء الله الحسنى؛ قال ابنُ حَجَر ﵀: «إذا تقرَّرَ رُجحان أنَّ سردَ الأسماء

стр. 71

ليس مرفوعًا (١)، فقد اعتنى جماعة بتتبعها من القرآن مِنْ غير تقييد بعدد» (٢). نماذج لاجتهادات أهل العلم في جمع الأسماء الحسنى: إذا تبيَّن أن الروايات في عدِّ الأسماء ليست من كلام النبي ﷺ ، فإن الحقيقة التي يجب أن تُقرَّر في هذا المقام: أنَّ جميع ما ورد من جمع للأسماء الحسنى إنَّما هو من اجتهاد أهل العلم من خلال استقرائهم للنُّصوص، والملاحظ على تلك الاجتهادات ما يلي: ١ - اقتصار الأغلب في جمعهم على عدِّ تسعةٍ وتسعين اسمًا من أسماء الله الحسنى، ولعلَّ المقصود من هذا التَّقَيُّد هو تحصيل الفضل الوارد في الحديث، إذ الفضل قد ورد فيمن أَحْصَى هذا القَدْر من أسماء الله. ٢ - الاقتصار كذلك على تَتبُّع تلك الأسماء في سور القرآن الكريم فقط، دون الرُّجوع إلى السنة الصَّحيحة، ولعل السَّبب يرجع في ذلك إلى صعوبة تتبُّع ما ورد في السُّنَّة؛ إذ أنَّه يحتاج إلى جهدٍ في الاستقصاء، مع ملاحظة أن غالب مَنْ يعتني بعدِّ الأسماء يَقتصر على عدِّ تسعةٍ وتسعين- كما أسلفنا- لتحصيل فضل ما ورد في الحديث، وبما أنهم يستخرجون ذلك العدد من القرآن، فإنهم يَكتفون بذلك. ٣ - الاختلاف في العدِّ بين جمعٍ وآخر، ويَندر أن تجد اتِّفاقًا كليًّا بين جمعين؛ لأن الاستقراء قد يختلف من شخص لآخر، وكذلك الضابط في تعيين ما يَنطبق عليه شرطُ الاسم قد يختلف؛ فهناك مَنْ يتوسَّع، وهناك مَنْ يتقيَّد بشروط مُعيَّنة بحسب ما وصل إليه

стр. 72

اجتهاد كلِّ واحد منهم في المنهج الذي ارتضاه، كما أسلفنا. وأمَّا الصفاتُ عمومًا فثلاثة أنواع: صفات كمال. وصفات نَقص. وصفات لا تَقتضي كمالًا ولا نقصًا. وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسمًا رابعًا، وهو ما يكون كمالًا ونقصًا باعتبارين. والله- صفاتُه كمال مَحْض؛ فهو موصوف من الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله، ومُنَزَّهٌ عن الأقسام الثلاثة الأخرى (١). وتنقسمُ الصِّفات باعتبار ورودها في النُّصوص إلى قسمين: ١ - صفات ثبوتية. ٢ - صفات سلبية (أي: منفية). القسم الأول: الصفات الثبوتية: وتعريفها: هي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . والصفات الثبوتية كثيرة جدًّا؛ منها: العلم- والحياة- والعزة- والقدرة- والحكمة- والكبرياء- والقوة- والاستواء- والنزول- والمجيء، وغيرها. وتنقسم الصفات من حيث أدلة ثبوتها إلى قسمين: القسم الأول: الصفات الشرعية العقلية: وضابطها: هي التي يشترك في إثباتها: الدليل الشرعي السَّمعي، والدليل العقلي، والفطرة السليمة. وهي أكثر صفات الرب تعالى، بل أغلب الصفات الثُّبوتية

стр. 73

يشترك فيها الدَّليلان السَّمعي والعقلي (١)، وإن كان الأصل في ثبوتها الدليل الشرعي. ومنها: (العلم، السَّمع، البصر، العلو، القدرة، الإرادة، الخلق، الحياة). وسميت «شرعية عقلية». فشرعية: لأنَّ الشرع دلَّ عليها أو أرشد إليها. وعقلية: لأنها تُعلم صحتها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تُعلم إلا بمجرد الخبر. فإذا أخبر الله بالشييء ودل عليه بالدلالات العقلية- صار مدلولًا عليه بخبره، ومدلولًا عليه بدليل العقل الذي يُعلم به؛ فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تُسَمَّى الدلالة الشرعية (٢). القسم الثاني: الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية: وضابطها: هي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السَّمع والخبر عن الله أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتَّسليم (٣). ومنها: (الوجه- اليد- العين- الرِّضا- الفرح- الغضب- القَدَم- الاستواء- النزول- المجيء- الضحك). وهي تنقسم إلى قسمين: ١ - صفات ذاتيَّة؛ مثل: (الوجه- اليد- العين- القَدَم).

стр. 74

٢ - صفات فعلية؛ مثل: (النزول- الاستواء- الغضب- الفرح- الضحك). القسم الثاني: الصفات السلبية: وتعريفها: هي ما نفاه الله سبحانه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . والصفات المنفية كلها صفات نقص في حقه. ومن أمثلتها: النَّوم- الموت- الجهل- النِّسيان- العجز- التعب- الظلم. فيجب نفيُها عن الله مع إثبات أنَّ الله موصوف بكمال ضدها. فأهل السنة يجعلون الأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيها عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولا يتجاوزونها، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه. «وأما ما لم يَرِد إثباتُه ونفيُه فلا يصح استعماله في باب الأسماء وباب الصفات إطلاقًا، وأما في باب الإخبار فمن السلف مَنْ يمنع ذلك، ومنهم من يجيزه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله عر وجل وجب ردُّه» (١). فَمن شرط الأسماء الحسنى: صحة الإطلاق، بمعنى: أن يقتضي الاسم المدح والثناء بنفسه بدون متعلق أو قيد.

стр. 75

وهذا الشرط هو الذي يُميز باب الأسماء عن باب الصفات، بخلاف شرط ورود النص بهما؛ فإنه شرط مشترك بين الاثنين؛ فأسماء الله وصفاته لابد من ورود النَّصِّ بهما (١). وهذا الشرط من دقيق فقه الأسماء الحسنى، فنحن إذ وقفنا وقفة تأمل عند نصوص الكتاب والسنة الواردة في هذا الشأن نجد الحقائق التالية: أولًا: أنَّ الله أطلق على نفسه أسماء كـ (السميع) و (البصير)، وأوصافًا كـ (السمع) و (البصر)، وهكذا أخبر عن نفسه بأفعالها؛ فقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾، وقال تعالى: ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ فاستعملها في تصاريفها المتنوعة، مما يدل على أنَّ مثل ذلك يجوز إطلاقه عليه في أيِّ صورةٍ وَرَدَ. ثانيًا: وأطلق على نفسه أفعالًا كـ (الصُّنع) و (الصِّبغة) و (الفعل) ونحوها؛ قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْمن كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، لكنه لم يَتَّسم ولم يَصف نفسه بها، ولكن أخبر بها عن نفسه، مما يدل على أنَّها تُخالف الأول في الحكم، فوجب الوقوفُ فيها على ما ورد. ثالثًا: ووصف نفسَه بأفعال في سياقها المدح كـ (يريد) و (يشاء)؛
следующие страницы →