فَرُبَّ مُبَلغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ فَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" (١)
- وحديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَال: "خَرَجَ رَسُول اللهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَال: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُل يَوْمٍ إِلى بُطْحَانَ أَوْ إِلى العَقِيقِ فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلا قَطْعِ رَحِمٍ" فَقُلنَا: يَا رَسُول اللهِ نُحِبُّ ذَلكَ. قَال: "أَفَلا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلى المَسْجِدِ فَيَعْلمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلاثٌ خَيْرٌ لهُ مِنْ ثَلاثٍ وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنْ الإِبِل" (٢) ومثل هذا في السنة النبوية كثير.
د- الإمساك بعصا أو نحوها، فهو من السنة قال القرطبي: ((الإجماع منعقد على أن الخطيب يخطب متوكئا على سيف أو عصا فالعصا مأخوذة من أصل كريم ومعدن شريف ولا ينكرها إلا جاهل وقد جمع الله لموسى في عصاه من البراهين العظام والآيات الجسام ما آمن به السحرة المعاندون واتخذها سليمان لخطبته وموعظته وطول صلاته وكان ابن مسعود صاحب عصا النبي ﷺ وعنزته وكان يخطب بالقضيب وكفى بذلك فضلا على شرف حال العصا وعلى ذلك الخلفاء وكبراء الخطباء وعادة العرب العرباء الفصحاء اللسن البلغاء أخذ المخصرة والعصا والاعتماد عليها عند الكلام وفي المحافل والخطب وأنكرت الشعوبية على خطباء العرب أخذ المخصرة والإشارة بها إلى المعاني والشعوبية تبغض العرب وتفضل العجم)) (٣)
стр. 72
- حسن المظهر: على الخطيب أن يتهيأ تهيأ حسنا بما يليق ومقام الخطبة، فيرتدي أجود ثيابه.
وفي هذا حديث أبي الأحوص عن أبيه قال: «أتيت النبي ﷺ في ثوب دون فقال: ألك مال؟ قالت نعم. قال: من أي المال؟ قلت قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا آتاك الله مالا فلير أثر نعمته عليك وكرامته» (١)
وفي حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : "إن الله جميل يحب الجمال " (٢)
وفي حديث البراء ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ مربوعا [يعني: ليس بالطويل ولا بالقصير] بعيد ما بين المنكبين له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئا قط أحسن منه» (٣)
وفي رواية: «ما رأيت أحدا أحسن في حلة حمراء من النبي ﷺ قال بعض أصحابي عن مالك أن جمته لتضرب قريبا من منكبيه» (٤)
وفي حديث أبي رمثة ﵁ قال: «رأيت النبي ﷺ يخطب وعليه بردان أخضران» (٥) .
стр. 73
هذا بعض ما ورد في أهمية الاعتناء بالمظهر والهيئة من أناقة وتشذيب وأن ذلك نمط إسلامي يلتزمه المسلم في حياته العامة والخاصة، لاسيما في المناسبات كالخطب ونحوها دون غلو ولا تهاون، وينبغي للداعية أن يكون على هذا المنوال في سائر أحواله لأنه موضع القدوة سيحتى في زيه وسمته ومظهره فلا يعدل عن الزينة المباحة إلى الرثاثة مع قدرته على تجنبها.
وأما قوله ﷺ : "البذاذة من الإيمان" (١) والبذاذة هي التقشف فيحمل على التواضع في اللباس وتجنب الإسراف فيه والفخر به، لأن المراد هنا ترك الترفع والتنطع في اللباس، والتواضع فيه مع القدرة لا لسبب جحد نعمة الله كما قال ابن حجر في الفتح.
ومن العناية بالمظهر الاعتناء بلباس التقوى في الأقوال والأفعال، فيعفي لحيته إتباعا لسنة النبي ﷺ ويحف شواربه بأن يأخذ مها ويقلم أظافره ويستاك ويتطيب ولا يسبل إزاره.. إلى غير ذلك من سنن الفطرة.
ومن تطابق قوله وفعله وتناسب سمته وهيئته صار له من القبول في القلوب بقدر إخلاصه وصدقه ورفعه الله بذلك درجات في الدنيا والآخرة. قال ابن قدامة: ((ويستحب أن يكون في خطبته متخشعا متعظا بما يعظ الناس به لأنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "عرض علي قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقيل لي: هؤلاء خطباء أمتك يقولون ما لا
стр. 74
يفعلون" (١)) ) (٢)
وفي التقويم وفق هذا المعيار تلاحظ ثلاثة أمور جوهرية: اللبس والزي والهندام المناسب، المظهر العام، السمت والوقار ومدى تطابق القول والفعل.
٥- الشرف والفضل:
على الخطيب أن يثبت فضيلة نفسه ضمنا، لأن الناس لا تتأثر ولا تأخذ إلا عمن اتسم بالفضل والألفة أو التفوق أو المعرفة، فالنفوس مجبولة على التأثر بمن له ميزة يتفوق بها.
ومما يستدل على أثر الشرف والفضل ما قصه الله علينا من قصص طائفة من أنبيائه فنوح ﵇ يمهد لدعوته قومه بقوله: ﴿أُبَلغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لكُمْ وَأَعْلمُ مِنْ اللهِ مَا لا تَعْلمُونَ﴾ (٣) ولا ينصح إلا صاحب فضل وعلم في الأغلب وعلى جارى السنة، وانظر كيف أشعرهم هذا النبي الكريم بتميزه عنهم بقوله ﴿وَأَعْلمُ مِنْ اللهِ مَا لا تَعْلمُونَ﴾ فهو يثبت لنفسه العلم وينفيه عنهم! ليأخذوه عنه.
وهود ﵊ قال لقومه: ﴿أُبَلغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا
стр. 75
لكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (١)
وصالح قال لقومه: ﴿يَاقَوْمِ لقَدْ أَبْلغْتُكُمْ رِسَالةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ (٢) وفيه أن الناصح المخلص تجب محبته ومن كان محبوبا كان مقبول الكلام.
وشعيب قال لقومه: ﴿فَتَوَلى عَنْهُمْ وَقَال يَاقَوْمِ لقَدْ أَبْلغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ (٣)
ثم إن هذا التفوق المستشعر أمر معنوي كما ترى فقد يتوافر في شخصية الخطيب لكن المخاطبين لديهم من اعتلال النفوس ما يحول بينه وبين التأثر المطلوب كما تقدم في دعوات نوح وشعيب وصالح وهود عليهم الصلاة والسلام.
أهمية الارتجال في الخطابة:
كثير من الباحثين لا يعتبرون القراءة من ورقة خطابة، تأسيسا على أن من أخص خصائص الخطابة المشافهة والارتجال، ومن أبرز عيوب الارتجال:
١- عدم تحقق الجمال التعبيري للأسلوب الخطابي: بنفس الكيفية المتحققة في طريقة الإلقاء من ورقة مكتوبة، إلا إذا تمرس الخطيب على أساليب الخطاب ويمكن من انتقاء الكلمات المعبرة، واقتدر على التأنق في العبارة، وجرى ذلك منه مجرى الدماء في العروق.
стр. 76
٢- لا يتأتى حصر العناصر وترتيبها بدقة كما هو الحال في الطريقة الأولى السابق ذكرها إلا إذا كان الخطيب مستوعبا لموضوع خطبته استيعابا دقيقا، ولم تنسه رهبة الموقف بعض عناصر الموضوع.
٣- التقيد بالزمن المحدد مرتبط بمدى إحساس الخطيب بمرور الزمن، وكثيرا من الخطباء يفقدون هذا الإحساس في غمرة الانفعال الخطابي.
٤- الارتجال مظنة لكثرة الأخطاء اللغوية والتعبيرية والخطابية وغيرها.
ومن محاسن الارتجال: قدرة الخطيب على إدارة دفة الخطاب وتغيير اتجاه الحديث من أسلوب إلى آخر وفق ما قد يستجد من ظروف ما بحسب ما يقرؤه في وجوه مستمعيه من تفاعل.
هذا، وبعض الخطباء والمحاضرين يجمع بين الطريقين الكتابية والارتجالية فيضع الورقة في مكان لا يراها غيره فيلحظها بطرف البصر ويتذكر ما عسى أن يكون قد نسيه، وهكذا يخيل للناس أنه يرتجل وليس الأمر كذلك.
المسلك الثالث: التدرب على التقويم.
كثيرا ما يكون الخطيب ذا ملكة نقدية يقوم نفسه ويحاسبها بعد فراغه من الخطابة، يتأمل الجوانب الإيجابية والسلبية في خطبته على ضوء الدراسة النظرية السابقة، وكثير من مشاهير الخطباء تدرجوا في سلم الخطابة وحققوا أعلى المستويات الخطابية بالتقويم الذاتي، بالتصحيح ما يمكن تصحيحه من الأخطاء الخطابية والاجتهاد قدر الوسع في تلافي ما لا يمكن تقويمه أو التقليل من وقعه خاصة مخارج الحروف، وعيوب النطق الأخرى. وقد يتولى التقويم مدرب متخصص وأستاذ متمرس.
стр. 77
عناصر التقويم والمعايير الانتقائية:
هنالك عدد من عناصر التقويم يمكن من خلالها اختبار الخطيب لمعرفة مدى قدرته على الخطابة باعتبار الموهبة الخطابية والكم المعرفي. ويمكن تلخيص أهم تلك العناصر المنتقاة في الآتي:
١- الارتجال: ويتم تقويم هذا العنصر بأحد ثلاثة اعتبارات: (الارتجال الكلي، أو الجمع بين القراءة والارتجال، أو القراءة الكلية) بحسب قدرات الخطيب البيانية ومدى تمكنه من الارتجال.
٢- قوة الصوت ونقاوته (قوة الصوت، التناسق بين نبرات الصوت، القدرة على تكييف الصوت مع المواقف الخطابية)
٣- رباطة الجأش (الخلو من مظاهر العي والحصر، توزيع النظرات، التأني في الإلقاء)
٤- سلامة اللغة (مراعاة قواعد النحو والصرف، تضافر مؤشرات الفصاحة والبلاغة)
٥- استيفاء أطراف الموضوع. (توافر العناصر، ترابطها وتناسقها)
٦- استعمال الإشارة. (تنويع الإشارات، توقيتها مع الخطابة، التوسط في استخدامها)
٧- الالتزام بالوقت المحدد.
٨- التفاعل مع الخطبة (ارتفاع الصوت، احمرار العينين، اشتداد الغضب، صدق اللهجة)
٩- قوة الأسلوب الخطابي: (تنويع الأسلوب بين الخبر والإنشاء، مراعاة السكتات والوقفات، القدرة على التأثير على المستمعين)
стр. 78
١٠- التحقيق العلمي (سوق الأدلة العلمية، التوثيق والعزو)
ويمكن اختصار هذه العناصر بذكر ما كتب بالبنط العريض فقط. ووضع درجة التقويم أمام كل عنصر، (لكل فقرة درجة، والمحصلة ١٠ درجات)
ولا بد أن يحصل المتدرب على الحد الأدنى على النحو الآتي:
٦ درجات للمبتدئين، ٨ درجات للمتمرسين، وترتفع الدرجة كلما تقدم الخطيب في أسلوب الأداء)
مع ملاحظة أن العناصر الثلاثة الأولى قد لا تتغير في أغلب الأحيان لأنها تعتمد على الملكة والموهبة، وباقي العناصر يمكن تطويرها على نحو قويم.
стр. 79
الفصل الثالث:
التدريب على الندوة
المبحث الأول: تعريف الندوة وأنواعها ومحاورها العامة
تعريف الندوة:
الندوة هي: الجماعة، يقال نادى الرجل: جالسه في النادي، والندى: المجالسة، وناديته: جالسته. وتنادوا: تجالسوا في النادي، والندِيّ والندوة والنادي والمنتدى: المجلس ما داموا مجتمعين فيه. والنادي: مجتمع القوم وأهل المجلس، يقال: ندوت القوم أندوهم إذا جمعتهم في النادي، وبه سميت دار الندوة بمكة التي بناها قصي، سميت بذلك لاجتماعهم فيها (١) .
قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لتَأْتُونَ الرِّجَال وَتَقْطَعُونَ السَّبِيل وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ المُنكَرَ﴾ (٢) فالنادي هو المجلس، والمعنى تفعلون في مجالسكم المنكرات. وقال في موضع ﴿وأحسن نديا﴾ أي أحسن مجلسا.
أنواع الندوة:
الندوة حسب موضوعها وأسلوب إدارتها والأعضاء المشاركين فيها أنواع:
فمنها الندوة العلمية البحتة، وهي التي تبحث في قضايا علمية وتتناول موضوعا ما بالبحث في عناصره كلها أو جلها أو بعضها، والندوات الاجتماعية،
стр. 80
وهي الباحثة في شئون المجتمع والأسرة والبيئة والتنمية، من حيث التربية والتقويم، ومن حيث علاج المشكلات وطرح الحلول، ومن حيث التأصيل للكثير من العادات والأخلاق والقيم وتوجيهها نحو الأفضل والأقوم، ومنها الندوات السياسية وهي الباحثة في علوم السياسة المختلفة. كالتراتيب الإدارية والعلاقات الدولية والشئون المتعلقة بالشورى ونحوها..
والندوات باعتبار الوسيلة التي تقدم فيها أنواع منها الندوة الإذاعية والندوة التلفازية المسجلة، والندوة التلفازية المباشرة، والندوة الصحفية..
والندوات عموما من أمتع البرامج الإعلامية وأكثرها فائدة لتحقق عنصرين أساسين:
عنصر التعدد في المتحدثين ولكل متحدث خبرته وأسلوب حديثه ونمط تفكيره
وعنصر التنوع الملحوظ في المحاور الموضوعية والفنية التي تثري الندوة علميا.
ومحاور الندوة ثلاثة:
أولا- (المحور الموضوعي) : وينصب نحو حسن اختيار الموضوع وفرز عناصره وترتيبها وتصنيفها، ثم توزيعها على أعضاء الندوة، ويراعى لتحقيق ذلك:
١- أن تكون الندوة هادفة وتدور حول موضوع يتعلق بقضايا العصر، فاختيار الموضوع الجيد العصري النابع من حاجات الناس المتناسب مع تطلعاتهم ركيزة أساسية في نجاح الندوة.
٢- الدقة في وضع وتفريع واستخراج العناصر وترتيبها.
стр. 81
٣- الدقة والعدالة في إسناد كل عنصر إلى من يتقن عرضه ويحسن الإلمام به ويبدع في التحدث عنه. وتقدير زمن الحديث لكل متحدث لا يتجاوزه.
كل ذلك من عوامل التفاعل بين المتحدثين والجمهور المتلقي.
ثانيا- (المحور الإداري) : وهو المحور المتعلق بأشخاص المتحاورين المشاركين في الندوة، وأولهم مديرها الذي يتولى إدارة دفة الحديث وتقديم الضيوف والتعريف بهم وتوجيه الأسئلة وتتبع الإجابات وتلخيصها وتقديم الشكر ...
ولعلماء الإعلام في مدير الندوة رأيان، أولهما: أن يكون من ذوي الاختصاص والمكنة والدربة في موضوع الندوة حتى تكون الندوة مثمرة هادفة مرتبة يستقطب فيها المدير ببراعته وخبرته وذكائه واطلاعه الواسع كل أو جل العناصر المراد إيرادها.
الرأي الثاني: أن مدير الندوة ينبغي أن يكون عاميا حتى تأتي أسئلته عفوية على عكس الضيوف المختصين في موضوع الندوة، فمتى كان مدير الندوة عفويا في أسئلته ساذجا في طريقة استفهامه كان كأحد أفراد الجمهور المستمع فيكون أقرب إليهم عقلا ومنطقا وحساً.. والرأي الأول هو الأصوب.
ويتعلق هذا المحور بضيوف الندوة حيث يجب أن يكونوا ممن لهم اختصاص في موضوع الندوة.
ثالثا- (المحور الفني) : وتتلخص ضوابط الندوة من الناحية الفنية في الآتي:
١- يقع ضمن اختصاصات مدير الندوة: الافتتاح بالحمد لله والثناء عليه، ثم الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ : ومن بعد ذلك تقديم مجمل لموضوع الندوة وأهميته وإبراز المعالم الأساسية للعناصر التي ستطرح إما على سبيل فقرات أو على شكل تساؤلات، ثم تقديم ضيوف وأعضاء
стр. 82
الندوة، والبدء بالضيف الأول من يمين مدير الندوة، ومراقبة الزمن المتاح لكل عضو، وإدارة دفة الحديث بحسب مقتضيات الموضوع وعلى ضوء مجاري الحديث والأفكار المتتابعة المستوحاة من أسلوب العرض، ولا يستأثر بالحديث، وفي الختام يشكر المدير المستمعين والضيوف بعد أن يلخص مقاطع الندوة في دقة وبراعة بحيث يكون التلخيص على شكل استنتاجات وخلاصات عامة. وهو ما يعرف بالتوصل إلى نتيجة، وعلى العموم فإن مدير الندوة يتوخى منه القيام بثلاث مهمات رئيسة: توجيه الأسئلة، والاشتراك في النقاش بإيجاز، وتوجيه دفة الحديث عند الحاجة. وتحقيق هذا المطلب يستوجب منه أن يكون متوقد الذهن حاضر البديهة متابعا لكل جزئيات الندوة لبقا أديبا أريبا يتوجب على أعضاء الندوة القيام بعدة انفعالات هي بمثابة التجاوب والتفاعل مع موضوع الندوة ومديرها، بحيث يكون عرض الموضوع أو الإجابة على السؤال بطريقة علمية مدروسة يراعى فيها التركيز والبعد عن الاستطرادات الهامشية، وأن يأتي الحديث متسلسلا عذبا مشوقا، وينبغي أن يعمل الجميع بروح الفريق الواحد سمتهم التضامن والتكامل فما فات متحدث يستدركه متحدث آخر بلباقة وفي أدب، وما أثاره طرف أكمله طرف آخر، وما أجمله عضو أبانه آخر وفسره، وما أخطأ فيه أحدهم صوبه زميله بكياسة وحنكة.. الخ. وينبغي ألا تخلو الندوة من أدبيات الحديث كقول المتحدث: والآن سيتحفنا فلان بالحديث عن كذا، أو قوله: إن ما تفضل به فلان من الحديث عن كذا هو رأي حصيف وقد أتى بجوهر القضية ويبدو لي أن ثمة إضافة توضيحية أستكمل بها ما بدأه فأقول ... وهكذا. دون أن يقلل من شأن زميله أو يشير إلى تقصيره في الإبانة أو ينتقصه، فإن هذه الأدبيات ترتقي بالندوة في أسلوبها وطريقة عرضها ونمط أطروحاتها إلى مستوى رفيع.
стр. 83
وأما ما نجده أحيانا من انتقال الحديث بين أعضاء الندوة بشكل آلي رتيب بحيث يظل العضو المشارك صامتا خاملا حتى يُطلب منه الكلام، أو أن يستأثر أحد الأعضاء بالحديث فهو مخالف لروح الندوات العلمية وطبيعتها. الندوة في عمومها ينبغي أن لا تخلو من مداخلات وتعليقات علمية هادفة بالأسلوب الحكيم والسمت الرزين، لأن ذلك يضفي عليها الحيوية والحركة والطرافة والتجديد، ويطرد عنها الملل والرتابة، فإذا أراد الضيف مداخلة فليبدأ أولا بالإشادة بمن سبقه في الحديث ويثني عليه بحيث لا يشعر المستمع أنه يستدرك عليه أو يطعن فيه أو يقلل من شأنه وأهميته، ثم ليبنِ بعد ذلك بالحديث الذي يريده باقتضاب وفي أدب جم. ومن الواجب أن يجتمع أعضاء الندوة قبل عقدها لتداول الرأي في كل ما يتعلق بالموضوع وطريقة عرضه وتوزيع الأدوار.
стр. 84
المبحث الثاني: مسالك التدريب على إقامة الندوة
لا بد للندوة كغيرها من أنماط الإعلام أن تمر بمراحل ثلاث كي تكون مفيدة قيمة، وهي أبرز مسالك التدرب على إقامة الندوات:
أ- الإعداد الجيد والتحضير القوي وتشمل هذه المرحلة: اختيار الموضوع والأعضاء وتحديد الزمان والمكان والجمهور. ولا بد في هذه المرحلة من تهيؤ المشاركين في الندوة علميا ونفسيا كي تخرج الندوة مرتبة في أفكارها وعناصرها سلسة في أسلوب المتحدثين فيها قيمة نافعة. ومن المفيد في هذه المرحلة أعداد نموذج تجريبي مصغر للندوة وهو ما يسمى في لغة الإعلاميين (البروفة) يتم من خلالها التدرب على الندوة ومعرفة الايجابيات والسلبيات التي يمكن أن يبديها الأستاذ المدرب.
ب- التنفيذ الحكيم وهي مرحلة التطبيق العملي ويراعى فيه ما تقدم من اختصاصات كل من مدير الندوة وأعضائها.. ومن أهم ما ينبغي أن يتحلى به المشاركون في الندوة اللباقة والكياسة والتركيز على الحديث في الموضوع المحدد والجزء الأكبر في نجاح العضو المتحدث في الندوة يعتمد على قوة شخصيته ومكنته العلمية وفطنته.
ج- التقييم أو التقويم - ويصح الوجهان - وله عدة وسائل منها عمل استفتاء جماهيري عن مدى نجاح الندوة وتحقيق أهدافها الإعلامية، أو استكتاب ذي الاختصاص ممن يتميزون باهتماماتهم الإعلامية، ويستفاد من ذلك في الندوات التالية بالحرص على الجانب الإيجابي النافع وتلافي الجانب السلبي..
وفيما يلي نموذج مصغر من خلاله يمكن تقييم الندوة من الناحية العلمية
стр. 85
الموضوعية أو الناحية الجمالية التعبيرية أو الناحية الأدبية.
عنوان الندوة: حقوق الجار.
مدير الندوة سلمان، أعضاؤها: بسام / فتح / عمر.
تاريخ انعقادها / /
المكان:
مدتها: ٢٠ دقيقة.
النقاط المطلوب مراعاتها في المدير/ النقاط المطلوب تحقيقها في الأعضاء المشاركين:
الافتتاح المناسب - مدى التجاوب والاتسام بروح المشاركة
جودة العرض - كثرة الاستشهاد بالنصوص الشرعية
جودة التلخيص - القدرة على سلامة الاستدلال والتوجيه
تناسق الصوت - تناسق الصوت
التعليق المؤقت المناسب - المداخلة المتناسقة
المحافظة على وقت الندوة - توزيع النظرات بين الجمهور
القدرة على الموازنة - استخدام الإشارات المناسبة أثناء الحديث
استيعاب عناصر الموضوع - القدرة على التكيف مع الزملاء
القدرة على ربط العناصر - القدرة على تركيز الحديث في العنصر المحدد له
الختام وعناصره - القوة العلمية
البشاشة - مدى التفاعل مع الموضوع
القدرة على الإبداع - مدى الالتزام بالنص
هذا ولا بد من التشاور والتنسيق بين مدير الندوة وأعضائها قبل البدء في
стр. 86
تنفيذ الندوة بحيث يعرف كل عضو دوره والسؤال أو العنصر المخصص له أو المتوقع تخصيصه له والوقت المحدد له، لتوظيف عنصر الانتباه في خدمة الموضوع وطرائق عرضه، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الفائدة العلمية للمستمعين ومن المطلوب مراجعة جميع النصوص التي سيجري الحديث عنها إن كانت ثمة نصوص لتثبيت الجيد منها واستبعاد ما ليس كذلك كالأحاديث الضعيفة والقصص الخرافية والمعلومات غير الموثقة، وهذه مسئولية علمية أدبية يشترك فيها جميع أعضاء الندوة وإن كان كل واحد منهم مسئولا عن حديثه.
وكل عنصر من العناصر المذكورة في القائمة السابقة يمكن معرفته على وجه الدقة بالخبرة التي لا يخلو منها الإعلامي والداعية الحصيف، فمثلا لمعرفة عنصر (القوة العلمية) يلاحظ أسلوب المتحدث ولغته التعبيرية وتسلسل أفكاره المتسارع مع الموضوع، وخلوه من العبارات الاعتذارية كقوله: ليس لدي شيء أضيفه بعد هذا! أو قوله: ما سبق فيه الكفاية.. أو قوله: لعل الوقت يسمح بهذا فحسب.. ونحو ذلك مما يقع فيه العضو المتحدث عمداً أو سهواً.
стр. 87
الفصل الرابع:
التدريب على الكلمة الإذاعية
المبحث الأول:
مقدمة عن الإعلام وخصائصه ووسائله ووظائفه
ما هو الإعلام؟
الإعلام مرادف للدعوة كما تقدم في حديث معاذ وفيه (فإن هم استجابوا لك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة)
وللإعلام في عصرنا مفهوم يتحدد في (جملة ما يتعلق بالاتصال المباشر وغير المباشر وجملة المؤثرات السمعية والبصرية)
ولئن كانت العناصر الأساسية للعملية الإعلامية ستة وهي:
١-المصدر أو المرسل. ٢- الرسالة أو الموضوع. ٣- الوسيلة.
٤- المستقبِل أو جهة التلقي. ٥- التأثير. ٦- رد الفعل.
فإن هذه العناصر نراها جلية في كل الوسائل المتاحة من مقروءة ومسموعة ومرئية وموثقة، لأنها عناصر أساسية لا تتم العملية الإعلامية إلا بتحققها.
وللإعلام الإسلامي خصائص ينفرد بها، يستمدها من خصائص الإسلام العامة وهي:
١- الربانية: من حيث المصدر ومن حيث المقاصد والغايات ومن حيث أصول المناهج.
стр. 88
٢- العالمية: فلا يخاطب قوما بعينهم ولا بلدا انطلاقا من أن الرسالة الخاتمة للناس كافة.
٣- الشمول: بحيث تنتظم أمور الدنيا والآخرة، أي: المعاش والمعاد.
ووسائل الإعلام أنواع كثيرة تتلخص في الآتي:
١- الوسائل الشفهية: ومنها النصح الانفرادي، والإجازة، والمذاكرة العلمية..
٢- الوسائل المرئية ومنها: التلفزيون، والفيديو، وشبكة الانترنيت، وأفلام المايكروويف والكمبيوتر (الحاسب الآلي) وغيرها..
٣- الوسائل المسموعة ومنها: الإذاعة، والأشرطة السمعية، والخطابة.
٤- الوسائل المقروءة ومنها: الصحيفة، والمجلة، والكتاب، والنشرات، والرسائل:
ومن الأمثلة عليه كتبه ﷺ إلى الآفاق، كتابه إلى عظيم الروم فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إِلى الإِسْلامِ ... وفِيه: "بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولهِ إِلى هِرَقْل عَظِيمِ الرُّومِ سَلامٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ أَسْلمْ تَسْلمْ وَأَسْلمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَليْتَ فَعَليْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ" الحديث (١)
وكذلك كتبه إلى كل من: المقوقس ملك مصر، والنجاشي ملك الحبشة، وغيرهم (٢)
стр. 89
هذا وللإعلام وظائف، تتلخص في الآتي:
١- تبليغ دين الله وشرح الحقائق للناس:
ولقد استخدم كل رسول من رسل الله الأسلوب الإعلامي الملائم لعصره لتحقيق هذه الغاية وهي إبلاغ الشرع وإقامة الحجة إلى أكبر قدر ممكن من المستمعين المخاطبين.
ويدل عليه ما رواه ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: «لمَّا نَزَلتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الصَّفَا فَجَعَل يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ، لبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَل الرَّجُل إِذَا لمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَل رَسُولا ليَنْظُرَ مَا هُوَ فَجَاءَ أَبُو لهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَال: "أَرَأَيْتَكُمْ لوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَليْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ " قَالوا: نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَليْكَ إِلا صِدْقًا. قَال: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيد"ٍ. فَقَال أَبُو لهَبٍ تَبًّا لكَ سَائِرَ اليَوْمِ أَلهَذَا جَمَعْتَنَا فَنَزَلتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالهُ وَمَا كَسَبَ﴾ » (١)
٢- بناء الشخصية الإسلامية:
وإعداد المجتمع الإسلامي المتماسك المتكافل والإسهام في ذلك، ولا يتم ذلك إلا ببناء الأسرة المسلمة السوية التي في أحضانها ينبت وينشأ ويترعرع الولد الصالح، ولا شك أن للوالدين دورا مهما في توجيه الولد نحو الاستفادة من النافع وترك وتجنب الضار مما يسمعه ويراه ويقرأه من القنوات الإعلامية.
والدور الإعلامي يضارع في قوة تأثيره الدور التربوي المنوط بالوالدين
стр. 90
والمدرسة والمربين إن لم يفقه، لما يتسم به الدور الإعلامي من سمة الاستمرارية والجاذبية والتجديد.
وتتسع مجلات بناء الشخصية الإسلامية المثلى لتشمل أغراضاً شتى كتقرير المصالح العليا للدولة ومثاله العفو العام الذي أصدره النبي ﷺ غداة فتح مكة، وعلى العموم فإن وظيفة الإعلام في بناء وتكوين الشخصية الإسلامية دور ريادي لا يمكن من الوجهة الواقعية تجاهله أو التقليل من شأنه.
٣- التعليم والتثقيف وبيان أحكام الإسلام:
وهي الوظيفة الكبرى للإعلام بعد تقرير التوحيد وباقي أركان العقيدة، وقد وظف الشرع قنوات عديدة لتحقيق هذه الغاية السنية كخطب الجمع والأعياد وعامة المواعظ في القرآن العظيم والسنة النبوية الشريفة. وعلى الأخص فمن أمثلته ما رواه حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَال بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلكَ الحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ نُؤَذِّنُ بِمِنًى: "أَنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ وَلا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ. قَال حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُول اللهِ ﷺ عَليًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٌ. قَال: أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَذَّنَ معنا عليّ فِي أَهْل مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ، لا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ وَلا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ» (١) .
٤- الوظيفة الإخبارية.
الأخبار هي: (تقرير عن أكثر الأشياء أهمية وأعظمها شأناً وأقربها إلى الواقع وأكثرها حداثة) (٢)
стр. 91
وقد نوه القرآن العظيم بالوظيفة الإخبارية وأنها من مقومات المجتمع الإنساني، قال تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ (١) وقال في سياق الحديث عن المنافقين: ﴿قُل لا تَعْتَذِرُوا لنْ نُؤْمِنَ لكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ (٢)
وفي قيمة تداول الخبر وتوظيفه لبناء العلاقات بين الدول خبر غلبة الروم على فارس إبان عصر النبوة وكان قد سر المسلمين، وفيه قوله تعالى: ﴿الم * غُلبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلبِهِمْ سَيَغْلبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْل وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) .
وقال في خاصية التثبت والاستيقان وهي من خصائص مصداقية الخبر في المجتمع الإسلامي: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَال أَحَطتُ بِمَا لمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (٤)
٥- الترفيه البرئ:
وهو ما يكون خاليا من المحرمات، ومنضبطا بالضوابط الأخلاقية، ولقد كان النبي ﷺ يرفه عن نفسه وعن أزواجه وعن أصحابه، وكان له من أصحابه من يضحكه ويرفه عنه، وفيما يأتي بعض الشواهد على ذلك:
стр. 92
- عن عمر بن الخطاب أن رجلا على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله ﷺ وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب فأتى به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي ﷺ : "لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله" (١)
- عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر: «أن رجلا كان يلقب حمارا وكان يهدي إلى النبي ﷺ العكة من السمن والعسل فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء إلى النبي ﷺ فقال أعط هذا متاعه فما يزيد النبي ﷺ على أن يتبسم ويأمر به فيعطى" (٢)
هذا غير ما أكتفي بالإشارة إليه كتسابقه مع عائشة، وحمله إياها لترى الحبشة يلعبون في المسجد، وإقراره الجاريتين تغنيان في بيت عائشة يوم عيد.
ومن أهداف الإعلام الإسلامي:
- تحقيق العبادة لله تعالى وحده لا شريك له، وتأسيس الحياة على هذا الأساس الإيماني الوطيد.
- ترقية اهتمامات الناس والسمو بعقولهم ووجدانهم وسلوكهم وإشاعة الثقافة الإسلامية بمبادئها السامية وقيمها الرفيعة، ومحو الأمية الفكرية والسعي لتوحيد الأمة وتضامنها فكرا ووجدانا وولاء وتطبيقا.
التأكيد على كرامة الإنسان وحرية الفرد وحمايته من كل ما يضره في
стр. 93
- دينه ونفسه وعقله وعرضه وماله.
- الاهتمام بشئون المسلمين بتبني قضايا المسلمين والمطالبة بحقوق المستضعفين (فلسطين، كشمير، فطاني، المسلمون في الفلبين، الشيشان، كوسوفو، البوسنة والهرسك، تركستان، الجمهوريات الإسلامية في منطقة روسيا وما جاورها)
- تعرية الحضارة الغربية الرأسمالية والحضارة الشيوعية المادية وكشف ما فيها من حب المادة والأنانية ونبذ القيم والأخلاق..
- هدف انتقائي توجيهي هو إلقاء الضوء على كل ما يطرح من فكر أو اتجاه أو مستحدث من المستحدثات لدراسته وتقويمه بمعايير الإسلام، فهو يهدف إلى تنقية الإسلام من كل ما يعلق به من شوائب (١)
أسس إعداد وتقديم الحديث الإعلامي:
الإعلام في الأمة الإسلامية بمثابة الروح للجسد وهي أمة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلقَ﴾ (٢) ، فكل فرد في المجتمع الإسلامي يجب عليه تعلم ما لا يعذر بجهله من أمور الدين، ما به يمكنه أن يؤدي فروض الدين ومعرفة الحلال والحرام والضار والنافع، وما به كذلك يعرف حقوق النفس وحقوق الآخرين. وعليه فإن العملية الإعلامية مبناها الوحي المعصوم، وأساسها الكتاب والسنة، هذا من حيث التأصيل.. وأما من حيث التنظير: ((فلا يحق لرجل الإعلام أن يسيطر على الحوار أم يهيمن على المشورة والنقاش، وإنما وظيفته الحقيقية إتاحة الفرصة
стр. 94
أمام ذوي الرأي للإدلاء بآرائهم ووجهات نظرهم، إثراءً للمناقشة وتعبيراً عن وجهات النظر المختلفة، مع الالتزام بالمعايير الإسلامية للوصول إلى الحقيقة، وهكذا يتم التفاعل المستمر بين أجزاء الأمة، ولا يسيطر على الحوار أحد، وإنما تسيطر القيم الإسلامية وحدها)) (١) .
стр. 95
المبحث الثاني: الإذاعة وخصائصها
تعريف الإذاعة:
الإذاعة في اللغة: ((الفشو والانتشار والإشاعة، يقال ذاع الخبر أي فشا وانتشر، والمذياع كل من إذا رأى في أحد عيبا نشره وأذاعه)) (١)
ومنه ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٢) فقوله ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أي: أفشوه وبثوه في الناس قبل رسول الله ﷺ وقبل أمراء سرايا رسول الله ﷺ وسارعوا في نشره (٣)
والإذاعة بحسب أغراضها أنواع منها: الإذاعة العامة لكل بلد وهو ما يعرف عند العوام بـ (الراديو) ، ومنها: الإذاعة المدرسية، ومنها الإذاعات المتخصصة لأغراض تنصيرية..
ولا يخفى ما لجهاز الإذاعة من دور ملموس في الهدم أو البناء بحسب ما خصصت له وأنشئت من أجله، وننوه بالدور الكبير الذي تقوم به إذاعة القرآن الكريم في المملكة ومصر والكويت وغيرها.. في بث الوعي الإسلامي وتحصين الفرد والأسرة والمجتمع ضد الهجمات الفكرية التي تستهدف العقيدة والأخلاق والقيم.
стр. 96
خصائص الإذاعة:
تتميز الإذاعة والأحاديث الإذاعية بعدة سمات وخصائص منها:
١- سعة الانتشار:
فهي متاحة لأكبر قدر من الناس على اختلاف ثقافاتهم ومهنهم وانشغالاتهم حيث يستمع إلى الإذاعة العامل في معمله والتاجر في متجره والسائق في سيارته والمسافرون في سياراتهم وطائراتهم وسفنهم، وربة المنزل في مطبخها.. وهكذا فالإذاعة أوسع انتشارا وأقرب منالا كما أن التلفاز أكثر تأثيرا لارتكازه على عنصري السمع والبصر. وليس هناك وسيلة إعلامية أكثر انتشارا من الإذاعة (الراديو) ، فإذا وافق برنامجا مفيدا كان فيه خيرا كثيرا، كعامة البرامج التي تقدم من إذاعة القرآن الكريم من الرياض، قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ جوبا على سؤال في الإفتاء: (في الاستماع إلى برنامج (نور على الدرب) خير عظيم، وفيه مصالح جمة، وقد يسر الله للمسلمين هذا البرنامج ليستفيدوا منه فهو بمثابة حلقات علمية يستفيد منها الرجال والنساء وهم في بيوتهم ومجالسهم وعلى أسرّتهم! فهو من نعم الله العظيمة، ومن حجة الله القائمة على الناس، يصل إليهم في بيوتهم وفي سياراتهم وفي طائراتهم وفي كل مكان) إلى أن قال: ((ولا بأس بفتح الراديو في المسجد لسماع هذا البرنامج ولسماع العلم من غير هذا البرنامج في الأوقات المناسبة التي يتفق الجماعة عليها، فإذا جاءت أصوات الموسيقى أو شيء لا يرتضى وجب قفله)) (١) .
٢- قلة الكلفة:
فالاستماع للإذاعة لا يكلف في الأغلب سوى اقتناء الجهاز الإذاعي
стр. 97
(راديو ترانزستور) وثمنه زهيد إذا ما قورن بالأجهزة الإعلامية الأخرى كالتلفاز والكمبيوتر ... لذا فلا بد من مراعاة الخصائص الإذاعية التي تحقق أغراض الإعلام الإذاعي على الصورة المتوخاة.
стр. 98
المبحث الثالث: مسالك التدريب على الكلمات الإذاعية
أ) مرحلة الإعداد ومراعاة خصائص الأسلوب الإذاعي:
من أهم ما ينبغي أن يراعى في الأحاديث الإذاعية:
أ-وضوح التعبير:
ليكون في متناول الجميع فيفهمه كل فئة من فئات المجتمع، ويسلك المتحدث الإذاعي عدة مسالك لتحقيق هذه الغاية، كتوخي اللفظ المعبر السهل البعيد عن التكلف والغموض، ومثل تكرار بعض الجمل ذات التركيب التعبيري الجزل لتفهم جيدا، وشرح بعض الاصطلاحات التي ربما ترد أثناء الحديث الإذاعي..
ب- التشويق والاستمالة:
وسبيله الإتيان بالعبارات الإذاعية التشويقية التي بها يستميل المتحدث المستمعين، كقوله: أيها المستمع الكريم في بداية المقاطع الإذاعية ففيه التحبب إلى المستمع والتودد إليه وهو عامل مهم ومؤثر في جذب المستمع وحثه على متابعة الحديث، وأيضا قوله: والأمر كما ترون مستمعي الأكارم..
ج- إضفاء الصبغة الإسلامية على الحديث:
وهو أمر مهم جدا لا سيما وقد عطل هذا الأدب الإسلامي في كثير من المنابر الإعلامية كالإذاعات ومحطات التلفزة التي تُبث في مختلف البلاد الإسلامية حتى غدت عامة البرامج خالية من هذا اللون المتميز ذي التوجه الأخلاقي التربوي.
ومن الأمثلة على السمة الإسلامية بدء الحديث بالحمد لله والثناء عليه، ثم الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ ، ثم إلقاء تحية الإسلام
стр. 99
الخالدة وهي قوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وقوله في ختام الحديث استودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم عملكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأن يتخلل البدء والختام من الجُمل والتراكيب التعبيرية ما يشعر بأن الحديث ذو أهمية أخلاقية، وأنه مؤسس على أساس شرعي، وقاعدة الشرع شاملة تشمل كل ضروب الحياة وأنماطها..
د- اللغة الإذاعية:
ينبغي أن تكون واضحة القسمات: بحيث لا لبس فيها ولا غموض، وبحيث تكون بعيدة عن التراكيب الجزلة التي تستدعي أناة وتكرارا لفهمها، فالحديث الإذاعي لا يتكرر في الوقت الواحد، ولا يتاح لمن فاته فهم جملة أو عبارة أن يعيد سماعها إلا بآلة التسجيل وقد لا تتهيأ له!
ومن الأمثلة التطبيقية على ذلك قصر الجمل وقصر الفواصل، وأن لا يطول الفاصل بين الضمير والعائد عليه، ووضوح اللفظ وبساطة التركيب، والخلو من التعقيد المنطقي أو التقعر الفلسفي.
ولا ننسى الإشادة بما قامت وتقوم به إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية من دور ريادي تؤدي به الرسالة الإعلامية والدعوة إلى الله تعالى على الوجه المتوخى، إذ تبث البرامج النافعة القيمة من تلاوات للقرآن الكريم وتجويده وتفسيره، وأحاديث وندوات وبرامج تربوية وعلمية وثقافية متنوعة، وأخبار العالم الإسلامي وقضاياه.. ومثل ذلك إذاعة نداء الإسلام من مكة المكرمة.
وكذلك الإذاعات الأخرى في كثير من البلاد الإسلامية كإذاعة القرآن الكريم من القاهرة وغيرها.
стр. 100
ب) - مرحلة التقويم، وعناصره:
نموذج تقويم الكلمة الإذاعية، المذيع: التاريخ / / ?
المعايير العامة (لكل معيار ١٠ درجات)
١- الالتزام بالآداب الشرعية
٢- نقاء الصوت ونداوته
٣- سلامة اللغة
٤- سلالة اللفظ الخالي من الغموض
٥- تكرار بعض الجمل للحاجة التعبيرية
٦- التخريج ونسبة الأقوال لأصحابها
٧- الإتيان بالعبارات التشويقية
٨- مراعاة السكتات والوقفات
٩- التأني في الإلقاء
١٠- مراعاة الزمن المحدد
стр. 101
الفصل الخامس:
التدريب على الكلمات المرئية
المبحث الأول:
تعريف الراي وخصائصه، ونبذة عن بعض الأحكام المتعلقة به
الراي، جهاز مرئي ينقل الصوت والصورة من جميع أنحاء العالم إما من تسجيل مسبق أو على الهواء مباشرة وهو المعروف عند العوام بـ (التلفزيون) وقد عمت به البلوى فقل أن تجد بيتا أو متجرا أو مستشفى أو منتدى أو مزرعة أو مصنعا إلا وفيه هذا الجهاز الإعلامي العجيب.
خصائص الراي:
ويمكن تلخيص مقومات وخصائص التلفزيون (الرائي) فيما يأتي:
١- يجمع البرنامج المتلفز خاصيتين لا تتوفران في غيره، إذ يخاطب العقل والوجدان وتتوافر في التأثر به عامل السمع وعامل البصر (الصوت والصورة) معا في آن واحد، ولذلك من قوة التأثير ما لا يتحقق في غيره، ويتأكد هذا إذا كان البث مباشراً في ساعة الحدث وإبانه كبث وقفة الحجيج على صعيد عرفات ونفرتهم إلى منى.. وكنقل صلوات الجمع والأعياد من الجوامع الكبيرة كالحرمين الشريفين وغيرها.
٢-يتاح لكل فئات الناس: بحيث يتواجد في البيوت والنوادي والمطاعم والبقالات والمدارس ودور الحضانة والمستشفيات بل والبوادي ... الخ، فجهاز التلفزيون اليوم جزء من الحياة المعاصرة وبالتالي فإن دوره بليغ وخطير، إذ يترك
стр. 102
آثاره الإيجابية والسلبية على كافة فئات المجتمع الأطفال والشباب والشيوخ والنساء، ومن ثم فإن استغلاله كمنبر للدعوة إلى الله تعالى وفق الثوابت العقدية والشرعية والضوابط الأخلاقية من كبرى واجبات الدعاة إلى الله.
٣- مشاهد على مدار الساعة: لاسيما بعد وصول البث الفضائي عبر الأقمار الصناعية فالقنوات الفضائية اليوم خاصة مع بزوغ عام ٢٠٠٠ م تمثل ثورة إعلامية لا نظير لها.
وثمة اجتهادات يبديها كثير من الباحثين تبرز حاجة العالم الإسلامي الماسة إلى قناة فضائية عالمية البث إسلامية المضامين والرسالة تتضمن عدداً كبيراً من المحاور الموضوعية للعمل الإعلامي عبر القصة والحوار، والدرس، والمحاضرة، ولإخراج الفني منها:
- عرض المبادئ الإسلامية والقيم الأخلاقية ومناهج السلوك لمعالجة قضايا المسلمين وحل مشكلاتهم.
- التعريف ببلدان العالم الإسلامي جغرافيا وسياسيا واجتماعيا ووضع ترجمة على كل نسخة باللغات السائدة ليتمكن المسلمون من معرفة أحوالهم وحل مشكلاتهم.
- العناية بالجانب التاريخي لاسيما ما يتعلق بالحضارة الإسلامية وبطولات المسلمين في رد ودحر المعتدين في الحروب الصليبية (١)
أسس وضوابط إعداد وتقديم البرنامج المتلفز:
هناك عدد مهم من القضايا الفقهية المتعلقة بالبرامج التلفزيونية كالتصوير والتمثيل وحدو الترفيه ... وغيرها مما هو مثار نقاش فقهي، ولا بد أن ينتهي
стр. 103
البحث والنظر فيها إلى صيغة صحيحة تراعى فيها كافة الأصول الفقهية المعتبرة في مثل هذه القضايا الفقهية التي تبت فيها المجامع الفقهية المعنية.
وعلى الأخذ بجواز المشاركة في برامج الرأي (التلفزيون) للضرورة الإعلامية المتمثلة في الحاجة العصرية القصوى إلى هذا الجهاز الذي لا يكاد يخلو منه بيت أو مرفق عام أو خاص، هنالك عدد من الضوابط التي ينبغي مراعاتها في إعداد وتقديم وإخراج البرنامج التلفزيوني، وإضافة إلى القواعد العامة التي سبق ذكرها في ضوابط الحديث الإذاعي، هناك ضوابط أُخر تتلخص في الآتي:
أ) فمن الناحية الموضوعية:
- ينبغي الإتقان في اختيار الموضوعات التي هي محور العرض، والشكل الإعلامي الهادف الذي تقدم من خلاله كالقصة والحوار والندوة والمحاضرة.. الخ فليس كل الموضوعات تصلح أن تعرض من خلال هذه الوسيلة ذات التأثير العميق.
- كما أن الإتقان والتدقيق في اختيار أعضاء البرنامج أمر في الدرجة الأولى من الأهمية.
ب) ومن الناحية الأخلاقية:
لا بد من مراعاة القواعد الأخلاقية التي هي بمثابة الثوابت، فلا تتغير بتغير البيئات والمجتمعات والأعراف والاتجاهات الفكرية لأنها من جملة أمور الدين، ومنها:
- ضرورة أن تحاط القيم والعقائد والمثل بسياج متين من الاحترام والتقدير، فلا يجوز النيل منها بتاتا بأي صورة من الصور لا تصريحا ولا تلميحا، لا بصريح العبارة ولا بتضمين الإشارة، فإن مثل هذا العمل ليس من سمات
стр. 104
المسلمين، وقد يؤدي الخوض فيه إلى الخروج من الملة والانسلاخ من الدين والردة عياذا بالله تعالى، كما هو جلي في قصة المنافقين الذين اتخذوا من العقيدة
والدين مادة للتسلية واللهو! قال الله تعالى فيهم وفي أمثالهم: ﴿وَلئِنْ سَأَلتَهُمْ ليَقُولنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلعَبُ قُل أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (١)
قال ابن كثير: ((قال أبو معشر المديني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا قال رجل من المنافقين ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فجاء إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب. فقال: ﴿أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ إلى قوله ﴿كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ وإن رجليه لتنسفان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله ﷺ وهو متعلق بنسعة رسول الله ﷺ وقال عبد الله بن وهب أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر قال قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: مارأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء! فقال رجل في المسجد: كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله ﷺ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن فقال عبد الله بن عمرو أنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة وهو يقول يا رسول الله ﴿إِنَّمَا كُنَّا
стр. 105
نَخُوضُ وَنَلعَبُ﴾ ورسول الله ﷺ يقول ﴿أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ الآية وقد رواه الليث عن هشام بن سعد بنحو هذا
وقال ابن إسحاق: وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد من بني عمرو بن عوف ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشي بن حمير يسيرون مع رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال بعضهم بعضا والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال إرجافا وترهيبا للمؤمنين فقال مخشي بن حمير والله لوددت أن أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وإنا نغلب أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه وقال رسول الله ﷺ فيما بلغني لعمار بن ياسر أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا فإن أنكروا فقل بلى قلتم كذا وكذا فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه فقال وديعة بن ثابت ورسول الله ﷺ واقف على راحلته فجعل يقول وهو آخذ بحقبها يا رسول الله ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلعَبُ﴾ فقال مخشي بن حمير يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي فكان الذي عفى عنه في هذه الآية مخشي بن حمير فتسمي عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر وقال قتادة ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلعَبُ﴾ قال فبينما النبي ﷺ في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها هيهات هيهات! فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا فقال علي بهؤلاء النفر
стр. 106
فدعاهم فقال قلتم كذا وكذا فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب (١)
وقال عكرمة في تفسير هذه الآية كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول اللهم إني أسمع آية أنا أعني بها تقشعر الجلود وتجب منها القلوب اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت قال فأصيب يوم اليمامة فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره. وقوله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي بهذا المقال الذي استهزأتم به ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ أي لا يعفى عن جميعكم ولا بد من عذاب بعضكم ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة)) (٢)
وعلى سبيل المثال فلا يجوز استعراض شخصيات الأنبياء ولا الصحابة في التمثيليات التي تسمى الدينية أو غيرها، فللأنبياء والصالحين حرمتهم ولهم حقهم الأوفى من التبجيل والتوقير ما يسمو على كثير من الاعتبارات. والتمثيل من حيث هو واقع معاصر لا يصلح أن يكون أسلوبا في الدعوة لأن التمثيل كذب والكذب مذموم بل هو من صفات المنافقين فكيف يكون أسلوبا في الدعوة؟!
الالتزام بالقيم والآداب والأخلاق العامة لا سيما العفاف، فلا يجوز الاختلاط بين الرجال والنساء، والمرأة عورة فلا يجوز أن تُظهر المرأة شيئا من عورتها وزينتها مما أمرت بسترها عن الأجانب كالوجه والشعر والذراعين والساقين والقدمين وهذا موضع اتفاق بين الفقهاء، وبناء عليه فلا يجوز أن تظهر
стр. 107
على التلفزيون، ولا يجوز الترنم بأصوات وألحان ويذكر فيها آيات وأحاديث وأذكار فإن هذا من رسوم المتصوفة وهو مبتدع في الدين.
- وأما الترانيم بغير الآيات والأحاديث والأذكار، مثل الأشعار ونحوها فلا بأس به ما لم تصاحبه آلة موسيقى أو يحمل معان فاسدة، وبعضهم يتهاون في هذه القضية فلا يشر إلى هذا القيد ويتذرع بأن هذا مما عمت به البلوى، ولا يعتد بقوله (١)
التزام الصدق في القول والعمل والمقصد، فلا يجوز الكذب بأي صورة من الصور في الأعمال الإعلامية لا الأعمال الدرامية والترفيهية ولا غيرها، وقد أصبح الكذب لونا راقيا في معظم التمثيليات والمسارح والأفلام وهذا من سمات الكفار كما ترى، وفي حديث رسول الله ﷺ : "ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ثم ويل له" (٢)
قال الصنعاني: ((والويل الهلاك ورفعه على أنه مبتدأ خبره الجار والمجرور وجاز الابتداء بالنكرة لأنه من باب سلام عليكم. وفي معناه الأحاديث الواردة في تحريم الكذب على الإطلاق مثل حديث "إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلى البِرِّ وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلى الجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُل ليَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلى الفُجُورِ وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُل ليَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا" (٣)
стр. 108
والحديث دليل على تحريم الكذب لإضحاك القوم وهذا تحريم خاص. ويحرم على السامعين سماعه إذا علموه كذبا لأنه إقرار على المنكر بل يجب عليهم النكير أو القيام من الموقف)) (١)
وقسم الغزالي الكذب إلى: واجب ومباح ومحرم، وقال: ((إن كل مقصد محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوصل إليه بالكذب وحده فمباح إن أنتج تحصيل ذلك المقصود وواجب إن وجب تحصيل ذلك وهو إذا كان فيه عصمة من يجب إنقاذه وكذا إذا خشي على الوديعة من ظالم وجب الإنكار والحلف وكذا إذا كان لا يتم مقصود حرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجنى عليه إلا بالكذب فهو مباح وكذا إذا وقعت منه فاحشة كالزنا وشرب الخمر وسأله السلطان فله أن يكذب ويقول ما فعلت)) ثم قال: ((وينبغي أن تقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق فإن كانت مفسدة الصدق أشد فله الكذب وإن كانت بالعكس أو شك فيها حرم الكذب، وإن تعلق بنفسه استحب أن لا يكذب وإن تعلق بغيره لم تحسن المسامحة بحق الغير، والحزم تركه حيث أبيح.
واعلم أنه يجوز الكذب اتفاقا إلا في ثلاث صور كما أخرجه مسلم في الصحيح، قال ابن شهاب ﵀: لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها (٢)) ) (٣) .
стр. 109
ج) من الناحية الفنية:
- ينبغي الترتيب المسبق والتحضير الجيد لأي عمل إعلامي مرئي، ويشدد الإعلاميون على ضرورة عمل ما يسمى (بالبروفة) أو التجربة التطبيقية قبل التنفيذ النهائي، لأن إبراز العمل الجيد وتقديمه بالصورة المرضية يقوم على نمطية الأسلوب الجذاب والطريقة الحسنة التي يعرض بها ومن خلالها، وإن للأخطاء أثرها السيئ في فشل المادة الإعلامية أو غثائيتها وقلة تأثيرها وانصراف عامة الناس عنها.
- العناية الفائقة المعتدلة بالزي والهيئة والهندام، مع التمسك بالزي الإسلامي والاعتزاز به كرمز للأصالة، وذلك لتوافر عنصر الرؤية في البرنامج المتلفز مما لا يراعى مثله في البرنامج الإذاعي السمعي، ومن بدهيات الدين الحنيف أنه دين نظافة وحسن وجمال كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس" (١)
والنظافة والأناقة المنشودة تشمل اللباس والحذاء وترجيل الشعر واللحية وكل ما يتزيى به كما وقع في رواية الإمام أحمد ﵀ عنه قال قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر. فقال رجل يا رسول الله إني ليعجبني أن يكون ثوبي غسيلا ورأسي دهينا وشراك نعلي جديدا وذكر أشياء حتى ذكر علاقة سوطه أفمن الكبر ذاك يا رسول الله قال: لا ذاك الجمال! إن
стр. 110
الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر من سفه الحق وازدرى الناس" (١)
إن العناية بالأزياء الإسلامية التي من سماتها الحشمة والعفة والوقار، والاعتزاز بذلك هو في حد ذاته رسالة تجعل رجل الإعلام المتمسك بعقيدته الذاب عن دينه المعتز بذلك مثالا يقتدى، ونموذجا إسلاميا حيا له تأثيره وإيحاءاته لا سيما في العصر الحاضر الذي يقيم للشكل والمظهر وزنا وحسابا.
- مدة العرض وحسن اختيارها بحيث تكون معقولة ليست بطويلة مملة ولا قصيرة مخلة، فالبرامج المتلفزة مقننة بالقيد الزمني بحيث لا تطغى مادة على أخرى ومتى أخل المعد أو المخرج بهذه القاعدة أحدث خللا في جدولة البرامج وهو معيب، أو تسبب في بتر المادة الزائدة عن الوقت المحدد فيتشوه البرنامج إذ يبدو ناقصا.