← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10059

تزكية النفوس

أحمد فريد

Полный текст (124 стр.). Показаны 106–124 · переход к 111.

стр. 106

ب - الخوف الخوف: سوط الله يسوق به عباده إلى العلم والعمل لينالوا بهما القرب من الله تعالى، وهو عبارة عن: تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه فى الاستقبال، والخوف هو الذى يكف الجوارح عن المعاصى ويقيدها بالطاعات. والخوف القاصر يدعو إلى الغفلة والجرأة على الذنب والإفراط فى الخوف يدعو إلى اليأس والقنوط. والخوف من الله تعالى تارة يكون لمعرفة الله تعالى، ومعرفة صفاته، وأنه لو أهلك العالمين لم يبال، ولم يمنعه مانع، وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصى، وتارة يكون بهما جميعاً، أو بحسب معرفته بعيوب نفسه، ومعرفته بجلال الله تعالى واستغنائه، وأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، تكون قوة خوفه. فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه، ولذلك قال ﷺ : " والله إنى لأعلمهم بالله وأشدهعم له خشية " (١). وقيل للإمام الشعبى: يا عالم: قال إنما العالم من يخشى الله وذلك لقول الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر: من الآية ٢٨).

стр. 107

وقال ابن مسعود ﵁: " كفى بخشية الله علماً وكفى بالاغترار جهلاً". ولذلك قيل: ليس الخائف من يبكى ويمسح عينيه، بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه، وقيل لذى النون المصرى: متى يكون العبد خائفاً؟ قال: " إذا نزل نفسه منزلة السقيم الذى يحتمى مخافة طول السقام ". وقال أيو القاسم الحكيم: " من خاف شيئاً هرب منه، ومن خاف الله هرب إليه ". وقال الفضيل بن عياض: " إذا قيل لك: هل تخاف الله فاسكت فإنك إن قلت: نعم، كذبت، وإن قلت: لا، كفرت ". والخوف يحرق الشهوات المحرمة فتصير المعاصى المحبوبة عنده مكروهة، كما يصير العسل مكروهاً، عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سماً، فتحرق الشهوات بالخوف، وتتأدب الجوارح، ويحصل فى القلب الخضوع والذلة والاستكانة ويفارقه الكبر والحقد والحسد، بل بصير مستوعب الهم بخوفه، والنظر فى خطر عاقبته، فلا يتفرغ لغيره، ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة، والضنة بالأنفاس واللحظات، ومؤاخذة النفس بالخطرات، والخطوات والكلمات، ويكون حاله حال من وقع فى مخلب سبع ضار، لايدرى أنه يغفل عنه فيفلت، أو يهجم عليه فيهلك، فيكون بظاهره وباطنه مشغولاً بما هو خائف منه لا متسع فيه لغيره، فهذا حال من غلبه الخوف.

стр. 108

فضيلة الخوف جمع الله لأهل الخوف والهدى والرحمة، والعلم، والرضوان، فقال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٤). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر: من الآية ٢٨). وقال : ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (البينة: من الآية ٨). وقد أمر الله بالخوف، وجعله شرطاً فى الإيمان، فقال : ﴿ْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٧٥). فلذلك لا يتصور أن ينفك مؤمن عن خوف وإن ضعف، ويكون ضعف خوفه بحسب ضعف معرفته وإيمانه. وقال رسول الله ﷺ : " إن رجلا حضره الموت فلما يئس من الحياة أوصى أهله إذا أنا مت فاجمعوا لى حطباً كثيراً وأوقدوا فيه ناراً، حتى إذ أكلت لحمى، خلصت إلى عظمى فامتحشت، فخذوها فاطحنوها ثم انظروا يوماً راحاً فأذروه فى اليم ففعلوا فجمعه الله فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك: فغفر الله له " (١).

стр. 109

قال ﷺ :" لايلج النار أحد يبكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن فى الضرع " (١). قال الفضيل بن عياض: " من خاف الله دله الخوف على كل خير". وقال يحيى بن معاذ:" ما من مؤمن يعمل سيثئة إلا ويلحقها جنتان: خوف العقاب، ورجاء العفو ". وقال الحسن البصرى: " إن المؤمنين قوم ذلت منهم - والله- الأسماع والأبصار وزالجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى وإنهم والله الأصحاء، ولكن دخلهم من الخوف مالم يدخل غيرهم ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة فقالوا: الحمد الله الذى أذهب عنا الخوف، أما - والله - ما أحزنهم ما أحزن الناس ولا تعاظم فى قلوبهم شىء طلبوا به الجنة إنه من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ومن لم ير لله عليه نعمة فى غير مطعم أو شرب فقد قل علمه وحضر عذابه ".

стр. 110

الأخبار فى الخوف قال الله تعالى: ﴿ْ إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ماَ آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (آل عمران: الآية ٥٧ - ٦١). وقد روى الترمذى فى جامعه عن عائشة رضى الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: " لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم، أولئك يسارعون فى الخيرات " (١). عن أنس ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها فقط، فقال: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً " فغط أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين، وفى رواية: بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شىء فخطب، فقال: " عرضت على الجنة والنار فلم أر كاليوم من الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً " فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه

стр. 111

غطوا رؤوسهم ولهم خنين " (١). ومعنى الحديث: لو أنكم علمتم ما أعلمه من عظمة الله ، وانتقامه ممن يعصيه، لطال بكاؤكم وحزنكم وخوفكم مما ينتظركم، ولما ضحكتم أصلاً، فالقليل هنا بمعنى المعدوم، وهو مفهوم من السياق. وروت السيدة عائشة رضى الله عنها: أن رسول الله ﷺ كان إذا تغيّر الهواء وهبت ريح عاصفة يتغير ويتردد فى الحجرة ويدخل ويخرج، كل ذلك خوفاً من عذاب الله (٢). وروى عبد الله بن الشخير: أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل فى الصلاة يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل (٣). ومن تأمل أحوال الصحابة رضى الله عنهم ومن بعدهم من الصالحين من سلف هذه الأمة، وجدهم فى غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير بل التفريط والأمن. فهذا الصديق ﵁ يقول: وددت أنى شعرة فى جنب عبد

стр. 112

مؤمن، وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله . وهذا عمر بن الخطاب ﵁ قرأ سورة الطور حتى بلغ: ﴿إنّ عَذابَ ربِكَ لَواقِعٌ﴾ (الطور: الآية ٧). بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه، وقال لابنه وهو يموت: ويحك ضع خدى على الأض عساه يرحمنى ثم قال: ويل أمى لم يغفر لى -ثلاثاً -ثم قضى، وكان يمر بالآية فى ورده بالله تخيفه فيبقى فى البيت أياماً يعاد يحسبونه مريضاً، وكان فى وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء. وقال له ابن عباس: " مصّر لله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح وفعل " فقال: " وددت أن أنجو لا أجر ولا وزر ". وهذا عثمان بن عفان ﵁ كان إذا وقف على القبر يبكى حتى يبل لحيته، قال: " لو أننى بين االجنة والنار ولا أدرى إلى أيتهما أصير لاخترت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير ". وهذا أبو الدرداء ﵁ كان يقول: " لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت، ماأكلتم طعاماً على شهوة، ولا شربتم شراباً على شهوة أبداً، ولا دخلتم بيتاً تستظلون به، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم، ولوددت أنى شجرة تعضد ثم تؤكل ". وكان ابن عباس ﵁ أسفل عينيه مثل الشراك البالى من كثرة الدموع. وقال علىّ -كرم الله وجهه- قد سلّم من صلاة الفجر، وقد علاه كآبة وهو يقلب يده: " لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ فلم أر اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً صفراً غبراً بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا سجداً وقياما يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباههم

стр. 113

وأقدامهم، فإذا أصبحوا ذكروا الله تمادوا كما يميد الشجر فى يوم الربح، وهملت أعينهم بالدموع حتى يتبل ثيابهم، والله فكأتى بالقوم باتوا غافلين". ثم قام فما رؤى بعد ذلك ضاحكاً حتى ضربه ابن ملجم. وقال موسى بن مسعود: " كنا إذا جلسنا إلى سفيان كأن النار قد أحاطت بنا لما نرى من خوفه وجزعه ". ووصف أحدهم الحسن فقال: " كان إذا أقبل فكأنما أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس فكأنه أسير أمر بقطع رقبته، وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له ". ورُوى أن زرارة بن أبى أوفى صلّى بالناس الفجر بسورة المدثر، فلما قرأ قوله ﵎: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ (المدثر: الآية ٨ - ٩). أخذته شهقة فمات. عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن قال: " ابكوا فإن لم تبكو فتباكوا، فوالذى نفسى بيده: لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته، وصلى حتى ينكسر صلبه ".

стр. 114

١٣ - التوبة التوبة من الذنوب بالرجوع إلى ستّار العيوب، وعلاّم الغيوب، مبدأ طريق السالكين، ورأس مال الفائزين، وأول إقدام المريدين، ومفتاح استقامة المائلين، ومطلع الأصطفاء، والاجتباء للمقربين. ومنزل التوبة أول المنازل، وأوسطها، وآخرها، فلا يفارقها العبد السالك ولا يزال فيه إلى الممات وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به واستصحبه معه، ونزل به، فالتوبة هى بداية العبد ونهايته، وقد قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: من الآية ٣١) وهذه الآية فى سورة مدنية خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم، وهجرتهم، وجهادهم، ثم علق الفلاح بالتوبة وأتى بكلمة " لعل" إيذانا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاح إلا التائبون جعلنا الله منهم، وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات: من الآية ١١) فقسم العباد إلى: " تائب " و " ظالم " وليس ثم قسم ثالث، وأوقع اسم الظالم على من لم يتب ولا أظلم منه لجهله بربه وبحقه وبعيب نفسه وآفات أعماله، وفى الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "يا أيها الناس توبوا إلى الله فوالله إنى أتوب إليه فى اليوم أكثر من سبعين مرة " (١). والتوبة هى: رجوعُ العبد إلى الله ومفارقته لصراط المغضوب عليهم

стр. 115

والضالين. وشرائط التوبة ثلاثة: إذا كان الذنب فى حق الله . وهى: " الندم " و " الاقلاع"، و " العزم على عدم العودة ". فأما الندم فإنه لا تتحقق التوبة إلا به إذ من لم يندم على القبيح فذلك دليل على رضائه به وإصراره عليه، وفى المسند: "الندم توبة ". واما " الإقلاع" فتستحيل التوبة مع مباشرة الذنب. والشرط الثالث: هو: " العزم على عدم العودة " ويعتمد أساساً على اخلاص هذا العزم والصدق فيه، وشرط بعض العلماء عدم معاودة الذنب وقال: متى عاد إليه تبينّا أن التوبة كانت باطلة غير صحيحة والأكثرون على أن ذلك ليس شرطاً، أما إذا كان الشرط متضمناً لحق آدمى فعلى التائب أن يصلح ما أفسد، أو يسترضى من أخطأ فى حقه، لما ثبت (١) عن النبى ﷺ أنه قال: من كان لأخيه عنده مظلمة من مال، وعرض فليتحلله اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات". (٢) فهذا الذنب يتضمن حقين: حق الله وحق الآدمى، فالتوبة منه بتحلل الآدمى لأجل حقه، والندم فيما بينه وبين الله لأجل حقه. وهناك بعض التوبات الخاصة نذكر منها بعون الله تعالى ما يلى: إذا كانت المظلمة بقدح فى الآدمى بغيبة، أو بقذف، فهل يُشترط إعلامه؟ مذهب أبى حنيفة، ومالك اشترطوا الإعلام، واحتجوا بالحديث السابق، والقول الآخر: أنه لايشترط الإعلام، بل يكفى توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب أو المقذوف فى مواضع غيبته، أو قذفه بضد ما ذكره به،

стр. 116

ويستغفر له، وهذا اختيارشيخ الإسلام ابن تيمية، احتج لذلك بأن إعلامه مفسدة محضة لا تتضمن مصلحة، وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه فضلا عن أن يوحبه أو يأمر به. أما توبة من اغتصب مالا فعليه رد هذا المال لأصحابه، فإن تعذر عليه رده لجهله بأصحابه، أو لانقراضهم، أو لغير ذلك فعليه أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها، فإذا كان يوم استيفاء الحقوق كان له الخيار بين أن يجيزوا مافعل، وتكون أجورها لهم، وبين ألا يجيزوا ويأخذوا من حساناته بقدر أحوالهم ويكون ثواب تلك الصدقة له إذا لا يبطل الله سبحانه ثوابها. فقد روى عن ابن مسعود ﵁ اشترى من رجل جارية ودخل يزن له الثمن فذهب رب الجارية، فإن رضى فالأجر له وإن أبى فالأجرلى وله من حسناتى بقدره. وأما توبة من عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العِوض كبائع الخمر والمغنى وشاهد الزور ثم تاب والعوض بيده: فقالت طائفة يرده إلى مالكه إذ هو عينُ ماله، ولم يقبضه بإذن الشارع ولا حصل لربه فى مقابلته نفعٌ مباح، وقالت طائفة - بل وهو أصوب القولين -:بل توبته بالتصدق به وكيف يرد إلى دافعه مالاً استعان به على معاصى الله؟ وهكذا توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام وتعذر عليه تمييزه أن يتصدق بقدرالحرام ويطيب باقى ماله والله أعلم. مسألة: إذا تاب العبد من الذنب هل يرجع إلى ما كان عليه قبل الذنب من الدرجة التى حطه عنها الذنب أو لا يرجع إليها؟ قالت طائفة: يرجع إلى درجته لأن التوبة تجب الذنب بالكلية وتصيره

стр. 117

كأن لم يكن. وقالت أخرى: لايعود إلى درجته وحاله لأنه لم يكن فى وقوف، وإنما كان فى صعود، فبالذنب صار فى هبوط، فإذا تاب نقص عليه ذلك القدر الذى كان مستعداً به للترقى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصحيح: أن من التائبين من لايعود إلى درجته، ومنهم من يعود إلى أعلى منها فيصير خيراً مما كان قبل الذنب، وكان داود بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة، وهنا مثلٌ مضروب: رجل مسافر سائر على الطريق بطمأنينة وأمْن فهو يعدو مرة ويمشى أخرى، ويستريح تارة وينام أخرى فبينما هو كذلك إذ عرض له فى سيره ظل ظليل، وماء بارد ومقيل، وروضة مزهرة، فدعته نفسه إلى النزول على تلك الأماكن فنزل عليها، فوثب عليه منها عدو فأخذه وقيده ومنعه عن السير، فعاين الهلاك وظن أنه منقطع به، وأنه رزق الوحوش والسباع، وأنه قد حيل بينه وبين مقصده الذى يؤمه، فبينما هو على ذلك تتقاذفه الظنون، إذ وقف على رأسه والده الشفيق القادر فحل كتافه وقيوده، وقال له: اركب الطريق واحذر هذا العدو فإنه على منازل الطريق لك بالمرصاد، واعلم أنك ما دمت حاذراً منه متيقظاً له لايقدرعليك فإذا غفلت وثبت عليك، وأنا متقدمك إلى المنزل وفرط لك فاتبعنى على الأثر، فإذا كان هذا السائر كيساً فطناً لبيباً حاضر الذهن والعقل استقبل سيره استقبالا آخر أقوى من الأول، وأتم وأشتد حذره وتأهب لهذا العدو، وأعد له عدته، فكان سيره الثانى أقوى من الأول وخيراً منه ووصوله إلى المنزل أسرع وأن غفل عن عدوه، وعاد إلى مثل حاله الأول من غير زيادة ولا نقصان ولا قوة حذر ولا استعداد، عاد كما كان، وهو معرض لما عرض له أولاً، وإن أورثه ذلك توانياً فى سيره وفتوراً، وتذكراً لطيب مقيله وحسن ذلك الروض أو عذوبتة مائه لم يعد إلى مثل سيره ونقص عما كان.

стр. 118

التوبة النصوح قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ (التحريم: من الآية ٨) والنصحُ فى التوبة: هو تخليصها من كل غش ونقص وفساد، قال الحسن البصرى: " هى أن يكون العبد نادماً على مامضى مجمعاً على أن لايعود فيه " وقال الكلبى: " أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن " وقال سعيد بن المسيب: " توبة نصوحاً تنصحون بها أنفسكم " قال ابنُ القيّم: " النصح فى التوبة يتضمن ثلاثة أشياء ": الأول: تعميم الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبا إلا تناولته. الثانى: اجماع العزم والصدق بكلتيه عليها بحيث لايبقى عنده تردد لا تلّوم ولا انتظار بل يجمع عليها كل إرادته عزيمته مبادراً بها. الثالث: تخليصها من الشوائب والعلل القادحة فى أخلاصها ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده لا كمن يتوب لحفظ حاجته وحرمته ومنصبه ورياسته أو لحفظ وقته وماله أو استدعاء حمد الناس أوالهرب من ذمهم أولئلا يتسلط عليه السفهاء أو لقضاء نهمته من الدنيا أو لإفلاسه وعجزه ونحو ذلك من العلل التى تقدح فى صحتها وخلوصها لله .

стр. 119

فالأول: يتعلق بما يتوب منه، والأوسط: يتعلق بذات التائب، والثالث: يتعلق بمن يتوب إليه، فنصح التوبة: الصدقُ فيها والإخلاص وتعميم الذنوب بها، ولا ريب أن هذه التوبة تستلزم الاستغفار وتتضمنه وتمحو جميع الذنوب وهى أكمل ما يكون من التوبة. وتوبة العبد إلى الله محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها وتوبة منه بعدها فتوبته بين توبتين من ربه سابقة ولاحقة فإنه تاب عليهه: أولاً: إذناً وتوفيقاً وإلهاماً، فتاب العبد، بتاب الله عليه. ثانياً: قبولاً وإثابة لقوله : ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة: الآية ١١٨) فأخبر سبحانه: أو توبته عليهم سبقت توبتهم ,انها هى التى جعلتهم تائبين فكانت سببا مقتضيا لتوبتهم وهذا القدر من سر أسميه " الأول والآخرُ" فهو المعد والممد ومنه السبب والمسبب، والعبد تواب والله تواب، فتوبة العبد رجوعه إلى سيده بعد الأباق، وتوبة الله نوعان: إذن وتوفيق، وقبول وإمداد. والتوبة لها مبدأ ومنتهى، فمبدؤها: الرجوع إلى الله بسلوك صراطه المستقيمم الذى أمرهم بسلوكه بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٣) ونهايتها: الرجوع إليه فى المعاد وسلوك صراطه الذى نصبه موصلاً إلى جنته، فمن رجع إلى الله فى هذه الدار بالتوبة رجع إليه فى المعاد بالثواب، قال الله : ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ (الفرقان: الآية ٧١)

стр. 120

أسرار التوبة ولطائفها اعلم أن العبد العقال إذا صدرت منه الخطيئة فله نظر إلى أمور: أحدها: أن ينظر إلى أمر الله ونهيه فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة والإقرار على نفسه بالذنب. الثانى: أن ينظر إلى الوعد والوعيد فيحدث له ذلك خوفاً وخشية تحمله على التوبة. الثالث: أن ينظر إلى تمكين الله له منها وتخليته بينه وبينها وتقديرها عليه وأنه لو شاء لعصمه منها فيحدث لك ذلك أنواعاً من المعرفة بالله واسمائه وصفاته وحكته ورحمته وحلمه وكرمه، وتوجب له عيودية بهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها البتة، ويعلم ارتباط الخلق والأمر الوعيد بأسمائه وصفاته وأن ذلك موجب الأسماء والصفات وأثرها فى الوجود، وهذا المشهد يطلعه على رياض موفقة من المعارف والإيمان وأسرار القدر والحكمة يضيق عن التعبير عنها نطاق الكلم. منها: أن يعرف العبد عزته فى قضائه، وهو أنه سبحانه العزيز الذى يقضى بما يشاء وأنه لكمال عزته حكم على العبد وقضى عليه بأن قلب قلبه وصرف إرادته عل مايشاء وحال بين العبد وقلبه. ومن معرفة عزته فى قضائه أن يعرف أنه مدبر مقهور ناصيته بيد غيره، لا عصمة له إلا بعصمته ولا توفيق له إلا بمعونته فهو ذليل حقير فى قبضة عزيز حميد، ومن شهود عزته فى قضائه أن يشهد أن الكمال والحمد والعزة

стр. 121

كلها لله وأن العبد نفسه أولى بالتقصير والذم والعيب والظلم والحاجة، ـ وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره ازداد شهوداً لعزة الله وكماله -وحده -غناه. ومنها: أن يعلم بره - سبحانه -فى ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له ولو شاء لفضحه بين خلقه، ومنها مشاهد حلم الله فى إمهال راكب الخطيئة ولو شاء لعاجله بالعقوبة فيحدث له معرفة ربه - سبحانه -باسمه " الحليم ". ومنها: معرفة فضل الله فى مغفرته فإن المغفرة فضل من الله وإلا فلو أخذك بمحض حقه كان عادلا محموداً وإنماعفوه بفضله لا باستحقاقك فيوجب له ذلك شكراً ومحبة وإنابة ومعرفة باسمه " الغفار ". ومنها: أن يكمل لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار والافتقار وهى أربعة مراتب: المرتبة الأولى: ذل الحاجة والفقر، وهذه عامة فى جميعالخلق. المرتبة الثانية: ذل الطاعة والعبودية، وهو خاص لأهل طاعته. المرتبة الثالثة: ذل المحبة فالمحب ذليل بالذات وعلى قدرمحبته يكون ذله. المرتبة الرابعة: ذل المعصية والجناية وحقيقة ذلك هو الفقر. فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع كان الذل لله والخضوع له أكمل وأتم. ومنها: أن اسم " الرزّاق " يقتضى مرزوقاً، و " السميع البصير" يقتضى مسموعاً ومبصرا، كذلك أسماء " الغفور، العفو، التواب" يقتضى من يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه، ويستحيل تعطيل هذه الأسماء والصفات. وقد أشار إلى هذا أعلم الخلق بالله ﷺ حيث

стр. 122

يقول: " لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم " (١) ومن أسرارها: ما ورد فى الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته أرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع فى ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ يخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدى، وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح " (٢). فما الظن بمحبوب لك تحبه حباً شديداً وأسره عدوك وحال بينك وبينه وأن تتعلم أن العدو سيسومه سوء العذاب ويعرضه لأنواع الهلاك وأنت أولى به منه وهو غرسك وتربيتك ثم إنه انفلت من عدوه ووافاك على غير ميعاد فلم يفاجئك إلا وهوعلى بابك يتملقك ويترضاك ويمرغ خديه على تراب أعتابك فكيف يكون فرحك به وقد اختصصته لنفسك ورضيته لقربك وآثرته على ما سواه، هذا ولست الذى أوجدته وخلقته وأسبغت عليه نعمك والله هوالذى أوجد عبده وخلقه وأسبغ عليه نعمته وهو يحب أن يتمها عليه. وإلى هننا انتهى ما تيسر لنا جمعه وترتيبه، والله نسأل أن يكون القبول نصيبه وأن يرزقنا يوم القيامة بره وذخره إنه على ما يشاء قدير وبالإبجابة جدير وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 123

١٤ - فهرس المراجع ١ - إحياء علوم الدين، للغزالى بتحقيق العراقى ط. الشعب. ٢ - إغاثة اللهفان من مصايد اتلشيطان، لابن القيم ط. الحلبى. ٣ - تحفة الأشراف، للمزى. عبد الصمد شرف الدين ط. الدار القيمة بالهند. ٤ - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ط. دار المعرفة ببيروت. ٥ - تفسير المعوذتين، لابن القيم ط. المطبعة السلفية. ٦ - الترغيب والترهيب، للمنذرى. ٧ - جامع الأصول، لابن الأثير بتحقيق عبد القادر الأرناؤوط، ط. دار الفكر. ٨ - جامع العلوم الحكم، لابن رجب، ط. الحلبى. ٩ - جلاء الأفهام، لابن القيم ط. دار عمر بن الخطاب. ١٠ - الجواب الكافى، لابن القيم. ١١ - رياض الصالحين، للنووى بتحقيق الأبلنى ط. المكتب الإسلامى. ١٢ - الروح، لابن القيم، ط. محمد على صبيح. ١٣ - سنن ابن ماجه، ط. المكتبة العلمية. ١٤ - سنن الدارمى، ط. دار الكتب العلمية. ١٥ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألبانى. ١٦ - سنن النسائى بشرح السيوطى وحاشية السندى، ط. دار الكتب العلمية.

стр. 124

١٧ - شرح السنة، للبغوى بتحقيق شعيب الأرناؤوط. ١٨ - صحيح ابن داود، للألبانى، ط. مكتب التربية العربى. ١٩ - صحيح الترمذى، للأبانى، ط. مكتب التربية العربى. ٢٠ - صحيح ابن ماجه، للألبانى، ط. مكتب التربية العربى. ٢١ - صحيح مسلم، بشرح النووى، المكتبة المصرية. ٢٢ - صحيح النسائى، للألبانى، ط. مكتب التربية العربى.\ ٢٣ - عارضة الأحوذى بشرح جامع الترمذى، لابن العربى، ط. دار الوعى. ٢٤ - عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن القيم، زكريا على يوسف. ٢٥ - عون المعبود بشرح سنن أبى داود، لشمس الحق أبادى، ط. المكتبة السلفية بالمدينة المنورة. ٢٦ - فتح البارى بشرح صحيح البخارى، لابن حجر، ط. السلفية. ٢٧ - مجمع الزوائد زمنبع الفوائد، لنور الدين الهاشمى، ط. دار الكتاب العربى. ٢٨ - مدارج السالكين، لابن القيم، ط. دار الفكر العربى. ٢٩ - مستدرك الحاكم ومعه تلخيص الذهبى، ط. دار المعرفة. ٣٠ - مسند أحمد بفهرس الألبانى، ط. المكتب الإسلامى. ٣١ - مشكاة المصابيح، للتبريزى بتحقيق الألبانى، ط. المكتب الإسلامى. ٣٢ - مفتاح دار السعادة، لابن القيم، ط. مكتبة السعادة. ٣٣ - موطأ مالك، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقى، ط. الحلبى. ٣٤ - موارد الظمآن فى زوائد ابن حيان، ط. دار الكتب العلمية. ٣٥ - موعظة المؤمنين، للقاسمى، ط. المكتبة التجارية. ٣٦ - المعجم المفهرس للألفاظ الحديث، لجماعة من المستشرقين، ط. دار الدعوة. ٣٧ - الوابل الصيب، لابن القيم، ط. المطبعة السلفية.